← Фикх шафии

Фикх шафии · id 127703

الغاية في اختصار النهاية

عز الدين بن عبد السلام

Полный текст (3 327 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

عزله، وقطع الإمامُ بنفوذ العزل. وينبغي للإمام أن يعلِّقَ العزلَ على بلوغ الخبر، فيقول: إذا وقفت على كتابي، فأنت معزول، فإن قال: إذا قرأته (١)، فأنت معزول، فقُرئ عليه، كان حكمُ تعليقه هاهنا كحكم تعليق الطلاق على بلوغ الكتاب في محلِّ الخلاف والوفاق، وقال الصيدلانيُّ: إذا قُرئ عليه، انعزل اتِّفاقًا؛ نظرًا للمقاصد، بخلاف الطلاق. * * * ٣٩٢١ - فصل فيما ينعزل به الحاكم كلُّ طارئ يمنع ابتداءَ التولية؛ كالجنون والنسيان المُخِلِّ بالاجتهاد فإنَّه مانع من التصرُّف بالولاية، وفي الفسق خلافٌ، والأكثرون على الانعزال، فإن قلنا: لا ينعزل، وجب عزلُه، وينفذ مِن تصرُّفه قبل العزل ما يوافق الشرعَ، وإذا قلنا بانعزال الوكيل بالجنون (٢)، فجُنَّ الحاكم، ثمَّ أفاق، ففي بقاء ولايته بعد الإفاقة وجهان، والوجه ألَّا تبقى؛ لأنَّ الولايهَ جائزةٌ من جانبه كالوكالة. وإذا عُزل الحاكم أو مات أو انعزل وله خلفاءُ، فمن كان خليفة (٣) في أمرٍ جزئي؛ كسماع شهادة في واقعة انعزل، ومَنْ كان مستقلًّا بالحكم أو قيِّمًا في مال طفل، ففي انعزاله أوجهٌ، أبعدُها: أنَّه ينعزل إلَّا أن يكونَ مأذونًا له في

стр. 3047

الاستخلاف، وإن مات الإمامُ، لم تنعزل ولاتُه على الأظهر؛ لعُمُوم الضرر، وأبعد مَنْ أجرى الخلاف. * * * ٣٩٢٢ - فصل في إقرار الحاكم بالحكم إذا قال الحاكمُ: حكمتُ لفلان بكذا، قُبل قولُه اتِّفاقًا، وإن منعناه من القضاء بعلمه؛ فإنَّ من يملك الإنشاء يملك الإقرارَ، وإن أقرَّ بذلك بعد العزل، لم يُقبل. وإن شهد على (١) ذلك مع شاهد آخر؛ فإن أضاف الحكمَ إلى نفسه، لم يُقبل، خلافًا للإصطخريِّ، فإنَّه جعله كشهادة المرضعة على الرضاع، وإن قال: أشهدُ أن حاكمًا عادلًا حكم، فوجهان، وإن شهد عدلان لم يحكما قطُّ على حُكم حاكم لم يسمِّياه، ولم يعيِّناه، قُبل على ظاهر المذهب. ومن ادَّعى على الحاكم بعد العزل أنَّه أخذ منه رِشوةً، أحضره الحاكمُ الجديد، وفصل الخصومةَ بينهما، وإن قال: حكم عليَّ بشهادة عبدين، أو مُعْلِنين بالفسق، ففي إحضاره وجهان، وقطع الإمامُ بأنَّه يحضره؛ ليبحث عن حقيقة الحال، فإن حضر، فلم يقم عليه بينة، ففي تحليفه وجهان؛ فإنَّه لم يدَّع عليه بمال، وقد قال بعضُ الأصحاب: لا تُسمع هذه الدعوى إلَّا أن يقول: أخذ منِّي المال ظلمًا. ٣٩٢٣ - فرع: إذا ادَّعى بعض الأمناء أو الأوصياء أنَّ الحاكمَ المعزولَ جعل له أجرةً

стр. 3048

من جملة المال؛ فإن أقام البيِّنة بذلك (١)، لم يُدفع إليه سوى أجرة المثل، وإن لم يقم البيِّنة؛ فإن صدَّقه المعزولُ، لم يُقبل تصديقُه، وفي وجوب أجرة المثل وجهان كالوجهين في وجوبها بالاستعمال. * * * ٣٩٢٤ - فصل في حكم الحاكم لولده وعلى عدوِّه ليس للحاكم أن يحكمَ لنفسه، وإن حكم لولده، أو على عدوِّه، فهو كشهادته عند الأصحاب، وإن سمع البيِّنة، وفوَّض الحكمَ إلى غيره، فوجهان، وقال الإمام: الأصحُّ: أنَّه إن حكم بعلمه، لم ينفذ وإن جوَّزنا القضاءَ بالعلم، وإن حكم بالبيِّنة، فوجهان، فإن منعناه، لم يصحَّ تعديلُه للبيِّنة، ولا نقلُها وإن نقلها عن الأصل عدلان. ٣٩٢٥ - فائدة: إذا توكَّل رجل في الدعوى بحقوق جماعة على رجل، فلكلِّ واحد منهم تحليفُه، فإن رضوا بيمين واحدة، ففي إجابتهم وجهان؛ لأنَّ ذلك تغييرٌ لوضع الشرع، فأشبه ما لو رضي المدَّعى عليه أن يحكمَ عليه بشاهد واحد. وكذلك جميعُ أركان القضاء، والخصومات، ويجب الإشهادُ في النكاح، وفي الرجعة قولان، ويُستحبُّ في سائر العقود؛ خوفًا من الجُحود. * * *

стр. 3049

٣٩٢٦ - باب عدد الشهود وحيث لا تجوز شهادة النساء المحكوم به على خمسة أقسام: أعلاها: ما يُشترط فيه أربعةُ رجال، وهو الزنا، واللواط إن أوجبنا فيه الحدَّ، وإن لم نوجبه، فقولان. ويثبت الإقرارُ بالزنا بأربعة رجال، وفي ثبوته برجلين قولان، ولا يجوز الشهادةُ بالزنا بالقرائن المقاربة لليقين، ويُشهد به إذا رُئي الذكر في الفرج كالمِرْود في المُكْحُلة، فإن وقع بصرُه عليه، شهد به، وإن تعمَّد النظر؛ ليشهد به، أو نظر من امرأة إلى ما لا يطلَّع عليه الرجال غالبًا؛ [لحاجة تحمُّل] (١) الشهادة، ففيه طرق: إحداهن: لا يجوز في الزنا، وفي بواطن النساء وجهان. والثانية: يجوز في بواطن النساء؛ وفي الزنا وجهان. والثالثة: لا يجوز في بواطن النساء؛ إذ يمكنُ أن تشهدَ بها النساء، وفي الزنا وجهان، وينبغي للإمام أن يبحثَ في الشهادة على الزنا، ويسعى في درء الحدِّ قبل ثبوته، كما فعل عمرُ في قصَّة المغيرة (٢).

