٣٢٤٨ - فرع:
إذا ظهرتْ في لسان الطفلِ أماراتُ النُّطقِ بالتحريك (١) الصحيح بالضحك والبكاء والمصِّ، وجبت الديةُ والقصاصُ، وإن ظهرت أماراتُ الخَرَسِ، أو لم تظهر أماراتُ النطق ولا الخرس، وجبت الحكومةُ على ما قطع به الأصحاب.
٣٢٤٩ - فرع:
إذا قَطَعَ من لسان الطفلِ ما لو قَطَعَه من لسان البالغِ لأَذْهبَ ربعَ كلامه مثلًا، فبلغ الطفلُ إلى حدِّ الكلام فلم يتكلَّم، وجبت الحكومةُ؛ لظهور أمارةِ الخرس، وإن تكلَّم بثلاثةِ أرباعِ الكلام وجب ربعُ الدية.
٣٢٥٠ - فرع:
اختلافُ الجاني والمجنيِّ عليه في الخرس كالاختلاف في الشَّلَل.
* * *
٣٢٥١ - فصل في الجناية على الأعضاء الناقصة بجناية أو آفة
إذا جَنَى على عضوٍ قد نقصَ بجنايةٍ أو آفةٍ، فإن كان أرشُ النقص مقدَّرًا كديةِ أصبعٍ، حُطَّ أرشُها عن الجاني، وإن كان الأرشُ حكومةً، فإن وَجَبَ بسبب البطشِ مع توفُّرِ المنفعة كمِّلت الديةُ على الجاني اتِّفاقًا، وإن وجبت بسبب نقصِ المنفعةِ مثل أن نقصت منفعةُ البطش أو البصر والسمع فإن نقصت بآفةٍ كمِّلت الديةُ على الجاني، وإن نقصت بجنايةٍ ففي التكميل احتمالٌ.
стр. 2522
ولو شجَّه متلاحمةً فأَوْضَحها آخَرُ لزمَه أرشُ مُوْضِحةٍ، ويُحطُّ منه أرشُ المتلاحمة، ولو اكتست المتلاحمةُ بالجلد وبقي محلُّها منخفضًا، فأوضحها آخَرُ، فالأظهرُ تكميلُ أرش الموضِحة، وفيه احتمالٌ، فإن اللَّحم الذي فات لم يَعُدْ.
* * *
٣٢٥٢ - فصل في الجناية على المنافع بعد النقصان
إذا نَقَصَ شيءٌ من المنافع كالسَّمع والبصر والبطش، فقطع قاطعٌ عضوَ المنفعة، أو أَبْطَلَ ما بقي منها، فإن كان النقصُ بآفةٍ كمِّلت الديةُ، ففي يد الهَرِمِ ما في يدي الشابِّ الأيِّد اعتبارًا بنقص القوة الحيوانية، فإنَّا نكمِّل ديةَ النفس فيمَن صار إلى السَّياف.
وإن كان النقصُ بجنايةٍ، فإن لم تكن المنفعةُ مضبوطةً ففي كلام المشايخِ احتمالاتٌ:
أحدها: الحطُّ في قطع العضوِ أو إبطالِ المنفعة.
والثاني: التكميلُ فيها.
والثالث: التكميلُ في القطع والحطُّ في الإبطال؛ لتعذُّر عَوْدِ المنفعة في القطع وإمكانِها في الإبطال.
وإن كانت المنفعةُ مضبوطةً كالكلام، فإن بطل نصفُ الكلام بالجناية، فأزال الثاني النصفَ الآخَرَ مع بقاءِ اللسان، وجب على الثاني نصفُ الدية اتِّفاقًا، وإنْ قَطَعَ اللسانَ كمِّلت الديةُ عند الجمهور، وعند أبي إسحاقَ: يجب
стр. 2523
نصفُ الدية وحكومةٌ.
وإن بَطَلَ بعضُ الكلام بآفةٍ من الخلقة، ففي التكميلِ وجهان؛ لانضباطِ المنفعةِ، بخلافِ السمعِ والبصرِ، فإن قلنا: لا تكمَّل، فكان لا يُحْسِنُ سوى عشرين حرفًا لكنه يعبِّر بها عن جميع أغراضه لتبحُّرِه في اللغة، ففي التكميل وجهان.
* * *
٣٢٥٣ - فصل في دية السن
في كلِّ سنٍّ نصفُ عشرِ ديةِ المجنيِّ عليه، ففي سنِّ الحرِّ المسلم خمسٌ من الإبل، سواءٌ قَلَعَها مع سِنْخِها أو قَطَعَ ما ظهر منها، فإنْ قطع بعضَ الظاهرِ، أو بعضَ الحَشَفة، أو بعضَ الحَلَمة، فالأصحُّ توزيعُ الدية على الحَشَفةِ والحَلَمةِ وعلى ما ظهر من السنِّ، وإن قطع بعضَ المارنِ، وقلنا: لا حكومةَ في القصبة، فالأصحُّ التوزيعُ على المارن، والتوزيعُ على ما ظهر من السنِّ أولى من التوزيع على الحَلَمة والحَشَفة؛ لحصول الانتفاع بالثَّدي وبقيةِ الذَّكَر، ولا منفعة في السِّنْخ، والمارنُ أولى بالتوزيع منهما.
٣٢٥٤ - فرع:
السِّنخُ مع الظاهر كالكفِّ مع الأصابع (١)، فإنْ قَطَعَ الظاهرَ ثم قَلَعَ السنخَ متِّصلًا كان أو منفصلًا وجبتْ حكومتُه (٢)، وإن قطع بعضَ الظاهر أو
стр. 2524
بعضَ الحشفة، ثم قَطَعَ ما بقي، وجبت الحكومةُ في السِّنْخِ وما زاد على الحشفة على النصِّ، فإنَّ الحكومةَ لا تندرِجُ تحت بعضِ الحشفة وبعضِ الظاهرِ من السنِّ، وفي فحوى كلام الأصحاب وجهان آخران:
أحدهما: لا يجب شيءٌ.
والثاني: توزَّع الحكومةُ على الفائت والباقي.
* * *
٣٢٥٥ - فصل في عود السن
إذا ظهر لنا زوالُ شيءٍ من المعاني بالجناية؛ كالعقل، والبطش، والسمع، والبصر، وسائر المعاني والحواسِّ، فإنْ أوجبنا الديةَ ثم عاد ما ظننَّا زوالَه، وجب ردُّ الدية اتِّفاقًا، فإنَّ المعانيَ لا تزولُ وإنما تستترُ ثم تظهَرُ.
ولا يسقطُ قصاصُ المُوْضِحة ولا أرشُها بالتحامها اتِّفاقًا، وكذا الجائفةُ على المذهب، وأبعدَ مَن خالَفَ فيها. وقال الإمام: إنْ زال بعضُ اللَّحم بالإجافة أو الإيضاح لم يسقُطِ الأرشُ، وإن لم يَزُلْ شيءٌ من اللحم بالإجافة، أو أَوْضَحَه بإبرةٍ فالتحمت، ففيه الخلافُ.
وإن قلع سنَّ صبيٍّ لم يُثْغِر، فلا أرشَ ولا قصاصَ حتى نيأسَ من نباتها، فإن عادت قبلَ اليأس: فإنْ بقي شينٌ وجبتِ الحكومةُ، وإن لم يبقَ فوجهان، وإن ظهر اليأسُ بطولِ المدَّةِ، فأخذ الأرش، ثم عادت، ردَّه اتِّفاقًا، وإن لم تَعُدْ كمَّل الأرشَ، ويجبُ القصاصُ عند المعظَم، وتوقَّفَ الإمامُ في القصاص.
стр. 2525
٣٢٥٦ - فرع:
إذا مات الصبيُّ في مدة الانتظار، ففي تكميلِ الأرشِ خلافٌ، ولو أَفسَدَ مَنْبِتَها جانٍ آخَرُ وقيل: لولا الإفسادُ لنبتت، فالأرشُ على الثاني، وهل يجبُ على الأول حكومةٌ، أو أرشٌ؛ فيه احتمالٌ.
ولو انقلع السنُّ بنفسه، فأَفْسَدَ إنسانٌ مَنْبِتَه، ففي وجوب الأرشِ احتمالٌ، ويتجه إيجابُه، لعَدَم الإحالة على جانٍ آخَرَ.
وإن قَلَعَ سنًّا مثغورةً فلم يَعُدْ، وجب الأرشُ والقصاصُ، ويُرجعُ في مدَّة الانتظار إلى أهل الخبرة، فقد تزيد على مدةِ عودِ سنِّ الصغير، فإن عادت لم يردَّ الأرشَ على أقيس القولين، وإن قطع بعضَ اللسان فنبت، ففيه القولان عند الأكثرين، وقيل: لا يردُّ اتفاقًا، فإنَّ في جنس الأسنان ما يوجِبُ عودةَ الرد، بخلاف اللسان.
وعلى القولين في السنِّ فروع:
الأول: إذا قلنا: لا حكمَ لعود السنِّ، وجب القصاصُ والأرشُ في الحال، وإنْ جعلنا له حكمًا فطريقان:
إحداهما: القطعُ بوجوبهما في الحال.
والثانية للأكثرين في وجوبهما القولان.
الثاني: إذا قطعنا سنَّ الجاني، فعاد سنُّ المجنيِّ عليه، فإنْ قلنا: لا حكمَ لعودِهِ، وقع القصاصُ موقعَه، وإن أثبتنا له حكمًا لم يحصُل القصاصُ، وعلى المجنيِّ عليه ضمانُ سنِّ الجاني، وغَلِطَ مَن خالَفَ في ذلك.
الثالث: إذا عاد سنُّ الجاني بعد القصاص، فإن قلنا: لا عودَ للحكم،
стр. 2526
وقع القصاصُ مَوْقِعَه، وإن جعلنا له حُكْمًا لم نَقَلَعِ السنَّ العائدةَ عند المراوزة، وعلى الجاني أرشُ سنِّ المجنيِّ عليه، وفي طريق العراق وجهٌ: أنا نقلع سنَّه وإنْ تَكرَّرَ عودُها إلى أن يَفْسُدَ مَنْبِتُها.
