وفي النصَّين ثلاثُ طرق:
إحداهنَّ: في المسلمين قولان نقلًا وتخريجًا؛ أقيسهما: أنَّه لا يجب؛ لاقتران المهدِرِ ببعض أجزاء السبب.
والثانية: تنزيلُ النصَّين على طول الزمان وقصره، فإنْ قَصُرَ بحيث لا يَظهَرُ للسراية وقع محسوسٌ وجب القودُ، وإن طال الزمانُ مع السريان لم يجب.
الثالثة، وهي طريقة المحصِّلين: إن طال الزمانُ لم يجب القودُ، وإن قَصُرَ فقولان، فإن أوجبنا القصاصَ وجبت الدِّية، وإنْ لم نُوجبه؛ فإن طال الزمانُ: فهل تجب الديةُ، أو نصفُها، أو ثُلثُها؟ فيه ثلاثةُ مذاهب، والمنصوصُ أوَّلها، وإن قصر فقد قيل: تجب الدِّيةُ اتِّفاقًا، وقيل: على المذاهب الثلاثة، فإنّ غَوْرَ السراية لا يَظْهَرُ للحسِّ.
الثانية: أن يموت كافرًا، فلا قصاصَ في النفس، وفي الطرف قولان:
أحدهما: لا يجب؛ لعدم الوارث الخاصِّ.
والثاني: يجب للإمام؛ بناء على أنَّه يقتصُّ لمَن لا وارث له؛ فإنَّ الإرث مضافٌ إلى جهة الإسلام دون الأشخاص، ولذلك يجوزُ صرفُ بَدَلهِ إلى مَن يولدُ بعد القتل.
وقيل: يَثْبتُ لوليِّه الخاصِّ؛ لأنَّ غرضه التشفِّي.
فإنْ لم نوجب القصاصَ وجب الأرشُ على الأصحِّ، وأَبْعدَ مَن قال: لا يجب؛ لاندراجه في نفسٍ مهدَرة، وإذا وجب الأرشُ فهو لأهل الفيء.
стр. 2452
فإن زاد على الدية بأنْ قطع يديه ورجليه، فمات، فالواجبُ ديةٌ واحدةٌ على الأصح، وقيل: ديتان؛ لتعذُّر الإدراج بالإهدار، فيُشْبِهُ ما لو انْدَملتِ، أو قتل لردَّته (١)، أو مات بعد الجرح.
٣١٤٨ - فرع:
إذا قطع يدي نصرانيٍّ تمجَّس، وسرى إلى نفسه، فإن قلنا: لا يُقرُّ على التمجُّس، كان كمن جَرَحَ مسلمًا فارتدَّ ومات بالجرح، وإن قلنا: يُقرُّ، ففيه ديةُ مجوسيٍّ نظرًا إلى المآل.
* * *
٣١٤٩ - فصل فيمن جرح عبدًا، فعتق ثم مات بالسراية
إذا جرح عبدًا قيمتُه أقلُّ من دية الحرِّ أو أكثر بأضعافٍ، فعتق، فسرى الجرحُ إلى نفسه، ففيه ديةُ حرٍّ اعتبارًا بالمآل، إذ لا خلافَ أنَّ مَن قطع أطرافًا فيها دياتٌ فسرتْ، وجبت ديةٌ واحدةٌ.
ثم للجاني على العبد إذا مات بالسراية بعد العتق أحوالٌ:
الأولى: أن يقطع يدَه، فيعتَق ويموت، ففيما يستحقُّه السيدُ من ديته قولان:
أحدهما: الأقلُّ من كلِّ الدية أو نصفِ القيمة، ويعبَّر عن هذا القولِ في جميع الصُّور بأنه: الأقلُّ مما لزم الجانيَ بالجناية على المِلْكِ بتقديرِ الاندمال، أو ممَّا لزمه بسبب الجناية على المِلْكِ.
стр. 2453
والثاني وهو مخرَّجٌ: أنه يستحقُّ الأقلَّ من كلِّ الدية أو كلِّ القيمة، ويعبَّر عنه بأنه: الأقلُّ مما لزمه بالجناية على المِلْكِ، أو مثل نسبته من القيمة.
الثانية: أن يَقْطَعَ يدَه، فيعتِقَ، ثم يقطَعَ آخرُ يَدَه الأخرى، ويقطعَ آخَرُ رجلَه، فعلى كلِّ واحدٍ ثلثُ الدية، وفيما يستحقُّه السيدُ منهما قولان منصوصان:
أحدهما: الأقلُّ من نصف الديةِ أو ثلثِ القيمة.
والثاني: الأقلُّ من ثلثِ الدية أو ثلثِ القيمة، فإنه مثلُ نسبته، وهذا القولُ مخرَّجٌ في بقية الصور.
الثالثة: أن يقطع يدَه، فيعتق، فيقطعَ يدَه الأخرى، ويقطعَ آخَرُ رجلَه، ويقطعَ آخَرُ رجله الأخرى، فعلى كلِّ واحدٍ ثلثُ الدية، وفيما يستحقُّه السيدُ قولان:
أحدهما: الأقلُّ من سُدُسِ الدية، أو نصفِ القيمة.
والثاني: الأقلُّ من سُدُسِ الدية أو سُدُسِ القيمة.
الرابعة: أن يُوْضِحَه، فيجرحَه آخَرُ بعد العتق، فعلى كلِّ واحدٍ نصفُ الدية، وفيما يستحقُّه السيدُ قولان:
أحدهما: الأقلُّ من نصف عشرِ القيمة أو نصفِ الدية.
والثماني: الأقلُّ من نصف القيمة أو نصفِ الدية.
الخامسة: أن يُوْضِحَه، فيعتق، فيجرحه، ثم يجرحه آخَرُ، فعلى كلِّ واحدٍ نصفُ الدية، وفيما يستحقه السيد قولان:
أحدهما: الأقلُّ من نصف عشر القيمة أو ربع الدية.
стр. 2454
والثاني: الأقل من ربع القيمة أو ربع الدية.
٣١٥٠ - فرع:
إذا جرح عبدًا قيمتُه عشرون بعيرًا، ثم جرحه تسعةُ أنفسٍ بعد العتق، فعلى كلِّ واحدٍ عشرٌ من الإبل، وللسيد بعيرٌ على قولٍ؛ لأنه أقلُّ من عُشر الدية، وبعيران على آخَرَ؛ لأنهما عُشْرُ القيمة، وهما أقلُّ من عُشْرِ الدية.
٣١٥١ - فرع:
إذا كانت قيمتُه مئةً من الإبل، صُرفت إلى السيد اتِّفاقًا، وليس له طلبُ النقد الغالبِ اعتبارًا بالمآل في جنس الواجب كما تعيَّن في قَدْرِه، وهل له طلب الإبل؟ فيه وجهان منقدحان للإمام:
أحدهما: نعم؛ لأنَّ الفائت نصف حر.
والثاني: يتخيَّر الجاني بين الإبل والنقدِ الغالبِ، فأيَّهما دَفَعَ أُجبر السيد عليه.
* * *
٣١٥٢ - فصل في الإكراه وما يباح به وما لا يباح
ولا يباح الزنا والقتلُ بالإكراه، ويباح به التلُّفظُ بكلمة الكفر، ولا يجب على الأصحِّ، ويجب به شربُ الخمر، كما يجب إساغةُ اللقمة بها، وكما يجب على المضطرِّ أكلُ الميتة، وإن اضطرَّ إلى أكل مالِ الغير، وأُكره على إتلافه، وخاف على نفسه، لزمه أكلُه وإتلافُه.
ولا يجوز التداوي بالخمر على المذهب؛ إذ لا يُوثق بشفائها، بخلاف
стр. 2455
إساغة اللقمة بها.
* * *
٣١٥٣ - فصل في الإكراه على القتل
إذا أَكره رجلًا على القتل وجب القودُ على المُكْرِه، وفي المُكْرَه قولان. فإن أوجبناه فآل الأمر إلى المال، فهما شريكان على كلِّ واحدٍ منهما الكفارةُ ونصفُ الدية، وإن لم نُوجبه: فهل يَلْزَمُ المكرَه نصفُ الدية؟ فيه وجهان. فإن قلنا: يلزمه، وجبت الكفارةُ وحَرُمَ الإرثُ، وفي ضربه على العاقلة تردُّدٌ للإمام. وإن قلنا: لا يلزمه، ففي الكفارة وجهان، فإن قلنا: تجب، حَرُمَ الإرثُ، وإن قلنا: لا تجب، ففي الحرمان وجهان.
٣١٥٤ - فرع:
إذا أَكره الأجنبيُّ الأبَ على قتل الولد، أو أَكره العبدُ حرًّا على قتل عبدٍ، أو أَكره الذميُّ مسلمًا على قتل ذميٍّ، فالقودُ على الأجنبيِّ والعبدِ والذميِّ دون الأبِ والحرِّ والمسلمِ.
وإن أَكره الأب أجنبيًّا على قتل الولد، أو المسلمُ ذميًّا على قتل ذميٍّ، فلا قودَ على الأب والمسلم، وفي الأجنبيِّ والذميِّ قولان.