стр. 3050

الثاني: ما لا يثبت إلَّا برجلين، وهو ما يطَّلع عليه الرجالُ، وليس بمال، ولا يُقصد به المال؛ كالحدود والقصاص، وإثبات النكاح على الزوجة، والطلاق، والظهار، والإيلاء، واللعان، والإقرار بانقضاء العدَّة، والاستيلاد إذا أنكره السيِّد، ونصب الوكلاء والأوصياء على التصرُّف في المال أو غيره. الثالث: ما يثبت بشاهد وامرأتين، وهو المالُ وحقوقه، وكلُّ ما يقصد به المال؛ كالشراء والبيع، والإجارة، والقرض، والإتلاف، وقتل الخطأ والجوائف، والشِّجاج سوى المُوضِحة الموجبة للقصاص، وكذا فسخُ عقود الأموال، وحقوق المال؛ كالرهن، والخيار، واشتراط الرهن، والضمين، والإبراء من الأموال، والأقارير بها، وقبضها، وقبض نجوم الكتابة، وفي النجم الأخير لأجل العتق وجهان، وكذا وطءُ الشبهة لإثبات مهر المثل، وتمكين الزوجة لاستحقاق النفقة، وقتل الكافر لاستحقاق سَلَبه، وإثبات الزوجة النكاح لأجل المهرِ، فيثبت بذلك المهر دون النكاح، وتثبت بذلك الوصيَّة له دون الوصاية إليه، وكذلك البيعُ دون التوكيل به، ولا يثبت جرحُ شهود [المال] (١) إلَّا برجلين، والأصحُّ: أنَّ الأَجَلَ من حقوق المال، وأبعد مَنْ رمز إلى أنَّه كالوكالة. الرابع: ما يثبت بأربع نسوة، أو برجل وامرأتين، وهو كلُّ ما لا يطلَّع (٢)

стр. 3051

عليه الرجالُ من النساء غالبًا؛ كعيوب البدن والولادة والرضاع. الخامس: ما يثبت بشاهد ويمين، وهو كلُّ ما يثبت برجل وامرأتين سوى الولادة، وما يتعلَّق ببواطن النساء، ولا يثبت المالُ بشهادة امرأتين، ويمين المدَّعي، ولا يُشرط في شهادة الرجل والمرأتين العجزُ عن شهادة رجلين اتِّفاقًا. * * * ٣٩٢٧ - فصل فيما ينفذ فيه الحكمُ في الباطن وما لا ينفذ فيه مَنْ حكم بما يوافق حكمَ الله ظاهرًا، ويخالفه باطنًا، فلا يتعيَّن بحكمه حكمُ الله في الباطن، وإن حكم في محلِّ اجتهاد، وقلنا: المصيبُ واحد، وجب الانقيادُ لحكمه في الظاهر، وفي الباطن خلافٌ، وجمهورُ الفقهاء على وجوب الانقياد. وقال الإمامُ والأستاذ أبو إسحاق: لا يتغيَّر بذلك حكمُ الباطن، فإذا طلب شافعيٌّ من قاضٍ حنفيٍّ شفعةً بالجوار، أو توريثًا بالرحم، لم يجز له ذلك عند الأستاذ والإمام، وهل يمنعه الحاكمُ من طلب ذلك؟ فيه تردُّد، والظاهر: أنَّه لا يمنعه، وإن حكم له به، لم يحلَّ له في الباطن، وعلى قول الفقهاء: إن حكم به، حلَّ في الباطن، والظاهرُ: جواز الدعوى به؛ لأنَّه طلبٌ للحلِّ من طريقه. * * *

стр. 3052

٣٩٢٨ - باب شهادة القاذف أسبابُ الحدود كبائرُ، وكل كبيرة لا ترجعُ إلى العقد فهي موجبةٌ لردِّ الشهادة إلى أن يُظْهِر مرتكبُها التوبةَ، ويُستبرأ بعدها بأن يُترك، ويوكَّل به مَنْ يراقبه في السرِّ والإعلان إلى أن تظهرَ مخايلُ صدقه، ويغلبَ على الظنِّ صحَّة توبته، فيُحكم من حينئذٍ بعدالته. وقدَّر بعضُهم مدَّة الاستبراء بسنة، وقدَّرها آخرون بنصف سنة، والأصحُّ: أنَّها لا تتقدَّر إلَّا بما ذكرناه من ظهور مخايل الصدق، وأن يغلب على الظنِّ صحَّة التوبة، ويختلف ذلك عند الإمام باختلاف الأشخاص، فتقصر المدَّة في حقِّ من اعتاد الإعلان بأسراره، وتطول فيمَن اعتاد الإخفاءَ. وتُردُّ شهادةُ القاذف إذا شهد قبل الحدِّ أو بعده، فإن تاب واستُبرئ، قُبلت شهادتُه. قال الشافعيُّ: وتوبتُه إكذابُه نفسَه، فشرط الإصطخريُّ أن يُكذب نفسَه وإن كان صادقًا، ولا أصلَ لما ذكره، وحمل الجمهورُ ذلك على أن يقولَ: أسأتُ فيما قلت، ولم أكن محقًّا، وقد تبتُ عن الرجوع إلى مثله أبدًا، ولا يصرَّح بتكذيب نفسه إلَّا أن يعلمَ أنَّه كاذب. وفي استبراء القاذف نصَّان، فقيل: هما قولان؛ لجواز صدقه في

стр. 3053

القذف، ولا محملَ لسائر الكبائر، وقيل: إن جاء شاهدًا، ولم يتمَّ العدد، وقلنا: لا يُحدُّ، لم يُستبرأ، وإن جاء قاذفًا استُبرئ؛ حملًا للنصَّين على هاتين الحالين، وقيل: إن صرَّح بتكذيب نفسه، استُبرئ، وإلَّا فلا، وقال الإمامُ: إن صرَّح بالتكذيب، استُبرئ قطعًا، وإن جاء شاهدًا، فقولان، وإن جاء قاذفًا، فقولان مرتَّبان، وأولى بالاستبراء، وإن أقام البيِّنة على زنا المقذوف، ففي ردِّ شهادته قولان، فإن قلنا: لا تُرد، قُبلت من غير توبة. * * *

стр. 3054

٣٩٢٩ - باب التحفُّظ في الشهادة والعلم بها مدرك تحمُّل الشهادات: العقلُ، والسمع، والبصر. والمشهود به أقسامٌ: أحدُها (١): ما يكفي فيه العيان، وهو الأفعالُ؛ كالجنايات والإتلاف، فلابدَّ من معاينة الفعل والفاعل. الثاني: ما يتعلَّق بالسمع والبصر؛ كالبيع والشراء والإقرار، فلا بدَّ من سماع القول، ورؤية القائل. الثالث: ما يثبت بمجرَّد التسامع، وهو النسبُ من جانب الأب، وكذا الموتُ على الأصحِّ، وفي النسب إلى الأمِّ وجهان، وفي النكاح والوقف والعتق والولاء وجهان، أظهرُهما: أنَّها لا تثبت بالتسامع؛ لإمكان مشاهدة أسبابها. وقال أبو محمَّد: إن كان الوقفُ على معيَّن، لم يثبت بالتسامع، وإن كان على جهة عامَّة، ففيه الوجهان، وهذا لا يصحُّ؛ فإنَّ العتقَ والنكاح يثبتان للمعيَّن، وفيهما الوجهان، وأمَّا الملكُ المطلق؛ فإن وُجدت اليدُ الدائمة والتسامع وتصرُّف الملَّاك، جازت الشهادةُ به اتِّفاقًا، وكذلك إذا وُجدت اليدُ

стр. 3055

والتصرُّف عند الجمهور إذا انتفى المعارض. وقال القاضي وبعضُ المحقِّقين: لابدَّ من التسامع مع اليد والتصرف، وقال أبو محمَّد: لا حاجةَ إلى التسامع قولًا واحدًا، وفي الاعتماد على مجرَّد اليد الدائمة خلاف، والمذهبُ: منعه، وإن وجد التسامعُ دون اليد والتصرُّف، فلا عبرة به عند القاضي، وهو قياس المراوزة، ودلَّ كلامُ العراقيِّين على اعتباره، وشرط فيه الإمامُ ألَّا يُعارَض بيد ولا تصرُّف، ولا عبرةَ بإجارة مرَّة، فإن تكررت الإجارةُ بحيث يظهر من مخايله تصرُّف الملَّاك، فوجهان، والمعنيُّ بتصرُّف الملَّاك: النقضُ والبناء، والرهن والبيع، ثمَّ الفسخ بعده، ولا يُشترط فيه خبرةٌ باطنة، بخلاف حصر الورثة والإعسار. ٣٩٣٠ - فائدة: قال الإمامُ: ما يُبنى على الظنون لا يُكتفى فيه بمبادئها، ولابدَّ من بحث مقارب لاستفراغ الوسع في مثله من غير سَرَف، وتكلُّفِ ما يُعدُّ عسرًا في العرف. * * * ٣٩٣١ - فصل في بيان التسامع وهو الاستفاضة، وحدُّها التسامعُ من جماعة لا يُتصوَّر في العادة تواطؤهم على الكذب، وعلى وجه: يكفي فيه عدلان، وهو بعيدٌ عن قياس المراوزة، فإن شرطنا الاستفاضةَ، فقد يُكتفى بالإشاعة من غير نكير، واكتفى العراقيون بعدلين يخبران بذلك بغير لفظ الشهادة، ولا يكون المسامعُ منهما