الرابع: إذا عاد السنَّان فلا نجد حكمًا أخَرَ على القولين، فإنَّا إن لم نجعل للعود حكمًا فقد تمَّتِ الجنايةُ والقصاصُ، وإن جعلنا له حكمًا فكأنَّ القصاصَ والجنايةَ لم يقعا.
* * *
٣٢٥٧ - فصل في قلع جميع الأسنان
أروشُ الأسنان متساويةٌ كأروش الأصابع، والغالبُ: أن الأسنان اثنان وثلاثون، وأنَّ الثنايا أطولُ من الرَّبَاعِيَات، فإن ساوتْ ثنايا إنسانٍ رَبَاعِيَاتِهِ أو نقصَتْ عنها، لم يكمَّل الأرشُ عند المُعْظَم، بل يوزَّعُ على الفائت والباقي بالحساب، وغلط مَن أوجَبَ الحكومةَ، إلَّا أن يريد بها ما ذكرناه، ورمزوا إلى وجهٍ في تكميل الأرش لغلبةِ تفاوُتِ الأسنان، ولو استوتِ السنخةُ لم يكمَّلْ أرشُ الوسطى.
فإنْ قلع جميعَ الأسنان على التعاقُبِ، وتخلَّلَ أخذُ الأرش بين كلِّ سنين، أو تخلَّل الاندمالُ، أو قلع عشرين سنًّا، فقلع آخَرُ ما بقي، وانفرد كلُّ جانٍ بقلعِ سنٍّ، وجبتْ أروشُ الجميع اتِّفاقًا وإن زادت على الدِّية، وكذا إن قلعها دفعةً واحدةً على أصحِّ القولين، وعلى القول الآخَرِ: لا تُزاد على دية النفس، وإنْ قَلَعَها على التعاقُبِ ولم يتخلَّلْ أرشٌ ولا اندمالٌ، فطريقان:
стр. 2527
إحداهما: تكميلُ الأروش.
والثانية: القولان.
٣٢٥٨ - فرع:
في اللَّحيين الديةُ، فإنْ قَلَعَهما مع الأسنان لزمه ديتان على أقيس الوجهين.
٣٢٥٩ - فرع:
إذا جَنَى على سنٍّ فاسودَّ، ففي تكميل الأرش اختلافُ نصٍّ، فجَعَلَهما المزنيُّ قولين، وحَمَلَهما الأئمةُ على حالين: إن سقطتِ المنفعةُ وَجَبَ الأرشُ، وإن لم تسقط وَجَبَتِ الحكومةُ.
وقال الإمام: إنْ ضَعُفَ القطعُ به والمضغُ وجبتِ الحكومةُ، كما لو ضَعُفَ بطشُ اليد، وإن انْبتَرَ بعضُه وجب بحسابه.
ولو قُلِعَ بعد ذلك فقال الأئمة: إنْ أوجبنا الأرشَ على الأول فالحكومةُ على الثاني، وإنْ أوجبنا الحكومةَ على الأول فالأرشُ على الثاني.
وقال الإمام: ينبغي أن تُحط حكومةُ الأول من دية الثاني، وكذلك في ضَعْفِ البطش.
ولو قُطعت هذه السنُّ أو اليدُ الضعيفةُ البطشِ، وجب القودُ عند الأئمة، وهذا واضحٌ في الضَّعْفِ الخَلْقي أو بالآفة الطارئة، ولا خلاف في وجوب القود في الأعضاء الضعيفة، ولو تَقَلْقلَ السنُّ لمرضٍ أو هرمٍ، فأصحُّ القولين تكميلُ الأرش ولزومُ القصاص، ووجهُ الإسقاط: تشبيهُهُ بسنِّ الصبيِّ،
стр. 2528
وخصَّ الإمامُ الخلافَ بما إذا غَلَبَ على الظنِّ أنه سقط، وقال: لو بقيت المنفعةُ وغلب على الظنِّ أنه لا يسقطُ كمِّل الأرشُ ووجب القودُ.
ولو اتَّخذ سنًّا من ذهبٍ، فتشبَّثَ به اللحمُ، وانتفع به في القطع والمضغ، ففي وجوب الحكومة بقلعه وجهان.
٣٢٦٠ - فرع:
إذا بلغ الصبيُّ في العاشرة وله سنٌّ غيرُ مثغورةٍ، فقلع سنًّا تماثِلُ سنَّه، فلا قصاصَ في الحال، فإن لم يَعُدْ سنُّ المجنيِّ عليه، فقلعنا سنَّ الجاني (١)، فإن لم تَعُدْ حَصَلَ القصاصُ، وإن عادت قُلِعَتْ على أظهر الوجهين، فإنَّ الأول لم تكن مثغورةً، وإن لم تُقْلَع سنُّ الجاني كمِّل الأرشُ في سنِّ المجنيِّ عليه.
* * *
٣٢٦١ - فصل في دية اليدين والرجلين
إذا قَطَعَ اليدين من الكوعَيْنِ، أو أَشَلَّهما، أو قَطَعَ الرجلين من الكعبين، أو أشلَّهما، وجبتِ الديةُ واندرجَتْ حكومةُ الكفِّ والقدم في دية الأصابع اتِّفَاقًا، وإن قَطَعَ الأصابعَ ثم قَطَعَ الكفين أو القدم، وجبت حكومتُهما اتِّفَاقًا، وتكمَّلُ الديةُ في أصابع الرجلين اتِّفَاقًا، وتكمَّل الديةُ في رِجْلِ الأعرج؛ لأنَّ الخَلَلَ في الفَخِذِ أو الحِقْوِ أو في تشنُّج العصب.
стр. 2529
وإن قطع اليد من المَرْفِقِ أو الساعدِ، أو قطع الرجلَ من الركبة أو الفخذِ، ففيما زاد على الكفِّ والقدم الحكومةُ.
وإن كسرها فجَبَرها المجنيُّ عليه جبرًا معوجًّا، وجبت الحكومةُ، فإن طلب الجاني أن يكسِرَها ليَجْبُرها مستقيمًا، لم نُجِبْه إلى ذلك، فإن تعدَّى به وجبتْ حكومةٌ أخرى.
* * *
٣٢٦٢ - فصل في زيادة اليد ونقصها
لا يتصوَّرُ أن يكون على معصمٍ كفَّانٍ أصليان، ولا على ساقٍ قدمان أصليتان، بل تكونُ إحداهما زائدةً، أو يكونا ناقصَين في مقابلةِ يدٍ واحدةٍ ورجلٍ واحدةٍ، كما ذكرناه في الأصابع الستة، فإنْ تميَّزتِ الزائدةُ ففيها حكومةٌ، وفي الأصلية الديةُ والقصاصُ، والاعتبارُ في اليمين بالبطش أو بزيادته، ولا يعارِضُه شيءٌ من الصفات.
فإن تساوَيَا من كلِّ وجهٍ وانفردتْ إحداهما بالبطش أو بزيادته، فهي الأصليةُ وإن انحرفتْ واستدَّتِ الضعيفةُ.
وإن استويا في البطش وغيره ونقصَ خَلْقُ إحداهما فالكاملةُ هي الأصليةُ، وإن زادت إحداهما أصبعًا فلا أثر لذلك، خلافًا للقاضي.
فإن استوى البطشُ وإحداهما كاملةٌ منحرفةٌ والأخرى مستدَّةٌ تنقصُ أصبعًا، فأيتهما الزائدةُ؟ فيه احتمالٌ.
وإن استَوَيا من كلِّ وجهٍ، فقطَعهما معتدلٌ، قُطِعَ، وعليه حكومةٌ له
стр. 2530
لزيادة الخلقة، وإن قَطَعَ إحداهما لم يُقْطَعْ، وعليه نصفُ ديةِ اليدِ وحكومةٌ لزيادة الخِلْقة، فإنْ قَوِيَتِ الباقيةُ قوةً لو كانت عليها في الابتداء لكانت هي الأصليةَ، كمِّلت فيها الديةُ ووجب القصاصُ، وفي استرداد ديةِ الأول وجهان، فإن قلنا: تُستردُّ، وجبت الحكومةُ.
ولو اختصَّت إحداهما بالبطش، فقُطِعَتْ، فبَطَشَ بالأخرى بَطْشَ الأصليات، ففيها الديةُ والقصاصُ اتِّفَاقًا.
ولو استويا من كلِّ وجهٍ، فقُطعت إحداهما، فأَخَذَ الأرشَ والحكومةَ، ثم عاد الجاني فقطَعَ الأخرى، لزمه أرشُها وحكومتُها، وفي القصاص وجهان من جهةِ أنه معذورٌ بأَخْذِ أرشِ الأول، فلم يسقط بذلك القصاصُ.
* * *
٣٢٦٣ - فصل في دية الأليتين والصُّلْب
في الأليتين الديةُ، وفي إحداهما نصفُها، وحدُّهما جميعُ ما يُشْرِفُ على الظَّهر وأصلِ الفخذ، ولا يشترطُ القطعُ إلى العظم اتِّفَاقًا، وإنْ كَسَرَ الصُّلْبَ فأَبْطَلَ المشيَ وجبت الديةُ، وإن ضَعُفَ المشيُ أو احتاج إلى عكَّازةٍ وجبت الحكومةُ، وإن تعطَّلتِ الرجلُ مع سلامتها لم تجب ديتُها اتِّفَاقًا، فإنَّ مَن جَنَى على عضوٍ فتعطَّلَ الانتفاعُ بغيره مع سلامته، فلا ديةَ للمتعطِّلِ.
* * *
٣٢٦٤ - فصل في دية المرأة
ديةُ المرأة نصفُ دية الرجل، وجراحُها كجراحِهِ من ديته، ففي
стр. 2531
مُوْضِحَتِها نصفُ عُشْرِ ديتها، وعلى قولٍ قديمٍ: تُعاقِلُ الرَّجُلَ إلى ثلثِ ديته، ففي أصبعها عَشْرٌ، وفي أصبعين عشرون، وفي ثلاثٍ ثلاثون، وفي أربعٍ عشرون.