٣١٥٥ - فرع:
إذا قال: اقتلني وإلا قتلتُك، فقد أَذِنَ له في قتل نفسه، ومَن أذن في قتلِ نفسه ففي وجوب ديته خلافٌ مبنيٌّ على أنَّ الدية تثبتُ له ثم تُورث عنه، أو تثبتُ ابتداءً للورثة، فإن قلنا: تثبت للورثة، فلا قصاص على الأصحِّ؛ للشبهة.
стр. 2456
وفيه قولٌ مخرجٌ، إذ لا أثر للعفو عن حقِّ الغير.
٣١٥٦ - فرع:
إذا قال: اقتل نفسك وإلا قتلتُك، فقتل نفسَه، فهو مختارٌ، إذ المُكْرَهُ مَن يتخلَّص بما أُكْرِهَ به ممَّا أُكره عليه.
ولو أَكْرهَ رجلًا على أن يُكره آخَرَ على قتلِ ثالثٍ، وجب القودُ على الأول، وفي الثاني والثالث القولان.
وإن أكره على إتلافِ مالٍ، فقرارُ الضمان على المكرِه، وفي مطالبة المكرَه وجهان.
* * *
٣١٥٧ - فصل في إكراه الصبيان
إذا أكره البالغُ صبيًّا مميِّزًا على القتل، فإن أوجبنا القصاص على المكرَه، ففي وجوبه هاهنا على المكرِه قولان مأخوذان من القولين في عَمْدِ الصبيان، فإن جُعِلَ عمدًا وجب القصاصُ على المكرِه، وكانت الديةُ عليهما نصفين، وإن جُعل خطأً فلا قصاصَ على المكرِه.
وإن قلنا: لا يجب القصاصُ على المكرَه، فإن جُعل عمدُ الصبيِّ عمدًا وجب القصاصُ على المكرِه، وإن جُعل خطأً فوجهان مأخذُهما: أنَّ فعل المكرَه بصفته فعلٌ يُنقل إلى المكرِه، أو يُجْعَلُ المكرِهُ كالمباشِرِ ولا يُنظر إلى فعلِ المكرَه، فيه خلافٌ يخرَّج عليه ما لو أكره إنسانًا على الرمي إلى ما يظنه الرامي صيدًا والمكرِه يعلمُ أنه إنسانٌ، ففي وجوب القصاص على المكرِه الوجهان.
стр. 2457
وإن أَكره الصبيُّ رجلًا على القتل وقلنا: يجب القصاص على المكرَه، فإن جُعل عمدُ الصبيِّ عمدًا وجب القصاصُ، وإلا فلا.
* * *
٣١٥٨ - فصل في أمر السلطان
إذا أمر السلطانُ بقتل رجلٍ ظلمًا، فللمأمورِ أحوال:
إحداهن: أن يجهل ظلمَه، فلا قصاصَ عليه اتِّفاقًا وإن كان متمكِّنًا من الامتناع.
الثانية: أن يعلم أنه ظالمٌ، ففي تنزيل أمره منزلةَ الإكراه وجهان خصَّهما الإمامُ بمن أُلِفَ من عادته السطوةُ عند المخالفة، فهل يتنزَّل ذلك منزلةَ التصريح بالإكراه؟ فيه الخلافُ، وقال: فإن لم يُعرف ذلك من عادته فليس بإكراه.
الثالثة: أن يعتقد المأمور أنه ظالمٌ، ففي تنزيل أمره منزلةَ الإكراه عند بعض الأصحاب الوجهان، فإنَّ ظنَّه قد يُخْلَفُ، والظاهرُ أن السلطان لا يأمر إلا بحق.
* * *
٣١٥٩ - فصل في أمر من لا يميز بالقتل
إذا كان طبعُ المجنون أو الصبيِّ والعبدِ اللَّذَيْنِ لا يميِّزان أنهم إذا أُمروا بشيءٍ فعلوه لا محالةَ، فاُمروا بقتلٍ، فعلى الآمِرِ القودُ والضمانُ، وهل يتعلق الضمانُ برقبة العبد ومالِ الصبيِّ والمجنونِ؟ فيه وجهان يجريان فيما لو أتلفوا شيئًا بغيرِ إغراءٍ، فإنهم بمثابة الحيوان المُغْرَى، ومَن أغرى حيوانًا
стр. 2458
بالقتل لم يتعلَّق الضمانُ برقبة الحيوان، فإنْ علَّقنا الضمان برقبة العبد ففضَلَ شيءٌ فهو على السيد إنْ أَمَرَ بذلك، وإن أمر به أجنبيٌّ وجب عليه التخليصُ، فإنَّ المأمور هاهنا بمثابة الآلة للآمر.
وإن كان الصبيُّ أو العبد مميِّزينِ لا يستشليان استشلاءَ السباع، فأمرهما بقتلٍ، فلا ضمان على الآمر، فإنْ أكرههما وجبَ عليه القودُ وتعلَّق الضمانُ بالعبد.
وقال الإمام: إن جعلنا المكرَه شريكًا في الضمان تعلَّق هاهنا بالرقبة، وإن لم نجعله شريكًا، ففيه الوجهان، فإنه بسقوط الاختيار صار كمن لا يميِّز.
٣١٦٠ - قاعدة:
للمتسبِّب مع المباشِرِ أحوالٌ:
إحداهنَّ: أن يُلْجِئَه إلى المباشَرة كالمكرِه والشاهِدِ، فعلى المتسبِّب القودُ والضمانُ.
الثانية: أن لا يَحْمِلَه على المباشرة كالممسِكِ مع القاتل، فلا قود على المتسبِّب ولا ضمان.
الثالثة: أن يَحْمِلَه على المباشرة بالتغرير، كما لو ضيَّفه بطعامٍ مسمومٍ، أو غطَّى بئرًا في داره ودعا إليها مَن يغلبُ على الظنِّ أنه لا يجدُ محيصًا عنها، ففي القود قولان.
٣١٦١ - فرع:
إذا أمسك عبدًا فقتله آخَرُ، أو أمسك المُحِرْمُ صيدًا فقتله مُحْرِمٌ آخَرُ، طولب كلُّ واحدٍ منهما، والقرارُ على القاتل، وأَبعد مَن جعل ممسكَ
стр. 2459
الصيد شريكًا في الإتلاف.
٣١٦٢ - فرع:
لا قصاصَ على صبيٍّ ولا مجنونٍ، وفي السكران خلافٌ تقدَّم في الطلاق.
* * *
٣١٦٣ - فصل في الجناية على الخنثى
إذا قطع رجلٌ ذَكَر خُنثى وأُنثييه وشُفْرَيْه، فللخُنثى أحوال:
أحدها: أن يُتوقَّفَ إلى أن يتَّضحَ حالُه بالحيضِ أو الإمناء، فإن بانت ذكورتُه اقْتَصَّ في الذَّكَر والأُنثيين، وأَخَذَ حكومةَ الشفرين، وإن بانت أنوثتُه، أَخَذَ ديةَ الشُّفرين وحكومةَ الذَّكَرِ والأنثيين.
الثانية: أن يعفوَ عن القصاص ويطلبَ المال، فيأخذ ديةَ الشُّفْرين بتقدير الأُنوثة وحكومةَ الذَّكَرِ والأُنثيين، وأَبعد مَن قال: يأخذُ حكومةَ الجميع، وهذا لا يصحُّ إلا أن يقطع رجلٌ ذَكَره وأُنثييه، ويقطعَ الآخَرُ شُفْريه، فيؤخَذُ من كلِّ واحدٍ منهما حكومةٌ لأنَّها متيقَّنة.
الثالثة: أن يقفَ عن القصاص ويطلبَ حقَّه من المال، فقد قيل: لا يُدفع إليه شيءٌ؛ لأنَّا لا ندري عمَّاذا يأخذُه، وهذا لا أصل له.
وقيل: يأخذُ الأقلَّ من ديةِ الشُّفرين بتقدير الذُّكورة، أو حكومة الذَّكر والأنثيين بتقدير الأُنوثة. وهذا بعيدٌ أيضًا.
والأصح: أنه لا يأخذ شيئًا عمَّا يُمْكِنُ جريانُ القصاص فيه، فإن كان
стр. 2460
الجاني امرأةً، أخذ حكومةَ الذَّكرِ والأنثيين دون ديةِ الشُّفرين؛ لإمكان القصاصِ فيهما، وإن كان الجاني رجلًا، أَخَذَ حكومةَ الشُّفرين بتقدير الذُّكورة وإن بلغت تسعين بعيرًا، ولا يأخذ حكومةَ الذَّكر والأنثيين؛ لتوقُّع القصاص فيهما.
