← Фикх шафии

Фикх шафии · id 127703

الغاية في اختصار النهاية

عز الدين بن عبد السلام

Полный текст (3 327 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

فإن قلنا: لا يكره، ففي استحبابه تردُّد لأبي محمَّد، وقال الإِمام: لا يُستحبُّ لأن تحصيلَ الركعة للاحق يعارضُه تطويلُها على السابق، وشَرَط الصيدلانيُّ في الخلاف أن لا يطوِّلَ على السابقين، وضبطه الإِمام بالتطويل الذي لو وُزِّع على جميع الصلاة، لظهر تطويلُها للحِسِّ؛ فإِن طوَّل على السابقين، امتنع على قول الصيدلانيِّ وجهًا واحدًا، ومع ذلك فلا قطعَ ببطلان الصلاة. وكلُّ تطويلٍ لو وُزِّع على الصلاة لم يظهر به طولُها في الحسِّ، ففيه الخلاف، ومقتضى ما ذكره الصيدلانيُّ أنَّه لو طوَّل مرَّةً أو مرَّتين، ففيه القولان، وإِن انتظر في كل ركوع، فقد يُقطع بالمنع إِذا كان المجموعُ كإفراط التطويل في ركوع واحد. * * * ٤٤٩ - فصل فيمن يصحُّ الاقتداء به كل مَنْ صحَّتْ صلاتُه بغير إِعادة صحَّت إِمامتُه، إِلا المرأةَ والخنثى والأميَّ، وأبعد من قال: لا تقتدي طاهرةٌ بمستحاضة، فيقتدي المتوضِّئُ والكاسي بالمتيمِّم والعاري اللَّذَين لا يقضيان، ولا يأتمُ مَن لا يعيد بمن يلزمه الإِعادة، فلا يقتدي المتوضِّئُ ولا المتيمِّم بمن لا يجد ماءً ولا ترابًا إِذا ألزمناه الإِعادة، ومن لا يجد ماءً ولا ترابًا، هل يقتدي بمثله؟ فيه تردُّد لأبي محمَّد، وأمَّا المرأة والخنثى، فتقتدي بهما النساءُ دونَ الرجال والخَنَاثَى، فإِن اقتدى الخُنثى بامرأة، ثمَّ بان أنَّه امرأة، أو اقتدى رجلٌ بخنثى ثم بان أنَّه رجل، ففي سقوط القضاء قولان.

стр. 527

٤٥٠ - فرع: إِذا اجتمع نساء في دار، فالسنَّة أن يقتدين بإحداهنَّ، وتقف وسطهن، وصلاة الشابَّة في بيتها أَوْلى من اقتدائها في المسجد، فإِن صلَّت إِلى جنب الاِمام [في المسجد] (١)، فقد أساءت من وجوه، وتصحُّ صلاتُها وصلاةُ الإِمام. وإِن تشبَّهت العجوزُ بالشابَّة، كره لها الخروجُ إِلى المسجد، وإِن خرجت مبتذلةً، لم يكره، وتكون صلاتُها في بيتها كصلاتها في المسجد لا فضلَ لإِحدى الجهتين على الأخرى. ٤٥١ - فرع: يجوز اقتداءُ البصير بالأعمى، وليس أحدُهما أَوْلى بالإِمامة من الآخر عند الشافعي. ٤٥٢ - فرع: يجوز الاقتداءُ بالمنفرد وإِن لم ينوِ إمامةَ أحد، ولا يصحُ الاقتداءُ بالمأموم اتفاقًا، وتبطل صلاة المقتدي به، وإِن اقتدى بمن يشكُّ في اقتدائه لم تصحَّ قدوته، فإن بان أنَّه غيرُ مقتدٍ، ففي وجوب القضاء قولان كالقولين فيمن اقتدى بخنثى، ثمَّ بان أنَّه رجل. وإِن صلَّى اثنان يَظنُّ كل واحدٍ منهما أنَّه إِمام للآخر، صحَّت صلاتهما، وإِن أشكل على كلِّ واحد منهما هل هو إِمام للآخر أم مقتدٍ به؟ لم تصحَّ

стр. 528

صلاةُ واحد منهما؛ لأنَّه لا يدري أيتابع أم يَستقِل؟ ٤٥٣ - فرع: الأَولى (١) بالمقتدي أن لا يُعيِّن إِمامَه في نيَّته، بل ينوي الاقتداءَ بالإِمام الحاضر، فلو نوى الاقتداءَ بزيدٍ؛ فإِن أصاب فذاك، وإِن أخطأ أو صلَّى على زيد، فبان أن الميِّت غيرُه، فالذي ذكره الأئمةُ بطلانُ صلاته. وهذا مشكِلٌ فإِنَّه إِذا ربط نيَّة القدوة بالحاضر معتقدًا أنَّه زيد، فبان أنَّه عمرو، فقد اجتمع في نيَّته تعيينٌ وخطأ في الاسم، فيظهر أن يُعتبرَ تعيينهُ وإِشارته، ويسقطَ خطؤه، وقد يَعِنُّ للناظر تخريجُ هذا على الخلاف فيمن قال: بعتك هذا الفرس، فإِذا هو حمار. ٤٥٤ - فائدة: إِذا اقتدى النساءُ برجل لم يُشترط في ذلك أن ينويَ الإِمامُ إِمامتهنَ. * * * ٤٥٥ - فصل في الاقتداء بالأمي أما الأُمِّيُ: فيقتدي به الأميُّ، وفي القارئ ثلاثة أقوال: يمتنع (٢) في الثالث في الجهريَّة دون السِّريِّة، واختار المزنيُّ الجوازَ؛ اعتبارًا باقتداء المتوضئ بالمتيمِّم، والقائم بالقاعد والمومئ، والجديدُ المنع، فلا يقتدي من

стр. 529

يلحَن في النصف الأوَّل [من الفاتحة] (١) بمَن يلحنُ في النصف الأخير (٢). ٤٥٦ - فرع: لو بان الإِمامُ في السرّيَّة أمِّيًّا فهو كما لو بان جُنُبًا؛ إِذ لا يجب البحثُ عن قراءته، وإن أسرَّ الإِمامُ في الجهريَّة، ففي وجوب البحث عن قراءته وجهان. * * * ٤٥٧ - فصل في بيان الأُمِّي الأُمِّيُّ: من لا يحسنُ الفاتحةَ، أو لا يطاوعه لسانُه على الصواب، بل يُحيل كلمة منها، ومن يردِّد الحرفَ ثمَّ ينطق به؛ كالتمتام الذي يردَّد التاء، والفَأْفاء الذي يردِّد الفاء، فقراءته صحيحةٌ، وليس بأمِّيٍّ؛ لأنَّه أتى بالمقصود، وزاد زيادة وهو مغلوب عليها. وإِن كان يحسن الفاتحةَ، ويلحن في غيرها، فلا يضرُّ لحنه إِذا عجَز عن تقويم لسانه، وفيه نظر؛ إِذ لا يبعدُ أن يمنعَ من قراءة ما يلحن فيه؛ لأنَّه بمثابة كلمة ليست من القرآن. ومن قدَر على قراءة الفاتحة فقصَّر، فلا تصحُّ صلاتُه في نفسه. * * *

стр. 530

٤٥٨ - فصل في اقتداء المنفرد وانفراد المقتدي إِذا أحرم منفردًا، ثم اقتدى، ففي جواز ذلك في الركعة الأولى قولان، وفيما بعدها طريقان، والجديدُ منع الاقتداء، وجوازُ الاستخلاف مع كونه ابتداءَ اقتداء لم يكن عند العقد. وإِن انفرد المقتدي ببقيَّة صلاته، فثلاثة أقوال: يُفرَّق في الثالث بين المعذور وغيره، والمذهبُ جوازُ ذلك للمعذور، وألحق الإمامُ الأعذارَ هاهنا بالأعذار في ترك الجماعة وما في معناها. * * * ٤٥٩ - فصل في إدراك الركوع وبعض القيام إِذا أدرك الإِمامَ راكعًا فركع معه، أو أدركه مرتفعًا عن الركوع غيرَ مجاوِزٍ لأقلِّه، فقد أدرك الركعةَ. وإِن شكَّ في مفارقة الإِمام للركوع، ففي الإِدراك وجهان؛ لتقابل الأصلين. وإِن أدركه في الاعتدال تابعه في ذلك، ولا يحسبُ من أصل صلاته. وإِن أدركه قائمًا، فأمكنه قراءةُ الفاتحة والركوع معه، فذاك، وإِن علم أنَّه لو أتمَّ الفاتحةَ لركع، فهل يُتِمُّها أو يركع معه؟ فيه ثلاثة أوجه: أصحُّها: أنَّه إِن بادر القراءةَ، ولم يشتغل عنها بافتتاح ولا تعوُّذ، ففيه الخلاف، وإِن اشتغل بهما فقد قصَّر، فلْيقرأْ بقدرِ تقصيرِه، والذي لا يُفَصِّل يقول: لا يلزمُ المسبوقَ مبادرةُ القراءة، بل يجري على هيئته، كما لو قدَر

