٣٠٩٧ - باب أيُّ الوالدين أحق بالولد (١)
للولد حالان:
إحداهما: ألا يميِّز، فحضانتُه لأمِّه اتِّفاقًا، بشرط العقلِ، والعزوبة، والأمانة، والحُريَّة، والإسلام، فلا حضانةَ لرقيقةِ وإنْ رضي المالكُ، ولا لكافرةٍ على مسلمٍ، خلافًا للإصطخريِّ، ولا لفاسقةٍ، ولا لمنكوحةٍ وإن رضي الزوجُ الأجنبيُّ، وإن كان الزوجُ من أهل الحضانة؛ كالجدِّ والعمِ وغيرهما من حواشي النسب؛ فإنْ لم يرضَ بالحضانة فلا حضانَة للأمِّ، وإن رضي لم تسقط حضانتُها على الأصحِّ، فإنْ طُلِّقت؛ فإن كان الطلاقُ بائنًا رجعت الحضانة بالطلاق، وكذا الرجعيُّ على أظهر القولين؛ فإنَّ المعتدَّة غيرُ مشغولةٍ بالزوج، فإنْ كان مسكنُ العدَّة مختصًّا بالزوج، فله منعُ الطفل من دخوله، وإن كان لها حَضَنتهُ فيه، ولا تسقطُ نفقتُها في العِدَّة وإن حَضَنته بغير إذنِ الزوج.
وقال أبو على: تسقطُ، كما لو حَضَنته في صُلب النكاح.
وغلَّطَه الإمام، وقال: لو اشتغلت المنكوحةُ في غيبة الزوج بحضانةِ، أو حرفةٍ لو تعاطتها في الحضور لكانت ناشزةً، لم يثبت حكمُ النشوز، بخلافِ مفارقة المسكن في الغَيبة، فإنَّه مخالفٌ لغرض الزوج في الحضور والغَيبة.
стр. 2417
الحال الثانية: أن يبلغ الغلامُ أو الجاريةُ حدَّ التمييز، فيُخيَّر بين أبويه، فإن اختار أحدَهما سُلِّم إليه، وسواءٌ تقدَّم التمييزُ على سبع سنين، أو تأخَّر عنها، فإن اختار أحدهما، ثم اختار الآخَرَ، وتكرَّر ذلك منه بحيث يدلُّ على خَبَلِ عقله، استمرَّت حضانةُ الأمِّ، وإن لم يدلَّ على ذلك، بل كان شوقًا إلى كلّ واحدٍ منهما، لم يَبْطُلْ خيارُه عند الإمام بشرط ألا تتعطَّلَ أركانُ الحضانة بالتردُّد بينهما.
وإن خيِّر، فسكت، لم تسقط حضانةُ الأمِّ عند الإمام.
وإن لم يميِّز، أو بلغ مجنونًا، أو مُخبَّلًا، استمرَّت حضانة الأمِّ إلا أن تعجز عن حفظه، فتنتقلُ الحضانةُ إلى الأب، فإنَّا لا نُقدِّم بالحضانة من لا تتصوَّر منه، فإنَّ الحضانة: هي القيام بحفظ الولد، وإصلاحه، ووقايته من أسباب الهلاك، فلا تثبت لمَن لا يستقلُّ بذلك.
وإن بلغ الابن رشيدًا، استقلَّ بنفسه من غير مراقبةٍ، وإن بلغت البكرُ رشيدةً، فإن كانت ظاهرةَ الأمانة فلا اعتراضَ للعصبات عليها، والأصحُّ أنَّ للأب والجدِّ إسكانهَا حيث يستَصْوِبان، وقيل: لها أن تسكن حيث شاءت، وإن كانت البنتُ مأمونة فلا اعتراض عليها للأب والجدِّ، ولا لغيرهما من العصبات، فإن كانت تُزَنُّ بِرِيْبَةٍ (١) فللأب والجدِّ والعصبة تحصينُها في مسكنٍ يتيسَّر عليهم مراقبتُها فيه؛ دفعًا للعار، كما يدفعون عار التزُّوج بغير
стр. 2418
الكفء، وإن ادَّعى الوليُّ الريبةَ، ولم يُقِم البيِّنة، ففي قبول قوله احتمالٌ.
* * *
٣٠٩٨ - فصل في السفر بالولد
إذا ثبتت الحضانةُ للأمِّ، فأراد الأبُ السفر؛ فإن كان لنزهةٍ، أو تجارةٍ، لم يملك أخذَ الولد وإن طال سفرُه إلى حدٍّ يُنسَى في مثله نسبُ الولد، وخالف أبو محمد في السفر الطويل إلى هذا الحدِّ، وإن كان السفرُ، للنُّقْلة، والاستيطان؛ فإنْ سافرت معه لم يملك أخذَه؛ وإن أقامت فله أخذُه؛ حفظًا لنسبه إن بلغ السفرُ مرحلتين، وإن نقصَ عنهما لم يأخُذْه؛ لأنَّ النسب لا يندرِسُ مع قُربِ المسافة، ودلَّ كلام بعضهم على جواز أخذه، ويمكنُ تعليلُه بانقطاع الأب عن تأديبه وإصلاحه.
٣٠٩٩ - فرع:
ليس للأب أن يَكِل الولد إلى الأمِّ فيما لا تستقلُّ به، كالتأديب، والحملِ إلى المكتب، وتعليمِ الحرفة، ولو اختار المميِّز الأب، لم يَمْلِكْ قطعَ الأمِّ عنه؛ لِمَا فيه من الضرر، قال ﵇: "لا تُوَلَّهُ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا" (١).
* * *
٣١٠٠ - فصل في ازدحام النساء على الحضانة
تُستَحقُّ الحضانةُ بالقرابة مع المَحْرميَّة أو العصوبة، وفي القرابة من
стр. 2419
غير مَحْرميَّةٍ، ولا عصوبةٍ خلافٌ، فإذا تنازع النساء في الحضانة، فلا خلافَ في تقديم الأمِّ، ثمّ أمَّهاتِها الوارثات؛ القربى فالقربى، ولا خلافَ في تقديم أمَّهات الأب الوارثات والأخواتِ والخالاتِ على العمَّات، وفي تقديم أمَّهات الأب على الأخوات والخالات قولان:
أحدهما، وهو الجديد: تقديم القربى فالقربى من أمَّهات الأب، ثم الأختُ للأبوين، ثم الأختُ للأب، ثم الأختُ للأمِّ، ثم الخالةُ للأبوين، ثم الخالةُ للأب، ثم الخالةُ للأمِّ، وقيل: تُقدَّم الأختُ للأمِّ على الأختِ للأب، وتُقدَّم الخالةُ للأمِّ على الخالة للأب، ثم العمَّةُ للأبوين، ثم للأب، ثم للأمِّ.
والثاني، وهو القديم: تُقدَّم الخالةُ للأبوين، ثم الخالةُ للأب، ثم الخالةُ للأمِّ على الأخوات، ثم على أمَّهات الأب (١)، ثمّ يتَّجه طردُ الخلاف في تقديم الأخت للأمِّ على الأخت للأب، وتقديمِ الخالة للأمِّ على الخالة للأب.
٣١٠١ - فرع:
كلُّ جدَّة تُدْلي بذَكَرٍ بين أُنثيين؛ كأمِّ أبي الأمِّ، فيها ثلاثةُ أوجهٍ:
стр. 2420
أحدها، وهو ظاهر النصِّ: لا حضانةَ لها.
والثاني، وهو القياس: أنَّها تلي الجدَّات الوارثات، وتتقدَّم على كلِّ متأخِّرةٍ عن الجدَّات لولادتها ومَحْرَميَّتها.
والثالث: تؤخَّر عن العمَّات.
فإن لم يوجد أحدٌ ممَّن ذكرنا، ففي ثبوت الحضانة لبنات الإخوة، وبناتِ الأخوات، وبناتِ الخالات والعمَّات، خلافٌ، وقال بعضهم: تقدَّم بناتُ الإخوة والأخوات على العمَّات، وتُقدَّم العمَّاتُ على بنات الخالات، وتُقدَّمُ الخالاتُ على بناتِ العمَّات، ولم يُفرَّع ذلك على القديم والجديد.
وقال الإمام: إذا أسقطنا الجدَّة التي لا ترثُ فلا حضانةَ لبنات العمَّاتِ، وبنات الخالات.
٣١٠٢ - فرع:
إذا اتَّحدت الجهةُ وجبَ تقديمُ الأقرب فالأقرب، وإن اختلفت فبَعيدُ الجهة المقدَّمة أولى من قريبِ الجهة المؤخَّرة، فيُقدَّم ابن ابنِ الأخ على العمِّ، وتُقدَّم الجدَّة البُعْدَى إذا أَدْلَتْ بمحضِ الإناث على القُرْبَى إذا أدلت بمحض الذكور.
