[سواء غزلته] (١) لنفسها، أو بأجرة، وإن قال: ممَّا تغزله، لم يحنث إلَّا بالمستقبل، وإن قال: مِنْ غزلها، حنث بالماضي، والمستقبل، ولا يحنث بما خيط بغزلها، وإن كان السَّدى من غزلها، واللُّحْمة من غيره، أو بالعكس، لم يحنث عند القاضي؛ فإنَّ اللبسَ يتناول جميعَ الثوب، فأشبه ما لو التفَّ بغزلها، وقال الإمامُ: يحنث؛ إذ يصحُّ أن يقال: ليس من غزلها.
فإن حلف: لا يلبس من غزل نسوة، فلبس ثوبًا من غزلهنَّ، فالوجه أن يحنثَ.
وإن قال: لا ألبس ثوبًا من غزلها، [فلبس من غزلها] (٢) وغزل غيرها، لم يحنث؛ لأنَّه لم يلبس ثوبًا مِن غَزْلها.
فرعان:
الأوَّل: إذا حلف: لا يلبس ثوبَ زيد، فملكه بهبة أو شراء، ثمَّ لبسه، لم يحنث.
وإن قال: لا ألبس ثوبًا مَنَّ به عليَّ زيد، فوهبه منه؛ فإن لبسه، حنث، وإن باعه بثوب آخر، ولبس الثاني، لم يحنث، وإن باعه ثوبًا يساوي ألفًا بدرهم واحد، فلبسه، لم يحنث؛ لتعلُّق المئة بالثمن دون الثوب.
الثاني: إذا حلف بالطلاق: لا يأكل البيضَ، ثمَّ حلف ليأكلنَّ ممَّا في كُمِّ زيد، فإذا هو بيضٌ، فالبرُّ أن يجعلَه في القُبَيْطاء (٣)، ثمَّ يأكله.
* * *
стр. 2942
٣٨٠٤ - فصل فيمَنْ حلف على شيء، ففعله مكرهًا أو ناسيًا
إذا حلف: لا يدخل دارًا، فدخلها راكبًا، أو ماشيًا، أو محمولًا بإذنه (١)، حنث، وإن دخل مكرهًا، فقولان، وإن حُمل مكرهًا، وأُدخل مكرهًا، لم يحنث، وقيل: فيه القولان، وهو بعيدٌ، وإن حُمل بغير أمره وأُدخل، وهو قادرٌ على الامتناع، حنث عند المعظم، وقيل: فيه القولان، وإن دخل ناسيًا لليمين، فقولان مرتَّبان على الإكراه، وأيُّهما أولى بالحنث؟ فيه طريقان:
إحداهما: المكره؛ لذكره لليمين.
والثانية: الناسي؛ لاختياره.
وإن قال: لأشربن ماءَ هذه الإداوة غدًا، فأريق قبل الغد بغير اختياره، فقولان قريبان من قولي الإكراه، وأولى عند أبي محمَّد بألَّا يحنث؛ لعجزه عن الشرب، وقدرة المكره على الامتناع.
٣٨٠٥ - فرع:
مَنْ حلف على ما لا يدخل تحت قدرته واختياره؛ كطلوع الشمس وغروبها، وفِعْلِ الغير، انعقدت يمينهُ، فإن حلف على إنسان: أنَّه لا يقوم، فقام؛ فإن قصد الإخبارَ عن القيام، أو أطلق، حنث، وإن قام لإكراه، أو نسيان، وإن قصد منعَه بما أسمعه من الحلف، فعلى التفاصيل السابقة في الطلاق.
وإن قال: لا أفارقُ غريمي حتَّى أستوفيَ حقِّي منه، فهرب الغريمُ؛ فإن قصد الخبرَ، أو أطلق، حنث، وإن قصد المنعَ، ففارقه مختارًا؛ فإن قدر على
стр. 2943
ردِّه، أو مساوقته، حنث، وإن هرب بحيث لا يُنسبُ إلى تقصير الحالف، فقولان.
هذا تفصيلُ الإمام، وقال في "التقريب": إذا فارقه الغريمُ، فقولان، ولم يذكر شيئًا من التفاصيل التي ذكرها الإمام.
* * *
٣٨٠٦ - (فصل فيمن حلف لا يسلِّم على فلان
إذا حلف: لا يسلم على زيد، فسلَّم عليه ناسيًا ليمينه، فقولان، وإن سلَّم عليه في ظلمة معتقدًا أنَّه عمرو، فقولان مرتَّبان، وأولى بالحِنْث؛ لذكره لليمين، وإن سلَّم على قوم هو فيهم؛ فإن لم يعلم، فقولان مرتَّبان، وأولى بألَّا يحنثَ؛ لأنَّه لم يقصده بعينه، وإن علم به؛ فإن استثناه، لم يحنث، وفيه احتمال، وإن لم يستثنه، ولم ينو إدراجَه في السلام، حنث عند المراوزة، وعند العراقيين قولان) (١).
* * *
٣٨٠٧ - فصل فيمن حلف لا يدخل بيتًا على فلان
إذا حلف: لا يدخل على فلان بيتًا، فدخل على جمع هو فيهم؛ فإن لم يعلم به، فقولان مرتَّبان على القولين في السلام؛ لبعد الفعل عن قبول التخصيص، وإن علم؛ فإن استثناه، فقولان، وإن نوى باليمين ألَّا يقصدَ الدخولَ عليه، أو لا يقصده بالدخول، فدخل مستثنيًا، فالوجه القطعُ بأنَّه
стр. 2944
لا يحنث، ولو لم يكن في البيت غيرُه، فدخل؛ لنقل متاع أو وضعه، أو لقعود، أو رقاد، وقصد ذلك دون الدخول عليه، فوجهان، وإن لم يعلم أنَّه في البيت، فالنصُّ أنَّه لا يحنث، وخرَّجه المعظمُ على القولين.
* * *
٣٨٠٨ - فصل فيمَنْ حلف ليأكلنَّ هذا الرغيفَ غدًا
إذا حلف: ليأكلنَّ هذا الطعامَ غدًا، فتلف من الغد بعد التمكُّن من أكله، حنث على الأصحِّ؛ لأنَّه يُعدُّ مخالفًا لموجب يمينه، بخلاف مَنْ مات في أثناء وقت الصلاة بعد التمكُّن من فعلها، فإنَّه لا يأثمُ على الأصحِّ، وإن تلف قبل الغد، فقولان:
أصحُّهما: أنه لا يحنث.
والثاني: يحنث، وفي وقت حنثه أوجهٌ تظهر فائدتُها في صفة الحانث من اليسار، والإعسار:
أحدُها -وهو المذهب-: يحنثُ في الحال.
والثاني: يحنث إذا مضى من الغد زمانٌ يتَّسع لأكله.
والثالث: لا يحنث حتى تغرب الشمس من الغد، وهو بعيدٌ.
وإن أكله، أو بعضَه قبل الغد، حنث؛ لأنَّه فوَّت البرَّ باختياره، وفي وقت تحنيثه الخلافُ.
* * *
стр. 2945
٣٨٠٩ - فصل فيمَنْ حلف على قضاء حق
إذا قال: لأقضينَّ حقَّك غدًا، فمات الغريمُ قبل الغد، برَّ بالدفع إلى ورثته.
وإن قال: لأقضينك حقَّك، فمات أحدُهما قبل الغد، كان كتلف الطعام قبل الغد، فلا حنثَ على الأصحِّ، وإن قلنا: يحنث، وقلنا بتأخير الحنث، فكان الميتُ هو الحالفَ، فلا يتَّجه تحنيثُ ميِّت.
وإن قال: لأقضينَّ حقَّك غدًا إلَّا أن تشاء، فشاء من الغد، لم يحنث؛ لأنَّ معناه إلَّا أن تشاءَ التأخيرَ، وإن قال: إلَّا أن يشاء زيدٌ، فمات زيدٌ قبل المشيئة؛ فإن قضاه من الغد، برَّ، وإلَّا فلا.
وإن قال: لأقضين حقَّك مع رأس الهلال، فقضاه مع الاستهلال، برَّ، وإن قدَّم القضاء، أو أخَّره، حنث، والذي يقتضيه العرفُ في ذلك بذلُ الجهد في ضمِّ الأداء إلى الاستهلال؛ فإنَّ الناسَ لا يكلَّفون بما (١) لا يقدرون عليه من المُحال، وإن غُمَّ الهلالُ، فليدفعه بعد إكمال ثلاثين مع أوَّل أجزاء الليل كما ذكرناه في الاستهلال.
