يتوزَّع في المرأة الواحدة على عدد الطلاق.
ولو قال: أنتما طالقان على ألفٍ، فقبِلَتْ إحداهما دون الأخرى، لم تَطْلُقْ عند الأصحاب، كما لو قال: بعتكما هذا بألفٍ، فقَبِلَ أحدهما النصفَ بخمس مئة؛ فإنَّ البيع لا يصحُّ وإن جوَّزنا لأحدهما الانفراد بالردِّ؛ لِمَا في ذلك من مخالفة القبول للإيجاب، وأَبعدَ مَن قال: ينعقدُ في النصف بخمس مئة، ولم أر هذا لمعتمَدٍ (١) في المذهب، ولعلّه من ارتكاب أئمَّة الخلاف، ويجب طردُ ذلك فيما إذا قَبِلَتْ إحداهما الخلع.
وإن قال: بعتكما بألفٍ، فقالا: اشترينا، صحَّ، وإنْ قَبِلَ أحدهما بعد الآخر على الاتِّصال.
ولو قال كلُّ واحد منهما: قبلتُ نصفَه بخمس مئة، فالظاهر الانعقادُ، وفيه احتمال؛ لأنَّ إيجابه اقتضى جوابهما، فأجابه كلُّ واحدٍ منهما بما يصلح للانفراد.
ولو قال البائعان لرجل: بعناك عبدنا هذا وهو بيننا نصفين بألف، فقال لأحدهما: اشتريتُ سهمك بخمس مئة لم يصحَّ عند الأصحاب، ويطَّرد فيه الوجه البعيد.
٢٥٧٣ - فرع:
إذا قَبِلَتا وإحداهما سفيهةٌ، طَلَقَتَا اتِّفاقًا، فتَبِيْنُ الرشيدة، وله ارتجاعُ السفيهة.
стр. 2067
ولو قالت: خالِعني وضرَّتي بألفٍ، فأجاب، صحَّ اتِّفاقًا؛ إذ لا أثر لتعدُّد المعقود عليه.
ولو قالتا: خالِعْنا بألفٍ، فقال: خالعتُكما، أو: طلَّقتكما، بانتا، وفي وجوب المسمَّى القولان.
ولو قالتا: خالعنا - أو: طلِّقنا - بألف، فقال لإحداهما: طلَّقتُك، بانت، كنظيره من الجعالة.
ولو قالا: بعنا هذا، فباع النصفَ من أحدهما، لم يصحَّ؛ لأنَّه معاوضةٌ محضةٌ، فشُرط فيه التوافُقُ الحقيقيّ بين القبول والإيجاب، ومن هذا استنبطوا قولًا فيما لو باع منهما، فقَبِلَ أحدهما، وهذا لا يصحُّ؛ لأنَّ الأصحاب نصُّوا على اختلاف حكم المسألتين.
٢٥٧٤ - فرع:
إذا قال: إن أعطيتماني ألفًا فأنتما طالقان، فأعطته إحداهما، لم تَطْلُقْ.
ولو قالتا: طلِّقنا بألف، فقال: طلَّقتُ هذه، أو: طلَّقتك يا هذه، بانت، وهل يجب مهرُ المثل، أو نصف المسمَّى؟ فيه قولان، ولا يجيء قولُ التوزيع على المهرين.
* * *
٢٥٧٥ - فصل في الردَّة بين الإيجاب والقبول
إذا قالت: طلِّقني بألفٍ، ثم ارتدَّت، فأجاب؛ فإن كان قبل الدخول لم تطلق؛ لانفساخ النكاح، وإن كان بعد الدخول؛ فإن أسلمتْ قبل انقضاء
стр. 2068
العدَّة صحَّ الخلع، وإلّا فلا.
وإن قال: خالعْتُكما، فارتدَّتا ثم قَبِلَتا، أو سألتاه الطلاق، ثم ارتدَّتا، فأجاب؛ فإن أسلمتا في العِدَّة صحَّ الخلع، وإن أسلمت إحداهما، وأصرَّت الأخرى؛ فإن كان الاستدعاءُ منهما، فهو كما لو استَدْعَتا ولا ردَّة فأجاب إحداهما، وإن ابتدأ الزوج بذلك؛ فإن قلنا: يبطل الخلع بالكلام اليسير، اتَّجه أن يبطل بتخلُّل الردَّة، وإن قلنا: لا يبطل بالكلام اليسير، فهو كما لو خالعهما فقبلت إحداهما؛ فإنَّ قبول المصِرَّة قد بطل، بخلافِ قبولِ السفيهةِ.
* * *
٢٥٧٦ - فصل في خلع الأجنبيِّ
إذا قال الأجنبيُّ: طلَّق زوجتك ولك عليَّ ألفٌ، أو: بألفٍ، أو: على ألفٍ، فأجابه، صحَّ اتِّفاقًا، ولزمه المال، وإن لم تعلم الزوجة ولم تأذن، ولا يُخرَّج على الخلاف في كون الخلع فسخًا؛ فإنَّ الطلاق بالمال صحيح بالإجماع.
ولو قال: أَعْتِقْ مستولَدَتك ولك عليَّ ألفٌ، فأجاب، استحقَّ الألفَ.
ولو قال: أعتِقها عنِّي بألفٍ، فأجاب، عَتَقَتْ، ولا شيء له.
ولو قال: طلِّق زوجتك عنِّي بألفٍ، فأجابَ، فالوجهُ: القطعُ بوجوب الألف، ويُحتملُ إيجاب مهر المثل.
ولو قال: طلِّقها ولك ألفٌ، ففي وجوب الألف بهذا اللفظِ تردُّدٌ مرتَّبٌ على استدعائها بهذا اللفظ، والأجنبيُّ أولى بالمنع؛ لبعده عن غرض الخلع.
стр. 2069
٢٥٧٧ - فرع:
إذا خلعها بغيرِ إذنها لم يرجع بالبدل، وإنْ أذنت، رجع إن شرط الرجوع، وإن لم يشرطه فوجهان.
وقال أبو محمد: هل يُلحق بالضمان، أو بمطالبة الوكيل بالعهدة؟ فيه خلاف؛ لأنَّ الفائدة راجعةٌ إلى المرأة، كما ترجع إلى الموكِّل.
* * *
٢٥٧٨ - فصل في خلع السفيهة والعبد والأمة
طلاق العبد والسفيهة وخُلعُهما نافذٌ بغيرِ إذنٍ، فيدخل العوضُ تحت الحجر، كما يدخل ما يحصِّلانه بالاحتشاش أو الاتِّهاب.
ولاختلاع الأمة حالان:
إحداهما: أن يقع بإذن السيَّد، فإن كان بعَيْنٍ من ماله صحَّ، ومَلَكها الزوج، وإن كان على الذمَّة تعلَّق العوض بكسبها، كما يتعلَّق المهر به في إصداق العبد بالإذن، وهل يضمنه السيِّد؟ فيه قولان.
الثانية: أن تختلع بغير إذنٍ، فتَبِين، ولا تُطالَب إلا بعد العتق، وفي صحَّة الاختلاع وجهان، فإن قلنا: يصحُّ، لزمها المسمَّى، وإن قلنا: لا يصحُّ، وجب مهر المثل، وإن خالعت بعينٍ من ماله؛ فإن قلنا: يصحُّ خُلعُها بالدَّين، فهو كاختلاع الحرَّة بالمغصوب، وهل يلزمُها مهرُ المثل، أو القيمةُ؟ فيه قولان، وإن قلنا: لا يصحُّ، وجب مهر المثل قولًا واحدًا.
واختلاع المكاتبة بغير إذنٍ كاختلاع الأمة بغير إذنٍ، وإن اختلعت
стр. 2070
بالإذن فعلى قولَي التبرُّع بالإذن، وإن اختلعت بعين تملكها؛ فإن كان بغيرِ إذنٍ فهو كاختلاع الأمة بالعين بغير إذدب، وإن كان بإذنٍ فعلى قولَي التبرُّع، وقال في "التلخيص": لا يصحُّ الخلع وإن جوَّزنا التبرُّع بالإذن، وهو مزيَّف.
* * *
٢٥٧٩ - فصل في الاختلاف والتنازع
إذا اختلفا في جنسِ بَدَلِ الخُلْعِ، أو قَدْرِه، أو وَصْفِه، أو في عدد المسؤول من الطلاق مثلَ أن قالت: طلَّقتني ثلاثًا سألتُها بألف، فقال: بل واحدةً سألتِها بألفٍ، تحالفا، ووجب مهرُ المثل، والقولُ قول الزوج فيما ينفيه من الطلاق.
وقد نُقل عن الشافعيِّ أنَّها لو قالت: سألتكَ ثلاثًا بألفٍ، فطلَّقتني واحدة، فقال: بل طلَّقتكِ ثلاثًا؛ فإن قصُر الفصل طَلَقَتْ ثلاثًا، وإن طال بحيث يُبطل خيارَ القبول طَلَقَتْ ثلاثًا، وتحالفا، ووجب مهرُ المثل، ومقتضى ذلك وجوبُ المسمَّى إنْ قصر الفصل؛ لقدرته على الإنشاء.
