وإنْ وَضَعَ البللَ على رأسه أجزأه على الأصحِّ. وقيل: لا يُجْزِئُه ما لم يُمرَّ يده؛ لأنَّه لا يسمى مسحًا ولا غَسلًا.
* * *
٣٢ - فصل في محلِّ المسح
محلُّ المسح بشرة الرأس، أو الشعرُ النابت عليها، ما لم يخرج بالمدِّ عن حدِّ الرأس؛ فله أن يمسحَ مِن شعره ما لا يجاوز حدَّ الرأس؛ فإن تجعَّد بحيثُ يخرج بعضُه بالمدِّ عن حدِّ الرأس، فله المسحُ على ما لا يخرجه المدُّ منه دون ما يخرجه.
٣٣ - فرع:
إذا حلق رأسَه بعد المسح، فلا يلزمه إعادةُ المسح. ونزَّله ابن خيران منزلةَ نزع الخُفِّ (١).
ولو قلَّم أظفارَه لم يلزمه إعادةُ الغسل فيما أظهره القَلْم.
стр. 282
٣٤ - كيفية مسح الرأس:
يستحبُّ مسحُ الرأس ثلاثًا بمياه جديدة، فيلصق أطرافَ أصابع إحدى يديه بأطراف الأخرى، ويمرُّهما من مقدَّم رأسه إلى قفاه، ثم يردُّهما إلى حيث بدأ، ثم يفعل ذلك ثانية وثالثة.
قال أبو بكر: إنَّما يردِّد يده من ينقلب الشعرُ على رأسه بالترديد؛ فأمَّا المحلوق وذو الذوائب: فلا.
* * *
٣٥ - فصل في مسح الأذنين
مسحُ ظاهر الأذنين وباطنها ثلاثًا بماء جديد مستحبٌّ؛ فَيُدخِل مسبِّحَتَيْهِ في صِماخَيْه، ويديرهما على المعاطف، ويمرُّ إبهاميه على ظهورهما.
ولم يذكر الصيدلانيُّ مسحَ العنق، وذكر أبو محمد وجهين في كونه سنة أو أدبًا؛ لرواية عن رسول الله ﷺ : أنه قال: "مسح العُنق أمان من الغل" (١)؛
стр. 283
وإسنادُه غير مرضِيٍّ، ولا حاصلَ لما ذكره.
* * *
٣٦ - فصل في غسل الرجلين
غسل الرجلين مع الكعبين رُكنٌ في الوضوء.
والكعبان: العظمان البارزان من الجانبين.
ويُستحبُّ تخليل أصابعهما وإن تيقن وصولَ الماء إليها، فيبدأ بخنصر اليمنى، ويختم بخنصر اليسرى، ويوقع التخليل بخنصر إحدى يديه من أسفل أصابع رجليه.
* * *
٣٧ - فصل في ترتيب الوضوء
ترتيبُ الوضوء ركنٌ فيه؛ فإن نَسِيَه لم يجزه إلا على قولِ قديم.
٣٨ - فرع:
إذا أحدث وأجنب تداخل الحَدَثان على المذهب؛ فيسقط الترتيبُ على الأصحِّ.
فإن انغمس في ماء ناويًا للوضوء فوجهان:
стр. 284
أحدُهما: لا يجزئه؛ لسقوط هيئة (١) الترتيب.
والثاني: يجزئه لأنَّه صيَّر وضوءه غسلًا، أو لأنَّ وضوءه يترتَّب في لحظات لطيفة، فإن نكس (٢) غسله؛ فإن قلنا: لا يُجزئ المنغمس فهذا أولى، وإن قلنا: يُجزئه؛ فهاهنا وجهان؛ بناءً على العِلَّتَيْن.
٣٩ - فرع:
لو غُمِس في الماء كَرْهًا، فنوى رفعَ الجنابة، ولم يصدر منه فعل تتعلَّق به النية؛ فقد أشعر كلامُ المعظم بصحة غسله؛ لأنَّه إذا نوى رفع الحدث بما هو كاره له، فهو مريد له من وجه، وكاره له من وجه.
وقال أبو علي: لا يصحُّ غسله؛ لأنَّ النية لا تتحقَّق ما لم تُعلَّق بأمر، بخلاف ما لو برز للمطر، أو أُلقي في غَمْرةٍ، فنوى؛ فإن بُروزَه للمطر وإيثارَه المُقامَ هو فعلُه المنوي.
٤٠ - فرع:
إذا اغتسل الجُنب المحدِث، فأحدث قبل غسل رجلَيْه: فإن لم يوجب الترتيب لزمه الوضوءُ مرتَّبًا إلا في رجليه؛ لبقاء حكم الجنابة فيهما؛ وفيه وجهٌ: أنه يلزمه الترتيبُ فيهما؛ لأنَّ الوضوءَ هاهنا أكملُ من بقية الغسل،
стр. 285
فتندرج بقيَّة الغسل تحت الوضوء؛ وهذا لا يصحُّ؛ لأنَّ الجنابة أغلظُ حكمًا.
فلو نسي في مسألتنا حكم الجنابة في رجليه، ونوى رفع الحدث، فالأظهر ارتفاعُ جنابته، وقيل: لا ترتفعُ؛ لأنَّ الأعلى لا يرتفع بنيَّة الأدنى.
٤١ - فرع:
إذا انغمر الجُنب في ماءٍ ناويًا رفع الحدث الأصغر، فلا ترتفع الجنابة عمَّا عدا أعضاءَ وضوئه، وفي أعضاء وضوئه وجهان؛ أحدهما: لا ترتفع؛ إذ الأعلى لا يرتفع بالأدنى؛ والأصحُّ: أنَّها ترتفع عن وجهه وبدنه ورجليه؛ وفي رأسه وجهان: من حيث إن نيَّته لم تتناول غسلَ الرأس.
٤٢ - فرع:
إذا شكَّ في الخارج أمَنِيٌّ هو أم مَذِيٌّ؟ فالوجه أن يغتسلَ أو يتوضأ مرتِّبًا، ويغسلَ ما أصابه الخارج، فإن ترك ترتيبَ وضوئه، أو رتبه ولم يغسل ما أصابه، لم يجزه ذلك على الأصحِّ.
* * *
٤٣ - فصل في تفريق الوضوء والغسل
ولا يبطل الوضوء ولا الغسل بيسير التفريق، وكذلك بكثيرِه على الجديد.
فإن كان معذورًا بخوفٍ أو نفادِ ماءٍ لم يضرَّ؛ وقيل: فيه القولان.