стр. 3056

شاهدًا على شهادتهما، وقالوا: لو رأى رجلًا يستلحق صبيًّا في يده، أو يقول لبالغ: هذا ابني أو أبي، فسكت البالغُ، جاز أن يشهدَ بالنسب بينهما، وهذا غلطٌ، فلا يجوز له الشهادةُ إلَّا على طلب الدعوى. * * * ٣٩٣٢ - فصل في شهادة الأعمى لا يجوز أن يكونَ الحاكمُ أعمى، وفي ترجمة الأعمى إذا لم يتكلَّم من الحاضرين سوى الخصمين وجهان. ولو سمع الحاكمُ الشهادةَ، ثمَّ عمي، فحكم بما قامت به البيِّنة، نفذ حكمُه على الأصحِّ، وليس له أن يشهدَ اعتمادًا على معرفة الأصوات، وكذلك سماعُه للحديث على أظهر الوجهين. ولو سمع البصيرُ إقرارَ مشهور النسب، ثمَّ عمي، فشهد به، قُبلت شهادتُه، وإن تمسَّك الأعمى بانسان، فوضع فاه على أذنه، وأقرَّ بحقٍّ، فتمسَّك به إلى أن شهد عليه، قُبل على الأصحِّ. ٣٩٣٣ - فرع: قال الأئمَّة: لا تُقبل شهادةُ التسامع إلَّا من بصير، فيقول في شهادته: أشهد أنَّ هذا ابن هذا، وليس للأعمى ذلك، ولا تُقبل شهادتُه بالتسامع إلَّا (أن يُنسب) (١) مشهور النسب إلى بعض القبائل، فيقول: أشهد أنَّ فلانَ بنَ

стр. 3057

فلانِ بنِ فلان قرشيٌّ أو هاشمي. * * * ٣٩٣٤ - فصل في الشهادة على مجهول النسب مَنْ شهد على رجل أو امرأة لا يُعرف نسبُهُما لم تؤدَّ الشهادةُ إلَّا بحضورهما، فإن ماتا، أو غابا، لم يشهد عليهما، فإن مسَّت الحاجةُ إلى الشهادة بعد موتهما، أُحضرا مجلسَ الحكم؛ ليشهد عليهما، فإن دُفِنا، لم يُنبشا على الأظهر، ويُحتمل أن يجوزَ النبش إذا اشتدَّت الحاجةُ، ولم يتغيَّرا تغيُّرًا يُحيل المنظرَ، فإن عُرف نسبُهُما بعد التحمُّل على عينهما، جاز أن يشهدَ في حضورهما وغيبتهما. ومن عرف اسمَ المشهود عليه، لم يجز أن يشهدَ على اسم أبيه، فإن عرف اسمَه واسمَ أبيه، لم يجز أن يشهدَ على اسم جدِّه، وكتب حاكمٌ إلى القفَّال أن يزوَّج فلانةَ من أحمدَ بن عبد الله، وكان جارَ القفَّال، فعرف اسمَه، ولم يعرف اسمَ أبيه، فامتنع، ولم يجز سماع البيّنة على نسبه وإن فوَّض ذلك إليه الحاكمُ؛ فإنَّ البينة على النسب لا تُقبل إلَّا بدعوى تتعلَّق بالنسب. ٣٩٣٥ - فرع للإمام: إذا تحمَّل الشاهدان الشهادةَ على امرأة متنقِّبة بتعريف عَدْل، أو عدلين، لم يجز؛ إذ لا يمكن الإشارةُ إليها عند الأداء. قلت: إذا اكتفينا في ثبوت الأنساب بعدلين، جاز ذلك إذا لم يفارقاها حتَّى شهدا عليها، فإن فارقاها، فلهما أن يشهدا في غيبتها على النسب، فإن

стр. 3058

حضرت بعد الغيبة، فلهما أن يشهدا على نسبها، ثمَّ يشهد آخران بأنَّ ذلك نسبُها، فيثبت الحقُّ بالشهادتين. ولو أراد الحاكمُ التسجيلَ على امرأة لا يُعرف نسبُها، سجَّل على وصفها وحِلْيتها، ثمَّ تقع الشهادةُ على عينها، فإن غابت، فقامت البينة على وصفها وحِلْيتها، خُرِّج على الخلاف في الدعوى بالعبد؛ بناءً على وصفه وحِلْيته، ووقع مثلُ ذلك للقاضي حُسين، فنصب من ادَّعى على أبيها فلان بن فلان بحق، فأنكرت بنوَّته، فقامت البينةُ بذلك، فسجَّل على نسبها؛ إذ لا يجوز الاعتمادُ على قولها في نسبها، ولا يصحُّ ما فعله؛ لأنَّه تلقينٌ لدعوى كاذبة. ولو فعل ذلك وكلاءُ المجلس بحيث لا يعلم الحاكمُ بكذبهم، فعليه أن يسمعَ البينة، وليس له البحثُ والتجسُّس، فإن أقرَّت بنسبها، لم يسمع البينة به، فإنَّا نشرط في سماع البينة الإنكارَ، أو عدم الإقرار، وإن أنكرت النسبَ، فلا وجهَ لإثباته إلَّا أن يفعلَ الخصمُ أو الوكلاءُ ما ذكره القاضي، ولا يعلم الحاكمُ بذلك. ٣٩٣٦ - فرع: يجوز النظرُ إلى وجه المرأة المجهولة النسب؛ لتحمُّل الشهادة وأدائها وإن كانت على غاية الجمال، فإن ارتاب الحاكمُ بالشهود، أحضر نسوةً على قدِّها وكسوتها، وأمرهم تمييزَها، فإن ميَّزوها، كشفت عن وجهها؛ ليشهدوا على عينها. ٣٩٣٧ - فرع: كلُّ سبب جازت به الشهادةُ في هذه الفصول جاز الحلفُ بمثله.

стр. 3059

ولو رأى خطَّ أبيه، وهو عدلٌ عنده بأنَّ لي على فلان كذا، فادَّعى به، فنكل المدَّعى عليه، فله أن يَحِلفَ يمينَ الردِّ، ولا تجوز الشهادةُ بمثل ذلك. * * *

стр. 3060

٣٩٣٨ - باب ما يجب على المرء من القيام بالشهادة مَنْ تحمَّل شهادةً، فطُولب بأدائها، فامتنع؛ فإن كان الحقُّ يتعطَّل بامتناعه، لزمه الأداءُ، فإن تحمَّلها جماعةٌ، فامتنعوا أثموا، وإن طُلب لذلك اثنان، والباقون مجيبون أو ساكتون، ففي جواز امتناعهما وجهان، وإن كان الباقون على الامتناع، أثم الجميع. ومَنْ سمع إقرارَ رجل بحقٍّ، ولم يشهده أحدٌ، جاز أن يشهدَ عليه، وفي وجوب الأداء عند الطلب وجهان. وإن تحمَّلا الشهادةَ بمال، فشهد أحدُهما، وقال الآخر: احلف مع شاهدك، أو تحمَّلا الشهادة بردِّ الوديعة، فامتنعا من الأداء، وقالا: احلف على الأداء، لم يجز اتِّفاقًا. ٣٩٣٩ - فرع: إذا كان بالحقِّ شاهدان، فمات أحدُهما؛ فإن أمكن الحلفُ مع الحيِّ لزمه الأداءُ، وإن لم يمكن الحلفُ؛ فإن أمكن إقامةُ شاهد آخر بالحقِّ، وجب الأداءُ، وإلَّا فلا معنى لوجوب ما لا فائدةَ فيه. ٣٩٤٠ - فرع: إذا غاب المتحمِّل، فطُولب بالأداء؛ فإن كان على مسافة القصر، لم

