← Фикх шафии

Фикх шафии · id 127703

الغاية في اختصار النهاية

عز الدين بن عبد السلام

Полный текст (3 327 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

فالمذهب أنَّه يبني على صلاته، ونصَّ الشافعيُّ على الاستئناف، وهو محمولٌ على ما لو ركب قبل تحقُّق الحاجة، وقال بعضُهم: تبطل إِن كثر فعلُه، وردَّه الإِمام؛ فإِنَّ الفعلَ الكثير يُحتمل لأجل الخوف، وقال بعضُهم: تبطل وإِن قلَّ عملُه؛ لأنَّ الركوبَ مخالِفٌ لهيئات الصلاة، وقد التزَمَها تامَّة بشروعه فيها، وهو باطل بالمرض في أثناء الصلاة، وإِن أمن الراكبُ، فَنَزَل، بنى إِن قلَّ فعله، وإِن كثر لأجل النزول، فوجهان. ٥٦٤ - فرع: لو جلسوا في مَكْمَنٍ لو قاموا فيه لرآهم العدوُّ، وفسد كيدُهم وتدبيرهم، فقد أجاز بعضُهم أن يصلُّوا قعودًا؛ لأنَّ ذلك لا يندر في مكايد القتال. * * *

стр. 597

٥٦٥ - باب من له أن يصليَ صلاةَ الخوف كلُّ من خاف سببًا مهلِكًا؛ كالغرق والحَرْقِ والقتال الواجب والمباح، فله أن يصلِّيَ صلَاةَ الخوف، ولا إِعادةَ عليه، ولا يجوز في قتالِ محرَّم، ويجوز في مباحِ الهزيمةِ دون محرَّمِها. ولو انهزم العدوُّ، وعلِمنا أنَّا لو أتْمَمْنا الصلاة لَفاتونا، فلا نصلِّي في آثارهم؛ إِذ لا خوفَ، ولو هرب المعسرُ خوفًا من الحبس، أو الجاني رجاءَ العفوِ، فلهما صلاة الخوف، واستبعده الإِمام في الجاني؛ لفراره من حقٍّ لازم، بخلاف المعسِر، وحيث عَذَرْنا الجانيَ بذلك، فلا يستمرُّ عذرُه على التأبيد، ولعلَّه يجوز في مدَّةٍ يفتر في مثلها غليلُ الطالب. ولو غشيه سيلٌ لو صلَّى متمكِّنًا لأنقذ نفسَه دون ماله، ولو صلَّى مسرعًا لخلَّص نفسَه وماله، فله أن يصلِّيَ صلاةَ الخوف على أصحِّ القولين؛ لإِنقاذ ماله. ويجوز القتالُ في الذبِّ عن المال، وخُرِّج فيه قولٌ من مسألة السيل: أنَّه لا يجوز بالقتل، ولا بما يؤدِّي إِليه، وقال المحقِّقون: لا خلافَ في جواز الذبِّ ولو بالقتل، وإِنَّما الخلافُ في الإِيماء بالصلاة؛ لأنَّ حرمتَها باقيةٌ وإِن سقطت حرمةُ الصائل، وفيه نظر؛ لأنَّ حرمةَ المصول عليه باقيةٌ،

стр. 598

وقد غرَّر بنفسه في دفعه. ٥٦٦ - فرع: إِذا خاف الحاجُّ إِن قَصَد عرفةَ أن تفوتَه العشاءُ، وإِن صلَّاها أن تفوتَه عرفةُ، فهل يصلِّيها أو يأتي عرفةَ؟ فيه احتمالاتٌ ذكرها القفَّال: أحدها: يصلِّي. والثاني: يأتي عرفة. وقيل: يصلِّي ماشيًا صلاةَ خوف فوت الحجِّ، وهو أَوْجَهُ الاحتمالات. ٥٦٧ - فرع: لو خشي أمرًا لو تحقَّق لأجاز صلاةَ الخوف، فصلَّى لأجله، ثمَّ ظهر خلاف ظنِّه، ففي بطلان صلاته قولان، ولعلَّ أصحَّهما البطلانُ؛ كمن رأى سوادَ إِبلٍ، فظنَّه عدوًّا، أو كان بينه وبين العدوِّ حِصْن يتحصَّن به، أو وادٍ، أو نهرٌ لا يخيض، فلم يره، ثم ظهر له بعد ذلك، ففيه القولان. * * * ٥٦٨ - فصل في صلاة الخوف في دفع الصِّيال إن صال (١) عليه مسلم في نفسه، ففي وجوب دفعه قولان، خصَّهما أبو محمَّد بالمكلَّف الذي يبوء بالإِثم، وأوجب دفعَ الصبيِّ والمجنون، وأجراهما الإِمام على القولين. ويجب دفعُ السبع والكافر حربيًّا كان أو ذميًّا.

стр. 599

وحيث جوَّزنا الاستسلامَ، فلا يجوز إِذا أمكنه الهربُ أو التحصُّن بحصن؛ فإِن أمكنه ذلك، فأبى إِلا مصادمةَ الصائل، لم يجز ذلك عند الإِمام؛ لأنَّه لو هرب لتخلَّص وخلَّص الصائل، ولم يَفُتْه شيء، بخلاف الذبِّ عن المال. وحيث أوجبنا الدفعَ، أو جوَّزنا الاستسلام، فله أن يصلِّي صلاةَ الخوف. وذبُّه عن الحرم وعن دم غيره كَذبِّه عن دم نفسه في جميع ما ذكرت. * * *

стр. 600

٥٦٩ - باب ما له لبسه وما ليس له لبسُ الحرير وافتراشُه حرامٌ على الرجال دون النساء، وحرَّم عليهنَّ أبو محمَّد افتراشَه؛ لأنه سَرَف (١) مجاوِزٌ للحدِّ، فأشبه أوانيَ الذهب. ويجوز أن يلبَسَه الصبيان، ومال أبو محمَّد إِلى منعه. والقزُّ من الحرير بالاتِّفاق، وإِن نسُج الحريرُ مع غيره حَرُم إِن غَلَب، ولم يحرُم إِن غُلِب، وإِن استويا فوجهان. وفيما تعتبر به الغلبةُ طريقان: أصحُّهما: بالظهور، فيحلُّ الخزُّ الذي سَداه أبريسم؛ لأنَّه لا يظهر، ويحرم العتَابي؛ لظهور إبرَيْسَمِه. والطريقة الثانية: أنَّ الاعتبارَ بالوزن والمقدار، ولو حشى جبَّته بالحرير، فلا بأس، وإِن بطَّنها به، لم يجز، وإِن جُعل بين البطانة والظهارة حريرٌ منسوج، جاز على الظاهر من كلامهم، وفيه احتمال، وكان لرسول الله ﷺ فَرُّوج حرير (٢)، وفسَّره أبو محمَّد بالمُطَرَّفِ بالحرير؛ كالفِراء وغيرها، وجوَّز

стр. 601

التطريفَ المعتاد، فإِن انتهى إِلى السرف حَرُم، ولهذا التفاتٌ على تضبيب الإِناء إِلا أنَّ الحاجةَ لا تعتبر هاهنا؛ لأنّ أمرَ الحرير أهونُ، وإِن جاوز العادةَ في التطريف، ولم ينته إِلى السرف المحرَّم فقد تردَّد فيه الإِمام؛ لتردُّده في أنَّ الغالبَ على الحرير التحريمُ إِلى أن يظهرَ المحلِّل، أو التحليلُ إِلى أن يظهر المحرِّم، ويدلُّ على غلبة التحريم قولُه ﵇ في الذهب والحرير: "هما حرامان على ذكور أمتي" (١). ٥٧٠ - فرع: يجوز لبسُ الحرير للحِكَّة في السفر، وفي الحضر خلافٌ.