وفي إلحاق النِّسيان بالعذر تردد. والكثير: أن يجفَّ الماءُ مع اعتدال الحال والهواء؛ فإن أبطلناه استأنف، وإن قلنا: لا يبطل، بنى، وفي وجوب تجديد النية وجهان إذا لم ينوِ تبرُّدًا أو غرضًا يخالفُ الطهارةَ.
стр. 286
٤٤ - فرع:
إذا أفرد كلَّ عضو بِنيَّة، فوجهان؛ بناءً على جواز التفريق. وقال الإمام: إنْ منعنا التفريقَ لم يجزِ الإفرادُ، وإن جوَّزناه، فوجهان.
٤٥ - [فرع في] تنشيفِ الأعضاء:
قال العراقيُّون لم يَصِرْ أحدٌ إلى استحباب التنشيف؛ فإن نشَّف لم يكره؛ والظاهر أنَّ تركه أولى وسوَّى بعضُهم بين فعله وتركه.
٤٦ - فرع:
فرائض الوضوء ستة في الجديد، وسبعة في القديم: النية، وغسل الوجه، وغسل اليدين، ومسحُ ما قَلَّ من الرأس، [وغسل الرجلين] (١)، والترتيب، والموالاة على قولٍ (٢).
٤٧ - وسننه: أربعة عشر على قول، وخمسة عشر على آخر: التسمية، وغسل الكفين، والسواك، والمضمضة، والاستنشاق، وتعميم الرأس بالمسح، ومسح الأذنين، ومسح الرقبة (٣)، وتخليل أصابع الرِّجلين،
стр. 287
والموالاة على قول.
* * *
٤٨ - فصل في مسِّ المصحف وحَمله
يحرم على كلِّ محدِث مسُّ المصحف: أسطره، وحواشيه، ودَفَّتَيْه، وفي صندوقه المصنوع له، وغلافه وهو فيهما، وجهان.
وإن قلَّب أوراقَه بقضيب، لم يجز على الأظهر، وان قلَّبه بيده وهي في كُمِّه لم يجز، ومن ذكر فيه خلافًا (١) فهو غالط.
وكذلك يحرم حملُه وحمل ورقة منه مغلَّفًا وغير مغلَّف، بِعِلاقة وبغيرِ عِلاقة، وإن حمله مع أمتعة في صندوق وهو عالم به؛ فوجهان.
وهل يلزم الأولياءَ مراعاةُ الطهارة في حق الصبيان لمسِّ الألواح والمصاحف؟ فيه وجهان.
وإن حمل أو مسَّ درهمًا، أو ثوبًا منقوشًا بآية، أو كتابًا فيه آيٌ كتبت للاحتجاج، أو التيمُّن دون الدراسة، فلا يحرم.
وإن حمل أو مسَّ لوحًا عليه آية أو بعض آية؛ كُتبت للدراسة لم يجز.
* * *
стр. 288
٤٩ - فصل في قراءة المحدِث القرآن
لا يُكره للمحدِث قراءةُ القرآن؛ والأوْلى أن يكون متطهِّرًا.
ويحرمُ على الجنب والحائض قراءته، أو قراءة شيء منه، ولو بعضَ آية.
وإنْ بسمل أو حمدل ناويًا للتلاوة حرم.
وإنْ (١) نوى التبرُّك، أو أطلق، لم يحرم. وقيل: للشافعيِّ قولٌ؛ إن الحائضَ تقرأ القرآن؛ وهل تختصُّ بالمعلِّمة لأجل الكسب، أو تعمُّ النِّسوة لخوف النسيان؟ فيه وجهان. فإن عمَّمنا: فلها قراءةُ ما شاءت؛ إذ لا ضابط للنِّسيان.
ولا يحرم على المحدِث القراءةُ ناظرًا في المصحف.
* * *
стр. 289
٥٠ - باب الاستطابة
إذا أراد الحاجةَ فليستتر، وَلْيبعد عن أعين الناظرين، ويعدَّ الأحجار قبل ذلك، ويجتنب مُتَحَدَّث الناس ومجالسَهم، وعَزاز الأرض (١)، والجِحَرَة (٢)، والماء الراكد، والأشجار المثمرة، ومهابَّ الرياح، واستقبال الشمس والقمر، ولا يتدانى مجلس اثنين يتحدَّثان، ولا يكشف عورته، ما لم ينتبه إلى موضع جلوسه.
ويستبرئ من البول، فيمكث بعد انقطاع التقاطر ويتنحنح، وينتر ذكره، بأن يُمِرَّ إصبعه على أسفل القضيب لإخراج ما بقي، ولا يستنجي في موضع قضاء الحاجة، وإن كان في بناء دخل بيُسراه وخرج بيمناه عكسًا للمساجد.
ويُسَمِّي عند دخوله، ويقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (٣)، وعند خروجه: الحمدُ لله الذي أذهب عنِّي ما يؤذيني، وأبقى على ما ينفعني (٤).
стр. 290
ويعتمدُ على يُسْرى رجليه في جلوسه، ولا يستصحبُ شيئًا عليه اسمٌ مُعَظَّم.
* * *
٥١ - فصل في استقبال القبلة واستدبارها
إذا كان في بَرارٍ، أو عَرْصة دار، حرم عليه استقبالُ القبلة واستدبارها، وإن كان في بيت يُعدُّ ساترًا لم يحرم؛ والأوْلى: تركُه، وأن يَتَّخذ مجلسَه مائلًا عن القِبلة.
وإن استتر بِوَهْدة (١)، أو راحلة، أو شيء آخر فلا تحريم (٢)، ويدنو من الساتر بقريب من ثلاثة أذرع، وكلَّما قَرُب كان أبلغَ، ويعتبر في الساتر أن يسْتر من سرَّته إلى موضع قدمَيْه.
* * *
٥٢ - فصل فيما يُوجِبُ خروجُه الاستنجاءَ
ولا يجب الاستنجاء بالريح (٣)، ويجب بكلِّ عينٍ ملوِّثة معتادة أو
стр. 291
نادرة، وكذلك بالحصاةِ، والدودةِ التي لا تحسُّ رطوبتها على الأصح.
* * *
٥٣ - فصل فيما يستنجَى به
ويجوز الاستنجاء بكل عين طاهرة منشِّفة غير محترمة، ولا يجوز بمحترم؛ كالعصفور الحيِّ، ويد الغير، والمطعومات، وما عليه كتابة محترمة، فإن خالف ففي الإجزاء وجهان؛ ويجزئه بيد نفسه؛ إذ لا مأثمَ، ومن أجراه على الخلاف فغالِطٌ.
واختلف نصُّه في التراب والحُمَمَة (١)، والأصحّ حمل الإجزاء على الصلب المتماسك القالع للنجاسة، ومن أجرى الخلاف في الرِّخو المنتثر فهو غالط.