стр. 3061

يلزمه الحضورُ ولا الأداء، وإن كان على مسافة العَدْوى، لزمه الحضورُ والأداء، وفيما بينهما خلافٌ كالخلاف في شهادة الفرع والاستعداء، وإذا وجب الحضورُ من مسافة العَدْوى، فقد قال الأصحابُ: له المطالبةُ بمركوب، أو أجرة مركوب، فإن أخذ الأجرةَ، ولم يركب، فلا بأس، ويُحتمل أن يطالبَ بالمركوب دون الأجرة، وجعل القاضي الأجرةَ بدلًا عن مشيه دون أداء الشهادة؛ فإنَّه قد وجب بالتحمُّل. * * * ٣٩٤١ - فصل في تحمُّل الشهادات ما لا يصحُّ بدون الشهادة، وفي تعطيله ضررٌ عظيم؛ كالنكاح، فالتحمُّل عليه فرضُ كفاية، فإن دُعي إليه اثنان، وفي غيرهما كفايةٌ، جاز لهما الامتناعُ اتِّفاقًا، بخلاف امتناعهما من الأداء بعد التحمُّل، فإنَّهما التزما الأداءَ بتحمُّلهما (١)، والتحمُّل على عقود المال والأقارير فرضُ كفاية، أو مستحبٌّ؟ فيه وجهان يجريان في كتابة الوثائق، فإن فرضناهما، جاز أخذُ الأجرة على الكتابة دون التحمُّل؛ إذ لا قيمةَ له، ولا يجب المشي (٢) إلى محلِّ التحمُّل، فإن كان المشهودُ عليه مريضًا لا يقدر على إتيان الشاهد، وليس بقربه متحمِّل آخر؛ فإن كان بمسافة العَدْوى، وجب (على الشاهد) (٣) إتيانُه، وإن كان فوق

стр. 3062

مسافة القصر لم يجب، وفيما بينهما وجهان، والأجرةُ والمركوبُ على ما تقدَّم [في الحضور للأداء] (١). * * *

стр. 3063

٣٩٤٢ - باب شرط الذين تُقبل شهادتهم شرطُ قَبول الشهادة: الإسلامُ، والبلوغُ، والعقلُ، والحرِّيَّة، والعدالة، وحفظ المروءة، والذكورة في بعض الشهادات، وعدَّ بعضُهم انتفاء التهَمة، فلا تُقبل شهادةُ صبيٍّ أو مجنون أو فاسق أو رقيق أو كافر على مسلم، أو كافر. * * *

стр. 3064

٣٩٤٣ - باب الأقضية واليمين مع الشاهد إذا أقام على المال شاهدًا واحدًا، لم يُعتدَّ بيمينه حتَّى يُعدَّل الشاهد، ويلزمه أن يصدِّق الشاهدَ في يمينه اتِّفاقًا، فيحلف على ما يدَّعيه، وعلى أنَّ شاهدَه صادقٌ، فإن قدَّم تصديقَه على إثبات الحقِّ، أو عكس، جاز عند الإمام. ولو شهدت امرأتان بالمال، ثمَّ شهد الرجلُ بعدهما، ثبت المالُ. وإذا حُكم بالشاهد واليمين، فالحكم مُحالٌ على الشاهد، أو اليمين، أو عليهما؟ فيه ثلاثةُ أوجه، فإن رجع الشاهدُ بعد الحكم؛ فإن أحلنا الحكمَ عليه، لزمه جميعُ الغرم، وإن أحلناه عليهما، لزمه نصفُ الغرم، وإن أحلناه على اليمين، لم يلزمه شيء، ويُحتمل تخريجُه على الخلاف في رجوع المزكِّي. * * * ٣٩٤٤ - فصل في دعوى الوارث بحقوق المورِّث إذا ادَّعى الورثةُ بدين (١) لمورِّثهم، فشهد به (٢) شاهدٌ؛ فإن حلفوا،

стр. 3065

استحقُّوه، وإن نكلوا، لم يستحقُّوه، وليس لهم، ولا لورثتهم أن يحلفوا بعد ذلك، وهل للغرماء، وأرباب الوصايا الحلفُ؟ فيه قولان، فإن أقام ورثةُ الورثة شاهدًا آخرَ؛ ليحلفوا معه، لم يكن لهم ذلك؛ لأنَّ المورثَ (١) قد سدَّ بابَ الحلف بنُكوله. وإن حلف بعضٌ، ونكل بعضٌ، حُكم للحالف بنصيبه، وسقط نصيبُ الناكل. ولو أقام الوارثُ شاهدًا آخر؛ ليثبت الدينَ (٢) به وبالشاهد الأوَّل، أو أقام المورِّثُ شاهدًا، ومات قبل أن يحلفَ أو ينكل، فأقام الوارثُ شاهدًا آخر، فلابدَّ من دعوى الوارث، ولا يجب استعادةُ شهادة الشاهد الأوَّل على الظاهر، وفيه احتمال؛ لأنَّ وجوبَ الدعوى يجعل القضيةَ كالمستأنفة، فإن قلنا بالظاهر، وجب الحقُّ إذا شهد الثاني؛ فإن الوارثَ يخْلُف مورِّثه في الحقوق. وإن مات بعضُ الورثة من غير حلف، ولا نكول، فلوارثه أن يحلفَ إن ادَّعى، وكذلك إن لم يدَّع على الظاهر، وفيه الاحتمالُ السابق (٣)، فإن كان في الورثة مَنْ لا يمكن حلفُه؛ كالصبيِّ والمجنون والغائب، حلف الحاضرُ المطلق، واستحقَّ نصيبَه، ووقف حقُّ الباقين إلى أن يستقلُّوا، ويحلفوا، ولا يجب إعادةُ الشهادة، وعلى قول: يُنتزعُ نصيبُ مَنْ لا يمكن حلفُه من

стр. 3066

يد المدَّعى عليه إلى أن يمكنَ حلفُه، فإذا أمكن الحلفُ؛ فإن حلف استحقَّ نصيبَه، ولا حاجةَ إلى إعادة الشهادة، وإن لم يقم الشاهدَ وليُّ الصبيِّ والمجنون، أو وكيلُ الغائب؛ فإن مات المجنونُ قبل الإفاقة، حلف وارثُه، واستحقَّ على ما ذكره الأصحابُ، وفيه دليلٌ على أنَّ الشهادةَ لا تُعاد إذا مات أحدُهم قبل الحلف والنُّكول. ولو أوصى لصبيٍّ ومجنون وحاضر وغائب، فأقام الحاضرُ شاهدًا، وحلف معه، ثبت حقُّه، فإذا استقلَّ الصبيُّ والمجنون، وحضر الغائبُ، فلا بدَّ من الدعوى، وإعادة الشهادة مع الحلف، أو مع إشهاد شاهد آخر؛ ليحلفوا معه. ولو أقام الوارثُ الحاضرُ على مال الميت شاهدين، أخذ نصيبَه، وانتزع الحاكمُ نصيبَ الصبيِّ والمجنون اتِّفاقًا، وأما نصيبُ الغائب؛ فإن كان عينًا، انتزعه اتِّفاقًا، وكذا الحكمُ في كلِّ مَنْ أقرَّ بأنَّه غصب عينًا من غائب، وإن كان دينًا، ففي انتزاعه وجهان يجريان في كلِّ مَنْ أقرَّ بدين لغائب. ولو أقام شاهدين بوصيَّة له، ولغائب، ثبت حقُّه وحدَه، فإذا حضر الغائبُ، فلا بدَّ من الدعوى، وإعادة الشهادة، والفرق: أنَّ كلَّ واحد من الورثة يستقلُّ بإثبات حقِّ المورِّث (١) لأجل نصيبه، وإذا ثبت ملك المورِّث عمَّ جميعَ الورثة. ٣٩٤٥ - فرع: إذا ادَّعى الولدان دينًا لأبيهما، فشهد به شاهدٌ، فحلف أحدُهما، ونكل