قال الإمام: وتحقيقُ هذا: أنه يأخُذُ الأقلَّ من حكومة الشُّفرين بتقدير الذكورة، أو حكومةِ الذَّكر والأنثيين مع دية الشفرين؛ لأنَّه متيقَّنٌ، وعلى هذا: لو قطع رجلٌ ذَكَره وأُنثييه وقطعتِ امرأةٌ شُفْريه، لم يأخذ في الحال شيئًا؛ لتوقُّع القصاص في الجميع، وإن قطع رجلٌ شُفْريه وامرأةٌ ذَكَره وأُنثييه، فعلى كلِّ واحدٍ حكومةُ جنايته، وإن قطع خُنثى ذَكَرَه وأُنثييه وشُفريه، فلا شيء له في الحال؛ لتوقُّع القصاص في الأصليِّ بالأصليِّ والزائدِ بالزائدِ، ومَن أوجبَ أقلَّ الحكومتين فهو غالطٌ عند تَساوي الأعضاء.
٣١٦٤ - فرع:
إذا رُوجع الخُنثى عند عدم العلامات، فأَخبر أنه رجلٌ، ثم جنى عليه رجلٌ بعد ذلك، وجب القصاصُ في الذَّكر والأُنثيين، ولو تقدَّمت الجنايةُ ثم أَخبر، لم يُقبل على أصحِّ القولين، وقطع الإمام بردِّ خبره في كلِّ حقٍّ لولا الإخبارُ لما ثبت، سواءٌ كان الحقُّ مالًا أو غيرَه، بخلافِ الخبرِ قبل الجناية.
стр. 2461
٣١٦٥ - باب الخيار في القصاص
لا خلاف أنَّ الوليَّ مخيَّرٌ بين الدِّية والقصاص، وأيَّهما اختار ثبتَ وإن كره الجاني، ومهما فاتَ محلُّ القصاصِ تعيَّن المالُ، وهل الواجبُ القودُ، أو أحدُ الأمرين من الدِّية والقودِ؟ فيه قولان.
فإن أوجبنا أحدَهما فعفَا، فله أحوال:
الأولى: أن يعفوَ عنهما فيسقطان.
الثانية: أن يعفو عن القصاص مطلقًا، فيسقطُ وتجبُ الدية.
الثالثة: أن يصير بمثابة قولنا: الواجبُ القودُ، فإن عفا على مالٍ ثبت وإن أطلق فقولان.
٣١٦٦ - فرع:
إذا قال: عفوتُ على أنْ لا مالَ، ففي سقوطِ القود والمال وجهان، وإن قال: اخترتُ الديةَ، تعيَّنتْ وسقطَ القودُ، وإن قال: اخترتُ القودَ، وقلنا: لا يَلْغا عفوُه عن المال، فهل له الرجوعُ إلى الدية؟ فيه وجهان، وإن قلنا: الواجب القودُ، فعفا عنه على مالٍ ثبت، وإن عفا مطلقًا [سقط] (١) القودُ، وفي المال قولان.
стр. 2462
٣١٦٧ - فرع:
إذا قال: عفوتُ عنكَ، فإن قلنا: الواجبُ القودُ، سقط اتِّفاقًا، وفي المال قولان، وإن قلنا: الواجبُ أحدُهما، ففي سقوط القصاص وجهان، فإن قلنا: يسقط، فزعم أنه قصد العفوَ عن الدية، لم يُقبل، وإن قلنا: لا يسقط، رُجع إلى نيته، فإن قال: نويتُ العفو عن الدية، قُبل، ثم يخرَّج على الخلاف في العفو عن المال، فإن قال: لم تكن لي نيةٌ، ففي سقوط القصاص وجهان، وإن قلنا: لا يسقط وبه قطع أبو علي قيل له: انوِ الآن أيَّهما شئتَ، فإن نوى العفوَ عن الدية وقلنا بإلغائه، فلا أثرَ لذلك.
* * *
٣١٦٨ - فصل في عفو المحجور عليه
للمحجور عليه حالان:
إحداهما: أن يكون مسلوبَ العبارة، فلا حكم لعفوه.
الثانية: أن يكون صحيحَ العبارة، وله حالان:
إحداهما: أن يُحجر عليه لحقِّ الغير كالمفلس، فإن قلنا: الواجبُ أحدُ الأمرين، لم يصحَّ عفوُه عن المال، فيتخيَّر، وله الخيارُ بين العفو والقودِ، ولا يلزمُه تعجيلُ واحدٍ منهما، فإنْ عفا عن القصاص صُرف المالُ إلى الغرماء، وإن قلنا: الواجب القودُ، فعفا على مالٍ ثَبتَ، وإن عفا مطلقًا فقولان، فإنَّ ما لا يوجِبُ المالَ من المُطْلَق (١) لا يوجِبُه من المحجور عليه، وإنْ عفا على
стр. 2463
أنْ لا مالَ، فإن لم نُوجبِ المالَ بالعفو المطلقِ لم يجب هاهنا، وإن أوجبناه ثَمَّ، فإن كان العافي مُطْلَقًا لم يَجِبْ، وإن كان محجورًا عليه فوجهان يعبَّر عنهما بأنه إسقاطٌ للمال ودفعٌ لوجوبه، ووجهُ الإيجاب: أنه لو أطلق لوجَبَ، فإذا نفاه كان مُسْقِطًا لِمَا له حكمُ الواجب، ووجه قولنا: لا يجب، أنَّا لو كلَّفناه إطلاقَ العفو لكان ذلك تكليفًا للكسب، ولا خلافَ أنه لا يُلْزَمُ قبولَ الهبات.
وحكمُ المريضِ فيما زاد على الثلث، والورثةِ إذا أحاط الدَّينُ بالتركة، كحكم المفلس في العفو.
الثاني: أن يُحجر عليه نظرًا له كالمبذِّر، ففيه طريقان:
إحداهما: أنه كالمفلس، وأصحُّهما: القطعُ ببطلان عفوِه عن المال بكلِّ حالٍ، فإنه لو وصِّي له بمال أو وُهِبَ منه شيءٌ فردَّه، بطل ردُّه اتِّفاقًا، ويقبلُه الوليُّ، وفي نفوذ الردِّ احتمالٌ للإمام.
* * *
٣١٦٩ - فصل في ميراث الدية والقصاص
القودُ والديةُ موروثان لكلِّ مَن يرثُ المالَ، فلا يجوزُ استيفاءُ القود إلا برضا الجميع، فإن كان فيهم مجنونٌ أو صبيٌّ أو غائبٌ لم يُستوفَ حتى يَحْضُرَ الغائبُ ويبلغَ الصبيُّ ويفيقَ المجنونُ، وليس لوليِّ الصبيِّ والمجنونِ عفوٌ ولا قصاصٌ، فيُحبس الجاني حتى يَحْضُرَ الغائبُ ويَبلُغَ الصبيُّ ويفيقَ المجنونُ، وإن طال حبسه إلى الممات.
٣١٧٠ - فرع:
إذا ثبت القصاصُ لصبيٍّ أو مجنونٍ، فاستوفياه بغيرِ إذنِ الجاني، ففي
стр. 2464
وقوعه المَوْقِعَ وجهان، فإنهما ليسا من أهل القبض، فإن قلنا: لا يقع، فلهما الديةُ في ماله، وديةٌ عليهما إن جعلناهما عامِدَيْنِ، وإن جعلناهما مخطئين، فالديةُ على عاقلتيهما، وإنْ وقع ذلك برضا الجاني، مثلَ أن أخرج يده ومكَّنهما من قطعها، لم يَقع الموقعَ اتِّفاقًا، ولا ضمان عليهما، والديةُ عليه؛ لفواتِ محلِّ القصاص.
* * *
стр. 2465
٣١٧١ - باب القصاص بالسيف وغيره
ليس للوليِّ أن يقتصَّ ما لم يَرْفَعِ الأمرَ إلى الوالي، فإن اقتصَّ قبل الرَّفع عزِّر وحصل القصاصُ، فإن طلبه من الوالي، فإن كان امرأةً أو عاجزًا عنه لم يفوَّض إليه، وإن كان قادرًا، فإن كان في النفس فوَّضَه إليه، وإن كان في الطَّرف فوجهان.
وليس له تفويضُ حدِّ القذف إلى المقذوفِ عند الأئمة؛ لتفاوت الجلدات.
وإن فوَّض الأولياءُ القصاصَ إلى أحدهم جاز، وإن تشاجروا قُرع بينهم، وتُراجعُ المرأةُ والضعيفُ في ذلك، وفي إدخالهما في القرعة وجهان، فإن قلنا: يدخلان، فخرجتِ القرعةُ لهما، فوَّضاه إلى مَن يريانِهِ من الأجانب أو الأولياء، ومهما خرجت القرعةُ لأحدهم: فهل له القصاصُ بغير رضا الباقين؟ فيه وجهان.
وقال الإمام: إنْ مَنَعوه لم يَقتصَّ، وإن أظهروا قَصْدَ القصاص وتنازَعوا في المباشرة، فخرجت القرعةُ لأحدهم، ففيه الوجهان.
وينبغي أن يقتصَّ بأحدِّ سيفٍ وأسرع ضربةٍ؛ لقوله ﵇: "فإذا قتلتُم فأَحْسِنوا القِتْلةَ" (١) ويتفقَّدُ الوالي الآلة، فإن كانت مسمومةً، فإن كان
стр. 2466
القصاصُ في الطرف مَنَعَ منها، وإن كان في النفس، فإن كان السمُّ يفتِّته قبل الدفن مَنَعَ منها، وفيما يفتِّتُ بعد الدفن وجهان.