وإن قَلَعَ ستَّ أسنانٍ وَجَبَ ثلاثون، فإن قلع السابع رجعتِ الأروشُ إلى سبعةَ عَشَرَ ونصفٍ، ولو قطع ثلاثَ أصابعَ فلم يَغْرمِ الأرشَ حتى قلع الرابعةَ، رجعت الأروشُ إلى عشرين.
* * *
٣٢٦٥ - فصل في دية الحلمتين
في حَلَمة المرأة الديةُ، وفي أحدهما نصفُها، فإن قطعها ثم قطع الثَّديين وَجَبَ في كلِّ ثدي حكومةٌ لا تبلغُ ديةَ الحَلَمةِ، وحدُّ الحلمة ما يلتقمُه الطفلُ عند الرضاع.
وإنْ قطع الحَلَمتين مع الثديين، أو المارِنَ مع القصبة، أو الحشفةَ مع الذَّكَر، أو السنَّ مع السِّنْخِ، ففي اندراجِ الحكومةِ في دية ذلك طرقٌ:
إحداهنَّ: في الإدراج وجهان.
والثانية: لا تندرج حكومةُ القصبة على الأصحِّ؛ للاختلاف، وتندرجُ حكومةُ الباقي للتجانسُ.
والثالثة وهي بعيدةٌ: لا تندرجُ حكومةُ السِّنْخِ لاستتارِه، وفي غيره وجهان.
وتندرجُ حكومةُ الكفِّ في دية الأصابع اتِّفاقًا، فإن أُوجِبتِ الحكومةُ، فقطع جزءًا من الحَلَمة أو المارِنِ أو الحشفة أو ما ظهر من السنِّ، لزمه بقسطه
стр. 2532
من الحلمة والمارن والحشفة وظاهرِ السن، وكذلك إن لم نُوجبِ الحكومةَ على الأصحِّ.
وفي حَلَمتي الرجُلِ حكومةٌ، وعلى قولٍ مخرَّجٍ: فيهما الديةُ، ولا تندرجُ حكومةُ الثُّنْدُوةِ فيها اتِّفاقًا، فإنهما لا يعدَّان عضوًا واحدًا.
٣٢٦٦ - فرع:
قال الأصحاب: إذا جَنَى على الثَّدي أو الصُّلْب، فزعم أهلُ الخبرة أنه بَطَلَ اللَّبنُ والمنيُّ، وجبت الحكومةُ في إبطال اللَّبن، والدِّيةُ في إبطال المنيِّ، فإنه صفةٌ لازمةٌ واللبنُ عارضٌ على أصل الخلقة.
* * *
٣٢٦٧ - فصل في الإفضاء ودية الشُّفرين
في شُفْري السَّليمةِ والرَّتْقاءِ والقَرْناءِ الديةُ، فإن زالتِ البكارةُ وجبت الديةُ وأرشُ البكارة، وحدَّ الإمامُ الشُّفرين بالقَدْرِ الناتئ.
وإن أفضى زوجتَه بوطئٍ أو غيرِه، أو أفضى امرأةً بزنًا طوعًا أو كرهًا، وجبت الديةُ.
وفي الإفضاء مذهبان:
أحدهما: أن يجعل سبيلَ البول والحيض واحدًا.
والثاني: أن يجعل سبيل البولِ والغائطِ واحدًا.
فإن استرسَلَ البولُ بسبب الإفضاء، ففي اندراج حكومته في دية الإفضاء وجهان.
стр. 2533
٣٢٦٨ - فرع:
قال الشافعي: إذا افتضَّ البكرَ مكرهةً وَجَبَ مهرُ المِثْلِ وأرشُ البكارة، واسْتَشْكَلَه القاضي لِمَا فيه من تضعيفِ الغرامة.
وقال أبو محمدٍ: المنقولُ عن الشافعيِّ إيجابُ المهرِ والأرشِ من غيرِ تقديرِ مهرِ بكرٍ؛ إذ لا فرقَ بين إيجابِ مهرِ البكر وبين إيجابِ مهرِ ثيِّبٍ مع أرشِ البكارة، فلا يُجمع بينهما إن اختلف مهرُ البكر والثيِّب، وإن لم يختلف كان كجنايةٍ لا تورثُ شيئًا، ففي الحكومة وجهان.
* * *
٣٢٦٩ - فصل في بيان الحكومات
الحكوم: ما يجبُ في كلِّ جرحٍ غير مقدَّرِ الأرشِ، ويجب أن تَنْقُصَ عن دية العضوِ المجنيِّ عليه، فتنقصُ حكومةُ الأصبع عن ديتها، وحكومةُ الأصابع عن دياتها، وكذلك الأناملُ وسائرُ الأعضاء، وتحطُّ حكومةُ العين القائمة عن ديتها، وحكومةُ العضو الأشلِّ عن ديته، وحكومةُ الكفِّ عن دية الأصابع، وكذا عن دية أصبعٍ على أظهر الوجهين، ولا يَبْعدُ أن تزيد حكومةُ اليد الشلَّاء على دية أصبعٍ.
وتجبُ الحكومةُ في إزالة الشعور مع إفساد منابتها، وفي الأعيُنِ القائمة والأعضاء الشُّلِّ، وفي إزالة الجَمالِ وتغييرِ الألوان.
وفي الضِّلَع والترقُوةِ طريقان:
أحدهما إيجابُ الحكومة.
стр. 2534
والثانية: قولان، والثاني: يجبُ فيهما جَمَلان، وأقيسُهما: إيجابُ الحكومة.
٣٢٧٠ - فائدة:
يعرف الشللُ بسقوط أصل الحركة، والقَحْلِ (١)، والذُّبولِ، ومن علاماته: أن ينقبِضَ العضوُ ولا ينبسطَ، أو ينبسطَ ولا ينقبضُ.
ويدُ المفلوج إنْ حَكَمَ أهلُ الخبرة بأنَّها لا تعودُ عاملةً مع سلامتها، فإن كان ذلك لخللٍ في الأعصاب لم يَبْعُدْ إلحاقُها بالشلَّاء، وإن كان لخللٍ في الدماغ لم يَبْعُدْ إيجابُ الدية، كرِجْلِ مَن انكسَرَ صُلْبُه.
وإن ذهبت حركةُ اليدين والبطشُ بالجناية: فإنْ كان ذلك لخللٍ في الأعضاء وجبتْ دياتُها، وإن كان لخلل في الدِّماغ وجبت ديةٌ واحدة، لذهابِ القوَّة المحرِّكة، والحكومةُ: أن ننظر بعد الاندمال، فإنْ بقي شَيْنٌ، قُدِّر المجنيُّ عليه عبدًا مَعينًا بذلك الشَّيْنِ وقدِّرَ سليمًا منه، ويُنظرُ إلى ما بين القيمتين، ويُوْجَبُ مثلُ نسبته من الدِّية، فإنْ كان عُشْرَ القيمةِ أو أقلَّ وجبَ عُشْرُ الدية أو أقلَّ إن نَقَصَ عن ديةِ العضوِ المجنيِّ عليه، وإن ساوى ديةَ العضوِ أو زاد عليها فلا بدَّ من الحطِّ، ولا يُكْتَفَى فيه بأقلِّ القليل.
واختار الإمامُ أن يُضْبَطَ نسبةُ نقص العضو مع بقائه، ثم يُقدَّرَ النقصُ بسبب فواتِ العضو، ويُضْبَطَ ما بين النقصين، ويحطَّ مثلُ نسبته اعتبارًا لنقصِ
стр. 2535
الجزء عن الجزء ونقصِ (١) الكلِّ عن الكلِّ.
وإن اندملتِ الجراحةُ ولم تُعْقِبْ شيئًا، فلا حكومةَ لها على أقيس الوجهين، واختاره الإمامُ، فإن قلنا: تجبُ، فهل تقدَّرُ باجتهاد الحاكم، أو يُنظر إلى الجرح وهو مؤلِمٌ أو مُدْمٍ (٢)؟ فيه وجهان، فإن اعتبرنا الألَمَ فقد قال الإمام: ينبغي أن يُشْرَطَ الخوفُ من عاقبة الجناية أو يخاف التنقيص وإن لم يقع ما يتخوَّفُه.
٣٢٧١ - فرع:
إذا قلع سِنًّا شاغيةً (٣) مؤذيةً، أو أصبعًا زائدةً، أو نتف لحيةَ امرأةٍ وأفسد مَنْبِتَها، فزادت القيمةُ بذلك كلِّه، ففي الحكومة وجهان، فإنْ أوجبناها فزاد جمالُ المرأة بذلك، قدَّرناها غلامًا أُفسِدَ منبتُ لحيته في أوانها على قولِ الأصحاب، وقال الإمام: ينبغي أن يُحطَّ عما يجبُ في لحية الغلام، وخصَّ الأصحابُ هذا الخلافَ بالحُرِّ، ولم يوجبوا في العبد شيئًا إذا لم ينقُصْ بعدَ الاندمال، وهذا واضحٌ إن أوجبنا أرشَ ما نقص، وإن جعلنا جراحةَ مَن قيمتُه كجراح الحرِّ من ديته، فالقياسُ تخريجُه على الخلاف في الأحرار.
٣٢٧٢ - فرع:
إذا حصل حولَ جُرحِ الحكومة شَينٌ كالقَحْلِ، وتغيُّرِ اللونِ أو الارتفاعِ
стр. 2536
والانخفاضِ، فالأصحُّ إيجابُ حكومةٍ للجُرح والشَّين.
وقيل: ننظر إلى ما على محلِّ الجُرح من الشَّيْنِ وإلى ما حولَه، ونوجِبُ أكثرهما حكومةً، وهذا بعيدٌ وهو المنصوصُ، فإن قلنا به فاستوتِ
الحكومتان، وجبت إحداهُما، ويُحتمل إيجابُهما.