стр. 3067

الآخرُ، فالنصُّ: أنَّ الناكلَ لا يشارك الحالف. وإن ادَّعيا عينًا لأبيهما، فأقرَّ المدَّعى عليه لأحدهما بقَدْر نصيبه، ولم يُضِفْه إلى الإرث، وأنكر حقَّ الآخر، فالنصُّ: أنَّهما يشتركان في المقَرِّ به، فقيل: إن كان الحقُّ في الصورتين عينًا اشتركا فيها، وإن كان دينًا، لم يشتركا، وهذا بعيدٌ، والأصحُّ: تقرير النصَّين؛ فإن الناكلَ قد أبطل حقَّه بالنكول، فلم يشارك، وفي صورة الإقرار قد ثبت الحقُّ بالاعتراف، والمقَرُّ له معترفٌ بالميراث (١). * * * ٣٩٤٦ - فصل في تعليق الطلاق على ما يثبت بشاهد وامرأتين إذا ثبتت السرقةُ بشاهد وامرأتين، أو قال رجلٌ لامرأته: إن غصبت، [فأنت طالق] (٢)، أو قال (٣): إن ولدت، أو إن رأيت هلالَ رمضان، [فأنت طالق] (٤)، وثبت الغصبُ بشاهد ويمين، أو بشاهد وامرأتين، وثبتت الولادةُ بأربع نسوة، وثبت رمضانُ بشاهد واحد، حُكم بجميع ذلك، ولا يُقطع السارقُ، ولا يقع الطلاقُ، ولو حكم بالغصَب بشاهد وامرأتين، فقال: إن كنت غصبتِ فأنت طالق، وقع الطلاق، وقيل: لا يقع، وهو قريبٌ (٥) متَّجه.

стр. 3068

٣٩٤٧ - فرع: إذا ادَّعى جاريةً وولدَها، وزعم أنَّها أمُّ ولده، وأنَّ ولدَها ولده، وحلف مع شاهده، حُكم له بالجارية، وثبت الاستيلادُ باعترافه، ولا يثبت نسبُ الولد وحريته في أصحِّ القولين. وإن ادَّعى أنَّه أعتق هذا العبدَ بحقِّ ملكه، وأراد الحلفَ مع شاهده، فطريقان: إحداهما: لا تثبت الحرية بذلك اتِّفاقًا. والثانية: فيه القولان، وقطع الإمامُ بأنَّ الحريةَ لا تثبت في الصورتين. * * * ٣٩٤٨ - فصل في إثبات الوقف بشاهد ويمين إذا ادَّعى ثلاثةٌ أنَّ أباهم وقف عليهم ملكَه، ثمَّ من بعدهم على أولادهم، وأقاموا شاهدًا؛ ليحلفوا معه، فلهم ذلك، وقيل: إن نقلنا الوقفَ إلى الله تعالى، لم يثبت إلَّا بشاهدين، وهذا لا يصحُّ؛ فإنَّ المقصودَ الأظهرَ إثباتُ المنافع، فإن قلنا بالمذهب، فلهم أحوال: أحدُها: أن يحلفوا، فيثبت الوقفُ، فإذا ماتوا؛ فإن حلف أولادُهم، استحقُّوه، وإن لم يحلفوا، فقولان مأخوذان من أنَّ البطنَ الثانيَ تلقَّى (١) الوقفَ من البطن الأوَّل، أو من الواقف، فإن قلنا: يتلقَّونه من الواقف، حلفوا، وإن قلنا: يتلقَّونه من البطن الأوَّل، لم يحلفوا فإنَّ ما يثبت بالشاهد

стр. 3069

واليمين يستحقُّه الوارثُ من غير حلف. الثانية: أن ينكلوا، فيبطل حقُّهم منه، ولا يُحكم به لأولادهم إن لم يحلفوا، وإن حلفوا، فقولان مأخذُهما المعنيان. الثالثة: أن يحلفَ واحد، وينكل اثنان، فيبطلَ حقُّهما، ولا يُنزع نصيبهما من يد المدَّعى عليه، ويثبت حقُّ الحالف، ولا يشاركانه فيه؛ فإنَّ أحدًا لا يستحقُّ بيمين غيره شيئًا، فإذا ماتوا كان نصيبُ الحالف لأولاده إن حلفوا، وإن لم يحلفوا، فقولان، ولا شيءَ لأولاد الناكلين إن لم يحلفوا، وإن حلفوا، فقولان. الرابعة: أن يموتَ أحدُ الثلاثة بعدما حلفوا، فينتقلَ نصيبهُ إلى أخويه إن حلفا، وإن لم يحلفا؛ فإن قلنا: لا حلفَ على البطن الثاني، فلا حلفَ عليهما، وإن حلَّفنا البطنَ الثانيَ، فهاهنا وجهان؛ لأنَّهم قد حلفوا على الوقف مرَّة، والبطن الثاني لم يحلف، فلا يستحقُّ بيمين غيره شيئًا. وإن حلف واحدٌ، ونكل اثنان، فمات الحالفُ، لم يردَّ نصيبه على المدَّعى عليه، وهل يكون نصيبُهُ لأخويه، أو لأولاده، أو لأقرب الناس إلى الواقف؟ فيه ثلاثةُ أوجه، أضعَفُها أوَّلها، فإن جعلناه لأخويه، ففي حلفهم خلافٌ كالخلاف إذا حلف واحد، ونكل اثنان، ثمَّ مات الحالف، ويتَّجه أن يترتَّبَ على ذلك، فإنَّهما لم يحلفا قبل ذلك، فيشبهان البطنَ الثاني، فإن قلنا: يحلفان، فنكلا، فهل يُجعل للبطن الثاني، أو لأقرب الناس بالواقف؟ فيه وجهان، فإن جعل للبطن الثاني، فهو لأولاد الناكلين، وأولاد الحالف إن حلفوا، وإن لم يحلفوا فقولان، فإن قلنا: يُحلَّفون، فنكلوا سقط حقُّهم،

стр. 3070

وصار الوقفُ متعذِّرَ المصرف، وإن جعلناه لأقرباء الواقف، ففي حلفهم الخلاف، فإن قلنا: يُحلَّفون، فنكلوا، صار مجهولَ المصرف. ولو حلف البطنُ الأوَّل، وكان الشرطُ أن يُصرفَ بعدهم إلى المساكين، فمات البطن الأوَّل؛ فإن قلنا: لا حلف على البطن الثاني، صُرف إلى المساكين، وإن قلنا: يُحلَّفون، فهل يُصرف إلى المساكين؛ لتعذُّر حلفهم، أو يُجعل وقفًا متعذِّر المصرف؟ فيه وجهان. ومتى تعذَّر مصرفُ الوقف، فهل يرجع إلى ملك الواقف، أو يُصرف إلى أقرب الناس إليه؟ فيه خلافٌ. هذا في وقف الترتيب، فأمَّا وقف التشريك؛ مثل أن يقول: وقفتُ هذا على أولادي، وعلى أولادهم، فإذا حلف الثلاثةُ، ثمَّ وُلِد لأحدهم ولدٌ، صار الوقف أرباعًا، ووقف ربعه للطفل من حين ولد، ولا يُصرف إليه (١) اتِّفاقًا، فإذا بلغ؛ فإن حلف، استحقَّ الربع، وإن نكل، فالنصُّ: أنَّ نصيبَه يرجعُ إلى الثلاثة، فيصير الوقفُ أثلاثًا، كما كان قبل ولادته. وقال المزنيُّ: لا يُصرف إليهم، ولا يُردُّ على (المدَّعى عليه)؛ لأنَّه وقفٌ تعذَّر مصرفه. ولو مات أحدُ الثلاثة بعد سنة من ولادة الطفل، رجع الوقفُ أثلاثًا، ووُقف الثلثُ للطفل من حينَ مات أحدُ الثلاثة، فإن مات الطفلُ بعد سنة أخرى، رجع الوقفُ إلى ولدي الصُّلْب نصفين، وتكون غلَّة السنة الثانية

стр. 3071

لولَدَي الصلب خاصَّةً، وغلَّة السنة الأولى لهما ولورثة أخيهما، ومتى مات الطفلُ قبل البلوغ؛ فإن قلنا بالنصِّ، رجع نصيبهُ إلى الثلاثة بغير يمين، كما لو نكل بعد البلوغ، وإن قلنا بمذهب المزنيِّ ففيه (١) خلافٌ كالخلاف إذا حلف الثلاثةُ في وقف الترتيب، ثمَّ مات أحدُهم. ومهما وقع النكولُ من البطن الثاني (٢) لم يُنزع الملك من يد المدَّعى عليه؛ لعدم الحجَّة، وإن أُزيلت يدُه بالشاهد واليمين، ثمَّ وقع نكول من أحد (٣)، أو صار الوقفُ مجهولَ المصرف، فلا يُردُّ إليه اتِّفاقًا؛ لأنَّه انتُزِع بحجَّة شرعيَّة. * * *