٣١٠٣ - فرع:
إذا غاب مستحِقُّ الحضانة انتقلت إلى مَن بَعْدَه، ولا تنتقلُ إلى السلطان، خلافًا لبعض أئمَّة الخلاف، فإنَّ الحضانة إذا ثبتت للسلطان لم يَجُزْ له الاستعانةُ عليها بالأجانب مع وجود الأقارب.
* * *
стр. 2421
٣١٠٤ - فصل في ازدحام الرجال على الحضانة
إذا ازدحم الرجالُ على الحضانة قُدِّم الأقربُ فالأقربُ، فتُقدَّم العصباتُ المحارمُ، ثم العصباتُ الذين ليسوا بمحارِمَ، ثم المحارمُ الذين ليسوا بعصبات، والرجالُ أربعةُ أنواعٍ:
الأوّل: العَصَبات المحارم، فيُقدَّم الأبُ، ثم آباؤه الوارثون، ثم يترتَّبون كترتيبهم في الإرث، فيُقدَّم الأخ للأبوين، ثم الأخُ للأب، ثم ابن الأخِ للأبوين، ثم ابن الأخِ للأب، ثم العمُّ للأبوين، ثم العمُّ للأب.
الثاني: عَصَباتٌ ليسوا بمحارِمَ، كبني الأعمام، فلهم حضانةُ الطفل والصغيرةِ التي لا تُشتَهَى، يُقدَّم الأقربُ منهم فالأقربُ، كما في الإرث.
٣١٠٥ - فرع:
إذا اجتمع ابن العمِّ، والأخ للأمِّ، فأيُّهما أولى؟ فيه وجهان، ولعل الأظهر تقديمُ الأخ.
الثالث: مَحْرمٌ ليس بعصبةٍ، ولا وارثٍ، كالخالِ، والعمِّ للأمِّ، وبني الأخوات، وأبي الأمِّ، ففي ثبوت الحضانة لهم وجهان، فإن قلنا: لا تثبت، استُحبَّ للسلطان التسليمُ إليهم.
الرابع: قريبٌ ليس بعصبةٍ، ولا مَحْرمٍ، كابنِ الخال، فإنْ لم نُثبتِ الحضانة لأبيه فلا حضانةَ له، وإن أثبتناها لأبيه فلا حضانةَ له على المذهب، وفيه شيءٌ بعيد، وفي بنات الخال والخالة لأجل الأنوثة وجهان.
٣١٠٦ - فرع:
إذا اتَّحدت الجهةُ في الذكور قُدِّم الأقربُ فالأقربُ، وإن اختلفت قُدِّم
стр. 2422
بعيدُ الجهة المقدَّمةِ على قريب الجهة المؤخَّرة، فيُقدَّم العمُّ على ابنه، وابنُ ابنِ الأخ على العمِّ.
* * *
٣١٠٧ - فصل في ازدحام الرجال والنساء على الحضانة
إذا تنازع الرجالُ والنساء في الحضانة قُدِّمت الأمُّ، ثم أمَّهاتها، على الأب والجدِّ اتِّفاقًا، ويُقدَّم الأب على أمَّهاته؛ لإدلائهنَّ به، وقيل: يُقدَّمن عليه؛ للأنوثة، فإن قدَّمناه عليهن قدِّم على الأخوات، وإن قدَّمناهنَّ ففيه مع الأخوات أوجهٌ؛ ثالثها: يُقدَّم على الأخت للأب دون الأخت للأبوين والأخت للأمِّ، فإن قلنا: يُقدَّم على الأخوات، قُدِّم على الخالات، وإن قلنا: لا يُقدَّم على الأخوات، ففيه مع الخالات وجهان. هذا إن قلنا بالجديد، وإن قلنا بالقديم جرى الخلافُ بعكس ما تقدَّم.
ولا خلافَ في تقديم الأب على العمِّات، وتُقدَّم أمُّ الأب على الجدِّ الأعلى اتِّفاقًا، وتُقدَّم الجدَّاتُ من جهة الأب، أو من جهة الأمِّ، على جميع الرجال، فتُقدَّم أمُّ الأب، وأمُّ أبي الأب، على الأخ للأبوين.
وإذا اجتمع النساء والرجالُ على حواشي النسب؛ فإن استووا في الدرجة والقُرب والإرث، قُدِّم النساء، فتُقذَم الأختُ على الأخ، فإنْ قَرُبَ الذَّكَر وبَعُدَتِ الأنثى فأيُّهما أولى؟ فيه وجهان يجريان فيما لو كان الذَّكَر في جهةٍ مقدَّمة، والأنثى في جهةٍ مؤخَّرةٍ، كالأخ مع الخالة، وأمَّا الرجال الذين لا عُصوبة لهم ولا إرث، كالعمِّ للأمِّ، والخالِ، فإنَّا نُقدِّرهم إناثًا، ويُقدَّم أَوْلاهم بتقدير الأنوثة.
стр. 2423
٣١٠٨ - فرع:
إذا قدَّمنا الخالة على الأب، فميَّز الطفلُ، خُيِّر بينها وبين الأب على الأظهر.
* * *
٣١٠٩ - فصل في تدافع الحضانة ومن تلزمه
إذا تدافع الأقاربُ الحضانةَ، وجبت على مَن تلزمُه النفقةُ؛ لأنَّها جزءٌ منها، فإذا امتنعت الأمُّ وجبت الحضانةُ على الأب، فإن لم تكن وجبت على الأمِّ، ولا تجبُ على حواشي النسب، كالأخ والعمِّ؛ لأنَّها تتبع النفقةَ من غير استثناءٍ، فإن طلبت الأمُّ أجرة الحضانة كان كطلبها أجرةَ الرضاع، فإنْ تمكَّن الأبُ من الحضانة: فهل يُلحق ذلك بوجود متبرِّعة بالرضاع؟ فيه خلافٌ، وهل يتنزَّل عَناؤه في الحضانة منزلةَ وجودِ حاضنةٍ بأجرة؟ فيه احتمالٌ، ولعل الأظهر إلحاقُ عَنائه بالأجرة.
٣١١٠ - فرع:
إذا تزوَّجت الأمّ، أو جُنَّت، أو فَسَقَتْ، انتقلت الحضانةُ إلى أمِّها دون الأب، وكذا إذا امتنعت على أقيس الوجهين.
٣١١١ - فرع:
لا حضانة لمن فيه جزءٌ من الرقِّ، فإن أيسر ببعضِهِ الحرِّ: فهل يلزمُه كمالُ نفقةِ القريب، أو يتوزَّع على الرقِّ والحرية؟ فيه احتمالٌ.
وحضانةُ الرقيق لمالكه دون أمِّه وأبيه، فإن كان بعضُ الطفل حرًّا،
стр. 2424
وبعضُه رقيقًا، ثبتت الحضانةُ لأمِّه ومالكه، فإنْ تراضَيَا بحضانة أحدهما، أو بالمهايأة، جاز، وإن تشاحَّا سلَّمه الحاكمُ إلى حاضنةٍ، وأجرتُها على مَن تلزمهُ النفقة.
* * *
стр. 2425
٣١١٢ - باب نفقة المماليك
يجب للمملوك من الكسوة والنفقة كفايتُه إلا أن يستقلَّ بالكتابة، وفي تفاوت الكسوة بتفاوت الرقيق أوجهٌ، ثالثها: التسويةُ بين العبيد، والتفاوتُ في الإماء اللاتي يَصْلحْن للتسرِّي.
ولا يجوزُ إلباسُه ما يضرُّ به، كالثوب الخشن الذي يلاقي البشرة، ولا يلزمُه إلباسُ ما يفيد البدن تنعُّمًا وترفُّهًا، وليس له أن يقتصر على ستر عورة العبد وإن كان لا يتضرَّر بالحَرِّ والبرد؛ لِمَا في ذلك من الإهانة والإذلال.
٣١١٣ - فرع:
قال ﵇: "إذا كَفى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ طَعَامَهُ؛ حَرَّهُ وَدُخَانَهُ، فَليُجْلِسْهُ مَعَهُ، فإِنْ أَبَى فَليُرَوِّغْ لَهُ لُقْمَةً فَلْيُنَاوِلْهَا إِيَّاهُ" (١) ويختصُّ ذلك بمَن
стр. 2426
تولَّى الطعام على الوجه المذكور، وفيه أقوال:
أحدها: يُستحبُّ.
والثاني: يجب الترويغُ، والإجلاسُ أفضلُ.
والثالث: يجبُ أحدُ الأمرين.
وينبغي أن تكون اللقمةُ مُشْبِعةً بالترويغ بحيث تسدُّ مسدًّا، وتردُّ نهَمًا وقرمًا، فإنَّ الصغيرة تَهِيج الشهوةَ، فيزداد الضرر.
