مشى في بعض الطريق، وركب في بعضها، ففي المشي في القضاء قولان:
أحدُهما: يلزمه المشيُ في جميع القضاء.
والثاني: يلزمه أن يمشيَ حيث ركب، وله أن يركبَ حيث مشى، وهذا بعيدٌ، وهو ظاهر النصِّ، وإذا أحرم بالحجِّ، ثمَّ فاته، أو أفسده، ففي وجوب المشي في بقيَّتِه وجهان، وإن قال: لله عليَّ أن أحجَّ راكبًا؛ فان جعلنا المشيَ أفضلَ، لم يجب الركوبُ، وإن جعلنا الركوبَ أفضل، لزمه، وكان تفريعه كتفريع نذر المشي.
٣٨٣٩ - فصل فيمَنْ نذر إتيانَ المساجد
إذا نذر إتيانَ مسجد غير المساجد الثلاثة، لم يلزمه؛ فإنْ شدَّ إليه رحلَه، لم يُكره، وتردَّد أبو محمَّد في التحريم والكراهة.
وإن نذر إتيانَ مسجد المدينة، أو المسجد الأقصى، ففي وجوبه قولان، فإن أوجبناه، ففي الاكتفاء به وجهان، فإن قلنا: يُكتفى به، فأتى بابَ المسجد، ثمَّ انصرف، فينبغي ألَّا يجزئَه حتَّى يدخل، وإن قلنا: لا يكتفى به، وهو الأصحُّ، ففيما يلزمه أوجهٌ:
أحدُها: يلزمه اعتكافُ لحظة.
والثاني: صلاةٌ صحيحة، فإن أتى بركعة واحدة، احتُمل أن يجزئه (١) اتِّفاقًا؛ لأئها غيرُ مقصودة بالنذر، واحتُمل التخريجُ على القولين في التنزيل
стр. 2977
على أقلِّ الندب، أو أقلِّ الواجب.
والثالث: يتخيَّر بين الصلاة، والاعتكاف.
وفي مسجد المدينة وجهٌ رابع: أنَّه يكفيه زيارةُ قبر رسول الله ﷺ ، وقياسُ هذا أنه لو تصدَّق فيه، أو صام يومًا، أجزأه، ويمكن أن يُفرَّق بأنَّ المَزورَ في رقعة المسجد.
وإن نذر المشيَ في الإتيان، ففي وجوبه وجهان كالمشي قبل الإحرام.
٣٨٤٠ - فصل فيمن نذر الصلاةَ في المساجد
إذا نذر الصلاةَ في أحد المسجدين، لزمه ذلك قولًا واحدًا، وقيل: يُخرَّج على قولي وجوب الإتيان، فإن أوجبنا الصلاةَ هاهنا، لزمته إذا نذر مجرَّدَ الإتيان، وإن نذر صلاة في مسجد المدينة، فصلاها في غير المساجد الثلاث، لم تجزئه، وإن صلَّاها في المسجد الحرام، أجزأته على الأصحِّ، وإن صلَّاها في الأقصى، فوجهان، وإن صلَّى في غير المساجد الثلاث ألفَ صلاة بدلًا عن صلاة مسجد المدينة، أو نذر ألفَ صلاة، فصلى في مسجد المدينة صلاة واحدة، لم تجزئه؛ فإنَّ فضيلةَ العدد لا تُقابَل بفضيلة الصفة، وإن نذر الصلاةَ بالمسجد الحرام، لم تسقط بمسجد المدينة.
٣٨٤١ - فصل في نذر إتيان الحرم
إذا نذر إتيانَ الحرم؛ فإن جعلنا دخولَه موجبًا للنسك، ونزَّلنا النذرَ على
стр. 2978
الواجب، لزمه حجٌّ أو عمرة، وإن قلنا: الدخولُ لا يوجب النسكَ، ونزَّلنا النذرَ على الندب، فهو كنذر إتيان المسجدين، فإن قلنا: يجب مع ضمِّ قربة إليه، فالقربةُ صلاة أو نسكٌ، أو يتخيَّر بينهما؟ فيه ثلاثةُ أوجه، ولا يتَّجه تعيُّن الاعتكاف؛ لعدم اختصاصه، ولا يبعد الاكتفاءُ بمجرَّد الطواف، وأن يتخيَّر بين النسك، والصلاة، والطواف، والاعتكاف.
وإن نذر إتيانَ موضع من الحرم لا نسكَ فيه؛ كدار أبي جهل، أو نذر أن يضربَ بثوبه حطيمَ الكعبة، فهو كنذر إتيان الحرم، وإن نذر إتيانَ عرفة، لم يلزمه شيءٌ عند الأصحاب؛ إذ لا قربةَ في وقوف الحلال، وللقاضي فيه جوابان:
أحدُهما: يلزمه الحجُّ.
والثاني: إن خطر له حضورُها في يوم عرفة، لزمه الحضورُ، وإلَّا فلا شيءَ عليه:
قال الإمام: إن عبَّر بذلك عن التزام الحجِّ، لزمه الحجُّ، وإن لم يخطر له الحجُّ، ففيه اختلاف للقاضي والأصحاب، ولا فرق في هذه المسائل بين أن ينذرَ المشيَ أو الإتيانَ، أو الذهاب.
٣٨٤٢ - فرع:
إذا نذر إتيانَ بيت الله، لم يلزمه شيء على الأصحِّ، وقيل: يُحمل على إتيان الكعبة، وإن نذر الصلاةَ في الكعبة، فصلى في أقطار المسجد، أجزأه عند أبي محمَّد.
* * *
стр. 2979
٣٨٤٣ - فصل فيمَنْ نذر الصومَ أو الحجَّ في وقت معيَّن
إذا نذر الصومَ في وقت معيَّن، أو نذر الحجَّ في سنة معيَّنة، فقولان:
أحدُهما: لا يتعيَّن الوقتُ لذلك، فيجوز التقديمُ والتأخير ويقع أداءً.
والثاني -وهو الأصحُّ-: أنَّه يتعيَّن، فإنْ قدَّمه، لم يجزئه، وإن أخَّره، وقع قضاء، ولا يثبت له خواصُّ رمضان، فإن صامه عن قضاء، أو نذر، أجزأه، ولا تجب الكفَّارة بإفساده بالجماع.
فإن عيَّن شهرًا، فأفسد يومًا منه بغير عُذْر؛ فإن قلنا: يتعيَّن؛ فإن لم يقيِّده بالتتابع، لم يفسد ما مضى، وإن قَيَّده، فوجهان، فإن قلنا: يفسد، لزمه صومُ شهر متتابعًا.
وإن عيَّن للصوم مكانًا، لم يتعَّين، وإن نذر صومَ أيَّام، وقيَّدها بالتفريق، لم يجب التفريقُ على الأصحِّ، ولا يُخرَّج على القولين في تعيين الزمان؛ فإنَّه غيرُ مقصود بالنذر هاهنا.
وإن نذر صومَ سنة أو أشهر، أو أيَّام، تخيَّر بين التتابع، والتفريق.
وإن نذر صومًا متتابعًا، لزمه، فإن فرَّقه بعذر، أو غير عذر، كان كتفريق صوم الظهار في محالِّ الخلاف والوفاق.
وإن نذر صومَ سنة معيَّنة، جاز له الفطرُ بالسفر والمرض والحيض، ويقضي أيَّامَ السفر على الظاهر، وفي أيَّام المرض والحيض قولان، ولا يقضي العيدين وأيَّام التشريق ورمضان.
[وإن نذر صومَ سنة ولم يعيِّن، صام اثني عشر شهرًا بالهلال، فإن
стр. 2980
افتتحها بالمحرَّم، قضى العيدين، وأيَّام التشريق، ورمضان] (١)، وغلط من قال: لا يجب قضاءُ ذلك.
٣٨٤٤ - فرع:
إذا نذر الحجَّ في سنة معينة، وقلنا: يتعيَّن، فأحرم في تلك السنة، ثمَّ تحلَّل بالإحصار، أو تعذَّر عليه أن يُحرمَ بسبب الإحصار، أو بمرض، أو عدم استطاعة، لم يلزمه القضاءُ على المذهب، وقيل: يجب القضاءُ إذا تعذَّر بغير الإحصار.
٣٨٤٥ - فرع:
إذا صام تطوُّعًا، ثمَّ نذر إتمامَ ذلك اليوم، لزمه اتِّفاقًا، وإن أصبح ممسكًا فنذر صومَ بقية اليوم؛ فإن نزَّلنا النذرَ على الواجب، لم ينعقد نذرُه، وإن نزَّلناه على الندب، انعقد، ولزمه صومُ بقيَّة اليوم، وصحَّح الإمام الإيجابَ في بقيَّة اليوم، وخصَّ القولين بالنذر المطلق.
وقد قال الأصحابُ: لو نذر أن يصلِّيَ ركعةً واحدة، أو نذر أن يصلِّي قاعدًا، فلا يلزمه ركعتان، ولا القيام، وخرَّجه الإمامُ على القولين، فإن منعنا صومَ بعض يوم، فقال: لله عليَّ أن أصومَ بعضَ يوم، أو لله عليَّ أن أركعَ أو أسجد؛ ففي صحَّة نذره وجهان، فإن قلنا: يصحُّ كان كمَنْ نذر صلاة، ويلزمه صومُ يوم بنيَّة من الليل.
