٣٩٥٩ - فصل في التوكيل بالخصومة
إذا وكَّل في مجلس الحكم بحضرة الحاكم مَنْ يخاصم عنه، فله أن يخاصمَ، فإن قال: هذا وكيلي بالخصومة، فحكمه عامٌّ في جميع الخصومات غير أنَّ القضاةَ خصُّوه بتلك الخصومة في ذلك المجلس؛ لاطِّراد العادة به.
وإن ادَّعى أنَّه وكيلُ زيد في خصام عمرو، فصدَّقه عمرٌو، فله أن يمتنعَ من مخاصمته؛ خوفًا أن يجحدَ زيدٌ الوكالةَ، فيحتاج إلى إعادة الخصام، فإن أقام بينة بالوكالة؛ فإن حضر الخصمُ، سُمعت، وإن غاب، فوجهان من جهة أنَّه يُثبت حقَّ نفسه، فإذا ثبتت الوكالةُ، فطلب الخصمُ يمينَه على أنَّ موكِّله لم يعزله، أو لم يمت، حلَّفه الحاكمُ على نفي العلم بذلك.
* * *
٣٩٦٠ - فصل في كيفيَّة الحلف
لا يطلب الحاكمُ جوابَ المدَّعى عليه ما لم يدَّع المدَّعي بحقٍّ ناجز، ويطالب الخصمَ بالخروج عن موجب دعواه، فإن قال: بعتني الدار التي في يدك، لم يُسمع حتَّى يقولَ: وهي ملكي الآن، فيُخيَّر الخصمُ بين أن يقولَ: ما بعتها منه، أو يقول: لا يلزمني [تسليمُها إليه.
ولو ادَّعى أنه مزَّق ثوبَه، يخير بين أن يقول: ما مزَّقته، أو يقول: لا يلزمني] (١) تسليمُ الأرش إليه، فإن قال: ما بعتُ وما مزَّقت، ثمَّ أراد الحلفَ على نفي التسليم، فهل له ذلك؟ فيه وجهان، وقال أبو سعيد: يلزمه في جميع
стр. 3082
الصور أن يجيبَ عن عين ما يذكره المدَّعي.
ولو رهن عينًا، وسلَّمها، ثمَّ طلبها، ولم يعترف بالرهن، أجابه المرتهنُ بأنِّي لا يلزمني التسليمُ.
وإن ادَّعى المرتهنُ بالدين، فلم يأمن الراهن أن يجحد (١) المرتهنُ الرهنَ، فقد قال القفالُ: له أن يقول: أتدَّعي ألفًا به رهنٌ لي عندك حتَّى أجيبك، أو تدَّعي ألفًا آخر، وقال القاضي: لا يُسمع هذا الجواب، بل له جحدُ الدين إن جحد المرتهنُ الرهنَ، وتساوت القيمتان، أو زادت قيمةُ الدين؛ فإنَّ الرهن قد دخل في ضمانه بالجحود، وكذلك حكمُ من غصب عينًا ممَّن له عليه دين.
٣٩٦١ - فرع:
إذا ادَّعى مالًا، فقال: حلَّفتني مرَّةً على هذا المال عند هذا الحاكم؛ فإن تذكَّر الحاكم، لم يحلِّفه، وإن لم يذكر، حلَّفه، وإن قال: حلفتني عند حاكم آخر، ففي سماع دعواه وجهان، فإن سمعناها؛ فإن كانت له بيِّنة، أقامها، وإن لم تكن له (٢) بينة، حلف المدَّعي أنَّه ما حلَّفه، وإن نكل، حلف، وخلص من الخصومة، وإن استمهل؛ ليقيم البينة، فالقياس أن يُمهَل ثلاثًا، وقال القاضي: لا يُزاد على يوم، وهذا بعيدٌ، ويتَّجه ألَّا يُمهلَ أصلًا؛ لتوجُّه الطلب عليه، بخلاف الإمهال في اليمين المردودة.
стр. 3083
٣٩٦٢ - فرع:
إذا ادَّعى مالًا، فقال الخصمُ: أبرأني عن هذه الدعوى، فقد قال الإصطخريُّ: يُسمعُ قوله، ويصحُّ الإبراء عن الدعوى، وقال القفَّال: لا يُسمع قولُه، ولا يصحُّ الإبراء عن الدعوى؛ لانقسامها إلى حقٍّ وباطل، وعلى قول الإصطخريِّ: لو قامت البيِّنةُ بالمال بعد الإبراء عن الدعوى، لم تُسمع، ولو نكل المدَّعي عن يمين الإبراء، حلف خصمُه أنَّه أبرأه عن الدعوى، وانقطعت الدعوى، وإن قال: أبرأني عن المال، أو استوفاه، فقد أقرَّ به، فيلزمه أداؤه، فإن طلب تحليفَ الخصم قبل الأداء، أُجيب إليه اتِّفاقًا.
وقال القاضي: يُلزم بالأداء، ثمَّ يفتتح الدعوى، فإن طلب الإمهالَ أيَّامًا؛ ليقيمَ البمِنة، لم يُمهل، ويُقال له (١): أدِّ المالَ، واقتنع بيمين خصمك على نفي الإبراء.
* * *
٣٩٦٣ - فصل في النكول حيث لا يمكن ردُّ اليمين
إذا طلب الساعي الزكاةَ، فزعم المالكُ أنَّه برئ منها بأداء أو غيره، ففي وجوب اليمين عليه خلافٌ، فإن نكل عنها، لم تردَّ على الساعي، ولا على الفقراء؛ فإنَّهم لا ينحصرون، فإن قلنا: هي مستحبَّة، فلا أثرَ لنكوله، وإن أوجبناها، ففيه أوجه:
أحدُها: يُحكم عليه (٢) بنكوله.
стр. 3084
والثاني: يُحبس حتَّى يحلفَ، أو يقرَّ ويؤدِّيَ.
والثالث: يُفرَّق بين أن يتصوَّر بصورة مدَّعٍ، فيقول: أدَّيت الزكاةَ، أو بصورة مدَّعى عليه.
ولو غاب الذمِّيُّ، وعاد مسلمًا بعد الحَوْل، وقلنا: لا يجبُ قسط على مَنْ أسلم في أثناء الحَوْل فالقول قولُه مع يمينه، فإن نكل لم تُرَّدَ اليمينُ على أهل الفيء، وهل تلزمه الجزيةُ، أو لا يلزمه شيءٌ، أو يُحبس إلى أن يحلف، أو يعترف؟ فيه ثلاثةُ أوجه، وإن ادَّعى ذلك من غير غَيبة، لم يُقبل قولُه عل ظاهر ما ذكره صاحبُ "التلخيص"، فإنَّ الإسلامَ في الغالب لا يُكتم في بلاد المسلمين.
ولو اختار الإمامُ قتلَ الأسرى، فزعم بعضُهم أنَّه صبيٌّ، كُشف عن مؤتزره، فإن أنبت، قتله، فإن قال: استعجلتُ الإنباتَ بالمداواة؛ فإن جعلنا الإنباتَ بلوغًا، قتلناه، وإن جعلناه دليلَ البلوغ، حلف (١) على المداواة، وترك في الذُّرَيَّة، وإن نكل قُتل على النصِّ، وقيل: لا يحلف، بل يُحبس حتى يبلغ، أو يحلف على المداواة، ويُحتمل أن يُحبسَ إلى أن يحلفَ، أو يقرَّ بأنَّه لم يتداوَ، فيُقتل.
وإن طلب بعضُ أولاد المرتزقة الديوانَ، وزعم أنَّه بالغ، وأمكن صدقُه؛ فإن حلف، أُثبت اسمُه في الديوان، وإن لم يحلف، فوجهان.
وإن ادَّعى نائبُ بيت المال إرثًا لبيت المال، فنكل الخصمُ عن اليمين
стр. 3085
فقد تعذَّر ردُّها، فهل يُقضى عليه بالنكول، أو يُحبس إلى أن يقرَّ، أو يحلف؟ فيه وجهان، وقيل: يُطْلَق، وهذا بعيدٌ؛ فإنَّ اليمينَ هاهنا مستَحَقَّة على قياس الخصومات، بخلاف الحلف على الزكاة.