ولو حصل حول المُوْضِحة شينٌ فلا حكومةَ له، فإنه لو أَوْضَحَ محلَّه لم يَزِدْ على أرشِ المُوْضِحة.
وإن حصل حولَ المتلاحِمة شينٌ، فإن أوجبنا فيها الحكومةَ: فهل يجبُ حكومةُ الكلِّ، أو يُنَظر إلى الأكثر؟ فيه الخلاف، وإن قدَّرنا أرشَها ففي حكومة الشَّيْنِ خلافٌ.
* * *
٣٢٧٣ - فصل في منافع تجب فيها ديات
إذا أبطل المنيَّ بالجناية، أو أبطل شهوةَ الجماع، أو شهوةَ الطعام، أو سَلَخَ جِلْدَه، أو أبطل منفعةَ المَضْغِ مع بقاء لحييه وأسنانه، وجبتِ الديةُ. وإن سَلَخَ جلدَه ثم قَطَع يديه، فقد قال أبو عليٍّ: يَسقطُ من دية اليدين ما يخصّهما من دية الجِلْد.
٣٢٧٤ - فرع:
إذا زال شيءٌ من هذه المنافع أو من غيرها؛ كالسمع والبصر، وقال أهل الخبرة: سيعود عن قُرْبٍ، انتُظِرَ عَوْدُه، وإن قالوا: يُمْكِنُ عَوْدُه بعد زمنٍ طويلٍ، وجب الأرشُ في الحال، فإن عاد رَدَدْناه، وإن قدَّروا مدةً
стр. 2537
للعَوْدِ فقد قيل: يجب الانتظار.
وقال الإمام: إن غلب على الظنِّ تَصَرُّمُ عمره في تلك المدَّةِ وجب الأرشُ في الحال، وإن كانت المدةُ ممَّا يَقْربُ (١) رجاءُ الحياة إلى مثلها لم يَبْعُدِ الانتظار.
٣٢٧٥ - فرع:
إذا كَسَرَ عنقَه فلم يُسِغِ الطعامَ والشرابَ، وجبت الديةُ، فإن مات جوعًا وعطشًا، احتُمِلَ أن لا يُزاد على الدية كالسِّرايات، واحتُمل أن تجب على النصِّ ديةٌ، وعلى قول ابن سريجٍ ديتان، ولو كَسَرَ الصُّلْبَ فأبطل المنيَّ، ففي تعدُّد الدية وجهان، فإن كَسَرَ صلبَ مَن لا منيَّ له، وجبت الديةُ اتِّفَاقًا.
٣٢٧٦ - فرع:
كلُّ عضوٍ تجبُ الديةُ في منفعته مفردًا فإذا قُطِعَ مع اشتماله على منفعته، لم يَزِدْ على ديته، فإن زال بذلك منفعةُ عضوٍ آخَرَ وَجَبَ ديتان، ولا وجهَ للخلاف في زوال العقل بالجناية على الأعضاء.
والضابط: أنَّ كلَّ منفعةٍ لو زالت لوجَبَتِ الحكومةُ في عضوِها، فإنَّ العضو يتبعُها في الحكومة إذا لم يُفْرَدْ بالقطع، وكلَّ منفعةٍ يُعْلَمُ حلولُها في غيرِ عضوِ الجناية، فلا تندرجُ في عضو الجناية، وكلَّ منفعةٍ تُخُيِّل أنَّها في عضوِ الجناية من غير قطعٍ كالمنيِّ بالنسبة إلى الصلْب، ففيه الخلاف.
* * *
стр. 2538
٣٢٧٧ - فصل في دية الكافر
ديةُ اليهوديِّ والنصرانيِّ ثلثُ ديةِ المسلم، والمستأمِنُ كالذّمِّي اتِّفاقًا، وقيل: إنَّ السامرةَ والصابئةَ من اليهود والنصارى، فإنْ صحَّ ذلك ولم يكونوا معطلةً، فديتُهم (١) كديةِ اليهود والنصارى.
وديةُ المجوسيِّ خُمْسُ دية اليهوديِّ، وإن استأمَنَ وثنيٌّ ففيه ديةُ مجوسيٍّ.
ولا أمان للمرتدّين، فإن حاربونا لم نَعْرِضْ لرسولهم، فإن قُتِلَ فقد قيل: لا يُضْمَنُ.
والزنديقُ الذي لم يَلْتزِمِ الإسلام: كالوثنيِّ أو المرتدِّ؟ فيه تردُّدٌ لأبي محمد.
٣٢٧٨ - فرع:
مَن لم تبلغه دعوةُ ملَّةٍ من المِلَلِ، إن كان على دينٍ حق لبعضِ الأنبياء، لم يَجُزْ أن نتعرَّض له حتى ندعوَه إلى الإسلام، فإنْ قَتَلَه مسلم فقد قَتَلَه محكومًا له بالسَّعادة، ولا قصاصَ عليه خلافًا للقفال؛ إذ لا يكافئ المسلمَ، فإن أوجبنا القصاصَ وجبت ديةُ مسلمٍ، وإن لم نُوجِبْه: فهل يجبُ ديةُ مسلمٍ، أو ديةُ أهل دينه؟ ففيه وجهان.
وإن لم يكنْ على شيءٍ من الأديان، فلا قصاصَ على المسلم بقتله خلافًا للقفال، وهل يجبُ فيه ديةُ مجوسيٍّ أو مسلمٍ؟ فيه قولان، وقال
стр. 2539
بعضُهم: يجب ديةُ المجوسيِّ وحَمَلَ القولَ الآخَرَ على التمسُّكِ بدينٍ صحيحٍ.
ولو تمسَّك بدينِ موسى بعد التغيير، ولم تبلُغه دعوةُ نبيِّنا، فالوجهُ أن نبلِّغ الدعوة، ولا قصاصَ على المسلم بقتله اتِّفاقًا، وفيه ديةُ مجوسيٍّ على ظاهر النصِّ، وينبغي أن تجبَ ديةُ يهوديٍّ، وفي أصل ضمانه احتمالٌ.
* * *
٣٢٧٩ - فصل فيما يجب في جراح العبد
جراحُ العبد من قيمته كجراح الحرِّ من دِيَتِه، ففي مُوْضِحته نصفُ عشرِ قيمته، وفي يَدَيْه قيمتُه، وفي إحداهما نصفُها، وكذلك سائرُ أطرافه، وفي إجراء القَسامةِ فيه وتحمُّلِ العاقلةِ لقيمته قولان تغليبًا للمالية، فخرِّج قولٌ: أن في جراحِهِ أرشَ ما نقصَ كالبهائم.
وإن قُطِعَ ذَكَرُه وأُنثياه وَجَبَ قيمتانِ على النصِّ، وعلى المخرَّج: في وجوبِ الحكومة عند بعضهم وجهان، وقطع الإمامُ بأنها لا تجبُ؛ إذ لا يَعْرِفُ خلافًا أنَّ من خَصَى بهيمةً فزادت قيمتُها فلا شيء عليه.
* * *
٣٢٨٠ - فصل في عمد الصبي والمجنون
العامدُ: مَن له رَوِيةٌ قبل الفعل، وفكرٌ ينعطِفُ (١) عليه بعد الفعل،
стр. 2540
وقد يُتصوَّرُ هذا من الصبيِّ والمجنون، فإن لم يكونا كذلك كان فعلُهما خطأً مَحْضًا؛ إذ لا يُتصوَّرُ شِبْهُ العمد إلا ممَّن يتصوَّرُ منه العمدُ، وإن كانا مميِّزين تعمَّدا، فقولان:
أحدهما: يثبتُ حُكْمُ العمد في وجوب القصاص على شريكهما وتغليظِ الدِّية في مالهما.
والثاني: أنه خطأٌ محضٌ، فتخفَّفُ الديةُ على عاقلتيهما.
* * *
٣٢٨١ - فصل فيمن صاح بإنسان فزال عقله أو مات
إذا كان البالغُ أو المراهِقُ مستقرًّا على جدارٍ، فصاح بهما صائح، فسقطا وماتا، فإن تغفَّلَهما بالصِّياح من ورائهما، فلا قَوَدَ اتِّفَاقًا، ولا ديةَ على أظهر القولين، وإن واجههما بالصِّياح فلا قودَ ولا ديةَ، وأَبعدَ مَن طرد القولين في الدية.
وإن صاح بصبيٍّ ضعيفِ البِنْيةِ بَعيدِ التماسُكِ وجبت الديةُ، وفي القود وجهان.
وتختلفُ هذه الصورُ باختلاف الأشخاص في القوة والضَّعف، فقد يُجْعَلُ مَن تعتريه الوساوسُ ويردَعُهُ أدنى شيءٍ بمثابةِ الصغيرِ، ويُجعلُ الصياح كالضَّرب، فإنَّ كلَّ ما يُقصَدُ بمثله الهلاكُ غالبًا وَجَبَ القودُ، وإنْ لم يَغْلِبِ الهلاكُ منه وأَمْكَنَ أن يضافَ إليه، فهو شِبْهُ عمدٍ، فمتى عُلِمَ أنَّ السبب مهلكٌ، وغَلَبَ على الظنِّ حصولُ الهلاك به، وجب الضمانُ اتِّفَاقًا، وإن وقع
стр. 2541
النظرُ في كون السبب مُهْلِكًا، فهو محلُّ الخلاف.
وإن صاح بمستقِرٍّ على الأرض، فزال عقلُه أو مات، فإن كان كبيرًا متثبِّتًا لم يَضْمَنْ، وإن كان صغيرًا، فقد ألحقه بعضُهم بالسقوط من الجدار، وهذا لا يصحُّ؛ إذ يَبْعُدُ حصولُ الموت وزوالُ العقل بالصِّياح.
* * *
٣٢٨٢ - فصل فيمن طلب إنسانًا فهرب منه فهلك
إذا طلب إنسانًا بسيفٍ، فألقى نفسَه من شاهقٍ، أو في بئرٍ أو ماءٍ أو نارٍ، فهَلَكَ لم يضْمَنْه؛ كما لو أكرهه على قتلِ نفسِهِ.