* * *
٣١١٤ - فصل في الرضاع والفطام
المذهب: أنَّ زوج الحرَّة لا يجوزُ له أن يَحُولَ بينها وبين ولدها، إلا أن يتعذَّر الجمعُ بين الرضاع والاستمتاع، فله ضمُّه إلى مُرْضع أخرى، ولا تُمنعُ الأمُّ منه في الغفلات والفترات، وإذا لم يستمتع بالأمة فليس له أن يَحُولَ بينها وبين ولدها، ولا يكلِّفها إرضاع غيره، وإن أراد الاستمتاعَ بها فهي كالحرَّة عند الإمام.
٣١١٥ - فرع:
قال الأئمَّة: لا حقَّ للأمة في فطام ولدها، فإنَّها لا تملك المطالبة بحقوقه، وأمَّا ولد الحرَّة؛ فإنْ تضرَّر بالفطام في الحولين، أو بعد الحولين، لم يَجُزْ فطامُه حتى يزول تضرُّرُه، وإن غلب على الظنِّ أنَّه لا يتضرَّر بالفطام في الحولين، لم يَجُزْ إلا باتفاقِ الأبوين، فإن طلب الأبُ الفطام، فامتنعت الأمُّ، لزم الأبَ مؤونةُ الرضاع إلى تمام الحولين.
стр. 2427
وقال الإمام: إن لم يتضرَّر بالفطام، ولها عن الرضاع، فلا يبعدُ إسقاطُ مؤونة الرضاع.
٣١١٦ - فرع:
على السيِّد نفقةُ المستولَدةِ، ونفقةُ أولادها من النكاح والسِّفاح، وله أن يستكسِبَ العبدَ بشرطِ ألا يكلِّفه ما لا يُطيق، وإنْ وظَّف عليه خَراجًا يكتسبُه كلَّ يومٍ فلا حُكْمَ لتوظيفه، وعلى العبد ألا يقصِّر في الكسب، وإن جَعَلَ نفقتَه من الخراج جاز، وإن نَقَصَ الخراجُ عن النفقة لزم السيِّدَ الإتمامُ، وقال عمر بن الخطاب (١): "لا تكلِّفوا الصغير الكسبَ فيسرقَ، والأمةَ غيرَ ذات الصنعة، فتكتسبَ بفرجها"، فيجب رعايةُ ما ذكره عمر (٢).
* * *
стр. 2428
٣١١٧ - باب نفقة الدوابِّ
يجب على مالك الحيوان المحترم القيامُ بعَلفه وسَقْيه، وأن يَقِيَه المعاطبَ إلا فيما جوَّزه الشرع، وإن خاف هلاكَها بالعطش سقاها وتيمَّم، ولا يحلبُ من لبنها ما يُخشى منه هلاكُ أولادها، ولا يحمِّلها إلا ما يليق بها على الاقتصاد المعتاد في مثلها، فإنْ أسامَها فلم يكفِها السومُ لزمه إتمامُ كفايتها، ومتى ظهر لوليِّ الأمر إضرارُه بها كلَّفه بيعَها، أو القيامَ بحقِّها وكفايتِها، والأصحُّ جوازُ غصب عَلَفِها والخيطِ لجُرحها إذا عجز عن ذلك، والله أعلم.
* * *
стр. 2429
كتاب تحريم القتل وَمَن يَجِبُ عَليهِ القِصَاصُ ومن لا قصاصَ عليه
стр. 2430
كتاب تحريم القتل وَمَن يَجِبُ عَليهِ القِصَاصُ ومن لا قصاصَ عليه
٣١١٨ - لا يجبُ القصاص إلا على مكلَّفٍ ملتزمٍ للأحكام، فلا يجبُ بجناية الحربيِّ وإن دخل بعد الجناية في الذمَّة أو الإسلام، وفي السكران خلافٌ .
ويُقتل الذَّكرُ بالأنثى، والأنثى بالذَّكَر، والذمِّيُّ بالذمِّيِّ، وإن اختلفت الملَّتان والدِّينان، فيُقتل النصرانيُّ بالمجوسيِّ.
ويُقتلُ الرقيقُ بالرقيق، وإن كان القاتلُ مكاتَبًا، أو مدبَّرًا، أو أمَّ ولد، ولا يسقطُ القصاص عن أمِّ الولد بعتقِها.
ولا يُقتل الحرُّ برقيقٍ، ولا بمَن فيه جزءٌ من الرقِّ، ويُقتل العبدُ بالحرِّ، والذمّيُّ بالمسلم، والولدُ بالوالد.
ولا يُقتل والدٌ بولدٍ، ولا مسلمٌ بكافرٍ.
ولا يُجْبَرُ بعض هذه الصفات ببعضٍ، فلا يُقتل حرٌّ كافرٌ بعبدٍ مسلمٍ، ولا عبدٌ مسلمٌ بحرٍّ كافرٍ.
فإن قتل الذمّيُّ ذمّيًّا، أو العبدُ عبدًا، ثمَّ أسلم القاتلُ، أو عَتَقَ، لم يسقط القصاصُ، وإن جرح ذمّيٌّ ذمّيًّا، أو عبدٌ عبدًا، فأسلم الجارحُ، أو عتق، ثم مات المجروحُ بالسِّراية، لم يُقتل به على الأصحِّ.
стр. 2431
ولو قَتَل عبدٌ [مسلمٌ] (١) لمسلمٍ، أو لكافرٍ، عبدًا مسلمًا لكافرٍ، ففي قتله به وجهان؛ فإنَّ القود مستحَقٌّ للسيّد، ولذلك يسقطُ بعفوه، ولا يسقطُ بعفو العبد، ولو قتل حرٌّ ذمِّيٌّ عبدًا، ثم نقض العهدَ وأُرِقَّ لم يُقتل به.
ولو قتل ذمِّيٌّ ذمِّيًّا، ثمَّ أسلم القاتلُ، فمات وليُّ القتيل عن ورثةٍ كفَّارٍ، ورثوا القصاصَ على الأصحِّ.
وإن تبعَّض الرقُّ والحريةُ في القتيل والقاتل؛ فإن كان ما في القاتل من الحرية أكثر ممَّا في القتيل منها لم يُقتل به، وإن كان مساويًا، أو أقلَّ، قُتل به عند العراقيّين، وقالت المَراوزةُ: لا يُقتل به؛ فإنَّ ذلك يؤدِّي إلى أن يُقتصَّ من جزء حرٍّ بجزء رقيقٍ، ولهذا لو آل الأمرُ إلى المال تعلَّق كلُّ واحد من نصيب الحرية والرقِّ بالذمَّة والرقبة.
٣١١٩ - فرع:
يُقتل الذمّيُّ بالمعاهَدِ اتِّفاقًا، وفيه احتمالٌ من الخلاف في قطع المعاهَدِ بالسرقة، وإن قَتل ذمّيٌّ مرتدًّا فقولان؛ فإنَّه مُهْدَرٌ، وخرَّج الإصطخريُّ قولًا: أنَّه يُقتل إنْ تعمَّد، ولا دية عليه إن أخطأ؛ للإهدار، فإن قلنا: يُقتل به، فالقصاصُ للإمام، وعلى قول غريب: يثبت لمَن يرثُه لو مات مسلمًا.
وإن قتل مرتدٌّ ذمِّيًّا؛ فإن قلنا: لا يُقتل الذمِّيُّ بالمرتدِّ، قُتل المرتدُّ به، وإن قلنا: يُقتل بالمرتدِّ، ففي قَتْلِ المرتدِّ به قولان؛ لعُلْقةِ الإسلام.
ويُقتل المرتدُّ بالمرتدِّ، وأَبعدَ مَن مَنَعَ لأَجْلِ الإهدار.
стр. 2432
وإن قتل الذمِّيُّ مسلمًا زانيًا محصَنًا، قُتل به اتِّفاقًا، ولا يُقتلُ به المسلمُ على أقيسِ الوجهين، وبه قطع المراوزةُ.
٣١٢٠ - فرع:
إذا قُوبلت جملةٌ بجملةٍ قُوبلت أجزاؤها بأجزائها، فكلُّ شخصين يُقتل أحدُهما بالآخَرِ، فطَرَفُ أحدهما مقطوعٌ بطرفِ الآخَرِ، فتُقطعُ يدُ الرجل بيد المرأة؛ لأنَّ يد كلِّ واحدٍ منهما إذا نُسبت إليه كانت نصفَ جملته، ولا تُقطعُ يدُ المرأة السليمةِ بيد الرجل الشلَّاء وإن ساوت حكومتُها نصفَ ديةِ المرأة.
* * *
٣١٢١ - فصل في قتل الوالد ولدَه
لا يُقتل الأبوان بالولد اتِّفاقًا، ولا الأجدادُ والجدَّاتُ إلا على قولٍ غريبٍ، ومَن قَتلَ مَن يرثُه ابنه، أو يرثُ بعضَ ماله، فلا قصاصَ عليه.