٣١٧٢ - فرع:
إذا قصد الوليُّ ضرب العنق فأصابَ غيرَه، فإن ظهر تعمُّدُه بأن ضرب الفخِذَ أو الساقَ عزِّر، وفي عزله وجهان خصَّهما الإمامُ بمَن لم يتكرر ذلك منه، وقال: إنْ تكرَّر عُزِلَ اتِّفاقًا، ووجْهُ قولنا: لا يُعزل أنَّ ظُلْمَهُ لا يَصْلُحُ لإبطال حقه، ولو جَرَحَ [الجانيَ] قبل أن يصل إلى الوالي فيَبْعُد منعُه (١) من الاستيفاء.
وإن ظهر خطؤه بأنْ وقع السيفُ بالكتف أو القَمَحْدُوة (٢) لم يعزَّرْ، ولا يُعْزَلُ إن قلنا: يُعزلُ العامدُ، وإن قلنا: لا يعزل العامدُ، عُزِلَ وخصَّ الإمامُ الخلاف بمَن لا يُعرف حذقُه ولا خَرَقُه، وقال بصرف من عرف خرقه دون من عرف حذقه.
* * *
٣١٧٣ - فصل فيمن وكل في القصاص ثم عفا
إذا وكَّل مَن يستوفي القصاصَ بحضوره جاز اتفاقًا، فإن تنحَّى به (٣)
стр. 2467
قليلًا بحيث يكونُ بمرأًى من الموكِّل ومسمعٍ، فعفا، فلم يسمع الوكيلُ العفوَ وقَتَلَ الجانيَ، فإن وقع القتلُ قبل العفو لم يصحَّ العفو، وإن شككنا: هل وقع قبل العفو أو بعده؟ حصل القصاصُ اتِّفاقًا، وإن وقع القتلُ بعد العفو لم يقتصَّ من الوكيل.
فإن ادَّعى عليه العلمَ بالعفو، حلف على نفي العلم به، وفي وجوب الدية على الوكيل قولان بناهما بعضُهم على القولين في انعزال الوكيل قبل بلوغ الخبر بالعزل، وقال: إن قلنا: لا ينعزل، وقع القتلُ قصاصًا. وبناهما آخرون على القولين فيمن تعمَّد قتل رجل في صفِّ الكفار فظهر أنه مسلمٌ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما معذورٌ عامدٌ، وهذه الطريقةُ أمثلُ، فإنَّ تصرُّفَ الموكِّل يتضمَّنُ عزل الوكيل؛ كما لو وكلَّه في بيع عبدٍ، ثم باعه الموكِّل أو أعتقه، فالعفوُ هاهنا بمثابة الإعتاق.
ويمكن أيضًا أن يفرَّق بين الوكيل والرامي إلى صف الكفار: بأنَّ الوكيل مقصِّرٌ بتنحِّيه عن الموكِّل بخلافِ الرامي إلى الكفار.
فإنْ أوجبنا الديةَ فهي مغلَّظةٌ كشِبْهِ العمد، وهي على الوكيل أو على عاقلته؟ فيه قولان يجريان في كلِّ عمدٍ في شخصٍ معيَّنٍ يظنُّ القاتل فيه الاستحقاقَ.
فإنْ جُعلت على الوكيل فهي حالَّةٌ أو مؤجَّلة؟ فيه وجهان، فإن أوجبناها عليه أو على العاقلة فغرمت، ففي الرجوع بها على الموكِّل طريقان:
إحداهما: التخريجُ على الخلاف في تقديم الطعام المغصوب.
والثانية: القطعُ بنفي الرجوع، فإنَّ الموكِّل مُحْسنٌ بالعفو غيرُ مغرِّر.
стр. 2468
فإن قلنا بالرجوع بالدية فلا رجوعَ بالكفارة على الأصحِّ.
٣١٧٤ - فرع:
إن أوجبنا الديةَ وجبت الكفارةُ، وإن لم نوجب الديةَ ففي الكفارة وجهان:
ظاهرُ النصِّ: أنها لا تجبُ.
والوجهُ: القطعُ بالإيجاب، وهو مذهبُ المزنيِّ وطوائفَ من الأصحاب، إذ لا يتَّجه إسقاطُها إلا إذا جُعل القتلُ قصاصًا.
ويمكن التخريجُ على أصلٍ آخَرَ، وهو: أنَّ مَن عفا عن النفس بعد الجَرْحِ، فسرى جُرحُه، بطل عفوُه وكانت السرايةُ قصاصًا، ولو عفا بين الرمي والإصابة، ففي حصول القصاص وجهان يُمْكِنُ إجراؤهما هاهنا إذا فُرِضَ عفوُه والسيفُ هاوٍ إلى الجاني بحيث يَعْسُرُ استدراكه.
٣١٧٥ - فرع:
إذا أوجبنا الديةَ على الوكيل فدمُ المجنيِّ عليه في تركة الجاني، وإن لم نوجب الدية على الوكيل سقطت ديةُ المجنيِّ عليه عند الأصحاب، إذ يَبْعُدُ إيجابُها على الجاني مع إهدار ديته.
وقال الإمام: إن جعلنا قتلَ الوكيل قصاصًا فلا ديةَ على الجاني، وإن لم نجعله قصاصًا، فالوجهُ القطعُ بوجوب الدية عليه، وتُهدر ديته (١) حتى كأنه
стр. 2469
مات حتف أنفه؛ اعتبارًا بمَن قتله مسلمٌ في صفِّ الكفار وقلنا: لا تجبُ ديته.
* * *
٣١٧٦ - فصل في القصاص من الحامل
لا يُقتصُّ من الحامل في نفسٍ ولا طرفٍ، ولا بقطعٍ في حدٍّ، ولا تُجْلَدُ فيه حتى تضعَ الولدَ وتسقيَه اللِّبأَ وهو أولُ اللبن بعد الوضع، فإن الفقهاء زعموا أنَّ الولد لا يعيشُ دونَه، فإذا شرب اللِّبأ فوجدنا مُرْضِعًا، قُتلت أمُّه، ولا تُمهل مدةَ الرضاع اتِّفاقًا، فإن امتنعت المرضعُ قتلنا الجانيةَ وأجبرنا المرضعَ على الرضاع بالأجرة.
وإن وَجَبَ رجمُ الحامل، لم تُرجم حتى تُكْمِلَ الرضاعَ، ثم تجد مَن يكفل الولدَ بعد الرضاع، وتُحبس لأجل القصاص، ولا تُحبس لأجل الرجم على المذهب، وأَبعدَ مَن قال: تحبس، ولا يتَّجه أن يثبت الرجم بالإقرار.
وليس للحاكم أن يَحْبِسَ في دَينِ الغائب (١) إلا بالطلب، وله حبسُ القاتل عند غيبة الأولياء، فإنه يحبسُ مَن يسيءُ الأدبَ أو تُخشى غائلتُه على المسلمين، فكيف لا يحبس القاتل؟ .
* * *
٣١٧٧ - فصل في قتل الحامل
إذا أذن الوالي للوليِّ في قتل الحامل، فأجهضت جنينًا، فللوليِّ والوالي أحوال:
стр. 2470
الأول: أن يعلما بالحمل عِلْمَ مِثْلِه أو يجهلاه، فضمانُه على الولي، أو الوالي، أو عليهما؟ فيه ثلاثةُ أوجهٍ، والأكثرون على إيجابه على الولي؛ لمباشرته، والنصُّ إيجابُه على الوالي، وينزَّل الوليُّ منزلةَ الجلاد، وإيجابُه على الوليِّ إذا جهلا أولى عند أبي محمدٍ، لأنه قصَّر بترك البحث المختصِّ به.
الثانية: أن يجهلَه الوليُّ ويعلمَه الوالي، فإن علَّقنا الضمانَ بالوالي إذا عَلِمَا فها هنا أولى، وإن علَّقناه بالوليِّ ثَمَّ فها هنا وجهان يَقْرُبان من القولين في تقديم الطعام المغصوب.
الثالثة: أن يعلمَه الوليُّ ويجهلَه الوالي، فإن علَّقنا الضمانَ بالوليِّ إذا عَلِمَا فها هنا أولى، وإن علَّقناه بالوالي ثَمَّ فقد قطع الأصحابُ بتعلُّقه بالوليِّ ها هنا، وفيه وجهٌ غريبٌ.
ومتى علَّقنا الضمان بالوليِّ فهو على عاقلته، وإن علَّقناه بالوالي، فإنْ عَلِمَ حَمَلَتْه العاقلةُ، وإن جَهِلَ: فهو على العاقلة أو على بيت المال؟ فيه قولان، فإن جُعل على بيت المال: فالكفارةُ عليه أو على بيت المال؟ فيه وجهان.