стр. 602

٥٧١ - فرع: لو فاجأته الحربُ، فلم يجد إِلا الحريرَ، فلا بأس بلُبْسه. * * * ٥٧٢ - فصل في لبس الجلود النجسة، واستعمال النجاسات في الأرض وغيرها لبس جلد الكلب والخنزير وإِلباسُهما الخيلَ حرامٌ، وفيما عداهما من الجلود النجسةِ الأعيانِ خلافٌ. ولو ألبس كلبًا جلدَ كلب، جاز على الظاهر، وفيه نظر؛ لما في ذلك من اقتنائه وملابسته، وقال الصيدلانيُّ: ملابسةُ النجاسة لغير حاجة حرامٌ، وأجاز أبو محمَّد لبسَ الثوب النجس، ودلَّ كلامُ الصيدلانيِّ على أنَّ استعمالَ النجاسة في البدن لا يجوز في حال الاختيار، وفي غير البدن؛ كالاستصباح بالزيت النجس وجهان، ولا خلاف في جواز تزبيل الأرض؛ لأجل الحاجة (١)، ولا يُشترط في ذلك الضرورةُ؛ لأنَّ الناسَ لم يزالوا على ذلك، وقد نقل عن الصحابة. * * *

стр. 603

كتاب صلاة العيد

стр. 604

كتاب صلاة العيد ٥٧٣ - صلاةُ العيد مُجمَع عليها، وهي سنَّة أو فرضُ كفاية؟ فيه خلافٌ يجري في كلِّ شِعار ظاهر في الإسلام، والمُعْظَم على أنَّها سُنَّة، فإِنْ فرضناها، فالقتال على تركها كالقتال على ترك الأذان، ولا يُشترط فيها شرائطُ الجمعة، فتصحُّ من المنفرد والمسافر والنساء في الخُدور، وشَرَط فيها في القديم شرائطَ الجمعة؛ من كمال الأربعين ودار الإِقامة والجماعة، إِلا أنَّها تجوز خارجَ المصر، وقال أبو محمَّد: لا نجري على القديم إِلا حيث تقام الجمعة، وهذا عِناد لما عليه الناس (١). الغسلُ للعيد سنَّة، فإِن أجزناه قبل الفجر، فجميعُ الليلة وقتٌ له، ولا يبعد أن يُقرَّبَ بقريب أذان الصبح. * * * ٥٧٤ - فصل في التكبير المرسل ليلتي العيدين التكبيرُ ينقسمُ إِلى مرسَل ومقيَّد بأدبار الصلوات؛ والمرسل مستحبٌّ ليلتي العيدين من غروب الشمس إِلى تحرُّم الإِمام بصلاة العيد على الأصحِّ، وذكر بعضُهم نصَّين آخَرين: أحدهما: إِلى خروج الإِمام. والثاني: إِلى

стр. 605

تحلُّله من الصلاة، ويظهر هذا في حقِّ مَنْ ليس في الصلاة إِلا أنَّه لا يرفع صوتَه بحيث يلتبسُ على السامعين أنَّه مِنْ تكبيرات الصلاة. ويُستحبُّ رفعُ الصوت بالتكبير في المساجد والطرق، والحضر والسفر، وفي استحباب التقييد في عيد الفطر، والإِرسال في أيام التشريق في الطرق وجهان. * * * ٥٧٥ - فصل في موضع صلاة العيد وتصلَّى بمكَّة في المسجد الحرام، ويُتَّبع الأرفقُ فيما عداه؛ فإِن كان عذرٌ؛ كالمطر صلَّوا في المسجد، وإِن انتفت الأعذار، وضاق بهم المسجد صلَّوا في الصحراء، وإِن اتَّسع المسجد، وانتفت الأعذار، ففي الأَولى وجهان. ٥٧٦ - المشيُ إِلى الصلاة: ينبغي للإِمام وغيرِه أن يمشوا إِلى المصلَّى، ويُبكِّر في الأضحى؛ لأجل تفريق الضحايا، ويَتأخَّر في الفطر قليلًا؛ ليُخرجَ الفطرة، ويسبقه الناس؛ فإِذا حضر نُودي: الصلاة جامعة، ويحرم بالصلاة كما حضر، ولا ينتظر أحدًا، ووقتُها من طلوع الشمس إِلى زوالها. * * * ٥٧٧ - فصل في صفة صلاة العيد أقلُّها ركعتان مع تعيينها في النيَّة، وأكملُها أن تعقبَ دعاءَ الاستفتاح

стр. 606

بسبع تكبيرات يرفع معهنَّ يديه، ويفرِّق بينهنَّ بقدْرِ آيةٍ مقتصدة، ويقول: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إِله إلا الله، والله أكبر)، ثمَّ يتعوَّذ ويقرأ الفاتحةَ و (سورة قاف)، فإِذا قام إِلى الثانية، عقَّب قيامَه بالتسبيح، ثمَّ كبَّر خمسًا يفرق بينهنَّ بالتسبيح، كما تقدَّم، ثمَّ يقرأ الفاتحة و (اقتربت الساعة). * * * ٥٧٨ - فصل في نسيان التكبير إِذا نسي التكبيرَ، ثمَّ ذكره بعد القراءة وقبل الركوع، فإِنَّه يتداركه على القديم دون الجديد، وإِن نسي الاستفتاحَ حتَّى أتى بالتكبيرات أو بعضها، فقد خرَّجه بعضُهم على القولين، وقيل: لا يستدرك قولًا واحدًا؛ فإِن قلنا: لا يتدارك، فخالف، فهذا مبنيٌّ على أنَّ من نَقَل ركنًا قوليًّا، ففي سجوده للسهو وجهان، وإِن نقل بعضًا؛ كالقنوت، فوجهان مرتَّبان، وإِن نقل ذِكرًا موظَّفًا ليس بركْن ولا بَعْض؛ كقراءة السورة في التشهُّد، وتدارك التكبيرات، والافتتاح إِذا قلنا: لا يشرع تداركهما، فوجهان مرتَّبان، وأَولى بالا يسجدَ؛ لأنَّه لو تركه لم يسجد لتَرْكِه، فكذلك لا يسجدُ لنقله، وإِن أتى بذكر غيرِ مشروع؛ كالدعاء بعد القراءة، وقبل الركوع، فلا يتعلَّق به سجود. * * * ٥٧٩ - فصل في خُطبتي العيد السنَّة أن يخطبَ بعد الصلاة خطبتين، فإِن قدَّمهما على الوقت، لم تجزه، وإِن قدَّمهما على الصلاة، كُره، وفي إِجزائهما احتمال، وإِذا انتهى

