شافعي)؛ مصورة عن نسخة الإسكوريال.
وقد منّ الله عليّ فحققتُها ونُشرت ضمن سلسلة مؤلفات الإمام العز بن عبد السلام؛ وصدرت عن دار الفكر بدمشق، ودار الفكر المعاصر ببيروت.
٣١ - أحكام الجهاد وفضله:
رسالة في فضل الجهاد والرباط في سبيله؛ وكأن تأليفها كان ليكون برفقة المجاهد والمرابط في سبيل الله، إظهارًا لعظمة هذه الفريضة، وتبيانًا لثوابها عند الله، وليس فيها شيء عن أحكام الجهاد الفقهيّة كما يُوحي العنوان.
ومن الرسالة نسخة في برلين برقم (٤٠٨٨) في (٥٣) ورقة.
وقد حقّقها الدكتور نزيه حمّاد، ونُشرت بمكة، ومنّ الله عليَّ فحققتُها، وقدّمتُ لها بمقدّمة ضمّنتُها ذِكرًا للمؤلَّفات في الجهاد، ونُشرت ضمن سلسة مؤلفات الإمام العز بن عبد السلام؛ وصدرت عن دار الفكر بدمشق، ودار الفكر المعاصر ببيروت.
٣٢ - الترغيب عن صلاة الرغائب الموضوعة.
٣٣ - رسالة في تفنيد ردّ ابنُ الصلاح. ألّفها العزُّ بعد ردّ ابنُ الصلاح على الرسالة السابقة:
وقد طُبعت هاتان الرسالتان، وفتاوى أخرى بعنوان "مساجلة علمية بين الإمامين الجليلين العزّ بن عبد السلام وابنُ الصلاح حول صلاة الرغائب المبتدعة"، في المكتب الإسلامي سنة (١٣٨٠ هـ)، بتحقيق الشيخ ناصر الدين الألباني ومحمد زهير الشاويش رحمهما الله.
стр. 72
ثمّ منّ الله عليّ فحققتُهما ونشرتُهما، مع رسالة ابنُ الصلاح، مع مقدِّمة في بيان ابتداع هذه الصلاة، وبيان العلماء الذين أفتوا وبيَّنوا بدعيَّتها في كتبهم، ضمن سلسة مؤلفات الإمام العز بن عبد السلام؛ وصدرت عن دار الفكر بدمشق، ودار الفكر المعاصر ببيروت.
وقد ذكر الرسالة ابنُ السُّبكيّ (٨/ ٢٥١) ونقل منها، كما ذكرها حاجي خليفة (ص: ١٠٨١). ويوجد منها نسخة في جامعة براتسلافا في برسبورغ في تشيكوسلوفاكيا. كما في فهرسها (ص: ١٦٢) وفي شستربتي برقم (٣٨٥٤/ ١٣): "رد فتوى ابنُ الصلاح" منها مصورة في جامعة الكويت كما في فهرسها (٢/ ٢٦١).
* خامسًا - النحو:
٣٤ - الألغاز النَّحْويَّة:
عثرنا عليها في كتاب الإمام السيوطي "الأشباه والنظائر في النحو" (١/ ٦٦٩ - ٦٧٢). وقد يسّر الله لنا تحقيقها، وهي قيد النشر؛ بإذن الله.
* * *
* الكتب المنسوبة إليه خطأ أو المشكوك بها:
١ - الأجوبة القاطعة لحجج الخصوم للأسئلة الواقعة في كل العلوم (١).
стр. 73
٢ - بحار القرآن: ذكره حاجي خليفة والبغدادي (١)، ولعلّه تحريف عن "مجاز القرآن" رغم أنّهما ذكرا الاثنين، ذلك أنهّ لم أجد في كتب التراجم وفهارس المخطوطات كتابًا بهذا الاسم للعزّ.
٣ - ثلاثة وثلاثون شعرًا في مدح الكعبة (٢): لم تذكر المصادر التي ترجمت للإمام العزّ هذا الكتاب من مؤلفاته؛ وأذكر أنّه قد اطّلعتُ عليه فوجدتُه نظمًا ركيكًا؛ وهو واضح أنّه ليس للإمام ﵀.