* * *
стр. 3086
كِتابُ الشَّهَادَاتِ وَمَا دَخَلهُ منَ الرِسَالةِ
стр. 3087
كِتابُ الشَّهَادَاتِ وَمَا دَخَلهُ منَ الرِسَالةِ
٣٩٦٤ - يُشترط في الشاهد حفظُ المروءة، والبراءةُ من التهمة، وألَّا يأتيَ بكبيرة، ولا يصرَّ على صغيرة .
وذو المروءة: مَنْ يصون نفسَه عن الأدناس، فلا يشينها عند الناس، وقيل: الذي يسيرُ بسيرة أشكاله من أهل عصره في زمانه [ومكانه] (١)، وقيل: الذي يتحفَّظ من فعل ما يُسخر به لأجله، فإذا تطيلس العامِّيُّ، ولبس الفقيهُ زِيَّ الشُّطَّار؛ فإن كان ببلد يُستنكر له ذلك، رُدَّت شهادته، وإن كان ببلد يعتادون ذلك، لم تُردَّ، ولا إثمَ في مخالفة المروءة، ويُضبط ذلك بكلِّ انحلال عن عصام المروءة مشعرٍ بالخروج عن التماسك، وترك المبالاة، فلو تبذَّل بعضُ الأماثل بنقل الماء والطعام إلى منزله؛ فإن كان لخسَّة وشُحٍّ، رُدَّت شهادتُه، وإن كان كسرًا للنفس، واقتداءً بالسلف، لم تُردَّ.
وقال الأئمَّة: مَن اشتغل بمباح عن مهامِّه حتَّى يُعدُّ معطِّلًا لما يهمُّه، مشتغلًا بما لا يعنيه، رُدَّت شهادته، وفي أصحاب الحرف الدنيئة؛ كالدبَّاغ والكنَّاس والمدلِّك، والحجَّام وجهان، طردهما بعضُهم في الحائك، وقال القفَّال: الحائكُ كالخياط، وهذا لا يصحُّ؛ فإنَّ تعاطيَ الحرف التي يزري
стр. 3088
الناسُ بأهلها يشعر بالخسَّة إشعارَ الحرف الدنيئة.
وأمَّا المعاصي: فقد جعل بعضُ الأصحاب جميعَها كبائرَ؛ نظرًا إلى جلال المَعْصِيِّ وعظمته، والأصحُّ: انقسامُها إلى الصغائر والكبائر، والكبيرةُ عند الإمام كلُّ معصية تدلُّ على الاستهانة بالدين استهانةً لا يكفر بمثلها، ولكن تغلبُه عليها نفسُه؛ تسهيلًا للأمر، ووعدًا بالتوبة، وطمعًا في الرحمة، وبالجملةُ تتدرَّب على المعصية على استبشار من غير استشعار وانكسار، ولذلك يُلحق الإصرارُ على الصغيرة بالكبيرة، وأمَّا ما يقع من فلتات النفس، وفتور مراقبة التقوى مع الاقتران بالتندُّم (١)، وألَّا يتهنَّأ فاعله بلذَّة المعصية، وتتنغَّص عليه كلُّ لذَّة ينالُها في المعصية، فلا تُردُّ الشهادة به.
ويجب رعايةُ العادات في مخالفة المروءة، وارتكاب المعصية، كما ذكرناه في تطليس العامِّيِّ، ولبس الفقيه زيَّ الشطَّار، فلو لعب بالنرد في قطر يستعظم ذلك فيه، رُدَّت شهادتُه، وإن لعب به في قطر لا يُستعظم فيه، لم تُردَّ إلَّا بالإصرار.
٣٩٦٥ - فرع:
إذا أردنا إثباتَ عدالة إنسان؛ فإن ظهر منه ما يُغلِّب على الظنِّ الاستهانةَ، جرحناه، وإن ظهر التحرُّج، وتعظيمُ الدِّين، عدَّلناه، وإن شككنا في أمره، وقفناه.
ومن تقدَّمت عدالتُه، ثمَّ ظهر منه ما يناقضُها، جرحناه، وإن شككنا في أمره، توقَّفنا وبحثنا، فإن لم يظهر منه شيءٌ، وجب الحكمُ بشهادته؛ إذ
стр. 3089
الأصلُ بقاءُ عدالته.
[قلتُ: هذا إذا لم تطل المدَّة، فإن طالت المدَّة، خُرِّج على الخلاف في وجوب التزكية] (١).
٣٩٦٦ - فرع:
لا تُقبل شهادةُ الفاسق المستعظِم للكذب الآنفِ منه، ولا شهادةُ من غلبت عليه الغفلةُ حتَّى يُسَتَفصل بذكر الأوصاف والزمان والمكان.
٣٩٦٧ - فرع:
لا يُكتفى بظاهر حرية الشاهد كما لا يكتفى بظاهر عدالته، ولابدَّ من إثبات حريته باطنًا ببينة، أو استفاضة، أو انتساب إلى أحرار، وتُقبل روايةُ العبد العدل وإن تعاطى في خدمة سيِّده ما لا يليق مثلُه بالأحرار؛ فإنَّه في سخرة السيِّد، بخلاف أرباب الحرف الدنيئة.
* * *
٣٩٦٨ - فصل في رَدِّ شهادة المتَّهم
كلُّ شهادة جرَّت نفعًا إلى الشاهد، أو دفعت عنه ضرًا فهي مردودةٌ، فلا يُقبل جرحُ العاقلة لشهود قتل الخطأ، ولا شهادةُ الوارث لمورِّثه بالجرح قبل الاندمال.
وإن كان بين اثنين عداوةٌ لا معصيةَ في سببها، فشهد أحدُهما للآخر، قُبلت شهادته، وإن شهد عليه، لم تُقبل، وإن اختصَّ أحدُهما بالعداوة اختصَّ
стр. 3090
بردِّ الشهادة، فإن غلب على الظنِّ أنَّ رجلًا يودُّ لآخر كلَّ سوء، ويتمنَّى له كلَّ شرٍّ بحيث يحزن بما يسرُّه، ويشمت بما يسوءُه، وكان ذلك لعداوة جِبلِّيَّة، أو مرتَّبة على سبب لا إثمَ فيه، رُدَّت شهادتُه على عدوِّه، وقُبلت على غير العدوِّ؛ فإنَّ العدالةَ لا تبطل بمثل ذلك.
ولو شهد المخاصِمُ على المخاصَم، ردَّت شهادتُه بإجماع العلماء؛ لأنَّ الخصومةَ توجب العداوةَ في وضع الجِبلَّة، وتُقبل شهادةُ المخاصَم على المخاصِم؛ لئلَّا يُتَّخذ الخصامُ ذريعةً إلى إبطال الشهادات.
ولا خلاف في قَبول شهادة الصديق لصديقه؛ فإنَّ العدل لا يحبُّ لصديقه إلَّا ما يحب لنفسه.
ولا تُقَبل شهادةُ الزوج مع ثلاثة على زوجته بالزنا، فإنَّ زناها سببٌ لعداوته، وإيغار صدره.
* * *
٣٩٦٩ - فصل في الشهادة للوالِدِين والمولودِين
إذا كان بين اثنين قرابةٌ توجب النفقةَ بتقدير إعسار أحدهما ويسار الآخر، فشهد أحدُهما للآخر، لم تُقبل في أصحِّ القولين، وإن شهد عليه قُبلت، وأبعد مَنْ ردَّ شهادةَ الولد على الوالد بأسباب العقوبات.
وإن شهد أحدُ الزوجين على الآخر قُبل، وإن شهد له، فأقوال، ثالثها: تُقبل شهادةُ الزوج، وتُردُّ شهادةُ الزوجة؛ لاستحقاقها النفقةَ.
* * *
стр. 3091
٣٩٧٠ - فصل في شهادة المغفَّل
لا تُقبل شهادةُ المغفَّل فيما يغلب على الظنِّ غفلتُه فيه، فإن فصل شهادتَه من غير اضطراب، قُبلت.
ولو استشعر الحاكمُ من الشهود غفلةً، فارتاب في بعض الأمر، استفصلهم، فإن لم يفصلوا، لم يحكم بشهادتهم ما دامت ريبتهُ.
ولو لم يكن بهم غفلةٌ، فظنَّ بهم الغفلةَ، فاستفصلهم (١)، فامتنعوا من التفصيل، لزمه البحثُ عن أحوالهم، فإن ظهر انتفاءُ الغفلة، حكم بشهادتهم، ومعظم شهادات العدول العوامِّ يشوبُها غرَّةً وجهل، فيتعيَّن على الحاكم أن يستفصلهم؛ ليظهرَ له تثبُّتهم في شهاداتهم.