стр. 607

إِلى مجلسه من المِنبر، أقبل على الناس مسلِّمًا، وردُّوا ﵇، ويجلس قبل الخطبتين وفيما بينهما بقَدْر جَلسته لخطبتي الجمعة، وقال أبو إسحاق: لا يجلس قبلهما، ثمَّ يكبِّر تسعًا قبل شروعه في الأولى، وسبعًا قبل شروعه في الثانية، روي ذلك عن ابن مسعود (١). وقال العراقيّون: لو والى بين التكبيرات. في صدر الخطبة، أو خلَّلهنَّ بأذكار ليست من الخطبة، جاز. ٥٨٠ - التنفُّل قبل صلاة العيد: إِذا ارتفعت الشمسُ جاز التنفُّل، وليس الموضعُ بمسجد حتَّى يشرع تحيَّته، ولا يتفرغ الإِمام لذلك؛ لأنَّه يحرم بالصلاة عقيبَ وُصوله، ويُعقِب الصلاة بالخطبة، وينصرف عَقيب الخطبة، ولا يعرِّج على شيء. ٥٨١ - حضور العجائز: استحبَّ الشافعيُّ حضورَ العجائز غيرِ ذوات الهيئة، وكُنَّ يحضُرن في زمن رسول الله -صلي الله عليه وسلم-، متلفِّعات بجلابيبَ لا يشتهرن، وكان فيهنَّ بقية (٢). قال الشيخ: يكره لهنَّ اليومَ الخروجُ؛ لنهي عائشةَ عن ذلك، وقولها: لو عاش رسول الله إِلى زماننا لمنعهنَّ الخروجَ (٣).

стр. 608

٥٨٢ - الرجوع من غير الطريق الذي خرج فيه: كان رسولُ الله ﷺ يخرج من طريق، ويرجع من أخرى؛ حذرًا من المنافقين، أو لينالَ بركتُه الطريقين، أو ليُستفتى فيهما، أو لعلَّه كان يخرج في الأطول؛ ليكثِّر خُطاه إِلى الصلاة، فمن وُجد فيه معنىً من ذلك، فليقتدِ برسول الله، وإِن لم يوجد شيء من ذلك فوجهان؛ اعتبارًا بالرَّمَل. ٥٨٣ - استخلاف من يصلِّي بالضعفاء: يجوز العيدُ في جماعات متفرِّقة، ولكن يمنعهم الإِمامُ من ذلك؛ ليجتمعوا بمكان واحد؛ فإِن كان فيهم ضعفاءُ، فحسنٌ أن يستخلفَ من يصلِّي بهم في مسجد أو غيره، وعلى القديم لا يجوزُ جماعتان، ولو وقعتا لكان حكمُهما حكمَ الجمعتين إِذا عُقِدتا. * * *

стр. 609

٥٨٤ - باب التكبير لا خلافَ أنَّ الحاجَّ يبتدئون بالتكبير المقيد عَقيب صلاة الظهر يومَ النحر، ويختمون بالصبح آخِرَ أيام التشريق، وفي غيرهم نصوصٌ: أحدُها وهو ظاهر المذهب: أنَّهم كالحاجِّ. والثاني: يبتدئون بالصبح يوم عرفة، ويختمون بالعصر آخرَ أيام التشريق. والثالث: يبتدئون بالمغرب ليلة العيد، ولم يتعرَّض للختم. فقيل: النصوصُ أقوال، وقيل: النصَّان الأخيران حكايةٌ لمذهب الغير. * * * ٥٨٥ - فصل في صفة التكبير ينبغي أن يكبرَ ثلاثًا نسقًا؛ فإِنْ مَحَضَ التكبيرَ (١)، أو عَقَّبه بالتسبيح والتَّهليل جاز، وأبعد من قال: التمحيضُ أولى (٢)؛ إِذ نصُّ الشافعيِّ ﵀ على أنَّه يقول بعد الثلاث: " [الله أكبر] (٣) كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله

стр. 610

بكرةً وأصيلًا، لا إِله إلا الله وحده، لا شريكَ له (١) مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، لا إِله إِلا الله وحده، صدق وعدَه، ونصر عبده، وهزم الأحزابَ وحده، لا إِله إِلا الله، والله أكبر". وقال في القديم: يقول: الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، الله أكبر على ما هدانا، والحمدُ لله على ما أبلانا وأولانا. وتمحيضُ التلبية وتكريرُها أَولى من الأذكار، والفرقُ أنَّ التلبيةَ مأمور بها على الدوام، بخلاف التكبيرُ؛ فإِنَّه لا يُؤْثَر أن يزيدَ في أثَر الصلاة على الثلاث. * * * ٥٨٦ - فصل فيما يُكبَّر عَقِيبَه من الصلوات التكبيرُ عَقيب فرائضِ هذه الأيَّام مشروعٌ للإِمام والمأموم والمنفرد، وفي النوافل والمنذورات قولان. وإِن قضى صلواتِ هذه الأيَّام في غيرها، فلا يكبِّر بالاتِّفاق، وإِن قضاها فيها كبَّر، والتكبيرُ قضاءٌ أو أداء؟ فيه خلافٌ تظهر فائدتُه في قضاء صلواتِ غيرِها فيها، فإِن قلنا: التكبيرُ أداء، كبَّر، وإِلَّا فلا، وقيل: إِن كانت الفائتةُ فريضةً، كبَّر، لحرمة الفريضة وشرفها. ٥٨٧ - فرع: لو نسي التكبيرَ ثمَّ ذكره، كبَّر إِن قرب الزمانُ، وإِن طال فوجهان، وقد

стр. 611

ذكرت الطول والقِصَر في (باب سجود السهو). * * * ٥٨٨ - فصل في اختلاف مذهب الإمام والمأموم في وقت التكبير وقَدْره إِذا كبَّر الإِمامُ في وقت لا يراه المقتدي، أو ترك التكبيرَ في وقت يراه، فلا يتابعه على الأصحِّ؛ لانقطاع قُدوته، ولو نسيه الإِمامُ، ففيه احتمال، ولو كبَّر الإِمام عَقيبَ الصلاة، فلا يتبعه المسبوقُ في ذلك؛ لأنَّ هذا التكبيرَ مشروعٌ بعد الصلاة، فلا يؤتى به فيها. وإِن اختلفا في التكبيرات الزائدة في الصلاة، فرآها الإِمامُ سبعًا، والمأمومُ خمسًا، أو بالعكس (١)؛ فإِنَّه يتبعه في النفي والإِثبات؛ لقيام القدوة، وذكر أبو عليٍّ قولين، وكل ما ذكرناه من الخلاف في التكبير عَقيب الصلاة إِنَّما نريدُ به ما يقع شِعارًا مع رفع الصوت، فأمَّا الإِسرار بالتكبير: فلا مانعَ منه؛ لأنَّه ذكرٌ لله تعالى، والأَولى أن تستغرقَ الأعمارُ بالأذكار. * * * ٥٨٩ - فصل في فوات صلاة العيد والشهادة على ذلك إِذا صمنا ثلاثين يومًا، فشهد عدلان بعد الغروب ليلةَ الحادي والثلاثين على رؤية الهلال ليلة الثلاثين، فلا تسمعُ شهادتُهما؛ إِذ لا فائدةَ لها سوى تركِ صلاة العيد من الغد، ثمَّ نصلِّي العيدَ من الغد أداءً، وإِن شهد بذلك