وإن قال: لأقضينَّك إلى رأس الهلال، فمعناه بسطُ الأداء على الأوقات المتقدِّمة (٢) على الاستهلال، وأبعد مَنْ ألحقه بقوله: عند رأس الهلال، وعلى الأصحِّ: إذا قال: أردتُ بذلك مع رأس الهلال، قُبل على الأصحِّ.
стр. 2946
وإن قال: لأقضينَّ حقَّك إلى عصر، أو دهر، أو وقت، أو حين، أو حقب، أو إذا مضى حينٌ لأقضينَّ حقَّك، فالقضاء منبسط على العمر، فلا يحنث إلَّا باليأس من القضاء.
* * *
٣٨١٠ - فصل فيمَنْ حلف لا يفعل شيئًا، فوكَّل فيه
إذا حلف: لا يبيع، ولا يشتري، ولا يتزوَّج، ولا يطلّق، فوكَّل في ذلك مَنْ فعله، لم يحنث، وإن حلف: لا يضرب زيدًا، فأمر بضربه، فضرب، لم يحنث.
وقال الربيعُ: إن كان ممَّن لا يباشر الضربَ؛ لحشمته، حنث، وطرد ذلك في نظائره، بخلاف العقود؛ فإنَّ الأماثلَ يباشرونها.
وإن قال: لا أبني بيتًا، أو لا أطيِّن سطحًا، وهو ممَّن لا يحسنُ ذلك، فتخريجُ الربيع في هذا، ونظائره أظهر.
وإن قال: لا أتزوَّج، فقبل النكاحَ لإنسان بالوكالة، لم يحنث، وإن حلف رجلان: لا يتزوَّجان، فقبل كلُّ واحد منهما نكاحَ الآخر بالوكالة، لم يحنث.
وإن قال: لا أكلِّم امرأةً تزوَّجها زيد، فكلَّم امرأة قبِل زيدٌ نكاحَها بالوكالة، لم يحنث اتفاقًا، وغلط مَنْ حنَّثَه.
وإن قال: لا أشتري شيئًا، فاشتراه وكيلهُ، لم يحنث اتِّفاقًا، وإن قال: لا أشتري، فقبل الشراءَ لموكِّله، ولم يسمِّه، حنث عند الجمهور، وفيه وجه.
стр. 2947
وإن قال: لا أزوِّج فلانةَ، فزوَّجها بالوكالة، حنث.
* * *
٣٨١١ - فصل فيمَنْ حلف على شيئين أو على مُحَال
إذا أشار إلى رغيفين، وقال: والله لا آكلُهما، أو لا آكل هذين الرغيفين، أو لا آكل هذا وهذا، لم يحنث إلَّا بأكلهما.
وإن قال: لأشربنَّ ماءَ هذه الإدواة، أو لا أشربُ ماءها، فلا يبرُّ، ولا يحنث إلَّا بالجميع.
وإن قال: لأشربن ماء هذا النهر، فوجهان:
أحدُهما: يحنث؛ لأنَّه حلف على مُحال.
والثاني: لا يحنث؛ فإنَّ معنى يمينه لأَرِدَنَّ هذا النهرَ، ولأشربنَّ من مائه.
وإن حلف على مُحال؛ فإن كان مقدورًا؛ كصعود السماء، وقتل رجل يعلم في وقت اليمين أنَّه ميت، وجبت الكفَّارة، وفي انعقاد اليمين وجهان.
أحدُهما: لا تنعقد، والكفَّارة وجبت؛ لمخالفة التعظيم.
والثاني -وهو قول المُعظم-: أنَّها تنعقد، ثمَّ تنحلُّ عقيبَ الانعقاد.
وإن كان غيرَ مقدور؛ مثل أن قال: لأشربنَّ ماءَ هذه الإداوة، ولا ماءَ فيها، فالمذهبُ وجوبُ الكفَّارة، وفي الانعقاد خلافٌ، والأوجه: أنَّها لا تنعقد.
وتجب الكفارةُ بيمين الغَموس اتِّفاقًا، واختار الإمامُ أنَّها لا تنعقد؛
стр. 2948
لاقتران ما يقتضي حِلَّها بها، وإن قال: لأصعدنَّ السماءَ غدًا، ففي حِنْثه في الحال خلافٌ، وإن قال: لأقتلنَّ فلانًا، وهو يظنُّه حيًّا، فظهر أنَّه ميتٌ وقتَ اليمين، ففي الكفَّارة قولان.
* * *
стр. 2949
٣٨١٢ - باب مَنْ حلف على غريمه: لا يفارقه حتَّى يستوفي حقه
إذا حلف: لا يفارق غريمَه حتَّى يستوفيَ حقَّه، ففارقه الغريمُ فطريقان:
إحداهما: إن أمكنته مساوقتُه، حنث، وإن لم تمكن، فقولان.
والثانية: لا يحنث؛ لأنَّه حلف على فعل نفسه، وسواء هرب الغريمُ، أو انطلق على هِينته، والحالفُ واقفٌ في مكانه، فعلى هذه الطريقة: لو حلف وهما ماشيان، فوقف الحالفُ، وذهب الغريمُ، حنث عند القاضي، وخالفه الإمام.
وإن قال: لا نتناظر، فلا بدَّ من مناظرتهما، وإن قال: لا نفترق، أو قال: لا أفترق أنا وأنت، فأيُّهما فارق، حصل الحنثُ، وأبعد مَنْ قال: إذا فارقه الغريمُ، لم يحنث، وإن ألزمه الحاكمُ بالفراق؛ لإعسار الغريم، فقولان، وإن علم بعُسْرته، أو فلَّسَه الحاكمُ، فاختار مفارقتَه؛ لما أوجبه الله تعالى من إنظار المُعْسر، حنث.
ولو قبض حقَّه، وفارق، ثمَّ ظهر مستحقًّا، أو زيوفًا؛ فإن كان عالمًا بذلك حنث، وإن كان جاهلًا، فقولان، وإن اعتاض، ثمَّ فارق، حنث اتِّفاقًا.
وإن أبرأه عنه، أو عن بعضه، حنث؛ لتسبُّبه إلى تفويت البرِّ، وإن قال: لأقضينَّه غدًا، فقضاه أو بعضَه قبل الغد، حنث.
стр. 2950
وإن أبرأه؛ فإن شرطنا القبولَ، فقبل، حنث اتّفاقًا، وإن لم نشرط القبولَ، ففي الحِنْث قولان.
* * *
стр. 2951
٣٨١٣ - باب مَنْ حلف على امرأته: لا تخرج إلَّا بإذنه
إذا قال: إن خرجت إلَّا بإذني، أو بغير إذني، فأنت طالق، فخرجت مرَّة بالإذن، انحلَّت اليمينُ، فإن خرجت بعد ذلك بغير إذن، لم يحنث، وتوجيهُ هذا عَسِرٌ، وانفرد أبو محمَّد بحكاية قول مخرَّج منقاس كان يفتي به أنّها لا تنحلُّ بذلك.
وقد قال الأصحابُ: إذا قال: إن دخلت الدارَ لابسةَ حريرٍ، فأنت طالق، فدخلتها غيرَ لابسةٍ للحرير، ثمَّ دخلتها لابسةً للحرير، طلَقت، ولا فرق بين المسألتين قطعًا.
وإن قال: إن دخلت إلَّا بإذني، فأنت طالق، فأذن لها، وهي لا تعلمُ، لم تطلق على الأظهر، وخرَّجه بعضُهم على الخلاف في عَزْل الوكيل.
* * *
٣٨١٤ - فصل في الحلف على العُقود
إذا حلف على عَقْد؛ كالبيع والشراء، والإجارة، والنكاح، فلا يتعلَّق البرُّ والحنثُ إلَّا بالصحيح اتّفاقًا.
وإن قال أحدُ الزوجين: لا أبيعُ مالَ زوجي بغير إذنه، أو قال: لأبيعنَّ مالَ زوجي بغير إذنه، فباعه بغير إذنه، لم يحنث، وفيه وجهٌ بعيدٌ محمول
стр. 2952
على ترك التبسُّط في مال المحلوف عليه.
وإن قال: لا أبيعُ الخمرَ، فباعها، لم يحنث، وإن قال: لأبيعنَّ الخمر، فباعها لم يبرَّ، خلافًا للمزنيِّ.