* * *
٣٩٧١ - فصل في شهادة أهل الأهواء
المذهب: قَبول شهادة (٢) أهل الأهواء؛ كالمعتزلة، ونظرائهم، ونُقل أنَّ الشافعيَّ كفَّر مَنْ قال بخلق القرآن، وذلك من (٣) أهون بدع المعتزلة، فإن كفَّرناهم، لم تُقبل شهادتُهم، وقطع الإمام بأنَّهم لا يُكفَّرون، وحمل ما نُقل عن الشافعيِّ على إلزام في المناظرة، أو توسُّع في الكلام، وقال أبو محمَّد: لا تُقبل شهادةُ الوُقَّاع في أعراض الصحابة، ولا مَنْ يقذف عائشةَ.
* * *
стр. 3092
٣٩٧٢ - فصل في اللعب بالشِّطْرنج والحمام
الأصحُّ: أنَّه مكروه، وقيل: إنَّه مباح، واللعبُ بالنرد من غير قمار حرامٌ على ظاهر المذهب، وهل هو صغيرة، أو كبيرة؟ فيه وجهان، وقيل: إنه كالشطرنج.
فمن شغله اللعبُ بالشطرنج عن مهامِّه، أو كان لعبُه به مخالفًا لمروءة مثله، رُدَّت شهادتُه، وقال الأصحابُ: لا يحرم اللعبُ بالشطرنج إلَّا أن ينضمَّ إليه سِبابٌ، أو تركُ صلاة، أو يُقصد به القمار، [وهذا ركيكٌ؛ فإنَّ المحرَّم، هو السبابُ، وتركُ الصلاة، وقصد القمار] (١) والتزامه.
ولا يحرم اللعبُ بالحمام، وفي كراهته وجهان.
* * *
٣٩٧٣ - فصل في شرب النبيذ المختلَف في إباحته
من شرب النبيذ الذي يبيحه أبو حنيفة؛ فإن كان شافعيًّا فسق، ورُدَّت شهادتُه، وإن كان حنفيًّا فأوجه:
أحدُها: يفسق، ويُحدُّ.
والثاني: لا يفسق، ولا يُحدُّ.
والثالث - وهو النصُّ -: يُحدُّ، ولا يفسق.
فإن قلنا: يُحدُّ الحنفيُّ، فالشافعيُّ أولى، وإن قلنا: لا يُحدُّ الحنفيُّ، ففي الشافعيِّ وجهان؛ لشبهة الخلاف في الإباحة؛ كنكاح المتعة.
стр. 3093
ومن نكح بغير وليٍّ لم يُحدَّ على الأصحِّ، وقيل: إنَّه كشرب النبيذ.
* * *
٣٩٧٤ - فصل في سماع الملاهي
المعازفُ والأوتارُ كلُّها، والمزمار العراقيُّ الذي يُضرب مع الأوتار حرامٌ، وفي اليراع وجهان، ولا يحرم الدفُّ إن لم تكن عليه جلاجلُ، وإن كان، فوجهان، وحرَّم أبو محمَّد الضربَ بالكوبة وبالصُّفَّاقتين (١)، وفيهما احتمالٌ.
وقال الإمامُ: لا تحرم الطبولُ المهيَّأة للعب الصبيان، وقال: مقتضى الرأي: أن ما تُهيِّجُ ألحانهُ على الشرب، ومُجالسة أخدانه؛ كالمزامير والمعازف، فهو حرام، وما لا لذَّة في صوته، وإنَّما يُقصد لإيقاعات قد تُطرب؛ كالدفِّ والكُوبة، فليس بحرام، فإن صحَّ في تحريم الكُوبة شيءٌ، حرَّمناها، وإلَّا توقَّفنا فيها، والصُّفَّاقتان أبعدُ تحريمًا من الكُوبة، ولعلّ علَّة تحريمهما اعتيادُ المخنَّثين الضربَ بهما.
وإذا عُدَّ سماعُ الأوتار فاحشةً في بعض الأقطار، رُدَّت به الشهادةُ إذا سمع في ذلك القطر، وإن لم يُعدَّ من الفواحش في قطر، فقد قطع العراقيُّون
стр. 3094
ومعظمُ الأصحاب بأنَّه كبيرة، وقيل: هو صغيرة.
* * *
٣٩٧٥ - فصل في الغناء، وسماعه
الغناء داخلٌ في قول الشافعيِّ: الشعرُ كلامٌ، حسنُه حسن، وقبيحُه قبيح، فما حرم نثره حرم نظمُه، وما لا يحرم نثره لا يحرم نظمُه، فما حرم من الغناء حرم سماعُه، وما لا فلا، ومن أدمن الغناءَ قولًا، أو سماعًا، أو شغله إنشاءُ الشعر المباح، أو إنشادُه عن مهمَّاته، أو اتَّخذه كسبًا، رُدَّت شهادته.
ولا يحرم الرقصُ، وتنخرم المروءةُ بكثرته إن وقع عن اختيار.
ولا بأس بتعلُّم الشعر الخليِّ من الكذب، والنُّكْر، والخَنا، والفُحْش، والتشبيب بامرأة معيَّنة.
٣٩٧٦ - فرع:
من اعتاد الكذبَ رُدَّت شهادتُه، ومن ندر كذبُه لم تُردَّ شهادته، فإن خرج الشاعرُ إلى حدِّ الكذب في مَدْح أو نحوه، فهو كاذبٌ عند الأكثرين، فإن كثر ذلك منه، رُدَّت شهادتُه، وإن قلَّ لم تُردَّ، ويجب أن يُفرَّق بين ما ينشئه وما يحكيه، وقال الصيدلانيُّ: ليس بكاذب؛ فإنَّ الكاذبَ مَنْ يُري أنَّ الكذبَ صدقٌ، وغرضُ الشاعر إظهارُ الصناعة.
٣٩٧٧ - فرع:
إذا ترنَّم بالقرآن، ولم يغيِّر ألفاظَه بالتمطيط، أو ترنَّم بإنشاد شعر مباح أو حدا به، فلا بأس.
* * *
стр. 3095
٣٩٧٨ - فصل فيمن رُدَّت شهادتُه فأعادها بعد كماله
يمنع الحاكمُ العبدَ والصبيَّ والكافرَ من أداء الشهادة، وكذا الفاسق المعلن على الأصحِّ؛ إذ يبعدُ أن تُسمعَ شهادةُ ثمِلٍ بيده قدحٌ، فإن كان في أمر الفاسق نَظَرٌ، سمع شهادتَه، ثمَّ بحث.
ولو شهد عنده عبدٌ أو صبيٌّ أو كافر، فردَّ شهادتَهم، فأعادوها بعد الكمال، قُبلت اتِّفاقًا.
وإن شهد فاسقٌ، فردَّه، فأعاد الشهادةَ بعد العدالة؛ فإن كان ممَّن يُخفي فسقَه، ويتعيَّر بنسبته إليه، لم تُقبل إعادتُه اتِّفاقًا، وإن لم يكن كذلك، فوجهان.
وإن شهد لمكاتبه، أو على عدوِّه، فرُدَّت شهادتُه، فأعادها بعد العتق والصداقة، فوجهان.
٣٩٧٩ - فرع:
من اختفى في مكان؛ ليتحمَّل شهادةً، فرأى أو سمع ما يجوزُ به الشهادةُ، لزمه أداؤها، وقيل: لا تُقبل على قول قديم بعيد.
٣٩٨٠ - فرع:
الأصحُّ: أنَّ الجلوسَ على فرش الحرير والديباج صغيرةٌ، وأبعد مَنْ جعله كبيرةً، وقال: لا ينعقد النكاحُ بشهود جلوس على ديباج.
* * *
стр. 3096
٣٩٨١ - فصل في إقرار أحد الوارثين على المورِّث (١) بدين أو عين
إذا مات عن ابنين، فاقتسما تركتَه، ثمَّ أقرَّ أحدُهما بعين من حصَّته، وأنكر الآخرُ، لزم المقِرَّ تسليمُها اتِّفاقًا، فإن كانت التركةُ ألفين، فأقرَّ أحدُهما بألف دينًا، فأكذبه الآخرُ، فهل يلزمه ألفٌ، أو خمسُ مئة؟ فيه قولان.