٣١٧٨ - فرع:
إذا قتل الجلَّادُ مَن لا يجوزُ قتلُه، فإن لم يُعرف خطأُ الوالي فلا قودَ عليه ولا كفارةَ ولا ضمانَ، وإنْ عُلِمَ خطؤه عِلْمَ مِثْلِه كما ذكرناه في قتل الحامل، ففي تضمينه خلافٌ مرتَّبٌ على الخلاف في الولي إذا عَلِمَ بالحمل، وأولى بنفي الضمان؛ لأنه لم يَقتل لغرضِ نفسِه، وإن عُلِمَ خطأُ الإمام أو عمدُه فقد قطع الإمامُ بوجوب القود والضمان إن لم تُعلم سطوتُه عند
стр. 2471
المخالفة وإن عُلمت ففيه الخلافُ.
٣١٧٩ - فرع:
إذا وجب القصاصُ فادَّعت الحملَ، فإن قامت البينةُ بمخايل الحمل أمهلت، وإن لم تَقُمْ بينةٌ فوجهان، ولعل مَن يَشرطُ البينةَ لا يبالي بنطفةٍ تستشعرها المرأة، ولعل مَن لا يشرط البينةَ لا يُنظرها أربعَ سنين، بل يحبسها مدةً يظهر في مثلها مخايلُ الحمل، ولو وجب القصاصُ على الحائل، فوُطِئَتْ، فلا تُقتل في هذه الصورة، وتوقَّف فيها الإمام.
* * *
٣١٨٠ - فصل فيمن قتل جماعة
مَن قتل جماعةً دفعة واحدةً أو على الترتيب، قُتل بأحدهم وللباقين الدِّياتُ، فإن اتَّفق الأولياءُ على أن يقتلوه بالجميع ثم يأخذ كلُّ واحدٍ ما تبقَّى من دية قتيله، فليس لهم ذلك اتِّفاقًا فإنْ فعلوا ذلك وقع القتلُ قصاصًا، ورجع كلُّ واحدٍ إلى بقية الدية، وأَبعدَ مَن قال بصرف القتل إلى أحدهم بالقرعة.
وقال الحَليميُّ: يقع قتلُه قصاصًا عن الكلِّ، ولا يجبُ شيٌ من الدية.
ولا يعدُّ هذا من المذهب.
وإذا وقع القتلُ مرتَّبًا بُدئ بالأول فالأول، فيتخيَّرُ وليُّ الأول بين تعجيل القصاص أو تأخيرِه، ولا يلزمُه تعجيلُه ولا أن يعفو، فإن عفا ثبت القصاصُ للثاني وصار كالأول، فإن عفا ثبت للثالث، وهكذا إلى تمام العدد.
فإن قتله المتأخِّرُ قبل عفو المتقدِّم، حصل القصاصُ ولم يَغْرمِ الديةَ
стр. 2472
للمتقدِّم، وأبعدَ مَن قال: يغرمُها، فإنه تقويمٌ للقصاص، ويلزم منه أنَّ الأجنبيَّ إذا قتل القاتلَ أن يغرم ديةَ القتيل للأول، وليس الأمر كذلك.
وإن قتلهم معًا، فأَذِنَ الأولياءُ لأحدهم، جاز، فإن رجعوا عن الإذن وتشاجروا في الابتداء، أُقرع بينهم، فيتعيَّنُ مَن تَخْرُجُ قرعتُه، وليس لغيره القصاصُ إلا أن يعفوَ، فإن بَدَرَ مَن لم تخرج قرعتُه بالقتل، وقع قتلُه قصاصًا.
٣١٨١ - فرع:
إذا قتل العبدُ جماعة قُتِلَ بأحدهم على المذهب، وللباقين الدياتُ في ذمَّته كالحرِّ المعسِرِ، وقيل: يُقتل بالجميع؛ إذ لا مَرْجِعَ وراء الرقبة.
وإن قتل الحرُّ جماعةً في المحاربة، فإن غلَّبنا الحدَّ قُتل بالجميع، وإن غلَّبنا القصاصَ قُتل بأحدهم وللباقين الدياتُ.
وإن قتل جماعةٌ جماعةً بحيث اشتركوا في قتل كلِّ واحدٍ منهم، فإن وقع القتلُ معًا أُقرع بينهم (١)، فمَن خرجت له القرعةُ قُتِلَ الجميعُ بوليِّه (٢).
٣١٨٢ - فرع:
إذا اقتصَّ الجاني من نفسه، فإن كان بغيرِ إذنِ المستحِقِّ لم يحصل الاستيفاءُ، وإن كان بإذنه حَصَل الاستيفاءُ على الأصحِّ، ووجهُ المنع: أن مُهْلِكَ نفسه يَخرج عن كونه نائبًا لغيره.
* * *
стр. 2473
٣١٨٣ - فصل في حكم السراية
إذا قطع يدَ إنسان فاندملت، فقطعنا يده، فسرت إلى نفسه، كانت السرايةُ هدرًا، ولو قطع يدَه فسرت إلى نفسه، فقطعنا يدَ الجاني فسرت إلى نفسه، كانت السرايةُ قصاصًا.
ولو قطعنا يدَه بيده ثم ماتا بالسراية، فإنْ تقدَّم موتُ المجنيِّ عليه كانت السرايةُ قصاصًا، وإن تقدَّم موتُ الجاني فالجنايةُ هدرٌ أو قصاصٌ؟ فيه وجهان.
ولو قطع يدَه فسرت إلى نفسه، فقطعنا يدَه فاندملت، فللوليِّ ضربُ عنقه، فإن عفا على مالٍ ثبت نصفُ الدية؛ لأنه استوفى ما يقابل نصفَها، ولو قطع يديه (١) فسرى القطعُ إلى نفسه، فقطعنا يديه فاندملتا، فعفَا الوليُّ على الدية، لم تثبت على المذهب؛ لاستيفائه ما يقابلُها، وعلى المذهب: إذا اصطلحا عن القصاص على مالٍ، فإنْ جوَّزنا الصلحَ عن حدِّ القذف جاز الصلحُ عن الدم، وإن منعناه ثَمَّ فها هنا وجهان؛ لأنَّ الدماء متقوَّمةٌ بخلافِ الأعراض، فإن جوَّزناه فصالَحَ عنه أجنبيٌّ، لم يجز على الأصحِّ، وقيل: يجوزُ كخلع الأجنبيِّ.
٣١٨٤ - فرع:
إذا صالَحَ على مئتي بعيرٍ في غير هذه الصورة، فإن قلنا: الواجبُ أحدُ الأمرين، لم يصحَّ الصلحُ، وإن قلنا: الواجبُ القودُ، فوجهان.
стр. 2474
٣١٨٥ - فرع:
إذا قطع يدَ إنسانِ وقتل آخَرَ قبل القطع أو بعده، قُطِعَ ثم قُتِلَ، ولو قطع يمينَ إنسانٍ وأصبعًا من يمينِ آخَرَ، فإن تقدَّم قطعُ الأصبع قُطعت أصبعُه لصاحب الأصبع، ثم تُقطع بقيةُ يده لصاحب اليد، وإن تقدَّم قطعُ اليد قُطعت يدُه لصاحب اليد، وعليه أرشُ الأصبع لتعذُّرِ القصاص فيها، فإن الطَّرفَ يَنقصُ بنقصان بعضِه ولا تَنقصُ النفسُ بفَوَاتِ الأطراف.
٣١٨٦ - فرع:
ولو قطع يدَه من الكوع، فجاء آخَرُ فقطعها من المَرْفِقِ قبلَ الاندمال، فمات، وجب عليهما القصاصُ في النفس، وتُقْطَعُ يدُ الأول من الكوع، ويدُ الثاني من المَرْفِقِ وإن لم يكن لها كفٌّ، وإن كان فوجهان، أظهرُهما: أنها تقطعُ؛ لأنَّ النفس مستحَقَّةٌ ولا نظر إلى مِثْلِ ذلك.
* * *
٣١٨٧ - فصل في قتل أحد الوليين بغير إذن الآخر
إذا ترك القتيلُ ولدَيْنِ، لم يكن لأحدهما الاقتصاصُ إلا بإذنِ الآخَرِ، ويسقط قصاصُهما بعفوِ أحدهما، فإنْ قَتَلَه أحدُهما قبل عفوِ الآخر ففي وجوب القصاص عليه قولان:
أحدهما: يجب كما لو قتله أجنبيٌّ.
والثاني: لا يجب، إمَّا لأنَّه شريكٌ في القصاص، أو لشبهةِ الخلاف، فإنَّ علماء المدينة يجوِّزون لأحدهما الانفرادَ بالقصاص قبل عفو الآخر وبعده؛ اعتبارًا بحدِّ القذف.
стр. 2475
فإنْ أوجبنا القصاصَ، فاقتُصَّ منه، فدِيَةُ أبيهما على الجاني بينهما نصفين، وإن عُفي عنه فلأخيه نصفُ الدية على الجاني، ونُجْري النصفَ الذي له على أقوال القصاص إن استوت الدِّيتان، وإنْ تفاوتتا تقاصَّا في قَدْرِ التساوي.