وإن قال: لأبيعنَّ مالَ فلان، فباعه بغير إذنه، لم يحنث إلَّا على وجه (١) بعيد، وهو في الخمر أظهرُ.
وإن قال: لا أبيع بيعًا فاسدًا، أو لا أشتري شراءً فاسدًا، فاشترى، أو باع على الفساد، وجب القطعُ بالحنث.
* * *
стр. 2953
٣٨١٥ - باب جامع الأيمان
إذا حلف لا يأكلُ الرؤوسَ، لم يحنث برؤوس السمك والطير على المذهب، وفيهما قول غريب، فإن قلنا بالمذهب، ففيما يحنثُ به أوجه:
أحدُها: رؤوس النعم أين كان الحالفُ.
والثاني: لا يحنث إلَّا برؤوس الغنم.
والثالث -وهو الأعدل-: إن كان في موضع يُعتاد فيه إفرادُ شيء من الرؤوس بالأكل، حنث، وإن كان ببلدة أو قرية لا يُعتاد فيها إفرادُ تلك الرؤوس بالأكل، فوجهان مأخذُهما الوجهان في القرويِّ إذا حلف: لا يدخل بيتًا، فدخل بيتًا من شعر.
* * *
٣٨١٦ - فصل في الحلف على الأكل والشرب والذوق
إذا حلف على اللحم، لم يحنث بلحم السمك وإن عمَّ وجودُه؛ فإنَّه لا يُسمَّى لحمًا على الإطلاق، وإن حلف على البيض، حنث بكلِّ ما يفارق بائضَه؛ كبيض البطِّ والإوزِّ والدجاج، ولا يحنثُ ببيض السمك، ولا بما يفارق البائضَ ولا يفرد في العادة؛ كبيض العصافير والحمام، ورمز بعضُهم إلى أنَّه يحنث بكلِّ ما يفارق البائضَ.
стр. 2954
وإن حلف على الأكل، لم يحنث بالشرب، وإن حلف على الشرب، لم يحنث بالأكل، فإن تناولهما لفظٌ واحد؛ كقوله: لا أَطْعَم كذا، أو لا أتناوله، حنث إن أكله، أو شربه.
وإن قال: لا آكل السويق، فاسْتفَّه، أو لتَّه بالسمن أو الماء، ولم يصر مائعًا، فتناوله أكلة أكلة، حنث.
وإن صار مائعًا، فتحسَّاه، لم يحنث، وإن خثر بحيث يمكنُ تحسِّيه، وتعاطيه بالملاعق، احتُمل أن يجعلَ تحسِّيه شربًا، واحتُمل أن يتناولَه اسمُ الأكل والشرب.
[ولو قال بالفارسية: نخورم، تناول الأكل والشرب] (١).
وإن حلف: لا يذوق شيئًا، فأكله، أو شربه، أو وجد طعمَه ومجَّه على وجه لا يفطر به الصائمُ، حنث على الأصحّ، وإن أدرك طعمَه، وازدرد القدرَ الذي يزدرده الذائقُ، لم يحنث، ويحنث بذلك إن حلف على الذوق.
وإن حلف: لا يأكل السكَّر، أو الفانيذ، فجعل شيئًا منهما في فيه، فذاب فابتلعه، حنث عند الأكثرين، وقيل: لا يحنث؛ فإنَّ الأكلَ لا يتحقَّق إلَّا فيما يُردَّد، ويُزْدَرَد، ويُبلع، ولو مضغه، فانماع، فابتلعه، ففيه الخلاف، وأولى بالحنث؛ لأجل المضغ.
وإن قال: لا آكلُ العنبَ والرمَّان، فشرب ماءَهما، لم يحنث، وإن جعلهما في فيه، وامتصَّ ماءهما، وطرح الثُّفْلَ، لم يحنث عند القاضي،
стр. 2955
ويحتمل أن يلحقَ بنظيره من الفانيذ؛ فإنَّ من فعل ذلك قِيل في العُرْف: أكل العنب والرمَّان، ولا صائرَ إلى أنَّ ذلك ليس بأكل، ولا شرب، ولو قيل به، لكان قولًا.
وإذا حلف على الأكل، حنث بقليله وكثيره، وما يتجرَّعه الذائقُ، فهو خارج عن حدِّ الأكل والشرب، فتُعتبر القلَّةُ والكثرة فيما زاد عليه، ثم يُحتمل أن يخرجَ قدرُ الذوق عن الأكل والشرب، ويحتمل أن يقال: إن قصد الذوقَ، فهو ذائق (١) ليس بآكل، ولا شارب، وإن قصد الأكلَ أو الشربَ دون إدراك الطعم، فهو آكل، أو شارب، ولا عبرةَ بالقصد فيما إذا (٢) زاد على قَدْر الذوق.
* * *
٣٨١٧ - فصل فيمَنْ حلف: لا يأكل شيئًا، فأكله مختلطًا بغيره
إذا حلف على جنس، فاختلط بغيره؛ فإن استُهلك بحيث لا يظهر أثرُه للحِسِّ، لم يحنث بأكله، ولا شربه، وإن بقي طعمُه، أو لونُه، وتجدَّد للمختلط اسمٌ آخر لا تُفرد أركانه به، ففي حِنْثه بأكله أو شربه وجهان، وإن امتاز في الحسِّ، حنث على المذهب، خلافًا للإصطخريِّ، فإذا حلف: لا يأكل السمنَ، فتحسَّاه مائعًا، لم يحنث وإن أكله جامدًا، أو ابتلعه، حنث؛
стр. 2956
فإنَّا لا نشترط في الأكل المضغَ والترديد، [وإن عصده مع الدقيق] (١)؛ فإن لم يحسَّ بجرمه، ولا طعمه، ولا لونه، لم يحنث، وإن بقي الطعمُ، أو اللون، فعلى الوجهين، وإن امتاز على العصيدة (٢) في الحسِّ، أو أكله كذلك مع الخبز، حنث، وقال الإِصطخريُّ: لا يحنث؛ فإنَّ الأكل إذا أُضيف إلى جنس، اقتضى ذلك إفرادَه بالأكل، وهذا باطل؛ فإنَّ السمنَ لا يُؤكل إلَّا كذلك.
وإن حلف: لا يأكل الخلَّ، فغمس فيه الخبزَ، وأكله، حنث؛ فإنَّ الخبزَ إذا تشرَّبه تناوله اسمُ الأكل، وإن اتَّخذ منه سِكباجًا (٣)، لم يحنث بأكلها على النصّ، فحمله بعضُهم على ظاهره، وقال المعظمُ: إن ظهر طعمُه في المرقة، حنث.
* * *
٣٨١٨ - فصل في الحلف على اللحم والشحم واللبن
إذا حلف على الشحم، حنث بما على الثَّرْب (٤) والكُلى والأمعاء،
стр. 2957
ولا يحنث بالألية على الطريقة المرضيَّة، ولا بسمن اللحم على الأصحِّ، وهو الأبيضُ الذي يعلو اللحمَ، وقد يتخلَّله، وقال أبو زيد: السمن لحمٌ في حقّ العجمي، شحم في حقِّ العربيِّ، ولا يخفى التفصيلُ إذا اختلف عرفُ اللغة، وعرفُ أهل القرى إذا استعمل القرويُّ لغةَ العرب.
ولو قال: بيه نخورم، كان حلفًا على الشحم لا يدخل فيه سمنُ اللحم، وإن حلف على اللحم، حنث بالأحمر، وكذا سمن اللحم على الأصحِّ، ولا يحنث بالشحم اتّفاقًا، وفي الكرش والكبد والرئة والأمعاء والطحال خلافٌ، والمذهبُ: أنَّه لا يحنث بذلك، ولا يحنث بالقلب عند العراقيين، وعند المراوزة وجهان طردهما الإمامُ في الكُلْية.
وإن حلف على اللبَن، حنث بالرائب، وإن صار قارًا، ولا يحنث بالسمن، وكذا الزبدُ على المذهب، وفي المَخيض المُنتزع الزُّبد وجهان.
[وإن حلف على السمن، أو الزبد، لم يحنث باللبن على المذهب، وإن حلف على الزبد، لم يحنث بالسمن] (١)، وإن حلف على السمن، لم يحنث بشيء من الأدهان، وكذا لا يحنث بالزُّبد على المذهب.
وإن حلف على الدهن، ففي الحنث بالسمن تردُّد للقاضي، واختار الإمام أنَّه لا يحنث.
وإن قال: روغن نخورم، تناول السمنَ والأدهان.