وإن شهد المقِرُّ بالألف، فقد قال المحقِّقون: إن قلنا: تلزمه الألف، رُدَّت شهادته؛ لأنَّها دافعة، وإن قلنا: لا تلزمه الألفُ، قُبلت وإن وقعت بعد إقراره، بخلاف شهادة القاذف على المقذوف بالزنا؛ فإنَّها لا تجب، والإقرارُ بالدين واجبٌ.
وإن أقرَّ أحدُهما بعد القسمة أنَّ أباه أوصى بعين تخرجُ من الثلث، فإن كانت في يده لزمه تسليمُها، وإن قال: أوصى بثلث ماله شائعًا، لزمه تسليمُ ثلث ما في يده، وإن أقرَّ بوصية مرسلة؛ مثل أن قال: أوصى أبونا بألف، فقولان:
أحدُهما: يلزمه جميعُها متعلِّقًا بثلث ما في يده، فيلزمه ثلاث مئة وثلاثة وثلاثون، وثلث.
والثاني: يلزمه نصفُها متعلِّقًا بثلث ما في يده، وهو مئتان وخمسون، وأبعد مَنْ قال: يلزمه نصفُ الوصيَّة اتِّفاقًا.
* * *
стр. 3097
٣٩٨٢ - باب الشهادة على الشهادة
يثبت بالشهادة على الشهادة كلُّ حقٍّ ماليِّ لله (أو لعباده) (١)، وفي العقوبات أقوالٌ تجري في كلتاب الحاكم إلى الحاكم بما حكم به، أو ثبت عنده، أقيسُها: الجوازُ، والثاني: المنع، والثالث: يثبت بها حدُّ القذف والقصاص دون حدود (٢) الله تعالى.
* * *
٣٩٨٣ - فصل في كيفيَّة تحمُّل الفروع
يُشترط في الشهادة على الشهادة السماعُ من شاهد الأصل، وألَّا يَحتمل إشهادُ شاهد الأصل غيرَ الشهادة، فإذا سمع الفرعُ الأصلَ يشهد على إنسان بحقٍّ بحيث لا يحتمل قولُه غيرَ الشهادة، فله أن يشهدَ على شهادته، ويحصل ذلك بالاسترعاء، أو بأن يسمعَ شاهدَ الأصل يسرَعي شاهدًا آخر، أو يسمعه يشهد عند حاكم، أو محكَّم بحقِّ، فلم يتَّفق الحكم بشهادته.
ثمَّ لا حصر لألفاظ الاسترعاء، والاسترعاء: أن يحمِّله الشهادةَ؛ مثل أن يقول: أشهد لفلان على فلان بكذا، وأنا أُشهِدك على شهادتي هذه، أو
стр. 3098
فاشهد على شهادتي، أو أذنت لك أن تشهدَ على شهادتي، أو إذا استُشهدتَ على شهادتي، فاشهد، وليس الاسترعاءُ مشروطًا اتِّفاقًا، بل الشرط ألَّا يحتملَ لفظُه غيرَ الشهادة، فإن قال: أشهد أنَّ له عليه كذا من ثمن مبيع، أو أجرة، أو ذكر جهةً من جهات اللزوم، ولم يسترع الشهادةَ، لم يصحَّ التحمُّل على أظهر الوجهين؛ فإنَّ الإنسانَ قد يتجوَّز في كلامه، ويتسمَّح، فإذا دُعي إلى الأداء امتنع.
وإن قال: أشهد أنَّ له عليه كذا، وهذه شهادة أبتُّها، ولا أتمارى فيها، فوجهان يقربان ممَّا ذكرناه الآن.
ولا خلاف في اشتراط لفظ الشهادة من شاهد الأصل، وكذلك في أداء سائر الشهادات عند الحكَّام، فلو قال: أعلم أو أتيقَّن، أو أقطع بكذا، لم يقبله الحاكم، وأبعد مَن أقام اللفظ الصريحَ الذي لا تردُّدَ فيه مُقامَ لفظ الشهادة.
٣٩٨٤ - فرع:
لو سمع مَنْ يقول في غير مجلس الحكم: أشهد أنَّ لفلان على فلان كذا، فليس له أن يشهدَ على شهادته اتِّفاقًا؛ فإنَّه قد يتسمَّح بلفظ الشهادة؛ بناءً على وعد أو خلق كريم.
ولو سمع مَن يقول: لفلان عليَّ كذا؛ فإن أضافه إلى سبب؛ كالبيع والضمان، فله أن يشهدَ على إقراره، وإن لم يضفه إلى سبب، فله أن يشهد، خلافًا لأبي إسحاق المروزيِّ؛ فإنَّ الإنسانَ لا يتسمَّح في حقِّ نفسه غالبًا.
* * *
стр. 3099
٣٩٨٥ - فصل في كيفيَّة شهادة الفرع
الوجه للفرع أن يقول: أشهد أنَّ فلانًا شهد عندي أنَّ لزيد على عمرو كذا، وأذن لي أن أشهدَ إذا استُشْهدت، وأنا الآن أشهدُ على شهادته، [وإن رآه يشهد عند الحاكم، فالأَوْلى أن يذكرَ ذلك، ولو قال: أشهدني على شهادته] (١)، أو قال لي: أشهدتك على شهادتي، وفصل شهادةَ الأصل، كفاه ذلك.
ولو قال: أشهد على شهادة فلان بكذا، ووثق الحاكمُ بمعرفته بكيفيَّة التحمُّل واستقلاله به، فله أن يكتفيَ بذلك، والغالبُ على الناس الجهلُ بكيفيَّة التحمُّل، فيتحتَّم طلبُ التفصيل في أكثرهم.
* * *
٣٩٨٦ - فصل فيما يطرأ على الأصول من موانع الشهادة
إذا كفر شاهدُ الأصل، أو فسق، أو ظهرت عداوتُه للمشهود عليه، لم تُقبل شهادةُ الفرع.
وإن جُنَّ الأصل أو عمي، وافتقرت شهادتُه إلى الإشارة، ففي قَبول شهادة الفرع أوجهٌ، ثالثُها: القَبول في العمى دون الجنون، والمذهب: القَبول فيهما، فإن رددناها، فزال العمى والجنونُ، فلا بدَّ من تجديد التحمُّل على الأصحِّ.
стр. 3100
ولو فسق الأصلُ بحيث لا تُقبل شهادةُ الفرع قطعًا، ثمَّ عادت عدالته، واستُبرئ، لم يجز للفرع الأداءُ إلَّا بتحمُّل جديد، وفيه وجهٌ بعيد.
وإن أُغمي على الأصل؛ فإن كان غائبًا، قُبلت شهادةُ الفرع، وإن كان حاضرًا لم تُقبل؛ لقرب زوال الإغماء.
٣٩٨٧ - فرع:
إذا طرأ شيءٌ من هذه الموانع بعد الحكم بشهادة الفرع، فلا أثرَ لها.
وإن فسق الأصلُ بعد شهادة الفرع، وقَبْل الحكم، لم يُحكم بها؛ كفسق الشاهد قبل الحكم في سائر الشهادات.
وإن أكذب الأصلُ الفرعَ بعد الحكم، فلا أثر لتكذيبه، وإن أكذبه قبل الحكم لم يُحكم بشهادته، وإن كان عدلًا رضًا.
وإن حضر الأصلُ قبل الحكم بشهادة الفرع، وصدَّقه، لم يُحكم بشهادة الفرع بحضوره، ولا أثرَ لحضوره بعد الحكم، وإن قامت بيِّنة بأنَّه كذَّبه قبل الحكم، نُقض الحكمُ قولًا واحدًا بمعنى أنَّا نتبيَّن انتقاضَه؛ فإنَّ الحكمَ ليس بعقد، فيُدام، أو يُنقض.