وإنْ طلبه في الصحراء، فافترسه أسدٌ في هروبه، لم يضمنه.
وإن هرب على سطحٍ فسقط، فإن كان أعمى أو في ظلمةٍ وجب الضمانُ، وإن كان بصيرًا والطلبُ نهارًا لم يضمن.
وإن سقط في بئرٍ، فإن كانت مغطاةً أو في ظلمةٍ ضَمِنَ، وإن كانت مكشوفةً ولا ظلامَ لم يَضْمَنْ عند الأصحاب، وقال الإمام: إنْ منعتهُ شدَّةُ الهرب من تأمُّل البئر وَجَبَ الضمانُ.
ولو انْخَسَفَ به السطحُ لم يضمن عند الأصحاب، بخلافِ البئر المغطَّاةِ، فإنها ليست محلًّا للإقامة والتردُّد، وقال الإمام: هذا مُشْكِل، فإن الانخسافَ لا يحصلُ إلا بضعفِ السقف، فإنْ كنَّا نفرِّق في البئر بين أن يَعْلَمَ بها الطالبُ وبين أن لا يعلمَ، صحَّ مثلُه في السقف، وإن لم نفرِّق نُظِرَ إلى تعدِّي الطالب، فينبغي أن يَضْمَنَ إذا جَهِلَ ضعفَ المنخسِفِ.
стр. 2542
٣٢٨٣ - فرع:
إذا تهدَّد السلطانُ الحامِلَ حيثُ يجوزُ له ذلك فأَجْهَضَتْ بذلك، أو تهدَّد المَهِيبُ رجلًا فهلك بذلك، وجب الضمانُ، وقد يقع بهذه الأفعال شِبْهُ عمدٍ.
٣٢٨٤ - فرع:
إذا نقل حرًّا صغيرًا إلى مَسْبعةٍ، فاتَّفق أن افترسه سَبُعٌ، فإن كان بحيث يتأتَّى منه المشيُ والانتقالُ لم يَضْمَنْ، وإن لم يُمْكِنْ ذلك فوجهان.
٣٢٨٥ - فرع للعراقيين:
إذا تسلَّم السابحُ الصبيَّ ليعلِّمه السِّباحة، فغرق في تعليمه، ضَمِنَه؛ لثبوتِ يده عليه، وقال الإمام: إن ألقاه في الماء ضَمِنَ، وإن أمره بالدخول ففيه احتمالٌ، فإنَّ إثباتَ اليدِ على الأحرار بعيدٌ، وإن كان بالغًا لم يضمنه إذ لا يدَ له عليه، ويحتمل إلحاقُ المميِّز بالبالغ.
* * *
٣٢٨٦ - فصل في جناية العبد والأمة
إذا جنى الرقيقُ أو أتلفَ مالًا تعلَّق الضمانُ برقبته، وكذا بذمَّته على الأصحِّ، فيطالَبُ به أو بما بقي منه فاضلًا عن الرقبة بعد العتق واليسارِ، والسيدُ مخيَّرٌ بين أن يَفْدِيَه أو يسلِّمه ليُباع في الجناية، فإن اختار الفداءَ فَدَاهُ بالأقل من قيمته أو أرشِ الجناية على الأصحِّ، وعلى قولٍ: يفديه بالأرش بالغًا ما بَلَغَ، فإن قتله أجنبيٌّ، أو قتله المالكُ أو أعتقه، وقلنا: يَنْفُذُ عتقُه، وجبت قيمتُه، وأبعدَ مَن طرد القولين في قَتْلِ السيد وإعتاقه، وإذا وجبتِ
стр. 2543
القيمةُ على الأجنبيِّ تعلَّقَ بها حقُّ المجنيِّ عليه، ويخيَّرُ المالك بين أن يسلِّمها أو يؤدِّي الأرش من غيرها.
٣٢٨٧ - فرع:
إذا قال السيد: أنا أفديه، أو قال: اخترتُ فداءَه، فالتزمه، لم يَلْزَمْه على المذهب، وأَبعدَ مَن ألزمه ذلك، وذكر في وطئه الأمة الجانية وجهين، وعلى الأصحِّ: لو ضمن الأرشَ أجنبيٌّ، فإن لم نعلِّقه بذمة العبد لم يصحَّ الضمانُ، وإن علَّقناه بها صحَّ على الأصحِّ، وضمانُ السيد والتزامُه الفداءَ أولى بالصحة من الأجنبيِّ.
وضمانُ الدَّين الذي لا يتعلَّقُ بالرقبة أولى بالصِّحة من ضمان الأرش، ولا خلافَ في صحة ضمانِ ما يتعلَّقُ بكَسْبِهِ كمهر النكاح ونفقته.
٣٢٨٨ - فرع:
إذا تكررتْ جنايتُه، فإنْ تخلَّلها فداءٌ كانت كلُّ جنايةٍ كالجناية الأول يتخيَّر فيها بين التسليم والفداء، فإن اختار الفداءَ ففي قَدْرِه القولان، وإن لم يتخلَّل فداء كان جميعُ الأروش كالأرش الواحد، فيفديه بأقلِّ الأمرين على الجديد، وبجميع الأروش على القديم.
* * *
٣٢٨٩ - فصل في جناية أم الولد
إذا جنتْ أمُّ الولد وَجَبَ فداؤها اتِّفَاقًا، ويفديها بالأقلِّ، وأَبعدَ مَن طَرَدَ القولين، والاعتبارُ بقيمة يومِ الجناية أو يومِ الاستيلاد؟ فيه وجهان، فإن
стр. 2544
تكرَّرت جنايتُها، فإنْ لم يتخلَّلْ فداءٌ فهي كجنايةٍ واحدةٍ، وفي قَدْرِ الفداء الطريقان، وإن تخلَّل الفداءُ: فهل يلزمُ الفداءُ فيما سوى الجناية الأول؟ فيه قولان، فإن قلنا: لا يجب، فإن كان قد فداها بالقيمة، قُسمت بينهما على قَدْرِ الجنايتين، وأخذ الثاني ما يخصُّه من الأول، وإن نقصت الجنايةُ الأول عن القيمة أُخِذَتْ بقيتُها من المالك وقُسم الجميع بينهما على قَدْرِ الجنايتين، وشبَّهه الأصحابُ بمَن حفر بئرًا مضمنةً ثم مات عن ألف درهمٍ، فاقتسمها الورثةُ، فهلك بالبئر بهيمةٌ قيمتُها ألفُ درهمٍ، فإنَّا ننقض القسمةَ وندفعُ القيمةَ إلى مالك البهيمة، فإنْ هلك فيها بهيمةٌ أخرى، استردَّ صاحبُها من الأول ما يقتضيه المحاصَّةُ، وكلَّما هلك فيها شيءٌ استُرِدَّ من الأَولينَ ما تقتضيه المحاصَّةُ.
* * *
стр. 2545
٣٢٩٠ - باب التقاء الفارسين واصطدام السفينتين
إذا اصطدم راكبان أو ماشيان، فهلكا وهلكت الدابتان، فإن كانتا متقابلتين وتعمَّدا ذلك، فعلى كلِّ واحدٍ منهما نصفُ ديةِ الآخَرِ ونصفُ قيمة دابَّته؛ لاشتراكهما في الإتلاف، وعلى كلِّ واحدٍ كفَّارةٌ عن صاحبه، وفي تكفيره عن نفسه خلافٌ، ولا نظر إلى تفاوتُهما وتفاوُتِ الدابتين في القوة والضعف، إلَّا أن يُعلم أنه لا أثر لإحدى الصَّدمتين، ولا يشترطُ العلمُ بتأثير الصدمتين، بل يكفي الإمكانُ في ذلك اعتبارًا بتفاوت الجرحين، ثم تجري أقوال التقاصّ فيما يلزمُهما، فإنْ فَضَلَ لأحدهما شيءٌ رجع به.
وقال صاحب"التلخيص": إنْ سقطا مُنْكبِّينِ أُهدرت دياتُهما، وإن سقطا مستلقيين كمِّلَتِ الديتان، وإن استلقى أحدُهما وانكبَّ الآخَرُ أُهدر المستلقي وكمِّلت ديةُ المنكبِّ.
وغلَّطه جميعُ الأصحاب، فإنَّ سقوطَهما يدلُّ على إضافة الهلاك إليهما.
وإن لم يقصدا الصدمةَ كان ذلك شِبْهَ عمدٍ، فعلى عاقلةِ كلِّ واحدٍ منهما نصفُ ديةٍ مغلَّظةٍ.
وإن وقع ذلك خطأً، فإنْ كانا مُدْبِرين أو أَعْمَيين، أو وقع ذلك في ظلمةٍ تَمْنَعُ من الرؤية، فعلى عاقلةِ كلِّ واحدٍ نصفُ الدية مخفَّفًا.
стр. 2546
وإن حصل الاصطدامُ بغلبة الدابِّتين: فهل يُهْدَران، أو يكون خطأً مَحْضًا؟ فيه قولان.
٣٢٩١ - فرع:
إذا تجاذَبَ اثنانِ حَبْلًا، فانقطَعَ فسقطا فماتا، فإنْ كان الحَبَلُ لأحدهما والثاني ظالمٌ، أُهْدِرَ الظالمُ وعلى عاقلته نصفُ دية المظلوم، وإن كان الحَبْلُ لهما أو مغصوبًا فهو كاصطدام الراكبَيْنِ، وعلى قياسِ صاحب "التلخيص" تُهدر الديتان إن استلقيا ويكمَّلان إن انكبَّا.
٣٢٩٢ - فرع:
إذا اصطدم عبدان وقلنا بالتقاصِّ، سقطتِ القيمتان بالتقاصِّ، فإن فَضَلَ لأحدهما شيءٌ سقط لفواتِ محلِّه، وإن اصطدم حرٌّ وعبدٌّ وجب نصفُ قيمة العبدِ، وتعلَّق بها نصفُ ديةِ الحرِّ.