٣٨١٩ - فرع للقاضي:
إذا حلف على الجوز، حنث بجوزنا، وبالهنديِّ، وإن حلف على
стр. 2958
التمر، لم يحنث بالهندي، وإن حلف على لحم البقر، حنث ببقر الوحش، وإن حلف: لا يركب حمارًا، فركب حمارَ الوحش، فوجهان.
* * *
٣٨٢٠ - فصل في الحلف على الكلام
إذا حلف: لا يكلِّم فلانًا، فزجره عقيبَ اليمين، حنث، وإن أفهمه معنى الكلام بكتابةٍ، أو رمز، أو إشارة، لم يحنث في أصحِّ القولين، وعلى هذا: لو وقع ذلك بين الخُرس، فالوجه القطعُ بعدم الحنث، ولا تنقطع الهجرةُ المحرَّمة بالكتابة، ولا بالسبِّ والفحش، وكلِّ ما يُوغِر الصدر.
وإن حلف ليهجرنَّه، ثمَّ كاتبه، لم يحنث اتِّفاقًا.
وإن حلف: لا يتكلَّم، فأنشد شعرًا، أو ردَّده، حنث، ولا يحنث بالتسبيح والتهليل وقراءة القرآن، وفيه احتمالٌ.
* * *
٣٨٢١ - فصل فيمَنْ حلف: لا يرى منكرًا إلَّا رفعه إلى الحاكم
إذا قال: لا أرى منكرًا إلَّا رفعته إلى القاضي فلان، فرفعه إليه في ولايته على الفور، أو التراخي برَّ، فإن مات الحاكمُ قبل الرفع؛ فإن كان قد تمكَّن من الرفع، حنث، وإن لم يتمكَّن، فقولان، وإن بادر بالرفع، فمات الحاكمُ قبل وصوله إليه، فقد قيل: لا يحنث قطعًا، وقيل: فيه القولان.
وإن رآه بعد العَزْل، فرفعه؛ فإن كان قد نوى التخصيصَ بحال الولاية، أو نوى عمومَ الأحوال، اتُّبعت نيَّتُه اتِّفاقًا، وإن أطلق، ولم يرفعه مع الإمكان،
стр. 2959
فقولان، فإن قلنا: لا يحنث؛ فلو رآه قبل العزل، فلم يرفعه حتَّى عُزل، ثمَّ ولّي، فرفعه، لم يحنث، فعلى هذا: لا نقطعُ بحِنْثه إذا عُزل ونحن نتوقَّع ولايته.
وإن قال: لا أرى منكرًا إلَّا رفعته إلى قاضٍ، لم يتعَّين لذلك أحدٌ من القضاة، ولا نظرَ إلى موت أحد (من القضاة) (١)، ولا عَزْله.
وإن قال: إلَّا رفعته إلى القاضي، ففي تعيُّن الحاكم الموجود وقتَ اليمين وجهان؛ لتردُّد الألف واللام بين العهد والاستغراق، والحملُ على الاستغراق أَوْلى.
٣٨٢٢ - فرع:
إذا رأى الحاكمُ المنكرَ؛ فإن رآه الحالفُ معه، بَعُد أن يُقال: يرفعه إليه، وإن انفرد الحاكمُ بالرؤية، أو رفعه إليه غيرُ الحالف، فرآه الحالفُ، ففي الرفع وجهان، فإن قلنا: لا يرفع، كان كمن قال: لأشربنَّ ماءَ هذه الإداوة، ولا ماءَ فيها.
* * *
٣٨٢٣ - فصل في الحلف على المال
إذا حلف: لا مالَ له، حنث بكلِّ متموَّل قابل للتصرُّفات المفتقرة إلى الملك، فيدخل في ذلك ثيابُه، ومدبَّره، والديون وإن كانت مؤجَّلة على معسِر أو مماطِل، وأبعد مَنْ قال: لا يحنث بالمؤجَّل؛ بناء على أنَّه لا يملكه
стр. 2960
قبل الأجل، ولا يختصُّ بأموال الزكاة، ولا يحنث بالمنافع اتِّفاقًا إلَّا أن ينويَها، ويحنث بالآبق اتِّفاقًا، وفي المكاتَب وأمّ الولد أوجهٌ ثالثُها: يحنث بأمِّ الولد، ولا يحنث بالمكاتب، ولا يحنث بما وُقف عليه، إن قلنا: لا يملكه، وإن قلنا: يملكه، فوجهان.
٣٨٢٤ - فصل فيمَنْ حلف: ليضربنَّ عبدَه مئةَ سوط
إذا حلف: ليضربنَّه مئةَ خشبة، فضربه بشمراخ عليه مئةُ قضيب، برَّ اتِّفاقًا وإن كانت الشماريخُ دقاقًا، ويكفي ما يقعُ عليه اسمُ الضرب مع أدنى تأثُّر، ولا يكفي الوضعُ، ولا يُشترط التجريدُ، ولا الإيلامُ الناجع، فإن كان عليه لباسٌ لا يمنع [التأثّر، برَّ] (١)، وكذلك إذا حلف: لا يضرب زيدًا، فضربه بيده أو بآلة مع وجود الحائل.
وإن قال: لأضربنَّه ضربًا شديدًا، فلا بدَّ من إيلام ناجع يُسمَّى شديدًا، ويختلف ذلك باختلاف حال المضروب، فإن أصابت القضبانُ بدنَ المضروب؛ لانبساطها، برَّ، وإن أصابه بعضُها؛ فإن لم تنكبس عليها الأعالي، وتثقلها، لم يَبَرَّ، وإن انكبست، وثقلت، فوجهان، فإن قلنا: يبرُّ، فشك في التثقيل والكبس، أو قلنا: لا يبرُّ إلَّا لإصابة الجميع، فشكَّ في ذلك، برَّ على النص.
وإن قال: لا أدخلُ الدارَ إلَّا أن يشاءَ زيد، فدخلها، ومات زيد، وشككنا في مشيئته، حنث على النصِّ، وقيل: فيهما قولان بالنقل والتخريج،
стр. 2961
وفرَّق بعضُهم بأنَّ الضربَ إذا تحقَّق، فالظاهرُ حصولُ الانكباس، وليس معنا ظاهرٌ تستند إليه مشيئةُ زيد، وقال الإمام: إن وقع الضربُ على وجه يغلب على الظنِّ حصولُ المقصود، برَّ وإلَّا فلا.
وإن حلف: ليضربنه مئةَ سوط، فضربه بالشِّمراخ المذكور، لم يبرَّ عند الجمهور، وقيل: يبرُّ، وإن ضَعُفت القضبان، وعلى الأصحِّ: لا يبرُّ إلَّا بما يُسمَّى سوطًا، فإن ضربه بمئة سوط مجموعة، كان كالضرب بالشِّمراخ، فيبرُّ إن أصابه الكلُّ، وإن أصابه البعضُ؛ فإن لم ينكبس، لم يبرَّ، وإن انكبست، فوجهان، وإن قال: لأضربنَّه مئةَ ضربة، لم يبرَّ إلا بضربات متوالية على العادة؛ ضربةً بعد ضربة إلى إتمام المئة، وقيل: لو ضربه بسياط مجموعة، أجزأه.
* * *
٣٨٢٥ - فصل في الحلف على الهبة
إذا حلف: لا يهبُ، حنث بالنحلة، والصدقة، والعُمرى، والرُّقْبى، ولا يحنث بالعارية ولا بالوقف إن قلنا: لا يملكه الموقوفُ عليه، وإن قلنا: يملكه، حنث، وفيه احتمالٌ؛ إذ لا يُسمَّى هبةً في العُرْف ولا في اللغة.
وإن أضافه فلم يأكل، أو أكل، وقلنا: لا يملك، لم يحنث، وإن قلنا: يملك، وجب القطعُ بأنَّه لا يحنث، وفيه احتمال.
وإن وهبه، فقَبِل وقبض، حنث، وإن قبل ولم يقبض، فوجهان، وقال العراقيون: يحنث اتِّفاقًا، وإن وهبه فلم يقبل، لم يحنث على المذهب، وفي طريقة العراق: يحنث على وجه بعيد يطَّرد في كلِّ عقد يفتقر إلى القَبول.
стр. 2962
وإن حلف: لا يتصدَّق عليه، فوهبه، ولم يقصد التقرُّب، لم يحنث على الأصحِّ؛ فإنَّ الصدقةَ ليست هبةً؛ بدليل أنَّها تحرم على رسول الله ﷺ ، وتحلُّ له الهبات.