* * *
٣٩٨٨ - فصل في عدد شهود الفرع
إذا شهد على كلٍّ أصل فرعان، قُبلت الشهادةُ، ولابدَّ من ذكورة الفرع وإن كانت الشهادةُ بمال، وإن شهد على الشاهدين فرعان، قُبل على أقيس القولين، ووجهُ المنع: أنَّهما يقومان مقامَ شاهد واحد، ومَن افتقر إلى شهادته
стр. 3101
في شِقٍّ، لم تُقبل شهادتُه في الشق الآخر؛ كما لو شهد في أحد الشقين بالأصالة، وفي الآخر بالفرعيَّة، لكنَّ الفرقَ أنَّه إذا شهد أصلًا وفرعًا، فقد قام بثلاثة أرباع الشهادة؛ فإن قلنا: لا يكفي فرعان، فشهد أربعةٌ على أحدهما، ثمَّ شهدوا على الآخر، فوجهان، وقطع الإمامُ بالقَبول؛ لأنَّه قد شهد على كلِّ واحد فرعان، فلا أثر للتعرُّض للشهادتين، وفي فروع الإقرار بالزنا أقوال:
أحدُها: يكفي فرعان، والثاني: أربعة، والثالث: ثمانية، والرابع: ستَّة عشر؛ وهذه الأقوالُ مبنيَّة على الخلاف في عدد الفروع، وعدد شهود الإقرار؛ فإنَّ شهادة الأصل بمثابة الإقرار.
٣٩٨٩ - فرع:
إذا كان الأصلُ رجلًا وامرأتين، ففي الاكتفاء بفرعين قولان، فإن قلنا: لا يكفيان، لم يكفِ أربعةٌ اتِّفاقًا، ولابدَّ من ستَّة ينقل كلُّ اثنين منهم شهادةَ واحد من الرجل والمرأتين.
* * *
٣٩٩٠ - فصل في العذر المجوِّز لشهادة الفرع
إذا مات شاهدُ الأصل، أو غاب على مسافة القَصْر، قُبلت شهادةُ الفرع اتِّفاقًا، وإن غاب على مسافة العَدْوى، لم تُقبل، وفيما بينهما وجهان.
وإن مرض الأصلُ وهو حاضر في البلد، قُبلت شهادةُ الفرع، وإن قدر الحاكمُ أن يأتيَه، ويسمعَ شهادته، أو يستخلفَ مَنْ يسمعها؛ لما في ذلك من غضِّ الولاية، ولا خلافَ في قَبول الرواية مع حضور الشيخ في البلد،
стр. 3102
وضبط جماعة (١) من الأصحاب المرضَ المجوِّز لشهادة الفرع بما يبيح ترك (٢) الجمعة، وضبطه الإمامُ بما تظهر مشقَّته، ويُقْلِق ألَمُهُ بحيث يَعْسُر الاستقلالُ بحمله.
ويجوز لكلِّ شاهد أن يتخلَّفَ عن مجلس الحكم بكلِّ عذر يجوز تركُ الجمعة به؛ كخوف الغريم وغيره.
وإذا ثبتت عدالةُ الأصل بشهادة فرعه، أو بغيرها، أو بعلم الحاكم، كفى ذلك، ولا يلزم شاهدَ الفرع تصديقُ شاهد الأصل، ولا تعديلُه، ومن حلف مع شاهده حلف على صدقه دون عدالته.
* * *
стр. 3103
٣٩٩١ - باب الشهادة على الحدود
لا تُقبل الشهادةُ بالزنا حتَّى يصرِّح الشاهدُ بإيلاج الذكر في الفرج، وفي اشتراط ذلك في الإقرار بالزنا وجهان، ولا يُشترط في القذف اتِّفاقًا، فإن شهد عدلان أنَّه زنا بفلانةَ في بيت، وشهد آخران أنه زنا بها في بيت آخر، أو اختلفوا في زوايا بيت واحد، لم يثبت الزنا.
* * *
٣٩٩٢ - فصل في تسبُّب الحاكم إلى درء الحدِّ
إذا رُفع إلى الحاكم من يُتَّهم بسرقة أو غيرها من أسباب الحدود، فلا يأمره بالإنكار، بل يُعرِّض له به، وتعريضُه بذلك جائزٌ أو مستحبٌّ؟ فيه وجهان، ولا يعرِّض بما يسقط الضمانَ، فإن بادر بالإقرار، لم يعرِّض له بالرجوع على الأصحِّ، فإن قامت بيِّنة بزنًا، أو سرقة، فهل يعرِّض بدعوى ما يسقط الحدَّ؛ كالملك والشركة؟ فيه خلافٌ مرتَّب على ما يثبت بالإقرار، وأولى بالمنع.
* * *
٣٩٩٣ - فصل في اختلاف الشهود في القيمة وغيرها
إذا اختلف الشاهدان في زمان السرقة، أو مكانها، أو في صفة المسروق؛
стр. 3104
كالسواد والبياض، لم تثبت السرقةُ.
وإن شهد أربعةٌ بسرقة ثوب، فقوَّمه اثنان منهم بربع دينار، وقوَّمه الآخران بأقلَّ من الربع، لزمه أقلُّ القيمتين، ولم يُقطع، وإن اتَّفقوا على أوصاف الثوب، أو على أنَّه لم يقف واحدٌ منهم على وصف لم يعرفه الآخر.
وإن ادَّعى ألفًا، فشهد به شاهدٌ، وشهد آخر بأنَّ له عليه ألفًا قد قضاه، لم تثبت الألف؛ لتناقض قول الثاني، وله أن يحلفَ مع الأوَّل.
ولو شهد عدلان أنَّه أقرَّ بألف، وقال أحدُهما: لكنَّه قضاه، ففي ثبوت الألف وجهان، فإن أثبتناه؛ فإن حلف خصمُه مع شاهد القضاء، سقط الألف، وإن شهدا بالإقرار بألف، ثمَّ قال أحدُهما: قد قضى الألف بعد شهادتنا، فوجهان مرتَّبان، وأولى بالثبوت.
وإن شهدا أنَّ عليه ألفًا، ثمَّ قال أحدُهما بعد يوم مثلًا: كان قد قضى الألف قبل شهادتي، فلا يُحكم بشهادته؛ لرجوعه عنها، وإن قال: قضاه بعد شهادتي، فوجهان.
* * *
стр. 3105
٣٩٩٤ - باب الرجوع عن الشهادة
مَنْ شهد بشيء، ثمَّ رجع عن شهادته؛ فإن رجع قبل الحكم، لم يُحكم بشهادته، ويُحدُّ إن كانت الشهادةُ بزنًا، فإن قال: أخطأتُ بالشهادة، قُبلت شهادتُه في غيره، فإن كمل عددُ الراجعين في الزنا، وقالوا: أخطأنا، ففي كونهم قذفةً احتمالٌ مرتَّب على نقصان العدد، وأولى بكونهم قَذَفةً؛ لما يلزمهم من التحفُّظ، فإن جعلناهم قذفةً، حُدُّوا، ورُدَّت شهادتهم، وإن لم نجعلهم قذفةً، قُبلت شهادتُهم، ولا حدَّ عليهم.
ومتى رجع الشاهدُ، ثمَّ زعم أنَّه غلط في رجوعه، لم يُقبل منه اتِّفاقًا، وإن رجعوا بعد الحكم بشهادتهم، فللمشهود به أحوال:
أحدها: أن يكونَ موجبًا للعقوبة؛ كأسباب الحدود والقصاص، فإن رجعوا بعد الحكم، وقَبْل الاستيفاء، ففي جواز الاستيفاء أوجهٌ، ثالثُها: إن كان حقًّا للآدميِّ؛ كحدِّ القذف والقصاص، استُوفي، وإن كان حدًّا لله تعالى، لم يُستوفَ.
ولو فسقوا قبل الحكم، أو بعده وقبل الاستيفاء، كان فسقُهم كرجوعهم فيما ذكرناه.
وإن رجعوا بعد أن هلك المشهودُ عليه بالقتل، أو بالرجم، أو بسراية
стр. 3106
القطع والجلد؛ فإن قالوا: تعمَّدنا، أو علمنا أنَّه يُقتل بشهادتنا، لزمهم القصاصُ، وإن قالوا: أخطأنا، ووصفوا خطأهم، أو أطلقوه، فلا قودَ عليهم، والضمانُ في أموالهم إلَّا أن تصدِّقهم العاقلةُ، فتحمله، وقد يرى الحاكمُ تعزيرَهم؛ لتركهم التحفُّظَ.
وإن قال أحدُهم: تعمَّدت, وقال الباقون: أخطأنا، فلا قَوَدَ على العامد؛ لأنَّه شريك مخطئ.
وإن قال كلُّ واحد: تعمَّدت، وأخطأ أصحابي، ففي وجوب القَوَد عليهم وجهان.