стр. 3072

٣٩٤٩ - باب موضع اليمين كلُّ حقٍّ لا يثبت بشاهد وامرأتين؛ كالدم والنكاح، فالحلفُ فيه مغلَّظ باللفظ والزمان والمكان، وما يثبت بالشاهد والمرأتين إن كان من عيوب النساء، غُلِّظت فيه اليمينُ، وإن كان من الأموال، لم تُغلَّظ إلَّا أن يبلغَ مئتي درهم، أو عشرين دينارًا، وتُغلَّظ في الوكالة بالمال الحقير. ثمّ التغليظُ بالمكان واجب، أو مستحبٌّ؟ فيه قولان، وفي الزمان طريقان: إحداهما: أنَّه مستحبٌّ. والثانية: فيه القولان، وفي اللفظ خلافٌ مرتَّب على الزمان، وأولى أن لا يجبَ، والتغليظُ باللفظ؛ كقوله: والله الذي لا إله إلَّا هو، ويُغلَّظ على الكفَّار بِبِيَعِهم، وكنائسهم، ولا يُغلَّظُ ببيوت الأصنام والنيران، وخالف صاحبُ "التقريب" في بيوت النيران. وإذا أوجبنا التغليظَ بالمكان، لزم المخدَّرةَ حضورُ المسجد. وأيُّ تغليظ رأى الحاكمُ إيجابَه، لم يجز مخالفتُه فيه، فإن قال: قل بالله، فقال: (بالرحمن)، كان ناكلًا، وإن قال: قل: بالله الذي لا إله إلَّا هو، فقال: (بالله)، ففي نكوله وجهان.

стр. 3073

وقال الإمامُ: إن رأى الحاكمُ وجوبَ ذلك، كان ناكلًا، وإن رأى استحبابَه، فمخالفته في الاحتياط هل تكون نكولًا؟ فيه وجهان. ٣٩٥٠ - فرع: قد يقع التغليظُ من أحد جانبي الخصومة، فإذا ادَّعى العبدُ عتقًا، أو كتابةً، لم يُغلَّظ الحلفُ على السيِّد إلَّا أن تبلغَ قيمتُه عشرينَ دينارًا، فإن نكل، غُلِّظت اليمين على العبد وإن قلَّت قيمتُه، فإنَّه يحلف على الحرية والاستقلال، وأبعد مَنْ قال: إذا غُلِّظت اليمينُ من أحد الجانبين، وجب تغليظُها من الجانب الآخر. ٣٩٥١ - فرع للعراقيين: إذا غلَّظ الحاكمُ اليمينَ (١)، فقال المدَّعى عليه: قد حلفتُ بالطلاق ألَّا أحلفَ يمينًا مغلَّظة، فإن أحببنا التغليظَ، لم يجز للحاكم أن يحنِّثه في الطلاق، وإن أوجبناه، حنَّثه، فإن كره الحنثَ، فلينكل، وإن رأى تحليفَه بين الركن والمقام، فقال: قد حلفت بالطلاق أنِّي لا أحلف بينهما؛ فإن لم نوجب التغليظَ، حرم تحنيثُه، وإن أوجبناه، ففي جواز تحنيثه قولان، بناهما الإمامُ على أنَّ ما بين الركن والمقام هل يتعيَّن للتغليظ، فإن قلنا: لا يحنِّثه، حلَّفَه في جانب آخر من جوانب الكعبة. * * *

стр. 3074

٣٩٥٢ - فصل في الحلف على البتِّ أو نفي العلم مَنْ حلف على نفي فعله أوإثباته، حلف على البتِّ، ومَنْ حلف على فعل غيره، حلف في إثباته على البتِّ، وفي نفيه على نفي العلم بذلك الفعل، فإن ادَّعى على موِّرثه بقرض، أو إتلافٍ، حلف على نفي العلم بالقرض، والإتلاف، وإن ادَّعى على عبده بجناية؛ فإن علَّقنا الأرش بذمَّته، حلف السَّيد على نفي العلم، وإن لم نعلِّقه بذمَّته، حلف على البتِّ. وقال الإمامُ: يحلفُ على نفي العلم، والقياس: أن يحلفَ على ما تتلفه دابَّته على البتِّ؛ لانتسابه إلى تقصيره. * * * ٣٩٥٣ - فصل في بيان وقت الحلف إذا ادَّعى حقًّا لم يدخل وقت الحلف حتَّى يطلبه المدَّعي، ويعرضه الحاكمُ على المدَّعى عليه، فإن حلف قبل الطلب أو بعده، وقبل عرض الحاكم، لم يُعتدَّ بيمينه اتِّفاقًا. ومن ادَّعى حقًّا، وقال: لا بيِّنة لي؛ فإن كان جاهلًا بترتيب الخصومة، وجب على الحاكم أن يعرِّفه أنه مخيَّر في تحليف المدَّعى عليه، وإن كان ممَّن لا يجهل ذلك، فلا يعرضُ اليمينَ على المدَّعى عليه قبل طلب المدَّعي، وهل الأولى أن يسكت، أو يقول: ماذا تريد؟ فيه خلاف. وإذا اختلف مذهبُ الحاكم والحالف في حكم الواقعة، فالعبرةُ بعقيدة الحاكم دون الحالف، وفي تغيُّر الحكم باطنًا خلافٌ معَ نفوذه في الظاهر،

стр. 3075

وغلط مَنْ قال: لا ينفذُ على المجتهدين في الظاهر، فإن ادَّعى شافعيٌّ عند حنفيٍّ بشفعة الجوار، لم يجز له الحلفُ بناءً على مذهبه في نفيها، فإن حلف، أثم، ولزمته الكفَّارة، وحُكي عن القاضي أنَّها تجبُ في الظاهر دون الباطن، ولعلَّه غلطٌ من الناقل. وإن حلف على شيء من الحقوق مستثنيًا؛ فإن سمعه الحاكمُ لم يُعتدَّ بيمينه اتِّفاقًا؛ فإنَّ ما لا يسمعه أهلُ المجلس، فلا عبرةَ به في ظاهر ولا باطن، وإن لم يسمعْه، أثم، ولزمته الكفَّارة اتِّفاقًا، وقال القاضي: يحنث في الظاهر دون الباطن، وهذا باطل؛ لأنَّه مسقط لفائدة الأيمان. ٣٩٥٤ - فرع: إذا نكح امرأة، فاستفتى، فأُفتي بفساد النكاح في محلٍّ يسوغ فيه الاجتهادُ، ففي النكاح أوجهٌ: أحدُها: لا ينقطع وإن رضي بالفتوى إلَّا أن يقطعَه الحاكمُ. والثاني: ينقطع؛ لوجوب متابعة الفتوى. والثالث: إن حكم بصحَّته حاكمٌ، لم ينقطع، وإن لم يحكم بذلك، انقطع. * * * ٣٩٥٥ - فصل في الدعوى بالتدبير، وتعليق العتق، والدَّين المؤجَّل والاستيلاد من ادَّعى دَيْنًا مؤجَّلًا، ففي سماع دعواه أوجهٌ، أحدُها: لا تُسمع؛ إذ

стр. 3076

لا يملك طلبَه في الحال. والثاني: تُسمع لغرض الإسجال. والثالث: لا تُسمع إلَّا أن يكونَ له بيِّنة، فتُسمع حينئذٍ؛ لما يُتوقَّع من موت البيِّنة. والمذهبُ: سماعُ الدعوى بالتدبير، وتعليق العتق بالصفة، والاستيلاد، فإنَّها حقوقٌ ثابتة في الحال، وأبعد مَنْ ألحقها بالدين المؤجَّل، ولا تصحُّ الدعوى بالتدبير إلَّا إذا قلنا: لا تبطل بالإنكار. * * *