стр. 612

عدلان أو مستوران يوم الثلاثين، فله أحوال: الأولى: أن يشهدا أو يعدَّلا قبل الزوال، فنفطر، وإن اتَّسع الوقت خرجنا وصلَّينا. الثانية: أن يشهدا بعد الزوال، فتُسمع شهادتُهما؛ فإن تأخَّر تعديلُهما إِلى ما بعد طلوع الشمس يوم الحادي والثلاثين، فلا نسمع تعديلهما، ونصلِّي العيد أداءً. الثالثة: أن يشهدا نهارًا، ويعدَّلا بعد غروب الشمس، ففي سماع تعديلهما قولان؛ فإن قلنا: لا نسمع، صلَّينا العيدَ أداءَ، وإِن سمعناه فقد فاتت صلاةُ العيد؛ فإن فرَّعنا على أنَّها نافلة، وعلى أنَّ النوافلَ تُقضى، ففي قضاء العيد قولان مبنيَّان على اعتبار شرائط الجمعة؛ فإِن اعتبرناها، فلا قضاء (١). الرابعة: أن يُعدَّلا بعد الزوال، فنفطر. والمذهب فواتُ الصلاة، وفيه قول: أنَّها لا تفوتُ، فتُؤدَّى من الغد؛ اعتبارًا بالخطأ في عرفةَ، وعلى المذهب يجوزُ قضاؤُها في بقيَّة اليوم، وفي ضحى الغد، وفي الأَولى وجهان إِلا أن يُشَقَّ جمعُ الناس في بقيَّة يومهم، فلا خلافَ أنَّ التأخيرَ أَولى، وإِن أُخِّرت عن الحادي والثلاثين، ففي قضائها بعد ذلك وجهان. قال الإِمام: إِن قُضيت في الجماعة، فإظهارُ الشعار ظاهرُ المنعِ؛ لمخالفة المألوف في الشعار، وإِن قُضيت فُرادى، فلا يمتنع على الظاهر؛ فإن جوَّزنا القضاءَ بعد ذلك، جاز إِلى شهر، وفيما بعده وجهان.

стр. 613

قال الإِمام: إِن قُضيت فرادى، فلا وجه للتقييد بالشهر، وإِن قُضيت في الجماعة، ففيها الخلافُ على بُعْده، ولعلَّ المرادَ بالشهر بقيَّة شوَّال أو بقيَّة ذي الحجة، وحيث قضينا بأن الصلاة مؤدَّاة، فذلك مخصوصٌ بصورة الإِشكال، كما في عرفة، فإِن أخَّروها على عمد فليست أداءً، وفي قضائها الخلاف. ٥٩٠ - فرع: إِذا اجتمعت الجمعةُ والعيد، وحضر مَنْ يلزمه الجمعةُ من أهل القرى، وعلموا أنَّهم لو رجعوا لفاتتهم الجمعةُ، فلهم أن يرجعوا ويتركوا الجمعةَ على الأصحِّ، وقيل: يلزمُهم أن يصبروا حتَّى يصلُّوا الجمعة. * * *

стр. 614

كتاب صلاة الكسوف

стр. 615

كتاب صلاة الكسوف ٥٩١ - أجمع المسلمون على صلاة الكسوف، ولا تكرهُ في أوقات الكراهية . وأقلُّها ركعتان؛ بأربع قومات، وأربع ركعات، والفاتحة أربع مرات. يقرأ الفاتحةَ في القيام الأوَّل، ثمَّ يركع مطمئنًّا، ثم يعتدل ويقرأ الفاتحة، ثمَّ يركع، ثمَّ يرفع مطمئنًّا، ثمَّ يسجد سجدتين، والركعة الثانية كذلك. وأمّا الأكمل: فقد قال الشافعيُّ: يقرأ في القيام الأوَّل (البقرة) أو قدرَها، وفي الثاني (آلَ عمرانَ) أو قدرَها، وفي الثالث (النساء) أو قدرَها، وفي الرابع (المائدةَ) أو قدرَها، وكلُّ ذلك بعد الفاتحة، ويسبِّح في الركوع الأوَّل بقدر مئة آية مقتصدة، والثاني أقصر منه قليلًا، وقرَّبه (١) في "التقريب" بثمانين آية، وفي الثالث بسبعين، وفي الرابع بخمسين، نصَّ عليهما، وغلط المزنيُّ فقدَّر الثاني بثلثي الأوَّل، ولم يتعرَّض لتطويل السجود، ونقل البويطيُّ عن الشافعيِّ أنَّ كلَّ سجود على قدر الركوع الذي قبله، وبه قطع أبو محمَّد، وذكر أبو عليِّ وجهين، وزعم أنَّ ظاهرَ المذهب أنَّه لا يُطوِّل، ولا تُطوَّل

стр. 616

الجلسة بين السجدتين بحال. * * * ٥٩٢ - فصل في الزيادة في الصلاة والنقصان منها قاعدةُ الكسوف: أنْ تطولَ الصلاةُ بطوله، وتقصرَ بقِصَره؛ فإِن طال فزاد ركوعًا ثالثًا أو رابعًا، أو انجلى في القيام الأوَّل، فاقتصر على ركعتين كسائر الصلوات، أو تحلَّل قبل انجلائه، فافتتح له صلاةً أخرى، لم يجز على الأصحِّ. ٥٩٣ - فرع: تدرك الركعة بإِدراك الركوع الأوَّل دون الثاني، وأبعد صاحب "التقريب"، فقال: يدرك بالركوع الثاني القومةَ التي قبله، فيقوم عند التدارك، فيصلِّي ركعة بقومة وركوع، فإذا وقع ذلك في الركعة الأولى، حُسبت له الثانية؛ لأنَّه أتى بها مع الإِمام، ويُحسب له من الأولى ركعة، والقومة التي قبلها والسجدتان، فإِذا سلَّم الإِمامُ أتى بقومة وركوع، والظاهر أنَّه يأمره بالاعتدال، ثمَّ بالجلوس عنه، ويلزم على مذهبه ألَّا يسجدَ، وذلك مخالفٌ لنظم جميع الصلوات. * * * ٥٩٤ - فصل في اجتماع الكسوف مع غيره من الصلوات تُقدَّم صلاةُ الجنازة على صلاتي العيد والكسوف وإِن خيف فواتُهما؛