وقال الإمامُ: إذا نذر صومَ يوم، لم يكفه النيَّة نهارًا؛ وإن قلنا: إنَّه صائم
стр. 2981
من أوَّل النهار، وقد قدَّمنا ما يخالف ما ذكره، وإن نذر ركوعًا مفردًا، أو سجودًا لا سببَ له، لم يلزمه الركوعُ، وكذا السجودُ إذا قلنا: لا يسجد بغير سبب.
* * *
٣٨٤٦ - فصل فيمَنْ نذر صومَ اليوم الذي يَقْدَم فيه فلان
إذا نذر ذلك، فقدم فلان ليلًا، لم يلزمه شيء، وإن قدم نهارًا، لم يمكن الوفاءُ في ذلك اليوم اتِّفاقًا، وفي القضاء قولان مأخذُهما أنَّ الوجوبَ يستند إلى وقت القدوم، أو إلى أوّل اليوم؟ فإن أسندناه إلى وقت القدوم، لم يجب القضاء؛ لأنَّه التزم إيقاعَ صوم يوم في بعضه، والمستحيل لا يلزم بالنذر؛ كمن نذر الحجَّ في سنة معيَّنة، وبينه وبين عرفة يومٌ واحد، والمسافة ألفُ فرسخ، وإن أسندناه إلى أوَّل النهار فبيَّت النيَّة على وعد يثق به في القدوم، ففي إجزاء صومه عن النذر وجهان.
وإن قال لأمته: أنت حرَّة يوم يقدَم فلان، أو قال لزوجته: أنت طالق يوم يقدَم فلان، فقدم نهارًا، فهل يقع العتقُ والطلاقُ حالَ القدوم، أو بتبيُّن وقوعه من أوَّل النهار؛ فيه القولان.
وإن نذر صومَ يوم القدوم أبدًا، لزمه ذلك في المستقبل، وفي يوم القُدوم الخلافُ، فإنْ عيَّنَّا الزمانَ، أو نذر صومَ الأثانين، وعيَّنا الزمان، فصادف تلك الأيَّام عذرٌ، أو عيدٌ، أو حيضٌ لا يغلب وقوعُه فيها، ففي وجوب القضاء وجهان يجريان في كلِّ ما يُتردَّد في وقوعه، فإن كان حيضُها عشرةَ أيَّام، لم يجب القضاءُ على المذهب، ولا يقضي أربع أثانين عن رمضان، وفي الخامس
стр. 2982
الوجهان، فإن لزمه صومُ شهرين عن كفَّارة، وجب (١) صومُهما، ويلزمه قضاءُ أثانينهما، ولو وجب صومُ الكفَّارة، ثمَّ نذر صومَ الأثانين، فصام الشهرين، لم يجب قضاءُ (٢) الأثانين على الأصحِّ.
٣٨٤٧ - فصل في فروع مفرَّقة
من نذر صومَ يوم العيد، أو أيَّام الحيض، لم يصحَّ نذرُه، ومن نذر صومَ يوم الشكِّ، أو الصلاةَ في أوقات الكراهة، فوجهان، ومن نذر صومَ الدهر، لزمه إلَّا في العيدين، وأيَّام التشريق، ورمضان، فإن أفطر لعذر، فلا فديةَ عليه، ولا قضاءَ؛ كمن أفطر في رمضانَ بعذر، فدام عذرُه إلى الموت، وإن أفطر لغير عذر، لم يُتصوَّر قضاؤُه، فليبادر إلى إخراج الفدية؛ فإنَّ صومَ النذر يُقابَل بما يُقابَل به (٣) صومُ رمضان على المذهب الظاهر، فإن جوَّزنا للوليِّ أن يصومَ عن الميت، فالظاهر أنَّه يصوم عنه هاهنا في حياته، ويُحتمل ألَّا يجوزَ؛ فإنَّه قد يطرأ عذرٌ يبيح الفطرَ، فيوقع فيه القضاء، وإن ترك يومًا بغير عُذْر، [ثم قضاه] (٤)، فالوجهُ تصحيحُ القضاء، وإلزامُ الفدية عن الأداء.
стр. 2983
كِتَابُ أَدَبِ القَضَاءِ
стр. 2984
كِتَابُ أَدَبِ القَضَاءِ
٣٨٤٨ - القضاء من أهمِّ فروض الكفاية، وهو في رتبة الجهاد، ولطالبه حالان:
إحداهما: ألَّا يكونَ في الناحية مَنْ يصلح له سواه، فيلزمه طلبُه، ويجب على الإمام توليتُه، ويلزمه قَبولُه، وإن عرف من نفسه الجَوْرَ، ومخالفةَ الحقِّ؛ فإنَّ فرضَ العين لا يسقط باستشعار المخالفة، فإن امتنع أثم، وإن قبله، وجار، أثم، وإن كان خاملًا، لزمه أن يبين صلاحيتَه لذلك.
الثانية: أن يكون في الناحية جمعٌ يصلحون لذلك، فله أحوال:
الأولى: أن يساويَهم في الصفات المشروطة، فإن ولَّاه الإمامُ بغير (١) طلب؛ فإن غلب على ظنِّه خوفُ الجَوْر، فالأدبُ أن يعتذرَ، وينصرف، وإن لم يغلب ذلك، فينبغي أن يقبلَ، وللعراقيِّين وجهٌ في وجوب القَبول، وهو مخصوصٌ بما إذا جزم الإمامُ بالتولية؛ فإنَّه إن كان على خِيَرته، لم يجب القبول؛ فإنَّ الامتثالَ إنَّما يجب إذا جزم به الإمامُ.
وإن طلب التوليةَ، فله حالان:
إحداهما: أن يعرفَ نفسَه بالجَوْر؛ لاغتلام شهوته، وقوَّة غضبه، فإن
стр. 2985
طلب على قصد الجَوْر، حَرُم؛ فإنَّ أخذَ الأمانة على قصد الخيانة حرامٌ؛ كأخذ الوديعة واللقطة على قصد الخيانة، وإن لم يقصد ذلك، وقصد بذلَ الجهد في العدل، كُره كراهةً شديدة، ولم يحرم، بخلاف ما لو حال بينه وبين فرض الكفاية خوفٌ محسوس؛ كالأسد الضاري ونحوه، فلا يجوز له الاقتحامُ؛ إذ لا يشبه ذلك ما يُتوقَّع من رداءة الأخلاق.
الثانية: ألَّا يستشعرَ ذلك، فله حالان:
إحداهما: ألَّا يكونَ قد اختبر نفسَه في أمثال ذلك، فإن لم يجد كفايةً، لم يحرم الطلبُ [لأجل الكفاية] (١)، وإن كان له كفاية، كره كراهةً خفيفة.
الثانية: أن يكون قد اختبر نفسَه في أمثاله، فلم يَجُرْ فيه، ولا يستشعر الخوف، ففي كراهة طلبه وجهان، فإن قلنا: لا يُكره، استُحِبَّ على أقيس الوجهين.
الحال الثانية: أن يكون الطالبُ أفضلَ الجماعة، فإن غلب على ظنِّه الجورُ أو لم يعرفه، ولم يختبر نفسَه، فحكمه في ذلك كحكمه عند المساواة، والخلاف ههنا مرتَّب على الخلاف في صور (٢) المساواة، وحيث كرهناه ثَمَّ، فالكراهة هاهنا أخفُّ.
الحال الثالثة: أن يكون في الجماعة مَنْ هو أفضلُ من الطالب، فهذا مبنيٌّ على الخلاف في تولية المفضول مع إمكان تولية الفاضل، فإن كان في
стр. 2986
الإمامة، ففي جوازه خلاف (١)، وإن كان في القضاء، فالأكثرون على الجواز، فإن أجزناه، كُره المطلب، وإن ولَّاه الإمامُ، صحَّت (٢) ولايتُه، وحرم القاضي الطلبَ، وكُره للإمام أن يولِّيه، وقال: إن ولَّاه، انعقدت ولايتُه، وهذا خطأ، إذ لا يصحُّ تحريمُ [طلب الصحيح] (٣) الجائز.
٣٨٤٩ - فصل في القضاء في المسجد واتِّخاذ الحاجب
إذا حكم في المسجد بقضيَّة، أو قضايا في أيَّام، جاز، وإن جعله مجلسًا معتادًا للقضاء، كُره على الأصحِّ، وقيل: لا يُكره، بل الأولى تركُه.
وإن اتخذ حاجبًا، فقد قيل: إن لم يجلس للقضاء، جاز، وإن جلس، فوجهان، وقيل: عكسه، ولا وجهَ لهذا الخلاف؛ فإنَّه إن خلا بنفسه، جاز، وإن جلس للحكم؛ فإن اقتضت المصلحةُ ذلك؛ دفعًا للزحمة، جاز، وإن اقتضت خلافَ ذلك، فعل ما فيه المصلحةُ.
٣٨٥٠ - فصل في صفة مجلس الحكم وما يتركه الحاكم
ينبغي أن يجلسَ في أرفق مكان يتِّسع للخصوم، ومَنْ يتعلَّق بهم ممَّن
стр. 2987
يغشى المجلسَ، ظليلًا في الصيف، مهبًّا للرياح، كِنًّا في الشتاء.