٣٢٩٣ - فرع:
إذا قُتِلَ العبدُ الجاني أو المرهونُ، فلم يطالِبِ المالكُ بقيمته، فالوجهُ إثباتُ المطلب للمرتهن وللمجنيِّ عليه.
٣٢٩٤ - فرع:
إذا اصطدم حرَّتان حاملان فأَجْهَضَتا وهلكتا، فعلى عاقلةِ كلِّ واحدةٍ منهما نصفُ ديةِ الأخرى ونصفُ الغُرَّتين؛ لاشتراكهما في قتل نفسَيْهما وقَتْلِ الجنينين، وعلى كلِ واحدة ثلاثُ كفَّاراتٍ، وفي الكفَّارة الرابعة وجهان.
ولو أَجهضتِ المرأةُ بجنايةِ نفسها أو بمعالجةٍ، وجبت الغُرَّةُ، ولم
стр. 2547
تَرِثْ منها شيئًا.
* * *
٣٢٩٥ - فصل في اصطدام المستولَدتين
إذا اصطدم مستولَدتان لرجلين، وقلنا بالتقاصِّ وإيجابِ أقلِّ الأمرين، فإن استوتِ القيمتان فلا شيءَ للمالِكَينِ، وإن تفاوتتا فعلى صاحب الخسيسةِ التفاوتُ لصاحب النفيسة، فإذا كانت قيمةُ الخسيسة مئةً وقيمةُ النفيسة مئتين، فلصاحب النفيسة نصفُ التفاوتِ وهو خمسون.
وإن كانتا حاملتين بحُرَّين، ولم يكن للحُرَّين وارثٌ سوى المالكين، فإنْ تساوتِ القيمةُ أُهدرت القيمتان والغُرَّتان، وإن كانت إحداهما مئةً والأخرى مئتين، وقيمةُ كلِّ غُرَّةٍ أربعون، فلصاحب النفيسة ثلاثون؛ لأنَّ نصفَ قيمتها مئةٌ ونصفَ الغرَّة عشرون، ونصفَ قيمة الخسيسة خمسون ونصفَ الغرَّة عشرون، فيقع التقاصُّ بينهما فيبقى ثلاثون؛ لأنَّ الفداء بالأقلِّ يقتضي ذلك، فيتقاصَّان في سبعين بسبعين، فيبقى ثلاثون.
وإن كان لكلِّ واحدٍ من الجنينين أمُّ أمٍّ، فلكلِّ واحدة منهما سدسُ الغرة.
* * *
٣٢٩٦ - فصل في اصطدام الصبيين
إذا ركب صبيَّان واصطدما فماتا، فإن ركبا بأنفسهما فعلى كلِّ واحدٍ نصفُ قيمة دابَّةِ الآخر، وعلى عاقلةِ كلِّ واحدٍ منهما نصفُ ديةٍ مخفَّفةٍ إن كانت الصدمةُ خطأً، وإن اصطدما مُقْبِلَيْنِ وقلنا: لا عَمْدَ لهما، فعلى العاقلة
стр. 2548
نصفُ الدية مخفَّفًا، وإن قلنا بالعمد فعلى العاقلة نصفُ الدِّيَةِ مغلَّظةً؛ لأن اصطدامهما مُقْبِلَيْن شِبْهُ عمدٍ.
وإن أركبهما أجنبيٌّ لزمه قيمتان، وعلى عاقلته ديتان، فإنَّ الأجنبيَّ إذا أركب الصبيَّ ضَمِنَ ما تُتلفُه الدابةُ بالوَطْءِ أو الرَّفْسِ أو غيرِهما.
وإن أركبهما أجنبيَّان فعليهما قيمتان، وعلى عاقلتهما ديتان.
وإن أركبهما الوليان، فإنْ لم تكنْ مصلحةٌ فهما كالأجنبيين، وإن كانت مصلحة فالأصحُّ إهدارُ القيمة والديتين، وقال الإمام: إن كانت الدابةُ شرسةً جموحًا وجب الضمانُ، وإن لم تكن كذلك وغَلَبَ على الظنِّ السلامةُ، فإنْ [كان] (١) الركوب لزينةٍ أو حاجه قريبةٍ ففيه الخلافُ، وإن كان لحاجةِ نُقْلةٍ لا بدَّ منها فلا ضمانَ، كما لو فَصَدَه برأي الأطباء فهلك، فإنَّه لا يَضْمَنُ.
* * *
٣٢٩٧ - فصل فيمن هلك برمي المنجنيق
إذا قصد معيَّنًا برمي المنجنيق فهلك وجب القودُ، وإن رمى جماعةً لا يُمْكِنُ قَصْدُ أحدهم، وهو يعلمُ أنه يصيبُ واحدًا غيرَ معيَّنٍ، لم يجبِ القودُ؛ كما لو أكره إنسانًا على قتل رجلٍ من رجالٍ، فإنَّ العمد لا يتحقَّق إلا بقصدٍ في معيَّنٍ، ولو علم أنه لو قصد الجميعَ لأتى عليهم واحدًا بعد واحدٍ، وقال المُكْرِه: اقتل هؤلاء وإنْ أبقيتَ منهم أحدًا قتلتُكَ، وجب القودُ عند الإمام.
стр. 2549
وإن رمى عشرةٌ بالمنجنيق، فرجع الحجرُ عليهم فقتل أحدَهم، سقط عُشْرُ ديته ووجبت بقيتُها على عاقلة أصحابه، وإن قَتَلَ الجميعَ سقط العُشْرُ من ديةِ كلِّ واحدٍ منهم، ووجبت البقيةُ على عواقل الباقين.
* * *
٣٢٩٨ - فصل في اصطدام السفن
إذا اصطدم سفينتان في كلِّ واحدةٍ منهما عشرةُ أنفسٍ مثلًا، فهلكتا بما فيهما من الأنفُسِ والمتاع، فإنْ كان بفِعْلِ الملَّاحَيْنِ، فإن كانا مالكَيْنِ للسفينتين متبرِّعَيْنِ بالحمل، فإنْ عَمَدَا عَمْدًا يغلبُ من مثله التكسُّرُ والغرقُ فهما شريكان في قتل العشرين، فإن هلكوا معًا أُقرع بين أوليائهم، فمَن خرجت قرعتُه قتلَ الملاحَيْنِ، ويجبُ في تركة كلِّ واحدٍ منهما تسعَ عَشْرةَ ديةً ونصفٌ لأولياء الباقين، وعلى كلِّ واحدٍ عشرون كفَّارةً وقيمةُ نصف السفينتين بما فيهما من المتاع.
وإن تَعمَّدَا صَدْمًا لا يَغْلِبُ من مِثْلهِ الهلاكُ فهذا شِبْهُ عمدٍ، فعلى عاقلتيهما عشرون ديةً، وعلى كلِّ واحدٍ منهما عشرون كفَّارةً مع قيمةِ نصفِ سفينةِ الآخَرِ بما فيها من المتاع، وكذلك إن كان الصَّدْمُ خطأً، إلا أنَّ الديةَ مخفَّفةٌ على العاقلتين.
وإن كانا غيرَ مالكَيْنِ، وهما متبرِّعان أو أجيران، فحُكْمُهما حكمُ المالكَيْنِ إلا أنَّا لا نهدر شيئًا من قيمة السفينتين وما فيهما من المتاع، فإنَّ فِعْلَ المالك مُهْدَرٌ في مِلْكِه بخلافِ الأجير والأمين، فإنه يَضْمَنُ في الخطأ والعمد.
стр. 2550
هذا إنْ وقع الصَّدْمُ بفِعْلِ الملاحَيْنِ، فإنْ وقع بغلبةِ الريحِ وعجزا عن دَفْعِه، فإن كانا مالكَيْنِ أو متبرِّعين ففي الإهدار قولان، وهذا أولى بالإهدارِ من غلبةِ الدابَّةِ في الاصطدام؛ لغلبة الرياح في البحار، فإن قلنا: لا يُهْدَرُ، فهو خطأٌ محضٌ، هذا إذا غلبت الريحُ والقلوعُ مشرعة في المرسى، فأمَّا إذا أجريا السفينتين فغلبتْهما الريحُ، ففيه القولان على الأصحِّ، وأَبعَد مَن قَطَعَ بإيجاب الضمان.
وقال الإمام: إنْ تَجَارَيَا بحيث يُفرض وقوعُ التصادُمِ عند اغتلامِ البحرِ وهَيْجِ الريح وجب الضمانُ، وإنْ تقارَبَا قُربًا يَغْلِبُ من مثله العجزُ عن دفع الاصطدام فلا يَجوزُ أن يُختلف في الضمان، فإنَّ إفراط القُرب سببٌ في الاصطدام.
وإن كانا أجيرينِ مشترِكينِ فإنْ ضَمَّنَّا المالكين وجب الضمانُ على الأجيرين، وإن لم نُضمِّنِ المالكين، فلا ضمانَ على الأجيرين إنْ جعلناهما أمينين، وإنْ جعلناهما ضامنينِ فلا ضمانَ في النفوس، ويضمنان المتاعَ، إلا أن يكون أربابُه من جُملة الركبان فلا يلزمُهما الضمانُ، وكذلك يضمنان الرقيقَ إن لم تَستحفِظْهم السادةُ في المتاع، وإن استَحْفَظوهم فيه، فلا ضمانَ [فيهم] (١) ولا في المتاع؛ لأنَّ أيديَهُم أيدي السادةِ، ومَن كانت يدُه على شيءٍ لم يكن في يدِ غيره.
٣٢٩٩ - فرع:
إذا قلنا بالإهدار، فاختلف الركبانُ والملَّاح في غَلَبةِ الرياح، فالقولُ
стр. 2551
قولُ الملَّاح إن كان أمينًا أو مالكًا، وإن كان أجيرًا: فإن جعلناه أمينًا فالقولُ قولُه، وإن جعلناه ضامنًا فلا معنى لهذا الاختلافِ فيما يضمنُه باليد.