٤ - حل الرموز ومفاتيح الكنوز (٣): وهو من تأليف عزّ الدين بن عبد السلام بن أحمد المقدسي، كما ظهر للدكتور الوهيبي من اطلاعه على ثلاث نسخ مخطوطة في جامعة إستانبول برقم (٣٦٢٣) AY و (٢٧٨٦) و (١٤٦٨) AY، وكلها مكتوب عليها اسم المؤلف المذكور.
٥ - شرح "منتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل" لابن الحاجب (٤)، وهو على الأرجح لابن عبد السلام المالكي؛ إذ لم يذكر أحدٌ من المتقدّمين هذا الكتاب للإمام العزّ، وأذكر أننّي اطلعتُ على صورة منه فوجدتُهُ لابن عبد السلام المالكي، الذي يشتبه اسمه كثيرًا مع الإمام العز.
стр. 74
٦ - شرح حديث (لا ضرر ولا ضِرَار) (١): لم تذكر كتب التراجم هذا الشرح من مؤلفاته، فضلًا عن عدم وجود مخطوطة منه تُظهر لنا أنَّه للعزّ أم لا.
٧ - العماد في مواريث العباد: ذكر في بطاقات فهرس المخطوطات بالمكتبة الظاهرية برقم (٣٥٥١) من مؤلفات العزّ، وهو من تأليف الشيخ عز الدين بن أحمد بن محمد بن عبد السلام المصري الشافعي المنوفي.
٨ - فرائد الفوائد وتعارض القولين لمجتهد واحد: نسبه البغدادي (٢) للعزّ وهو من تأليف شمس الدين بن محمد السلمي الشافعي الشهير بالمناوي.
٩ - قصة وفاة النبي ﷺ : وهي منسوبة له، إذ كثر فيها اللحن والخطأ، ولم يذكرها أحد من مترجميه، ومَن يطالعها يعلم أنّها ليست له (٣).
١٠ - كشف الأسرار عن حِكَم الطيور والأزهار: وهو من تأليف عزّ الدين عبد السلام بن أحمد بن غانم المقدسي (٤).
١١ - كشف الإشكالات عن بعض الآيات: وهي رسالة صغيرة حققها الدكتور رضوان الندوي وألحقها في آخر كتاب "فوائد في مشكل القرآن"
стр. 75
عن نسخة بدار الكتب المصرية برقم (٨٣٦) وبيّن أنَّها ليست للعزّ وإنّما هي تعقيب عليه، واستدلَّ على ذلك بورود نقل عن أبي السعود، وهو متأخِّر عن العزّ. ولكن الدكتور الوهيبي قد عثر على نسخة أخرى في الدار برقم (٢٩٧ تيمورية) مكتوب عليها اسم المؤلف الحقيقي: "محمد بن أحمد بن عبد الهادي".
١٢ - مبهج الرائد بالضوابط الفرائد (١): وهو من تأليف محمد بن عبد الدائم العسقلاني ثم البرماوي الشافعي.
١٣ - مجلس في ذمّ الحشيشة: هو من تأليف المقدسي صاحب "كشف الأسرار".
١٤ - مختصر الكشاف (٢).
١٥ - مسائل الطريقة في علم الحقيقة (٣).
١٦ - نخبة العربية في ألفاظ الآجرومية (٤): وهو من تأليف أحمد بن محمد بن عبد السلام. والذي يؤيد أنهّ ليس للعزّ أنّ ابنُ آجروم قد ولد عام (٦٧٢ هـ)
стр. 76
أي بعد وفاة العزّ.
١٧ - نهاية الرغبة في أدب الصحبة: لم يذكره أحدٌ من مترجميه (١).
* * *
* رواية مؤلّفات الإمام العز بن عبد السلام:
حفلت كثير من كتب الأثبات والبرامج والمشيخات بذكر أسانيدها إلى الإمام العز بن عبد السلام؛ اخترنا منها هذين النصَّين؛ أحدهما من عصر المؤلّف لتلميذه اللبْليّ، والآخر إسنادٌ يمنيٌّ من طريق الشوكاني.