ويُستحبُّ له أن يشاورَ، ولا ينبغي أن يبيعَ ويشتري بنفسه، بل يوكِّل في ذلك مَنْ لا يُعرَف بأنَّه وكيلُه، ولا ينبغي أن يحضرَ وليمةً هيِّئت له، أو لطائفة من المعتبرين لا يشركهم فيها أحدٌ من العوامِّ، ويحضر ما يشهده من العامَّة ما يبطل به معنى التخصيص؛ فإنَّ حضورَه مشروطٌ بألَّا يخصَّ بذلك بعضَ الناس.
ومَنْ جاوز حدَّ الشرع من الخصوم نهاه، فإن عاد، زَبَرَهُ، فإن عاد، عزَّره تدريجًا كما يفعله الزوجُ إذا نشزت زوجتُه.
ولا يقضي مع وجود ما يوجب خللًا في البصيرة، أو مللًا يمنع التأمُّلَ والتثُّبتَ في الاجتهاد؛ كالحزن الشديد، والجوع، والعطش، ونحوهما، فإن احتدَّ حدَّة لا تمنع السدادَ؛ فإن كان غضبُه لله تعالى مع ملكه نفسَه فيما يتعلَّق بحظِّه، فلا ينافي ذلك ما ذكرناه؛ فإنَّه ﵇ حكم للزُّبير لما أحفظه الأنصاريُّ (١).
٣٨٥١ - فصل فيما يُنقَضُ من الأحكام
لا ينقض الحاكمُ حكمَ نفسه، ولا حكمَ غيره إلَّا أن يخالفَ ما يعدُّه الأصوليُّ قاطعًا، فيلزمه نقضُ كلِّ حكم خالف نصَّ الكتاب، أو السنة المتواترة، أو إجماع الأمَّة، أو استند إلى قياس معارض للخبر من غير تأويل؛
стр. 2988
كخبر خيار المجلس، وذكاة الجنين بذكاة أمِّه، والمُصَرَّاة، والعرايا، وكذلك من قدَّم القياسَ على الخبر، وتأوَّل الخبرَ بتأويل يبطله أهلُ الأصول، أو حكم بما يختصُّ به الظاهريةُ عن أهل القياس، أو بالاستحسان المخالف للقياس الموافق للشرع، أو بنى حكمه على مسلك خفيٍّ في معارضة مسلك جليٍّ؛ كإباحة التصرُّفات للعبد إذا أذن السيِّد في بعضها، أو حكم بما يخالف القواعدَ الكُليَّة؛ كإسقاط القصاص في القتل بالمثقَّل، ومعظم مسائل الغُصوب والحدود، أو قطع النكاح بأكثر كلمات اللعان، أو صحَّح نكاحَ امرأة المفقود بعد تربُّص أربع سنين، وعدَّة الوفاة، فذلك ونظائره منقوضٌ، وقد نقض عمرُ بن عبد العزيز ﵁ حكمه في مسألة الخراج بالضمان لمَّا وقف على الخبر (١)، ونقض عليٌّ حكمَ شُريح لمَّا حكم في زوج وابني عمٍّ أحدُهما أخ لأمٍّ بأنَّ للزوج النصفَ، والباقي للذي (٢) هو أخ لأمٍّ (٣).
والضابط: أنَّ مَنْ حكم بما يخالف مراتبَ الأدلَّة نُقض حكمُه، وإن اتَّحدت المرتبةُ، ووقع الخلافُ في الترجيح، أو تعارض قياسان لا يمكن الأصوليَّ الحكمُ بكونهما في مرتبتين، فهذا لا يُنقض؛ فإنَّ عمر رجع عن مسألة المشرَّكة، ولم ينقض حكمَه فيها، ويضبط ذلك بما وقع الخلافُ فيه في تصويب المجتهدين، أو بما لا يتعيَّن فيه المُصيبُ.
стр. 2989
٣٨٥٢ - فرع:
إذا علم الحاكمُ أنَّه أخطأ في حكم، لزمه تتبُّعُه بالنقض، فإن التبس محلُّ الخطأ بغيره من الوقائع، فعليه البحثُ جهدَه، فإن لم يظفر به، فلا حرجَ عليه، ولا يلزمه تتبُّعُ أحكام القاضي المعزول، وما رُفع إليه منها فعل فيه (١) ما يقتضيه الشرعُ.
٣٨٥٣ - فصل فيما يُشترط فيه العددُ وما لا يُشترط
لا يُشترط العددُ في القائف، ويشترط في المقوِّم اتِّفاقًا، وكذا المُترجِم عند الأئمة، وفي الخارص والقاسم خلافٌ، وقال الإمامُ: إن كان في القسمة تقويمٌ، فلا بدَّ من العدد، وإن رجعت إلى معرفة الأنصباء حِسًّا، ففيه الخلاف.
والاجتهادُ شرطٌ في الحاكم على الأصحِّ، فلا بدَّ من معرفته بلغة العرب، فإن لم يعرف لغةَ الخصمين، فلا بدَّ من مترجمين.
وإن كان الحاكمُ والخصمان صُمًّا، فلا بدَّ من مُسْمِعين، ولو كان القاضي أو أحدُ الخصمين أصمَّ، ففي الاكتفاء بمُسْمِع واحد وجهان، وقطع الإمامُ بالتسوية بين المُسْمِع والمترجم؛ لأنَّ المسمعَ ينقل إليه اللفظَ، والمترجِم ينقل معناه، وقال: إذا عرف الخصمان العربية دون النظم، أو كانا سميعين، والقاضي أُطْرُوشٌ، كفى مترجمٌ واحد، ومُسْمِع واحد، وحقُّ الحاكم حينئذٍ أن يعتمدَ على تقرير الخصمين إذا كانا مدركين، والأولى أن يستظهرَ بإشارتهما،
стр. 2990
وذكر الأصحابُ هاهنا وجهين.
وإن كان القاضي والخصمان صمًّا، أو كان الخصمان أعجميَّين، فالوجه: القطعُ باشتراط العدد، وذكر الأصحاب في المسمع وجهين، وطردهما الإمامُ في المترجم.
وإن كانوا صمًّا، أو كان الخصمان أعجميَّين، وبالحضرة عدولٌ يعرفون لغةَ الجميع، وقد أمرهم الحاكمُ بالمراقبة والإصغاء، انقدح هاهنا وجهان.
وإن كانا أعجميَّين أو أصمَّين والقاضي سميعٌ، لم يُشترط العددُ فيمن يترجم كلامَ أحدهما للآخر، أو يسمعه إيَّاه؛ لأنَّ الحاكمَ مأمور بالمراقبة والإصغاء، وليست الترجمةُ والإسماعُ شهادةَ محقَّقة، ولذلك يُقبلان من غير تقدُّم دعوى.
وقال الأئمة: إن شرطنا العددَ في الترجمة والإسماع، ففي لفظ الشهادة خلافٌ، وإن لم نشرط العددَ، فلا بدَّ من العدالة، ولا يُشترط لفظ الشهادة، والأصحُّ: أنَّه كالرواية، فلا يُشترط فيه الحرِّيَّة، وشرائط الشهادة، وإذا شرطنا العددَ في الترجمة، فلا بدَّ من الذكورة وإن كانت الدعوى بمال.
* * *
٣٨٥٤ - فصل في التزكية
الاستزكاء في جليل الحقوق وحقيرها حقٌّ لله متحتِّم على الحاكم، وإن لم يطلبه الخصمُ، فإن أقرَّ الخصمُ بعدالة الشاهدين، وزعم أنَّهما زلَّا في تلك الشهادة؛ فإن عرف الحاكمُ فسقَهما، لم يحكم عليه اتِّفاقًا، وإن لم يعرفه، فوجهان، فإن قلنا: يحكم، لزمه البحثُ عمَّا يمنع قبولَ الشهادة؛ كالتغفُّل
стр. 2991
وغيره، وإن علم الحاكمُ فسقَ الشاهد، أو عدالتَه علمًا يسلِّطه على الشهادة بذلك، فله الحكمُ بعلمه اتِّفاقًا، وإن قلنا: لا يحكم بعلمه، فإن طلب الخصمُ التزكيةَ، لم يجبه إلى ذلك، وأبعد مَنْ قال: لا يُكتفى بعلمه في التعديل، ولا يُقبل الجرحُ والتعديل إلَّا من رجلين وإن كانت الدعوى بمال.
وشرطُ التزكية أن تطولَ خبرةُ المزكِّي بباطن الشاهد في الأحوال التي يظهر فيها مكنونُ الأسرار، وعلى الحاكم أن يبحثَ عن خبرته الباطنة إلَّا أن يكونَ عالمًا باشتراط ذلك، وقد ألف منه أنَّه لا يشهد بدون الخبرة، وأبعد مَنْ شرط مراجعتَه في كلِّ تزكية.
وإذا عدَّل اثنان، وجَرَّح اثنان، قُدِّم الجرحُ، وإن عدَّل اثنان، وجرح واحد، لم يبال بالجرح، وقال أبو إسحاق المروزيُّ: يقول له الحاكم: زد شهودَك، ولعلَّه أراد الاحتياطَ، ولا وجهَ لقوله بحال.
٣٨٥٥ - فرع:
إذا زكَّى الرجلُ ولدَه أو والدَه، أو حكم الحاكمُ بشهادة ابن نفسه أو أبيه، ففي ثبوت العدالة، ونفوذ القضاء وجهان، وقال الإمامُ: إن ثبتت تزكيةُ ابن الحاكم بعدلين، حكم بشهادته على الأصحِّ، وإن اعتمد في عدالته على علمه، ففيه الوجهان.