стр. 531

على مبادرة التكبير، فقصَّر فيه مع حضوره؛ فإِنه يدرك الركعةَ وفاقًا، والأصحُّ التفصيل؛ لأنَّه بالإِحرام قد التزم القدوةَ، فيلزمه الاشتغالُ بالأهمِّ، وهو الأركانُ، بخلاف ما قبل الإِحرام. ولو سبَّح وتعوَّذ، وأطال السكوتَ، فلا يُعتقد في تقصيره خلافٌ. ٤٦٠ - التفريع: إِذا قلنا: يركع فقرأ، وأدرك ركوعَ الإِمام، فذاك، وإِن أدركه بعد الركوع، فقد فاتته الركعةُ، ثمَّ ينظر؛ فإن سبقه الإِمامُ بركنين بطلت صلاتُه، وإِن سبقه بركن؛ بأن أدركه في اعتداله؛ فإِن لم تبطل صلاةُ غير المسبوق بمثل هذا، ففي البطلان هاهنا وجهان من جهة أنَّه تخلَّف عن الإِمام بما فاتت به الركعةُ، فأشبه تخلُّفَه بركعة، فإن قلنا: لا تبطل، فلا يركع، بل يتابع الإِمام، فيهوي معه إِلى السجود، ولا تحسبُ له هذه الركعة. وإن فرَّعنا على أنَّه يتمُّ القراءةَ؛ فاتمَّها؛ فإن أدركه راكعًا، فذاك، وإِن أدركه معتدلًا، فلا يتابعه، بل يركع ويعتدل، وتُحسبُ له هذه الركعةُ؛ لأنَّه معذورٌ في تخلُّفه. وإِن سبقه الإِمامُ بأركان؛ فإن فرَّعنا على التفصيل؛ فإن لم يقصِّر، فهل يقرأ أو يركع؟ فيه الوجهان، وإِن قصَّر، قرأ من الفاتحة بقدر تقصيره، فإِن رفع الإِمام من الركوع، فتفريعُه كتفريع ما لو أمرناه بالركوع، فقرأ حتى فاته الركوع. * * * ٤٦١ - فصل في إِدراك تكبيرة الإِمام لإِدراك إِحرام الإِمام فضلٌ، وفيما يُدرَك به أربعة أوجه:

стр. 532

أحدُها: بقيام الركعة الأولى. والثاني: بقيامها، أو ركوعها. والثالث: بركوعها إِلا أن يشتغل بأمر دنيوي. والرابع: يدركها بحضور إِحرام الإِمام، وتعقيبه بالإِحرام، وهو الأظهر عند الإِمام. * * * ٤٦٢ - فصل في التقدُّم والتأخُّر على الإمام تقدُّم الإِمامِ بركنين مبطلٌ لصلاة المأموم، وبركن واحد وجهان، [فإِذا ركع الإِمامُ واعتدل وسجد، والمأمومُ قائم بطلت صلاتُه، وإِن أدركه في اعتداله، ففيه وجهان] (١) بناهما بعضهُم على أنَّ الاعتدالَ ركنٌ مقصود أم لا؟ فإِن جُعل مقصودم، أبطل صلاتَه، وإِلا فلا تبطل ما لم يسجد، واستبعد الإِمامُ هذا البناء، وقال: إِنْ شرطنا السبقَ بركنين، بطلت (٢) صلاتُه بهويِّه إِلى السجود وإن لم يلابسْه، والتقدُّم بالسجود كالتقدم بالركوع إِلا أنَّ الأكثرين على أنَّ الجلسةَ ركنٌ طويل. ٤٦٣ - فرع: إِذا سارع الإمامُ، وجاوز عادتَه، فسُبِق بركنين، فوجهان؛ إِذ لا تقصيرَ، وتقدُّم المأموم كتقدم الإِمام في الخلاف والوفاق، وأبعد أبو محمَّد، فأبطل

стр. 533

بالتقدُّم إِلى الركن وإن أدركه فيه الإِمام. * * * ٤٦٤ - فصل في التقدُّم في الموقف شرط الاقتداء الشعورُ بصلاة الإِمام، ولا بأس بمساواته في الموقف، والتأخُّر قليلًا أفضلُ، والتقدُّم مفسدٌ على الجديد. ٤٦٥ - فرع: لو أحاطوا بالكعبة، واقتدوا بإِمام المقام، أو صلَّوا فيها مقابِلِي الإِمامِ، صحَّ إِلا أنَّ منْ تقدَّم على الإِمام في جهته لا تصحُّ صلاته، وفي غير جهته وجهان. ٤٦٦ - الاقتداء في المسجد: إِذا اقتدى في المسجد صحَّت صلاتُه، ولا نظرَ إِلى الارتفاع والانخفاض، ولا إِلى بُعْد المسافة، واختلاف الأبنية، فلو وقف الإِمامُ في المقصورة، والمأمومُ في بئر في المسجد، أو فصل بينهما نهرٌ لا يخيض، فلا بأس. وإِن وقفا في مسجدين بينهما باب لافظ (١)، كالجوامع جاز وإن كانت الأبوابُ مردودةً أو مغلقةً، وأبعد من منع في المُغلقة، وقال: إِن كان الحائلُ بينهما مشبكًّا لا يمنع الرؤية، فوجهان، وقطع الإِمامُ بالجواز إِذا كانا

стр. 534

في حكم المسجد الواحد. ٤٦٧ - الاقتداء في المَوَات المشترك في الصحراء: إِذا تواصلت الصفوفُ في الموات المشترك على مِيلٍ أو أكثر، صحَّ الاقتداءُ، فإن تقطعت الصفوف، أو انقطع المأمومُ عن الإِمام جاز، إِن قربت المسافةُ، وامتنع إِن بَعُدت، وقيل: تعتبَر المسافةُ بين المنقطع وبين الإِمام، والمسافة القريبة ثلاثُ مئة ذراع، والأصحُّ أن ذلك تقريب. ٤٦٨ - فرع: لو فصل بينهما نهرٌ مُخِيض أو غير مُخِيض، وعليه جسرٌ، فلا بأس، وإِن لم يكن جسرٌ، وكان بينهما شارعٌ، جاز على المذهب، وفيهما منع لا يتَّجه في الشارع إِلا أن يغلبَ طروقُه. الاقتداء في الساحات المملوكة كالاقتداء في الموات على المذهب، وأبعد من شرط (١) اتِّصالَ الصفوف، وعلى الأصحِّ: لو وقف الإِمامُ في ساحة زيد، والمامومُ في ساحة عمرو، فوجهان. ٤٦٩ - الاقتداء في الأبنية المملوكة: إِذا وقفا في ملك أو رباط أو مدرسة أو دار موقوفة؛ فإِن ضمَّهما بناءٌ واحد، فالمذهبُ أنَّه كالموات، وإن وقفا في بناءين، فكان الإِمام في صُفَّةٍ، والمأموم في مرقد على جانبها، فاتَّصل صفُّ المرقد بصفِّ الصفة، أو بواقف على باب المرقد، صح اقتداؤُهم واقتداءُ من يصلِّي وراءَ الصفِّ في المرقد،