وإن قال الحاكمُ: علمت كذبَهم، وتعمَّدتُ، لزمه القودُ اتِّفاقًا.
فإن رجع المقتصُّ دونهم، لزمه القصاصُ، وإن رجعوا معه، فلا غُرْمَ عليهم ولا قودَ؛ كالممسِك مع المباشِر، وأبعد مَنْ أوجب الغُرْمَ والقصاص.
وإن قالوا: تعمَّدنا الكذبَ، ولم نعلم أنَّه يُقتل بشهادتنا، فلا قودَ عند الأكثرين، وتجب الديةُ حالَّة على النصِّ, وقال في "التقريب": تجب مؤجَّلة كعمد الخطأ، ويُحتمل تخريجُ القود على التردُّد فيمَن ضرب مريضًا يجهل مرضَه ضربًا يقتل المريضَ، ولا يقتل الصحيحَ.
٣٩٩٥ - فرع:
إذا رجع المزكُّون, وقالوا: علمنا فسقَ الشهود وكذبَهم، أو علمنا فسقهم، ولم نعلم كذبَهم، ففي القود والغرم أوجهٌ، ثالثُها: يجب الغرمُ دون القصاص, وقال الإمام: يجب أن يترتَّب قولُهم: علمنا فسقهم دون كذبهم على قولهم: علمنا فسقهم وكذبهم.
стр. 3107
٣٩٩٦ - فرع:
إذا رجع شهودٌ الإحصان، ففي تغريمهم قولان، فإن قلنا: يغرمون، لزمهم القصاصُ، فإن رجع معهم شهودُ الزنا، فهل يلزم شهودَ الإحصان ثلثُ الدية، أو شطرها (١)؟ فيه وجهان، وجهُ التشطير أنّ لحدّ الزنا ركنين: الزنا والإحصان.
ولو شهد اثنان بتعليق العتق بصفة، وآخران بوجود الصفة، ثمَّ رجعوا، ففي تغريم شهود الصفة وجهان.
ولو شهد جماعةٌ يثبت الحقُّ ببعضهم، ثمَّ رجعوا معًا، أو على التعاقب، لزمهم الغرمُ، وإن رجع بعضُهم، وأصرَّ مَن يَثْبت الحقُّ بمثله؛ مثل أن يشهد خمسةٌ بالزنا، أو ثلاثةٌ بغير الزنا، ثمَّ يرجع أحدُهم، فلا غرمَ عليه في أصحِّ القولين، فإن أوجبنا الغرمَ على شاهدي الإحصان، فرجع أحدُهما، فهل يلزمه ربعُ (الغرم أو سدسه) (٢)؟ فيه قولان مبنيَّان على أنَّهما إذا رجعا مع شهود الزنا، فهل يلزم نصفُ الغرم، أو ثلثه؟ فإن أوجبنا النصفَ ثَمَّ، وجب الربعُ هاهنا، وإن أوجبنا الثلثَ ثَمَّ، وجب السدسُ هاهنا.
[فإن شهد أربعةٌ بالزنا، وأربعة بالإحصان، ثمَّ رجع أحدُ شاهدي الإحصان] (٣)، فإن رجع معه شهودُ الزنا، فهل يلزمه سدسُ الغرم، أو ثمنه؟ فيه قولان.
стр. 3108
وإن شهد أربعةٌ بالزنا والإحصان، ثمَّ رجع أحدُهم، فلا غرمَ عليه لأجل الإحصان في أصحّ القولين؛ لبقاء مَنْ يثبت به الإحصان، وهل يلزمُه لأجل الزنا سدسٌ أو ثمن؟ فيه قولان.
وإن رجع ثلاثةٌ عن الزنا والإحصان، فهل يغرم كلُّ واحد منهم لأجل الزنا سدسًا، أو ثمنًا؟ فيه قولان، وهل يغرم كلُّ واحد لأجل الإحصان ثلثَ الربع، أو ثلثَ السدس؟ فيه الخلاف.
وإن شهد أربعةٌ بالزنا، واثنان منهم بالإحصان، ثمَّ رجع أحدُهما عن الأمرين، فواجبُه لأجل الزنا ثمنٌ، أو سدس؛ فيه خلاف، وواجبُه لأجل الإحصان ربع، أو سدس؟ فيه وجهان.
ولو شهد ثمانيةٌ بالزنا والإحصان، ثمَّ رجع واحد، أو اثنان، أو ثلاثة، أو أربعة، فلا غرمَ في أصحِّ القولين، فإن رجع الخامسُ؛ فإن قلنا بالأصحِّ، فلا غرمَ عليه لأجل الإحصان، وهل يجب على الخمسة لأجل الزنا سدسٌ، أو ثمن؟ فيه وجهان، وإن رجع ستَّة، فهل يلزمهم ثلثُ الغرم، أو ربعه؟ فيه قولان، وإن رجع سبعةٌ، بطلت الشهادةُ بالزنا والإحصان، فيُفرَّع الغرمُ على ما سبق.
الحال الثانية: أن يكون ممَّا لا تداركَ له؛ كالعتق، والطلاق، وتحريم الرضاع، فيلزمهم الضمانُ.
فإن شهد بالرضاع رجلٌ وعشرُ نسوة، ثمَّ رجعوا، جُعل الرجل كامرأتين، ولزمه السدسُ، وعلى كلِّ واحدة منهنَّ نصفُ السدس، ولو وقع نظيرُ ذلك في المال، وأوجبنا الغرمَ، فالمذهبُ وجوبُ نصفه على الرجل، وباقيه على
стр. 3109
النساء، وأبعد مَنْ ألحقه بالرضاع.
وإن رجع الرجلُ مع ستِّ نسوة عن الرضاع؛ فإن قلنا بالأصحِّ، فلا غرمَ عليهم، وإن قلنا بالقول الآخر، لزمهم ما يخصُّهم لو رجع الجميعُ، وهو تسعةُ أسهم من اثني عشر سهمًا؛ على كلِّ واحدة منهم (١) سهم، وعلى الرجل سهمان، وإن رجع مع سبع نسوة وقلنا بالأصحِّ، جُعل ربع الغرم تسعة أسهم على كلِّ واحدة سهم، وعليه سهمان.
الحال الثالثة: أن يكونَ ممكنَ التدارك؛ مثل أن يشهدا لزيد بدار في يد عمرو، ثمَّ يرجعا قبل الحكم، فإن قالا: تعمَّدنا الكذبَ، فقد فسقا، فإن تابا واستُبرِئا، قُبلت شهادتُهما في غير ذلك، فإن قالا: أظهرنا دعوى الكذب، وما كذبنا، وطلبا إعادةَ الشهادة، لم يُقبل منهما، وإن رجعا بعد الحكم، غرما على أقيس القولين، والجديدُ: أنَّهما لا يغرمان؛ لتوقُّع إقرار المشهود له، وتوجيهه عَسِرٌ؛ فإنَّ الحيلولةَ كالإتلاف.
* * *
стр. 3110
٣٩٩٧ - باب علم الحاكم بحال من حكم بشهادته
قال القاضي: ليس للحاكم الإصغاءُ إلى شهادة الكافر والفاسق، [والعبيد والصبيان] (١)، قال الإمامُ: الوجه: أن يقدِّم النذيرَ إليهم؛ حتى لا يتعرَّضوا لذلك، فإن رأى قبولَ شهادة العبد، أو شهادةَ المعلِن بالفسق إن صحَّ قبولُ شهادته في بعض المذاهب، فلا اعتراضَ عليه في شيء يسوغُ فيه الاجتهادُ، وإن كان الفاسقُ مستسرًّا، فالوجهُ: أن يصغيَ إلى شهادته، ولا يحكمَ بها؛ لأنَّ تركَ الإصغاء هتكٌ لستره، والقياس: ألَّا يصغيَ إلى مَنْ يعلم أنَّه مردود.
فإن حكم بشهادة شاهدين، ثمَّ بان أنَّهما كافران، أو مراهقان، أو عبدان، أو فاسقان، فقد تبيَّن انتقاضُ حكمه؛ فإنَّ القضاءَ لا يقبل الحَلَّ والعقد.