وله نصوص في الجلد الجاف الطاهر؛ فرِّق في الثالث بين المدبوغ وغيره، فقيل: المذهب الجواز؛ لأنه طاهر منشف غير محترم؛ ويحمل النَّصَّان الآخَران على ما قبل الدباغ وبعده؛ لأنَّه قبل الدباغ دسمٌ غير نشاف، وقيل: النصوص أقوال؛ وعلَّة المنع كونه ماكولًا.
وقال أبو محمد: لو جَفَّ العظمُ بحيث لا يؤكل لجفافه لم يجز الاستنجاء به؛ لأنَّه مأكول على الجملة.
* * *
стр. 292
٥٤ - فصل في كيفية الاستنجاء
يُعتبر في استعمال الماء ما يعتبر في إزالة النجاسة، وإن استجمر فلابدَّ من الإنقاء مع ثلاث مَسَحات بحجر ذي أحرف، أو أحجار ثلاث، فإن أنقى بحجر، فلابدَّ من الثاني والثالث تعبُّدًا، فإنِ استعمل رَوْثةً تعيَّن الماء، وإن استعمل ما لا يقلع النجاسةَ، أو شيئًا مبتلًا: فإن نقلا النجاسة تعيَّن الماء، وإن لم ينقلا النجاسةَ، جاز الاستجمارُ فيما لم ينقل النجاسة، وتعيَّن الماء في المبتل على رأي أبي محمد؛ لأنَّ البلل قد نجس بالملاقاة، فصار كتعيين الماء في الروث؛ وفيه نظر؛ لأن عينَ الماء لا تنقلب نجسةً، وإنَّما تُجاوره النجاسةُ أو تخالطه.
٥٥ - فرع:
وفي الاستجمار عن النادر؛ كالدَّم والمَذي قولان؛ خصَّهما العراقيُّون بما يُوجب الوضوء، وقالوا: يتعئن الماءُ في دم الحيض قولًا واحدًا؛ وينبغي أن يضعَ الحجر على محلٍّ طاهر، ويمرَّه على النجاسة، ويديرَه عليها؛ ليزيل بكل جزء ظاهر من الحجر جزءًا من النجاسة، وفي وجوب هذه الإدارة وجهان، فإن نقل النجاسةَ عفي عما يتعذَّر الاحترازُ عنه من النقل دون غيره، ويمسح جميع المحلِّ ثلاث مَسَحًات، أو يمسح الصفحة اليمنى بحجر، واليسرى بآخر، والمَسْرَبة (١) بالثالث، فيه وجهان، قال العرقيون: يجوز الأمران، والخلاف في الأول.
стр. 293
وقال أبو محمد: الوجهان متنافيان، فلا يُجَوِّز أحدُهما ما جوَّزه الآخر.
٥٦ - فرع:
يُكره الاستنجاء باليمين؛ فينبغي أن يأخذَ الحَجَر بيمينه، ويمسح ذكره عليه بيساره، فإن حرَّك يمينَه دون يساره، أو حركهما، كُره ذلك، والأفضل أن يجمع بين الماء والحجر.
* * *
٥٧ - فصل في انتشار الخارج
إذا انتشرت النجاسة؛ فقد نقل الربيع أنَّه يستجمر مادامت بين الألْيَتَيْنِ، فإن جاوزت تعيَّن الماء.
ونقل المُزَنيُّ: أنَّه يستجمر ما لم تَعدَّ المخرجَ، ونقل عن القديم: أنه يستجمر ما لم يجاوز العادة، فأوهم المزنيُّ قولَيْن، وساعده بعضُهم، فَخَرَّجَ المسألةَ على أقوال، والمذهبُ اعتبار العادة في الانتشار، لأنَّ المزنيَّ أغفل قولَ الشافعيِّ: ما لم تَعدَّ المخرجَ وما حوله، وما ذكره الربيع يقرب مما ذكره الشافعيُّ، وإن لم يكن حدًّا يُوقف عنده. وإن ترشَّش من النجاسة شيءٌ منفصل عنها تعيَّن الماء، وإن كان بحيث لو اتَّصل لَعُفي عنه، وإن خطأ فتعدَّت النجاسة أدنى تعدٍّ تعيَّن الماء، لتسبُّبه إلى ذلك.
٥٨ - الوضوء قبل الاستنجاء:
إذا توضأ قبل الاستنجاء، صَحَّ وضوءُه على أصح القولين، بخلاف التيمم، والأكثرون على تصحيح الوضوء، وتخريج التيمم على قولين.
стр. 294
وإن كانت النجاسةُ أجنبيةً، فقد خرَّجه بعضُهم على الخلاف، ولا يُعرف خلافًا أن تيمُّم العاري قبل استتاره صحيح، وإن كان تيمُّمه لا يستعقبُ جوازَ الصلاة.
* * *
стр. 295
٥٩ - باب الأحداث
نواقض الوضوء أربعة: الغلبةُ على العقل، والمسُّ، واللمس، وخروجُ الخارج من السبيلين ريحًا كان أو عينًا، نادرًا أو معتادًا؛ فإن انسدَّ سبيلُه انتقض طهره بالخارج من تحت المعدة، وفيما عليها أو فوقها قولان، وإن لم ينسدَّ لم ينتقض بما على المعدة أو فوقها، وفيما تحتها قولان.
والنادر كالمعتاد في أصحِّ القولين، فإن قلنا: لا ينقض، تعيَّن الماء، وإن قلنا: ينقض، ففي الاقتصار على الأحجار ثلاثة أقوال، يُفرَّق في الثالث بين المعتاد وغيره.
ولا ينتقضُ الوضوء بمسِّه على المذهب، وفي تحريم النظر إليه تردُّد، فإن أولج فيه، فلا يثبت شيء من أحكام الوطء إلا الغسل؛ والمذهب أنَّه لا يثبت.
* * *
٦٠ - فصل في الغلبة على العقل
ومهما زال العقلُ بِسُكْر أو غيره انتقض الوضوء، وأبْعَدَ (١) [مَنْ (٢) لم،
стр. 296
يُنْقِضْ وُضوءَ السَّكران إذا جعلناه كالصَّاحي، ولا ينتقض بالغَفْوة، وهي: مبادئ فتور الحواسِّ، وينتقض بنوم المضطجع.
وفي النوم على هيئة من هيئات الصلاة ثلاثة أقوال:
أحدها: لا ينقض.
والثاني: ينقض إلا في الصلاة.
والثالث وهو المذهب: أنَّ النوم ينقض إلا في حَقِّ القاعد.