стр. 3077

٣٩٥٦ - باب الامتناع من اليمين إذا حلف المدَّعى عليه اليمينَ المشروعة، خلص من الخصومة، فإن كان الحقُّ (١) ثابتًا، لم يسقط، وإن كان للمدَّعي بينة، فله إقامتُها بعد يمينه، فإن قال: لا بينةَ لي، ثمَّ أقام بينة؛ فإن قال: لم يكن لي علمٌ بها قُبلت، وإن قال: لا بينة لي حاضرة ولا غائبة، ثمَّ أقام بينة، فوجهان، وإن أثبت الحقَّ بعدلين، ثمَّ قال: كذبا، وشهدا بالباطل، بطلت شهادتُهما، وفي بطلان الدعوى من أصلها وجهان، فإن قلنا: تبطل، لم تُسمع بعد ذلك، وإن شهد له عدلان آخران. وإن أثبت مالًا بعدلين، فادَّعى الخصمُ أنَّه أكذب شاهديه، وأقام بذلك شاهدًا ليحلفَ معه؛ فإن أبطلنا الدعوى بالتكذيب، حلف مع شاهده، وسقط المالُ، وإن لم نبطلها بالتكذيب، لم يحلف؛ لأنَّ جرحَ الشهود لا يثبت إلَّا برجلين عدلين، وإن لم يكن للمدَّعي بينة، وطلب تحليفَ الخصم، عُرضت عليه اليمينُ، فإن نكل، لم يُحكم عليه بالحقِّ، بل تُردُّ اليمينُ على المدَّعي، فإن حلف، ثبت حقُّه، وليس للحاكم أن يحكمَ بنكوله حتَّى يظهرَ له امتناعُه، فإن جوَّز أن يكونَ الامتناعُ لدهشةٍ، أو جهل بعرض اليمين، لم يحكم بنكوله،

стр. 3078

وإذا ظهر النكولُ، فالمستحبُّ أن يعرضَ عليه اليمين ثلاثَ عرضات، فإن أصرَّ، حكم بنكوله، وردِّ اليمين، وإن حكم بالنكول في العرضة الأولى، جاز، ويُستحبُّ أن يعلمَه أنَّه يقضي بنكوله إن أصرَّ على الامتناع، فإن كان جاهلًا بردِّ اليمين، فحكم بنكوله لمَّا ظهر امتناعُه، ولم يعرِّفه بذلك، فالأوجهُ صحَّة الحكم بنكوله، وفيه احتمال. هذا كلُّه إذا لم يصرِّح بالنكول وبالامتناع من اليمين، فإن صرَّح بذلك، فقال: لست أحلف، أو قال: نكلت، أو أنا ناكل، فلا حاجة إلى الحكم بنكوله عند الإمام. وقال الأصحابُ: لا يُحكم بالنكول إلَّا إذا قال له: احلف، فامتنع، فإن قال: أتحلف؟ فامتنع، لم يحكم بنكوله، فإن ابتدر، فحلف، لم يُعتدَّ بيمينه؛ فإنَّ الاستفهامَ ليس باستحلاف، والأولى أن يقولَ: أتحلف؟ فإن قال: نعم، قال: قل: بالله، وإذا قال: نكلت، أو قال الحاكم: حكمت بنكولك، أو قال للمدَّعي: احلف، فأراد المدَّعى عليه أن يحلفَ، لم يكن له ذلك إن لم يرض المدَّعي، وإن رضي، فوجهان أظهرُهما الجوازُ. ولو أقبل على المدَّعي هامًّا بتحليفه، وأراد المدَّعى عليه أن يحلفَ، فهل له ذلك؟ فيه وجهان. وإن سكت المدَّعى عليه عن جواب الدعوى، قال له الحاكم: أجب، فلستَ بأصمَّ، ولا أبكمَ، فإن أصرَّ، جعله منكرًا، وعرض عليه اليمينَ، فإن أصرَّ على سكوته؛ فإن لم يظهر سببٌ مُسْكِت، جُعل ناكلًا عن اليمين. ومتى عُرضت يمين الردِّ على المدَّعي، وامتنع من غير عُذْر،

стр. 3079

ولا استمهال، حُكم بنكوله في الحال، وكان نكولُه كحلف المدَّعى عليه عند الأصحاب، فإن طلب يمينَ المدَّعى عليه بعد ذلك، لم يجبه إلى تحليفه؛ لما فيه من الدور، والتسلسل. فإن امتنع المدَّعي من الحلف، وقال: أمهلوني لأستفتي، وأتثبَّتَ في أمري، أو أطالعَ الحساب، فالمذهب: أنَّه لا يُمهل أكثرَ من ثلاثة أيَّام، ولو طلب المدَّعى عليه الإمهالَ لمثل ذلك، لم يجبه إليه. وقال بعضُ الأصحاب: لا غايةَ لإمهال المدَّعي إذا لم يصرِّح بالنكول، ويمينه كالبيِّنة، فله أن يأتيَ بها متى شاء، والأوَّل أصحُّ؛ فإنَّا لو لم نحكم بنكوله، لرفع خصمه في كلِّ وقت إلى المجلس، فلا يتفرغ الحاكمُ من خصامهما إلى شغل آخر. وقال الإمامُ: إذا أحضر الحاكمُ الخصمَ بالاستعداء حيث لا بيِّنة، وجب على الحاكم أن يقولَ للمدَّعي: إما أن تُحلِّف خصمَك، أو تقطع عنه الطلبَ، والرفعَ إلى المجلس، فإن أقام شاهدًا واحدًا، فإن حلف، ثبت حقُّه، وإن لم يحلف، قال له: إما أن تحلِّفه، أو تقطع مطالبته، فإن امتنع من تحليفه، عرَّفه أنَّه يمنعه من رفعه في تلك الخصومة إلى المجلس، وليس له إعادتُه إليه إلَّا أن يجدَ بينة كاملةً، وإن استمهل، أمهل ثلاثًا، ولا يُخرَّج فيه الوجه الآخر؛ بأنَّ له الحلفَ متى شاء؛ فإنَّ المدَّعى عليه إذا قال للمدَّعي في يمين الردِّ: إمَّا أن تحلفَ أو تنكل، فالمدَّعي يقول له: إما أن تقرَّ أنت أو تحلف، وهاهنا يقول المدَّعى عليه: إمَّا أن تحلفَ مع شاهدك، أو تحلِّفني وتخلِّصني. * * *

стр. 3080

٣٩٥٧ - فصل فيما يُشرع فيه الحلف كلُّ حقٍّ تُسمع فيه الدعوى والبيِّنة، فالحلفُ مشروعٌ فيه ما لم يؤدِّ إلى مفسدة؛ مثل أن يدَّعي على الشاهد أنَّه تعمَّد الكذبَ، أو على الحاكم الحَيْفَ في الحكم، فإن أقام البينةَ على إقرارهما بذلك، قُبلت، وإن لم يقم البيِّنة لم يملك تحليفَ الشاهد، والحاكم ما دامت ولايتُه، فإن ادَّعى عليه بذلك بعد العزل، فقد تقدَّم ذكره. ولا تحليفَ في حدود الله؛ لامتناع الدعوى بها، ويجري التحليفُ في النسب والنكاح، والطلاق والعتاق، والرجعة والولاء، والفيأة في الإيلاء؛ لصحَّة الدعوى بذلك، وقيام البينة عليه. وإن ادَّعى القاذفُ على المقذوف أنَّه زنا، فالقولُ قولُه مع يمينه، فإن حلف، وجب حدُّ (١) القذف، وإن نكل، حلف القاذفُ، وسقط حدُّ (٢) القذف، ولم يثبت الزنا بيمين الردِّ. ٣٩٥٨ - فرع: إذا نكل عن يمين الردِّ، ثمَّ أقام شاهدًا ليحلفَ معه، أو أقام شاهدًا، ونكل عن الحلف معه، وطلب يمينَ المدَّعى عليه، فنكل، فهل له أن يحلف؟ فيه قولان. * * *