стр. 535

دون من يصلِّي أمامَه؛ فإِنْ خلا على العتبة موضعٌ يتَّسع لواحدٍ، فلا تصحُ صلاةُ أهل المرقد، وإِن لم تتَّسع لواحد فوجهان، وعند الإِمام لا يضرُّ خُلوُّ ما يتَّسع للواحد إِذا كان الصفُّ متَّحدًا في العُرْف. وإِن تخلَّلهم موقفٌ لا يظهر إِلا بالتضامِّ، فلا ينبغي أن يُختلفَ فيه. وإِن وقف المأمومُ في بناء وراء الصفة؛ كالعَرْصة، فإن لم تتَّصل الصفوفُ، لم يجز، وإِن تواصلت، جاز على الأصحِّ، ونعني باتِّصال الصفَّين أن يكون بينهما قريبٌ من ثلاثة أذرع، وباتِّصال الصفِّ تلاصقَ المناكب. وإِن اختلفت المواقفُ ارتفاعًا وانخفاضًا، فالشرط أن يلاقيَ رأسُ المستقبل قدمَ المستعلي، وقيل: ركبتَه، وقد نتساهل في قِصَر قامة الصبيِّ وفيما زاد بين الصفَّين على ثلاثة أذرع إِذا كانت الزيادةُ لا تظهر إِلا بالذَّرْع. ٤٧٠ - الاقتداء في المواضع المختلِفة الأحكامِ في أمر الوقوف: يُعتبر في البِقاع المختلفة الأحكام أضيقُها حكمًا، فوقوفُ الإِمام في المسجد والمأموم في ملك، كوقوفهما في بناءين مملوكين؛ اعتبارًا بالملك، فإن كان البيتُ على جانب المسجد، فلابدَّ من اتصال الصفِّ، وإِن كان وراءه، فلابدَّ من اتصال الصفوف. واتصالُ سطح داره بسطح المسجد كاتصال الساحة المملوكة بالمسجد أو بأرض مُباحة، وإِن وقف الإِمامُ في المسجد، والمأمومُ وراءه، أو على أحد جانبيه في موات أو شارع عامٍّ، جاز في قريب المسافة دون بعيدها؛ اعتبارًا بالمَوات؛ لأنَّه الأضيقُ، وتعتبر المسافة من آخر حدود المسجد أو

стр. 536

من آخر واقفٍ؟ فيه وجهان يجريان في تقدُّم الإِمام على المسجد، ووقوف المأموم فيه؛ فإِن حال بينهما جدرانُ المسجد، أو أبوابه المغلقة، فالأصحُّ عند الإِمام الجواز، وعند غيره المنعُ؛ فإِن فرَّعنا على المنع، فكان الجدار مُشبَّكًا لا يمنع رؤيةَ أهل المسجد، فوجهان. ولو وقف صفٌّ بحذاء الباب المفتوح، صحَّت صلاتُهم وصلاةُ من وراءَهم بشرط القُرْب، ولا تصخُ صلاة من تقدَّمهم إِلى الجدار. ٤٧١ - الاقتداء في السفن: وقوفُهما في السفينة تحتَ السقف كوقوفهما في دار مملوكة، وإِن كانت مكشوفةً، فالبحر كمُباح الأرض، والسُّفُن كصفائح مبسوطة على الأرض، ولا أثر لتلك الصفائح، وإِن وقفا تحت سقفَي سفينتين لم تصحَّ، كما لو وقفا في بيتين في الصحراء، وإِن كانتا مكشوفتين جاز عند قرب المسافة، وشرط الإصطخريُّ أن يُشدَّا بحيث يؤمن تقدُّم سفينةِ المأموم على سفينة الإِمام، وهو بعيدٌ. * * *

стр. 537

٤٧٢ - باب صفة الأئمة إِذا اجتمع من يصلح للإِمامة، قُدِّم بالقراءة، والفقه، ثم بالنسب والسنِّ، والأفقهُ أولى من الأقرأ، والأسنُّ أولى من النَّسيب على الجديد، ورأى أبو محمَّد تقديم الورِع على الفقيه، والإِمامُ يقدِّم الفقيهَ المستور على الورِع، والورعَ العالمَ بقدر الكفَاية على الفقيه الفاسق؛ إِذ لا يؤمن تهاونُ الفاسق بشرائط الصلاة. والاعتبار بكبر السنِّ في الإِسلام، ولا تُشترط الشيخوخة، فيقدَّم ابن ثلاثين على ابن عشرين بالاتفاق، والاعتبار بنسب قريش، وفي الانتساب إِلى الصالحين والعلماء تردُّدٌ، والظاهر اعتبارُ الأنساب المعتبرة في كفاءة النكاح، وقياسُ المذهب أنَّ المُسِنَّ والقُرشيَّ المستورَين أولى من المشهور بالزهد والورع، وفيه احتمال، وممَّا يقدَّم به النظافةُ والنزاهةُ في الثياب، والطهارةُ. * * * ٤٧٣ - فصل في التقديم بالسَّلطنة والمُلك مالك الدار ومأذونُه أولى من غيرهما، إِلا السلطانَ ومن يقدِّمه، فإِنَّهما أولى من مالك الدار، ومن الأفقه والأقرأ في غير الدار.

стр. 538

والمُكتري أولى من المُكْرِي، والمستعيرُ أولى من غيره، والمُعير أولى منه إِن رجع، وإِن لم يرجع فعن القفَّال جوابان. وإِن أسكن عبدَه دارًا فهو أولى من عبده، والعبدُ أولى من غيره. والحاصل أنَّ التقديمَ بالسلطنة، ثمَّ بالمِلك، ثمَّ بالفقه والقراءة، ثم بالسنِّ والنسب، وفي الورع ما تقدَّم. ٤٧٤ - فرع: يكره أن يَؤمَّ الرجلُ مَن يكره إِمامتَه، إِلا أن يقدِّمه السلطانُ، فلا يكره، وإِن كرهه البعض، فالاعتبارُ بالأكثر. * * *

стр. 539

٤٧٥ - باب صلاة المسافر القَصْرُ رخصة للآمِن والخائف إِذا بلغ السفرُ مرحلتين؛ ثمانيةً وأربعين ميلًا، والمرحلةُ ثمانية فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، إِلا أنَّ العزيمةَ أولى من الرخصة إِن لم يبلغ ثلاثَ مراحل، فإن بلغها فالصومُ أفضل من الفطر، وفي القَصْر والإِتمام قولان، وأخطأ من فضَّل القصرَ، وذكر في الفطر قولين. * * * ٤٧٦ - فصل في بيان ابتداء السفر أوَّلُ السفر مفارقةُ محلِّ الإِقامة، وذلك في البلد المُسوَّر المدرَّب بمفارقة دُروبه، وفي غيره بمفارقة عمرانه؛ فإن كان وراء العامر خرابٌ اندرست آثارُه، أو اتُّخِذ مزارعَ، أو سُوِّر على العامر دونه، فلا تجب مجاوزتُه، فإِن كان بالخراب (١) منازلُ ودورٌ، فاتُّخذ بساتينَ، فإِن كان المُلَّاك لا يأتونها إِلا لتفرُّجٍ (٢) أو نقلِ ثمرِه، فلا تجبُ مجاوزتها؛ كالمزارع، وإِن كانوا يسكنونها أو ينتقلون إليها في بعض الفُصول، وجبت مجاوزتُها، وإِن لم يكن شيءٌ من ذلك، فلا تجب المجاوزةُ، إِلا أن يكونَ بعده عامرٌ معدود من البلد.

стр. 540

وقال أبو محمَّد: إِن بقيت آثارُ الأبنية، أو سُوِّر على العامر سورٌ، وعلى الخراب سور آخرُ، فلابدَّ من المجاوزة، ويشترطُ في القرية مجاوزةُ أبنيتها وبساتينها؛ لأنَّها معدودةٌ منها، ولا يشترط مفارقةُ المزارع بالاتفاق؛ لأنها ليست بمحلِّ سُكون. ٤٧٧ - فرع: لو اتَّصلت أبنيةُ قريتين، وجبت مفارقتُهما على النصِّ، ولا يجب إن انفصلتا على التقارب، خلافًا لابن سُريج؛ إِذ لا ضابطَ للقرب، ولعلَّ ضبطه بما يقع بين محلَّتين متواليتين في بلدة. ويشترط في البوادي مجاوزةُ الخيام والأخبية، والدِّمَن ومطارح التراب، ومواضع التردُّد، ومجالس المشورة، ولا تجبُ مجاوزةُ المَسْقى والمُحتَطَب إِلا أن يُعدُّوا نازلين عليه. ٤٧٨ - فرع: قال الصيدلانيُّ: لو تفرَّقت الخيامُ؛ فإِن كانوا يسمرون في نادٍ، ويستعير بعضُهم من بعض، وجب مجاوزةُ الجميع، وإِلا فليفارقْ رَبُّ كلِّ خيمة خيمتَه وحريمَها المذكور في الخيام، ولا يجب مجاوزةُ عرض الوادي إِلا أن ينسبَ إِلى مخيَّمهم. ٤٧٩ - فرع: لو رجع المسافرُ لأخذ شيء لم يَقْصُر بالبلد إِن كان وطنَه، وإِن كان غريبًا أقام به، قصر على الأصحِّ. * * *