وللشافعيّ قولٌ: أنَّه لا ينتقض إذا ظهر فسقُهما، فقطع بعضُ الأصحاب بالانتقاض، وحمل هذا القول على ظهور الفسق على قُرب عهد بالحكم لم يثبت استنادُه إلى وقت الحكمَ؛ فإن الحكم لا ينتقض بمثله، فإذا نُقض الحكمُ بظهور الرقِّ، أو الكفر، أو الفسق، وكان المحكومُ به مالًا، ردَّه على المستحِقِّ، فإن تلف في يد الخصم، لزمه بدلُه، فإن لم يتمكَّن من الخصم، فالغرمُ على الحاكم أو بيت المال؟ فيه قولان، فإذا غرم، لم يرجع على
стр. 3111
الصبيِّ اتِّفاقًا، وكذا الفاسق عند الأصحاب، وفيه احتمالٌ، وهل يرجع على الرقيق والكافر الملتزم لأحكامنا؟ فيه قولان؛ فإنَّ الفاسقَ مأمورٌ بستر فسقه، والكافر والعبد مأموران بإظهار حالهما.
فإن قلنا: يرجع، فهل يتعلَّق بذمَّة العبد، أو رقبته؟ فيه قولان، ولو كان الصبيُّ تامَّ القدِّ قد طرَّ (١) شاربه، لم يرجع عليه على الأصحِّ.
(وإذا وجب (٢) تغريمُ الحاكم والرجوع على الشاهد، فلا يبعد تخييرُ المستحِقِّ بين مطالبتهما، وفىِ كلام الأصحاب ما يدلُّ على ذلك، والظاهر المنقول: توجُّه الطلب عليه، ثمَّ (٣) يرجع هو كما تقدَّم.
* * *
٣٩٩٨ - فصل فيمَن أعتق في مرض موته عبيدًا، وشككنا هل أعتقهم معًا، أو مرتبين
إذا أعتق في مرض الموت عبدين كلُّ واحد منهما (٤) ثلثُ ماله؛ فإن رتَّب عتقَهما، عتق الأوَّل وحده، وإن أعتقهما معًا، أُقرع بينهما اتِّفاقًا، وإن شككنا في ذلك، فحكمهُ كحكم الجمعتين إذا شككنا فيهما، فحيث حكمنا بفساد الجمعتين، أقرعنا هاهنا، وإن حكمنا بصحَّة إحدى الجمعتين، وزَّعنا
стр. 3112
العتق هاهنا.
فإن احتُمل أن يكون عتقُهما معًا، أقرعنا بينهما، وإن علمنا الترتيبَ، وأشكل السابقُ، أو عرفناه، ثم نسيناه؛ فإن حكمنا بفساد الجمعتين في نظيره، أقرعنا هاهنا، وإن حكمنا بصحَّة إحدى الجُمعيتن وزَّعنا العتقَ هاهنا، فإن كانت قيمةُ أحدهما ثلثَ المال، وقيمةُ الآخر سُدُسَه، فالتوزيع والإقراعُ على ما تقدَّم، فإن قلنا بالإقراع، فخرجت القرعةُ للنفيس، اقتصر العتق عليه، وإن خرجت للخسيس، عتق مع نصف النفيس، وإن رأينا التوزيعَ، ففي كيفيَّته وجهان:
أحدُهما: يعتق من كلِّ واحد ثلثاه؛ كما لو أوصى لرجل بماله، ولآخر بثلثه، وأجاز الورثة، فإنَّا نقسمه على العَوْل أرباعًا.
والثاني: يعتق من النفيس ثلاثهُ أرباعه، ومن الخسيس نصفُه؛ لأنَّ التنازعَ بينهما في أحد النصفين، والنصفُ الآخر عتيقٌ بكلِّ حال، ويجب طردُ هذا الوجه في الوصيَّة، وإن لم يذكره الأصحابُ، فيُجعل للموصى له بالثلث سدس المال، والباقي لصاحبه؛ فإن الثلثين لا نزاعَ فيهما، والتداعي في الثلث الآخر، فيأخذ كلُّ واحد منهما نصفه.
٣٩٩٩ - فرع:
إذا أوصى بعتقهما، فالمذهب أنَّا نُقْرع بينهما سواء رتَّب الوصيَّتين أو جمعهما إذا لم يوصِ بتقديم أحدهما، وعلى قول بعيد: يُوَّزع العتقُ عليهما؛ اقتصارًا بالقرعة على مورد الخبر.
وإن أوصى بتقديم عتق أحدهما، فشككنا في المقدَّم منهما، فهو كما
стр. 3113
لو أعتقهما في مرض موته في التوزيع والإقراع.
* * *
٤٠٠٠ - فصل في (شهادة الوارث) (١) بالرجوع عن الوصيَّة بعتق سالم إلى عتق غيره
إذا شهد عدلان أنَّه أوصى بعتقِ سالمٍ، فشهد وارثان أنَّه رجع عن الوصيَّة بعتق سالم، وأوصى بعتق غانم، وكلُّ واحد منهما ثلثُ المال، أُعتق غانم وحده، وثبت الرجوعُ عن عتق سالم بشهادة الوارثين؛ لتساوي الماليَّة، وانتفاء التهمة الناجزة، فإن كان سالم ثلثَ المال، وغانم سدسَه عتقا على النصِّ؛ لأنَّهما أقرَّا لغانم، ورُدَّت شهادتُهما بالرجوع؛ لأنَّها جارَّة (٢)، والنصّ مشكل؛ فإنَّ الرجوعَ إذا بطل ثبتت الوصيتان، ولو أقرَّا بالوصيَّتين لأقرعنا، فينبغي أن يُقرعَ هاهنا، فإن خرجت للنفيس، عتق وحده، وإن خرجت للخسيس، عتق مع نصف النفيس.
وقال الأصحابُ: إن قلنا بتبعيض الشهادة، أقرعنا بينهما، وإن قلنا بردِّ الجميع، عتقا، وهذا باطل؛ فإنَّ الرجوعَ إذا بطل فقد ثبتت الوصيَّتان من غير رجوع، فكيف يعتقان، والحقُّ الذي لا يجوزُ غيره: أنَّا نقرع؛ فإن خرجت للنفيس، عتقا، ويُحمل النصُّ على ذلك، وإن خرجت للخسيس، عتق مع نصف النفيس، وإن وقعت الوصيتان، ولم يثبت الرجوعُ، وقلنا بتوزيع العتق،
стр. 3114
ففي كيفية توزيعه الخلافُ السابق، وإن قلنا بمختار الإمام، عتق جميعُ الخسيس؛ لإقرار الوارث، وعتق من النفيس ما يقتضيه الحسابُ.
٤٠٠١ - فرع:
إذا شهد أجنبيَّان أنَّه أعتق سالمًا في مرض موته يوم السبت، فقال الورثة: ما أعتقه، ولكنَّه أعتق غانمًا يوم الأحد، عتق العبدان من غير إقراع، وإن لم يتعرَّضوا للتاريخ، احتُمل أن يُقرعَ بينهما؛ لأنَّ الورثةَ لو صدَّقوهما, وقالوا: أعتق معه غانمًا، لوجب الإقراع، واحتُمل أن يعتقا بغير قرعة؛ فإنَّ القرعةَ إنَّما تجري في محلّ الإشكال، وغانم متعيِّن للعتق بكلِّ حال.
* * *
٤٠٠٢ - فصل في طلب الحيلولة إلى أن تُزكَّى البينة
إذا شهد بالحقِّ شاهدان، فطلب المدَّعي الحيلولةَ بين الخصم، وبين الحقِّ إلى أن تثبتَ التزكيةُ أو يقبضها؛ فإن كان المدَّعى به عتقًا، أجابه الحاكمُ اتِّفاقًا، وأبعد مَنْ منع ذلك، فإن قلنا بالمذهب، أنفق عليه من كسبه، فإن ثبتت التزكيةُ، أخذ العبدُ ما فضل من الكسب، وإن ثبت الجرحُ أخذه السيِّد، فإن لم يكن له كسبٌ، أُنفق عليه من بيت المال، فإن ثبتت التزكيةُ، فهو فقير أُنفق عليه من بيت المال، وإن ثبت الجرحُ، رجع على السيِّد بالنفقة، وإن لم يطلب العبدُ الحيلولةَ، فللحاكم أن يحولَ بينهما على الترتيب المذكور، ويتحتَّم ذلك عليه في الأمة.
وإن كان المدَّعى به عينًا، فطلب انتزاعَها وتعديلها؛ فإن خِيف تغييبها
стр. 3115
وضياعها، أجبناه إلى ذلك، وإن لم يُخَف ذلك؛ كالعقار، فطريقان.