ومَن وجب عليه أو على أبيه قصاصٌ، فورث ذلك القصاص، أو ورث بعضَه، سقط جميعُ القصاص، فلو قَتَلَ عتيقَ ابنه، فمات وارثُ العتيق، فورثه الابنُ، سقط القصاص.
٣١٢٢ - فرع:
إذا قتل أحدُ الأخوين أباهما، والآخَرُ أمَّهما؛ فإن كانا على الزوجية سقط القصاص عن السابق، وثبت على اللَّاحق، وإن لم يكن بينهما زوجيّةٌ فلكلِّ واحدٍ منهما أن يقتصَّ من الآخر، وهل يُبدأ بالاقتصاص من السابق، أو يُقْرَعُ بينهما؟ فيه وجهان، فإن بدأنا بالسابق فهل يرثه المقتصُّ؟ فيه
стр. 2433
خلافٌ، فإن قلنا: يرثه، سقط القصاصُ عن الآخر (١)، وإن قلنا: لا يرثه، اقتَصَّ منه ورثةُ السابق.
وإذا استَحَقَّ أحدُهما التقديمَ بالقرعة، أو السبق، فبدر الآخَرُ بالقتل وقع قصاصًا، وفي الإرث الخلافُ.
وإن قتلا أبويهما معًا، فعلى كلِّ واحدٍ منهما القصاصُ للآخَرِ، سواءٌ كانت الزوجيَّةُ باقيةً، أو لم تكن، فيُقْرَعُ بينهما، وإن بادر أحدُهما بالقتل وقع قصاصًا، ولا يُمكَّن كلُّ واحدٍ منهما من قتل الآخر، ولا يقال: مَن ابتدر منكما وقع قتلُه قصاصًا؛ خوفَا من ابتدارِ كلِّ واحدٍ منهما.
٣١٢٣ - فرع:
إذا تنازع اثنان ولدًا يمكن لحاقُه بكلِّ واحدٍ منهما، فقتلَه أحدُهما، لم يُقتل به؛ لاحتمالِ أُبوَّته، فإنْ ألحقته القافةُ بالآخَرِ قُتل قاتِلُه، وإن ألحقَتْه بالقاتل لم يُقتل به، وإن اشتركا في قتله لم يُقتل به واحدٌ منهما، فإن ألحقتْه القافةُ بأحدهما قُتل به الآخَرُ.
* * *
٣١٢٤ - فصل في قتل الجماعة بالواحد
إذا قتل جماعةٌ واحدًا بحيث لو انفرد كلُّ واحد منهم بقتله لقُتل به، وجب القصاصُ على الجميع، وإن تفاوتوا في عدد الجراحات، فإذا قُتِلوا به، وقع قتلُ كلِّ واحدٍ منهم قصاصًا باتِّفاق الأصحاب.
стр. 2434
وقال الحَلِيميُّ (١): إذا كانوا عشرةً مثلًا كان عُشْرُ كلِّ واحد منهم قصاصًا، والباقي وسيلةً إلى استيفائه، كما تُقلع أبوابُ الغاصِبِ لتخليص المغصوب (٢).
وهذا باطلٌ؛ فإنَّا لا نوجبُ القصاص في الساعد؛ خوفًا من الزيادة على المستحَقِّ، فكيف نُريق تسعةَ أعشارِ الدم بغير القصاص، ولا يصحُّ الاستدلالُ باتِّحاد الدية؛ فإنَّا نقتلُ الرجل بالمرأة مع نقصِ دِيَتها.
٣١٢٥ - فرع:
تُقْطَعُ (٣) الأطراف بالطَّرَف إذا تحاملوا على آلة القطع؛ بحيث لا ينفردُ بعضهم بالجناية على بعض الطَّرف، فإنْ قَطَعَ أحدُهما بعض الطَّرَف، وقطع الآخَرُ ما بقي، لم يجب القصاصُ على واحدٍ منهما، وخرَّج صاحب "التقريب" قولًا من وجوب القصاص في المتلاحمة: بأنْ يُقطع من كلِّ واحد منهما مثلُ ما قطع، وهذا لا يصحُّ؛ لتناسُبِ لحم المتلاحمة، وتفاوُتِ الأطراف في وضع العروق والأعصاب.
стр. 2435
ولو جرَّ كلُّ واحدٍ منهما الحديدةَ كجرِّ المنشار؛ فإن انفرد كلُّ واحد منهما بِجَذْبة، فلا قصاصَ عليهما، وإن اشتركا في كلِّ جَذْبةٍ، قُطعت يدُ كلِّ واحدٍ منهما؛ لاشتراكهما.
* * *
стр. 2436
٣١٢٦ - باب كيفيَّة قتل العمد وجراح العمد التي فيها القصاصُ وغيرُ ذلك
الجرحُ والقتلُ ثلاثةُ أضربٍ: عمدٌ، وخطأٌ، وشِبْهُ عمدٍ.
والقتل منقسمٌ إلى: مذَفِّف كالذبح، وإلى سببٍ يتعلَّق بالظاهر تارةً كالضرب، وبالباطنِ تارةً كالجَرْحِ.
فأمَّا المتعلِّق بالظاهر من العمد: فهو كلُّ ما يُقصَدُ به القتلُ غالبًا إذا تجرَّد القصدُ إليه، ويختلفُ باختلاف الأحوال والأشخاص والأزمان، وما لا يُقصد به القتلُ غالبًا فهو شِبْهُ العمد، وأمَّا الجَرْحُ فلا يُشترط فيه أن يُقصد به القتل غالبًا، وضبطهُ الإمام بكلِّ جرحٍ يتحقَّق حصولُ الموت به إذا تجرَّد القصدُ إليه، فعلى هذا: كلُّ ما عُلم حصولُ الموت به من الأسباب الظاهرة أو الباطنة، فهو عمدٌ إذا تجرَّد القصدُ إليه، ولا يَقْدَحُ فيما ذكره إلا نصُّ الشافعيِّ على أنَّ الكفَّ إذا تآكلت بالجرح فلا قصاصَ فيها، وإن عُلم حصولُ التآكُلِ بالجرح كما عُلِمَ حصول الموت بأسبابه المتعمَّدة، وإن قُصد ما يمكن حصولُ الموت به، ولم يعلم حصولُه به، فهو شبهُ العمد.
وقال أبو محمد: العمدُ ما يكون القتلُ مقصودًا به، وشبهُ العمد ما يكون الفعلُ مقصودًا به، ثمَّ قد يُفضي إلى القتل.
* * *
стр. 2437
٣١٢٧ - فصل في غرز الإبرة
قال الأصحاب: إذا غرز إبرةً في مَقْتَلِ إنسانٍ كَثُغْرَةِ النَّحر، والمثانة، والأخدع، والعِجَان (١)، فمات، وجب القَوَد، وإن غرزها في غير مقتلٍ؛ فإن كان في جلدٍ غليظٍ لم يتعلَّق به ضمان؛ فإنَّ الفعل المتعمَّد أقسام:
أحدها: ما يُعلم حصولُ الموت به، فيوجِبُ القود.
الثاني: ما يمكنُ حصولُ الموت به، ولا يُعلم، فيوجِبُ الضمان.
الثالث: ما لا يمكنُ حصولُ الموت به، كغرز الإبرة في جلدٍ غليظٍ، فلا قود ولا ضمان.
وإن غرزها في اللحم، وجاوزت الجلد، فطريقان:
إحداهما: في وجوب القود وجهان.
والثانية: إن تورَّم محلُّ الغرز وجب، وإن اشتدَّ الألمُ من غيرِ ورمٍ فوجهان.
* * *
٣١٢٨ - فصل في الإلقاء في الماء والنار
إذا ألقاه في ماءٍ غير مُغرِقٍ؛ فإنْ شدَّ أطرافَه، وألقاه بحيث يُلْجِمُه الماء، ولا يُمْكِنُه الخلاصُ، وجب القصاصُ، وإن لم يشدَّه، فاضطجع
стр. 2438
حتى هلك، لم يضمن، وإن ألقاه في ماءٍ مُغرِقٍ تظهرُ النجاةُ منه بالسباحة فغرق؛ فإنْ جَهِلَ السباحةَ وجب القودُ، وإنْ عرفها ففي الضمان وجهان، فإن أوجبناه لم يجب القودُ على الأصحِّ.
وإن ألقاه في نارٍ يمكنُ التخلُّصُ منها، فتخاذَلَ، فوجهان مرتَّبان، وأولى بالوجوب، فإنْ لم نُوجب الضمانَ، فكان للَّفح الأوّل أثرٌ، أُفرد بالضمان، وإنْ منعه اللَّفحُ الأوّلُ من الخروج، فليس هذا محلَّ الخلاف.
* * *
٣١٢٩ - فصل في دفع الأسباب
إذا وقع سببٌ يقدر المجنيُّ عليه على دفع الهلاك معه، فلم يفعل، فله أحوال:
الأولى: أن يكون السببُ مُهْلِكًا، والدفعُ عسيرًا، والبرءُ مظنونًا، كترك مداواة الجرح، فلا يسقطُ الضمان.