وهذا مشكِلٌ؛ فإنَّه لو قدَّم طلقةً، فقَبِلَتْ، بانت، وعجز عن الإنشاء، فبنى ذلك بعضُهم على الوجهين فيما إذا قال لغير الممسوسة: إن دخلت الدار فأنت طالقٌ وطالقٌ، ففي وقوع طلقتين وجهان؛ فإن قلنا: تقعان، فاستدعت ثلاثًا بألفٍ، فقال: أنتِ طالقٌ وطالقٌ وطالقٌ؛ طلقت ثلاثًا؛ لأنَّ الاستدعاء جامعٌ للطلقات كالدخول، فيَقْدِرُ على إنشاء الطلقتين بعد وقوع الأولى.
стр. 2071
وهذا باطلٌ، ويجب القطع بأنَّه لا يقع سوى الأولى؛ فإنَّها بانت بها، كما لو قال لغير الممسوسة: أنت طالقٌ وطالقٌ؛ لأنَّ ألفاظ الإنشاء مترتِّبةٌ، فيستحيل أن يتقدَّم حكمُ الطلقة الثانية والثالثة عليهما، بخلافِ دخولِ الدار؛ فإنَّه أول وقتِ الوقوع، فوقعت فيه الطلقتان معًا.
ثم لا وجه للتحالف؛ فإنَّه لا يجري إلا في صفة العقد، أو صفةِ عِوَضِه، فينبغي أن يجب ثلثُ الألف؛ لاتِّفاقهما عليه، ثم يحلِّفها على نفي العلم.
ومن الإشكال أنَّه لم ينشئ الطلاق، بل أقرَّ به، فيُحتمل أن يُخرَّج على أنَّ مَن مَلَكَ الإنشاء فقد يُجعل إقرارُه كإنشائه مع ما فيه من الاشكال.
فيُمْكِنُ أن يُحمل هذا النصُّ على زللٍ في النقل، أو خطأ في بعض النُّسخ، وهو منقولٌ عن "الأمّ"، وكلُّ ما يضاف إليها، فهو من الأقوال القديمة (١).
والحقُّ في ذلك أن يقال: إن قال الزوج: لم أطلِّقك، ولكنَّي أطلِّق الآن، فطلَّق ثلاثًا مع اتِّصال الزمان، فالوجه: القطعُ بوجوب المسمَّى، ووقوعِ الثلاث، ولها تحليفُه أنَّه لم يطلِّقها سوى واحدةٍ في جواب السؤال؛
стр. 2072
فإنْ نكل لم يجب المسمَّى، وإن قال: طلَّقتك من قبلُ ثلاثًا، فلا أثر لقُرْبِ الزمان، فتقع الثلاثُ، ويجب ثلثُ الألف، والقولُ قولُها في نفي الثلثين.
٢٥٨٠ - فرع:
إذا قال: طلَّقتكِ بالفٍ، أو قال لعبده: أعتقتُكَ بألف، أو قال لإنسان: بعتكَ عبدي بألفٍ فأعتقتَه، فأنكر المدَّعى عليه التزامَ المال والشراء، نفذ الطلاقُ والعتقُ، والقولُ قولُ المنكِر في نفي المال، وإن قال: بعتك بألفٍ باقٍ عليك، فأنكر، لم يلزم المُقِرَّ تسليمُ المبيع.
٢٥٨١ - فرع:
إذا قالت: طلِّقني على نيَّتي (١)، أو على مال، فقال: أنت طالقٌ على ألف درهم، بانت، ووجب مهرُ المثل.
قال الإمام: هذا إنْ قَصَدتِ الاستدعاءَ المُغْنِي عن القبول، فإن قالت: قصدتُ أن يُوجب الطلاق بشيء أقبله، ففي قبول قولها احتمال.
وإن قالت: طلِّقني بشيء، فقال: طلَّقتك بشيء، فالظاهر: أنَّه استدعاء، وفيه احتمال.
* * *
٢٥٨٢ - فصل في الوكالة في الخلع
للزوجين التوكيلُ في الخلع، فمَن مَلَكَ مباشرةَ الخلع لنفسه - كالحرّ والعبد والسفيه - جاز أن يكون وكيلًا للزوج، وكذلك الذِّمَّيُّ في مخالعة
стр. 2073
المسلمة؛ فإنَّه لو خالع زوجته المسلمة، ثم أسلم قبل انقضاء العدَّة، صحَّ الخلعُ، وإن قال لامرأته: طلِّقي نفسك، صحَّ.
وإن وكَّل امرأةً في الطلاق أو الخلع؛ فإن جعلنا التفويضَ إلى الزوجة توكيلًا جاز، وإلا فلا؛ فإن قلنا: لا يجوز، فطلَّقت، لم يقع.
واستبعد الإمام وجهَ المنع، وقال: إذا جُعل التفويضُ تمليكًا، فجوازُ التوكيل على هذا القول أولى؛ فإنَّ الإنسان قد يتوكَّل فيما لا يملكه، كالعبد والكافر والفاسق إذا توكَّلوا في إيجاب النكاح على الأصحِّ.
وللمرأة توكيلُ المرأة في الخلع، وكذلك كلُّ مَن هو من أهل العبارة في الطلاق.
* * *
٢٥٨٣ - فصل في مخالفة وكيل الزوج
إذا قال: طلَّق امرأتي بمئة درهم، فطلَّق بمئةٍ أو أكثر، أو قال: طلِّقها على مالٍ، أو: اخْلَعْها، ولم يذكرِ العوض، فخَلَعَ بمهر المثل أو أكثر، صحَّ الخلعُ بذلك، وإن نقص عن المسمَّى، أو عن مهر المثل، فالنصُّ: أنَّها لا تَطْلُقُ إذا نقص المسمَّى، وتَطْلُقُ إذا نقص مهرُ المثل، وخُرِّج في المسألتين قولٌ على خلاف النصِّ فيهما، وهو متَّجهٌ إذا نقص عن مهر المثل، بعيدٌ إذا نقص عن المسمَّى.
فإن قلنا: تطلق إذا نقص عن مهر المثل، فطريقان:
أصحُّهما: أنَّ البينونة لا تردُّ، وهل يجب مهرُ المثل، أو يتخيَّر؟ فيه
стр. 2074
قولان، فإن خيَّرناه فله الرضا بالمسمَّى، أو فسخُه والرجوعُ بمهر المثل.
الطريقة الثانية انفرد بها أبو عليٍّ: أنَّه يتخيَّر، وفيما يتخيَّر فيه قولان:
أحدهما: يتخيَّر بين أن يُجيز، وبين أن يردَّ العِوَض والطلاق.
والثاني: يتخيَّر بين الإجازة، وبين ردِّ العوض والبينونة، دون الطلاق، فإن اختار ردَّ العوض والبينونة نفذ الطلاق رجعيًّا.
فيجوز أن يكون هذا الخلافُ مبنيًّا على وقف العقود، ويجوز أن يختصَّ الطلاق بوقفٍ لا يجري نظيرُه في العقود، وهذا غير مرضيٍّ؛ إذ يجب طردُه في تطليق الأجنبيِّ.
ولا يتَّجه شيء من هذه التفاريع إذا نقص عن المئة المسماة.
٢٥٨٤ - فرع:
قال الإمام: إذا قال: خالِعْ زوجتي، فهل يُشْعِرُ ذلك بطلب المال كما لو قال: بع ثوبي، أو يُخرَّج على تخالُعِ الزوجين إذا لم يُذكر المال؟ فيه احتمال.
* * *
٢٥٨٥ - فصل في مخالفة وكيل الزوجة
للزوجة في التوكيل حالان:
إحداهما: أن تسمِّي، فتقولَ: اخلعني بمئة درهم، فيَخْلَعُ الوكيلُ بها أو بأقل، فيصحُّ، وإن زاد فله أحوال:
الأولى: أن يضيف إليها، فيقول: اختلعتُها بمئتي درهم عليها، فتَطْلُقُ
стр. 2075
على النصِّ الجديد والقديم، خلافًا للمزنيِّ، وقولُه متَّجه، ولم يُلْحِقوه بالمذهب، خلافًا للإمام.
فإن قلنا: تَطْلُقُ، فلا شيء على الوكيل؛ لإضافته الخلع إليها، وفيما يجب عليها قولان:
أحدهما: مهرُ المثل، وهو المذهبُ.
والثاني: الأكثرُ من مهر المثل أو المئةِ المسمِّاة، فيلزمُها المئةُ إن كان مهرُ المثل تسعين، أو مهرُ المثل إن كان مئةً وخمسين، وإن كان ثلاثَ مئة لزمها مئتان على الأصحِّ؛ لرضا الزوج بهما.
الحال الثانية: أن يُطْلِقَ الخُلْعَ بالمئتين، فتَبِين، ولا يخرج عن الغرم اتِّفاقًا، بل يجب عليهما، وفيما يلزمها قولان:
أقيسهما: المئةُ التي سمَّتها، والباقي على الوكيل.