* * *
٣٣٠٠ - فصل في إلقاء المتاع في البحر لخوف الغرق
إذا خِيْفَ الغرقُ لاغتلام البحر وثقل المتاع، فألقى إنسانٌ متاعه دفعًا للغرق، فإن كان في تلك السفينةِ لم يَرْجِعْ على أحدٍ اتِّفَاقًا، وكذلك إن كان في سفينةٍ أخرى، على ما دلَّ عليه كلامُ الأصحاب، ولو أَوْجَرَ طعامه لمختارٍ لم يَرْجِعِ اتِّفاقًا، فإنْ أَوْجَره لمضطرٍّ فوجهان.
ولو قال رجل في سفينةٍ أخرى لصاحب المتاع: أَلقِ متاعَكَ في البحر وعليَّ ضمانُه، فإن لم يكن خوفٌ لم يضمن، كما لو قال: خرِّق ثوبَكَ، أو: اقْتُلْ عبدَكَ، وعليَّ الضمانُ، فإنْ خيفَ الغرقُ، فإن لم يكن مالكُ المتاع في السفينة صحَّ الضمانُ اتِّفَاقًا، وإن كان فيها وحده لم يصحَّ، وإن كان معه غيرُه لَزِمَه جميعُ الضمان عند الشافعيِّ وأصحابه، وقال القاضي: يوزَّعُ على رؤوسهم، فيلزمُهُ حصَّتُه ولا شيءَ على بقية الركبان.
ولو كان الضامنُ والمالكُ في السفينة: فهل يَلزمُه الجميعُ، أو ما يخصُّه؛ فيه الخلافُ، فإن أوجبنا الجميعَ فله أحوالٌ (١):
إحداهما: أن يصرِّح بضمان الجميع، فيلزمُه.
الثانية: أن يصرِّح بما يقتضي التوزيعَ، مثل أن يقول: أنا والركبانُ
стр. 2552
ضامنون، فيلزمُه ما يخصُّه، إلا أن يقول: أردتُ ضمانَ الجميع، فيلزمُه الجميعُ، فإن تنازعوا في الإرادة فالقولُ قولُه مع يمينه.
فإن قال: أنا ضامنٌ وركبان السفينة، أو: أنا ضامنٌ والركبانُ ضامنون، لزمه الجميعُ عند الشافعيِّ، وقال المُزَنيُّ: يلزمُه ما يخصُّه، فخرَّجه بعضُهم قولَا، وقَطَعَ بعضُهم بما قال المزنيُّ، وحَمَلَ النصَّ على أصل الضمان، وإن قال: أردتُ بهذا القولِ التقسيط لم يُقْبَلْ إلا على قولِ المزنيِّ.
وإذا أضاف الضمانَ إلى الركبان، ثم قال: أردتُ أنهم أقرُّوا بالضمان، فإن صدَّقوه لَزِمَهم ذلك، وإن أنكروا حلفوا، وإن قال: أردتُ إنشاءَ الضمان عنهم، فإنْ رضوا بذلك لزمهم عند الأصحاب، وخرَّجه القاضي على قولي وقفِ العقود؛ لأن الرضا إجازةٌ وليس بإنشاءٍ، وكذلك لو قال لإنسان: طلَّقْتُ امرأتَكَ وأعتقتُ (١) زوجتَك، فقال ة رضيتُ، لم يقع الطلاقُ والعتقُ مع قوَّتهما.
٣٣٠١ - فرع:
إذا صحَّ الضمانُ لم يَزُلِ المِلْكُ عن المتاع بإلقائه، فإنْ ظفرَ به مالكُه أخذه وردَّ ما أخذه من الضمان، وهل يتعيَّن حقَّ الضامن فيه، أم يجوزُ إبدالُه؛ فيه وجهان، وحيث صحَّحْنا الضمانَ وطلبَ الإلقاءَ ولم يعرض للضمان، ففي وجوبه وجهان.
стр. 2553
٣٣٠٢ - فرع:
إذا خرق سفينةً فأغرقها بما فيها، وَجَبَ ضمانُها بما فيها من النفوس والأموال، وعليه كفاراتُ النفوسِ، وإن تعمَّد وَجَبَ القودُ، وإن خرقها خرقًا لا يَغْلِبُ مِن مِثْلِه الغرقُ فهو شِبْهُ عمدٍ، كان قَصَدَ الإصلاحَ فمال القَدُومُ فخرقها، فهو خطأٌ محضٌ.
٣٣٠٣ - فرع:
إذا وضع عِدْلًا في سفينةٍ، فأغرقها بما فيها: فهل يضمنُها بما فيها، أو يضمنُ النصفَ، أو ما يقتضيه التوزيعُ بالوزن؟ فيه ثلاثةُ أوجُهٍ.
* * *
стр. 2554
٣٣٠٤ - باب بيان العاقلة الذين يغرمون
ديةُ الخطأ وشبهِ العمدِ على العاقلة إجماعًا، والعاقلةُ: عصبةُ النسبِ والولاءِ وبيتِ المال، ولا أثر للتحالُفِ في عقلٍ ولا إرثٍ، فإن كان الجاني غريبًا لا يُعرف له عاقلةٌ، بحث الحاكمُ عنها، فإن لم يجدها ضرب العَقْلَ على بيت المال، ولا يُضرب على جنسه ولا على أهل بلده، كان انتسَبَ إلى طائفةٍ فصدَّقوه: فإن ثبت النسبُ لزمهم العقلُ، وإن لم يثبت فوجهان.
* * *
٣٣٠٥ - فصل في معرفة العاقلة
العاقلة: كلُّ ذَكَرٍ حرٍّ بالغٍ عاقلٍ عصبةٍ للقاتل بنسبٍ أو ولاء، وفي العتيق قولان، ولا يَعْقِلُ مسلمٌ عن كافرٍ ولا كافرٌ عن مسلمٍ، ويَعْقِلُ الذِّمِّيُّ عن الذِّميِّ إن اتَّحدت ملَّتُهما، وإن اختلفت فقولان.
ولا يَعْقِلُ صبيٌّ، ولا مجنونٌ، ولا امرأةٌ، ولا فقيرٌ كسوبٌ، وفي الزَّمِن الموسِرِ المأيوسِ من برئه وجهان.
ويجب على الغنيِّ نصفُ دينارٍ، وعلى المتوسِّطِ ربعُ دينارٍ، وذلك حصةُ سنةٍ، أو حصةٌ للسنين الثلاث؟ فيه وجهان.
* * *
стр. 2555
٣٣٠٦ - فصل في كيفية الضرب على العاقلة
ديةُ الخطأ وعَمْدِ الخطأ مؤجَّلةٌ بثلاث سنين، في كلِّ سنةٍ ثلثُها، إذا كان القتيلُ حرًّا مسلمًا، سواء وجبت على الجاني، أو على العاقلة، أو بيت المال، ولا تُضْرَبُ على أصول الجاني وفروعِهِ اتِّفاقًا، وكذلك لا تُضْرَبُ عليه مهما أَمْكَنَ الضربُ على العاقلة، فإذا تمَّ الحولُ نُظِرَ إلى درجاتِ العصباتِ وترتَّبوا تَرَتُّبَهم في الإرث، إلا في الأصول والفروع، فإذا كان في بعض الدرجاتِ مَن يُدْلي بالأبوين ومَن يُدْلي بالأب، ففي تقديم المُدْلي بالأبوين قولان، فنبدأ بالدرجة الأول فنضربُ على غنيِّهم نصفَ دينارٍ وعلى متوسّطهم ربعًا، فإن بقي شيءٌ من النَّجْم ضُرِبَ على الدرجة الثانية كذلك، فإن بقي شيءُ ضُرِبَ على الثالثة، ثم على الرابعة، فإن بقي شيءٌ فعلى المُعْتَقِ، فإن لم يكن فَعَلَى عَصَباته، فإن لم يكُنْ له فعَلَى مُعْتَقِهِ، فإن لم يكن فَعَلَى عَصَباته، على ما تقدم في الإرث، فإن لم يكن فَعَلَى بيتِ المال.
ومهما قام أهلُ درجةٍ بالنجم لم نَعْدِلْ إلى مَن دونهم، وإذا انتهى الأمرُ إلى عصباتِ المُعْتَقِ فلا عَقْلَ على أصوله وفروعه عند المعظَم، وفيه وجهٌ.
وابتداءُ الأجلِ من حينِ القتلِ، ولا يقف شيء من الآجال على ضرب الحاكم إلَّا أجلُ العنَّة، وإن قطع يدَ إنسانٍ أو يديه، فابتداءُ الأَجَلِ من حين القطع اتِّفاقًا، فإنْ حالَ الحولُ قبل الاندمالِ، ففي مطالبةِ العاقلةِ خلافٌ كالخلافِ في مطالبةِ العامِدِ قبل الاندمال، ولو قطع أصبعًا فتآكَلَ بذلك الكفُّ، فالأجلُ من حينِ القطعِ، وأَبْعَدَ مَن جَعَلَه من حينَ سَقَطَ الكفُّ.
стр. 2556
٣٣٠٧ - فرع:
الغنيُّ: مَن يملكُ عشرين دينارًا أو ما يساوي قيمتَها، بعد ما يحتاج إليه من المسكن والخادم وغيرِهما ممَّا يُعتبر في الكفَّارات، والمتوسِّطُ: مَن يملكُ دون العشرين فاضلًا عمَّا يُعتبر في الكفَّارة، بشرطِ أنْ لا يردَّه ربعُ دينارٍ إلى رتبة الحاجة، ومتى بقي شيءٌ من النَّجم فأوجبناه على الجاني أو بيتِ المال، أُخِذَ منه تمامُ النَّجم وإن زاد على النصفِ والربعِ.