الثاني: ألا يكون السبب مُهْلِكًا، والدفعُ يسيرٌ مقطوع به، كترك الخروج من الضحضاح، وكتركِ المحبوسِ الأكلَ من الطعام الحاضِرِ، فلا ضمانَ، وكذلك تركُ ربط الفصد عند الإمام.
الثالث: أن يكون السبب جنايةً، والخلاصُ ممكنًا، وقد يقع دَهَشٌ يَمنع منه، كتركِ السباحة والخروجِ من النار، ففيه الخلافُ، وكذا لو ترك تعصيبَ الجرح حتى نزف دمُه عند الإمام.
* * *
стр. 2439
٣١٣٠ - فصل فيمن ألقى إنسانًا في مهلكة فهلك بسببٍ آخَرَ
إذا ألقاه على سببٍ مُهْلكٍ، فهلك بسببٍ ثانٍ، فللسَّبب الثاني أحوالٌ:
أحدها: ألا يكون له فعلٌ ولا اختيارٌ، كما لو ألقاه من شاهقٍ مُهْلكٍ، أو في بئرٍ مُهْلكةٍ، فصادف سكاكينَ منصوبةً، ورماحًا مُشْرَعةً، أو جَرَحَه بسكِّين، ثم ظهر أنَّه مات بسمٍّ فيها يجهلُه الجارِحُ، فيجبُ القودُ.
الثاني: أن يكون فعلَ إنسانٍ مختارٍ، مثل أن يلقيَه من شاهقٍ، فيقتله إنسانٌ قبل الوصول إلى الأرض، فلا قود على المُلْقي ولا ضمانَ وإنْ لم يكن القاتلُ ضامنًا كالحربي.
الثالث: أن يكون فِعْلَ حيوانٍ يفعلُ بطبعه، كما لو ألقاه في لُجَّةٍ فالتقمه حوتٌ عند الوصول إلى الماء، أو ألقاه من شاهقٍ، فقتلته حيَّةٌ عادِيَة أو سَبْعٌ ضارٍ قبل الوصول إلى الأرض، فيجبُ القود، خلافًا للربيع، فإنَّه أسقط القود، وأوجب الضمان، وهذا لا يصحُّ؛ فإنَّ الحيوان الضاريَ بطبعه كالسيف المصادِف لمضربه، بخلافِ فعلِ المختار، ولذلك قال الشافعيّ: لو أدخله بيتًا فيه سباعٌ ضاريةٌ، أو هَدَّفه لوثبةِ أسدٍ ضارٍ، وجب القودُ، ولو أمسكه ليقتلَه إنسانٌ مختارٌ، لم يجب القودُ بالإمساك، وإن كان القاتلُ غيرَ ضامنٍ كالحربيِّ.
٣١٣١ - فرع:
إذا ألقاه من شاهقٍ، فقتله مجنونٌ؛ فإن كان ضاريًا بالطبع فهو كالسَّبُعِ، وإن لم يكن كذلك فهو كالعاقل.
ولو التقمه الحوتُ قبل الوصول إلى اللجَّة، فقد نقل القاضي عن الأصحاب وجوبَ الضمان، ونقل عنهم نفيَه، واختار الوجوبَ، والوجهُ:
стр. 2440
القطعُ بوجوبه إلا على قول الربيع، ولا يصحُّ هذا النقلُ عن الأصحاب؛ إذ لا فرق بين الهواء وصدمةِ الماء، فإنَّ التلف لا يحصل بمصادمة الماء؛ لرقَّته ولطافته، وإنَّما يحصل بالغرق بعد المصادمة.
٣١٣٢ - فرع:
إذا ألقاه على سببٍ غيرِ مهلكٍ، فهلك بغيره؛ فإنْ لم يشعر به الجاني مثل إن ألقاه في ضحضاحٍ، فالتقمه حوتٌ لم يشعر به، أو دفعه دفعًا خفيفًا، فوقع على سكينٍ لم يشعر بها وجب الضمانُ دون القود، وإن علم بذلك وجب القودُ.
* * *
٣١٣٣ - فصل في التجويع وسقي السم
إذا حبس إنسانًا، فمات بالجوع والعطش، أو بأحدهما؛ فإنْ تمكَّن المحبوسُ من تحصيلهما بوجهٍ من الوجوه فلا ضمانَ على الحابس، وإن مَنَعَه منهما، أو من أحدهما؛ فإن كان حين حبسه شبعانَ ريَّانَ وجب القودُ، وإن كان جوعان؛ فإنْ جَهِلَ جوعَه ففي القود قولان، وإنْ عَلِمَه فطريقان، فإن قلنا: يجبُ القود، وجبت الدية، وإن قلنا: لا يجب، فهل يجب كمالُ الدية، أو تُوزَّع على الجوعين؟ فيه خلاف.
ولو جهل مرضَ إنسان، فضربه ضربًا يَقتل مثلُه مريضًا، ولا يقتلُه صحيحًا، وجب القودُ، بخلاف مبادئ الجوع، فإنَّه يُعدُّ من الرياضات وإصلاح الأجساد.
ولو وضع عِدْلًا في سفينةٍ مشحونةٍ، فغرقتْ، فهل يلزمُه كمالُ الضمان،
стр. 2441
أو نصفُه، أو يتوزَّع الضمانُ على الأثقال؟ فيه ثلاثةُ أوجه، ولا ينبغي أن يُخْرجَ ثقلُ السفينة عن الاعتبار.
وإن سقاه سمًّا؛ فإن لم يغلب على الظنِّ أنَّه قاتِلٌ فهو عند الأصحاب كغرز الإبرة في غير مقتل، وإن كان مذَفِّفًا؛ فإن أوجره به وجب القودُ، وإن أكرهه على شربه؛ فإنْ جَهِلَ الشاربُ كونَه سمًّا وجب القودُ، وإن عَلِمَ لم يجب؛ فإنَّ المكرَه مَن يخلِّص نفسَه بفعلِ ما أُكره عليه.
ولو دعاه إلى أكلِ طعامٍ مسمومٍ بقولٍ أو قرينةِ حالٍ، ففي القود قولان أقيسُهما: أنَّه لا يجب، فإن أوجبناه وجبت الدية، وكذا إنْ لم نُوجبه على ما قطع به الأصحاب، وحكى أبو محمد قولين.
وإن دسَّ السمَّ في طعامٍ، فأكله صاحبُ الطعام فقد قيل: لا يجبُ القود، وقيل: فيه القولان.
* * *
٣١٣٤ - فصل في إغراء السباع وإنهاش العقارب والحيَّات
إذا أَنهشه حيّةً أو عقربًا لا يقتلُ جنسَها في الغالب، فهو كغرز الإبرة عند الأصحاب، وإن كانت من جنسٍ قتَّال، كحيَّات مصر، وعقاربِ نَصيبين، وجب القود.
وإن أغرى به كلبًا ضاريًا؛ أو سَبُعًا ضاريًا، فإن كان في مضيقٍ لا يُمْكِنُه الخلاصُ منه وجب القودُ، وإن كان في صحراء لم يجب القودُ؛ لإمكان الهرب.
وقال القاضي والإمام: إنْ عَلِمَ أنَّ الهرب لا ينجيه وجب القودُ، وإنْ
стр. 2442
أَمْكَنه الهربُ فتخاذل، فهو كترك السباحة عند الإمام.
ولو أغرى في الصحراء سَبُعًا غيرَ ضارٍ، فقد قال الإمام: إن كان السبع مطلَقًا فلا قودَ ولا ضمان؛ لأنَّ افتراسه وقع اتِّفاقًا، وإن كان مربوطًا فحلَّه وأغراه؛ فإن نظرنا إلى عدم الضراوة فالوجهُ نفيُ الضمان، وإن نظرنا إلى إمكان الهرب فهو كترك السباحة.
وإنْ جَمَعَه مع سَبُعٍ، أو حيَّاتٍ في بيتٍ، فافترسه السَّبُعُ، أو نهشته الحيّاتُ، وجب القودُ بالافتراس دون النهش؛ لأنَّ الحية تنفر بطبعها، والأسد يَثِبُ في المَضِيق بطبعه، وذكر صاحب "التقريب" قولًا في الافتراس، وهذا لا يصحُّ؛ فإنَّ الأحكام تتبع الصور، فإن كان من الحيات ما يَقْصِدُ، ومن السباع ما يَنْفِرُ، فالأحكامُ مبنيَّةٌ على ذلك، فإنْ تحقَّقت العَمْديَّةُ وجبَ القودُ، وإنْ شَكَكْنا فيها لم يجب.
* * *
٣١٣٥ - فصل في اجتماع الجارح والمذَفِّف
إذا قطع حلقومَه ومَريئَه، أو أخرج حشوته، فجرحَه آخَرُ، أو قطع يده وهو يتحرَّكُ، قُتل الأوّل، وعُزِّر الثاني، ولا ضمانَ عليه؛ لأنَّه جنى على ميتٍ.