٣٨٥٦ - فرع:
إذا رجع المزكِّيان، أو شهودُ الإحصان بعد الحكم، ففي وجوب الغُرْم عليهما وجهان.
стр. 2992
٣٨٥٧ - فرع:
حقَّ على الحاكم أن يرتِّبَ المترجمَ والمزكِّيَ والمُسْمعَ إن كان به طرشٌ، فإن طلبوا أجرةً، ففي وجوبها على طالب الحقِّ وجهان، ولا يلزمه بذلُ شيء للحاكم.
٣٨٥٨ - فرع:
إذا حكم بعدالة الشاهد، فشهد بشهادة أُخرى بعد طول الزمان، والحاكمُ غيرُ خبير بحاله في ذلك الزمان، فهل يحكم بشهادته استصحابًا لعدالته؟ فيه وجهان، ومذهبُ الجمهور: وجوب إعادة التزكية، فعلى هذا يجب على الحاكم تعهُّد مَنْ ينتابُ مجلسَه من العدول؛ فإن الإنسانَ عُرْضةٌ للحدثان، فإن كان بين الشهادتين ثلاثةُ أيَّام، فلا تُعاد التزكية عند العراقيِّين، وفحوى كلامهم وجوبُ البحث فيما زاد على ثلاثة أيَّام، وقال الإمام: يُرجع إلى ما يغلب في العرف، وكلُّ مدَّة يُتوقع طريانُ التغيُّر في مثلها، فلا بدَّ بعدها من البحث، ويُرجعُ في قدر ذلك إلى ما يغلبُ على ظنِّ الحاكم.
٣٨٥٩ - فصل في كيفيَّة التزكية
لا يكفي المزكِّيَ أن يقولَ: هو (١) عدلٌ رضًا حتَّى يقولَ الكلمة المعتبرة؛ فإنَّ العدلَ قد يكون مغفَّلًا، فإن قال: (عدلٌ على وليَ)، كان من أبلغ عبارات التزكية؛ لشياعها في ذلك، واتفاق الأصحاب على حملها على ما يتفاهمونه منها.
стр. 2993
ولا يُشترط ذكرُ أسباب العدالة؛ إذ لا تنضبط، ويجب ذكرُ أسباب الجرح اتِّفاقًا، ولا بدَّ من التصريح بما ينسبه إليه من الجَرْح مضافًا إلى رؤيته، أو سماعه؛ مثل أن يقولَ: رأيته يزني، أو سمعته يقرُّ بالزنا، وقيل: يكفي التنبيهُ على ما يقع به الجرحُ لا محالةَ.
ولا يجوز الجرحُ بالتسامع، بل يتوقَّف المزكِّي عن التزكية، والحاكمُ عن الحكم، ولو ثبتت العدالةُ، وتحقَّق الفسقُ عند الحاكم بالتسامع، لم يحكم؛ لأنَّ أقلَّ مراتب التسامع أن تجعلَ كالريبة، فإن شهد اثنان بالزنا؛ فإن جعلناهما قاذفين في غير الجَرْح، ففي الجرح وجهان؛ فإنَّهما مراجَعان مستخبران، بخلاف مَنْ يبتدئ بذلك، فإن جعلناهما قاذفين، كفاهما أن يعرِّضا بالزنا، ولا يُعزَّران على ذلك؛ لأجل الحاجة إلى الجَرْح.
٣٨٦٠ - فرع:
إذا نصب الحاكمُ مَنْ يحكم بالجرح والتعديل خاصَّة، فثبت ذلك عنده بطريق مشروع، فأخبر به الحاكم، قُبل قولُه وحده؛ فإنَّ قولَ الحاكم مقبولٌ ما دامت ولايته.
٣٨٦١ - فصل في نصب المزكِّين وكيفيَّة الاستزكاء
ينبغي للحاكم أن ينصبَ مزكِّين عدولًا أتقياءَ أخفياءَ، ليسوا من أهل (١) الأهواء، أعِفَّاء في أنفسهم وأطعمتهم، برآء من الشحناء ومماطلة الناس،
стр. 2994
فإذا احتاج إلى تزكية الشهود، كتب إليهم بأسماء الشهود، وأسماء آبائهم وأجدادهم، وصنائعهم وحُلاهم، ومساجدهم التي ينتابونها، وأنَّهم موالي فلان إن كانوا مواليَ، ويصف الخصمين بما يصف به الشاهدين، ويذكر جنسَ الحقّ ونوعَه وقدرَه، ويُخفي ذلك عن الخصم، ويُخفي عن كلِّ واحد من المزكِّين ما كتب به إلى (١) الآخر.
ويُرسل الرقعةَ مع رسول موصوف بصفة (٢) المزكِّين، فيكتب المزكّيان إلى الحاكم بما يعرفانه من جرح أو تعديل، ولا يكتفي الحاكمُ بكتابهما حتَّى يشافهاه بتزكيتهما، [وينبغي أن تقعَ تزكيتهما] (٣) في غيبة الشاهدين إن عرفهما.
وقال الإصطخريُّ: يكفي تصريحُ الرسولين بما يسمعانه من المزكِّيين؛ مبالغةً في إخفاء المزكِّيين، ولا يكون ذلك شهادةً على شهادتهما، وإذا لم يعرف الحاكم الشاهدين، فلا بدَّ من تعديل العلانية، وهو الإشارةُ إلى الشاهدين بالتزكية بعد حضورهم عند الحاكم، فعلى هذا يكفي في تعديل السرِّ كتابةُ الرقاع؛ إذ العبرةُ بتعديل العلانية، وإن عرفهما الحاكمُ، فعدَّلاهما سرًّا، ولم يستبعد الحاكمُ أن توافق أسماؤهما وأنسابُهما لأسماء غيرهما ونسبه، طالَبَهُما بتعديل العلانية؛ فإنَّ اللبسَ إذا لم يزُل إلَّا بالإشارة، فلا بدَّ من الإشارة، وإن زال اللبسُ بالتسمية؛ لاشتهار الشاهد باسمه، لم تُشترط الإشارةُ؛
стр. 2995
لأنَّها إنما تُشترط إلى مشهود عليه تعلَّقت به الدعوى، أو إلى مشهود له هو الطالبُ، ولا يتحقَّق هذا في التزكية؛ فإنَّ الشاهدَ لا يدَّعي شيئًا حتَّى يشهدَ المزكِّي به، ولا يُدَّعَى عليه حقٌّ حتَّى يشهدَ عليه، ولا بدَّ في التزكية من لفظ الشهادة إلَّا أن نكتفيَ بقول الرسولين، ففي اشتراط لفظ الشهادة وجهان.
وكتابة الرقاع مستحبَّة، فإن سألهما الحاكمُ عن العدالة مشافهةً، جاز، فإن لم يكن عندهما علمٌ، استُمهلا لينظرا، وذكرُ قدر الحقِّ احتياطٌ عند المُعْظم، وأبعد مَنْ شرطه.
ولا بدَّ من تعريفهما بالخصمين والشاهدين، فقد يكون بينهما وبين الخصم عداوةٌ أو لددٌ في خصومة، أو يكون بينهما وبين المدعي ما يوجب ردَّ الشهادة؛ كالشركة والأبوة، فإن لم يتعرَّض لذلك، فزكَّياهما، ثبتت العدالةُ، وعلى الحاكم البحثُ عن هذه الموانع.
٣٨٦٢ - فرع:
إذا ثبتت العدالةُ، فارتاب الحاكمُ بسبب يدركه ذوو الفطن، تحتَّم عليه البحثُ، فيفرِّقهم، وشمال كلَّ واحد منهم على الانفراد عن الزمان والمكان، ومن كان معه وقتَ التحمُّل، فإن قال: أنا أتحقَّق ما شهدت به، ولا أذكر زمانَه، ولا مكانَه، لم يملك إجبارَه على الإخبار بذلك، فإن دامت ريبتُه، بحث عن أسباب أُخرَ لعلَّه يقف على جَرْح، فإن لم يقف عليه، لزمه القضاءُ مع بقاء الرِّيبة، وإن حكم قبل البحث، لم ينفذ حكمُه؛ لأنَّ البحثَ حقٌّ لله تعالى لا يقف على طلب الخصم كأصل الاستزكاء.
* * *
стр. 2996
٣٨٦٣ - فصل في إسجال الوقائع
ينبغي أن يتَّخذ الحاكمُ كاتبًا وافرَ العقل، بعيدًا من الغباوة والطمع، ويأمره أن يكتبَ ما يجري في المجلس بين الخصوم، ويذكر في المحضر الدعوى والبيِّنة، والإقرار والإنكار، والأسماءَ والحُلَى إن احتاج إليها.
ويبالغ (١) في تفصيل ما يكتبه، فإن جهل أسماءَ الخصوم وأنسابهم، فالمذهب: أنَّه يكتب على حُلاهم، خلافًا لابن خيران، فيكتب: حضر مجلسَ الحكم خصمٌ ذَكَرَ أنَّه فلان بن فلان، [وادَّعى على رجل ذكر أنَّه فلان] (٢) بن فلان.
ويجعل محاضرَ كلِّ أسبوع في إضبارة، ويكتب عليها اسمَ ذلك اليوم موضَّحًا، ويجعل محاضرَ الأسبوع في قِمَطْر، ويكتب عليه ما يوضح التاريخَ، وإن ختم على كلِّ قِمَطْر، وإضبارة، كان حسنًا، ويجعل محاضرَ الشهر في قِمَطْر، ويفعل ذلك في السنة، ويجعلها في خريطة، ويبالغ في التمييز، وحسن أن يكتبَ نسخةً للخصم، ونسخة في ديوان الحكم، وإذا طلب الخصمُ الكتابةَ، فهل تجب على الحاكم أو تُستحبُّ؟ فيه وجهان.