٣٣٠٨ - فرع:
الاعتبارُ في صفة المتحمِّل بآخِرِ الحولِ دون ما قبله وما بعده، فإن ماتَ قبلَ الحول، أو كان مُوْسِرًا فأَعْسَرَ عند الحولِ، فلا شيءَ عليه لذلك الحولِ وإنْ أَيسرَ بعد ذلك، وإن كان موسرًا عند الحولِ فأَعْسَرَ بعد ذلك، لم يسقُطْ ما لَزِمَه، بل يؤخذ منه إذا أيسرَ، وإنْ مات أُخِذَ من تركته، ولا يؤخذ من بيتِ المالِ، ولا تقوَّمُ إبلُ الدية إلا في آخر الحول، فإذا قوِّمتْ ضُربتِ القيمةُ على العاقلة.
٣٣٠٩ - فرع:
لا يضربُ العقلُ على عَصَباتِ المُعْتِقِ إلَّا بعد موته، فيُضْرَبُ على كلِّ واحدٍ منهم ما كان يُضْرَبُ على المعتِقِ إذا اتَّفقا في التوسُّط أو اليسار، فإنْ أعتقه اثنان لزمهما ما يَلْزَمُ المُعْتِقَ الواحدَ، فيلزمُهما نصفٌ أو ربعٌ، فإن اختلفا في التوسُّطِ واليسار، وجب على الموسِرِ ربعُ دينارٍ، وعلى المتوسّط ثُمنٌ، فإن مات المُعْتِقان أو أحدُهما، وجب على كلِّ واحدٍ من عصباتهما مثلُ ما كان يلزمُ المعتِقَ، فإنْ أعتقه ستةُ أنفسٍ فَعَلَى كلِّ واحدٍ من عصبةِ كلِّ
стр. 2557
واحدٍ منهم نصفُ سدسُ دينارٍ، وإن اختلفتِ الدرجةُ في عصبات المعتِقِ: فهل تختصُّ الدرجةُ القُرْبَى بالتحمُّل، أو توزَّعُ على القريبِ والبعيدِ؟ فيه تردُّدٌ، والأصحُّ الضربُ على الجميع.
٣٣١٠ - فرع:
إذا كان ابن الجاني مُعْتَقًا أو ابن عمه، لزم العقلُ على أقيس الوجهين.
* * *
٣٣١١ - فصل في ضرب العقل على الجاني
إذا ضُرِبَ على العاقلة ما يخصُّها، فبقي من النَّجم شيءٌ ضُرِبَ على بيت المال من سهم المَصَالح، فإن لم يكن في بيت المال شيءٌ، ففي الضربِ على الجاني قولان مبنيَّان على القولين في أنَّ الوجوبَ: هل يُلاقيه أم لا؟ فإن قلنا: لا يُضْربُ عليه، وبذلك قطع القاضي، فَأَيْسَرَ بيتُ المال بعد ذلك، فوجهان:
أحدهما: لا يُضْرَبُ على بيت المال؛ اعتبارًا بيسارِ العاقلة بعد الإعسارِ.
والثاني: يُضْرَبُ عليه، فإنه مُرْصدٌ للمصالح من غيرِ تقيُّدٍ بزمانِ، بخلافِ العاقلةِ فإنَّ الضربَ عليهم مقيَّدٌ بالحول، فإذا أَعْسَرَتْ بعد الحولِ فلا عبرةَ باليسار بعده.
ولا وجه لِمَا قطع به القاضي؛ لأنه مخالفٌ لجميع الأصحاب.
ويمكنُ تخريجُ الخلافِ في تغريم القاتل على الخلافِ في يسار بيت المال، فإنْ قلنا: يؤخَذُ منه إذا أيسر، فلا غرمَ على الجاني، وإن قلنا: لا يُؤْخَذُ منه شيءٌ، وجب تغريمُ الجاني كيلا تُهدر الدماءُ.
стр. 2558
ولو أقرَّ بجنايةِ الخطأ، فإن صدَّقَتْه العاقلةُ لزمها الديةُ، وإن أَكْذَبته فلا تُضْرَبُ عليها ولا على بيتِ المال، بل تُضْرَبُ عليه إجماعًا من الأصحاب، وقال الإمام: ينبغي أن يخرَّجَ على الخلاف في ملاقاة الوجوب، فان قلنا: لا يلاقيه، لم يضرب عليه؛ لأنه أقرَّ على غيره، فإن غرم الديةَ ثم صدَّقته العاقلةُ، لزمها الغرمُ، وهل يَرجِعُ بما غَرِمَ على العاقلة، أو على وليِّ الدم؟ فيه وجهان، فإن قلنا: يرجعُ على الوليِّ، رجع الوليُّ على العاقلة.
* * *
٣٣١٢ - فصل في أجل الديات الناقصة
إذا كان القتيلُ حرًّا مسلمًا فديةُ نفسه مؤجَّلةٌ بثلاثِ سنينَ بإجماع المسلمين، وهل ذلك التأجيلُ لمقدارها، أو لكونها ديةَ نفسٍ؟ فيه وجهان.
وغرة الجنين على العاقلة اتِّفاقًا، وهل تتأجَّلُ بثلاثِ سنينَ؛ فيه وجهان يجريان في الديات الناقصة؛ كديةِ المجوسيِّ والمرأةِ المسلمة، فإن قلنا: لا تتأجَّلُ بالثلاث، فأجلُ ديةِ المجوسيِّ سنةٌ، وأجلُ ديةِ المرأة المسلمة في سنتين: في الأول ثلثُ ديةٍ كاملةٍ، والباقي في السنة الثانية.
٣٣١٣ - فرع:
إذا اشترك جماعةٌ في القتل ضُربت حصةُ كلِّ واحدٍ في ثلاث سنين على المذهب، وقيل: إن كانت حصةُ كلِّ واحدٍ ثُلُثَ الديةِ فما دون، ضُربت في سنةٍ واحدةٍ، فإن قتل واحدٌ ثلاثةً، فإن نظرنا إلى القَدْرِ تأجَّلَتْ بتسعِ سنين، وإن نظرنا إلى النفس فالأصحُّ التأجيلُ بثلاثِ سنينَ، وأَبعدَ مَن أجَّلها بالتسع.
стр. 2559
وقال الإمام: إن اعتبرنا النفسَ تأجَّلَتْ بثلاثٍ، وإن اعتبرنا القَدْرَ فوجهان؛ لامتيازِ كلِّ نفسٍ عن الأخرى، بخلافِ قطع اليدين والرجلين من شخصٍ واحدٍ فإن اختلف تاريخ قتل الثلاثة وجب في كل قتل ما يخصه عند تمام حوله ثم يفعل كذلك إلى تمام التسع أو الثلاث.
وإنْ قَتَلَ امرأتين: فإن اعتبرنا القَدْرَ فالدِّيتان في ثلاثٍ، وإن اعتبرنا النفسَ: فثلاثٌ أو ستٌّ؟ فيه وجهان، وعلى رأي الإمام: إن اعتبرنا النفسَ فثلاثٌ، وإن اعتبرنا القَدْرَ: فثلاثٌ أو سنتان؟ فيه وجهان.
* * *
٣٣١٤ - فصل في عقل الرقيق
إذا كان القتيلُ عبدًا، ففي قيمته قولان:
أحدهما: تجبُ حالَّةً على القاتل.
والثاني وهو أقيسُ: تجب مؤجَّلةً على العواقل، فإن بلغت ديةً كاملةً تأجَّلتْ بثلاثٍ، وإن زادت على الدية بقَدْرٍ يسيرٍ تأجَّلَ ذلك القَدْرُ بالسنة الرابعة اتِّفاقًا، فإن الأرشَ اليسيرَ لا ينقصُ أجلُه عن سنةٍ اتِّفاقًا، وإن بلغت ديتين، فالأجلُ ستٌّ إن نظرنا إلى القَدْرِ، وإن نظرنا إلى النفس فثلاثٌ.
* * *
٣٣١٥ - فصل في عقل الأرش
المذهبُ: أن أروش الأطراف على العاقلة، وفيها قولان آخران بعيدان:
أحدهما: لا يلزمُ العاقلةَ بحالٍ.
стр. 2560
والثاني: لا يلزمُها إلا قَدْرُ ثلثِ الدية الكاملة فما زاد.
وعلى كلا القولين تجبُ على الجاني، وما أظنُّ أحدًا يجعلُها حالَّةَ كقِيَمِ المتلَفات.
فإنْ قَطَعَ يَدَيْ مسلمٍ فالأجَلُ ثلاثٌ اتِّفاقًا، لأنَّها تشبهُ ديةَ النفسِ جنسًا وقَدْرًا ووصفًا، وأَبعدَ مَن قال: إنْ نظرنا إلى النفس ضُربت في سنةٍ.
ولو قطع إحدى اليدين، فإن اعتبرنا القَدْرَ، وجبت في السنة الأول ثُلُثُ الدية، وفي الثانية سُدُسها، وعلى الوجه الآخَرِ: تجب في ثلاثِ سنينَ، وإذا قلنا بالأصحِّ، فديةُ يدي المرأة في ثلاثٍ اعتبارًا بدية نفسِها، وديةُ إحدى يديها في سنةٍ اتِّفَاقًا، فإن الأرش إذا نقصَ عن دية المجنيِّ عليه نُظر إلى القَدْرِ اتِّفَاقًا.
وإنْ قطع يَدَيْ حرٍّ مسلمٍ ورجليه، فإن نظرنا إلى القَدْرِ فالأَجَلُ ستُّ سنينَ، وإن نظرنا إلى النفس: فستٌّ أو ثلاثٌ؟ فيه وجهان، وأبعدَ مَن قال: تتأجَّلُ الأروشُ سنةً واحدةً وإن بلغت دياتٍ، فيَحْصُلُ ثلاثةُ أوجهٍ.
٣٣١٦ - فرع:
إذا جنى الرجلُ على نفسه أو طرفه خطأً، لم تَحْمِلْه العاقلةُ، وفي الطرف قوله بعيدٌ: أنَّها تحمِلُ أرشَه ويجبُ طَرْدُه في دية النفس، ولا سيما إن جُعلت للورثة ابتداءً.
* * *