стр. 617

لتأكدها، وكذلك تقدم على الجمعة إِن اتَّسع وقتها، وإِن خِيف فواتُ الجمعة قُدِّمت الجنازةُ إِن خفنا تغيُّر الميت، وتُقدَّم العيد والجمعة على الكسوف إِن خِيف فواتهما، وإِن لم نخف، فقولان، ومهما قدَّمنا العيدَ على الكسوف صلَّى العيد وعقَّبه بالكسوف، ثمَّ خطب لهما خُطبتين يأتي فيهما بشعار العيد، ويذكر فيهما الكسوفَ، فإن وقعت الخطبتان بعد الزوال، فلا بأس، وإِن لم يُؤْثَر ذلك مع اتساع الوقت، وإِن اجتمعت الجمعةُ والكسوف، خطب للجمعة خاصَّة، وذكر فيها الكسوف؛ لأنَّها واجبة، فلا يُشرَّك بينها وبين النافلة، وإِن قدَّمنا الكسوفَ على الجمعة عند اتِّساع الوقت، فلا يُفرَد الكسوفُ بخطبتين، بل يُخطب للجمعة، ويُذكَر فيها الكسوف؛ إِذ لا سبيلَ إِلى توالي أربع خطب، وإِن قدَّمنا الكسوفَ على العيد صلى الكسوف وعقَّبه بالعيد، ثمّ خطب لهما خطبتين مشتركتين، ولم يأمر أحد بأربع خطب وإِن كانت غيرَ متوالية هاهنا. * * * ٥٩٥ - فصل في الصلاة لخسوف القمر الصلاة للخسوف كالصلاة للكسوف في جميع ما ذكرناه، ويخطب له، إِلا أنَّه يُسِرُّ في الكسوف، ويَجْهر في الخسوف، ويُحتمل أن يجهر في الكسوف، كصلاة العيد والجمعة، والجماعةُ سنَّة فيهما، وقيل: يُشترط ذلك كما في الجمعة. * * *

стр. 618

٥٩٦ - فصل في التجلِّي إِذا تجلَّى الكسوفان، أو غابت الشمس كاسفةً، أو طلعت والقمر خاسفٌ فقد فاتت الصلاةُ، فلا تقضى، ولا يفوت الخسوفُ بطلوع الفجر على الجديد، وإِن غاب القمرُ خاسفًا في الليل صلَّى، وكذلك إِن غاب بعد الفجر على الجديد، وإِن جلل الشمسَ أو القمرَ سحابٌ صلَّى، ويصلِّي في الجامع دون الصحراء، ولا يصلِّي لغيرها من الآيات؛ كالزلازل ونحوها. * * *

стр. 619

٥٩٧ - باب صلاة الاستسقاء إِذا انقطع المطرُ مع الحاجة إِليه، أو غارت العيونُ، أو انقطعت الأوديةُ، استُحبَّ للوالي أو الرجل المطاع أن يأمرَ الناسَ بالتوبة، وصوم ثلاثة أيَّام، والخروج من المظالم، وإحضار أهل القرى القريبة، ثمَّ يخرج بهم وبصبيانهم إِلى الصحراء في ثياب بذلة، وتخَشُّع، واختلف نصُّه في استحباب إِخراج البهائم. ويُمنع أهلُ الذمة من الاختلاط بالمسلمين دون الخروج، فإذا خرج صاحبُ الأمر، نودي: الصلاةُ جامعة، وصلَّى بهم ركعتين كصلاة العيد في كل ذكر وهيئة، ويقرأ فيهما بـ (قاف) و (اقتربت)، وقال الأصحاب: يقرأ في أحدهما بـ (سورة نوح)، وذكر أبو عليٍّ أنَّ وقتها من طلوع الشمس إِلى زوالها، ولم نر هذا لغيره. وتعيينُ يوم الخروج إِلى الوالي. ولا يُتصوَّر قضاؤها، فإن لم يُسْقَوا، خرجوا كذلك مرارًا ما دام الجَدْبُ، ويتبع الوالي في ذلك قدْرَ الضرورة مع رعاية ما يلحق الناسَ من مشقَّة الاجتماع. وإِن سُقُوا قبل الخروج خرجوا شكرًا لله تعالى، وطلبًا للزيادة، وأقاموا

стр. 620

ما ورد به الشرع وفي الصلاة تردُّد يجري مثلُه في المُخصِب إِذا خرج مستزيدًا للنعمة، ففي صلاته تردُّد. * * * ٥٩٨ - فصل في الخطبة للاستسقاء وينبغي أن يخطبَ بعد الصلاة خطبتين، كما يفعل في العيد، ويكثر فيهما الاستغفار، كما يكثر التكبيرَ يوم العيد، ويستقبل الناسَ في الأولى، ويُلحَّ في الدعاء في الخطبة الثانية، ويحثَّ الناس عليه، ويستقبل القبلة، ويدعو سرًّا وجهرًا، ويحوِّل رداءَه مع تحوُّله إِلى القبلة؛ تفاؤلًا بتحوُّل الحال، فيقلب أعلاه أسفلَه، ويمينَه يسارَه وظاهرَه باطنَه، واكتفى في القديم بنقل اليمين إِلى اليسار، والظاهر إِلى الباطن، واستحبَّ الشافعيُّ لكلِّ حاضر أن يُخْطِرَ بباله قربةً أخلصها لله ، ويسأل الله السقيا عند ذلك في نفسه، كما ورد في أصحاب الغار. * * * ٥٩٩ - فصل في نذر صلاة الاستسقاء إِذا نذر في الجَدْب أن يصلِّي الاستسقاءَ، لزمه ذلك اتِّفاقًا، وإِن نذر المُخْصِب صلاةَ الاستسقاء لأهل الجَدْب، أو نذر الصلاةَ لمزيد السُّقْيا، ونَدَبْنا إِلى ذلك، ففي لزوم نذره تردُّد، وإِن نذر الخروجَ بالناس لم يلزمه السعيُ في ذلك، إِلَّا أن يكونَ مُطاعًا فيهم، فيلزمه. * * *

стр. 621

٦٠٠ - باب تارك الصلاة مذهب الشافعيِّ ﵀: أنَّ مَنْ ترك صلاةً واحدة بغير عذر، وامتنع من قضائها قُتِلَ إِذا خرج وقتُ العذر والضرورة، فيقتل في الصبح بطلوع الشمس، وفي الظهر بغروبها، وفي المغرب بطلوع الفجر، وفي إِمهاله ثلاثًا كالمرتد قولان، وقيل: لا يُقتل إِلا باثنتين، وعن الإصطخريِّ ثلاثة مذاهب: أحدها: بأربع. والثاني: بثلاث. والثالث: لا يقتل إِلا أن يصير التركُ عادةً. وكلُّ ذلك إِذا امتنع من القضاء، فيقتل بالسيف كالمرتد، ويُصلَّى عليه، ويُدفن في مقابر المسلمين، كأهل الكبائر. وقال في "التلخيص": يُنخس بحديدة، ويُؤمر بالصلاة؛ فإِن أصرَّ كُمِّل قتله بهذا النوع، ولا يُغسل، ولا يكفَّن، ولا يُصلَّى عليه، ولا يُرفع نعش قبره. ولا أصل لما ذكره. * * *