٣٨٦٤ - فصل في اعتماد الحاكم والشاهد على الخطِّ
إذا رأى الشاهدُ خطَّه بتحمُّل شهادة، أو رأى الحاكمُ خطَّه بأنَّه حكم؛
стр. 2997
فإن تذكَّرا، اعتمدا على تذكُّرهما، وإن لم يتذكَّرا، لم يجز لهما الاعتمادُ على الخطِّ، فإن ذكَر الشاهدَ عدولٌ بأنَّه تحمَّل، أو شهد عند الحاكم عدلان بما وضع به خطَّه، أو لم يتعرَّضا للخطِّ، وشهدا بأنَّه حكم بذلك؛ فإن تذكَّرا، اعتمدا على التذكُّر، وإن لم يتذكَّرا، لم يجز الاعتمادُ على ذلك اتِّفاقًا، ولا يتعرَّض الحاكمُ للشاهدين بتصديق ولا تكذيب؛ فإنَّه لو مارى في ذلك، كان قدحًا في شهادتهما عند غيره، وليس له أن يسدَّ بابَ الإثبات لذلك.
ولو مات أو عُزل، فشهدا عند غيره أنَّه حكم بذلك، ثبت حكمُه عند الثاني، فإن الحاكمَ يعتمد فيما يصدرُ من غيره على الظنِّ، وفيما يصدر من نفسه على اليقين؛ لإمكانه وتيسُّره.
٣٨٦٥ - فرع:
إذا وجد الشاهدُ خطَّه في نسخة محفوظة عنده في مكان يقطع بأنَّه لا يصل إليه غيرُه، ويقطع بأنَّه لا يكتبُ فيها إلَّا ما يتحقَّقه، ولم يذكر التحمُّلَ، لم تجز له الشهادةُ، وأجازها أبو محمَّد؛ لمسيس الحاجة، واستحالة التزوير في هذه الصورة.
ولو سمع الراوي كتابًا، وحفظه، وعلم أنَّه لم يُغيَّر، ولكن نسي سماعَه لأعيان تلك الأحاديث (١)، فله روايتُه عند المعظم، ومنعه الصيدلانيُّ كنظيره من الشهادة.
٣٨٦٦ - فرع:
يثبت الحكمُ بإقرار الحاكم، فإن ادَّعى عليه رجلٌ عند حاكم آخر أنَّك
стр. 2998
قضيتَ لي بكذا فليس له تحليفُه عند الأصحاب، وقال القاضي: إن جعلنا يمينَ الردِّ كالبيِّنة، لم يُحلَّف، وإن جعلناها كالإقرار، حلَّفه، فإن نكل حلف، وكان حلفُه كإقرار الحاكم، وهذا غلطٌ من الناقل؛ فإنَّ إثبات حكمه إذا لم يتذكِّر جائزٌ عند غيره من القضاة.
والتفصيلُ في ذلك: أنَّ إقرارَه بعد العزل لا يُقبل، وإن قامت عليه بيِّنة عند حاكم خارج عن محلِّ ولايته قبل العزل أو بعده، حكم بذلك، وإن قامت عليه بيِّنة في محل ولايته وزمنها، فالظاهر سماعُها، وإن أراد الخصمُ تحليفَه، لم يجز عند الأصحاب، ولعل القاضيَ خالف في هذه الصورة، وهذا بعيدٌ؛ فإنَّه لم يدَّع عليه حقًّا، وإقراره بالحكم حجَّة شرعيَّة كالشهادة، فإن قلنا: يُحلَّف، حُلِّف على نفي التذكُّر.
* * *
стр. 2999
٣٨٦٧ - باب كتاب القاضي إلى القاضي
من ادَّعى دَيْنًا، لم تصحَّ دعواه حتَّى يصفَه بصفات السلَم.
ومن أقرَّ بدراهم، أو ادَّعى بها، أو أسلم فيها، وفي البلد نقدٌ غالب، لم يُحمل عليها، ولا بدَّ من وصفها، وفي السلم احتمالٌ؛ لأنَّه عوض، وإن أسلم دراهمَ في شيء، ففي كلامهم ما يدلُّ على حملها على الغالب، فإن صحَّ ذلك، ففيها إذا أسلم فيها وجهان.
ومَنْ شهد بمجهول، لم يستفصله الحاكمُ، وإن ادَّعى مجهولًا، استفصله على أظهر الوجهين، فإن ادَّعى دراهمَ سأله أَهَرَويَّة، أم نيَسابوريَّة، عتيقة، أم جديدة، مكسَّرة أم صحاح، أو بعضُها مكسَّر، وبعضُها صحاح؟ ولا يزال كذلك حتى تتمَّ (١) الدعوى، فإن لم يذكر ما يجب بيانُه، رُدَّت دعواه، وإذا تمَّت (٢) الدعوى، لم تُسمع حتَّى يكونَ خصامًا، فيقول: لي عليه كذا، ويلزمه تسليمُه، وأنا أطلبه الآن؛ فإن قال: لي عليه كذا، كان إخبارًا، فإن قال: ويلزمه أداؤه، كفاه عند الأصحاب؛ فإنَّ الأداءَ لا يجب إلَّا مع المطلب، وفيما قالوه تردُّد، فقد يقول الفقيهُ: يجب أداءُ الدين الحالِّ من غير طلب إلَّا
стр. 3000
أن يرضى مستحِقُّه بتأخيره، فعلى هذا لا بد في الدعوى من التصريح بالطلب.
* * *
٣٨٦٨ - فصل في الدعوى على الغائب
لا تُسمع الدعوى على الغائب إلَّا أن يكونَ للمدَّعي بيِّنة، وهل يُشترط أن يدَّعيَ جحودَه، أو ما يقوم مقام جحوده؟ فيه خلاف، والأكثرون على اشتراطه، فإن قلنا: لا يُشترط، فلا يتعرَّض لإقراره، فإن قال: هو مقرٌ، وأنا أقيم البيِّنةَ استظهارًا، لم تُسمع، وإن شرطنا دعوى الجُحود، فنعني به استصحابَ جحود له سابق؛ إذ لا شعورَ بجحوده في الحال، ولا يجب إثباتُ الجحود بالبيِّنة اتِّفاقًا، ويُشترط في الدعوى على الحاضر عدمُ الإقرار دون حقيقة الإنكار، فإذا صحَّت الدعوى على الحاضر، فحقٌّ على الحاكم أن يراجعَه؛ لعلَّه يقرُّ؛ فإنَّ سلوكَ أقرب الطرق في إيصال الحقِّ إلى المستحِقِّ حَتْمٌ، فعلى هذا ينبغي أن تجعلَ الغَيبة كسكوت الحاضر؛ لتعذُّر الوصول إلى إقراره.
ولو اشترى شيئًا، وأقبض ثمنه، فاستُحِقَّ المبيعُ في غيبة البائع، فله الدعوى عليه بثمنه وإن لم يذكر جحودَه؛ لأنَّ بيعه ما لا يملك بمثابة الجُحود.
وإذا قامت البيِّنةُ على الغائب، فعلى الحاكم بذلُ الوُسْع (١) في الاستزكاء، وإتمام البحث إلى أن يغلبَ على ظنِّه أنَّه لم يبقَ للخصم مضْطَرَبًا،
стр. 3001
فإن طلب القضاءَ، وجب إسعافُه به (١)، وعلى قول غريب: لا يجوز القضاءُ على غائب، فإن قلنا بالمذهب، لم يقضِ حتَّى يُحلِّف الخصم، ويبالغ في إتمام الاحتياط، فيحلِّفه أنَّه ما أبرأ من الحقِّ، ولا من شيء منه، ولا أبرأ منه أحدٌ بإذنه، ولا اعتاض عنه، ولا عن شيء منه، ولا أحدٌ لإذنه، ولا أحال به، ولا بشيء منه، ولا أحدٌ بإذنه، وأنَّه يلزمه تسليمُه إليَّ الآن، وأن شاهديَّ شهدا بالحقِّ، وإن اقتصر على حلفه أنَّه يستحقُّه الآن، كفاه ذلك، والأصحُّ: أنَّ هذا الحلفَ شرطٌ في الحكم، ويبعد أن يُشترط تصديقُ الشهود، وقيل: اليمين احتياطٌ محبوبٌ، ولا يمينَ على حاضر؛ لاقتداره على الدعوى، وطلب اليمين.
٣٨٦٩ - فرع:
قال الأئمة: إذا ادَّعى على صبيٍّ أو مجنون أو ميت، ولا نائبَ لهم، وأقام البيِّنة، فلا بدَّ من يمينه، ولا ينبغي أن يُخرَّج على الخلاف في الغائب؛ فإن الغائبَ قادر على الدعوى إذا وصل الكتابُ إلى بلدته.
وإن ادَّعى وكيلُ الغائب على حاضر، وأقام البيِّنة على الوكالة والحقِّ، وادَّعى الخصمُ إبراءً أو قضاء، وطلب أن يؤخَّر الدفعُ إلى أن يحلف الغائبُ، لم نجبه إلى ذلك، وحُكم عليه في الحال، فإن كانت له دعوى، فليأت بها بشرطها.