ولو جرحه جرحًا يُهْلِكه لا محالة، ولكنْ بقيت فيه حياةٌ مستقرَّةٌ، فذفَّفَه آخَرُ، وجب على الأول ما يجبُ على الجارح، وعلى الثاني ما يجب على القاتل.
مثاله: أنْ يَقطع أحدُهما معاه، فيذبحُه الآخَرُ، أو يُخْرِجُ حشوته، أو يقدُّه بنصفين مع بقاء الحياة المستقرَّة، ولو قطع مريئه فالحياةُ مستقرَّةٌ ما لم
стр. 2443
يصل إلى حركة المذبوح، فإذا وصل إليها حُكم بموته، بخلافِ ما لو انتهى إنسانٌ بالمرض إلى مثل تلك الحال، فمهما قُتل وهو يتنفَّسُ وجب القصاصُ بقتله.
ولو قدَّه بنصفين، وترك حشوتَه في النصف الأعلى، فما دام يتكلَّم أو ينظر فهو حيٌّ عند الأئمَّة، وقال الإمام: لا يجبُ القصاصُ بقتله؛ فإنه معدودٌ من الموتى، وكلامُه غيرُ منتظِمٍ.
* * *
٣١٣٦ - فصل فيمن قطع يد إنسان ثم قتله قبل الاندمال أو بعده
إذا سرت الجراحات إلى النفس اندرجت دِياتُها في ديةِ النفس، ولا يندرج قصاصُها في قصاص النفس؛ فإنْ قَطَعَ يدي إنسانٍ ورجليه، فاندملتا، فعَفَا عن القود، وجب ديتان، وإن مات بالسراية وجبت ديةٌ واحدة، وإن قتله أجنبيٌّ، قبل الاندمال فلا إدراج اتِّفاقًا، وإن قتله القاطِعُ بعد الاندمال وجب ثلاثُ دياتٍ، وإن قتله قبل الاندمال؛ فإن اتَّفقت صفةُ القطع والقتل بأن كانا عمدًا، أو خطأً فالنصُّ وجوبُ ديةٍ واحدةٍ؛ للإدراج، وخرَّج ابن سُريج قولًا منقاسًا: أنَّه يجب ثلاثُ دياتٍ؛ لأنَّ تعذُّر الإدراج بالقتل كتعذُّره بالاندمال.
وإن اختلفت صفةُ الجناية، فكان القطعُ عمدًا، والقتلُ خطأً، أو بالعكس، ففي الإدراج قولان منصوصان مرتَّبان عند الإمام، وأولى بنفي الإدراج، فلو قطع يده ثم قتله؛ فإن منعنا الإدراج، فاختلفت صفة الجنايتين (١)
стр. 2444
كانت ديةُ الخطأ منهما مخفَّفةً على العاقلة، وديةُ العمد مغلَّظةً على الجاني، وإن قلنا بالإدراج، فقد جعل الشافعيُّ نصفَ الدية مخفَّفًا على العاقلة، ونصفَها مغلَّظًا على الجاني.
وقال الإمام: إن كان القتلُ عمدًا فجميعُ الدية مغلَّظةً على الجاني، وإن كان خطأً فجميعُها مخفَّفٌ على العاقلة؛ لأنَّ معنى الإدراج سقوطُ دية الأطراف اكتفاءً بدية النفس.
وعلى قول الشافعيِّ: لو قطع يديه عمدًا، ثم قتله خطأً، أو بالعكس، أو قطع يديه ورجليه عمدًا، ثم قتله خطأً، أو بالعكس، أو قطع إصبعه عمدًا، وقتلَه خطأ، فالوجهُ: إيجابُ نصف الدية على العاقلة، ونصفِها على الجاني؛ إذ لا نظر إلى أعداد الجراحات إذا صارت نفسًا.
٣١٣٧ - فرع:
إذا قلنا بالإدراج، فقطع يديه عمدًا، ثم قتله عمدًا، فقطع الوليُّ يديه، ثم عفا عن نفسه، فلا ديةَ له على أظهر الوجهين، ولو قطع إحداهما، ثم قتله، فقطع الوليُّ إحدى يديه، ثمّ عفا، وجب نصفُ الدية على الأظهر، وعلى الآخر يجب الديةُ.
* * *
٣١٣٨ - فصل في مشاركة العامد لمن لا يلزمه القصاص
إذا شارك العامدُ مخطئًا، فلا قصاصَ على واحدٍ منهما، وإن شارك عامدًا لا يلزمه القصاصُ، فللشريك أحوال:
الأولى: أن يَلْزمَه الديةُ، كما لو شارك الأجنبيُّ الأبَ في قتل الولد،
стр. 2445
أو الحرُّ عبدًا في قتلِ عبدٍ، أو الذمّيُّ مسلمًا في قتل ذمِّيٍّ، فيجب القود على الأجنبيِّ والعبد والذمِّيِّ.
الثانية: ألا يلزمَه ديةٌ ولا كفَّارةٌ، كما لو جرح حربيًّا أو مرتدًّا، فجرحه آخَرُ بعد الإسلام، أو قُطعت يدُه في حدٍّ، أو قصاصٍ، وجرحه آخَرُ، أو جرح ذميٌّ حربيًّا فالتزم الذمَّةَ، فجرحه ذمِّيٌّ آخَرُ، ففي وجوب القصاص على الضامن منهما قولان.
الثالثة: أنْ تلزمَه الكفَّارةُ لا غير، كالسيِّد يشارِكُ في قتل عبدِه، فهل يُلْحَقُ شريكُ السيِّد بمن يلزمه الديةُ، أو بمن لا يلزمه شيء؟ فيه وجهان، وإن شارك في قتل نفسه؛ فإن لم نوجب عليه الكفّارة ففي القود على شريكه القولان، وإن أوجبناها، فإن جعلناها كالدية وجب القود اتّفاقًا، وإن لم نجعلها كالدية ففيه القولان.
ولو جُرح، فداوى جرحَه بسمٍّ غيرِ مذفِّفٍ، أو خاطه في لحمِ حيٍّ، وأَمْكَنَ إحالةُ الموت على الجرح والخياطةِ والسمِّ فطريقان:
إحداهما: أنَّه كالمشارك في قتل نفسه.
والثانية: لا يجب القودُ قولًا واحدًا؛ لأنَّه قصد بذلك الإصلاحَ، فصار شريكُه كشريك المخطئ، وعلى هذا: لو قُطعت يدُه حدًا أو قصاصًا، فجرحَه آخَرُ، فينبغي ألا يجبَ القصاص، لأنَّه شريكٌ محقٌّ، ولا أثر للخياطة في اللَّحم الميت.
ولو داوى الجرحَ بسمٍّ مذفِّفٍ، فليس على الجارح سوى أَرْشِ الجرح، أو قَوَده، وإن شارك سَبُعًا في القتل فطريقان:
стр. 2446
إحداهما: لا يجب القود؛ لانتفاء العمد.
والثانية: فيه القولان؛ لأنَّه عامدٌ غيرُ ضامنٍ.
٣١٣٩ - فرع:
إذا اتَّحد الجاني، واختلف حكمُ جراحاته، فكان بعضُها عمدًا وبعضُها خطأً، أو غيرَ مضمون، فلا قودَ عليه في النفس اتِّفاقًا؛ فإنْ جَرَحَ عمدًا وخطأً كان الخطأُ على العاقلة، والعمدُ في ماله.
وإن جرح عبدَه، ثم جرحه بعد العتق، أو جرح حربيًّا، أو مرتدًّا، ثم جرحه بعد الإسلام، أو قطع يد إنسانٍ قصاصًا، وجرحَه ظلمًا، أو جرح المسلم ذمِّيًّا، ثم جرحه بعد الإسلام، فلا قَوَد في النفس اتِّفاقًا.
٣١٤٠ - فرع:
إذا ضرب إنسانًا بسياطٍ يقتلُ مجموعُها غالبًا، لزمه القودُ اتِّفاقًا وإن كانت كلُّ ضربةٍ ليستْ بعمد محضٍ، ولو وقع ذلك من جماعةٍ، فضَرَبَه كلُّ واحدٍ ضربةً فأوجهٌ؛ ثالثها: إن تواطؤوا على ذلك وجب القَوَد، وإلا فلا، والأقيس: أنَّه لا يجب بحالٍ؛ فإنَّ كلَّ واحد كشريكٍ مخطئ، ولا يقال: إن ذلك يصيرُ ذريعةً، فإنَّ الذريعةَ ما ينتشرُ وقوعها ويعمُّ، فإن لم نُوجب القودَ وجب ضمانُ العمد.