وخَرَّج المزني قولًا في القاعد، فإن قلنا: لا ينقض، فشرطه أن يُمكن مقعدتَه - وهي: سبيلُ الحدث - من الأرض؛ فإن مكَّنها مستندًا أو متَّكئًا على شيء لو أُزِيل لسقط، فلا ينتقض طهره على المذهب، وإن تجافت مقعدتُه قبل انتباهه، انتقض وضوءُه، وإن تجافت بعد انتباهه أو شَكَّ في ذلك، فلا ينتقض.
* * *
٦١ - فصل في اللَّمس
إذا تلامس الرجل والمرأة انتقض طهرُهما.
وإن لمس أحدُهما الآخرَ انتقض طهرُ اللامس، وفي الملموس قولان.
ولا ينتقض بلمس المحارم على أصحِّ القولين.
وفي لمس السِّن، والظفر، والشعر، والميتة، والصغيرة التي لا تُشتهى
стр. 297
وجهان، وفي الهَرِمَة طريقان. والمذهب: أنَّه لا ينتقض بعضو مُبَانٍ، وينتقض باللمس الاتفاقي (١) عند الجمهور، وفيه خلاف مذكور في "التقريب" (٢).
* * *
٦٢ - فصل في مسِّ الفرج
إذا مسَّ الرجل أو المرأة القُبل من أنفسهما، أو من غيرهما، انتقض طهرهما: صغيرًا كان الممسوسُ أو كبيرًا، حيًّا أو ميِّتًا، ذكرًا أو أنثى، وأبعدَ من شَبَّب في الأنثى بخلاف، وفي الذَّكَر المُبان وجهان وأصحُّ القولين (٣): أنَّ الدبر كالقُبل، وأنَّ فرجَ البهيمة لا ينقض، والممسوس من الذكر: جملته؛ فإن جُبَّ (٤) فموضع الجَبِّ منه، ومن الفَرْج: ملتقى الشُّفرَيْن على المنفذ، وكذلك الملتقى من حَلْقة الدُّبر.
٦٣ - فرع:
إذا قلنا: مسُّ فرج البهيمة لا ينقض، فأولج يدَه فيه، فالظاهر أنَّه لا ينقض، ولا ينتقض بما ليس بفرج؛ كالخُصْية والعِجَان (٥)، وهل يجوز
стр. 298
مسُّ الفرج مِمَّن لم يبلغ حدَّ التمييز من الصغار، والنظرُ إليه، مع الاتفاق على الانتقاض بمسِّه؟ فيه اختلاف.
وأمَّا آلة المَسِّ: فباطن الكفِّ والأصابع دون ظاهرهما، ولا ينتقض برؤوس الأصابع على الأصحِّ، ولا بما بينهما على النصِّ، وأبعدَ مَن ذكر في ذلك خلافًا.
ولا ينتقض طهرُ الممسوس، ومَن أشار إلى خلافٍ فِيه فغالطٌ.
* * *
٦٤ - فصل في مسّ فرج الخُنْثَى
إذا مسَّ الخُنْثَى المُشْكِل من نفسه فرجَيْه، انتقض طهرُه، وإن مسَّ أحدَهما، لم ينتقض.
وينتقض وضوءُ الرجل بمسِّه ذَكَرَ الخنثى، ولا ينتقض بمسِّ فرجه، والمرأة على العكس.
وإن مس أحدُ خُنْثَيَيْنِ من الآخر فرجَيْه، انتقض طهره، وإن مسَّ أحدَهما، لم ينتقض، وإن مسَّ أحدُهما من صاحبه الفَرْجَ، ومسَّ الآخَرَ ذَكَرَ ماسَّه، لم ينتقض طهرُ واحد منهما في الحكم. وإن مسَّ الخنثى ذَكَرَ نفسه، وصلَّى الصبح، ثم توضأ ومسَّ فرجه وصلى الظهر، فهل يلزمه قضاؤهما، أو لا يلزمه شيء؟ فيه وجهان.
والخارج من قُبُلَيه ناقضٌ لطهره، ومن أحدِهما كالخارج من سبيل
стр. 299
ينفتح تحت المعدة.
* * *
٦٥ - فصل فيما يُعرف به حال الخُنْثى
إذا بال بفرجَيْه، فمُشْكِل، وبأحدهما، واضح، ولا نظرَ إلى القِلَّة والكثرة.
وإن حاض بفرج النساء، أو أمنى بفرج الرجال؛ فواضح، وإن اجتمعا فمشكِل.
وفي نَبَات (١) اللحية ونُهُود الثَّدْي اختلاف. ولا اعتماد على عدمهما، ولا يعارضان شيئًا من العلامات المتفق عليها.
وإن بال بفرج الرجال، وحاض بفرج النساء، فمشكِل عند الإمام، وتردَّد فيه أبو محمد، ورَجَّح المبال.
ومهما تعارضت العلاماتُ رُجع إليه عند بلوغه، وحُكم عليه بموجب قوله: فإن رجع لم يقبل إلا إن لم يكذبه (٢)؛ بأن يقول: أنا رجل، ثم يلد.
وإن ذكر أنَّه يميل إلى كلا الجنسين، أو لا يميل إلى واحد منهما، فمشكِل.
* * *
стр. 300
٦٦ - فصل في الشكِّ في الطهارة والحَدَث
إذا استيقن الطهارةَ أو الحَدَث، ثمَّ شكَّ في ذلك، بنى على يقينه، وإن علمهما وشكَّ في السابق منهما، فهل (١) يحكم له بمثل ما كان عليه قبلهما أو بعكسه؛ فيه وجهان.
٦٧ - فرع:
إذا غلب على ظنِّ المتوضئ أنَّه أحدث، فلا ينتقض طهرُه اتِّفاقًا، وإن غلب على الظنِّ نجاسةُ الطاهر، فقولان؛ فقال أبو محمد: لا مجال للاجتهاد في الأحداث، بخلاف النجاسات، وفَرَّق بأنَّ الأحداثَ لا علامة عليها، بخلاف النجاسات.
واعترض الإمام: بأنَّ صفات الحيض والمنيِّ يتعلَّق بهما في إثبات الحدث، فلا وجهَ للإطلاق بأنَّ الأحداثَ لا يتطرق إليها الاجتهاد.
ولعلَّ الفرق كثرة العلامات في الأنجاس، وقلَّتها في الأحداث.
٦٨ - خاتمة:
لا يُترك الاستصحابُ بالشكِّ إلا في أربع مسائل: إذا تردد في بقاء وقت الجمعة، أو تردَّد الماسحُ في انقضاء المدَّة، فلا تقع الجمعةُ، ولا يجوز المسح، وإن شكَّ المسافر في نيَّة الإقامة، أو انتهى إلى موضع يشكُّ أنَّه
٦٩ - باب ما يُوجِب الغُسل
الأغسال الواجبة أربعة: غُسل الجَنابة، وغُسل الحيض والنفاس، وغسل الولادة، وغسل الموت.