وإن ادَّعى نكاحَ امرأة، وأقام شاهدين، فطلب تعديلَها، ومنعها من الانتشار، أجبناه على المذهب، وقيل: لا يُجاب؛ لأنَّ أصلها على الإطلاق، وهل يؤخذ منها كفيلٌ ببدنها؟ فيه وجهان.
٤٠٠٣ - فرع:
حيث نرى الحيلولةَ بالشاهدين، فلو أقام شاهدًا واحدًا، وطلب الحيلولةَ إلى أن يقيم الشاهد الآخر؛ فإن كان الشاهدُ عدلًا، فقولان، وإن كان مستورًا، فقولان مرتَّبان.
وإن ادَّعى دينًا، وأقام شاهدين، وطلب الحَجْرَ على الخصم؛ مخافة أن يقرَّ بأمواله، ويضيِّعها، فلا يجاب إلى ذلك وإن توسَّم الحاكم في خصمه المِحال, وقال القاضي: إن عرفه الحاكم باللدد، والمحال حجر عليه.
٤٠٠٤ - فرع:
إذا رأينا الحيلولةَ بشاهد واحد؛ فإن أتى بالآخر في ثلاثة أيَّام، وإلَّا أعدنا الحقَّ إلى المدَّعى عليه، وإذا حُلْنا بشاهدين، استمرَّت الحيلولةُ إلى ثبوت التزكية أو الجرح؛ لأنَّ المدَّعيَ قد أتى بما عليه، وعلى الحاكم أن يجِدَّ في البحث، ويستحثَّ المزكِّيَ.
* * *
٤٠٠٥ - فصل فيمن قال لعبده: إن قُتلتُ فأنت حرٌّ
إذا قال لعبده: إن قُتلتُ فأنت حرٌّ، فأقام بيِّنة بالقتل، وأقام الورثة بيِّنة
стр. 3116
بأنَّه مات حَتْفَ أنفه، فقولان:
أحدُهما: نقدِّم بينةَ القتل.
والثاني: يتعارضان، فإن قلنا بالتهاتر عند التعارض، لم يعتق، وإن قلنا بالاستعمال، فلا يجيء الوقفُ، وإن قلنا بالقسمة، عتق نصفُه، ورقَّ نصفُه، وإن قلنا بالقرعة، فخرجت القرعةُ له، عتق، وإن خرجت للورثة، رقَّ.
وإن قال: إن متُّ في رمضان، فسالم حرّ، وإن متُّ في شوَّال، فغانم حرٌّ، فمات، وأقاما بيّنتين، فهل يتعارضان، أو تُقدَّم بيِّنةُ رمضان؟ فيه قولان, وقال ابن سُريج: تُقدَّم بيِّنةُ شوَّال؛ فإنَّه قد يُغمى عليه في رمضان، فيشيعُ موتُه، فإن قلنا بالتعارض والتهاتر، فقد عتق أحدُهما، وأشكل، (فيُرجع إلى بيان) (١) الوارث؛ كمن قال: إن كان هذا الطائرُ غرابًا، فسالم حرٌّ، وإن لم يكن غرابًا، فغانم حرٌّ، ثمَّ مات، وأشكل.
* * *
٤٠٠٦ - فصل فيما تُقبل فيه شهادةُ الحسبة
تقبل شهادةُ الحسبة فيما لا تصحُّ به (٢) الدعوى من حدود الله، وكذلك ما تصحُّ به الدعوى إن غلب عليه حقُّ الله، ولم يسقط بالرضا؛ كتحريم الرضاع والعتق والطلاق، وفيما يغلب عليه حقُّ الآدميِّ، ولا يسقط بالرضا؛
стр. 3117
كالولادة على الفراش؛ لإثبات النسب وجهان، وتُقبل في الوقف إن كان على جهة عامَّة، وإن كان على معيَّنين، لم تُقبل وإن جعلنا الموقوفَ ملكًا لله.
وقال الصيدلانيُّ: إن جعلنا الملكَ لله، قُبلت، وتُقبل في الخُلْع؛ لإثبات الفرقة دون المال، ولا يبعد أن يثبتَ المالُ تبعًا، ولا أن يقعَ الطلاقُ رجعيًّا؛ كخلع السفيهة، ولا تُقبل في شراء مَنْ يعتق على المشتري؛ إذ لا يمكن إثباتُ العتق بدون ثبوت المال، بخلاف الطلاق، وفيه احتمالٌ.
وإن ادَّعى عبدان أنَّ السيِّدَ أعتق أحدَهما، فقامت البيِّنة بذلك، قُبلت شهادتُها حسبة، ولا يضرُّ فساد الدعوى.
* * *
٤٠٠٧ - فصل في فروع مفرَّقة
أحدُها: إذا شهد واحد أنَّ فلانًا أخذ من زيد دينارًا، وشهد آخرُ أنَّه أخذ منه نصفَ دينار، فله أن يحلفَ مع شاهد الدينار، وإن شهد أحدُهما أنَّه أخذ منه ثوبًا قيمتُه دينار، وشهد الآخر أنَّه أخذ منه (١) ذلك الثوب، وقيمته نصفُ دينار، فهل يحلف مع شاهد الدينار؟ فيه وجهان؛ لأنَّ تناقضَ قوليهما أضعفَ الشهادةَ بالدينار، فلم يترجَّح به جانبُ المدَّعي.
الثاني: إذا شهد اثنان لرجلين بوصيَّة في تركة، فشهد المشهودُ لهما للشاهدين بوصيَّة في تلك التركة، فالقياسُ قَبول الشهادة، وانفرد في "التقريب"، فنقل عن نصِّ الشافعيّ أنَّها لا تقبل؛ للتُّهمة, وقال: لو كان
стр. 3118
لرجل ديونٌ على جماعة، ولآخرين عليهم ديونٌ، فتناوبوا في الشهادة كما ذكرناه في الوصيَّة، لم تُقبل.
الثالث: (لا تقبل) (١) شهادةُ القاسم على القسمة.
الرابع: في حبس الوالدين في دين الأولاد، والأحفاد أوجهٌ:
أقيسها: أنَّهم يُحبسون.
والثاني قاله المُعْظم: أنهم (٢) لا يُحبسون، بل يصرف الحاكمُ أموالَهم في الدين.
والثالث: يُحبس إذا امتنع من النفقة، ولا يُحبس في غيرها، وفي ثبوت العقوبة على الوالد بشهادة الولد خلافٌ، والأصحُّ: أنَّ الجلَّادَ يقتل أباه في الحدِّ.
* * *
стр. 3119
كِتَابُ الدَّعَاوَى وَالبَيِّنَاتِ
стр. 3120
كِتَابُ الدَّعَاوَى وَالبَيِّنَاتِ
٤٠٠٨ - أجمع العلماءُ على أن البيِّنة على المدَّعي، واليمينَ على المُنْكِر، وفي حدِّ المدَّعي والمدَّعى عليه مذهبان مأخوذان من القولين إذا أسلم الزوجان, وقال الزوج: أسلمنا معًا، فالنكاح باقٍ، فقالت: بل (١) أسلمنا على التعاقب، فارتفع النكاح:
أحدهما: أنَّ المدَّعي: مَنْ يدَّعي أمرًا خفيًّا، والمدَّعى عليه: من يدَّعي أمرًا جليًّا، فعلى هذا: القولُ: قولُ المرأة؛ لأنَّ التساوقَ خفيٌّ، والتعاقبَ جليٌّ.
والثاني: المدَّعي: مَنْ يُخلَّى وسكوتَه، والمدَّعى عليه: من لا يُخلَّى وسكوتَه، فعلى هذا: القولُ قولُ الرجل؛ لأنَّ المرأةَ لو سكتت، دام النكاحُ، ولو سكت بعد دعواها، لم جصرك وسكوتَه، ولا خلافَ في قَبول قول المودعَ في ردِّ الوديعة وإن كان ما ادَّعاه خفيًّا؛ نظرًا إلى أمانته.
٤٠٠٩ - فرع:
إذا ادَّعى السَّفِلةُ الخسيسُ على رجل عظيم القَدْر؛ كالمَلِك: أنَّه أقرضه مالًا، أو تزوَّج ابنته، أو استأجره لسياسة دوابِّه، ونحو ذلك، سُمعت دعواه