стр. 622

كتاب الجنائز

стр. 623

كتاب الجنائز ٦٠١ - ينبغي للمحتضر أن يُحسنَ الظنَّ بالله تعالى، وينبغي أن يُلقَّن الشهادةَ برفق من غير إِضجار، وأن تُقرأ عنده (سورةُ يس)، وأن يُلقى على قفاه وأخمصاه إِلى القبلة، وقال العراقيُّون: على جنبه كالموضوع في لَحْده، ولا يوثق بهذا؛ إِذ العملُ على خلافه، فإِذا تحقَّق موتُه استُحبَّ لرجل رفيق أن يُغمضَ عينيه، ويشدَّ لَحْييه بعصابة، ويليِّن مفاصلَه؛ ليتيسَّر غسلُه وإِدراجه في أكفانه، وتُنزع عنه الثياب المُدْفية، ويُسجَّى بثوب خفيف، ويوضع على بطنه سيفٌ أو غيره؛ كيلا يربوَ . * * *

стр. 624

٦٠٢ - باب غسل الميت ينبغي أن يُغسلَ بمكان خالٍ لا يراه إِلا غاسلُه ومَنْ لابدَّ من إِعانته، ويكتمون ما يرونه من علامة مكروهة، ويُلقى على قفاه على لوح أو سرير منحدِر لا يقف عليه الماءُ، ويُغسل في قميصه؛ فإِن احتاج إِلى مسِّ بدنه فتقه، وأدخل يدَه من فتقه، وإِن نزعه جاز، إِلا أنَّه يجب سترُ عورته، ويُكره النظرُ إلى سائر بدنه لغير حاجة. قال المزني: ويعيدُ الغاسلُ تليينَ مفاصله، وتردَّدوا في ذلك، وقال الإِمام: إِن احتيج إِليه فعل، وإِلَّا فلا، ويُبعد ماءَ الغسل إِلى حدٍّ لا يصيبه رشاشُ الغسالة، ويكون معه إِناءٌ يغرف به الماءَ، ثم يجلسه مائلًا إِلى ورائه حافظًا لرأسه عن تفاحش المَيْل، ويمسح بطنَه مسحًا بليغًا؛ لإِخراج ما عساه أن يخرجَ، والماء يُصَبُّ عليه بكثرة؛ والمجمر متوقِّد بالطيب الكاتم؛ لما عساه يكون من ريح، ثمَّ يلقيه على قفاه، ويرفق به جهدَه في إِلقائه وإجلاسه وتسريحه وجميع تقليباته؛ إِكرامًا له، ورعايةً لحرمته (١)، ثم يَغسل إِحدى سوءتيه بخرقة ملفوفة على يده، ثمَّ يغسل الأخرى بخرقة أخرى، وكذلك يغسل ما عليه من قَذَرٍ بخرقة، وأعوانه يغسلون ما يلقيه من الخِرَق. * * *

стр. 625

٦٠٣ - فصل في توضئة الميت ينبغي أن يتعهَّد ثَغْرَه ومِنْخَريه بالخرقة بدلًا من السواك، ثمَّ يوضِّيه ثلاثًا ثلاثًا، ويوصل ماء المضمضة والاستنشاق إِلى ثغره ومنخريه، وفي إِيصاله إِلى داخل فيه وأنفه اختلاف. قال الإِمام: إِن كانت أسنانُه متراصَّةً، فلا يفتحها لذلك. ٦٠٤ - كيفية الغسل: إِذا كان شعره متلبِّدًا فليسرِّحه بمشط واسع الأسنان؛ ليصلَ الماءُ إِلى أصوله، ثمَّ يُضْجِعه على يساره، ويغسل شقَّه الأيمنَ من قرنه إِلى قدمه، ويدلِكه بالخرقة، ثمَّ يلقيه على قفاه، ويضجعه على يمينه، ويغسل شقَّه الأيسر كذلك، وهذه غَسلة واحدة، والأَولى أن يقتصرَ على الثلاث إِن لم يحتجْ إَلى الزيادة. قال الشافعيُّ ﵀: ويجلسه بعد الكَرَّتين الأُخريين جلستين يمسح فيهما بطنَه مسحًا أرفقَ من المسح الأول، فإِن احتاج إِلى زيادة، أوتر بخامسة أو سابعة، ويجعل في إِحدى الغسلات سِدْرًا، وفي الأخيرة كافورًا، ويبالغ في تنشيفه بالاتِّفاق، والماء البارد أَولى إِلا ألَّا يحصلَ به النقاءُ، أو يعسرَ استعمالُه لِبرد الهواء. ٦٠٥ - فرع: لا يسقط الفرض بالماء المتغيِّر بالسِّدْر، خلافًا لأبي إسحاق المروزي. * * *

стр. 626

٦٠٦ - فصل في بيان أقلِّ الغسل أقلُّه إِمرارُ الماء على ظاهر البدن، كما في الجنابة، وفي وجوب النيَّة على الغاسل وجهان ينبني عليهما تغسيلُ الكافر المسلم، وإعادة غسل الغريق. ولو غسل الزوجُ زوجتَه المجنونةَ من الحيض، جاز له وطؤها، ولم يتعرَّضوا لنيَّته بنفيٍ ولا إِثبات. ٦٠٧ - فرع: لو خرج منه بعد الغسل نجاسةٌ، قال الشافعيُّ: يُعيد غسلَه، فحمله بعضُهم على ظاهره، فعلى هذا: إِن خرجت من غير السبيل، ففيه احتمال، وقيل: يقتصر على غسل النجاسة من أيِّ محلٍّ خرجت، وقيل: إِن خرجت من سبيل الحدَث وجب غسلُها، وإِعادة الوضوء. * * * ٦٠٨ - فصل فيمن يجوز له الغسل لكلِّ واحد من الزوجين غسلُ صاحبه، ولا نظر (١) إِلى انقضاء العِدَّة، فتغسل المرأة زوجَها وإِن وضعت بعد موته، ويغسل الرجل أَمَتَه وأمَّ ولدِه، ولا تغسله أمتهُ على الأصحِّ، وفي أم ولده وجهان، وإِن لم يحضر الرجلَ إِلا أجنبيَّةٌ، أو لم يحضر المرأَةَ إِلا أجنبيٌّ، غَسَل كلُّ واحد منهما الآخرَ في قميص، وبالغ في غضِّ طرفه، وأبعد من [قال]: يُيَمَّمان. وإِن مات الخنثى المُشْكِلُ، ولا قريبَ له، غسله الرجالُ والنساء مع غضِّ