стр. 541

٤٨٠ - فصل في اشتراط قصد السفر الطويل إِذا فارق وطنَه قصر بشرط أن يقصدَ سفرًا طويلًا، فلو خرج هائمًا أو لطلب آبق أو غريم لا يدري متى يلقاه، فلا يترخَّص بشيء من رُخَص السفر وإِن طال سفره ألفَ فرسخ. وإِن خاض في السفر، ثمَّ عزم أنَّه يرجع متى لقي فلانًا، وإِن لم يلقه مضى إِلى مقصده، فقد قيل: لا يترخَّص، والمذهب أنَّه يترخَّص ما لم يَلْقَه؛ بناءً على قصده الأوَّل، فإِذا لقيه صار مقيمًا، وإِن نوى بلدتين يقيم بأولاهما أربعًا؛ فإن بلغت كلتا المسافتين مرحلتين مرحلتين ترخَّص، وإِن لم تبلغ كلُّ واحدة منهما مرحلتين، فلا يترخَّص، وإِن نوى مرحلتين ثمَّ قصد في وسط الطريق إقامة أربع، فالنصُّ أنَّه يترخَّص فيما بقي إلى مقصده؛ اعتبارًا بقصده الأوَّل وقيل: لا يترخَّص من حين نوى الإِقامة؛ لقُرْب المسافة. * * * ٤٨١ - فصل في ترخُّص من نوى إِقامة ثلاثة أيام إِذا أتى بلدةً أو قرية، فنوى أن يقيمَ بها ثلاثة أيَّام بلياليهنَّ غيرَ يومَيِ النزول والرحيل، فله حكم المسافرين، ونعني باليومين بقيَّةَ الليل أو النهار؛ لاشتغاله فيهما بالحَطِّ والترحال، فإِن وصل قبل الغروب (١) بحيث يقعُ (٢) بعضُ شغله في الليل، حُسبت الليلة مع بقيَّة النهار على رأي الإِمام، وإِن

стр. 542

نوى إِقامةَ ثلاثة ليلام ولحظةً، انقطع سفرُه كما نوى، فلا يترخَّص بشيء من رُخَص السفر. * * * ٤٨٢ - فصل في ترخُّص من أقام لشغل يتوقَّع نجازَه روى ابن عباس أنَّ النبيَّ ﷺ أقام بسبب الجهاد ثمانية عشَر يومًا يقصر الصلاةَ (١)، وروى عمران بن حصين سبعة عشر (٢)، وروى جابر عشرين (٣)، فمن أقام لشغل يتوقَّع نجازَه في كلِّ حين، ويُجَوِّز تأخرَه؛ فإن كان جهادًا أو حصارًا، ترخَّص في المُدَّة المأثورة، وقد اختلفوا في الروايات الثلاث، فقيل: ثلاثةُ أقوال، وقيل: بالاعتماد على رواية ابن عباس، وتُحمل رواية جابر على أنَّه حسَب يومي الدخول والخروج، وهل يقتصر على هذه المدَّة، أو يترخَّص ما استمرَّت حاله (٤)؟ فيه قولان. وإِن أقام لشغلٍ آخرَ، كالتجارة، ترخَّص ثلاثًا، وفيما جاوزها إِلى ثمانية

стр. 543

عشر قولان، وقد خرَّجوا في الغازي قولًا من التاجر أنَّه لا يقصرُ وراء الثلاث، وفي التاجر قولًا من الغازي أنَّه يقصر أبدًا؛ فإِن قلنا: يقصران ثمانية عشر، فجزما بإِقامتها، أو علما أنَّ شغلَهما لا ينتجزُ إِلا بإِقامتها، ففي ترخُّصهما قولان، واستبعد الإِمامُ جزمَ الإِقامة من جهة أنَّه إِن علم أنَّ شغلَه يستمرُّ ثمانيةَ عشر، فهي الصورة الثانية، ولا يُتصوَّر الجزمُ على تقدير بقاء الشغل مع الشكِّ في بقائه، وإِن أريد بالجزم أنَّه يقيم هذه المدَّة وإِن انقضى شغلُه قبلها، فالوجهُ القطع بأنَّه لا يترخَّص وإِن دام شغلُه؛ لأنَّه جزم الإِقامة لغير شغل. ثمَّ قد يجرُّ تفريعُ الأقوال الضعيفة إِلى خلاف الإِجماع؛ إِذ ينتظمُ ممَّا ذكرناه أنَّ من علم أنَّ تجارته لا تنقضي في أقلَّ من سنة، فإِنَّه يقيم فيها ويقصرُ، ولا سبيلَ إلى تجويز ذلك. ٤٨٣ - فرع: إِذا نوى الإِقامةَ حيث يمكن، فلا ترخُّصَ، وإِن جرت إِقامته تعذُّرًا أو عسرًا، وإِن كان بمفازة لا يُتصوَّر فيها إِقامة، فوجهان: أحدهما: لا ترخُّص (١)؛ لأنَّه قطع السفر، وتعرض للهلاك. والثاني: يترخَّص؛ إِلغاءً لنيَّته؛ إِذ لا يمكنُ الوفاء بها. * * * ٤٨٤ - فصل في السفر في أثناء الوقت إِذا فاتت الصلاةُ في الحضر، فلا يقصر في السفر، خلافًا للمزنيِّ،

стр. 544

وإِن سافر وقد بقي من الوقت ما يسعُ الصلاةَ قَصَر على النصِّ. وإِن أدركت المرأةُ من أوَّل الوقت ما يسعُ الصلاةَ، ثمَّ حاضت لزمها القضاءُ على النصِّ، ففرَّق بعضُهم بأنَّه لا يمكنها الصلاةُ إِلا فيما طهرت فيه، فانحصر الوجوبُ فيه، بخلاف المسافر، وخرَّجها القيَّاسون على قولين: أحدهما: يتمُّ المسافر، وتقضي الحائضُ؛ لأنَّ الصلاةَ وجبت عليهما بأوَّل الوقت. والثاني: يقصر، ولا قضاءَ على الحائض، فإِنْ جوَّزنا القصر، فبقي ما لا يسع الفريضةَ، فطريقان: أصحُّهما: أنَّه إِن بقي قدْر ركعة فما زاد، ففي القَصْر وجهان مبنيَّان على أنَّ الصلاة مقضيَّة أو مؤدَّاة، وإِن بقي قدْر تكبيرة، وقلنا: يقصر بقدر الركعة، فهاهنا وجهان من جهة أنَّ الركعة يُدرَك بها الجمعة، وهي على صورة المقصورة، بخلاف التكبيرة. والطريقة الثانية: إِن بقي قدرُ ركعتين فما زاد، قصر، وإِلا فلا. ٤٨٥ - فرع: لو مضى من أوَّل الوقت قدرُ ركعة، فسافر، وقلنا: لا يقصر وإِن بقي قدرُ الأربع، فينبغي أنَّ لا يقصرَ هاهنا. * * * ٤٨٦ - فصل في قضاء فوائت الأسفار إِذا فاتته صلاةُ سفر، فقضاها في ذلك السفر، ففي قصرها قولان، وإِن قضاها في الحضر فقولان مرتبان، وأولى الإِتمام، وإِن قضاها في سفرٍ

стр. 545

آخرَ؛ فإِنْ رتَّبنا ذلك على المسالة الأولى، فالإِتمام أولى، وإِن رتَّبناه على الثانية، فالقصر أولى، وإِن جمعنا الصورَ، ففيها أربعة أقوال. * * * ٤٨٧ - فصل فيما يوجب على المسافر الإِتمامَ إِذا اقتدى بمقيم أو بمسافرٍ صلاتُه تامَّة؛ كالصبح، لزمه الإِتمامُ، وإِن قصر الظهرَ خلف مَنْ يصلي الجمعة، فوجهان، وإِن اقتدى بمسافر متمٍّ ثمَّ أفسدها، أو أنشأها في الحضر، ثمَّ أفسدها، لزمه الإِتمامُ إِلا أنْ يظهرَ حدثُه، فلا يلزمه الإِتمام. وإِن ظنَّ إِقامةَ الإِمام، ثمَّ بان سفرُه، لزمه الإِتمامُ محدثًا كان الإِمام أو متطهرًا، وإِن ظن سفرَ إِمامه، فظهر حدثُه، ثمَّ إِقامته، أو ظهرا معًا، قصر على المذهب، وإِن ظهرت إِقامتُه، ثمَّ حدثه، لزمهُ الإِتمامُ، كما لو اقتدى بمقيمٍ ثمَّ ظهر حدثه. وإِن شكَّ في إِقامة الإِمام وسفره لزمه الإِتمامُ على المذهب، وفيه قول: أنَّه لا يلزمه إِذا بان سفرُه وقَصْرُه، وهو وجه ذكره في "التَّقريب". وإِن شكَّ هل نوى إِمامُه المسافر القصرَ، فله القصرُ، إِذ يعسرُ الوقوفُ على نيَّته، بخلاف معرفة سفر الإِمام، فإِنَّ البحثَ عنها ممكن، ولأنَّ ذلك يؤدِّي إِلى منع الاقتداء في الأسفار، مع أنَّ الظَّاهر من حال المسافر القصرُ، فلا يضرُّ التردُّد مع الاعتماد على الظاهر؛ ولذلك لو أخرج الزكاةَ عن مال غائب على تقدير سلامته، أو نوى الصومَ ليلة الثلاثين من رمضان على تقدير أنَّه من رمضان، أو شكَّ المحدِثُ في الطهارة، فنوى رفعَ الحدث على تقديره،