٣٨٢٦ - فرع:
إذا ملَّك عبدَه دابَّة، فاختصَّ بها، فحلف حالفٌ: لا يركب دابَّة العبد، فركبها؛ فإن قلنا: يملكها، حنث، وإن قلنا: لا يملكها، فالمذهب: أنَّه لا يحنث إلَّا أن ينويَ إضافةَ الاختصاص، وإن خصَّ دابَّة نفسه بجلٍّ أو سرج، ثمَّ حلف: لا يبيعُ سرجَها، أو جلَّها، فباعه حنث؛ إذ لا يُتوقَع لها ملك.
٣٨٢٧ - فصل في يمين اللِّجاج
النذر أقسام:
أحدُها: نذر التبرُّر، وهو ما عُلِّق على حصول نعمة، أو دفع نقمة؛ مثل أن يقول؛ إن شفى الله مريضي، أو ردَّ غائبي، فلله عليَّ صدقةٌ، أو صلاة، فإذا وجد الشرط، لزمه ما نذر، وإن قال: إن شفى الله مريضي، فعليَّ صدقة، أو صلاة، ولم يقل: فلله عليَّ، لزمه ذلك على الأصحِّ.
الثاني: أن يقول: لله عليَّ عتقٌ، أو صلاة مثلًا، ولا يعلِّقه على شيء، ففي وجوبه قولان، فإن قلنا: يجب، فقال: عليَّ كذا، فهو كنذر التبرُّر عند الإمام، فيلزمه على الأصحِّ.
الثالث: أن يقصدَ بالنذر أن يمنعَ نفسَه من إقدام أو إحجام؛ مثل أن
стр. 2963
يقول: إن قمت فلله (١) عليَّ صدقةٌ، أو صيام، فهل يلزمه ذلك، أو كفَّارة يمين، أو يتخير بينهما؟ فيه ثلاثةُ أقوال، أظهرُها وجوبُ الكفَّارة، وسُمِّيت يمينَ اللجاج؛ لغلبة وقوعها في اللجاج، ويمينَ الغَلَق؛ لأنَّه أغلق بها بابَ الإقدام والإحجام، فإن أوجبنا الكفَّارة، فوفى بنذره (٢)، لم تسقط الكفَّارة، وغلط مَنْ أسقطها.
وإن قال: إن فعلتُ كذا، فلله عليَّ عشرُ حجج، كفاه كفَّارة واحدة اتِّفاقًا، وإن التزم أنواعًا من القُرَب؛ مثل أن يقول: إن فعلتُ كذا، فلله عليَّ حجٌّ، وعتق، وصدقةٌ، وصيامٌ، كفاه كفَّارة واحدة، وفيه احتمال.
٣٨٢٨ - فصل في التباس نذر التبرر بنذر اللِّجاج
قد يلتبس نذرُ التبرُّر بنذر اللِّجاج في الواجب والمباح والحرام، ويُرجع في ذلك إلى قصده، فإن قصد التقرُّب، لزمه ما نذره اتِّفاقًا، وإن قصد المنعَ، ففيه الأقوال.
فالواجبُ مثل أن يقولَ: إن صلَّيت الظهرَ، فلله عليَّ كذا، فإن قصد بذلك الشكر على التوفيق لصلاة الظهر لزمه ما نذر، وإن قصد المنع، ففيه الأقوال.
والحرامُ مثل أن يقول: إن لم أشرب الخمرَ، فلله عليَّ كذا، فإن قصد
стр. 2964
الشكرَ على العصمة من شرب الخمر، لزمه ما نذر، وإن قصد الحثَّ على الشرب، ففيه الأقوال، وإن قال: إن شربت الخمرَ، (فلله عليَّ) (١) كذا، فهذا لجاج لا يُتصوَّر فيه التبرُّر.
والمباح أن يقول: إن أكلتُ هذا الرغيفَ، فلله عليَّ كذا، فإن قصد الشكرَ، على قوَّته على أكله، لزمه ما نذر، وإن قصد المنعَ من الأكل، ففيه الأقوال، وإن قال: إن لم آكله، فلله عليَّ كذا، فإن قصد الشكرَ على كسر الشهوة، لزمه ما نذر، وإن قصد الحثَّ على الأكل، ففيه الأقوال.
وإن قال: إن دخلت نيسابورَ، فلله عليَّ كذا، فعلى طريقة القاضي: إن قصد الشكرَ، لزمه ما نذر، وإن قصد المنعَ، ففيه الأقوال، وقالت طائفة: لا يلزمه ذلك، وخصَّصت التبرُّر بما يظهر كونه مقصودًا، أو يكون على غرر في الحصول، فلا يحصل عندهم التبرُّر شكرًا للنعم المعتادة؛ كما لا يشرع لها سجودُ الشكر، وطريقةُ القاضي أفقهُ، فمتى أمكن القصدُ إلى مقابلة شيء من النعم بالشكر كان تبرُّرًا.
٣٨٢٩ - فرع:
إذا قال ابتداءً: مالي صدقة، أو قال: مالي في سبيل الله، لغا كلامُه عند القاضي؛ [فإنه لم يأت بعبارة ملزمة، وقيل: يُحمل على النذر المطلَق، فيكون في وجوبه قولان، وأبعد مَنْ قال: يصيرُ صدقةَ، وفي سبيل الله، كما لو قال: جعلتُ هذه الشاةَ أضحيةً، وإن قال: إن دخلتُ الدارَ، فمالي صدقة،
стр. 2965
لغا عند القاضي] (١)، وكان على رأيٍ تعليقًا لإيقاع كونه صدقةً، وكان لجاجًا على رأي آخر.
٣٨٣٠ - فصل في فروع مفرَّقة
الأوَّل: إذا قال: إن فعلت كذا، فلله عليَّ نذر، فإن أوجبنا الكفَّارة في اللجاج؛ لزمه كفَّارةُ يمين، وإن أوجبنا الوفاءَ، لزمه أن ينذرَ أيَّ قربة شاء، ويوفي بها.
وإن قال: إن دخلتُ الدارَ، فعليَّ يمين، لم يلزمه شيءٌ على الأصحِّ، وقيل: تجب عليه (٢) كفَّارة يمين.
وقال الإمام: ينبغي أن يُجعل كنايةً؛ لأنَّه صرَّح بالالتزام، بخلاف الكنايات في سائر الأيمان، وإن قال: إن دخلتُ الدارَ، فعليَّ كفَّارة يمين؛ فإن دخل لزمه كفَّارة يمين، وهل هي كفَّارة، أو وفاء بالنذر؟ فعلى أقوال نذر اللجاج.
الثاني: إذا قال: لا أصلِّي، فأَحْرمَ بها، حنث على المذهب، وإن أبطلها، وقيل: لا يحنث حتَّى يتحلَّلَ عن صلاة صحيحة أقلُّها ركعة، فإذا تحلَّل، فهل يحنث بالتحلُّل، أو يتبيَّن أنَّه حنث عند الإحرام؟ فيه وجهان، وهذا الخلافُ جارٍ في الصيام.
стр. 2966
الثالث (١): إذا حلف على الثمار، حنث بالرَّطْب دون اليابس، وإن حلف على الفاكهة، حنث بالرطب، واليابس، والعنب، والرمَّان، ولا يحنث بالقثَّاء، وفي البطِّيخ تردُّد، وإن كان يتعاطى اللُّبوبَ؛ كَلُبِّ الفستق، وما يُعتاد أكله منها، ففيه تردُّد للإمام.
الرابع: إذا قال: لا أحمل خشبةً، فحملها مع آخر، أو قال: لا آكل هذه الرمَّانة، فأكلها إلَّا حبة، أو قال: لا آكل هذا الرغيفَ، فترك منه فتاتًا محسوسًا لا يبعد ممَّن يريد الاستيعابَ جمعُه وأكله، لم يحنث، وإن لم يمكن جمع لبابه، ولم يعتده مَنْ يقصد الاستيعابَ، فلا عبرةَ به، وإن تمكَّن من جمعه، فلم يجمعه؛ لعُسْره، لم يحنث عند أبي محمَّد، وفيه نظر؛ لأنَّه يعد آكلَ رغيف.
الخامس: إذا قال: لأثنينَّ على الله بأحسن الثناء، فالبرُّ أن يقول: لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، وإن قال: لأحمدنَّ الله بمجامع الحمد، فقد قيل: البرُّ بأن يقول: الحمدُ لله حمدًا يوافي نعمَه، ويكافئ مزيدَه؛ فإنَّ آدمَ قال لجبريل: علِّمْني مجامعَ الحمد، فعلَّمه ذلك (٢).