قال تلميذ العزِّ بن عبد السلام شهاب الدين أحْمَد بن يُوسُف اللَّبْلِيُّ المالكي (ت: ٦٩١ هـ) في "فهرسته" (٢): "لقيتُه بالقاهرة سنة إحدى وخمسين وستّمئة، ولازمتُه سنتين، وأخذت عنه من تصاينفه ومن غيرها كثيرًا، وأجاز لي إجازة عامة".
والإمام العزّ صنّف "الغاية" قبل تاريخ لقائه باللبلي سنة (٦٥١ هـ) كما سيرد معنا، وظاهر من الإجازة أنَّها إجازة عامّة فهي تشمل "الغاية في اختصار النهاية" وغيرها؛ وبذلك يُعدّ اللبلي ممَّن استجازها؛ والله أعلم.
стр. 77
ويروي الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ) مؤلفات الإمام العز بن عبد السلام في ثَبَته "إتحاف الأكابر بإسناد الدفاتر"، من طريق شيخه السيِّد عبد القادر بن أحمد، عن السيّد سليمان بن يحيى الأهدل، عن أحمد بن محمد الأهدل، عن يحيى بنُ عمر الأهدل، عن أبي بكر البطاح الأهدل، عن يوسف بن محمد البطاح، عن السيد الطاهر بن حسين الأهدل، عن الحافظ ابنُ الدَّيْبع، عن عبد اللطيف الشرجي، عن نفيس الدين العلوي، عن سراج الدين النحوي، عن الحافظ ابنُ سيّد الناس اليعمري، عن ابنُ دقيق العيد، عن العز بن عبد السلام (١).
* * *
* مساجلاته وخلافاته مع علماء عصره:
كان للعز بن عبد السلام خلاف مشهورٌ مع ابنُ الصلاح، وهذا الخلاف اشتهر في كتب الفقه والطبقات والتاريخ وجرت بينهما مساجلات علميّة، وفتاوى اختلفوا في أحكامها.
* منها حول صلاة الرغائب المبتدعة، فالعز يرى أنَّها بدعة، وابنُ الصلاح أفتى بالمنع، ثمّ صمَّم على خلافه، وأمّا سلطان العلماء فلم يبرح على المنع (٢).
стр. 78
* ومنها حول خُلوف فم الصائم وأنّه أطيب عند الله من ريح المسك، هل هذا الطيب في الدنيا والآخرة أم في الآخرة خاصة، فقال العز: هو في الآخرة خاصة، وقال ابنُ الصلاح: هو عامٌّ في الدنيا والآخرة (١).
* ومنها أنه لو صلى المأموم في الجامع الأموي تحت الساعات بصلاة الإمام في الجامع هل تصح صلاته لأنَّ هذا الموضع رحبة المسجد أم لا؟ وانتصر النوويُّ للعز بن عبد السلام في "المجموع" (٢).
* وهناك خلافات أخرى مع ابنُ الصلاح شحنها وذكر مسائلَها تلميذُ ابنُ الصلاح جامعُ فتاويه في كتابه "فتاوى ومسائل ابنُ الصلاح"، بالتورية،
стр. 79
دون ذكر صريح اسم ابنُ عبد السلام، وعقد في أوّل الفتاوى لابن الصلاح (١) فصلًا في بيان صحة الفتاوي التي صدرت من الشيخ ابنُ الصلاح؛ للدفاع عنه مقابل العز بن عبد السلام. لكنَّ ابنُ الصلاح ذكره صراحة باسمه فيها في أحد المواضع من فتاويه (٢/ ٥١٠ - ٥١١)، وقال: "هذه الواقعة قامَ فيها ابنُ عبد السَّلام وزعم أَن الضَّمان فاسد".
وقد سطر خلافَ ابنِ الصلاح مع الإمام العزِّ شهابُ الدين ابنُ فضل الله العمري (ت: ٧٤٩ هـ)، في "مسالك الأبصار في ممالك الأمصار"، إذ قال لمَّا ترجم لابن الصلاح: "ولانحراف منه (٢) - أي على ابنُ عبد السلام كان يراه به قذى ناظره، إلى أن كان ما هو معروف، مما أرج به ذكرُ ابنُ عبد السلام، وعرجَ إلى حيث ينجلي عن الصبح الظلام، والسكوتُ أولى من نبش ما كان كامنًا بين أئمة الإسلام" (٣).