стр. 627

الطرْف، وأبعد من أوجب التيمُّم، ومن قال: يُشترى من تركته أمةٌ تغسِّله؛ إِذ الأصحُّ أنَّ الأمة لا تغسل سيِّدها؛ لانتقالها إِلى ورثته. * * * ٦٠٩ - فصل في الأولى بالغسل إِذا ماتت امرأة، ففي الأَولى بغسلها طريقان: أحدهما: أنَّ نساءَ الأقارب المحارم والأجنبيَّات أولى من الزوج ومن رجال المحارم؛ فإِن عُدم النساء، فالزوج أولى من رجال المحارم، والطريقة الثانية في الزوج ونساء المحارم وجهان: أحدهما: الزوج أولى. والثاني: نساء المحارم أَوْلى منه، وفي رجالهم وجهان. ورجال المحارم يترتَّبون ترتُّبَهم في الصلاة عليها. هذا إِذا تنافسوا، فامَّا إِذا سلَّمه المتقدِّم إِلى المتأخِّر، جاز للمتأخِّر أن يتعاطاه. وقال أبو محمّد: لا يجوز للرجال غَسلُ المرأة إِلا عند فقد النساء، وعلى هذا قال الإِمام: يَحتمل أن يتعيَّن الغَسل على المتقدِّم، وقال: لو امتنع منه الجميعُ اختُصَّ بالحرج من يقدِّمه، ولا يسقط عمَّن يؤخِّره، بل لا يسقط عن الأجانب. والرجال في غسل النساء كالنساء في غسل الرجال، والزوجة في حقِّ الزوج كالزوج في حقِّها، وتقديمها على رجال المحارم كما ذكرناه، وأبعد أبو إِسحاق المروزيُّ، فقال: لا تُقدَّم الزوجة على أحد. * * *

стр. 628

٦١٠ - فصل في تزيين الميت بالحَلْق والقَلْم في قلم أظفار الميِّت وحلق شعره المندوب إِلى إِزالته في الحياة كشعر العانة والإِبط قولان، ولا يُحلَق ما كان يبقيه تزينًا؛ كاللحية واللِّمَّة وذوائب المرأة، وما كان يأخذه تزيينًا من غير نَدْب؛ كشعر الرأس لمن لا لِمَّةَ له، فقد قيل: لا يؤخذ قولًا واحدًا، وقيل: فيه القولان. * * * ٦١١ - فصل في حكم الإحرام بعد الموت يجب إِدامةُ شعار الإِحرام في بدن المُحرم، فلا يُقرَّب طِيبًا، ولا يُخمَّر وجه المرأة، ولا رأسُ الرجل، وفي تطييب المعتدَّة المُحِدّة وجهان. * * * ٦١٢ - فصل في غسل الكفار ودفنهم الصلاة على الكفار محرَّمة، وإِن مات حربيٌّ أو قتل، تُرك بالقاع طُعمةً للسباع، فإِن ووُريَ، فلتغييبه عن الأبصار، كما تُوارى الجِيَف، وللمسلم غسل الذمِّيِّ إِلَّا أنَّ قريبَه الكافرَ وإِن بَعُدَ أَولى من قريبه المسلم، فإن لم يكن له وليٌّ من أهل دينه، فلا يجب على المسلمين غَسلُه، وهل يلزمهم تكفينُه ودفنه؟ فيه خلاف. ٦١٣ - فرع: الحريق المسلم الذي لو غُسل لتهرَّأ يُيمَّم ولا يُغسل، ويجب غسلُ

стр. 629

الجريح الذي يتسارع إِليه البِلا من غير تهرٍّ. * * *

стр. 630

٦١٤ - باب عدد الكفن وكيف الحَنُوط مَؤُونةُ تجهيز الميِّت مقدَّمة على ديونه المستغرِقة، وأقلُّ الكفن ثوبٌ ساتر لجميع البدن؛ فإن بدا من بدنه شيءٌ لم يجز عند القدرة على الإِكمال، وإِن نازع الغرماء في الثاني والثالث، ففي إِجابتهم وجهان، وإِن تنازع الورثةُ ولا دَينَ، كُفِّن في الثلاث، وأبعد من ذكر وجهين. والفقير إِذا كُفِّن من بيت المال، فقد قطعوا بالاكتفاء بثوب واحد، وقيل: يجب الثلاثُ من بيت المال إِلا أن يُخَلِّفَ ثوبًا سابغًا، ففي الثاني والثالث وجهان، ولا يجوز الاقتصارُ على ستر العورة اتِّفاقًا. ٦١٥ - فرع: لو وصَّى بالاقتصار على ستر العورة، وجب تكفينُه في السابغ، وإِن وصَّى بالاقتصار على السابغ اكتفي به؛ لأنَّه رضي بإِسقاط حقِّه. * * * ٦١٦ - فصل في إِكمال كفن الرجل لا يُستحبُّ تقميصُ الرجل باتِّفاق العلماء، والأولى الاقتصارُ على الثلاث من غير تقميص ولا سَرَف في الخمسة؛ فإِن كُفِّن فيها فقميصٌ وعِمامة وثلاثُ لفائف، وإِن كُفِّن في الثلاث، فالسوابغُ أولى، وقيل: يستر بأحدها

стр. 631

عورتَه كالمئزر، والثانية من صدره أو فويقه إِلى نصف ساقه، والعليا سابغة فاضلة من جهة رأسه وقدميه، وفضلها من جهة الرأس أكثر. * * * ٦١٧ - فصل في إِكمال كفن المرأة يُستحبُّ أن تُكَفَّن المرأة في ثلاث أو خمس، والزيادة على الخمس سَرَفٌ، ولا يُجبَر الورثةُ على الرابع والخامس، فإِن كُفِّنت في الثلاث فرِباط سابغة بغير قميص، وإِن كُفِّنت في الخمس استُحبَّ تقميصُها على القديم. قال الشافعيُّ ﵀: وتُشدُّ أكفانُها بشداد، وهل هو من الخمسة أو سادس؟ فيه وجهان؛ فإِن جُعل سادسًا، شُدَّت به الأكفان من فوقها، وأخرج من القبر، وإِن جُعل خامسًا فهل يُشدُّ به وسطُها دون الريطة الثالثة، أو يُشدُّ فوق اللفائف ليضمَّها؟ فيه وجهان؛ فإِن قلنا: لا تُقمَّص والشداد سادسٌ، فإِزار وخمار وثلاثُ لفائف وشداد، وإِن جُعل خامسًا، فإِزار وخمار ولفافتان وشداد، وإِن قلنا: تقمَّص والشداد خامس، فإِزار وخمار، وقميص ولفافة، وشداد، وإِن قلنا: الشداد زائد فلفافتان، وهذا كلُّه في الأول، ولو قُمِّص الرجل أو المرأة في سابغ جاز، والثاني والثالث على ما تقدَّم. * * * ٦١٨ - فصل في كيفيَّة إِدراج الميت في الأكفان ينبغي أن تُبسطَ الرَّيْطة العليا على موضع نظيف، ويبسط عليها الثانية والثالثة، ويُذَرَّ عليهنَّ الحَنوط، وعلى التي تليه أكثر، ثمَّ يلقى على