وللجنابة سببان:
أحدهما: إيلاجُ الحَشَفة، أو قدرها في أيِّ فَرْج كان من آدميٍّ أو بهيمة، حيٍّ أو ميِّت، ولا يجب إعادةُ غسلِ الميت بالإيلاج فيه على الأظهر؛ لسقوط تكليفه. وإن أَوْلَج البهيمةُ في فرج آدمي لزم الغسل، كالإيلاج في فرج البهيمة، وفيه نظر؛ لِنُدْرته.
الثاني: خروج المَنِيِّ، وهو في اعتدال الحال: أبيضُ، ثخين، دافق بدفعات، يخرج بشهوة، ويُعْقِبُ خروجُه فتورًا، ريحُه كريح الطَّلْع أو كريح العجين. وقد يرقُّ، ويصفر، ويسيل بغير شهوة.
والمَذيُ: رقيق، يخرج بنشاط، ولا يتعقبه فُتور.
والوَدْيُ: أبيضُ، يغلب خروجُه عند حمل الأثقال، ولا يخرج بشهوة.
ومَنِيُّ المرأة: أصفرُ، رقيق؛ زعم الأطباء أنَّه لا يخرج منها.
* * *
стр. 303
٧٠ - فصل في خصائص المَنِيِّ
إذا تيقَّن خروجَ المنيِّ لزمه الغسلُ، ويُعرف بخواصِّه، وهي: الرائحة، وإعقاب الفتور، والخروج بدفع وتزريق (١) ويكفي إحداهنَّ، وقد يخرج دمًا عَبِيطًا؛ لكثرة الجماع، والظاهر أنَّه منيٌّ إذا وجد فيه بعضُ خواصِّه.
٧١ - فرع:
إذا شكَّ فلم يجد إلا الثخانة والبَيَاض، لم يجب الغسل؛ لأنَّ الوَدْيَ يشاركه فيهما، وإن غلب على ظنِّه أنَّه مَنِيٌّ؛ بأن تَنَبَّه بعد جماع في احتلامه، فوجد الماء الأبيض الثخين، وكان الوديُ لا يليق بطبعه، جاز أن يستصحبَ يقين الطهارة، وجاز أن يحمل على غلبة الظن؛ تخريجًا على غلبة الظن في النجاسة؛ فإنَّه مما يغلب وقوعُ الظن فيه، ويتعلَّق في قبيله بالعلامات.
وأطلق أبو محمد أنَّ الغسل لا يلزم إلا بيقين كما في الأحداث.
٧٢ - فرع:
إذا اغتسل ثم خرجت منه بقيَّة الماء، لزمه إعادةُ الغسل، سواء خرج قبل البول أو بعده.
٧٣ - فرع:
إذا خرج ماء المرأة، لزمها الغسل، ولا يُعرف ذلك إلا بفتُور شهوتها.
٧٤ - فرع:
إذا خرج منها منيُّ الرجل: فإن لم تقضِ وَطَرًا، أو كانت صغيرة لا منيَّ
стр. 304
لها، فلا غُسل عليها، وإن قضت وَطَرًا لزمها الغسلُ؛ لأنَّ الغالبَ اختلاطُ الماءين وخروجُهما معًا، فالظاهر وجوبُ الغسل، ويحتمل تخريجُه على إيجاب الغسل بالاحتمال الغالب.
٧٥ - فرع:
إذا ولدت، ولم تنفس؛ لزمها الغسلُ على الأصحِّ.
وإذا طهرت الحائضُ والنفساء اغتسلتا، وعلَّة وجوب غسلهما انقطاعُ الدم عند الأكثرين، وعند بعضهم خروجُه، ولا يصحُّ إلا أن تريدَ به خروجَ الجملة (١).
٧٦ - فرع:
مَن أحدث وأجنب دخل وضوءُه في غسله، وفيه قول: إنَّهما لا يتداخلان؛ وتتصوَّر الجنابة مجرَّدة عن الحدث؛ بأن يولجَ من وراء حائل، أو يولج في دُبر أو فرج بهيمة.
* * *
стр. 305
٧٧ - باب غسل الجنَابة
أقلُّه: إجراءُ الماء على ظاهر البدن، والشعور خفيفِها، وكثيفِها؛ ولا يجبُ الدَّلك، وكذلك المضمضة والاستنشاق على المذهب.
وشرطه: النِّية؛ فينوي رفعَ الجنابة، فإن نوى رفعَ الحدث ولم يتعرَّض لجنابة ولا حدث، فالوجه القطعُ بإجزائه. وإنْ نوتِ المغتسلة عن الحيض استباحةَ الوطء جاز على الأصحِّ.
* * *
٧٨ - فصل في كيفية الغسل
ويبدأ بغسل ما به من نجاسة أو أذىً، فإن شكَّ في النجاسة احتاط بالغسل، ثمَّ يتوضَّأ للصلاة كَمَلًا، أو يؤخِّر غسلَ قدمَيْه حتى يفيضَ الماء على بدنه؛ فيه قولان.
ويتعهَّد معاطفَه وشعورَه الكثيفةَ التي يعسُر وصولُ الماء إليها، ثم يَحْثي الماءَ على رأسه، ثم على ميامنه، ثم على مياسره مع الدلك، وفحوى كلامهم أنَّه يُوصلُ الماءَ إلى كل موضع ثلاثًا ثلاثًا.
٧٩ - فرع:
لا تصحُّ طهارةُ الكافر؛ وفيه وجه أنَّه يصحُّ غسله، ووضوءُه،
стр. 306
وتيمُّمه، وهو ضعيف.
* * *
٨٠ - فصل في تجديد الوضوء
تجديد الوضوء مستحبٌّ؛ فإن لم يؤدِّ بوضوئه شيئًا؛ فالأظهر أنَّ التجديدَ لا يستحبُّ.
قال الإمام: هذا إذا تخلَّل تفريقٌ كثير بين الوضوء والتجديد، فإن وَصَل التجديدَ بالوضوء، فهو كالغسلة الرابعة، وفي استحباب تجديد الغسل وجهان.
٨١ - فرع:
غُسل المرأة كغسل الرجل، إلا أنَّه يُستحبُّ أن تستعمل في غسل الحيض فِرْصة مِسْك في منفذ الدم، فإن لم تجد فطيبًا غيرَه، فإن لم تجد فالماء كافٍ؛ ولا فرقَ بين البِكر والثَّيِّب، فلا يجب إيصالُ الماء إلى ما وراء ملتقى الشُّفْرَين كما لا يجب المضمضة.