وإن قلنا: لا يجب القصاصُ، فنصيبُ أخيه من الدية عليه، أو على الجاني؟ فيه قولان مأخذُهما المعنيان، والأقيسُ: أنه على الجاني؛ كما لو قتله أجنبيٌّ، فإنه لا يضمن للأخوين شيئًا على ما قطع به الأصحابُ، لكن الفرق: أن الأخ مستوفٍ للقصاص كما قال علماءُ المدينة، أو لأنه فوَّتَ قصاصَ أخيه بما استوفاه من قصاصِ نفسِه، بخلافِ قتل الأجنبي، فإنه ظلمٌ محضٌ لا استيفاءَ فيه، فإن جعلناه على الجاني، أُخذ من تركته ورَجَعَ ورثةُ الجاني بذلك على الأخ القاتل، وإن جعلناه على الأخ القاتل، أُخذ من تركته، وليس له طلبُه من تركة الجاني؛ لأن الأخ القاتل قد استوفَى حقَّه من القصاص، فلا يجمع بينه وبين المال.
وإن قتله بعد عفو أخيه، فإنْ عَلِمَ بالعفو فقولان مرتَّبان: إن علَّلنا باشتراكهما في القصاص فقد زالتِ الشركةُ بالعفو، وإن علَّلنا بشبهة الخلاف فهي باقيةٌ. وإن لم يَعْلَمْ بالعفو، فإنْ لم نُوجب القصاصَ إذا عَلِمَ لم نُوجبه إذا جَهِلَ، وإن أوجبناه ثَمَّ فها هنا قولان؛ كالقولين فيمَن قَتَلَ مَن عَهِدَه مرتدًّا ثم بان أنه أسلم.
٣١٨٨ - قاعدة:
قال أبو محمدٍ: إذا اختلف العلماء في العقوبة، لم يدرأها الخلافُ،
стр. 2476
سواءٌ كانت لله أو للعباد، وإن اختلفوا في سبب العقوبة، فإن كانت لله فالمذهبُ أنه يدرؤها الخلافُ كالحدِّ في نكاح المتعةِ، وإن كانت للعباد كالقصاصِ في مسألتنا فقولان.
* * *
стр. 2477
٣١٨٩ - باب القصاص بغير السيف
إذا قتل إنسانًا بسببٍ فلوليِّه أن يقتله بمِثْلِه ما لم يكن فاحشةً، وله أن يضربَ عنقه، فإنَّ ضَرْبَ العنق أوحى أسبابِ القتل، فإذا قتل بتغريقٍ، أو تحريقٍ، أو إلقاءٍ من شاهق، أو وقذ، أو موالاةٍ بضربٍ بالمثقلات، أو تجويعٍ، أو تعطيش، فُعِلَ به ما قد فَعَلَ بشرطِ أن يتماثل الفعلان في القَدْرِ والزمان، فيُقتل بمثلِ نارِه التي قَتَلَ بها، وكلَّما عظُمتِ النارُ كان أَوْحَى لها، ويُضرب بمثل الآلة التي ضَرَبَ بها على عدد الضربات.
ويُردَّى مِن مِثْلِ مسافةِ تَرْدِيَتهِ وعلى صلابة مَوْقِعها، ويجوَّع كمدَّة تجويعه.
فإنْ فُعِلَ به مِثْلُ ما فَعَلَ، فلم يمت، فإن كان ضربُ العنق أهونَ عليه عُدِلَ إليه عند الجمهور، وعلى قولٍ: يستمرُّ على مِثْلِ ما فَعَلَ، وإن كان إبقاؤه في مِثْلِ ما فَعَلَ أهونَ من ضرب العنق، فإن كان الفعلُ متواصلًا كالجوع والعطش والإلقاء في النار فهل يبقى، أو تُضرب عنقُه فيه وجهان، وإن كان منقطِعًا، فإن كان ضربًا عُدِلَ إلى السيف عند الأكثرين، وأجراه أبو محمد على الخلاف.
стр. 2478
وإن كان جَرْحًا، فإن كان ممَّا يتعلَّقُ به القصاصُ بتقديرِ الاندمالِ كقطع الأطراف عُدِلَ إلى السيف اتِّفاقًا، وإن لم يتعلَّق به القودُ كالجائف ففي العدول إلى ضرب العنق قولان، فإن قلنا: لا يجب العدول إليه، لم يزد على جوائفه على الأصح، وأَبعدَ مَن خرَّجه على الخلاف في الضربات.
٣١٩٠ - فرع:
إذا قتل ضعيفًا بضرباتٍ، يُعْلَمُ أو يُظنُّ أن الجانيَ لا يموتُ بمثلها، وقلنا: يُعدل إلى السيف إذا فُعِلَ به مِثْلُ ما فَعَلَ، عُدِلَ إلى السيف ها هنا، ولم يُفْعَلْ به مِثْلُ ما فَعَلَ، على ما قطع به الإمام، فإنه أيسرُ طريقًا في الاستيفاء.
وليس كلُّ جنايةٍ مقابَلةٍ بمثلها، ولو قَتَلَ بالِلّواط أو سَقْي الخمرِ، قُتِلَ بالسيف ولم يُفْعَلْ به مِثْلُ ما فَعَلَ، وقال الإصطخريُّ: يولَجُ في اللائط خشبةٌ بقَدْرِ الآلة، وفي الخمر يُسْقَى الماءَ.
وقال الإمام: إنْ ظننَّا أنه يهلك بتلك الآلة فَعَلْنا، وإلا فلا.
٣١٩١ - فرع:
إذا قَتَلَ بالخنق جاز العدولُ إلى السيف عند أبي محمدٍ، ورمز إلى خلافه.
٣١٩٢ - فرع:
إذا قَتَلَ بالنار، فأُلقي في مِثْلِها وبقَدْرِ زمانها فلم يَمُتْ، فإن كان السيفُ أوحى فأراد الوليُّ أو الجاني البقاءَ في النار، لم يَجُزْ، وإنْ تَراضَيَا بذلك لم يَجُزْ على الأظهر؛ لأنَّ تحريم المُثْلةِ حقٌّ لله، وإن كان بقاؤه في النار أهونَ
стр. 2479
بأنْ يَطولَ عناؤه بإخراجه منها، ولو بقي فيها تعجَّل هلاكُه، فهل للوليِّ أن يُخرجه لضرب عنقه، فيه وجهان، ولا يتجه الإخراجُ إلا إذا كان ضرب العنق أوحى وأسرعَ، فإن استوت المدَّتان، أو كان الإبقاءُ أَوْحَى، فلا وجه للإخراج، وقال أبو محمد: ضربُ العنق أوحَى جهاتِ القتل بكلِّ حالٍ.
٣١٩٣ - فرع:
إذا قطع يدي إنسان فسرتْ إلى نفسه، فقطعنا يديه، فطلب أن نُمهله مِثْلَ مدة السراية، لم نُجِبْه إلى ذلك، فإنْ أَمْهَلَه الوليُّ، فقال: اقتلني لأستريح أو اعفُ عنِّي، لم تلزمْه إجابتُه.
* * *
стр. 2480
٣١٩٤ - باب القصاص في الشجاج والجراح والأسنان وغير ذلك
الجناية على الأطراف ضربان: قطعٌ يُبِينُ، وجرحٌ يشقُّ، وهو ضربان: أحدهما الشجاجُ، ومحلُّها الوجهُ والرأسُ (١)، والثاني جراحُ سائر البدن، فجوائفُها لا قصاصَ فيها اتِّفاقًا، ولا فيما ينتهي إلى عظمٍ، وأمَّا ما يصلُ إلى العظم فلا قصاصَ فيه خلافًا للعراقيين، وواجبهُ الحكومةُ اتفاقًا.
وأمَّا الشجاجُ فعشرةٌ:
الخارصةُ: الشاقَّةُ للجلد.
والدامية: المُسيلة للدم.
والباضعة: القاطعةُ للَّحم.
والمتلاحمة: الغائصةُ في اللحم غوصًا بالغًا.
والسِّمْحاق: التي تبقى بينها وبين العظم جلدةٌ ولا تقطعها.
والمُوْضِحةُ: الواصلةُ إلى العظم.
والهاشِمةُ: التي تهشمه.
стр. 2481
والمنقِّلةُ: التي تكسره وتنقل القِطَعَ عن أماكنها.
والمأمومةُ والآمَّة: التي تبلغ أمَّ الرأس ولا تخرق الخريطة.
والدامغة: التي تخرق الخريطةَ فتصل إلى الدماغ، وهي مذفِّفةٌ.
ومحلُّ هذه الشجاج الرأسُ والوجهُ وقصبةُ الأنف واللَّحيان، وكلُّ ما يصل إلى الفم: فهل يثبت فيه أرشُ الجائفة (١) وحكمُها؟ فيه وجهان أجراهما أبو محمد في خرق الأجفان.
* * *
٣١٩٥ - فصل في قصاص الشجاج
يجبُ القصاص في المُوْضِحةِ اتِّفاقًا، ولا يجب في الخارصة والمنقِّلة والهاشمة، وكذا الداميةُ عند القفَّال، وتردَّد فيها أبو محمدٍ، وفي الباضعة والمتلاحمة والسِّمحاق قولان أجراهما صاحبُ "التقريب" في قَطْعِ بعض اليد والرجل من غير إبانةٍ، وهذا لا يصحُّ؛ لتناسُبِ أجزاء الرأس واختلافِ اليد والرجل في وضع العروق والأعصاب.