стр. 546

ثمَّ ظهر ما قدَّره، فإِنَّ ذلك يجزئه، ولا يضرُّ تردُّده فيه، بخلاف ما لو زكَّى مالًا على تقدير أنَّه ورِثه، أو نوى صومَ الثلاثين من شعبان مقدِّرًا أنَّه من رمضان، فبان أنَّه من رمضان، أو شكَّ المتطهِّر في الحدث، فتوضَّأ، ثمَّ بان ما قدَّره، فلا يجزئه شيءٌ من ذلك. ٤٨٨ - فرع: لو اقتدى المسبوقُ بمسافر، فأخبره أنَّه قاصرٌ، فله القصر، وإِن ذكر أنَّه متمٌّ، فإن كان عدلًا لزم الإِتمامُ، وإِن كان مستورًا أو غيرَ موثوقٍ به فوجهان. ٤٨٩ - فرع: لو رَعَف إمامُ المسافرين فاستخلف مقيمًا، فالنصُّ وجوبُ الإِتمام على الراعف، وذلك محمولٌ على ما لو رجع واقتدى، ولذلك قال الشافعي: لأنَّه لم يُكمل واحدٌ منهم الصلاةَ حتى صار فيها في صلاة مقيم، وقيل: إِذا لم تبطل الصلاةُ بسبق الحدث لزم الإِتمامُ، وإِن لم يقتد بخليفته؛ لأنَّه اجتمع معه في صلاة واحدة، ولا يصحُّ هذا؛ لأنَّ الاستخلافَ باطل في القديم، وصلاةُ الراعف باطلة في الجديد. * * * ٤٩٠ - فصل في وجوب نيَّة القصر لا يجوز القصرُ إِلا بنيَّة مع الإِحرام، فإِن أطلق أو شك في ذلك لزمه الإِتمامُ، وإِن ذكر بعد ذلك أنَّه قاصر، سواء طالَ زمن الشكِّ أو قصر. وإِن اقتدى بقاصر، فنوى الإِمامُ الإِتمامَ، أو قام إِلى ثالثة، فظنَّه المأموم متمًّا فعلى الماموم الإِتمام، وإِن علم أنَّه قام إِليها سهوًا، فلا يلزمه الإِتمام،

стр. 547

فإِن أراد الإِتمامَ، فليس له أنَّ يقتديَ بالإِمام في سهوه؛ لأنَّه خطأ ليس محسوبًا من الصلاة، وكذلك لو أدرك المسبوقُ رابعةَ الإِمام، فسها بخامسة، فلا يتابعه فيها، وإِن فعل بطلت صلاتُه؛ كما لو اقتدى بمحدِث. ٤٩١ - فرع: لو سها القاصرُ بثالثة ورابعة، ثمَّ نوى صرفَهما إِلى الإِتمام لزمه الإِتمام، فيأتي بركعتين، ويسجد للسهو، ولا تنصرفُ الزيادة إِلى الإِتمام؛ إِذ لا ينقلبُ الخطا صوابًا. * * * ٤٩٢ - فصل في الإقامة في أثناء الصلاة ومهما وقع شيءٌ من الصلاة في الإِقامة تعيَّن الإِتمامُ، فإِذا انتهت السفينةُ إِلى الحَضَر وهو في الصلاة، وجب الإِتمامُ وإِن لم ينوِه، وكذلك لو نوى إمامُه المسافر الإِتمامَ، لزمه الإِتمامُ وإِن لم ينوه؛ لأنَّ نيَّةَ القصر تتضمَّن الإِتمامَ؛ لأنَّه الأصل، فكأنَّه نوى القصرَ ما لم يَعرِض موجبٌ للإِتمام، ولذلك (١) لو نوى الإِتمامَ في أثنائها لزم وإِن لم ينوه مع الإِحرام، وإن نوى القصرَ، ثمَّ أتى بالأربع ولم ينو الإِتمامَ بطلت صلاتُه، إِلا أنْ يسهوَ بذلك، فليسجد للسهو، وقد ذكر الإِمامُ مسائلَ رآها من غير نقل، وهي: إِذا نوى المقيمُ الظهرَ ركعتين ولم يقصد الترخُّص، فلا تصحُّ صلاتُه، وإِن قصد الترخُّص ففيه احتمالٌ من جهة أنَّ نيَّة الترخص تتضمَّنُ الإِتمامَ،

стр. 548

ويظهر أنَّ لا يصحَّ؛ لأنَّه غيرُ معذور في نيَّته، بخلاف ما لو نوى القصرَ ظانًّا أنَّه مسافر، ثمَّ بانت إِقامتُه، فإِنَّه يتمُّ على الصحَّة بلا خلاف. ولو نوى المسافر الجاهلُ برخصةِ القصرِ الظهرَ ركعتين، ففيه احتمال، وإِن علم الرخصةَ، فنوى ركعتين ولم يقصد الترخُّص، ولم ينفه، صحَّ، وإِن نفاه وجزم بالركعتين، ففيه احتمال. * * * ٤٩٣ - فصل في تغيير القصد في السفر إِذا قصد المسافر أنَّ يرجعَ إِلى وطنه؛ لشغل عرض له، فقد صار مقيمًا بمكانه، فلا يترخَّص ما لم يفارقْه سواءٌ جدَّد قصدَ الاستمرار على عزمه الأوَّل أم لا، فإِن رجع إِلى وطنه ترخَّص إِن طالت المسافة، وإِن قصُرت فلا يترخَّص حتى يخرجَ من وطنه، فيقصر حينئذ؛ فإِن أقام بعد خروجه بالمكان الذي رجع منه ترخَّص في مدَّة المسافر؛ لأنه لم يصِرْ بقصد الرجوع محلًّا للإقامة؛ مثال ذلك: لو قصد القدسَ من حمصَ فلمَّا صار بدمشقَ نوى الرجوع إِلى حمص أو التوجُّهَ إِلى صور، أو جدَّد قصدَه إِلى القدس، فلا يقصر بدمشقَ في مدَّة المسافرين، فإِذا فارقها إِلى إِحدى الجهات الثلاث، قَصَر؛ لطول المسافة، وإِن قصرت المسافةُ إِلى بعض الجهات دون بعض، قصر في طويل المسافة دون قصيرها (١). * * *

стр. 549

٤٩٤ - فصل فيمن مرَّ بوطنه في أثناء أسفاره نقل الصيدلانيُّ عن الشافعيِّ أنَّ المكِّيَّ لو خرج حاجًّا إِلى عرفة عازمًا على العود لطواف الوداع، والخروج إِلى سفر بعيد، فلا يقصر في حجِّه؛ لأنَّه ليس من سفره الذي قصده من مكَّة، ولو خرج إلى جُدَّةَ على أنَّ يعودَ إلى مكَّة، ويخرج إِلى سفر طويل قصر بجُدَّة في مدَّة المسافرين، وكذلك في ذهابه وإِيابه؛ لأنَّ مسيرتَها خمسون فرسخًا، وفي قصره بمكَّة في مدَّة المسافرين قولان يجريان في كلِّ عابر بوطنه في أثناء سفره، ولعلَّ الأقيسَ القصرُ، بِناءً على قصده؛ إِذ لو امتنع ذلك لوجب ألَّا يقصرَ عند خروجه منه إِذا قربت مسافتهُ من مقصده، وهذا وإِن كان قياسَ قولِ المنعِ فقد رأى الإِمام أنَّه لا سبيلَ إِلى التزامه ومهما بلغ السفر مرحلتين، فإِنَّه يقصر ذاهبًا وآيبًا، وظاهر نقل الصيدلانيِّ أنَّه يقصر بمقصده في مدَّة المسافرين، واستبعده الإِمام من جهة أنَّ سفره ينقطع على مقصده، فيكون إيابُه كسَفْرة جديدة؛ ولذلك لو كان سفرُه مرحلةً واحدة، فإِنَّه لا يقصر ذاهبًا ولا آيبًا، ولولا أنَّ الإِيابَ كابتداء السفر، لجاز له القصرُ؛ ضمًّا لمسافة الذهاب إِلى مرحلة الإِياب. ولا وجهَ لما ذكره الإِمامُ (١)؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ ترخَّص بمكَّة وعرفةَ، وهما مقصدُه وغايةُ سفره، وكذلك أبو بكر وعمر وعثمان صدرًا من خلافته، وإِنَّما ينقطع السفرُ بالوصول إِلى المقصد إِذا لم ينوِ تواصلَ السفر، بخلاف ما لو نوى التواصلَ. * * *