والثاني: الأكثرُ من مهر المثل أو المئة، فإن كان مهر المثل تسعين لزمها مئةٌ، والباقي على الوكيل، وإن كان مهر المثل مئةً وخمسين لزمها مئة وخمسون، والباقي على الوكيل، وإن كان مهر المثل مئتين لزمها المئتان، فإن زاد مهرُ المثل على المئتين لم تجب الزيادةُ؛ لصحَّة التسمية، ولذلك نصَّ الشافعيُّ على أنَّها لو قالت: اخلعني بمئة، فقال: لا يرضى الزوجُ بذلك، وأنا أخلعُكِ بما يَطْلبُ والزيادةُ عليَّ، جاز؛ فإنَّه إذا ملك أن يفديها بجميع العوض ملكَ الفداءَ ببعضه، ثم الوكيل مطالب بما يلزمه.
وإن علَّقنا العهدة بالوكلاء طُولب بما يلزمها، وإلّا فلا، وعلى قياس
стр. 2076
المزنيِّ: إن أضاف الخلع إليها لم يصحَّ، وإن أضافه إلى نفسه لزمه كمالُ العوض.
الحال الثالثة: أن ينويَ اختلاعها عن نفسه، أو يُطْلِقَ ولا ينويَها، فيقع الخلع عنه.
٢٥٨٦ - فرع:
إذا أضاف الخلع إليها وضَمِنَ، بأن قال: اختلعتُها بمئتين من مالها على أنَّي ضامنٌ، فهو كإضافة الخُلع إليها من غير ضمانٍ، وغلط الصيدلانيُّ، فألحق ذلك بصورة الإطلاق.
الحال الثانية: أن توكِّل في الخلع، ولا تذكُرَ العِوَضَ، فيَخْلَعُ بمهر المثل أو أقلّ، فيصحُّ، فإن زاد على مهر المثل فهو كما لو زاد على ما سمَّته، فإن أضافه إليها فهو كالإضافة إذا سمَّت، وإن أطلق فهو كما لو أطلق فيما يجب على كلِّ واحدٍ منهما، إلّا أنَّ المرأة لا يلزمُها هاهنا أكثرُ من مهر المثل؛ فإنَّها لم تسمَّ شيئًا.
٢٥٨٧ - فرع:
قال القاضي: إذا عَدَلَ عن المئة، فخالَعَ بمئة دينار، وقع الخُلْعُ عنه؛ لأنَّ المخالفة في الجنس خروجٌ عن الإذن بالكلَّيّة، بخلافِ المخالفة في المقدار، ولم أر التفرقة بين المخالفة في الجنس أو القَدْرِ إلا لَهُ.
ولو أذنتِ المرأة في النكاح بمئةٍ، فزوّجت بخمسين، ففي صحَّة النكاح خلافٌ، فإن صحَّحناه وجب مهرُ المثل.
стр. 2077
ولو وكَّل الرجل مَن يقبل له النكاحَ بالف، فقبِلَه بألفين، لم ينعقد، وأَبعدَ مَن قال: ينعقد، ويجب مهر المثل.
٢٥٨٨ - فرع:
إذا توكَّل للزوجين في الخلع ففي الصحَّة وجهان؛ فإنَّ الخلع يقبلُ ما لا تقبلُه سائرُ المعاوضات، فإن صحَّحناه، ففي الاكتفاء بأحد الشقَّين وجهان.
وإن توكَّل في استيفاء حقٍّ وإيفائه، فتلف في يده، فهل يكون من ضمان الدافع، أو المستحِقِّ؟ فيه تردُّدٌ للقفَّال.
وقال الإمام: إن نوى القبضَ عن المستحِقِّ فهو من ضمانه، وإن نواه عن الدافع ففيه احتمال، وإن لم ينو شيئا ففيه تردُّدٌ يَقْرُبُ من تقابل الأصلين.
* * *
стр. 2078
٢٥٨٩ - باب الخلع في المرض
إذا تزوَّج المريضُ بمهر المثل أو أقلَّ، صحَّ، ولم يُحسب من الثلث، كما لو استوعَبَ مالَه في ملاذِّ الطعام، ومهورِ الأبكار، وقضاءِ الأوطار، وإن زاد على مهر المثل فالزيادةُ تبرُّعٌ مردودٌ إن كانت الزوجة وارثةً، ومحسوبٌ من الثلث إن لم تكن وارثةً.
وإن اختلع بأقلِّ ما يُتموَّل صحَّ؛ إذ ينفذُ طلاقُه مجَّانًا.
وإن تزوَّجت المريضةُ بمهر المثل أو أكثر، صحَّ، وإن نقصت عن مهر المثل صحَّ النكاح، فإن كان الزوج حرًّا ورث ولزمه مهرُ المثل، وإن كان عبدًا فالمذهبُ: أنه يُحسب من الثلث، وقيل: ليس بوصيَّةٍ؛ فإنَّ التبرُّع ما يبقى للورثة، ومنافعُ البُضْعِ لا تبقى لهم.
وإن اختلعت بمهر المثل أو أقل، لم يُحسب من الثلث، وإن زادت على مهر المثل حُسبت الزيادةُ من الثلث، فإن لم تملك سوى عبدٍ قيمتُه مئةٌ، فاختلعت به، ومهرُ مثلها خمسون، بانت، ولزمها مهرُ المثل، ومَلَكَ نصفَ العبد بالخُلع، وسُدسَه بالوصيّة، وله الخيار، في نصفه بين الفسخ والإجازة؛ فإنْ فسخ فله مهرُ المثل على قولٍ، والقيمةُ على آخر.
стр. 2079
٢٥٩٠ - فروع:
الأول: حكمُ خلع الكفَّار كحكم أنكحتهم، والعوضُ فيه كالصَّداق فيما يُقبض قبل الإسلام أو بعده.
الثاني: إذا خلع بعد الدخول أو قَبْلَه، على دَينِ أو عينٍ، لم يبرأ من الصَّداق.
الثالث: إذا تخالَعَا على خمرٍ، أو خنزيرٍ، أو على دَينٍ مؤجَّلٍ بالدِّياس والحصاد، أو على ما في كفِّها، وهو مجهولٌ، وقلنا: لا يصحُّ نظيره من البيع، بانت، ولزم مهرُ المثل.
الرابع: إذا قالت: أبرأتك من الصداق بشرط أن تطلِّقني، فطلَّق، طَلُقَتْ مجَّانًا، ولم يصحَّ الإبراء.
وإن قال: إن أبرأتِني فأنتِ طالق، فقالت: أبرأتُك، بانت، كما لو قال: إن ضمنتِ لي ألفًا، فضمِنَتْه.
وإن قال: طلَّقتك فأبرئيني، طَلَقَتْ، ولم يَلْزَمْها الإبراءُ، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 2080
كتاب الطلاق
стр. 2081
كتاب الطلاق
٢٥٩١ - الطلاق منقسمٌ إلى سُنِّيًّ وبِدْعِيّ، ومكروهٍ ومباح .
فالمباح: هو الطلاقُ لغرضٍ يُطلِّق لمثله العقلاء؛ من استشعارِ نشوزٍ، أو ظهورِ ريبةٍ، أو عدمِ محبَّةٍ مع شحٍّ بالنفقة.
والمكروه: الطلاق لغير غرضٍ ولا حاجة.
والسنِّيُّ: أن يطلِّق في طهر لم يجامع فيه.
والبِدْعيُّ محرَّم إجماعًا، وهو أن يطلِّقها في طهرٍ جامعها فيه من غير عوضٍ، ولا تبيُّنِ حملٍ ولا حيالٍ، أو يطلِّق في الحيض من غير عوضٍ، ولا رضاها، وهي من أهل الأقراء.
٢٥٩٢ - فرع:
إذا خالَعَ الحائض جاز، وإن طلَّقها برضاها فوجهان، وإن خَلَعها أجنبيٌّ بغير رضاها حَرُمَ على الظاهر، وفيه احتمال.
وإن خلعها في طهر وطئها فيه فالظاهرُ الجوازُ، وفيه وجة. واستدخالُ مائه كجِماعٍ عند أبي عليٍّ، وتردَّد فيما لو وطئ في الدُّبر وعَلِمَ أنَّ الماء لم يَسْبِقْ إلى الرحم، ومال إلى أنه لا أثر له. وبنى الإمامُ ذلك على الخلاف في وجوبِ العِدَّة. وإن وطئها في الحيض لم تَزُلِ البدعةُ حتى تحيضَ حيضةً
стр. 2082
أخرى، وفيه احتمال، فإنَّ بقية الحيض تدل على الحيال.
وإذا طولِبَ المُوْلي بالطلاق فطلَّق، أو طلَّق الحاكم، فلا يحرم اتِّفاقًا (١).
ومَن لا سنَّة في طلاقها ولا بدعةَ خمسٌ: المختلعةُ، والتي بانَ حملُها، وغيرُ الممسوسة، والصغيرةُ، والآيسةُ.
٢٥٩٣ - فرع:
يجوز جمع الطلقتين والثلاث، وفي استحباب التفريق على الأقراء خلافٌ، والظاهر الاستحباب.