وإنْ قَطَعَ بعض الأذن أو بعضَ المارن من غيرِ إبانةٍ، وَجَبَ القصاصُ على الأصحِّ.
стр. 2482
وإذا جعلنا الجرحَ النافذَ إلى الفم جائفةً ففيه القصاصُ؛ لأنه منضبطٌ، وشبَّب بعض الأصحاب بخلافٍ.
ولا يتصور إجراءُ القصاص في المتلاحمة إلا بأن يكونَ على رأس الجاني والمجنيِّ عليه مُوْضِحتان طريتان، ليُتعرف بهما سُمْكُ اللحم، فيقع القصاصُ فيها باعتبارِ النسبة دون عمق الجرح، فإذا كان لحمُ رأس الجاني سُمْكَ شعيرةٍ ولحمُ المجنيِّ عليه سمكَ شعيرتين، وعمقُ الجناية قَدْرَ شعيرةٍ، اقتُصَّ بنصف شعيرةٍ، فإن جهلنا النسبةَ اقْتُصَّ من المستيقَنِ وتُوقِّفَ في محلِّ الشك.
* * *
٣١٩٦ - فصل في كيفية قصاص الموضحة
إذا وصلت الجراحةُ إلى العظم وجبَ القصاصُ الكاملُ، سواءٌ إن كانت صغيرةً كمغرز الإبرة، أو مستوعِبةً للرأس، بشرطِ أن لا نَزيد على مساحة الجناية ولا نتعدَّى محلَّها من الوجه أو الرأس.
ولا يُشْترطُ أن يظهر العظم للأبصار، ولا يبالَى بتفاوُتِ سمك اللَّحمين اتِّفاقًا، كما لا يُبالى بتفاوت الأعضاء في الصغير والكبير، وغَلِطَ مَن شرط تساويَ السُّمْكِ، فإنْ ضاق المحلُّ عن قَدْرِ الجناية لم يكمَّل إيضاحُ الرأس بالوجه، ولا إيضاحُ الوجه بالرأس، ويكمَّل إيضاحُ الناصية ببقية أجزاء الرأس.
فإن استوعبت الجنايةُ رأس المجنيِّ عليه، فإن كان رأسُ الجاني أصغرَ لم يكمَّل بالوجه اتِّفاقًا، بل يَرْجِعُ بجزءٍ من الأرش، وإن كان رأسُه أكبر اقْتَصَّ منه بقَدْرِ جنايته، وهل يبتدئ بالقصاص من حيث بدأ أو يتخيَّر
стр. 2483
الجاني والمجنيُّ عليه؟ فيه ثلاثة أوجه.
ولو كان بعضُ رأسه مُوْضَحًا، وبقيتُه بقَدْرِ رأسي المجنيِّ عليه، أُوضحت بقيتُه من غير خيارٍ.
وإن أوضَحَ وهشم اقتصَّ في الموضحة وحدَها؛ لتعذُّر القصاص في كسر العظام، ولا يقتصُّ في الإيضاح وقطعِ الأطراف إلا بالحديد، سواءٌ وقعت الجنايةُ بمثقَّلٍ أو محدَّدٍ.
* * *
٣١٩٧ - فصل في تعدد الموضحة واتحادها
أرشُ الموضِحة من كلِّ ديةٍ نصفُ عشرها، ويتعدَّدُ الأرشُ بتعدُّد الإيضاح، ويتَّحدُ باتِّحاده، فيجبُ في المستوعبة للرأس مِثْلُ ما يجب في مغرز الإبرة.
فإن أوضحَه دائرةً في وسطها حاجزٌ في الظاهر والباطن، لزمه أروشٌ بعددهنَّ، وإن اتَّصَلْنَ في الظاهر دونَ الباطن اتَّحد الأرشُ على المذهب، وفيه وجهٌ، وإن اتَّصلْنَ بالعظم في الباطن دون الظاهر، فتآكلت الحواجزُ بالسراية، اتَّحد الأرشُ.
وإن أزال الحواجزَ أجنبيٌّ قبل الاندمال، فعلى الأول أروشُ مُوْضِحاته، وعلى الثاني أرشٌ كاملٌ لكلِّ حاجزٍ، وإن أزالها الأولُ قبل الاندمال، كان كمن قطع يدَ رَجُلٍ ثم قتله، فيتَّحِدُ الأرشُ عند الشافعيِّ، وعند ابن سريجٍ يتنزَّلُ منزلةَ الأجنبيِّ.
стр. 2484
ولو أوضحَ الناصيةَ، فزادها ثانٍ ثم ثالثٌ ثم رابعٌ ثم خامسٌ، وهكذا إلى أن أكملها مئةُ جانٍ، فعلى كلِّ واحدٍ أرشٌ كامل.
٣١٩٨ - فرع:
إذا زاد المقتصُّ في الإيضاح، فإنْ تعمَّدَ وَجَبَ القودُ، وإن أخطأ فالأصحُّ وجوبُ أرشٍ كاملٍ فيما زاد؛ لأن اختلاف الحُكم كتعدُّد الجاني، وقيل: يوزَّعُ الأرشُ عليهما، ويلزمُه ما يقابل الخطأَ، وإن أوضحَ خطأً وأتمَّهُ عمدًا فلا نعرفُ خلافًا في وجوب القود.
٣١٩٩ - فرع:
إذا طلب القصاصَ في بعض المُوضحة ليأخُذَ أرشَ ما بقي، فهل له ذلك؟ فيه وجهان؛ لأنَّ الجرح متَّحِدٌ بخلافِ نظيرهِ في الأصابع، ولو قال: عفوتُ عن نصف الإيضاح، ففي سقوط القصاص في الجميع الوجهان: إن نظرنا إلى الاتِّحاد سقط، وإلا فلا.
٣٢٠٠ - فرع:
قال الأصحابُ: إذا نفذ الجرحُ من الوجنة إلى الفم، ولم نجعله جائفةً، ففي جروح الوجنة أرشُ منقِّلةٍ و [زيادة] حكومة لأجل النفوذ، وفي جَرْح الخدِّ أرشُ متلاحمةٍ وزيادةُ [حكومة] (١) للنفوذ، وشرط أبو محمد أن ينقص عن أرش موضحةٍ.
ويجب الحكومةُ في الباضعة والمتلاحمة والسِّمحاق إن لم نُوجِبْ فيها
стр. 2485
القصاصَ، وإن أوجبناه نُسِبَ أرشها إلى الموضحة وأُخذ بحسابه.
٣٢٠١ - فرع:
إذا اشترك جماعةٌ في الإيضاح في التحامُل على آلةٍ واحدةٍ حتى استوعبوا الرأسَ، فهل يجبُ على كلِّ واحدٍ أرشٌ، أو يجبُ على الجميع أرشٌ واحد؟ فيه احتمالٌ، ويحتمل أن يُوْضحَ من رأسِ كلِّ واحدٍ منهم بالحساب، لأنَّ القصاص يجري في بعض الموضحة بخلافِ اليد، ويحتمل أن يستوعِبَ رؤوسَهم بالإيضاح إذا سادتْ رأسَ المجنيِّ عليه كما تؤخذ أيديهم بيده.
* * *
٣٢٠٢ - فصل في ما يجب فيه القصاص من المفاصل والأعضاء
يجبُ القصاصُ في كلِّ ما يمكنُ فيه المساواةُ من المفاصل والأعضاء، فلا يجب في فلقةٍ من الفخذ أو الساقِ، ولا في الجوائف وكسرِ العظام، ويُشترط اتِّفاقُ العضو في المحلِّ والاسم، فلا تؤخذ يسرى بيمنى، ولا خنصرٌ بإبهام، فمن المفاصل: الأناملُ، والأصابعُ، والأكُفُّ، والمرافقُ، والأكتافُ، والأفخاذُ، والرُّكب، والأقدام.
وغلط مَن منع القصاص في المرافق، ولعله نظر إلى تداخُلِ العظمين، فيجبُ طردُ ذلك في الركبتين.
ومن أعضاء القصاص: المارن (١)، والأجفان، والأذنان، والشفتان،
стр. 2486
والذَّكَر، والأُنثيان، والشُّفْران، وكذا العجيزةُ على أظهر الوجهين.
٣٢٠٣ - فرع:
إذا قُطعت فلقةٌ من المارن أو الأذن أو الحشفة أو اللسان، وعُرفت نسبتُها بالجزئية إلى ما بقي، وجب فيها القودُ، ولا تُخرَّج على الخلاف في المتلاحمة لسهولة ضبطها.