وإذا حكم على الغائب، كتب إلى حاكم البلد الذي فيه الغائبُ بعد
стр. 3002
تصدير الكتاب: حضرني فلان، وادَّعى على فلان بكذا، ويذكر جنسَ الحقِّ وقدره، ونسبَ الخَصْمين، وحِلْيتهما، وصنعتهما، ومسكنهما، وما يشتهران به، فسمعتُ دعواه، وأقام بذلك بيِّنة عادلة يجب الحكم بمثلها، فأحلفته، فطلب القضاء، فقضيتُ له بحقه، فطلب منِّي أن اكتبَ له هذا الكتابَ لتُحضرَ خصمَه، وتلزمه بالخروجِ عن حقِّه، فأجبته إلى ذلك على موجب الشرع، ثمَّ يقرأ الكتابَ على شاهدين، ويحكم بذلك بحضورهما، أو يعرِّفهما أنَّه قد حكم بما فيه، ويُعَنْوِنه، ويختمه، ويدفع إليهما نسختَه؛ ليطالعاها في الطريق، ولا خلاف أنَّ الاعتبارَ بشهادتهما، فإن ضاع الكتابُ، أو انمحى، أو لم يكتب شيئًا، أو شَهِدَا بما يخالف الكتابَ، وجب العملُ بشهادتهما.
وإن لم يعرِّفهما بمضمون الكتابُ، فلا فائدةَ للكتاب، فإن قال: هذا كتابي، ومضمونُه قضائي، فاشهدا عليَّ بذلك، فلا فائدةَ له، وغلط الإصطخريُّ، فأجاز ذلك.
وإن كان الكتابُ بخط الحاكم، فقال: هذا خطِّي، فاشهدا عليَّ بذلك، لم يكن مقرًّا بالحكم، فإن قال: ومضمونُه قضائي، فاشهدا بذلك، اتَّجه قول الإصطخريِّ وإن خالفه معظمُ الأصحاب؛ فإنَّ من كتب كتابًا (١)، أو كُتب بإذنه، ثمَّ قال لشهود الإقرار: المسطورُ في هذا الذكر إقراري، وأنا مقرٌّ بجميع ما أُثبت في سطوره، فالوجهُ: جواز التحمُّل، وصحَّة الإقرار، فإذا شهدا بذلك إشارة إلى الذكر، وأخذناه بتفصيل ما كتب فيه، فكذلك نظيرُه في الحاكم.
стр. 3003
٣٨٧٠ - فرع:
إذا شهدا عند المكتوب إليه؛ فإن عرفهما بالعدالة، أو عُدِّلا عنده، قبل شهادتهما، وإن عدَّلهما الحاكمُ الكاتب، لم تثبت عدالتُهما بشهادتهما، وغلط من اكتفى بتعديل الكاتب، وإذا تمَّ قضاءُ الكاتب، فالمكتوب إليه مستعان به في توفية الحقِّ ليس إليه شيءٌ من عُلَق الحكم.
ولا يُشترط أن يذكر الكاتبُ شهودَ الواقعة، بل يكفي أن يقول: حكمتُ له بحجَّة شرعيَّة توجبُ الحكمَ.
وإن مات الكاتبُ وجب العملُ بكتابه؛ فإنَّ الموتَ لا يبطل الأحكام، وإن مات المكتوبُ إليه، وجب العملُ بالكتاب على سائر الحُكَّام، وإن كان المكتوبُ إليه مخصوصًا بالكتاب.
٣٨٧١ - فرع:
إذا نُصب لكلِّ جانب من جانبي بغداد حاكمٌ يختصُّ به، جاز، فإن عبر أحدُهما إلى جانب الآخر، فقال المعبورُ إليه للعابر: قد حكمتُ لفلان بكذا، فإذا رجعتَ إلى جانبك، فاستوفه، فله استيفاؤه عند الأصحاب، وقال الإمام: ليس له ذلك إلَّا إذا جوَّزنا القضاءَ بالعلم.
ولو قال العابرُ لصاحبه: قد حكمتُ على فلان بكذا، فاستوفه، لم يكن له ذلك؛ إذ لا عبرةَ بقول الحاكم في غير محلِّ ولايته.
فإن قال المعبورُ إليه: قد سمعت البيِّنة بكذا، فاحكم بها إذا رجعت إلى محلِّ ولايتك، لم يكن له ذلك؛ فإنَّ سماعَه لذلك في غير محلِّ [ولايته
стр. 3004
كسماع البيِّنة في غير محلِّ] (١) الولاية. وإن كاتب أحدُهما الآخرَ بسماع البيِّنة، وطلب منه أن يحكمَ بها؛ فإن غاب شهودُ الواقعة، أو ماتوا، فله أن يحكم، وإن كانوا في البلد، لم يحكم على الأصحِّ؛ لأنَّ الحاكمَ الكاتبَ فرع لهم، بل يحضرهم المكتوب إليه، ويستأنف الدعوى.
ولو وصل كتابٌ من حاكم بعيد (٢)، ووصل معه شهودُ الواقعة، أو وصلوا قبل وصول الكتاب، أو بعده، فالأصحُّ: أنَّه يستانف الخصومةَ من أصلها؛ لأنَّ سماعَ الكاتب وكتابته كشهادة الفرع بالنسبة إلى شهادة الأصل.
وإن سمع أحدُ الحاكمين البيِّنة في جانبه، فغاب شهودُ الواقعة، أو ماتوا، ثمَّ وقف الحاكمان على طرفي ولايتهما، فأخبره أنَّه سمع البيِّنة، وحلف الخصم، وطلب منه القضاء، فليقض بذلك؛ لأنَّ كلَّ واحد منهما في محلِّ ولايته، وكذا الحكمُ إذا كاتب أحدُهما الآخرَ بسماع البيِّنة مع إمكان المشافهة في طرف (٣) الولايتين؛ لأنَّ الإلزامَ بالمشافهة غضٌّ من مرتبة الولاية مقارِبٌ لخَرْم المروءة، ولهذا تُسمع شهادةُ الفرع إذا مرض شهودُ الأصل، وإن قدر الحاكمُ على الدوران عليهم.
٣٨٧٢ - فرع:
إذا حكم بشيء، لم يجز له أن يكاتبَ الآحاد، ولا الولاةَ باستيفاء الحقِّ؛ إذ ليس لهم سماعُ البيِّنة.
стр. 3005
ولو وقف الحاكمُ في طرف ولايته، وأمر واليًا في مكان (١) خارج عن محل ولايته باستيفاء الحقِّ، لم يجز عند الإمام؛ لأنَّ سماعَه من الحاكم كسماعه من الشهود، ثمَّ قال: وقد يتَّجه جوازُ ذلك؛ فإنَّ الحاكمَ قد يستعين بالوالي المرتَّب؛ لاستيفاء الحقوق ممَّن يمتنع، وإن كان الوالي في محلِّ ولاية الحاكم، لزمه طاعته اتِّفاقًا.
٣٨٧٣ - فرع:
إذا ادَّعى على غائب، ووصفه بالصفات المشروطة، فلم يعرفه الحاكمُ، حكم عليه، وكتب بما يحصل به التعريفُ في بلد الغائب، ويحصل ذلك في أوساط الناس بالاسم والرفع في النسب والحِلْية، والمسكن والصناعة، وينبغي أن ينتهيَ التعريفُ إلى حدٍّ يغلب على الظنِّ أنَّه لا يلتبس بغيره إلَّا نادرًا، فإذا أحضر المكتوبُ إليه الخصمَ، فله أحوال:
الأولى: أن يقرَّ بأنَّه المعنيُّ بالكتاب، الموصوفُ بما فيه، فيقول له الحاكمُ: فما تقول؟ فإن أقرَّ بالحقِّ، ألزمه بأدائه، وإن أنكر، سمع شهودَ الكتاب، وألزمه بالأداء.
الثانية: أن يقولَ: لست موصوفًا بشيء ممَّا ذكر في الكتاب، فعلى خصمه أن يثبتَ الكتاب، ويثبت أنَّه موصوفٌ بما فيه من الأسماء والصفات، فإن أثبت ذلك، ثبت حقُّه، وإن لم يثبته، تعطَّل الحقُّ (٢)، فإن أثبت الكتابَ، وطلب تحليفَ الخصم على نفي الأسماء والصفات؛ فإن حلف على نفي
стр. 3006
ذلك، انصرف عنه القضاءُ، وإن نكل، حلف المدَّعي، وثبت الحقُّ، وإن قال: أحلف أنَّه لا يلزمني تسليمُ شيء إليه، فقال: بل تحلف على نفي [الأسماء والصفات، فأيُّهما يُجاب؟ فيه وجهان، وغلَّط الإمامُ من حلَّفه على نفي] (١) التسليم؛ تعليلًا بأنَّ الحقَّ قد ثبت بالبيِّنة.
الثالثة: أن يثبتَ الكتابُ، ويقرَّ الخصمُ بأنَّه موصوفٌ بجميع الصفات، ويدَّعي أنَّ في البلد مَنْ يساويه فيها من الأحياء أو الأموات، فيطالب بإثبات ذلك، فإن لم يثبته، حكم عليه، وإن أثبته، وقف القضاء، وقال (٢) للمدَّعي: ارجع وميِّزْ خصمَك تمييزًا يزيلُ اللبسَ.