* * *
٢٥٩٤ - فصل في الرجعة من طلاق البدعة
طلاقُ البدعة نافذٌ، ويُستحبُّ الرجعةُ منه ولا يجب، ولا يُكره تركُها (٢) اتِّفاقًا، فإن أراد الطلاق بعد الرجعة فالأصحُّ أنَّا نستحبُّ إيقاعَه في الطهر الثاني؛ لئلا تكون الرجعةُ لأجل الطلاق.
وفي استحباب الوطء في الطهر الأوّل وجهان، فإن قلنا: يُستحبُّ، فراجَعَ في الحيض ووطئ فيه، فلا أثر لوطئه، وقيل: يحصل الغرض إذا طلَّق في الطهر الأوَّل، وإن طلَّقها في طهر جامَعَها فيه؛ فإن راجَعَ فيه فالطلاقُ في
стр. 2083
بقيَّته حرام، فإذا حاضت ثمَّ طهرت، فليطلِّقْها الآن، ولا يُشترط في الاستحباب أكثر من ذلك، وإن لم يراجع حتى حاضت، فراجع في الحيض، فعلى الأصحِّ لا تَطْلُق في الطهر الأوَّل؛ لئلا تكون الرجعةُ لأجل الطلاق، وإن طلَّق طلاقًا غيرَ بِدْعيٍّ، ثم ارتجع في الحيض، فله طلاقُها كما طهرت؛ إذ لا تُستحبُّ الرجعة والإمساك إلا في الطلاق البدعيِّ.
وحكى القاضي عن الأصحاب: أنَّه لا تُستحب الرجعة كما طهرت؛ لئلا تكون الرجعةُ لأجل الطلاق.
والمذهبُ الأوّلُ، ولم نر هذه الحكاية لغيره.
٢٥٩٥ - فرع:
إذا قال لذات السُّنة والبدعة: أنت طالقٌ مع آخر جزءٍ من حيضك، فليس ببدعيٍّ على أقيس الوجهين؛ إذ ليس فيه تطويلُ عدَّة، ولا خوفُ ندامةٍ بظهور الحَبَل.
وإن قال: أنت طالق في آخر جزءٍ من طهرك، فإن جُعِلَ الانتقالُ من الطهر إلى الحيض قروءًا، فهو سنِّيٌّ، وإن لم نجعله قروءًا، فبِدعيٌّ على أقيس الوجهين؛ لِمَا فيه من تطويل العدَّة.
* * *
٢٥٩٦ - فصل في تعليق الطلاق على السنَّة والبدعة
الطلاق قابلٌ للتنجيز والتعليق، والتعليقُ تأقيتٌ واشتراطٌ:
فالشرط: ما لا يُعلم وقوعه؛ كقدوم إنسانٍ، ودخولِ الدار (١).
стр. 2084
والتأقيتُ: ما يُعلم حصوله؛ كذهاب الليل، ومجيء النهار.
واللام في اللغة للتأقيت والتعليل، فإن قُرنت بما يُتخيَّل تعليلُ الطلاق به فهي ظاهرةٌ في التعليل، فيتنجَّز الطلاق وإن لم توجد علَّتُه، فإنْ زعم أنَّه قصد التأقيت دُيِّن، وفي قبوله ظاهرًا وجهان.
مثاله: أن يقول: أنتِ طالقٌ لرضا فلان، فتَطْلُق وإن سَخِطَ؛ فإنْ زعم أنَّه نوى التأقيتَ دُيِّن، وفي القبول ظاهرًا الوجهان.
وإن قُرنت اللام بوقتٍ يتكرَّر أو لا يتكرَّر، فهي للتأقيت اتِّفاقًا.
وإن قال: أنتِ طالقٌ لقدوم زيدٍ، فهو تأقيتٌ، وإن قال: لدخول الدار، فالظاهرُ أنَّه تعليل.
وإذا قال لذات السُّنة والبدعة: أنت طالقٌ للسنَّة، فإن كانت في حالِ سنَّةٍ تنجَّز الطلاق، وإن كانت في حال بدعةٍ لم تَطْلُقْ حتى تصيرَ إلى حال السنَّة، وإن قال: أنت طالقٌ للبدعة، فإن كانت في حال بدعةٍ تنجَّز الطلاق، وإن كانت في حالِ سنَّةٍ لم تطلق حتى تصير إلى حال البدعة، وإن لم تكن ذات سنَّة ولا بدعة، فقال: أنتِ طالقٌ للسنَّة، طَلَقَتْ في الحال، إِلّا أن يقول: إذا صِرْتِ من أهل السنَّة، فلا تطلقُ حتى تصير من أهل السنَّة، وإن قال: أنت طالق للبدعة، فالأصحُّ تنجيزُ الطلاق، وقيل: لا تطلق حتى تصير إلى حالِ البدعة، فإنَّ طلاق السنَّة يمكنُ حملُه على ما يجوزُ، بخلافِ طلاق البدعة.
٢٥٩٧ - فرع:
قال الأئمة: إذا قال لغير الممسوسة: أنت طالق للسنَّة، وزعم أنَّه قصد التعليق على حال السنَّة، دُيِّن، ولم يُقبل في الحكم، وإن قال: أنت طالق
стр. 2085
لوقت السنَّة، احتُمل أن يُلحق بقوله: أنت طالق للسنَّة، وأن يُقبل تفسيره بالتعليق على السنَّة، وأن يُقبل تفسير السنَّة بالطُّهر، والبدعةِ بالحيض.
٢٥٩٨ - فرع:
إذا قال في حال البدعة: أنت طالقٌ للسنَّة في هذا الوقت، تنجَّز الطلاق؛ تغليبًا للإشارة.
٢٥٩٩ - فرع:
إذا قال للحائض: أنت طالقٌ للسنَّة، طلقت مع أول أجزاء الطهر وإن لم تغتسل، وسواءٌ انقطع الدم على الأقلِّ، أو الأكثر، أو الغالب.
وإن قال في حال السنَّة: أنتِ طالقٌ للبدعة، فإنْ تركها حتى حاضت، طَلَقَتْ مع أول أجزاء الحيض، وإن وطئها قبل الحيض طلقت كما (١) غيَّب الحشفة، فإن نزع كما (٢) وقع الطلاق، فلا حدَّ عليه ولا صداق، وإن أخرج ثم أولج؛ فإن كان الطلاقُ رجعيًّا لم يُحدَّ، ولزمه صداقُ المثل إن لم يُراجِعْ، وإن راجَعَ فوجهان، وإن كان بائنًا؛ فإنْ عَلِمَ بوقوع الطلاق حُدَّ، ولم يَلْزمه صداق، وإن أتمَّ الجماعَ من غيرِ نزعٍ؛ فإن كان الطلاقُ رجعيًّا فلا حدَّ، ولم يتعرَّض الشافعيُّ للصداق.
ولو أصبح الصائم في رمضان مُجامعًا، فأتمَّ الجماع، لزمته الكفَّارة، فقيل: في المسألتين قولان، ووجهُ السقوط: أنَّه لم يتعلَّق بأوَّل الوطء مهرٌ ولا كفَّارةٌ، فلا يختلف حكمُه مع اتِّحاده، ومنهم مَن فرَّق: بأنَّ المهر
стр. 2086
المسمَّى في العقد يتعلّق بجميع الوَطْءات، بخلافِ الكفَّارة، فإن أوجبنا المهر فلا يجب إلا حيث أوجبناه إذا نزع ثم عاد، وإن كان الطلاقُ بائنًا لم يُحدَّ على المذهب، وفي المهر الخلافُ؛ لأن الوطء متَّحدٌ، فلا يختلف حكمُه، وقيل: يُحَدُّ، ولا يلزمه صداق.
* * *
٢٦٠٠ - فصل في تعليق الطلاق بالأقراء
المذهبُ أنَّ القرء طهرٌ مُحتوَشٌ بدمين، وفيه قولٌ: أنَّه الانتقال من الطهر إلى الحيض، أو من الحيض إلى الطهر، فإن قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا في كلِّ قرء طلقةٌ، فلها أحوال:
الأولى: أن تكون ذاتَ أقراءٍ غيرَ ممسوسةٍ؛ فإن كانت طاهرًا عند التعليق بانت بطلقة، وإن كانت حائضًا لم تَطْلُقْ حتى تطهر، فإن مضت الأقراء وهي بائنٌ لم تَطْلُقْ، وإن نكحها قبل مضيِّ الأقراء فعلى قولي عودِ الحِنْثِ.
الثانية: أن تكون ممسوسةً حائلًا ذاتَ أقراء؛ فإن كانت طاهرًا وقعت طلقة رجعيّة، وتقع الطلقتان في قرأين من أقراء العدَّة.
الثالثة: أن تكون حاملًا لا ترى دمًا، فتقع طلقة في الحال، وتَبينُ بالولادة، فإن تزوَّجها في النفاس، ثم طهرت، فعلى قولي عود الحنث، وإن ارتجعها قبل الوضع وقعت الطلقةُ الثانية إذا طهرت من النفاس، واستأنفت العدَّة اتِّفاقًا.