стр. 550

٤٩٥ - فصل في سفر المعصية وما لا غرضَ فيه الرخصُ ثابتة للعاصي في سفره، دون العاصي بسفره، كالآبِق والعاقِّ، ولا خلافَ في تناوله الأطعمة المباحة، وفي أكله الميتةَ، ومسحِه يومًا وليلة، وقضاءِ ما أدَّاه بالتيمُّم وجهان. ولو عصى بإِقامته، كالعبد يأمره سيِّده بالسفر، فيقيم بغير عُذْر ففي مسحه يومًا وليلة وجهان. ولو تحرَّك المقيمُ في معصية لو مسح خفَّيه لاستعان على حركته، احتُمل ألَّا يترخَّص. وإِن عصى ببقيَّة سفره، أو تاب ولم يغيِّر مقصدَه، فالاعتبار بقصده الأوَّل على النصِّ، وخرَّج ابن سُريج قولًا أنَّه يُجعل من حين غيَّرَ قصدَه كالمبتدئ بالسفر، وقطع به بعضُهم في صورة التوبة، ولا خلافَ في اعتبار قصده الطارئ في تبديل الجهة، أو تقصير السفر. ولا يُشترط كونُ السفر طاعةً، بل يكفي نفيُ المعصية بشرط الغرض الصحيح. فلا يترخَّص مَنْ يتنقل في البلاد لغير غرض معقول، وكذلك من لا يقصد إِلا رؤيةَ البلاد عند أبي محمَّد، وقد حرَّم الصيدلانيُّ إِتعابَ الأنفس والدوابِّ في سفر لا غرضَ فيه. ٤٩٦ - فرع: إِذا بَعُدت إِحدى طريقيه، وقَرُبت الأخرى، فكانت مرحلةً واحدة،

стр. 551

فسلك البُعدى لغرضٍ ظاهر من أمن أو سهولة، ترخَّص وإِن كانت طيبةً نَزِهةً فقد تردَّد فيها أبو محمَّد، ولعلَّ الظاهر الجوازُ، وإن لم يكن غرضٌ، فقولان، ظاهرُ المذهب المنعُ، وبه قطع بعضُهم، وحَمَلَ أحدَ النصَّين على وجود الغرض، والآخرَ على عدمه، وقد اتَّفقوا على أنَّ السفرَ لو كان مرحلةً، فطوَّله بذهابه يَمْنةً ويسرة لغير فائدة، فإنَّه لا يقصر، وقال الصيدلانيُّ: مَنْ رَكَض دابَّته لغير رياضة أو أدب، فقد عصا بإِيذائها. ٤٩٧ - فرع: لو ختن نفسَه؛ تعديًا، أو خلع قدمَه فصلَّى قاعدًا، أو استجهضت المرأة فنُفِست، فلا يجب قضاءُ الصلوات في الصور الثلاث على المذهب؛ لانقضاء المعصية، ولو أفطر يومًا من رمضان تعديًا (١)، ثم قضاه في السفر، ففي ترخُّصه بإِفطاره وجهان، ولو أفطر معذورًا لترخَّص. * * * ٤٩٨ - فصل في الجمع بعُذْر السفر يجوز الجمعُ بالسفر الطويل، وفي [السفر] (٢) القصير قولان، وجمع التقديم بعرفة، والتأخير بمزدلفة مُعلَّلٌ بالسفر، أو باشتغاله بالنُّسك؛ فيه وجهان، فإِن علَّلناه بالنسك، جاز لكلِّ ناسك حتى العَرَفي بعرفة، والمزدَلِفي بمزدلفة، وإِن علَّلناه بالسفر، جاز لكلِّ من طال سفره، وفيمن قصُر سفر

стр. 552

كالمكِّيِّ [بعرفة ومزدلفة] (١) والمزدلفيِّ بعرفة قولان، فلا يجمع العَرفيُّ بعرفة (٢)، ولا المزدلفيِّ بمزدلفة، وفي جمع أحدهما بوطن الآخرِ القولان، ولا تعلُّقَ للجمع بالصبح، بل يختصُّ بالظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء تقديمًا وتأخيرًا. * * * ٤٩٩ - فصل في جمع التقديم ويُشترط فيه الترتيبُ والموالاة بقَدْر الإِقامة ونيَّة الجمع، وخرجهما بعضُهم على الوجهين في نيَّة التمتُّع، ولا بأسَ بالكلام بينهما، وإِن نكسهما أو فرَّقهما بعذر أو غير عذر، بطلت العصرُ دون الظهر، وإِن رتَّبهما، ثمَّ بان فساد الظهر بطلت العصر اتفاقًا، ونصَّ على أنَّ النيَّة في جمع المطر مع إِحرام الأوَّل، وفي جمع السفر ما لم يتحلَّل منها، ففرق بعضُهم بأنَّ المطرَ لا يُشترط دوامُه، بخلاف السفر، والأصحُّ إِجراء قولين فيهما. وإِن جوَّزْنا التأخيرَ عن الإِحرام؛ فلو قُرنت النيَّة بالسلام فوجهان، وقد خُرِّج قولٌ ثالث أنّها تجزئ ما لم يتحرَّم بالعصر، ولا تجزئ مع إِحرام العصر، ولا يبعدُ جوازُ ذلك، ولا تجزئُ بعد التحرُّم بالعصر. * * *

стр. 553

٥٠٠ - فصل في جمع التأخير إِذا جمع تأخيرًا ففي وجوب الترتيب والوِلاء وجهان. فإِن لم نوجبْهما فلا تُشترط نيَّة الجمع وجهًا واحدًا، ولا تصيرُ الظهر مقضيَّةً على المذهب؛ بدليل أنَّه لا يجوز تأخيرُها عن وقت العصر، وأنَّ المعذورَ يدركها بإِدراك وقت العصر. فإِن أوجبنا الترتيبَ والوِلاء، فأخلَّ بهما، أجزأته العصر؛ لوقوعها في وقتها، وصارت الظهرُ قضاءً لا تقصر إِن منعنا قصرَ الفوائت، ولكنَّها تجزئه بنيَّة الأداء، وقال الإِمام: إِنْ فرَّقهما بعذر أجزأت بنيَّة الأداء، وإِن لم يكن عذرٌ، ففيه احتمال، وخصَّ الصيدلانيُّ الخلافَ بالترتيب، واختاره الإِمامُ من جهة أنَّ الظهر إِذا وقعت أداءً، فكيف تنقلب قضاءً إلا بطريق الوقف، بخلاف الإِخلال بالترتيب. فإن أوجبنا الترتيب دون الولاء، فلا تجب نيَّةُ الجمع، وإِن أوجبناهما وجبت، كما في جمع التقديم. والإِخلال بنيَّة الجمع كالإِخلال بالولاء. وإِذا جمعت العشاء إلى المغرب، وضيَّقنا وقتها، فيظهر أنَّ يلزمَه إِيقاعُهما فيما يحسب من وقت المغرب. * * * ٥٠١ - فصل في انقطاع السفر في أثناء الصلاة ومهما أقام أو انتهى إلى موضع الإِقامة في أثناء الظهر أو قبل الإِحرام