٨٢ - فرع:
الأوْلى بالجُنب أن لا يجامعَ حتى يغسلَ فرجَه ويتوضَّأ، وأن لا يأكل ولا يشربَ ما لم يتوضأ؛ فإن خالف فلا بأس.
وروي أن رجلًا سلّم على رسول الله فضرب يده على حائط فتيمَّم، ثم أجاب؛ تعظيمًا للسلام (١)، فقيل: كان جنبًا مقيمًا واجدًا للماء.
стр. 307
فإنْ تيمَّمَ المحدِثُ لقراءة القرآن، كان جاريًا على وَفْق الحديث.
* * *
стр. 308
٨٣ - باب فضْل الجُنُب والحائض
لا بأس بفضْل كل محدِث؛ ولا تقديرَ لماء الوضوء والغسل مع اختلاف الأبدان، بل المقصودُ الإسباغُ من غير إسراف، فقد يُرْفَقُ بالقليل فيكفي، ويُخْرَقُ بالكثير فلا يكفي.
* * *
стр. 309
٨٤ - باب التيمُّم
محلُّ التيمُّم: الوجه واليدان إلى المرفقَيْن على الجديد، وإلى الكُوعين على قول قديم.
ويجوز بكلِّ تراب طاهر خالص مطلق، وإن اختلفت ألوانُه.
ويجوزُ بالسَّبْخ (١) الذي لا ينبت شيئًا، دون الذي يعلوه ملح؛ فإنَّ الملح لا يجوز التيمُّم به، ولا يجوزُ بتراب نَجِس، ولا بماء خالطه دقيقٌ أو زعفران ظهر عليه بحيث يُرى، وإن لم يظهر عليه، فوجهان.
وإن خالطه فتاتة أوراق أو غيرها: فالظاهر أنَّ ذلك كالزَّعفران، وليس كالأوراق المُغيِّرة للماء، وتردَّد أبو محمد في إلحاق الأوراق بالزعفران.
ولا يجوز بِسُحَاقة الخزف، ويجوز بالمكول المَشْويِّ (٢) على الأصحِّ؛ لأنَّ شيّه لا يسلبُ اسمَه.
وإذا منعنا الوضوءَ بالماء المستعمل، فالمذهب منع التيمم بالتراب المستعمل، وهو ما لصق بالأعضاء ثم تساقط عنها، واختلف نصُّه في الرمل،
стр. 310
فقيل: قولان، وحمل الجمهورُ المنعَ على رمل لا ترابَ فيه، والجوازَ على رمل فيه ترابٌ، والفرق بين مخالطة الرمل والزعفران: أن الرمل ثقيل راسب لا يعلقُ باليد مع الغبار.
٨٥ - فصل في النقلي
يجب نقلُ التراب إلى أعضاء التيمُّم؛ فلو ضرب يدَيْه على حجر صَلْد، أو مَدَر (١) صُلْب لا غبارَ عليه، لم يجز.
ولو برز لمهبِّ الريح ونوى، فسفتْ التراب على وجهه، لم يجزه على الأصحِّ.
وإن كان على وجهه غبار فمسحه به، لم يجز، إذ لا نقلَ.
وإن نقل من جسده إلى أعضاء تيمُّمه جاز.
وإن نقل من يدَيْه إلى وجهه؛ فوجهان.
وإن مسح غبرةً على وجهه فعلقت بيدَيْه، ثم ردَّهما إلى وجهه؛ فوجهان، ومنعه أبو محمد، ولا وجهَ لمنعه.
وإن يُمِّمَ بإذنه؛ فإن كان معذورًا جاز، وإلا فوجهان، وإن يُمِّمَ بغير إذنه، فهو كبُروزه لمهبِّ الرياح، وإن لم يمتنع ولم يأذن، فالوجهُ القطع بالمنع.
стр. 311
وإنْ مَعَكَ (١) وجهَه في التراب، أجزأه، وقيل: فيه وجهان.
* * *
٨٦ - فصل في كيفية النِّية في التيمُّم
التيمّم يُبيح الصلاةَ ولا يرفع الحدث، ويرفعُه عند ابن سريج لفريضة واحدة، فإن نوى رفعَه، لم يصحَّ إلا على رأي ابن سريج.
وإن نوى استباحةَ الفرض والنفل، استباحهما، ولا يجبُ تعيين الفريضة على المذهب.
وإن نوى استباحةَ الصلاة ولم يتعرَّض لنفل ولا فرض، استباحهما عند الإمام، ويختصُّ بالنفل عند أبي محمد؛ كما في نيَّة افتتاح الصلاة، والفرقُ إمكان الجمع في التيمُّم دون الافتتاح.
وإن نوى استباحةَ الفرض ولم يتعرَّض للنفل استباح الفريضة، وله التنفُّل بعدها على المذهب، وفيما قبلها قولان؛ فإن قلنا: يتنفَّل بعدها فخرج الوقت، فالأصحُّ أنَّه يتنفَّل.
وإن نوى النفلَ، ولم يتعرَّض للفرض ففي استباحة الفرض قولان مشهوران؛ فإن قلنا: لا يستبيح الفرضَ، ففي استباحة النفل وجهان.
٨٧ - فرع:
لو نوى استباحةَ فرضَيْن، ففي إباحة أحدهما وجهان، وهذه الفروع مخرَّجة على أنَّ تعيينَ الفريضةِ لا يجب.
стр. 312
ولا يُستحبُّ تجديد التيمُّم؛ لأنَّه ليس مقصودًا في نفسه.
* * *
٨٨ - فصل في كيفيّة التيمَم
لو أخذ الترابَ فمسح به وجهَه ويدَيْه جاز، إلا أنَّ السنَّة تخفيفُ التراب، فيضرب بيدَيه على التراب، أو على ما يثور منه (١) التراب ضربةً لوجهه غير مفرِّق لأصابعه، ثم يمسح بهما وجهه، ولا يجبُ تخليلُ الشُّعور الكثيفة ولا الخفيفة اتفاقًا، ثم يضربهما مفرِّقًا لأصابعه، ويُلصق ظهورَ أصابع يده اليمنى ببطون أصابع اليسرى بحيث لا تجاوز أناملُ اليمنى مسبِّحةَ اليسرى، ولا تجاوز مسبِّحة اليمنى أطرافَ أنامل اليسرى، ويُمِرُّ اليسرى من حيث وضعَها على ظهر ساعد اليمنى والمرفق، ثمَّ يقلب بطنَ ساعد اليمنى على كفِّه اليسرى، ويحتوي بيده اليسرى إلى حيث ينتهي الكفُّ وبطون الأصابع، ويُمِرُّ يدَه كذلك، ويُجريها على ظهر إبهام اليمنى، ثم يفعل باليسرى كذلك، ثم يخلِّل أصابعهما.