стр. 632

وسطها، ويُلَفَّ شيء على قدر الموزة، ويُدَسَّ بين إِليتيه، ويلصق بالحلْقة، ولا يجاوزها، ويُبسط عليه قطن عريض، ويُشَدَّ عليه التُّبَّان (١) شدًّا وثيقًا، ويُجعل الكافورُ على قطن، ويلصق على منافذه؛ كالعين والفم والأنف والأذن، ثمّ يُلَفُّ في الأكفان، فَيثْنى ما على يمينه على يساره، ويردُّ الفاضل على وجهه وقدميه. * * * ٦١٩ - فصل في الحَنوط تجمير الأكفان بالعُود أَولى من المِسك؛ لكراهية ابنِ عمرَ للمسك، واختلفوا في وجوب الحنوط، فألحقه بعضُهم بالثوب الثاني والثالث، وقطع آخرون باستحبابه. * * * ٦٢٠ - فصل في صفة الأكفان التغالي في الكَفَن منهيٌّ عنه، وأفضلُ الثياب البياضُ، ويحرم الحريرُ على الرجال، ولا يُؤْثَر للنساء، ولو كُفِّن فيه لجاز، وإِن اختلفوا في جنس الكفن، كُفِّن كلُّ شخص فيما يليق برُتْبته، كما يفعل في حال الحياة، ومن وجبت نفقته لقرابته وجب على المُنفِق تجهيزُه وتكفينهُ، وفي الزوجة وجهان. * * *

стр. 633

٦٢١ - فصل في الدفن الغَسْل، والكَفَن، والدفن، والصلاة؛ فرضٌ على الكفاية، واللحدُ أولى من الشَّقِّ، وليوضعْ على جنبه الأيمن مستقبلَ القبلة، وذلك حَتْمٌ، ويُدنى إِلى جدار اللحد، ويُدعم من ورائه بلَبِنة؛ كيلا يَنكَبَّ على وجهه، ولا يستلقي، وحَسنٌ أن يوضَع رأسُه على لَبِنة يفضي بخدِّه إِليها أو إِلى تراب قبره، ولا ينبغي أن يُوضعَ على مخدَّة أو مُضرَّبة، ثم يُنضَّد اللَّبِنُ على اللحد، وتُسَدُّ فُرَجُه بما يمنع انهيارَ التراب، ويَحثي كلُّ دانٍ ثلاثَ حثيات من التراب، ثمَّ يُهال بالمساحي، وقد قال ﵇: "من اتَّبع الجنازة حتَّى تُدفنَ، فله قيراطان من الأجر" (١)، ويحصلُ ذلك بأن يُرَدَّ ترابُ القبر كلُّه، وإِن نُضِّد اللَّبِن، ولم يُهَل الترابُ، ففيه تردُّد، وقال الإِمام: مهما وُوري فقد حصل القيراطان. * * * ٦٢٢ - فصل في صفة القبر لا يُرفع القبر إِلا قدْرَ شبِر أو ما يقاربه، ولا يُجصَّص ولا يطين، وحَسنٌ أن يوضع عليه الحصا، وإن وضع عند رأسه حجرٌ يعرفُ به، فلا بأس، وتسطيحُه أولى من تسنيمه، وقال ابن أبي هريرة (٢): إِن صار التسطيحُ في ناحية، أو الجهرُ بالتسمية شعارًا للروافض، فالأولى مخالفتُهم، ونُقل مثلُه عن الشافعيِّ ﵀ في القنوت، ولا يصحُّ هذا النقل، ولا تُترك أبعاضُ

стр. 634

الصلاة وسننها لأجل المبتدعة، وكذلك رأى بعضُهم أنَّ التَّختُم في اليسار أولى؛ لأنَّ التختُّمَ في اليمين شعارُ المبتدعة، لكن صحَّ أنَّ رسول الله تختَّم في يساره (١). * * * ٦٢٣ - فصل في أقلِّ ما يجزئ من الدفن أقلُّه حفرة تكتم ريحَ الميِّت، وتُعسِّر على السباع الوصول إِلى الميِّت في غالب الأمر، وقيل: الأولى أن يُعمَّق قدرَ بسطة، وهي قامة رجل وسط. * * * ٦٢٤ - [فصل] (٢) في دفن الجماعة في قبر واحد لا ينبغي أن يُدفنَ اثنان في قبر إِلا أن يكثرَ الموتى، أو يضيقَ المكان، ويُقدَّم الأفضلُ فالأفضل إِلى القبلة، وتقدَّم الأمُّ على ابنتها، وتُؤخَّر عن ابنها، ومنعوا جمعَ النساء والرجال، فإِن مسَّت حاجة، حُجِز بينهم بالتراب. ٦٢٥ - المشيُ على القبور: يكره للرجل أن يجلسَ على قبر أو يبكيَ عليه، أو يتوطَّأ شفيرَه في مشيه، ويحرم البناءُ على القبور في البِقاع المشترَكة العامَّة دون الخاصَّة. * * *

стр. 635

٦٢٦ - [فصل] (١) في تحريم نبش القبر وجوازه لا يجوز نبشُ المسلم إِلَّا أن ينمحقَ أثرُه، فإِن انمحق جاز أن نقبِرَ غيرَه في مكانه، ولا يجوزُ المنعُ من ذلك مع الحاجة؛ لأنَّ الأوَّل كنازل بمكان مسبَّل رَحَلَ وتركه، ويحرم الدفنُ قبل الصلاة، ويخرج بذلك من علمه من أهل الناحية، ولا يجوز نبشُه للصلاة عليه، بل يُصلَّى عليه في قبره، وإِن دفن بغير غُسْل، ولم يمضِ زمانٌ يتغيَّر في مثله وجب نبشُه؛ ليُغسلَ ويعاد، وفيه قول: أنَّه يكره نبشُه، ولا يحرم، وفي وجوب نبشه ليُكفَّن وجهان، ولا شكَّ في تحريم النبش لغرضٍ في نقل يراه الناسُ، ويجب إِخراجُه من الأرض المغصوبة إذا طلب المالكُ، وإن تغيَّر فقد أشاروا إِلى إِخراجه، وفي ذلك احتمال، وفي الكفن المغصوب أوجه: أحدها: يجب نبشُه ورَدُّه. والثاني: لا يجوز نبشُه، وتدفع القيمةُ إِلى المالك؛ فإِن عسرت في الحال، ففي جواز نبشه احتمال. والثالث: يُفرَّق بين المتغيّر وغيرِه؛ لما في نبش المتغيِّر من انتهاك حرمته، وردَّه أبو محمَّد بأنَّه لو ابتلع جوهرةً لغيره لَشُقَّ جوفُه وأُخرجت. * * * ٦٢٧ - فصل في غسل السِّقْط وكفنه والصلاة عليه قال أبو عليٍّ: إِذا وضعت مُضْغة لا يثبت بها استيلادٌ ولا غيره، فلا غَسل
следующие страницы →