الرابعة: أن يقصِّر الحاكمُ الكاتبُ في التعريف؛ مثل أن يقول: حكمتُ على محمَّد بن أحمد، فلا عبرةَ بحكمه، فإذا حضر الخصمُ، واعترف بأنَّه محمّد بن أحمد، وأنَّه هو المعنيُّ بالكتاب، وقال: حافَ عليَّ الحاكمُ، أو كذَّب الشهود، أو قال: لست معنيًّا بالكتاب، فيقول لخصمه: ارجع، وميِّز خصمك؛ فإنَّ هذا قضاءٌ باطل؛ لما فيه من الإبهام؛ لابتناء الحكم والبيِّنة على الدعوى على مجهول، فأشبه ما لو قال: حكمت على رجل؛ تعويلًا على معرفة الخصم، فإن القضاءَ ليس بإنشاء، وإنَّما هو إظهار أمر (٣) على ترتيب مشروع، فإذا لم يترتَّب، بطل.
стр. 3007
٣٨٧٤ - فصل في كتاب الحاكم بسماع البينة من غير حكم
إذا سمع الحاكمُ البيِّنة، ولم يحكم، وكتب إلى حاكم بلد الغائب بأنِّي قد سمعتُ على فلان بيِّنة عادلة، أو بيِّنة غير عادلة، ووكلتُ التعديلَ والحكمَ إليك، جاز، اتِّفاقًا، وهل ذلك قضاء، أو نقل للشهادة؟ فيه وجهان:
أحدُهما: أنَّه نقل؛ لاتِّفاقهم على اشتراط ذكر شهود الواقعة، وتعريفهم بغاية الإمكان، ولو كان حكمًا، لم يجب ذكرُهم، ولا يكفي أن يقول: سمعت بيِّنة توجبُ الحكمَ، وإنَّما اكتُفي في ذلك بالحاكم وحده؛ لرتبة الولاية، كما يقوم الرجلُ مقام امرأتين؛ لدرجة الذكورة.
والثاني: أنَّه حكم، ولو كان كالشهادة على الشهادة، لما اكتُفي بالحاكم وحده، ولا خلافَ في الاكتفاء به، ولأنَّ الحكمَ إظهارٌ لما يقرَّر من متَّبَع مُطاع غيرِ حائد عمَّا شرع، فقوله: (حكمتُ لفلان على فلان) معناه: ظهر لي وجوبُ حقِّه عليه، فإذا ظهرت له بيِّنة، فأظهرها، كان ذلك حكمًا منه بقيامها، وإنَّما وجب تعريفُ الشهود؛ لاختلاف العلماء فيمن تُقبل شهادته، فقد يردُّ المكتوبُ إليه شهادةً يقبلها الكاتبُ، ولو قيل: إنَّ السماعَ حكم مَشُوب بالنقل، أو نقل فيه شَوْب الحكم، لجاز، والأسدُّ أن يُجعل حكمًا بالنقل.
٣٨٧٥ - فرع:
إذا جوَّزنا نصب قاضيين في بلد، فأخبر أحدُهما الآخرَ أنَّه سمع بيِّنة بحقٍّ، والتمس منه أن يحكمَ به، فحكم به مع حضور شهود الواقعة، فإن غلَّبنا الحكمَ نفَّذ الثاني حكمَ الأوَّل، وإن غلَّبنا النقلَ فلا بدَّ من إعادة الشهادة.
стр. 3008
٣٨٧٦ - فرع:
حيث ذكرنا التعريفَ بالأنساب والصفات، فليست مقصودةً في أنفسها، وإنَّما الغرضُ بها الإعلام، فإن حصل بمجرَّد الاسم؛ مثل أن يكون الشاهدُ بعيدَ الصيت مشهورًا في البلاد، كفى ذلك، ثمَّ صفة الكتاب بالنقل كصفة الكتاب بالحكم إلَّا فيما ذكرناه من الإعلام.
وإذا انتهى إلى سماع البيِّنة، أو إلى تعديلها بعد السماع، قال: ثم فوَّضت إليك القضاءَ بذلك بالبيِّنة المنقولة إلى مجلسك، فانظر نظرَك وراء رأيك موفَّقًا مسدَّدًا إن شاء الله.
ولو عيَّن المكتوبَ إليه، فمات، وجب العملُ بالكتاب على سائر الحكَّام؛ فإنَّ تعيينَه ليس بتولية؛ فإنَّ الحاكمَ لا يستنيبُ في غير محلِّ ولايته.
٣٨٧٧ - فرع:
إذا أخذ كتابًا من حاكم حمص إلى حاكم مصر، فأقام شهوده بدمشق، أو عرجوا إلى صُور؛ يُخيَّر بين أن يشهدَ على شهادتهم، وبين أن يثبت الكتابَ على حاكم دمشق، ويأخذ به كتابًا إلى مصر، والتعويلُ على الشهادة دون الكتاب.
٣٨٧٨ - فرع:
إذا حكم بشيء، ثمَّ ظهر له فسقُ الشاهدين حال الحكم؛ فإن كان المحكومُ عليه غائبًا، نقض الحكم اتِّفاقًا، وإن كان حاضرًا، فقولان.
٣٨٧٩ - فرع:
إذا نقل بيِّنة عادلةً، فادَّعى الخصمُ جرحَها، قال له الحاكمُ: أثبت
стр. 3009
الجرحَ، فإن استمهل، فقد يُمهل (١) ثلاثًا، وإن قال: لا أتمكَّنُ من الجرح إلَّا في بلد الكاتب، فأمهلوني؛ لأثبتَه فيه، لم يجبه إلى ذلك؛ لطوله، فنحكم عليه، ونلزمه بالخروج عن العُهْدة، فإذا عاد إلى بلد الشهود، فله إثباتُ الجرح.
* * *
٣٨٨٠ - فصل في الدعوى على الغيب بالأعيان الغائبة
إذا ادَّعى على غائب أنَّه غصب منه عينًا، أو استعارها، أو استودعها، فلها أحوال:
الأولى: أن تكون عقارًا، فتصحَّ الدعوى به اتِّفاقًا بشرط المبالغة في وصفه بذكر حدوده، وبيان المحلَّة من البلدة، والسكَّة من المحلَّة، وموضع الدار من السكة، وأنَّها الأولى أو الثانية على يمين الداخل أو يساره، أو في صدر السكَّة، وينتهي الأمرُ إلى حدٍّ يفيدُ تيقُّنَ التعيين، ولا يجب ذكر القيمة اتِّفاقًا، فإن أقام البيِّنة بذلك، وطلب الحكمَ، حُكم له، وإن كانت الدارُ في غير محلِّ ولايته، فإن الحكمَ بالغائب على الغائب جائزٌ، فينفذ حكمُ حاكم قرية بجميع بقاع الأرض على جميع أهل الأرض، فإذا وصل الكتابُ، لم يُشترط إشارةُ الشهود إلى العقار؛ لأنَّ تيقُّنَ التعيين كالإشارة.
الثاني: أن تكونَ العينُ مما يمكن تمييزُه بالصفة؛ كالخيل والرقيق، ففيه قولان:
стр. 3010
أحدُهما: لا تُسمع الدعوى به إلأَّ أن يذكر قيمتَه كالكرباس، فإن وصفه، فلا بأس.
والثاني: تسمع الدعوى (١) به، والبيِّنةُ إذا وصفه بما يتميَّز به من الحِلى، والشِّيات، والشامة، والعلامة؛ بحيث يبعد (٢) وجودُ مثله، ولا تكفي أوصافُ السلم، فإذا سمع البيِّنة، لم يجز له الحكمُ في أصحِّ القولين؛ لعدم التمييز التَّام، فإن قلنا: يحكم، فحكم، ووصل الكتاب، فأحضر المدَّعى عليه عبدين بتلك الصفة، بطل الكتابُ، وقيل له: ارجع، وميِّز عبدَك، وإن قلنا: يسمع البيِّنة، ولا يحكم، أو قلنا: يحكم، فلا يُشترط ذكرُ القيمة على أظهر الوجهين، وإن قلنا: يسمع البيِّنة، ولا يحكم، فوصل الكتابُ، أحضر الحاكمُ المدَّعى عليه، فإن كان بيده عبد، أو أمة بتلك الصفات، فزعم المدَّعي أنَّه عبده أو أمته، وأثبت الكتاب، لم يحكم له بهما، بل يسلِّم الأمةَ إلى أمين في الرفقة، ويسلِّم العبدَ إلى المدَّعي؛ ليحضرَ الأمة والعبد إلى بلد الحاكم الكاتب؛ ليعيِّنهما الشهودُ، وفي كيفيّة التسليم قولان، [أحدهما: أنّه] (٣) يسلِّمه إلى المدَّعي، ويختم على عُنُق العبد؛ لئلَّا يبدَّل، ويأخذ من المدَّعي كفيلًا بالبدن إن صحَّحنا كفالةَ البدن، وأخذ الكفيل احتياط متأكِّد وفي وجوبه وجهان.
والثاني: لا يسلِّمه إليه إلَّا أن يشتريَه بثمن مثله في ذمَّته، ويلزمه تكفيلُ الثمن اتِّفاقًا، فإن ثبت ملكُه في بلد المكاتب بإشارة شهود الواقعة إليه، تبيَّن
стр. 3011
بطلانُ البيع، وسقوطُ الثمن، وبطلانُ الكفالة، وإن لم يثبت، مضى البيعُ على لزومه.