стр. 2967
السادس: إذا قال: لا آكلُ الرطب حنث بأكل المصنَّف (١)، خلافًا للإصطخريِّ.
السابع: إذا حلف لا يأكل اللحمَ، حنث بالميتة على أقيس الوجهين، [وإن حلف: لا يأكل الميتةَ، فأكل سمكةً، فوجهان] (٢)، وإن حلف على الدم، لم يحنث بالكبد والطحال، وإن حلف: لا يشمُّ الريحانَ، حنث بالفارسيِّ، وهو الضَّيْمَران، وهو (الشَّاهسْفَرَم) (٣)، وإن حلف على الورد، حنث بالورد المعروف دون سائر الأزهار، وإن حلف: لا يشمُّ البنفسجَ، فشمَّ دهنَه، وأدرك ريحه، لم يحنث، وأبعد مَنْ حنَّثه، ولم يطرد ذلك في بقية الأدهان، وإن حلف: لا يشمُّ المسكَ، فأدرك ريحَه من ثوب غيره، لم يحنث.
стр. 2968
كِتَابُ النَّذرِ
стр. 2969
كِتَابُ النَّذرِ
٣٨٣١ - النذرُ مُلزم بالإجماع، فإن عُلِّق على دفع نقمة، أو جَلْب نعمة، وجب، وإن لم يُعلَّق، فقولان، وإن كان لجاجًا، ففي موجبه ثلاثةُ أقوال، فمَنْ نذر قولًا، أو فعلًا، فله أحوال:
الأولى: أن يكون عبادةً حقيقية مقصودةً، فتجب، وقال أبو محمَّد: لا يجب بالنذر إلَّا ما يجب بأصل الشرع؛ كالصوم والصلاة، فإن نذر تجديدَ الوضوء، لم يلزمه؛ لأنَّ الوضوءَ على الطهارة لا يجب بأصل الشرع، ولا وجهَ لما ذكره، وقد أُبطل عليه بالاعتكاف، فأجاب بأنَّ الوقوفَ بعرفة واجبٌ بأصل الشرع، وهو من جنس الاعتكاف.
الثاني: القُرَب التي لا تتمحَّض عبادةً؛ كزيارة القادم، وعيادة المريض، وإفشاء السلام، فتجب على الأصحِّ؛ لاتِّفاقهم على وجوب الجهاد بالنذر، وإن نذر عيادةَ زيد، فعاده ناسيًا لنذره، ففي براءته من النذر بغير قصد تردُّدٌ.
الثالث: الصفاتُ المستحبَّة في العبادات؛ مثل أن ينذر عبادةً، ويصفها بصفة تُستحبُّ (١) فيها، مثل أن ينذرَ الحجَّ ماشيًا على قولنا: إنَّ المشيَ أفضلُ من الركوب، أو ينذر صلاةً مطوَّلة بالقراءة، أو بالركوع، أو السجود، فيلزمه
стр. 2970
ذلك، وإن أفرد الصفةَ بالنذر فيما يجب بأصل الشرع؛ كتطويل صلاة الفرض، والمشي في حجِّ الفرض، ففي وجوبه وجهان.
الرابع: المباحُ الذي يمكن أن يصيرَ قربةً بالقصد؛ كالأكل للتقوِّي على العبادة، والنوم للنشاط، وحضور القلب في التهجُّد، فلا يجب بالنذر اتِّفاقًا، ومَنْ نذر مباحًا؛ كدخول الدار، أو محرَّمًا؛ كذبح ولده، أو شرب الخمر، وصوم أيَّام الحيض؛ فإن جعلناه كنايةً في اليمين، لم تجب الكفَّارة حتَّى يحنث، وقال القاضي: إن نذر مباحًا، وجبت الكفَّارة، وإن نذر معصيةً، فوجهان، وأوجب الكفَّارةَ بنفس النذر من غير حِنْث.
الخامس: أن ينذرَ ما يؤدِّي إلى إبطال الرخص (١)؛ مثل أن ينذر الصومَ في المرض، أو السفر، أو إتمامَ الصلاة في السفر، أو القيامَ حيث يجوز له القعودُ، فلا يلزمه ذلك عند القاضي، وإن نذر الصلاةَ في الجماعة لزمه؛ لأنَّها صفة عبادة، وإن نذر النوافلَ الراتبة، لزمته على أظهر الوجهين، ولا يجب الانكفافُ بالنذر قطُّ، فمَنْ نذر تركَ مكروه، لم يلزمه تركُه.
السادس: أن ينذرَ ما هو فرضُ كفاية، فإن كان أداؤه مفتقرًا إلى مال، وركوب مشقَّة، وقطع شُقَّة؛ كالجهاد، وتجهيز الموتى، لزمه ذلك، وإن لم يتعلَّق به بذلُ مال؛ كالأمر بالمعروف، والصلاة على ميت، لزمه ذلك على الأظهر، ومن نذر الجهادَ في جهة معيَّنة، فجاهد في غيرها، ففي إجزائه أوجه: أحدُها: لا يجزئه.
стр. 2971
والثاني: يجزئه وإن كانت الجهةُ الثانية أقلَّ مؤونة، وأقربَ مسافة وأسهل.
والثالثُ: لا تتعيَّن تلك الجهة، فإن جاهد فيها، أو في مثلها، أجزأه.
٣٨٣٢ - فرع:
إذا علَّق النذرَ على مشيئة الله تعالى، لم ينعقد، وإن علَّقه على مشيئة زيد، فشاء زيدٌ، لم يصحَّ عند القاضي، وخالفه الإمامُ؛ إذ لا فرقَ بين مشيئته وقدومه.
٣٨٣٣ - فصل فيمَنْ نذر التضحية بمكَّة أو بغيرها من البلاد
من نذر سَوقَ أضحية إلى الحرم، أو سوقَ بدنة أو بقرة، وذكر ما يُشعر بالتقرُّب، وجب إيصالُها إلى الحرم، وذبحُها فيه اتِّفاقًا، فإن قيِّد تفرقةَ اللحم بالحرم، تقيَّدت به اتِّفاقًا، وكذا إن أطلق على الأصحِّ، وإن ذكر ما لا يُشعِر بالتقرُّب؛ مثل أن قال: لله عليَّ أن أذبح بمكِّة، أو أنحرَ بها، فهو كما لو ذكر لفظ القربة عند الأكثرين، وقيل: لا يلزمه شيءٌ، وإن نذر أن يضحِّيَ بالبصرة، ويفرِّقَ اللحمَ بها، لزمه النحرُ والتفرقةُ، فإن فرَّق اللحمَ بغير البصرة؛ فإن أجزنا نقلَ الصدقات، جاز، وإن منعناه، فوجهان؛ لتصريحه بالالتزام.
وهذا الخلافُ جارٍ فيمن عيَّن الفقراءَ لصدقة، فإن جوَّزنا نقلَ اللحم، لم يجب الذبحُ بالبصرة، وإن منعنا النقلَ، ففي تعيُّن البصرة للذبح وجهان، فإن قلنا: لا يتعيَّن، فذَبَح بمكان آخر، ونقل اللحمَ إليها غضًّا طريًّا، وفرَّقه، أجزأه.
وإن نذر التضحيةَ بالبصرة، ولم يتعرَّض للتفرقة؛ فإن منعنا النقلَ إذا
стр. 2972
التزم التفرقةَ بالبصرة، ففي منعه هاهنا وجهان، فإن منعناه، ففي تعيُّن البصرة للذبح الوجهان.
* * *
٣٨٣٤ - فصل في نذر الهدايا والضحايا
إذا قال: لله عليَّ أن أضحِّيَ ببدنة، لزمه التضحيةُ ببعير، فإن ضحَّى ببقرة، أو بسبعٍ من الغنم؛ فإن لم يجد البعيرَ، جاز، وإن وجده، فقولان، [وأبعد مَنْ قال: إن وجده، لم يجز، وإن فقده، فقولان] (١)، فإن قلنا: تجزئه البقرةُ، [أو السبع] (٢) من الغنم، لم نشرط أن يساويَ البدنةَ في القيمة، وأبعد مَن شرط التساوي في القيمة، وقال: لو ذبح شاةً بقيمة البدنة، أجزأته، ويلزمه أن يطردَ ذلك في المعيبة.