٣١٤١ - فرع:
إذا جرح جُرحًا، وجرح آخَرُ جُرحين، أو أشْلَى (١) الآخَرُ حيَّةً فنهشته،
стр. 2447
وسبعًا فعضَّه، فالديةُ عليهما نصفين؛ إذ لا يُنظر في الشركة إلى كثرة الجراحات وقلَّتها.
ولو جرحه، فنهشته حيّةٌ، وعضَّه سَبُع؛ فإن كان ذلك خطأً من الحيوان فلا قَوَد على الجارح، وإن كان عمدًا، فالجارحُ شريكُ عامدٍ عند الأكثرين، وشريكُ مخطيء عند المحقِّقين، فإنْ آل الأمر إلى المال، فهل يجب نصفُ الدِّيَة، أو ثلُثها؟ فيه وجهان.
* * *
٣١٤٢ - فصل في تغيُّر حال المجروح بين الجرح والموت
إذا جرح إنسانًا، فتغيَّر حالُه، ثم مات بالسِّراية، فله أحوالٌ:
أحدها: أن يتغيَّر من الإهدار إلى الضمان، كما لو جرح مرتدًّا فأسلم، أو حربيًّا فأسلم أو استأمَنَ، فلا ضمان اتِّفاقًا، وعند العراقيين وجهان.
ولو جرحه قصاصًا، ثم عفا، أو جرح الحربيُّ مسلمًا أو ذمِّيًّا، ثم أسلم الجارحُ أو استأمَنَ، أو جرح عبدَه ثم أعتقه، لم يضمن عند المراوزة؛ نظرًا إلى حال الإهدار، ونصَّ الشافعيُّ على ذلك في العتق، وقال: لو جنى أحدُ الشريكين على الجارية المشتركة الحامِلِ، ثم أعتقها، وسَرَى عِتْقُه، فأجهضت، فعليه غُرَّةٌ كاملةٌ، ففرَّق بعضُهم: بأنَّا لم نتحقَّق اتصالَ الجناية بالجنين قبل العتق، فصار كمن رَمَى عبدًا، فعتق، فأصابه السهمُ بعد العتق.
ومنهم مَن جعل المسألتين على قولين نقلًا وتخريجًا:
стр. 2448
أحدهما: يجب الغرَّةُ والدِّيةُ.
وأقيسهما: وجوبُ نصفِ الغرَّة، وألا يجبَ شيءٌ من الدية، فإن أوجبنا ضمانَ العبد والمرتدِّ والحربيِّ، فهو ديةٌ مخفَّفةٌ على العاقلة.
الثانية: أن يتغيَّر من الضمان إلى الإهدار، مثلَ أن يجرحَ مسلمًا فيرتدَّ، أو ذمِّيًّا فيحارب، فيجبُ ضمانُ الجرح دون دية النفس.
الثالثة: أن يتغيَّر من نقص الضمان إلى كماله، مثل أن يجرح ذمِّيًّا فيسلمَ، أو عبدَ غيره فيَعْتِقَ، فيجب تكميلُ الدية اتِّفاقًا؛ لأنَّ اعتبار الجرح المضمون في الزيادة والنقصان بالمآل، ولهذا لو قطع يد إنسان، أو يديه ورجليه، فسرى القطعُ إلى نفسه، وجبت ديةٌ واحدةٌ.
* * *
٣١٤٣ - فصل في تغيُّر حال المرميِّ بين الرمي والاصابة
إذا رمى إلى إنسان، فتغيَّر حالُه، ثم أصابه السهمُ فمات؛ فإن تغيَّر من الضمان إلى الإهدار مثل أن يرميَ مسلمًا فيرتدَّ، أو ذمِّيًّا فينقضَ العهد فلا ضمان؛ نظرًا إلى حال الإصابة، سواءٌ ذفَّفه الجرح، أو مات بسرايته على الإهدار.
وإن تغيَّر من الإهدار إلى الضمان مثل أن رمى حربيًّا أو مرتدًّا، فأسلم، فأصابه السهمُ ففيه أوجهٌ ثالثُها: يضمن المرتدَّ دون الحربيِّ؛ فإنَّ قَتْل المرتدِّ مخصوصٌ بالأئمَّة، ولا يجوز قتلُه بالرمي.
ولو رمى إلى عبد نفسه، فأعتقه، ثم أصابه السهم، أو إلى قاتل أبيه،
стр. 2449
ثمّ عفا، فأصابه السهمُ، فوجهان.
ورتَّب الإمام الجانيَ على المرتدِّ، وعبدَ الرامي على الجاني، وجَعَلَ الجانيَ والعبدَ أولى بالضمان، فإنَّ العبد مضمونٌ بالكفَّارة، والجانيَ لا يُهدر إهدار المرتدِّ.
وإن تغيَّر من نقص الضمان إلى كماله مثل أن رمى إلى عبدِ غيره، فعتق، فأصابه السهم، أو إلى ذمّيٍّ، فأسلم، فأصابه السهمُ وجب في الذمِّيِّ ديةُ مسلمٍ، وفي العبد ديةُ الحرِّ اتِّفاقًا؛ فإنَّ الاعتبار بحال الإصابة، فأشبهَ ما لو رمى إلى حيٍّ فمات، أو إلى عبدٍ فنقصَتْ قيمتُه، فإنَّ الاعتبار بحال الإصابة.
٣١٤٤ - فرع:
إذا وقع في حال الإهدار سببٌ غير مهلكٍ، فلا عبرةَ به اتِّفاقًا، مثل إن حفر بئرَ عدوانٍ في مكانٍ فيه حربيٌّ، أو مرتدٌّ، أو عبدٌ للحافر، فعَتَقَ العبدُ، وأسلم الحربيُّ والمرتدُّ، ثم هلكوا بالبئر، فيجب الضمانُ اتِّفاقًا؛ اعتبارًا بحال التردِّي.
٣١٤٥ - فرع:
قال الأئمَّة: إذا اقترن مُسْقِطُ القصاص بالرمي، أو الإصابة، أو تخلَّلهما، لم يجب القصاصُ، ولا تجب الديةُ على العاقلة، فإنَّ تحمُّلها على خلاف القياس، فيُحتاط له احتياطَ القصاص، فان كان الرامي مسلمًا عند الرمي، كافرًا عند الإصابة، أو بالعكس، أو كان مسلمًا عند الرمي والإصابة، كافرًا بينهما، فلا قصاص، والديةُ في ماله دون عاقلته من المسلمين والكفَّار.
ولو رمى الكافر سهمًا، ثم أسلم، فأصابَ إنسانًا، أو رمى المسلمُ
стр. 2450
سهمًا، ثم ارتدَّ، فأصاب إنسانًا، فالديةُ عليه دون عاقلته المسلمين والكفَّار.
وإن كان مسلمًا عند الرمي والإصابة، كافرًا بينهما، فقولان:
أصحُّهما: أنَّ الدية عليه.
والثاني: على عاقلته المسلمين؛ نظرًا إلى الطرفين، ويجب طرد القولين في القصاص.
٣١٤٦ - فرع:
إذا جرح الذمِّيُّ إنسانًا خطأً ثم أسلم، فمات المجروحُ، فأرشُ الجرح على عاقلته الكفَّار، وبقيّةُ الدِّية عليه دون عاقلته المسلمين؛ لاستناد السِّراية إلى الجرح الواقعِ في الكفر.
ولو قطع إصبعَه خطأً، فسرت إلى كفِّه، فأسلم، فسرت إلى نفسه، فنصفُ الدِّيَة عليه، ونصفُها على عاقلته الكفَّار.
ولو قطع إصبعًا في الكفر، وإصبعًا في الإسلام، فعلى عاقلته المسلمين نصفُ الدية، وعلى عاقلته الكفَّارِ أرشُ إصبعٍ، وعليه ما بينهما.
* * *
٣١٤٧ - فصل فيمن جرح مسلمًا فارتدَّ ومات
إذا جرح مسلمًا، فارتدَّ، فسرى إلى نفسه، فله حالان:
إحداهما: أن يسلم، ثم يموت، فلا قودَ في النفس على النصِّ.
ولو جرح ذِمِّيٌّ ذمِّيًّا، فحارب المجروحُ، ثم التزم الذمَّةَ، فسرى إلى نفسه، وجب القودُ في النفس.
стр. 2451
وفي النصَّين ثلاثُ طرق:
إحداهنَّ: في المسلمين قولان نقلًا وتخريجًا؛ أقيسهما: أنَّه لا يجب؛ لاقتران المهدِرِ ببعض أجزاء السبب.
والثانية: تنزيلُ النصَّين على طول الزمان وقصره، فإنْ قَصُرَ بحيث لا يَظهَرُ للسراية وقع محسوسٌ وجب القودُ، وإن طال الزمانُ مع السريان لم يجب.