وقال اليافعي: وقع بينه وبين شيخ دار الحديث الإمام أبي عمرو بن الصلاح ﵀ في ذلك منازعات ومحاربات شديدات، وصنَّف كل واحد منهما في الرد على الآخر، واستصوب المتشرِّعون المحقِّقون مذهب الإمام ابنُ عبد السلام في ذلك، وشهدوا له بالبروز بالحق الصواب في تلك الحروب والضراب، وكأنَّ ظهور ثوابه في ذلك جديرًا بما أنشده في عقيدته
стр. 80
في الاستشهاد على ظهور الحق (١):
لقد ظهرتْ فلا تخفى على أحدٍ ... إلا على أكمهٍ لا يعرفُ القَمَرَا
* ومنها خلاف الإمام العزِّ ابنُ عبد السَّلام مع الحشوية والمجسّمة (٢).
* ومنها خلافه مع أبي الحسن علي بن أحمد الحَرَالِّيّ الأندلسيّ، الذي سطّره المقَّريّ في "نفح الطيب" (٣).
стр. 81
وقد انتصر كثيرٌ من العلماء للإمام العزّ، وصوَّب أهل العلم مذهبه ورأيَه لما فيه من إظهار الحقِّ وإبطال الباطل، ولا سيما أنّ كثيرًا من مواقفه كانت مقرونة بإزالة البدع.
وعلى العموم؛ نرى أنّ خلافاته كلّها تهدف إلى تصويب مسار الناس نحو الطريق السُّنّيِّ الصحيح الذي يرضاه الله ورسوله، ذلك الطريق الذي يؤمّن للناس العقيدة السليمة، والبُعد عن البدع والخرافات، والسلوك الفقهيّ السليم.
* * *
* العز وعلوم القرآن:
للإمام العز بن عبد السلام جهود مميَّزة في التفسير وعلوم القرآن؛ قال السيوطي: والقى التفسير بمصر دروسًا؛ وهو أول من فعل ذلك (١).
وقال ابنُ العماد: أول من ألقى في التفسير دروسًا بمصر (٢).
وقد ذكرنا من مؤلّفاته في التفسير وعلوم القرآن: مختصر تفسير
стр. 82
الماوردي، وتفسير القرآن العظيم، وأمالي عزّ الدين بن عبد السلام في التفسير، ومجاز القرآن.
وقد قُدِّمت أطروحات جامعية عن الإمام العز وجهوده في هذا الفن بيَّنَّاها في هذه المقدِّمة.
* * *
* العز بن عبد السلام والفقه الإسلامي:
عُرف الإمام العز بكونه أحد فقهاء مصر والشام، حتى إنّ الحافظ المنذري اعتذر عن الفتيا لمَّا دخل مصر؛ فقال: كنَّا نفتي قبل دخول الشيخ عز الدّين أمّا الآن فمنصبُ الفتيا متعيّنٌ فيه.
* * *
* مجلسه في الفقه:
قال السيوطي: ما على وجه الأرض مجلس في الفقه أبهى من مجلس الشيخ عز الدين بن عبد السلام (١).
وقد كان يحضر درسه العلماء والمفتون الكبار ورجال المذاهب الأخرى. والذي دَلَّ على ذلك كثرة النقل عنه في مؤلّفات المالكيَّة من طلابه مثل القرافي وابن دقيق العيد، التي حفلت بإيراد نصوص ليست في كتب الإمام العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى.
لذلك فإن تراث العز الفقهيّ ليس ما خلَّفه لنا في كتبه فحسب؛ بل
стр. 83
ما نقلت عنه كتب أقرانه وتلاميذه وكتب التراجم عنه من فتاوى وآراء قد لا نراها مبثوثة في كتبه.
ومن الآداب التي كان يسلكها في درسه ما أورده علي بن عبد الله الغزولي البهائي الدمشقي (ت: ٨١٥ هـ) في "مطالع البدور ومنازل السرور" قوله: "كان الشيخ عز الدين بن عبد السلام إذا قرأ عليه الطالب وانتهى، يقول: اقرأ من الباب الذي تليه ولو سطرًا، فإنِّي لا أُحبُّ الوقوف على الأبواب".