وليست هذه الهيئةُ بمنصوصة في الشرع؛ فإن شكَّ في تعميم المحلِّ لزمه إيصالُ الغبار إلى محلِّ الإشكال.
ونقل المزنيُّ أنَّه يفرِّق أصابعه في الضَّربة الأُولى، واتفقوا على أنَّه لا معنى له، فإن علق بخلل الأصابع غُبارٌ من الضَّربة الأول ولم ينفضْه حتى ركبه غبارُ الثانية، فمسح بذلك يديه أجزأه على الأصحِّ؛ إذ لم يصرْ أحدٌ
стр. 313
إلى أنَّه يلزمه نفضُ وجهه وبدنه عن الغبار قبل التيمُّم، مع أنَّ المسافرَ لا يخلو عن غبار يغشاه.
٨٩ - فرع:
لو رفع يده في أثناء المسح، فالأصحُّ أنه لا يصير بفصل اليد مستعملًا؛ إذ المُستعمَل ما لَصق بالعضو.
* * *
٩٠ - فصل في رؤية الماء خارج الصلاة
رؤيةُ الماء خارجَ الصلاة مع تعذُّر استعمالِه بسَبُغٍ أو غيره، لا يُبطل التيمُّم، ورؤيتُه مع التمكُّن مِن استعماله، أو حُسْبان التمكُّن مبطل للتيمُّم وإن بان خلاف ظنِّه، ومهما لزمه الطلبُ بطل تيمُّمه.
وإن طلب فلم يجد؛ مثل أن يطلع عليه رَكب، أو يحسب السَّرابَ ماءً، ثم لا يجده، فيلزمه الإعادة.
وإن اطَّلع في بئر عالمًا أنَّه لا دلْوَ معه ولا رِشاء لم يبطل تيمُّمه (١). وإن ظنَّهما في رَحْلهِ فلم يجدْهما بطل تيمُّمه؛ إذ مقصود التيمُّم الإباحةُ، فمهما زالت بسبب يتعلَّق بالتيمم بطل؛ لبطلان مقصوده.
* * *
٩١ - فصل في رؤية الماء في الصلاة
رؤية الماء في الفريضة لا يبطلها على الأظهر، وفي شفاء المستحاضة
стр. 314
وجهان، ثم الأفضل إتمامُها، أو قلبها نفلًا، أو إبطالها؟ فيه ثلاثة أوجه، ومنع بعضُهم إبطالَ الفرضية، وأوجب الإتمام، وهو بعيد.
وجوَّز المراوزةُ إِبطالَها من غير قَلْب، ومنع الإمام من إبطالها عند ضيق وقتها، وجوَّز لغير المتيمِّم إذا شرع في فائتة متراخية، أو فريضة في أول وقتها، أن يُبطلَها؛ اعتبارًا بالمسافر الصائم، وبالمنفرد يجد جماعةً، فإنَّه يجوز لهما التحلّل، وقال: ما أرى الأصحابَ يسمحون بهذا.
٩٢ - فرع:
إذا تَلِفَ الماءُ في أثناء الصلاة؛ فإن علِمَ بتَلَفِهِ، فتيمّمه باقٍ إذا تحلَّل، وإن لم يعلم، بطل تيمُّمه عند التحلّل وإن طلبه فلم يجده.
٩٣ - فرع:
لو نوى الإقامةَ في أثناء الصلاة، ولم يرَ الماء، أتمَّها، وحكمُه في القضاء حكمُ حاضر تيمَّم لفقد الماء، وإن رأى الماءَ مع نيَّة الإقامة فهو كما لو لم يره أو تبطل صلاتُه؟ فيه خلاف.
٩٤ - فرع:
النافلةُ كالفريضة لا تبطل برؤية الماء، خلافًا لابن سُريج، فإن كان نوى ركعتين أتمَّهما، وإن نوى أربعًا ففي وجوب الاقتصار على ركعتين وجهان، فإن قلنا: لا يجب؛ فلا يجوز للمتحرِّم بركعتين أن يتمَّها أربعًا على المذهب؛ لأنَّه كالمتحرِّم بالنفل مع وجود الماء، ولذلك يفتقر إلى نيَّة.
٩٥ - فرع:
إذا ارتدَّ المتطهِّر، فلا يبطل غسلُه، وكذلك وضوءُه على المذهب،
стр. 315
وفي التيمُّم وجهان.
* * *
٩٦ - فصل فيما يجمع من الصلوات بتيمم واحد
ولا يجمعُ مكتوبَتيْن بتيمُّم واحد، ويجمع به بين نوافل وبين مكتوبة ونوافل؛ وفي مَنذورتَيْن، ومنذورة ومكتوبة قولان (١).
ونصَّ على جواز الجمع بين المكتوبة وصلاة الجنازة، وعلى أنَّ صلاة الجنازة لا تقام على الراحلة، ولا في حال القعود، مع إِمكان القيام، وفيهما ثلاثة أوجه، يفرَّق في الثالث بين المتعيِّنة وغيرها؛ والأصحُّ جوازُ الجمع، ومَنع القعود؛ إذ يبطل به معظمُ أركانها.
ولا يَجمعُ به مكتوبةً وطوافَ فرض، ولا تُجمع المكتوبةُ مع ركعتَي الطواف إن فرضناهما، وفيهما مع الطواف المفروض وجهان.
٩٧ - فرع:
إذا نسيَ صلاةً من خمس لا يعرفُ عينَها، كفاه لهنَّ تيمُّم واحد على الأظهر، وإن نسي صلاتَين من يوم وليلة، أو صلاتين مختلفتين من يومين وليلتين، كفاه صلواتُ يوم وليلة، فإن شاء صلاهُنَّ بخمس تيمُّمات، وإِن شاء صلَّى الأربعَ الأُول بتيمُّم، ثم يتيمَّم ويصلي الظهرَ والعصرَ والمغرب والعشاء، فإِن عكس فصلَّى الأربعَ الأُخَر قبل الأربع الأُول، لم يجزه؛ لجواز أن تكونَ الفائتةُ ظهرًا وعشاء (٢).
стр. 316
وإن فاته صلاتان متماثلتان، لزمه قضاءُ صلوات يومَيْن، فيقضي كلَّ يوم بتيمُّم على الأظهر، وعلى الوجه الآخر يلزمه عشرُ تيمُّمات.
٩٨ - فرع:
إذا أمرنا مَنْ عليه نجاسةٌ بالأداء والقضاء، أو أعاد المنفردُ في جماعة، وقلنا: الفرضُ أحدهما لا بعينه، ففي جمعهما بتيمُّم وجهان.