ومَنْ نذر التصدقَ بدراهم، لم يجزئه التصدُّقُ بجنس آخر.
وإن قال: لله عليَّ أن أضحِّيَ ببقرة، أو بعير، أو شاة، فلا يجزئه إلَّا ما يجزئ في الضحايا، فلا يجزئ الفَصِيلُ، والحُوار، وأبعد مَنْ لم يشترط السنَّ، والسلامةَ من العيب، وقيل: إنْ ذكر البدنةَ، فلا بدَّ من السنِّ، والسلامة، وإن ذكر البقرةَ، والبعيرَ، والشاةَ، فلا يُشترط السنُّ، والسلامة، ويجزئُ الحقُّ، وابنُ اللبون، وابنُ المخاض؛ فإنَّ المتَبَعَ الاسمُ في كلِّ جنس، ولا يُؤخذ الفحلُ إن ذكر البقرةَ، والشاةَ اتِّباعًا للاسم، وعلى الأصحِّ: يجب
стр. 2973
التنزيلُ على ما يقتضيه الشرعُ في الضحايا؛ فإنَّه لو نذر صلاةً، لم يجزئه الدعاء، فكذلك هاهنا لا عبرةَ بالاسم المُعارض لعرف الشرع.
وإن قال: لله عليَّ هديٌ؛ فقولان:
أحدُهما: يلزمه أضحية يبلِّغها إلى الحرم، وأبعد مَنْ أشار إلى أنَّ تبليغَها إلى الحرم غيرُ واجب.
والثاني: يلزمه أقلُّ ما يتموَّل من أصناف الأموال، ثمَّ (لا يجب تبليغه) (١) إلى الحرم، خلافًا لأبي محمَّد، وإن نذر أن يهدي ظبيةً ويبلِّغها إلى مكَّة لزمه ذلك، وكذلك كلُّ قربة ماليَّة يضيفها إلى مكَّة، ولا يذبح الظبية عند المحقِّقين؛ إذ لا قربةَ في ذبحها مع أنَّه ينقص قيمتها، وكذلك ما عدا النعمَ من الحيوان، وإن قال: لله عليَّ أن أهديَ بعيرًا؛ فإن جوَّزنا المعيبَ، وأوجبنا التبليغَ، لم يذبحه على الأصحِّ، وقيل: يذبحه؛ نظرًا إلى جنسه.
٣٨٣٥ - فصل فيمَنْ نذر نقلَ شيء إلى مكَّة
إذا أشار إلى شيء من صنوف المال (٢)، وقال: لله عليَّ أن أُهديَ هذا، وأوجبنا التبليغ؛ فإن تعذَّر نقلُه؛ كالعقار، أو عَسُر نقلُه؛ كحجر الرَّحا، باعه، وتصدَّق بثمنه بمكة، وإن كان ممَّا ينقل مثلُه، نَقَلَه، وتصدَّق به بمكَّة، وليس له أن يبيعَه، ويتصدَّق بثمنه، فإن عَسُر عليه التصدُّق به، فهو كمَنْ لزمه زكاة،
стр. 2974
وعسر عليه التصدُّق بها، فتُجمع لذلك جمعًا يقبضونه بأنفسهم، أو وكيلهم، فإن نوى صرفَ شيء من ذلك في ستر الكعبة، أو طيبها، لزمه، وهذا يدلُّ على وجوب القُربات التي ليست عباداتٍ بالنذر، فإن كان ثوبًا يصلح لستر الكعبة، فنوى التصدُّقَ به، أو أطلق، لزمه التصدُّق به، وأبعد مَنْ أوجب صرفَه إلى الستر عند الإطلاق.
وإن نذر تطييبَ المسجدين، أو غيرهما من المساجد، ففي وجوبه تردُّد للإمام؛ إذ لا يبعدُ اختصاصُ الكعبة ومسجدها بذلك.
٣٨٣٦ - فرع:
إذا نذر الاعتكافَ في المسجد الحرام، أو التصدُّق بمكَّة، تعين ذلك اتِّفاقًا، وإن نذر الصوم بمكِّة، لم يتعيَّن، وأبعد مَنْ قال: [تتعيَّن للصوم] (١)، وفي غيره من القربات خلافٌ.
٣٨٣٧ - فصل فيما يجب بالنذر المطلق
إذا أطلق النذرَ، فهل يلزمُه أقل الواجبات، أو أقلُّ المندوبات؟ فيه قولان، أظهرُهما: وجوب أقلِّ المندوبات، فمَنْ نذر صلاةً، فصلى ركعةً واحدة قاعدًا مع قدرته على القيام؛ فإن نزَّلنا النذر؛ على الندب، أجزأته، وإن نزَّلناه على الوجوب، فلا بدَّ من ركعتين مع القيام، وإن نذر صومًا، أجزأه يومٌ، فإن نواه نهارًا؛ فإن نزلناه على الواجب، لم يجزئه، وإن نزَّلناه على
стр. 2975
الندب؛ فإن جعلناه صائمًا من حينَ نوى، أجزأه، وإن قال: لله عليَّ صومُ يوم، فنوى نهارًا، ونزَّلناه على الندب؛ فإن جعلناه صائمًا من أوَّل النهار، أجزأه، وإن جعلناه صائمًا من حينَ نوى، لم يجزئه، وإن نذر صدقةً، لزمه أقلُّ ما يُسمَّى صدقة، ولا يتعيَّن لذلك جنسُ مال الزكاة، ولا قدرها اتِّفاقًا، وهذا يقوِّي التنزيلَ على الندب، وإن نذر اعتكافًا، نزل على أقلِّ الدرجات؛ فإن جعلنا الحصولَ في المسجد من غير لُبْث اعتكافًا، ففي إجزائه هاهنا احتمال؛ لأنَّ اللفظَ مشعرٌ باللبث.
٣٨٣٨ - فصل فيمَنْ نذر الحجَّ أو العمرة ماشيًا أو راكبًا
إذا قال: لله عليَّ أن أمشيَ إلى بيت الله حاجًّا، أو أحجَّ ماشيًا، أو نذر ذلك في العمرة؛ فإن جعلنا الركوبَ أفضلَ، لم يجب المشيُ، وإن جعلنا المشيَ أفضل، لزمه أن يمشيَ في العمرة إلى التحلُّل، وهل يمشي في الحجِّ إلى التحلُّل الأوَّل، أو الثاني؟ فيه وجهان، وإن نذر أن يمشيَ من وطنه إلى الفراغ من النسك، ففي وجوبه فيما قبل الإحرام وجهان، فإن أوجبناه، فقال: لله عليَّ أن أحجَّ ماشيًا، أو أمشي حاجًّا، ففي وجوب المشي قبل الإحرام وجهان، وقيل: إن قال: أمشي حاجًّا، لزمه قبل الإحرام، وإن قال: أحجُّ ماشيًا، لم يلزمه قبل الإحرام، وهذا بعيدٌ؛ إذ لا فرقَ بينهما في اللسان.
وإذا أوجبنا المشيَ في الحجِّ، فركب؛ لعذر، أجزأه اتِّفاقًا، وإن ركب لغير عذر، ففي الإجزاء قولان، والأكثرون على الإجزاء، فإن قلنا: لا يجزئه، فلا يُتصوَّر أن يسبقَ النفلُ الفرضَ من الحُرِّ المكلَّف إلَّا في هذه الصورة، ولو
стр. 2976
مشى في بعض الطريق، وركب في بعضها، ففي المشي في القضاء قولان:
أحدُهما: يلزمه المشيُ في جميع القضاء.
والثاني: يلزمه أن يمشيَ حيث ركب، وله أن يركبَ حيث مشى، وهذا بعيدٌ، وهو ظاهر النصِّ، وإذا أحرم بالحجِّ، ثمَّ فاته، أو أفسده، ففي وجوب المشي في بقيَّتِه وجهان، وإن قال: لله عليَّ أن أحجَّ راكبًا؛ فان جعلنا المشيَ أفضلَ، لم يجب الركوبُ، وإن جعلنا الركوبَ أفضل، لزمه، وكان تفريعه كتفريع نذر المشي.
٣٨٣٩ - فصل فيمَنْ نذر إتيانَ المساجد
إذا نذر إتيانَ مسجد غير المساجد الثلاثة، لم يلزمه؛ فإنْ شدَّ إليه رحلَه، لم يُكره، وتردَّد أبو محمَّد في التحريم والكراهة.