* * *
* سنده في فقه الشافعيّة:
لفقهاء الشافعيَّة الدمشقيين سندٌ مسلسلٌ بالأفقه في المذهب، والمعروف بسند (ما رأى أفقه من فلان)؛ فقد ذكر نجمُ الدّينِ الغزِّيّ في كتابه "الكواكب السائرة" (١/ ١١٧)، في ترجمة الإمام فقيه أهل الشام تقيّ الدين أبي بكر ابن قاضي عجلون الدمشقيّ (١)، هذا السندَ وقال:
"إني أقول: ما رأيتُ ولا أظنُّ أنّي أرى أفقه من شيخ الإسلام والدي،
стр. 84
وسمعتُه أو حَضَرْتُه وهو يقول: ما رأيتُ أفقه من شيخ الإسلام زكريا ولا أحسن تصرّفًا، إلا أن يكون شيخ الإسلام تقيُّ الدّين أبو بكر ابنُ عبد الله ابنُ قاضي عجلون، وهو أكثر نقلًا واستحضارًا، وهما ما رأيا أفقه من شيخ الإسلام الشمس القاياتي، وهو ما رأى أفقه من شيخ الإسلام سراج الدّين البُلقينيّ، وهو ما رأى أفقه من شيخ الإسلام تقيّ الدّين السُّبكيّ، وهو ما رأى أفقه من فقيه المذهب النجم ابنُ الرِّفعة، وهو ما رأى أفقه من السديد التزمنتي الفقيه (١)، وهو ما رأى أفقه من سلطان العلماء العزّ بن عبد السلام، وهو ما رأى أفقه من الإمام فخر الدّين ابنُ عساكر الحافظ (٢)، وهو ما رأى أفقه من النّيسابوري (٣)، وهو ما رأى أفقه من الإمام ابن يحيى (٤)، وهو ما رأى أفقه من حجّة الإسلام الغزاليّ، وهو ما رأى أفقه من أبي المعالي الجوينيّ،
стр. 85
وهو ما رأى أفقه من والده الشيخ أبي محمد الجوينيّ، وهو ما رأى أفقه من القفّال، وهو ما رأى أفقه من الإمام أبي زيد المروزيّ، وهو ما رأى أفقه من شيخ الإسلام أبي إسحاق المروزيّ، وهو ما رأى أفقه من الباز الأشهب بن سريج، وهو ما رأى أفقه من الإمام أبي القاسم الأنماطيّ، وهو ما رأى أفقه من الإمام أبي إبراهيم المزنيّ، وهو ما رأى أفقه من إمام الأئمّة أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعيّ، وهو ما رأى أفقه من إمام دار الهجرة أبي عبد الله مالك بن أنس، وهو ما رأى أفقه من الإمام نافع، وهو ما رأى أفقه من عبد الله ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وهو ما رأى أفقه من رسول الله ﷺ ".
ولا يبعد أن يكون سند العز في تلقّيه "نهاية المطلب" من هذا الطريق.
وأمّا أخبار أهل المذهب من الفقهاء؛ فالذي ظهر لنا من تتبعّ الأخبار الواردة في كتاب تلميذه "فهرست اللبلي" أنّ الإمام العز يرويها عن طريق شيخه المحدِّث الفاضل أبي محمد بهاء الدين القاسم بن حافظ دمشق ومؤرّخها علي بن الحسن ابن عساكر، وكان محدثًا صدوقًا، وصفه الذهبي بأنَّه: متوسط المعرفة، معرفًا للغرباء، له أنسة بالحديث (١).