* * *
٩٩ - فصل في المطلب
إذا تيقَّن عدمَ الماء فلا طلبَ، وإن توهَّمه أو غلب على ظنِّه وجودُه أو عدمُه، لزمه الطلبُ.
وقيل: إذا غلب على ظنِّه عدمُه فلا طلبَ، وهو بعيدٌ؛ والأصحُّ أنَّه يلزمه إعادةُ المطلب ما لم يفارق مكانَه، وكان ظنُّه باقيًا.
قال أبو بكر: ولا يكلَّف في المطلب مشقَّة، بل يطلب على القُرْب واليُسْر.
وقال صاحب "التقريب": يكفيه النظرُ يمينًا وشمالًا ولا يكلَّف التردُّد.
وقال أبو محمد: يتردَّد قليلًا.
قال الإمام: ليس هذا اختلافًا، فيكفيه النظرُ إن كان في مُسْتوِ من الأرض، وإن لم ينفذ بصرُه تردَّد قليلًا، ولا يكلَّف مع الأمن أن يطلبَه من فرسخ ونصف فرسخ (١)، ولا أن يخاطرَ بنفسه أو ماله، وضابطُه أن يطلبَ
стр. 317
من موضع لو استغاث برُفْقته لأغاثوه، مع ما هم عليه من تصرُّفاتهم.
* * *
стр. 318
١٠٠ - باب جامع التيمم
لا يصحُّ التيمُّم لفرض قبل دخول وقته، وفي مُوَقَّت النوافل وجهان، ووقت الفائتة بذِكْرها، وصلاةِ الجنازة بغسل الميت، والاستسقاء بالبُروز إلى الصحراء، والكسوفِ بالكسوف.
ولو تيمَّم لفائتة قبل الزوال فلم يصلِّها، فله أن يصليَ به الظهرَ بعد الزوال على الأصحِّ.
وإن تيمَّم لمكتوبة ثم تذكَّر فائتة فأراد قضاءها بذلك التيمُّم فله ذلك، أو يخرج على الخلاف؟ فيه طريقان.
ولو تيمَّم لنافلة ضَحْوةً ولا قضاء عليه، وقلنا: تيمُّمُ النفل يصلح للفرض، فأراد أن يصلِّيَ به الظهرَ، فقد الحقه أبو عليٍّ بما لو تيمَّم لفائتة ضحوة، ثم أدَّى به الظهر، واستبعده الإمامُ؛ لأنَّه لمَّا تيمَّم للنافلة لم يكن تيمُّمه صالحًا لأداء فريضة، بخلاف التيمُّم للفائتة، بل لو تيمَّم للنافلة ذاكرًا لفائتة، وقلنا: تيمُّم النفل يصلُح للفرض، فأراد أن يصلِّي به الظُّهر في وقتها، فهذا مخرَّج على الخلاف.
ولا قضاءَ على المتيمِّم في طويل السفر، وكذلك قصيره على المذهب، وفيه قولٌ بعيد، وبُعْده من جهة أنَّ التيمُّم لا تعلُّق له بالسفر، إنَّما يتعلَّق بفقدِ الماء، فإن فقده حيث يغلبُ الفقدُ، فلا إعادة، والفَقْد يعمُّ الأسفار، طويلَها
стр. 319
وقصيرَها؛ ولذلك لا يجب القضاءُ على القاطن بالبادية إذا صلَّى بالتيمُّم؛ لغلَبة فقد الماء في البوادي.
* * *
١٠١ - فصل في المرض المُبيح للتيمُّم [والفطر والقعود في الصلاة] (١)
ويجوز للمريض التيمُّم إذا خاف من استعمال الماء على نفسِه، أو عضو من أعضائه، وكذلك منافع الأعضاء عند الإمام، وإن خاف مرضًا مَخُوفًا جاز قولًا واحدًا، وقيل: فيه قولان؛ أصحُّهما الجواز؛ فإن جَوَّزناه، ففي إبطاء البُرْء وشدَّة الوجع وجهان.
وألحقهما العراقيُّون بخوف المرض.
ولا يجوز بخوف شَيْن باطن، وفي الظاهر وجهان، مأخذُهما أنَّ المبيحَ خوفُ الهلاك، أو يكفي الضرر الظاهر؟
ويُباح الفِطر بكلّ مرض يُخشى من الصوم فيه ضررٌ ظاهر يزداد بالصوم، ولو أفطر لَوَقَفَ أو خَفَّ (٢)، ولا يشترط فيه الخوفُ على الروح، ولا على الأعضاء، ولا المرض المَخُوف، وضبطه الإمام: بكلِّ مرض يمنع من التصرُّف مع الصوم (٣).
стр. 320
ويباح القعودُ في الصلاة بكلِّ مرض لو قام المريضُ فيه لألهته الآلامُ عن ذكر الله.
ولا خلافَ أنه لا يشترط فيه الضرورةُ والعجزُ عن تصوُّر القيام.
* * *
١٠٢ - فصل في وضع الجبائر
إذا عمَّ العذرُ جميعَ محلِّ الطهارة اقتصر على التيمُّم، وإن اختصَّ ببعضه، غسلَ السليمَ وتيمَّم عن محلِّ العُذْر على المذهب.
وقيل: يخرج على الخلاف في الماء القاصر؛ فإن كانت الطهارة غُسلًا، فالأصحُّ أنَّه لا يلزمه تقديمُ الغسل على التيمُّم. وقيل: يلزمه؛ لأنَّه الأصل. وفي الوضوء ثلاثةُ أوجه، في الثالث: يُنَزَّل التيمُّم منزلةَ غسل محلّ العذر؛ فإذا كان العذر بيده، غسلَ وجهَه وما أمكن من يده، ثمَّ تيمَّم، ثمَّ مسح رأسه وغسل رجلَيْه.
فإن احتاج إلى جبيرة لتقويم خلع أو جَبْر كسر، فَلْيضعها على وضوء كامل، ولا يتعدَّى بها قدرَ الحاجة، ومالا تستمسك إلا به، ثمَّ يغسل السليم، ويمسح الجبيرة، وفي لزوم الاستيعاب وجهان، وكذلك في تأقيت مسحها خلافٌ يختصُّ بإمكان الرفع عند انقضاء كلِّ يوم وليلة، فإن أخلَّ رفعُها بالعضو، فلا يجب رفعُها اتِّفاقًا، ومتى أمكن رفعُها مِن غير ضرر لزم نزعُها، وغَسْلُ ما تحتها.
ويلزمُه التيمُّم مع مسح الجبيرة على الأصحّ؛ فإن كانت على أعضاء