وإن نذر إتيانَ مسجد المدينة، أو المسجد الأقصى، ففي وجوبه قولان، فإن أوجبناه، ففي الاكتفاء به وجهان، فإن قلنا: يُكتفى به، فأتى بابَ المسجد، ثمَّ انصرف، فينبغي ألَّا يجزئَه حتَّى يدخل، وإن قلنا: لا يكتفى به، وهو الأصحُّ، ففيما يلزمه أوجهٌ:
أحدُها: يلزمه اعتكافُ لحظة.
والثاني: صلاةٌ صحيحة، فإن أتى بركعة واحدة، احتُمل أن يجزئه (١) اتِّفاقًا؛ لأئها غيرُ مقصودة بالنذر، واحتُمل التخريجُ على القولين في التنزيل
стр. 2977
على أقلِّ الندب، أو أقلِّ الواجب.
والثالث: يتخيَّر بين الصلاة، والاعتكاف.
وفي مسجد المدينة وجهٌ رابع: أنَّه يكفيه زيارةُ قبر رسول الله ﷺ ، وقياسُ هذا أنه لو تصدَّق فيه، أو صام يومًا، أجزأه، ويمكن أن يُفرَّق بأنَّ المَزورَ في رقعة المسجد.
وإن نذر المشيَ في الإتيان، ففي وجوبه وجهان كالمشي قبل الإحرام.
٣٨٤٠ - فصل فيمن نذر الصلاةَ في المساجد
إذا نذر الصلاةَ في أحد المسجدين، لزمه ذلك قولًا واحدًا، وقيل: يُخرَّج على قولي وجوب الإتيان، فإن أوجبنا الصلاةَ هاهنا، لزمته إذا نذر مجرَّدَ الإتيان، وإن نذر صلاة في مسجد المدينة، فصلاها في غير المساجد الثلاث، لم تجزئه، وإن صلَّاها في المسجد الحرام، أجزأته على الأصحِّ، وإن صلَّاها في الأقصى، فوجهان، وإن صلَّى في غير المساجد الثلاث ألفَ صلاة بدلًا عن صلاة مسجد المدينة، أو نذر ألفَ صلاة، فصلى في مسجد المدينة صلاة واحدة، لم تجزئه؛ فإنَّ فضيلةَ العدد لا تُقابَل بفضيلة الصفة، وإن نذر الصلاةَ بالمسجد الحرام، لم تسقط بمسجد المدينة.
٣٨٤١ - فصل في نذر إتيان الحرم
إذا نذر إتيانَ الحرم؛ فإن جعلنا دخولَه موجبًا للنسك، ونزَّلنا النذرَ على
стр. 2978
الواجب، لزمه حجٌّ أو عمرة، وإن قلنا: الدخولُ لا يوجب النسكَ، ونزَّلنا النذرَ على الندب، فهو كنذر إتيان المسجدين، فإن قلنا: يجب مع ضمِّ قربة إليه، فالقربةُ صلاة أو نسكٌ، أو يتخيَّر بينهما؟ فيه ثلاثةُ أوجه، ولا يتَّجه تعيُّن الاعتكاف؛ لعدم اختصاصه، ولا يبعد الاكتفاءُ بمجرَّد الطواف، وأن يتخيَّر بين النسك، والصلاة، والطواف، والاعتكاف.
وإن نذر إتيانَ موضع من الحرم لا نسكَ فيه؛ كدار أبي جهل، أو نذر أن يضربَ بثوبه حطيمَ الكعبة، فهو كنذر إتيان الحرم، وإن نذر إتيانَ عرفة، لم يلزمه شيءٌ عند الأصحاب؛ إذ لا قربةَ في وقوف الحلال، وللقاضي فيه جوابان:
أحدُهما: يلزمه الحجُّ.
والثاني: إن خطر له حضورُها في يوم عرفة، لزمه الحضورُ، وإلَّا فلا شيءَ عليه:
قال الإمام: إن عبَّر بذلك عن التزام الحجِّ، لزمه الحجُّ، وإن لم يخطر له الحجُّ، ففيه اختلاف للقاضي والأصحاب، ولا فرق في هذه المسائل بين أن ينذرَ المشيَ أو الإتيانَ، أو الذهاب.
٣٨٤٢ - فرع:
إذا نذر إتيانَ بيت الله، لم يلزمه شيء على الأصحِّ، وقيل: يُحمل على إتيان الكعبة، وإن نذر الصلاةَ في الكعبة، فصلى في أقطار المسجد، أجزأه عند أبي محمَّد.
* * *
стр. 2979
٣٨٤٣ - فصل فيمَنْ نذر الصومَ أو الحجَّ في وقت معيَّن
إذا نذر الصومَ في وقت معيَّن، أو نذر الحجَّ في سنة معيَّنة، فقولان:
أحدُهما: لا يتعيَّن الوقتُ لذلك، فيجوز التقديمُ والتأخير ويقع أداءً.
والثاني -وهو الأصحُّ-: أنَّه يتعيَّن، فإنْ قدَّمه، لم يجزئه، وإن أخَّره، وقع قضاء، ولا يثبت له خواصُّ رمضان، فإن صامه عن قضاء، أو نذر، أجزأه، ولا تجب الكفَّارة بإفساده بالجماع.
فإن عيَّن شهرًا، فأفسد يومًا منه بغير عُذْر؛ فإن قلنا: يتعيَّن؛ فإن لم يقيِّده بالتتابع، لم يفسد ما مضى، وإن قَيَّده، فوجهان، فإن قلنا: يفسد، لزمه صومُ شهر متتابعًا.
وإن عيَّن للصوم مكانًا، لم يتعَّين، وإن نذر صومَ أيَّام، وقيَّدها بالتفريق، لم يجب التفريقُ على الأصحِّ، ولا يُخرَّج على القولين في تعيين الزمان؛ فإنَّه غيرُ مقصود بالنذر هاهنا.
وإن نذر صومَ سنة أو أشهر، أو أيَّام، تخيَّر بين التتابع، والتفريق.
وإن نذر صومًا متتابعًا، لزمه، فإن فرَّقه بعذر، أو غير عذر، كان كتفريق صوم الظهار في محالِّ الخلاف والوفاق.
وإن نذر صومَ سنة معيَّنة، جاز له الفطرُ بالسفر والمرض والحيض، ويقضي أيَّامَ السفر على الظاهر، وفي أيَّام المرض والحيض قولان، ولا يقضي العيدين وأيَّام التشريق ورمضان.
[وإن نذر صومَ سنة ولم يعيِّن، صام اثني عشر شهرًا بالهلال، فإن
стр. 2980
افتتحها بالمحرَّم، قضى العيدين، وأيَّام التشريق، ورمضان] (١)، وغلط من قال: لا يجب قضاءُ ذلك.
٣٨٤٤ - فرع:
إذا نذر الحجَّ في سنة معينة، وقلنا: يتعيَّن، فأحرم في تلك السنة، ثمَّ تحلَّل بالإحصار، أو تعذَّر عليه أن يُحرمَ بسبب الإحصار، أو بمرض، أو عدم استطاعة، لم يلزمه القضاءُ على المذهب، وقيل: يجب القضاءُ إذا تعذَّر بغير الإحصار.
٣٨٤٥ - فرع:
إذا صام تطوُّعًا، ثمَّ نذر إتمامَ ذلك اليوم، لزمه اتِّفاقًا، وإن أصبح ممسكًا فنذر صومَ بقية اليوم؛ فإن نزَّلنا النذرَ على الواجب، لم ينعقد نذرُه، وإن نزَّلناه على الندب، انعقد، ولزمه صومُ بقيَّة اليوم، وصحَّح الإمام الإيجابَ في بقيَّة اليوم، وخصَّ القولين بالنذر المطلق.
وقد قال الأصحابُ: لو نذر أن يصلِّيَ ركعةً واحدة، أو نذر أن يصلِّي قاعدًا، فلا يلزمه ركعتان، ولا القيام، وخرَّجه الإمامُ على القولين، فإن منعنا صومَ بعض يوم، فقال: لله عليَّ أن أصومَ بعضَ يوم، أو لله عليَّ أن أركعَ أو أسجد؛ ففي صحَّة نذره وجهان، فإن قلنا: يصحُّ كان كمَنْ نذر صلاة، ويلزمه صومُ يوم بنيَّة من الليل.
وقال الإمامُ: إذا نذر صومَ يوم، لم يكفه النيَّة نهارًا؛ وإن قلنا: إنَّه صائم