الرابعة: أن تكون حاملًا ترى الدم؛ فإن جعلناه دمَ فساد، فهي كالتي لم تر الدم، وإن جعلناه حيضًا، فإن كانت حائضًا عند التعليق لم تَطْلُقْ، وإن
стр. 2087
كانت طاهرًا وقعت طلقةٌ في الحال، فإن طهرت قبل الوضع طهرين وقعت الطلقتان على أقيس الوجهين.
الخامسة: أن تكون من اللائي لم يَحِضْنَ، فلا تطلق في الحال عند الأصحاب، فإذا حاضت فهل نتبيَّن وقوع الطلاق باللفظ السابق؟ فيه وجهان مبنيَّان على الخلاف في حقيقة القرء، وإن جُعل القرء طهرًا محتوَشًا بدمين لم تطلق، وإن جُعل الانتقالَ وقعت طلقةٌ، وحُسب ما مضى قرءًا من العدَّة، وأَبعدَ مَن قال: لو لم تَحِضْ طَلَقَتْ في كلِّ شهرٍ طلقةً، فإنَّ الشرع جعل أشهرُها كالأقراء، وهذا لا يصحُّ، فإنَّ الأشهُر لا تُسمَّى أقراءً.
السادسة: أن تكون آيسةً، فإن عاودها الدمُ طَلَقَتْ اتِّفاقًا، وإن لم يعاود فقد ذكر القاضي أنَّه على الخلاف في حقيقة الأقراء.
* * *
٢٦٠١ - فصل فيما يُديَّن فيه وما لا يُدَيَّن
إذا أتى بالصريح فقال: أنت طالقٌ، ونوى الطلاق، أو أَطْلَقَ ولم يَهْذِ بلفظه ولم يَحْكِه، طلقت ظاهرًا وباطنًا، وإن نوى خلافَ الصريح، فله أحوال:
الأولى: أن يكون الصريحُ مُشْعِرًا بما نواه، كما لو نوى الإطلاقَ من أسْرٍ، أو حَجْرٍ، أو وَثاقٍ، فيُديَّن، ولا يُقبل في الحكم.
الثانية: ألا يُشْعِرَ الصريحُ بما أضمر، ولو صرَّح بما أضمره لعُدَّ معه متهافتًا، وخرج به الكلام عن الانتظام، كما لو نوى: أنت طالق طلاقًا لا يقع، فتطلق ولا يُديَّن.
стр. 2088
الثالثة: ألا يُشْعِرَ الصريحُ بما نواه، لكنْ لو صرَّح به لانتظم معه الكلام، كما لو نوى التعليقَ بمشيئة الله، أو بدخول الدار، أو بمضيِّ شهر، أو ما أشبه ذلك، فتطلُقُ ظاهرًا، وفي الباطن وجهان؛ أظهرهما عند الأصحاب: أنَّها لا تطلق، وأقيسهما: وقوعُ الطلاق، فإن اللفظ لا يُشْعِرُ بما أضمر، فتبقى النيَّةُ مجرَّدةً عن اللفظ، والنيَّةُ المجرَّدة لا أئر لها، ولذلك لو جزم بإجراء الطلاق على قلبه، فإنَّه لا يقع في الظاهر ولا في الباطن.
ولو قال: أنت طالقٌ ثلاثًا، ونوى التفريقَ على الأقراء، طلقت في الظاهر، وهل يُديَّن في الباطن؟ فيه الوجهان.
ولو قال: أنت طالق ثلاثًا للسنَّة، ونوى التفريقَ على الأقراء، فالظاهرُ تخريجه على الوجهين.
٢٦٠٢ - فرع:
قال الشافعيُّ: إذا قال: إنْ كلَّمتِ زيدًا فأنتِ طالقٌ، ونوى بذلك التكليمَ إلى شهرٍ دون ما زاد عليه، فلا تَطْلُقُ بكلامه بعد الشهر، فإنَّه استعمل اللفظ في بعض مقتضياته؛ لأنَّه عامٌّ في الأزمان، بخلافِ التعليق بالسنَّة، فإن اللفظ لا يُشْعِرُ به.
* * *
٢٦٠٣ - فصل فيمن علَّق بعض الطلاق بالسُّنة وبعضه بالبدعة
إذا قال لذات السنَّة والبدعة: أنتِ طالق ثلاثا بعضُهنَّ للسنَّة وبعضُهنَّ للبدعة، وزعم أنَّه نوى بالبعض نصفَ الثلاث، طَلَقَتْ في الحال طلقتين، وإن قال: أردتُ تنجيز بعضٍ من كلِّ طلقةٍ، طلقت ثلاثًا في الحال، ولو قال:
стр. 2089
نويتُ تعجيلَ اثنتين وتأخيرَ واحدةٍ، قُبِلَ ظاهرًا وباطنًا، وكذلك لو قال: نويتُ تعجيلَ واحدةٍ وتأخيرَ اثنتين، خلافًا لابن أبي هريرة.
وإن لم ينوِ شيئًا، تثجَّزت طلقتان على النص، خلافًا للمزنيِّ، واستدلَّ الأصحابُ للنصِّ بما لو قال: هذه الدارُ بعضُها لزيدٍ، وبعضُها لعمرو.
وقال الإمام: يجب القطعُ بالرجوع إلى تفسير القرء، فإنْ تعذَّر التفسيرُ حُمل على الأقلِّ، ويُحتمل أن يُحمل قولُه على التشطير، وهذا لا يصحُّ، فإنَّ الاحتمال لا يزولُ بعسر التفسير، والمزنيُّ يرجع في مسألة الإقرار إلى التفسير، فإن تعذَّر حُمل على الأقلِّ.
* * *
٢٦٠٤ - فصل في وصف الطلاق بالحُسن والقُبح
إذا قال لذات السنَّة والبدعة: أنت طالقٌ أحسنَ الطلاق، أو: أعدَلَه، أو: أَكمَلَه، أو: أفضلَه، أو: أجملَه، أو وصف الطلقةَ بشيءٍ من ذلك فقال: أنت طالقٌ طلقةً حسنةً؛ فإن نوى بذلك طلاقَ السنَّة، أو أطلق، فهو كقوله: أنتِ طالقٌ للسنَّة، اتِّفاقًا، فيتعجَّل الطلاقُ إن كانت في حال سنَّة، ويتأخَّر إن كانت في حالِ بدعةٍ، إلّا أن ينويَ التعجيلَ فيقعُ في الحال.
ولو كانت عند التعليق في حالِ سنَّةٍ، فزعم أنَّه نوى التأخيرَ، لم يُقبل في الحكم.
وإن قال: أنت طالقٌ أقبحَ الطلاق، أو: أسمجَه، أو: أوحشَه، أو: أفظعَه، أو: أفضحه، ونوى طلاقَ البدعة، أو أطلق، فهو كقوله: أنت طالقٌ للبدعة، اتِّفاقًا، فيتعجَّلُ إن كانت في حال بدعةٍ، ويتأخَّر إن كانت في حالِ
стр. 2090
سنَّةٍ إلّا أن يقصد تعجيلَه فيقع في الحال، فإن كانت عند التعليق في حال بدعةٍ، فقال: أردتُ بالأقبح التأخيرَ، لم يُقبل في الحكم.
٢٦٠٥ - فرع:
إذا قال: أنت طالقٌ طلقةً حسنةً قبيحةً، أو: طلقةً لا سنيَّةً ولا بِدْعيةً، أو قال لغير ذات السنَّة والبدعة: أنت طالقٌ للسنَّة أو للبدعة، طَلُقتْ في الحال.
* * *
٢٦٠٦ - فصل في تعليق طلاق السنَّة والبدعة على قدوم إنسان
إذا قال: إذا قدم زيد فأنت طالق للسنَّة، أو: للبدعة، فالاعتبارُ بحالها عند القدوم، فيُجعل كأنَّه قال لها ذلك عند القدوم، سواءٌ كانت عند التعليق ذاتَ سنَّةٍ وبدعةٍ، فاستمرَّت على ذلك، أو خرجت عنه باليأس، أو لم تكن عند التعليق ذاتَ سنَّةٍ وبدعةٍ، فصارت عند القدوم من أهلهما.
وإن قال: إن قدم زيد فأنت طالق للسنَّة، جاز التعليقُ، وإن قال: فأنتِ طالقٌ للبدعة، حَرُمَ التعليق.
وإن أَطْلَقَ ولم ينوِ شيئًا جاز التعليقُ، وحرَّمه القفَّال؛ تعليلًا بأنَّ التردُّد بين المعصية والمباح حرام، وهذا لا يصحُّ؛ لأنَّه خلافُ ما درج عليه السلفُ، فإن قَدِمَ في حال السنَّة نفذ الطلاق سنَّيًّا، وإن قَدِمَ في حال البدعة نفذ بدعيًّا.