стр. 554

بالعصر، فلا يجمعُ تقديمًا، وفي أثناء العصر وجهان، ولا تضرُّ الإِقامةُ بعد الغروب، وكذلك بعد الفراغ من العصر إِن قلنا: لا تبطلها الإِقامةُ في أثنائها، فإن أبطلناها، فوجهان، ووجهُ الإِبطال: التشبيهُ بالزكاة المعجَّلة. * * * ٥٠٢ - فصل في الجمع بالمطر يجوز الجمعُ بالمطر في الحَضَر تقديمًا، وفي التأخير وجهان، وقيل: يجوز التأخيرُ، وفي التقديم وجهان، وقطع الصيدلانيُّ بجواز التقديم ومنع التأخير، وفيه قولٌ غريب أنَّه يختصُّ بجمع العشاء مع المغرب تقديمًا، وهو بعيد. ويُشترط وجودُ المطر عند الإِحرام بهما، ولا يُشترط عند التحلُّل من الأُولى، خلافًا لأبي زيد. ولا بأس بانقطاع المطر في أثناء الظهر أو العصر، وغلِط من ألحق انقطاعَه في أثناء العصر أو بعدها بطريان الإِقامة؛ إِذ لا بأسَ به في أثناء الظهر اتفاقًا. فإِنْ جَمَع في بيته، أو كان طريقُه إِلى المسجد في كِنٍّ، أو كان طريقُه مكشوفًا، فجمعوا في المسجد فُرادى، لم يجز على الأظهر؛ لأنَّ سببَ الجمع إِنَّما هو الاقتداء، وعلى المؤخِّر في السفر أو المطر أنَّ يقصدَ بتأخيره الجمعَ، فإن خالف فقد عصى، وتصير الأُولى قضاءً، وقال الإِمام: إِذا لم يشرط نيّة الجمع عند الصلاة، فلا يبعد أنَّ يجوزَ التأخيرُ بنفس السفر، وأن

стр. 555

يصيرَ الوقتُ مشترَكًا. ولا يجمع بالوَحْل، وفي الثلج اختلافٌ. * * *

стр. 556

كتاب الجمعة

стр. 557

كتاب الجمعة ٥٠٣ - أجمع المسلمون على وجوب الجمعة، ويجبُ على أهل المصر وإِن كثروا بحيث لا يبلغهم النداء . وإِن اشتملت قريةٌ على أربعين كامِلِين لزمتهم الجمعةُ، والأَوْلى أن يُجَمِّعوا بالقرية، وإِن جمَّعوا بالمصر جاز، وإِن نَقَصوا عن الأربعين، فلا يلزمُهم إِلا أنَّ يبلُغهم النداء، فإِذا بلغهم أو بلغ واحدًا منهم لزمتهم الجمعةُ. واعتبارُ النداء بأن يفرضَ رجل يُعدُّ (١) صَيِّتًا في العُرْف ينادي بالليل مع هدوء الأصوات، ورُكود الرياح، ويقف على طرف البلد الذي يلي القريةَ، وغلط من قال: يقفُ في وسطها؛ لأنَّها قد تتَّسع بحيث لا يبلغ مَن بأقطارها فضلًا عمَّن خرج عنها، ولا عبرةَ بسماع مَنْ جاوز سماعُه العادةَ في الحارة. وإِن استوت مسافةُ قريتين، فلم تسمع إحداهما؛ لكونها في وَهْدة لزمتها الجمعة عند أبي محمَّد. * * *

стр. 558

٥٠٤ - فصل في بيان مكان الجمعة شرائطُ الجمعة خمسة: دار الإِقامة، والعدد، والجماعة، والوقت، والخُطبتان. فأما دار الإِقامة: فكلُّ بناء لا يُنقل في العادة، وإِن كان من سَعَف وخشب وجريد، فلا تصحُّ في الخيام والأخبية، ولا في الموضع الذي يترخَّص المسافر بالبروز إِليه، ولا يُشترط الكِنُّ، فلو أُقيمت في عَرْصة معدودة من خِطَّة البلد، جاز. * * * ٥٠٥ - فصل في صفة مَنْ تنعقد بهم الجمعة ولا تنعقدُ الجمعة إِلا بأربعين ذكور، أحرار، مُكلَّفين، مقيمين بالمكان، لا يظعنون عنه شتاءً ولا صيفًا إِلا لحاجة تعرض، فإِن اعتادوا الانتقال في الشتاء أو الصيف [إِلى موضع آخر] (١)، فلا تنعقدُ بهم الجمعةُ، ويُشترط استماعُهم لجميع أركان الخُطبة، وأن يَتحرَّموا بالصلاة قولًا واحدًا، ولا يُشترط أنَّ يكونَ الإِمامُ زائدًا على الأربعين على أظهر الوجهين، وحُكي قولٌ قديم أنَّها تنعقد باثنين مع الإِمام، [وردَّه الأكثرون] (٢). * * *

стр. 559

٥٠٦ - فصل في الانفضاض في الخطبة ولا يُعتدُّ بالخطبة ما لم يَسمع أركانَها الأربعون؛ فإِن انفضُّوا أو نَقَصوا، فأتى بركن في غيبتهم، فلا يُعتدُّ به قولًا واحدًا، وإِن لم يأتِ بركن بنى إِن عادوا قريبًا، وإن بَعُدَ عودُهم، أو أطال السكوتَ بحضرتهم، أو غابوا بعدَ الخطبتين وقبل الصلاة، ففي البطلان قولان مبنيَّان على وجوب الولاء؛ فإِن كان ذلك بعد الخُطبتين بطلتا إِن شَرَطْنا الولاءَ، فإِن أعادهما فذاك، وهل يلزمه إِعادتُهما؟ [فيه] (١) وجهان. * * * ٥٠٧ - فصل [في الانفضاض في الصلاة] (٢) ويُشترط أنَّ يُحرِمَ بالصلاة أربعون كاملون قد سمعوا الخطبةَ، فإِن انفضَّ مَنْ سمع، وأحرم بها من لم يسمع، فلا تصحُّ بلا خلاف، وإِن أحرم بها السامعون، ثم انفضوا أو نقصوا، فأربعة أقوال: أحدها: لا يصحُّ، ويشترط بقاء العدد في جميعها؛ اعتبارًا بالوقت. والثاني -وهو مخرج-: يكفي بقاء الإِمام وحدَه. والثالث: يكفي أنَّ يبقى معه اثنان. والرابع: يكفي أنَّ يبقى معه واحد. وقال المزنيُّ: إِن انفضُّوا أو نَقَصوا في الأولى بطلت الجمعةُ، وفي

стр. 560

الثانية لا تبطل وإِن بقي الإِمام وحدَه؛ اعتبارًا بالمسبوق، فعدَّه المعظمُ قولًا خامسًا مخرَّجًا، وأباه بعضُهم، وفُرِّق بأنَّ المسبوقَ تابعٌ لمن صحَّت جمعتُه، والإِمام هاهنا يصير تبعًا لمن لم تصحَّ جمعتهُ، فإن شرطنا بقاءَ العدد، فلم ينفضَّ السامعون حتَّى أحرم أربعون لم يسمعوا الخطبة، فلا تبطل الجمعة؛ لأنَّهم لمَّا تبعوهم ثبت لهم حكمُهم، ولا يمتنع أنَّ يُشترطَ بقاء أربعين من السامعين، وإِن جوَّزنا أنَّ يبقى معه واحد أو اثنان، فلابدَّ من كمالهما على الظاهر، وفي العبد والمسافر احتمالٌ ذكره صاحب "التقريب". * * * ٥٠٨ - [فصل في تأخُّر إِحرام الجماعة عن إِحرام الإمام] (١) شرط القفَّال (في ذلك أنَّ يُدركوه في الركوع) (٢)، فإِن أدركوه في اعتداله لم تصحَّ الجمعة، وشرط أبو محمَّد أنَّ لا يتأخروا عن إِحرامه بما يعد فصلًا طويلًا، وشرط الإِمام ألَّا يتأخَّروا إِلى حدٍّ يسقط عنهم شيءٌ من قراءة الفاتحة؛ لأنَّ ذلك من أحكام المسبوقين. * * * ٥٠٩ - فصل في الزِّحام [عن سجود الركعة الأولى] (٣) إِذا زُحِم عن سجود الصلاة، فله قطعُ القدوة عند الصيدلانيِّ، وفرَّق