الثالثة: أن يكون عرضًا لا يمكن تمييزُه بالصفة؛ كالكرباس، فلا تصح الدعوى به إلَّا أن يذكرَ قيمتَه، فإن ذكرها، فلتشهد الشهودُ على وفق الدعوى، ويقع الحكمُ بالقيمة، وإن كان الكرباسُ معيَّنًا في نفس الأمر؛ إذ لا سبيلَ إلى تعطيل الحقِّ، فإذا وصل الكتابُ لم يكلِّف الحاكمُ المدَّعَى عليه إحضارَ الكرباس، بل يلزمُه بالقيمة المذكورة في الكتاب، وإنَّما يذكر الأوصافَ في الدعوى والشهادة؛ لترتبطَ الدعوى بالقيمة، فإن قال: غصبت منِّي ثوبًا قيمتُه عشرة، ولم يصف الثوبَ، فالظاهر سماعُ دعواه؛ لأنَّ المدَّعى به القيمةُ، وهي معلومة.
* * *
٣٨٨١ - فصل في الدعوى على غائب عن المجلس حاضر في البلد
المذهبُ الأصحُّ: أنَّ من امتنع عن حضور مجلس الحكم بتوارٍ، أو تعزُّز، حُكم عليه، كما يُحكَمُ على الغائب، وأبعد مَنْ منع ذلك حتَّى يحضر، وفيمن يمكن إحضارُه وجهان:
أحدُهما: يحضره لعلَّه يقرُّ، وسلوكُ أقرب الطرق في القضاء واجبٌ؛ إذ لا يجوزُ تأخيرُ الحقِّ بالتطويل مع القدرة على التعجيل، فيُعْدِي عليه خصمَه؛ ليحضره.
стр. 3012
والثاني: تُسمع الدعوى والبيِّنة، والأصحُّ: أنَّه لا يحكم عليه (١) بذلك حتَّى يحضر، ولو حضر المدَّعى عليه مجلسَ الحكم، ففي سماع الدعوى دون مراجعته وجهان، فإن قلنا: تُسمع، بَعُدَ كلَّ البعد أن يحكمَ عليه بغير مراجعة.
* * *
٣٨٨٢ - فصل في الدعوى بعين غائبة عن المجلس حاضرة في البلد
إذا ادَّعى عقارًا؛ كالأرض والدار؛ فإن جهل حُدودَه، لم تُسمع دعواه حتَّى يتعرَّف الحدودَ، ثمَّ يدَّعي بها، فإن قال الشهودُ: نحن نعرف العقارَ بعينه، ولا نعرف حدودَه، حضره الحاكمُ أو نائبه؛ ليشهدوا عنده على عينه.
وإن ادَّعى بعبد، أو فرس حاضرين في البلد يمكن إحضارُهما مجلسَ الحكم، فإن عرفهما الحاكمُ، سمع الدعوى والبيِّنة [في غيبتهما] (٢) اتِّفاقًا، وفيه احتمال، وإن لم يعرفهما، لم يسمع البينةَ على الأوصاف، بل يسمع الدعوى بالأوصاف المعرِّفة، ثمَّ يقول للخصم: ماذا تقول؟ فإن قال: العبد المدَّعى به في يدي، وملكي، ألزمه بإحضاره؛ ليشهد البيِّنة على عينه، وإن قال: ليس في يدي، قيل للمدَّعي: إن أردت العبدَ فأثبت أنَّه في يده، فإن أثبت ذلك بشاهدي الكتاب، أو بغيرهما ممَّن لا (٣) يعرف ملكَه للعبد، ألزمه
стр. 3013
بإحضاره؛ ليشهدوا على عينه، فإن شهدوا بالملك قبل إحضاره، لم تُقبل شهادتُهما حتَّى يحضر، فيعيد الشهادةَ بذلك، فإن لم تكن له بيِّنة، فله تحليفُ المدَّعى عليه أنَّ ذلك العبدَ ليس في يده، فإن نكل حلَّف المدعي، وألزم المدَّعى عليه بالإحضار، فإن امتنع حُبس إلى أن يحضرَه، أو يدَّعي تلفه، فيُقبل قولُه مع يمينه، فإن ادَّعى ما لا يمكن تمييزُه؛ كالكرباس، لم يُكلَّف إحضاره؛ إذ لا يُتوصَّل إلى معرفته إلَّا أن يصادفَ في يده عينًا، فيدَّعيها.
٣٨٨٣ - فرع:
إذا تعذَّر إحضارُ العبد؛ لعدم البيِّنة، أو لحلف المدَّعى عليه، فادَّعى عليه عبدًا (١) صفتُه كذا؛ إن كان باقيًا، أو بقيمته -وهي عشرة- إن كان تالفًا، لم تُسمع على أقيس الوجهين، واتَّفق القضاةُ على سماعها للمصلحة، فإن قلنا: لا تُسمع، فله الدعوى بالقيمة، فتَذْكر البيِّنة صفةَ العبد، وقيمتَه، ويقع الحكمُ بالقيمة.
٣٨٨٤ - فرع:
إذا ألزم الحاكمُ المدَّعى عليه بإحضار العين؛ فإن ثبت الحقُّ، كانت مؤونةُ الإحضار على المدَّعى عليه، وإن لم يثبت كانت مؤونةُ النقل والردِّ إلى المكان الذي أُخذ منه على المدَّعي عند الأصحاب، وفيه احتمال.
وإن أحضر المدَّعى عليه بالاستعداء، فتعطلت منافعُه، لم يلزمه الأجرةُ على ما قطع به الإمام؛ لأنَّ الغالبَ في الإحضار حقُّ الحاكم، ولذلك يحضر قبل ثبوت الحقِّ، وفي ثبوت الأجرة احتمال.
стр. 3014
٣٨٨٥ - فرع:
يُقبل كتابُ الحاكم إلى الحاكم في الأموال، وفي القصاص قولان، وفي حدود الله قولان مرتبان، كما في الشهادة على الشهادة.
* * *
٣٨٨٦ - فصل في نصب حاكمين في بلد واحد
إذا نصب الوالي في البلد حاكمين؛ فإن خصَّ كلَّ واحد منهما بجانب، صحَّ، وإن شرط ألَّا ينفردَ أحدُهما حتَّى يوافقه الآخرُ، لم يصحَّ؛ لما في ذلك من تخيُّر الخصوم، وتوقُّف الحكومات، وإن نصبهما مطلقًا، فالأصحَّ: حملُه على الاستقلال، وقيل: يُحمل على الاشتراك.
وإن وصَّى إلى اثنين مطلقًا، فالأصحُّ: حمله على الاشتراك فإنَّ الإشراك جائزٌ في الوصايا، ممتنعٌ في القضاء، وإن جعل لكلِّ واحد منهما الاستقلال في جميع البلد، ففي جوازه وجهان، فإن أجزناه، فسبق رسولُ أحدهما إلى الخصم، لزمه إجابتُه، وإن جاء رسولُهما معًا، أُقرع بينهما، ولو جاء رسولُ الحاكم، ورسولُ الإمام معًا، أو رسولُ الحاكم، ورسولُ نائبه معًا، قُدِّم رسولُ الحاكم، والإمام عند الإمام.
* * *
٣٨٨٧ - فصل في الاستعداء
مَن استحضر خصمًا إلى الحاكم؛ فإن لم يعرف له حقًّا فله أن يمتنعَ، وإن عرف الحقَّ، لزمه أداؤه، ولم يلزمه الحضورُ، وإن طلب من الحاكم إحضارَه؛ فإن كان على مسافة العَدْوى، أحضره قبل ثبوت الحقِّ، ولزمه
стр. 3015
الحضورُ وإن لم يكن عليه حقٌّ، وهذا متَّفَق عليه.
ومسافةُ العَدْوى: مكان لو ذهب إليه الرسولُ لأتاه، ولرجع إلى منزله قبل أن يجنَّه الليلُ، ولا يحضره بمجرَّد الدعوى إن كان فوق مسافة القصر، وإن كان دونها، وفوق مسافة العدوى، لم يحضرْه على المذهب، وقيل: يحضره، فإن قلنا بالمذهب؛ فإن كان بموضعه حاكمٌ، كاتبه بمقتضى الحال، وإن لم يكن به حاكم؛ فإن كان داخلًا في ولاية الحاكم، لم يحضره حتَّى يثبت الحقَّ، فإن أثبته، وطلب الحكمَ بذلك، حكم له، فإن تعذَّر استيفاءُ الحقِّ إلَّا بحضور الخصم؛ فإن كان الخصمُ في ولاية الحاكم، أحضره وإن كان فوق مسافة القصر.
٣٨٨٨ - فرع:
إذا كان في طرف ولاية الحاكم مكانٌ آهِل، لم يجز إخلاؤُه من نائب فيه، أو بقربه بحيث يكون بين الحاكم والنائب، أو بين كلِّ نائبين مسافة العَدْوى.
٣٨٨٩ - فروع مفرَّقة (١):
أوَّلها: إذا حكم على الغائب، وله مالٌ حاضر، فطلب الخصمُ أخذَ حقِّه منه، أجابه الحاكمُ، وهل يجب على الحاكم أخذُ كفيل بالمال؟ فيه وجهان، فإن قلنا: لا يجب، طالبه به (٢)، فإن أبى، تركه.
الثاني: إذا سمع البيِّنة، فعُزل، ثمَّ ولي، لزمه استعادةُ الشهادة اتِّفاقًا،