* * *
٢٦٠٧ - فصل في تعليق الطلاق بالحمل
إذا قال: إن كنت حاملًا فأنتِ طالقٌ، فهذا تعليقٌ بحملها في الحال،
стр. 2091
فلا تَطْلُقُ بالشكِّ، فإن وضعت ولدًا لدون ستَّة أشهر من حين التعليق، تبيَّن وقوعُ الطلاق عند التعليق، وانقضت العِدَّة بالوضع، وإن وضعته لأكثر من أربعِ سنين لم تَطْلُقْ، وإن وضعته لدون الأربع وفوق الستَّة؛ فإن وطئها بعد التعليق وطأً يُمْكِنُ إحالةُ العلوق عليه لم تَطْلُقْ، وإن لم يُمْكِنْ إحالةُ العلوق عليه، أو اجتنبها بعد التعليق، طلقت على المذهب؛ لِلُحوق النسب، وفيه قولٌ: أنَّها لا تطلق؛ لأنَّ النسب يلحقُ بالإمكان، بخلافِ الطلاق.
وهل يحرم وطؤها قبل تبيُّن حالها، أو يكره؟ فيه قولان، وقيل: لا يحرم قولًا واحدًا، فإن حرَّمناه جاز وطؤها بعد استبرائها، وهل يستبرئها وهي حرَّةٌ بقرء، أو بثلاثة أقراء؟ فيه وجهان، فإنْ شَرَطْنا الثلاثةَ فهي أطهارٌ، وإن أجزنا الواحد، فهو حيضٌ على الأصحِّ، ولو تقدَّم الاستبراءُ على التعليق، ففي إلحاقه بما بعد التعليق وجهان.
٢٦٠٨ - فرع:
إذا وطئ بعد الاستبراء، فولدت ولدًا يُعلم وجودُه حال التعليق، فقد صادف وطؤه مطلَّقةً، فيتعلَّق به أحكامُ وطء المطلَّقات.
٢٦٠٩ - فرع:
إذا أمرناه بالاستبراء، فمضى شهرٌ أو شهران، ولم تر الدَّمَ، فليجتنبها، فإنَّ انقطاع الدم دليلٌ على الحمل.
٢٦١٠ - فرع:
إذا كانت عند التعليق في سنِّ الحيض والحمل، ولم تر الدم قبل ذلك، فالأشهُرُ في حقِّها بمثابة الأقراء، فيجوزُ وطؤها بعد الأشهر، إلا أن تَظْهَرَ
стр. 2092
أمارةُ الحمل، فيمنع.
وإن كانت آيسةً عند التعليق؛ فإن جعلنا الاستبراء المتقدِّم على التعليق كالمستأخِرِ عنه، فالظاهِرُ جوازُ الوطء، وإن قلنا: لا أثر للاستبراء المتقدِّم، ففي استبرائها بالأشهُرِ احتمال.
* * *
٢٦١١ - فصل في التعليق بالحيال
إذا قال: إن كنت حائلًا فأنت طالق، فولدت بعد أربع سنين، طَلَقَتْ، وإن ولدت قبل ستَّة أشهر لم تطلق، وإن ولدت لدونِ الأربع وفوقَ الستَّة، فإن لم يطأ بعد التعليق لم تطلق اتَّفافًا، وإن وطء بعده، فولدت لدون الستَّة من حين الوطء، وأكثر من الستَّة من حين التعليق، لم تطلق، وإن ولدت لأكثر من الستَّة من حين التعليق ومن حين الوطء، لم تطلق على أظهر الوجهين؛ لاحتمالِ أنْ تكونَ حاملًا قبل التعليق، فلا تطلق بالشكِّ، وفي وطئها قبل الاستبراء قولان، وقيل: يحرم قولًا واحدًا، فإن مضت ثلاثة أقراء، ولم يظهر حملها، طلقت عند التعليق، وحُسبت تلك الأقراء عدَّةً، وإن قلنا: تُستبرأ بقرء، ففي وقوع الطلاق بمضيِّه وجهان، فإن أوقعناه حُسِب ذلك القرء من العدَّة، وإن استبرأها بقرءٍ، أو قرءَيْنِ قبل التعليق، ففي وقوع الطلاق عند التعليق وجهان.
وإن قال: إن برئ رَحِمُك فأنت طالق، وجب أن تَطْلُقَ بمضيِّ ثلاثة أقراء، وفي القرء الواحد الوجهان.
стр. 2093
وإن قال: إن استيقنتِ براءةَ رَحِمِكِ فأنت طالقٌ، لم تطلق إلا بمضيِّ أكثرِ مدَّةِ الحمل.
٢٦١٢ - فرع:
قال الأصحاب: إذا حُكم بالطلاق عند مضيِّ ثلاثة أقراء، فولدت لأقلَّ من ستَّة أشهرٍ، تَبيَّنَ أنَّها لم تطلق، وإنْ وضعته لأكثرَ من الستَّة؛ فإن لم يطأ تَبيَّن أنَّها لم تطلق، وإن وطئ وَطْءًا يُمْكن أن تَعْلَق منه، ففي نقض الطلاق خلاف.
٢٦١٣ - فرع:
إذا لم تر الدم ثلاثة أشهر؛ فإن كانت من ذوات الأقراء لم تطلق، وإن كانت في سنِّ الحيض، ولم تَحِضْ، فقياسُ قول الأصحاب: أنَّها تطلق؛ لانقضاء العدَّة بذلك، وفيه بعدٌ؛ لأنَّه إيقاع طلاقٍ مع الشكِّ.
* * *
٢٦١٤ - فصل فيمن طلَّق نساءه ونوى إخراج بعضهنَّ
إذا خاصمت المرأة زوجها على نكاحٍ بجديدة، فأنكر، فأصرَّت على الخصام، فقال: كلُّ امرأةٍ لي طالقٌ، وغرضُه تصديقَ نفسه، فإنْ لم يستثنِ المخاصِمةَ طَلَقت معهنَّ، وإن استثناها بلفظِهِ لم تَطْلُقْ، وإن استثناها بقلبه دُيِّن، وفي قبوله في الحكم وجهان؛ كما لو حلَّ القيدَ عن امرأته، وقال: أنت طالقٌ، ثمَّ زعم أنَّه أراد الطلاق من الوَثاق، فإن قرائن الأحوال قد تَصْرِفُ اللفظَ عن ظاهره كصريحِ المقال.
стр. 2094
ولو قال ابتداءً: نسائي طوالقُ، وزعم أنَّه استثنى إحداهنَّ، لم يُقبل في الحكم، وغلط مَن قال بالقبول، فعلى هذا: لو استثنى ثلاثًا لم يُقبل؛ إذ لا يقع اسمُ النساء على واحدةٍ.
والضابطُ في تخصيص العموم: أنَّه إن لم تقترن به قرينةٌ لم يُقبل على الأصحِّ، وإن اقترنت فوجهان.
* * *
стр. 2095
٢٦١٥ - باب ما يقع به الطلاق من الكلام وما لا يقع
ويقع الطلاق بالصريح من غير نيِّةٍ، وبالكناية مع النيَّة، والصريحُ: هو الطلاقُ والسراحُ والفراق، وكذلك الأسماءُ والأفعالُ المأخوذةُ من الطلاق، كقوله: طلَّقتكِ، أو: أنت مطلَّقةٌ، وكذا الفعلُ من السراح والفراق، وفي الاسم كقوله: أنت مسرَّحةٌ، أو: مفارقة، وجهان، وفي قوله: أنت الطلاق، وجهان، وقال في القديم: لا صريح سوى لفظِ الطلاق، ولم يتعرَّض الأصحاب لقوله: أطلقتُكِ، أو: أنت مُطْلَقةٌ، وفيه تردُّدٌ للإمام.
ومعنى الطلاقِ بسائر اللغات صريحٌ، خلافًا للإصطخري؛ إذ حُكي عنه: أنَّه لا صريح إلا بالعربيّة.
وقال أبو محمد: كلُّ صريحٍ بالعربيَّة، فمعناه الخاصُّ صريحٌ بالعجميّة، فترجمةُ: أنت طالق: "توهشته ي" (١)، وطلَّقتكِ: "دست بازداشتم" (٢)، وفارَقتُكِ: "اريوجدا كشتم" (٣)، وسرَّحْتُكِ: "كسيل كردم" (٤).
стр. 2096
وقال القاضي: الصريحُ من هذه الألفاظ: "توهشتهـ[ـا] ي".
وهذا غير سديد، فإن "دست بازداشتم" تفسيرٌ لقوله: طلَّقتك، كما أن "توهشتهـ[ـاي] " تفسيرٌ لقوله: أنت طالق.
والظاهر: أنَّ معنى سرَّحتك وفارقتك ليس بصريح.
وهل ينحصِرُ الصريح في الطلاق والسراح والفراق؟ فيه وجهان، والذي يقتضيه الفقهُ أن يؤخذ الصريحُ الذي لا يتعلَّقُ به توقيفٌ وتعبُّدٌ من اجتماع الشيوع، مع حَصْرِ أهل العرف اللفظَ في المعنى الذي شاع فيه؛ لاتِّفاق الفقهاء على اعتبار ذلك في الأقارير والمعاملات، فإنَّ الألفاظ إنَّما تُقصد لمعانيها، فلا فرق بين الطلاق وغيره، وعلى هذا الخلافِ يُخرَّج قوله: أنت عليَّ حرامٌ، أو: حلالُ الله عليَّ حرام، إذا شاع ذلك لإرادة الطلاق في بعض النواحي والأعصار.