٣٢٠٤ - فرع:
إذا قطع الرِّجلَ من الحقوِ، أو اليدَ من الكتف، من غير إجافةٍ فيهما، فإنْ غلب على الظنِّ أنَّ ذلك وفاق والغالبُ من مثله الإجافةُ، فلا قود فيه، ولو قطعهما فأجافَ، وقال أهل البصر: يمكن قطعُهما مع الاقتصار على مثل تلك الإجافة، وجب قطعُهما عند الأصحاب، فإنَّ الإجافة ها هنا تبعٌ غيرُ مقصودةٍ بالقصاص، وقطع أبو محمد بنفي القصاص، إذ لا قصاصَ في الجوائف، وإن حصلت برفع الطبقات من غير تغويص حديدةٍ.
* * *
٣٢٠٥ - فصل في السراية إلى اللطائف والأطراف
إذا جنى على بعضِ عضوٍ، فتآكل باقيه بالسراية، فلا قصاصَ فيما تآكَلَ، ولو زال البصرُ بالإيضاح وجب القصاصُ في البصر والإيضاح، فقيل: فيهما قولان بالنقل والتخريج، والمذهبُ الذي عليه الجمهور: تقريرُ النصَّين، فإنَّ تآكُلَ الأعضاء لا يُقْصَدُ بالسِّراية، بخلافِ اللَّطائف، فعلى هذا: إذا زال البصرُ بالإيضاح، فأوضحناه، فزال البصر، حصل القصاصُ، وإن لم يَزُلِ
стр. 2487
البصرُ وأمكنَ إزالتُه من غير إفسادِ الحدقةِ أزلناه.
والسمعُ كالبصر عند الأصحاب، ويليهما الكلامُ عند الأصحاب، وفي العقل وبطش الأعضاء الباطشة خلاف؛ لبعدِ تناوُلها بالسِّراية، ورتَّبَ الإمام العقلَ على البطش، والبطشَ على الكلام.
٣٢٠٦ - فرع:
إذا أوضحَ رجلًا فزال شعرُه وبصرُه، فأوضحناه فذهب شعرُه وبصره، حصل القصاصُ بذلك على ما نقله المزنيُّ، فمن الأصحاب مَن غلَّطه في النقل في الشَّعر؛ إذ لا قصاصَ فيه بحالٍ، وذكر آخرون قولين، وقالوا: ما يجب القصاصُ فيه بالسراية يحصلُ القصاصُ فيه بالسراية، وما لا يجبُ القصاصُ فيه بالسراية ففي حصول القصاص فيه بالسراية قولان يجريان فيما لو قطع يد إنسانٍ، فقطع المجنيُّ عليه أصبعَ الجاني، فسرتْ إلى كفِّه، ففي حصول القصاص بهذه السراية قولان.
وقطع الإمام بحصوله، فإن اليد من أعضاء القصاص، والسرايةُ منسوبةٌ إلى فعله، بخلافِ الشعر فإنَّه ليس من أعضاء القصاص.
ثم قال: الوجهُ أن يقال: كلُّ عضوٍ يجبُ فيه القصاصُ فتآكلُه بالسراية قصاصٌ (١)، وكلُّ ما لا قصاصَ فيه إذا قُوبل بمثله فلا يقع الجرحُ فيه بالجرح ولا التآكُلُ بالتآكُلِ، وإن سرى الجرحُ الموجِبُ للقصاص إلى ما لا قصاصَ
стр. 2488
فيه كالشعر ففيه الخلافُ، فإن قلنا: لا يحصل القصاصُ إذا تآكلت اليد بقطع الأصبع، كان التآكُلُ هدرًا والجاني في عهدةِ جنايته إلا قَدْرَ الأصبع، وإهدارُ يده مع التعدِّي بقطع أصبعه مُشْكِلٌ.
ويمكن أن يقال: لا أثر للتعدِّي بقطع الأصبع، فإن اليد مستحَقَّةٌ للمجنيِّ عليه، فأَشْبهَ مَن استحَقَّ النفسَ فتعدَّى بقطع الأطراف.
ولو قتل إنسانًا، فضربه الوليُّ بسوطٍ خفيفٍ، فمات، حصل القصاصُ عند الإمام؛ إذ لا يتَّجهُ ضمانُ نفس الجاني مع أنها مستحَقةٌ للوليِّ، وَيعْسُر إهدارُ دمه مع بقاء الضمان عليه، ويجب تخريجُه على مقتضَى ما ذكره الأصحابُ على القولين، فإنَّ ضرب السوط لا يُقصد به القتلُ ولا يجبُ به القصاص، كما لا يقصدُ الطرفُ بالسراية، ولو رمى الوليُّ الجاني مخطئًا حصل القصاصُ من غير محلِّ خلافٍ.
* * *
٣٢٠٧ - فصل في شلل الأعضاء
يُشترط في قصاص الأعضاء أن يكون الجاني ممَّن يُقتل بالمجنيِّ عليه، وأن يستوي العضوان في الخِلْقة والسلامة، وأن تكون نسبةُ عضوِ كلِّ واحدٍ منهما كنسبة عضوِ الآخر إلى نفسه، ولا نظر إلى تفاوت البدل، فتُقْطَعُ يدُ الرجل بيد المرأة؛ لأن نسبة كلِّ واحدٍ منهما إلى النفس بالنصف.
وإن اختلفت النسبتان امتنع القصاص، فلا تؤخذ كاملةٌ بناقصةٍ ولا صحيحةٌ بشلَّاء وإن رضي الجاني بذلك؛ لحقِّ الله في الدنيا.
стр. 2489
فإن بادر المجنيُّ عليه فقطع كاملةَ الأصابع بناقصة الأصابع، حصل القصاصُ فيما تساوَيَا فيه من الأصابع، وإن قطع الصحيحةَ بالشلَّاء، لم يحصل القصاصُ، كما لو قُتِلَ الحرُّ بالعبد أو المسلمُ بالكافر.
٣٢٠٨ - فرع:
قال الفقهاء: إذا كانت يد الجاني شلَّاءَ، فإنْ خيفَ من نزفِ الدم لم تُؤخذ بالصحيحة، وإن لم يُخَفْ ذلك، فإنْ رضيَ المجنيُّ عليه بها فله قطعُها ولا أرش له اتِّفاقًا، كما لو قُتل العبدُ بالحرِّ والذميُّ بالمسلم.
٣٢٠٩ - فرع:
وتؤخذ الشلَّاء بالشلَّاء، إلا أن يكون الشللُ في يد المجنيِّ عليه أظهرَ، فلا يجبُ القصاصُ اتِّفاقًا؛ لتفاوُت النسبتين.
وحمل الإمامُ تفاوتَ العضوين في الشلل على نضارة العضو وحُسْنِهِ وقُبحِهِ، فإن الشلل زوالُ أصلِ الحركة، وشرط فيه أبو محمدٍ زوالَ الحسِّ، وخالَفَه الإمامُ وجوَّز بقاء أصل الحسِّ، وليس الشللُ موتَ العضوِ ولا رعشتَه.
٣٢١٠ - فرع:
إذا تفاوتت اليدان في البطش أُخذت إحداهما بالأخرى لتَسَاوي النسبة، فتُقطع يدُ الشابِّ الأيِّد بيد الشيخ الهَرِمِ، وإن نقصَ بطشُ المجنيِّ عليه وكَمَلَ بطشُ الجاني، فإن كان ذلك بآفة قُطِعتْ يدُ الجاني وكمِّلت الدية.
وقال أبو محمد: إذا لم يبق إلا أدنى حركةٍ لم يؤخذ بها الباطشةُ. ولا أصل لمَا قال.
стр. 2490
وإن كان النقصُ بجنايةٍ لم تُقطع يدُ الجاني، وكذلك لا تكمَّلُ ديتُها على الأصحِّ، وشبَّه الفقهاءُ الصورتين بمَن وصل إلى حركة المذبوح بجنايةٍ أو آفةٍ ثم جُني عليه.
* * *
٣٢١١ - فصل في زيادة الأعضاء ونقصها
ويؤخذ الزائدُ بالزائد اتِّفاقًا بشرطِ تساوي الوصفِ والمحلِّ، فإن اختلف المحلُّ فكانت إحدى الأصبعين على الخنصر، والأخرى على البهام (١)، فلا قصاص، وإن اختلفا في الصغرى والكبرى والطول والقصر، فوجهان خصَّهما الإمامُ بما لو استوت الحكومتان أو لم يكن لواحدةٍ منهما حكومةٌ، فإنَّ تفاوتَ الحكومة يقتضي تفاوتَ النسبة، ووجهُ المنع عند استواء الحكومة: أنَّ العضوين زائدان، فتعيَّن تساويهما في الصورة، بخلافِ الأعضاء الأصلية، فإنْ أجرينا الخلافَ مع تفاوت النسبة فهو جارٍ مع تفاوت الألوان وغيرِها من الأوصاف، وإن شرطنا التساويَ في النسبة فلا نظر إلى الألوان، بخلافِ تفاوت الأجرام.
* * *
٣٢١٢ - فصل في قطع اليد من المفاصل وغيرها
إذا قطع اليدَ من نصف الساعد فللمجنيِّ عليه قَطْعُ الكوع وحكومةُ نصف الساعد؛ لعجزه عن محلِّ القصاص، وليس له قطعُ الأصابع لقدرته