стр. 3081

٣٩٥٩ - فصل في التوكيل بالخصومة إذا وكَّل في مجلس الحكم بحضرة الحاكم مَنْ يخاصم عنه، فله أن يخاصمَ، فإن قال: هذا وكيلي بالخصومة، فحكمه عامٌّ في جميع الخصومات غير أنَّ القضاةَ خصُّوه بتلك الخصومة في ذلك المجلس؛ لاطِّراد العادة به. وإن ادَّعى أنَّه وكيلُ زيد في خصام عمرو، فصدَّقه عمرٌو، فله أن يمتنعَ من مخاصمته؛ خوفًا أن يجحدَ زيدٌ الوكالةَ، فيحتاج إلى إعادة الخصام، فإن أقام بينة بالوكالة؛ فإن حضر الخصمُ، سُمعت، وإن غاب، فوجهان من جهة أنَّه يُثبت حقَّ نفسه، فإذا ثبتت الوكالةُ، فطلب الخصمُ يمينَه على أنَّ موكِّله لم يعزله، أو لم يمت، حلَّفه الحاكمُ على نفي العلم بذلك. * * * ٣٩٦٠ - فصل في كيفيَّة الحلف لا يطلب الحاكمُ جوابَ المدَّعى عليه ما لم يدَّع المدَّعي بحقٍّ ناجز، ويطالب الخصمَ بالخروج عن موجب دعواه، فإن قال: بعتني الدار التي في يدك، لم يُسمع حتَّى يقولَ: وهي ملكي الآن، فيُخيَّر الخصمُ بين أن يقولَ: ما بعتها منه، أو يقول: لا يلزمني [تسليمُها إليه. ولو ادَّعى أنه مزَّق ثوبَه، يخير بين أن يقول: ما مزَّقته، أو يقول: لا يلزمني] (١) تسليمُ الأرش إليه، فإن قال: ما بعتُ وما مزَّقت، ثمَّ أراد الحلفَ على نفي التسليم، فهل له ذلك؟ فيه وجهان، وقال أبو سعيد: يلزمه في جميع

стр. 3082

الصور أن يجيبَ عن عين ما يذكره المدَّعي. ولو رهن عينًا، وسلَّمها، ثمَّ طلبها، ولم يعترف بالرهن، أجابه المرتهنُ بأنِّي لا يلزمني التسليمُ. وإن ادَّعى المرتهنُ بالدين، فلم يأمن الراهن أن يجحد (١) المرتهنُ الرهنَ، فقد قال القفالُ: له أن يقول: أتدَّعي ألفًا به رهنٌ لي عندك حتَّى أجيبك، أو تدَّعي ألفًا آخر، وقال القاضي: لا يُسمع هذا الجواب، بل له جحدُ الدين إن جحد المرتهنُ الرهنَ، وتساوت القيمتان، أو زادت قيمةُ الدين؛ فإنَّ الرهن قد دخل في ضمانه بالجحود، وكذلك حكمُ من غصب عينًا ممَّن له عليه دين. ٣٩٦١ - فرع: إذا ادَّعى مالًا، فقال: حلَّفتني مرَّةً على هذا المال عند هذا الحاكم؛ فإن تذكَّر الحاكم، لم يحلِّفه، وإن لم يذكر، حلَّفه، وإن قال: حلفتني عند حاكم آخر، ففي سماع دعواه وجهان، فإن سمعناها؛ فإن كانت له بيِّنة، أقامها، وإن لم تكن له (٢) بينة، حلف المدَّعي أنَّه ما حلَّفه، وإن نكل، حلف، وخلص من الخصومة، وإن استمهل؛ ليقيم البينة، فالقياس أن يُمهَل ثلاثًا، وقال القاضي: لا يُزاد على يوم، وهذا بعيدٌ، ويتَّجه ألَّا يُمهلَ أصلًا؛ لتوجُّه الطلب عليه، بخلاف الإمهال في اليمين المردودة.

стр. 3083

٣٩٦٢ - فرع: إذا ادَّعى مالًا، فقال الخصمُ: أبرأني عن هذه الدعوى، فقد قال الإصطخريُّ: يُسمعُ قوله، ويصحُّ الإبراء عن الدعوى، وقال القفَّال: لا يُسمع قولُه، ولا يصحُّ الإبراء عن الدعوى؛ لانقسامها إلى حقٍّ وباطل، وعلى قول الإصطخريِّ: لو قامت البيِّنةُ بالمال بعد الإبراء عن الدعوى، لم تُسمع، ولو نكل المدَّعي عن يمين الإبراء، حلف خصمُه أنَّه أبرأه عن الدعوى، وانقطعت الدعوى، وإن قال: أبرأني عن المال، أو استوفاه، فقد أقرَّ به، فيلزمه أداؤه، فإن طلب تحليفَ الخصم قبل الأداء، أُجيب إليه اتِّفاقًا. وقال القاضي: يُلزم بالأداء، ثمَّ يفتتح الدعوى، فإن طلب الإمهالَ أيَّامًا؛ ليقيمَ البمِنة، لم يُمهل، ويُقال له (١): أدِّ المالَ، واقتنع بيمين خصمك على نفي الإبراء. * * * ٣٩٦٣ - فصل في النكول حيث لا يمكن ردُّ اليمين إذا طلب الساعي الزكاةَ، فزعم المالكُ أنَّه برئ منها بأداء أو غيره، ففي وجوب اليمين عليه خلافٌ، فإن نكل عنها، لم تردَّ على الساعي، ولا على الفقراء؛ فإنَّهم لا ينحصرون، فإن قلنا: هي مستحبَّة، فلا أثرَ لنكوله، وإن أوجبناها، ففيه أوجه: أحدُها: يُحكم عليه (٢) بنكوله.

стр. 3084

والثاني: يُحبس حتَّى يحلفَ، أو يقرَّ ويؤدِّيَ. والثالث: يُفرَّق بين أن يتصوَّر بصورة مدَّعٍ، فيقول: أدَّيت الزكاةَ، أو بصورة مدَّعى عليه. ولو غاب الذمِّيُّ، وعاد مسلمًا بعد الحَوْل، وقلنا: لا يجبُ قسط على مَنْ أسلم في أثناء الحَوْل فالقول قولُه مع يمينه، فإن نكل لم تُرَّدَ اليمينُ على أهل الفيء، وهل تلزمه الجزيةُ، أو لا يلزمه شيءٌ، أو يُحبس إلى أن يحلف، أو يعترف؟ فيه ثلاثةُ أوجه، وإن ادَّعى ذلك من غير غَيبة، لم يُقبل قولُه عل ظاهر ما ذكره صاحبُ "التلخيص"، فإنَّ الإسلامَ في الغالب لا يُكتم في بلاد المسلمين. ولو اختار الإمامُ قتلَ الأسرى، فزعم بعضُهم أنَّه صبيٌّ، كُشف عن مؤتزره، فإن أنبت، قتله، فإن قال: استعجلتُ الإنباتَ بالمداواة؛ فإن جعلنا الإنباتَ بلوغًا، قتلناه، وإن جعلناه دليلَ البلوغ، حلف (١) على المداواة، وترك في الذُّرَيَّة، وإن نكل قُتل على النصِّ، وقيل: لا يحلف، بل يُحبس حتى يبلغ، أو يحلف على المداواة، ويُحتمل أن يُحبسَ إلى أن يحلفَ، أو يقرَّ بأنَّه لم يتداوَ، فيُقتل. وإن طلب بعضُ أولاد المرتزقة الديوانَ، وزعم أنَّه بالغ، وأمكن صدقُه؛ فإن حلف، أُثبت اسمُه في الديوان، وإن لم يحلف، فوجهان. وإن ادَّعى نائبُ بيت المال إرثًا لبيت المال، فنكل الخصمُ عن اليمين

стр. 3085

فقد تعذَّر ردُّها، فهل يُقضى عليه بالنكول، أو يُحبس إلى أن يقرَّ، أو يحلف؟ فيه وجهان، وقيل: يُطْلَق، وهذا بعيدٌ؛ فإنَّ اليمينَ هاهنا مستَحَقَّة على قياس الخصومات، بخلاف الحلف على الزكاة. * * *
следующие страницы →