وقال القفَّال: إنْ نوى تحريم الطعام بقوله: حلالُ الله عليَّ حرام، أو لم ينو شيئًا مع علمه بافتقارِ الكناية إلى النيّة، لم يقع الطلاق، وإن لم يَعْرِفْ ذلك، ولم ينوِ شيئًا، قيل له: ما تَفْهَمُ من هذا اللفظ إذا أطلقه مثلُك؟ فإن قال: أفهمُ منه الطلاقَ وقع الطلاقُ، وإلا فلا.
وهذا تحكُّمٌ وتوسيطٌ بين الكناية والصريح، وعلى مذهبه: لو شاع هذا اللفظُ شيوعَ الطلاق الْتَحَقَ به.
* * *
٢٦١٦ - فصل في الكنايات
شرطُ ألفاظ الكناية: الإشعارُ بمعنى الطلاق، فمنها ما هو جليٌّ كالخليَّة
стр. 2097
والبريَّة، ومنها ما هو خفيٌّ كقوله: اعتدِّي، و: استبرئي رحمك، و: الحقي بأهلك، و: حَبْلُكِ على غارِبِكِ، و: لا أَنْدَهُ سِرْبَكِ (١)، و: اغربي، و: اذهبي، و: تجرَّدي، و: تجرَّعي، و: ذوقي، و: تزوَّدي، وأشباه ذلك ممَّا يُستعمل على تقديرٍ، أو استعارةٍ.
فلو نوى الطلاقَ مع لفظٍ لا يُشْعِرُ بمعناه لم يقع، فإنَّ الطلاق لا يقع بمجرَّد النيَّة وإن كانت جازمةً، وذلك كقوله: بارك الله فيكِ، أو: أطعميني، أو: اسقيني، أو: زوِّديني، أو: اقعدي، أو: كلي، أو: تنعَّمي، وكذ لك: اشربي، على الظاهر، وأَبعدَ مَن أَلحق قولَه: كلي، بقوله: اشربي.
وفي قوله: أغناكِ الله، وجهان، ولا يجوزُ أن يُحمل عليه قولُه: بارك الله فيك، إذا قصد به: أغناك الله؛ لِمَا فيه من التعقيد والإلغاز.
وإن قال: ليست لي زوجةٌ فهو إقرارٌ بنفي النكاح، وهو كنايةٌ على ظاهر المذهب، وأَبعدَ مَن أخرجه من الكنايات.
٢٦١٧ - فرع:
إذا اقترن بالكناية قرائنُ تدلُّ على إرادة الطلاق، لم يقع إلا بالنيَّة؛ كما لو سألته الطلاق، فقال: أنتِ بائنٌ، وظهر منه قصدُ إجابتها، أو قال ذلك في حال الغضب والتبرُّمِ منها، وظهورِ قَصْدِ الفراق.
стр. 2098
٢٦١٨ - فرع:
إذا بسط النيَّة على أوَّل اللفظ وآخره أثَّرت، ولا تؤثِّر إن تقدَّمت على اللفظ أو تأخَّرت، وإن اقترنت بأوَّله دون آخره أثَّرت على المذهب، وإن اقترنت بآخره دون أوَّله فوجهان، وإن اقترنت بأوَّل اللفظ، فانقضى قبل تمامها، لم يؤثِّر، ولا يُتصوَّر بسطُ النيّة عند الإمام، وإنَّما يبسط ذكرها كما ذكره في نيَّة الصلاة.
٢٦١٩ - فرع:
إذا تنازعا في النيّة، فالقولُ قولُ الزوج، فإنْ نَكَلَ عن اليمين رُدَّت عليها، فإن حلفت طَلَقَتْ، وتَعْرِفُ ذلك بالمخايل، وقرائنِ الأحوال.
٢٦٢٠ - فرع:
إذا قال لغير الممسوسة: أنت طالقٌ ثلاثًا، وقع الثلاثُ، خلافًا لبعض العلماء.
* * *
٢٦٢١ - فصل في وصل الصريح بما يرفع ظاهره
كلُّ لفظٍ لو ادُّعي فيه نيةٌ لدُيِّن، ولم يُقبل في الحكم، فإذا وصله بذلك لفظًا، قُبل في الحكم، وحُمل أوَّلُ الكلام عليه؛ كقوله: أنت طالق من وثاقٍ، أو: فارقتك إلى المسجد، أو: سرَّحتك إلى أهلك لتتنزَّهي وتعودي.
وقال الفقهاء: إذا أَتَى بصريحٍ يُديَّنُ فيه، ولا يُقبل في الحكم، فصدَّقته المرأة على ما يدَّعيه من النيَّة، لم يرتفع الطلاق بذلك؛ إذ لا أثر لتصادُقهما
стр. 2099
على حقِّ الله، ولا يمينَ عليها في ذلك، ويُسمع فيه شهادةُ الحسبة.
والعتق كنايةٌ في الطلاق، والطلاقُ كنايةٌ في العتاق، وكلُّ كنايةٍ في الطلاق، فهي كنايةٌ في العتاق، وكذلك عكسُه.
ولا ينفذُ الطلاقُ بلفظ الظِّهار، ولا الظهارُ بلفظ الطلاق.
والضابط: أنَّ ما كان صريحًا في بابٍ، فلا يُعْمَلُ في غيره إذا وجد نفاذًا في محلِّه.
٢٦٢٢ - فرع:
إذا قال لعبده: اعتدَّ، أو: استبرِ رَحِمَك، فليس بكناية، وإن قال ذلك للأَمَة فهو كنايةٌ على الأظهر، ولو قال للأمة: أنتِ عليَّ كظهر أمِّي؛ فهو كنايةٌ على الأصحِّ، وإن قال للزوجة قبل الدخول: اعتدِّي، أو استبرئي رَحِمَك، فهو كنايةٌ على الأظهر.
٢٦٢٣ - فرع:
يُسمع من الزوجة دعوى الطلاق، ودعوى نيَّة الطلاق، فإن نكل رُدَّت اليمين عليها، ولا يُسمع ذلك من الأجانب، فإن ادَّعت الرجعيَّةُ أنَّه طلَّقها طلقةً أخرى، سُمع إن كان ذلك بعد الرجعة، وكذلك إن كان قبلها على الأصحِّ، وقيل: لا يُسمع؛ إذ لا فائدةَ لها في الحال.
٢٦٢٤ - فرع:
إذا شرط في الطلاق قَطْعُ الرجعة لم ينقطع؛ إذ لا ينقطع إلا بالخلع، أو انتفاء العدَّة، أو استيفاءِ عدد الطلاق.
* * *
стр. 2100
٢٦٢٥ - فصل في إشارة الأخرس بالطلاق وغيرِه من التصرُّفات
إذا كان للأخرس إشارةٌ مُفْهِمةٌ، فحُكْمُها في جميع تصرُّفاته القوليَّة كحكم عبارةِ الناطق، إلّا الشهادةَ، ففيها وجهان، فينفذ بإشارته الطلاقُ والعتاقُ، والبيعُ والشراءُ، وسائرُ العقود والحلول والردود.
فإن بالَغَ بالإشارة بالطلاق بحيث يَفْهَمُه كافَّةُ الناس، فهو كالتصريح الذي يُفْهَمُ منه الطلاقُ على شيوعٍ، فإن زعم أنَّه أراد بذلك غيرَ الطلاق، ففي قبوله تردُّدٌ للإمام.
وإن صلحت إشارتُه للطلاق وغيره، أو اختصَّ بفهم الطلاق منها ذوو الفِطَن، فهي كنايةٌ، فإن أشار في الصلاة بطلانٍ أو عقدٍ أو حلٍّ، نفذ، وفي بطلان الصلاة تردُّدٌ، والظاهر أنَّها لا تبطل.
٢٦٢٦ - فرع:
كتابةُ الأخرس كإشارته، فإنْ أشار مع القدرة على الكتابة، نفذت إشارتُه.
* * *
٢٦٢٧ - فصل في الطلاق بالكتابة
إذا كتب القادر على النطق بتصرُّفٍ، فهو ضربان:
أحدهما: ما لا يفتقر إلى القبول كالطلاق، فإنْ كتب بصريحه، وقرأه ونوى، وقع، فإن زعم أنَّه قصد الحكاية بقراءته، فقد ألحقه الإمامُ بمن حلَّ القيد، وقال: أنت طالقٌ، وزعم أنَّه أراد الطلاق من الوِثاق.
стр. 2101
وإن لم يقرأ، ولم ينوِ لم تَطْلُقْ إلا على وجهٍ بعيدٍ.
وإن لم يقرأ، ونوى كما كتب، فإن كان غائبًا، فقد قيل: تطلق قولًا واحدًا، وقيل: قولان، وإن كان حاضرًا، فقد قيل: لا تطلق قولًا واحدًا، وقيل: فيه قولان.
وإشارةُ الناطق بمثابة كتابته عند القفَّال، وأولى بألا تُعتبر، فإن أشار بما يكون مثلُه صريحًا من الأخرس، فالوجه القطعُ بأنَّه كنايةُ.