стр. 561

الإمامُ بين الجمعة وغيرها من جهة وجوب الاقتداء في الجمعة، ولعلَّ ذلك مرادُ الصيدلانيِّ، فإِذا زحم عن سجود الركعة الأولى، وكان بمكان عالٍ يمكنه أنَّ يضعَ جبهته على ظهر إِنسان ويأتيَ بالهيئة المشروطة في السجود، فعل ذلك، والتخلُّف بعذر الزحمة لا يقطعُ القدوةَ على الإِطلاق بالاتفاق، وإِن لم يمكنه ذلك فيصبرُ حتَّى يزولَ الزِّحام، أو يومئ بما يقدِر عليه، أو يتخير بين الإِيماء والصبر؟ فيه ثلاثة أوجه، والمذهب أنَّه يصبر، ثم ينقسم أمره إِلى قسمين: القسم الأوَّل: أن يتمكَّن من السجود قبل ركوع الإِمام في الثانية، فله عند فراغه من السجود سبعةُ أحوال: الحال الأولى: أنَّ يدرك الإِمامَ قائمًا، فيقرأ الفاتحة، ويركع معه، فقد تمت جمعتُه، ويعذر في تخلُّفه بالاتِّفاق. الحالُ الثانية: أنَّ يدركَه راكعًا، فيركع متابعًا كالمسبوق، أو يقرأ مرتِّبًا لصلاة نفسه؟ فيه وجهان؛ فإِن قلنا: يقرأ، فلا يقطع القدوة، بل يرتِّب صلاة نفسه عازمًا على لُحوق الإِمام، وهو في قدوة حكميَّة لو سها تحمَّله الإِمام. الحال الثالثة: أنَّ يدركَه قائمًا، ولا يتمكَّن من إِتمام الفاتحة، فإِن قلنا: يقرأ لو أدركه راكعًا، فليقرأ هاهنا، وإِن قلنا: يركع ثَمَّ، ففي ركوعه هاهنا خلافٌ مرتَّب على المسبوق إِذا أدرك بعضَ الفاتحة؛ فإن راعينا ترتيبَ الصلاة، فالوجه الاقتصار على الفرائض؛ ليدرك الإِمام، ويحتمل أنَّ يأتيَ بالمتوسِّط من السنن كما قلنا في المسبوق إِذا اشتغل بالافتتاح والتعوُّذ. الحال الرابعة: أنَّ يدركَه فيما بعد الركوع، ففيه طريقان، المشهورُ

стр. 562

بناءُ ذلك على الخلاف في المتابعة والترتيب؛ فإِن قلنا: يتابع، فلا يُحسب له ما يتابع فيه كالمسبوق، ويأتي بركعة بعد سلام الإِمام، وقد تمَّت جمعته، وإِن قلنا: يرتِّب صلاتَه، فوافق، فقد أدرك الركعة الثانية أيضًا. والطريقة الثانية: تتعيَّن متابعةُ الإِمام؛ إِذ لو رتَّب لطال تخلُّفُه، بخلاف ما لو أدركه في الركوع، وعلى هذه الطريقة لو لم يتمكَّن من السجود ولا من المتابعة في الركوع حتَّى اعتدل الإِمام عن الركوع، فقد فاتته الجمعةُ وإِن سجد عن الأولى؛ لإِفراط تخلُّفه. الحال الخامسة: أنَّ يتحلَّل الإِمام عَقيب سجوده، فعلى قول المعظم يأتي بركعة أخرى؛ إِكمالًا لجمعته، وهل يكون في هذه الركعة في قدوة حكميَّة؟ فيه وجهان، ولا وجهَ لذلك؛ إِذ كيف يُقدَّر الاقتداء بمن ليس في الصلاة؟ ! الحال السادسة: أن يدرك الإِمامَ وقد سلَّم قبل أنَّ يرفعَ المزحومُ رأسَه من السجود، فلا تحصل له الجمعةُ، ولا تثبت هاهنا قدوة حكميَّة؛ لأنَّ مَنْ أثبتها جعلها تبعًا لركعة تامَّة، بخلاف ما هاهنا. الحال السابعة: أن يرفعَ عن السجدتين، فيسلِّم الإِمام قبل اعتداله، فالظاهر الإِدراك، وفيه احتمال. القسم الثاني: ألا يتمكنَ من السجود حتَّى يركعَ الإِمام في الثانية، فهل يسجد رعاية للترتيب، أو يركع؛ لئلا يَطُول تخلُّفه؟ فيه قولان منصوصان؛ فإِن قلنا: يركع، فوافق وأتى بالركعة الثانية مع الإِمام، فبأيِّ ركوعيه يُحتَسَب؟ فيه وجهان؛ فإِن حَسَبْنا الثانيَ، فليُكمِل جمعتَه بركعة أخرى، وإِن حسبنا

стр. 563

الأوَّلَ فقد تلفَّقت ركعتُه، والأصحُّ أنَّ الجمعة تُدرك بالملفَّقة. فإِن قلنا: لا تدرك بالملفَّقة، فهل تحصل له ركعةٌ من الظهر؟ فيه قولان مبنيَّان على القولين في أنَّ الجمعة ظهرٌ مقصورة، أم فرضٌ على حيالها؟ فإِن قلنا: لا تحصل ركعة من الظهر، فهل تبطل صلاتُه أو تنقلب نفلًا؟ فيه قولان معروفان، هكذا رتَّبه الأصحابُ، واستدرك عليهم الإِمامُ تفريعَ البطلان من جهة أنَّ الأمرَ بما قُصَاراه الفسادُ مُحالٌ، فلا يجوز التفريعُ إِلا على الأوجه المقتضية للصحَّة، وحاصلها ثلاثة أوجه: أصحُّها: إِدراكُ الجمُعَة إِمَّا للاحتساب بالركوع الثاني، أو للإِدراك بالملفَّقة. والثاني: تحصل ركعةٌ من الظهر؛ بناءً على منع التلفيق، وعلى أنَّ الجمعةَ ظهرٌ مقصورة. والثالث: تحصل ركعةٌ من النفل. * * * ٥١٠ - فصل إِذا أمرناه بالركوع، فسجد جاهلًا، فلا يُعتدُّ بسجوده، فإِذا فرغ منه فله أحوال: [الحال] (١) الأولى: أنَّ يُدرك الإِمامَ في الركوع فيركعَ معه، فحكمه حكمُ ما لو أمرناه بالركوع فركع.

стр. 564

[الحال] (١) الثانية: ألَّا يدرك الركوعَ، فيقوم ويقرأ، ويركع ويسجد، فإنَّا نَحسِب له هذه السجدةَ وقد تلفَّقتْ ركعته، وقدوته فيها حكميَّة؛ فإِن قلنا: تُدرك الجمعة بالملفَّقة، ففي إِدراكها بالقدوة الحكميَّة وجهان يختصَّان بما يقع من القدوة الحكميَّة بعد فوات الركوع دون ما قبله، والفرق بينهما طول التخلُّف وإِفراطه، فإِن قلنا: لا تُدرك الجمعة، ففي إِدراك ركعة من الظهر القولان، فإِن قلنا: لا تدرك، ففي بطلانها وانقلابها نفلًا قولان، ولا يبعد البطلانُ هاهنا؛ لمخالفته وإِن كان جاهلًا. فالحاصل إِذن أربعة أوجه: إِدراك ركعة من الجمعة، أو الظهر، أو النفل، أو البطلان. [الحال] (٢) الثالثة: أنَّ يدركه معتدلًا عن الركوع؛ فإِنَّه يتابعه وجهًا واحدًا، ولا يسلك الترتيبَ بحال، فإِذا سجد معه، فقدوته حقيقيَّة، لكنَّ ركعته ملفَّقة، ففيها الوجهان. * * * ٥١١ - فصل إِذا أمرناه بالركوع، فسجد عالمًا بالمنع مُستديمًا لنيَّة القدوة، بطلت صلاتُه، وإِن قطع القدوة، ففي بطلان صلاته قولان؛ فإِن قلنا: لا تبطل، بُني على القولين في صحَّة الظهر بنيَّة الجمعة، فإِن قلنا: تصحُّ، بُني على

стр. 565

القولين في صحة الظهر قبل فوات الجمعة، فإن فرَّعنا على أقوال الصحَّة في هذه الصور، ففيما تحصَّل له قولان: أحدهما: ركعةٌ من الظهر. والثاني: ركعةٌ من النفل. * * * ٥١٢ - فصل إِذا أمرناه بالسجود، فوافق، فقدوته حكميَّة، ففي الإِدراك بها الوجهان (١)، فإِن قلنا: يدرك، فسجد، فله حالان: الأولى: أن يدرك الإِمامَ رافعًا عن الركوع أو متشهِّدًا، فيلزمه الترتيبُ في الركعة الثانية، وقيل: يتابع، ثمَّ يأتي بركعة بعد تحلُّل الإِمام. الحال الثانية: أن يدركَه راكعًا؛ فإِن قلنا: يتابعه في الاعتدال، ففي الركوع أَولى، وإِن قلنا: لا يتابعه في الاعتدال، ففي الركوع وجهان؛ لأنَّه إِذا تابع في الركوع، حُسب له كما يُحسَب للمسبوق، ولم يكن ذلك إِخلالًا بالترتيب، وإِلا ظهر في الاعتدال أنَّه يشتغل بالترتيب. * * * ٥١٣ - فصل إِذا أمرناه بالسجود، فركع عالمًا بالمنع بطلت صلاتُه، وإن كان جاهلًا
следующие страницы →