الثالثة، وهي طريقة المحصِّلين: إن طال الزمانُ لم يجب القودُ، وإن قَصُرَ فقولان، فإن أوجبنا القصاصَ وجبت الدِّية، وإنْ لم نُوجبه؛ فإن طال الزمانُ: فهل تجب الديةُ، أو نصفُها، أو ثُلثُها؟ فيه ثلاثةُ مذاهب، والمنصوصُ أوَّلها، وإن قصر فقد قيل: تجب الدِّيةُ اتِّفاقًا، وقيل: على المذاهب الثلاثة، فإنّ غَوْرَ السراية لا يَظْهَرُ للحسِّ.
الثانية: أن يموت كافرًا، فلا قصاصَ في النفس، وفي الطرف قولان:
أحدهما: لا يجب؛ لعدم الوارث الخاصِّ.
والثاني: يجب للإمام؛ بناء على أنَّه يقتصُّ لمَن لا وارث له؛ فإنَّ الإرث مضافٌ إلى جهة الإسلام دون الأشخاص، ولذلك يجوزُ صرفُ بَدَلهِ إلى مَن يولدُ بعد القتل.
وقيل: يَثْبتُ لوليِّه الخاصِّ؛ لأنَّ غرضه التشفِّي.
فإنْ لم نوجب القصاصَ وجب الأرشُ على الأصحِّ، وأَبْعدَ مَن قال: لا يجب؛ لاندراجه في نفسٍ مهدَرة، وإذا وجب الأرشُ فهو لأهل الفيء.
стр. 2452
فإن زاد على الدية بأنْ قطع يديه ورجليه، فمات، فالواجبُ ديةٌ واحدةٌ على الأصح، وقيل: ديتان؛ لتعذُّر الإدراج بالإهدار، فيُشْبِهُ ما لو انْدَملتِ، أو قتل لردَّته (١)، أو مات بعد الجرح.
٣١٤٨ - فرع:
إذا قطع يدي نصرانيٍّ تمجَّس، وسرى إلى نفسه، فإن قلنا: لا يُقرُّ على التمجُّس، كان كمن جَرَحَ مسلمًا فارتدَّ ومات بالجرح، وإن قلنا: يُقرُّ، ففيه ديةُ مجوسيٍّ نظرًا إلى المآل.
* * *
٣١٤٩ - فصل فيمن جرح عبدًا، فعتق ثم مات بالسراية
إذا جرح عبدًا قيمتُه أقلُّ من دية الحرِّ أو أكثر بأضعافٍ، فعتق، فسرى الجرحُ إلى نفسه، ففيه ديةُ حرٍّ اعتبارًا بالمآل، إذ لا خلافَ أنَّ مَن قطع أطرافًا فيها دياتٌ فسرتْ، وجبت ديةٌ واحدةٌ.
ثم للجاني على العبد إذا مات بالسراية بعد العتق أحوالٌ:
الأولى: أن يقطع يدَه، فيعتَق ويموت، ففيما يستحقُّه السيدُ من ديته قولان:
أحدهما: الأقلُّ من كلِّ الدية أو نصفِ القيمة، ويعبَّر عن هذا القولِ في جميع الصُّور بأنه: الأقلُّ مما لزم الجانيَ بالجناية على المِلْكِ بتقديرِ الاندمال، أو ممَّا لزمه بسبب الجناية على المِلْكِ.
стр. 2453
والثاني وهو مخرَّجٌ: أنه يستحقُّ الأقلَّ من كلِّ الدية أو كلِّ القيمة، ويعبَّر عنه بأنه: الأقلُّ مما لزمه بالجناية على المِلْكِ، أو مثل نسبته من القيمة.
الثانية: أن يَقْطَعَ يدَه، فيعتِقَ، ثم يقطَعَ آخرُ يَدَه الأخرى، ويقطعَ آخَرُ رجلَه، فعلى كلِّ واحدٍ ثلثُ الدية، وفيما يستحقُّه السيدُ منهما قولان منصوصان:
أحدهما: الأقلُّ من نصف الديةِ أو ثلثِ القيمة.
والثاني: الأقلُّ من ثلثِ الدية أو ثلثِ القيمة، فإنه مثلُ نسبته، وهذا القولُ مخرَّجٌ في بقية الصور.
الثالثة: أن يقطع يدَه، فيعتق، فيقطعَ يدَه الأخرى، ويقطعَ آخَرُ رجلَه، ويقطعَ آخَرُ رجله الأخرى، فعلى كلِّ واحدٍ ثلثُ الدية، وفيما يستحقُّه السيدُ قولان:
أحدهما: الأقلُّ من سُدُسِ الدية، أو نصفِ القيمة.
والثاني: الأقلُّ من سُدُسِ الدية أو سُدُسِ القيمة.
الرابعة: أن يُوْضِحَه، فيجرحَه آخَرُ بعد العتق، فعلى كلِّ واحدٍ نصفُ الدية، وفيما يستحقُّه السيدُ قولان:
أحدهما: الأقلُّ من نصف عشرِ القيمة أو نصفِ الدية.
والثماني: الأقلُّ من نصف القيمة أو نصفِ الدية.
الخامسة: أن يُوْضِحَه، فيعتق، فيجرحه، ثم يجرحه آخَرُ، فعلى كلِّ واحدٍ نصفُ الدية، وفيما يستحقه السيد قولان:
أحدهما: الأقلُّ من نصف عشر القيمة أو ربع الدية.
стр. 2454
والثاني: الأقل من ربع القيمة أو ربع الدية.
٣١٥٠ - فرع:
إذا جرح عبدًا قيمتُه عشرون بعيرًا، ثم جرحه تسعةُ أنفسٍ بعد العتق، فعلى كلِّ واحدٍ عشرٌ من الإبل، وللسيد بعيرٌ على قولٍ؛ لأنه أقلُّ من عُشر الدية، وبعيران على آخَرَ؛ لأنهما عُشْرُ القيمة، وهما أقلُّ من عُشْرِ الدية.
٣١٥١ - فرع:
إذا كانت قيمتُه مئةً من الإبل، صُرفت إلى السيد اتِّفاقًا، وليس له طلبُ النقد الغالبِ اعتبارًا بالمآل في جنس الواجب كما تعيَّن في قَدْرِه، وهل له طلب الإبل؟ فيه وجهان منقدحان للإمام:
أحدهما: نعم؛ لأنَّ الفائت نصف حر.
والثاني: يتخيَّر الجاني بين الإبل والنقدِ الغالبِ، فأيَّهما دَفَعَ أُجبر السيد عليه.
* * *
٣١٥٢ - فصل في الإكراه وما يباح به وما لا يباح
ولا يباح الزنا والقتلُ بالإكراه، ويباح به التلُّفظُ بكلمة الكفر، ولا يجب على الأصحِّ، ويجب به شربُ الخمر، كما يجب إساغةُ اللقمة بها، وكما يجب على المضطرِّ أكلُ الميتة، وإن اضطرَّ إلى أكل مالِ الغير، وأُكره على إتلافه، وخاف على نفسه، لزمه أكلُه وإتلافُه.
ولا يجوز التداوي بالخمر على المذهب؛ إذ لا يُوثق بشفائها، بخلاف
стр. 2455
إساغة اللقمة بها.
* * *
٣١٥٣ - فصل في الإكراه على القتل
إذا أَكره رجلًا على القتل وجب القودُ على المُكْرِه، وفي المُكْرَه قولان. فإن أوجبناه فآل الأمر إلى المال، فهما شريكان على كلِّ واحدٍ منهما الكفارةُ ونصفُ الدية، وإن لم نُوجبه: فهل يَلْزَمُ المكرَه نصفُ الدية؟ فيه وجهان. فإن قلنا: يلزمه، وجبت الكفارةُ وحَرُمَ الإرثُ، وفي ضربه على العاقلة تردُّدٌ للإمام. وإن قلنا: لا يلزمه، ففي الكفارة وجهان، فإن قلنا: تجب، حَرُمَ الإرثُ، وإن قلنا: لا تجب، ففي الحرمان وجهان.
٣١٥٤ - فرع:
إذا أَكره الأجنبيُّ الأبَ على قتل الولد، أو أَكره العبدُ حرًّا على قتل عبدٍ، أو أَكره الذميُّ مسلمًا على قتل ذميٍّ، فالقودُ على الأجنبيِّ والعبدِ والذميِّ دون الأبِ والحرِّ والمسلمِ.
وإن أَكره الأب أجنبيًّا على قتل الولد، أو المسلمُ ذميًّا على قتل ذميٍّ، فلا قودَ على الأب والمسلم، وفي الأجنبيِّ والذميِّ قولان.
٣١٥٥ - فرع:
إذا قال: اقتلني وإلا قتلتُك، فقد أَذِنَ له في قتل نفسه، ومَن أذن في قتلِ نفسه ففي وجوب ديته خلافٌ مبنيٌّ على أنَّ الدية تثبتُ له ثم تُورث عنه، أو تثبتُ ابتداءً للورثة، فإن قلنا: تثبت للورثة، فلا قصاص على الأصحِّ؛ للشبهة.