وكتابةُ الأخرس صريحٌ عند أبي محمد، وفيه نظر؛ إذ قد يكتب لتجربة قلمٍ، أو حكايةِ خطٍّ، أو نظمِ حروفٍ، فإن انضم إلى ذلك قصدُ الإفهام كان أبلغَ من الإشارة.
٢٦٢٨ - فرع:
كلُّ ما لا يفتقرُ إلى القبول كالعفوِ عن الدم، والعتقِ، والإبراء فحكمُه حكمُ الطلاق في جميع ما ذكرناه.
* * *
٢٦٢٩ - فصل في العقود بالكتابة
إذا كتب الغائبُ بما يفتقر إلى القبول، كالبيع والهبة والإجارة، ففيه خلافٌ مرتَّبٌ على ما لا يفتقر إلى القبول، وأولى بالمنع؛ لانفصال القبول عن الإيجاب، فإن أجزناه، فالوجه القطعُ باشتراط اتِّصال القبول بالوقوف على الكتاب.
وإنْ لَفَظَ الغائب بالبيع من غير كتابة، فبلغ الخبرُ إلى المشتري، ففيه
стр. 2102
خلافٌ مرتَّبٌ على الكتابة، وأولى بالجواز؛ لوجود اللفظ.
وإن كتب بالنكاح من غير لفظٍ، ففيه خلافٌ مرتَّبٌ عند كثيرٍ من الأصحاب، وأولى بالمنع، والوجهُ: القطع بالبطلان؛ إذ لا مُطَّلَع للشهود على النيَّة، فإنْ زعم بعد الكتابة أنَّه نوى، كان ذلك إشهادًا على الإقرار بالنيَّة دون الإيجاب.
ولو لفظ بالنكاح، ولم يكتبه، ففيه خلافٌ مرتَّبٌ على ما لو لفظ بالبيع، وأولى بالمنع، فإن أجزناه، فشهد اثنان على الإيجاب، ثم على القبول، انعقد النكاح، وإن شهد غيرهما على القبول، لم ينعقد على الأصحِّ.
وفي كتابة الحاضر خلافٌ مرتَّبٌ على الغائب، وأولى بالمنع؛ لعدم الحاجة، فإنْ أجزناه، فأَمْكَنَ أن يتَّصل القبولُ بالكتابة لحضورهما، لم يبق إلا إقامةُ الكتابة من غير حاجةٍ مقام العبارة (١)، فإن انقطع الإيجابُ عن القبول مع شهودهما وحضورهما لم يَجُزْ.
٢٦٣٠ - فرع:
الوكالة كالبيع إن قلنا: تفتقرُ إلى القبول، وإن قلنا: لا تفتقر إليه، فهي كالطلاق.
٢٦٣١ - فرع:
لا أثر للكتابة على الماء والهواء، ولا يَبعدُ أن تلحق بالإشارة المفهمة، ولا فرق بين الكتابة في الأوراق والألواح، والخطِّ على الأرض، والنقشِ
стр. 2103
على الأخشاب، والنقرِ في الأحجار، إذا وصلت بذلك الأخبار.
* * *
٢٦٣٢ - فصل في امتحاء الكتاب وسقوط بعضه
إذا كتب: أمَّا بعد، فأنتِ طالقٌ، طَلَقَتْ مع الكتابة، وإن قال: إنْ بلغك كتابي فأنت طالق، لم تَطْلُقْ حتى يبلغ، فإنْ محاه، ثم بلغ، لم تطلق، وإن انمحى؛ فإنْ بقيت منه رسومٌ تدلُّ على الغرض طلقت، وإن لم يبق ما يدكُّ على المضمون فقد قطع الأصحابُ بأنَّها لا تطلق؛ لزوالِ اسم الكتاب، وأَبعدَ مَن أوقع الطلاق.
وإن سقط بعضُ الكتاب، أو انمحى؛ فإنْ سقطت أسطرُ الطلاق، أو انمحت، فأوجهٌ ثالثها: إن قال: إن بلغكِ كتابي هذا، لم تَطْلُقْ، وإن قال: إن بلغك كتابي، طَلَقَتْ.
وإن سقط غيرُ الطلاق من مضمون الكتاب، أو انمحى، كاعتذاره عن الطلاق، أو ذِكْرِ توبيخٍ معقِّبٍ بالطلاق، ففيه الأوجُهُ، وأولى بالوقوع.
وإن سقط محلُّ الحمد والتصديرِ، فعلى الأوجُه في الصورة الثانية، وأولى بالوقوع.
وإن سقط البياضُ، أو الحواشي، طلقت، وفيه احتمالٌ لبعض الأصحاب.
ولو فُرِّق في هذه الصور بين سقوط المُعْظَم وبقائه لاتَّجه.
وإن قال: إنْ بلغك طلاقي فأنت طالقٌ، طَلَقَتْ ببلوغ أسطُرِ الطلاق وحدها، وإن سقطت أسطرُ الطلاق لم تطلق اتِّفاقًا.
стр. 2104
وإن قال: إن قرأتِ كتابي فأنت طالق، فقرأتْه، أو طالعتْه، ولم تلفظ بشيءٍ منه، طلقت اتِّفاقًا، وإن قُرئ عليها؛ فإن كانت قارئةً لم تطلق على الأصحَّ، وإن كانت أمِّيِّةً فقد قطعوا بوقوع الطلاق، وأَبعدَ مَن قال: لا تَطْلُقُ، كما لو علَّق الطلاق بصعود السماء.
* * *
٢٦٣٣ - فصل في تفويض الطلاق إلى الزوجة
إذا قال: طلّقي نفسك، فالأصحُّ أنَّ ذلك تمليكٌ؛ فإن وصلتِ الطلاق بذلك على حدَّ اتِّصال القبول بالإيجاب، طلقت، وإلا فلا، وغلط مَن نفَّذ طلاقها في المجلس اعتبارًا بخيار المكان.
وإن وكَّلها في تطليق نفسها، ففي صحَّة التوكيل خلافٌ، وللشافعيِّ قولٌ: أنَّ التفويض توكيل، فيُخرَّج على الخلاف في اشتراط قبول الوكالة، فإن طلَّقت على الفور، أو التراخي، طَلَقَتْ.
وقال القاضي: يحتمل أن يُشترط الفور على هذا القول؛ لأنَّه تمليكُ لفظٍ، فأشبهَ تعليقَ الطلاق بمشيئتها.
وهذا ممَّا انفرد به.
وإن قال: طلِّقي نفسك متى شئتِ، أو: متى ما شئتِ، فلها التطليقُ على الفور والتراخي، بوفاقِ القاضي، كنظيرِه من التعليق بالمشيئة.
٢٦٣٤ - فرع:
إذا فوَّض بلفظ كنايةٍ، كقوله: اختاري نفسَكِ، أو: أمرُكِ بيدك، أو:
стр. 2105
فَوّضتُ إليك أمرك، فقالت: اخترتُ نفسي، أو: أَبَنْتُ نفسي؛ فإن نوى تفويضَ الطلاق، ونوتِ التطليق، وقعت طلقةٌ رجعيَّةٌ، وإن نوى أحدُهما لم تَطْلُقْ، وإن أنكر الزوجُ نيَّتَه، فالقولُ قولُه مع يمينه، وإن اعترف بأنَّه نوى، وأنكر نيَّتها، فالقولُ قولُها على الأصحِّ.
ولو فوَّض بصريحٍ، فطلَّقت بكنايةٍ ونوت، أو فوَّض بكنايةٍ ونوى، فطلَّقت بصريحٍ، طَلَقَتْ، وقال ابن خيران: لا تَطْلُقُ إلا أن يكون التطليقُ بلفظ التفويض، وطرد القاضي خلافَ ابنِ خيران في تطليق الوكيل.
ولو قال: أَبيني نفسَكِ، فقالت: خلَّيتُ نفسي، ونَوَيَا، طَلَقَتْ على المذهب، وفيه تردُّدٌ على قول ابن خيران، والأوجهُ أنَّها تَطْلُق.
٢٦٣٥ - فرع:
إذا قال: طلِّقي نفسك ثلاثًا، فطلَّقت واحدةً، أو قال: طلِّقي واحدة، فطلَّقت ثلاثًا، لم يقع سوى الواحدة، وإن قال: طلِّقي نفسك، ونوى تفويض الثلاث، فقالت: طلَّقتُ نفسي؛ فإن نوتِ الثلاثَ طَلَقَتْ ثلاثًا، وإن لم تنوِ شيئًا طلقت واحدة على الأصحِّ.
وإن قال: أبيني نفسك، ونوى، فقالت: أبنتُ نفسي، ولم تنوِ، لم تطلق اتِّفاقًا.
وإن قال: طلِّقي نفسك ثلاثًا، فقالت: طلَّقتُ نفسي، أو قالت: طلَّقتُ، ولم تنوِ العددَ، طَلَقَتْ ثلاثًا عند القاضي؛ فإنَّ الخطاب كالمُعاد في الجواب، بخلافِ ما لو قال: طلِّقي نفسك، ونوى الثلاث، فإنَّ التخاطُب لا يقع بالنيَّات.