* * *
* الفتاوى
* نماذج من فتاوى العزّ:
قُصِد الإمام العز بالفتوى من الآفاق؛ فكانت ترده الأسئلة ويُجيب
стр. 86
عليها، بأخصر عبارة دون تكلّف أو إلباس للسائل؛ وللإمام العز كتابان في الفتوى هما "الفتاوى المصرية"، و"الفتاوى الموصليّة"؛ نذكر عنهما من فتاويه ما أجاب رحمه الله تعالى في قسم التوحيد والإيمان والسنّة والعلم عن عدد من الأسئلة، بدأها بفتوى عن بيان معنى الحديث الموقوف عن ابن مسعود "ما رآه المسلمون حسنًا، فهو عند الله حسن"، وأنّ المراد بالمسلمين أهل الإجماع، ثمّ أفتى أنَّه لا يحرم ردّ السلام على من يقول بخلق القرآن، لأنّهم مسلمون، بل يجب ردّ السلام عليهم، كما يجب على غيرهم، وبيَّن المراد من النهي عن كتم العلم، بأنّه العلم الذي يجب تعلّمه في علوم الشرع، وأنّه لا يجوز دفع المصاحف والتفاسير ولا كتب الحديث إلى كافر لا يُرجى إسلامه، وينكر على فاعله، وأجاب عمّن يحبّ سيدنا عليًّا وينتهك المحارم، بحجَّة أنّ حبَّه يمحي السيئات والمعاصي، فقال: "حبّ عليّ ﵁ من الإيمان، فمن أحبّه وأطاع ربّه، كان له ثواب حبّه، وأجر طاعته، وكان عند الله من السعداء، ومن أحبَّه وعصى ربّه، كان له حبّه، وعليه وبال معصية ربّه، وكان عند الله من الأشقياء".
وفي الجواب عن زيادة الإيمان ونقصه، قال العز ﵀ بأنّ الإيمان ضربان: حقيقي وهو ما كان يتعلّق بمتحد وحقيقة مفردة كالإيمان بوجود الله، والإيمان بالوحدانية، فهذا لا يتصوّر فيه زيادة ولا نقصان، وإن كان الإيمان يختلف متعلّقه، كالإيمان بكل صفة، وكلّ آية، فهذا يزيد وينقص بزيادة متعلّقه ونقصانه، وأمّا الإيمان المجازي، وهو فعل الطاعات، وترك المعاصي، فهذا يزيد بزيادة الطاعات، وينقص بنقصانها.
стр. 87
وأجاب عن رؤية الله في الآخرة، وأنّه يرى بالنور الذي خلقه في الأعين زائدًا عن نور العلم.
وأجاب أنّه يجوز تقليد كلّ واحد من الأئمّه الأربعة ﵃، ويجوز لكل واحد أن يقلّد أحدهم في مسألة، ويقلّد إمامًا آخر منهم في مسألة أخرى، ولا يتعيّن عليه تقليد واحد بعينه في كلّ المسائل، ولا يجوز تتبع الرخص.
ولا يجوز ترك السنّة لمشاركة المبتدعين فيها، إذ لا يترك الحق لأجل الباطل، وإذا صحّ عن بعض الصحابة مذهب في حكم من الأحكام لم يجز مخالفته إلَّا بدليل أوضح من دليله، ولا يجب على المجتهدين تقليد الصحابة في مسائل الخلاف.
وقال العزّ: لم يصحّ في تلقين الميّت شيء، وهو بدعة، والحديث محمول على مَن دَنَا موته، ويُئس من حياته، فأمّا ثواب القراءة فمقصور على القارئ لا يصل إلى غيره.
وقال: "لا خير في ورع يؤدي إلى إسقاط فرائض الله ".
وفي العبادات أجاب العزّ رحمه الله تعالى بأنّ أمر الرسول بالمحافظة على الصلوات أوّل الوقت، ولم يأمر بالمحافظة على الأداء، لإجماع المسلمين على أنّ تأخير الأداء بغير عذر شرعي غير جائز.
وسُئل العزّ عن الصلاة على الميّت بعد الغسل، أو بعد الحمل إلى المصلّى، فقال: الأوْلى أن يحمل إلى المصلّى؛ لأنهّ فعل الخلف والسلف، لأنّ الحمّالة يكثرون ... ، وفي سؤال عن المداومة على العبادة قال العزّ رحمه الله تعالى: "لا يمقت الربُّ أحدًا من عباده، إلَّا على ترك الواجب
стр. 88
وإنكار الحرام، وقال عن التلحين في الأذان: نعم يجاب المؤذن إن لحّن الأذان، ... وإن أمكن الإنكار عليه باللسان أنكر، ... وتلحين القرآن أعظم إثمًا من تلحين الأذان، وأبْعد من أجاز تلحين القرآن من العلماء".
وسُئل عن صلاة التراويح في جماعة، فقال: صلاة التراويح في الجماعة أفضل منها في الانفراد، وكذلك فعل الصحابة ﵃ تداوله الناس من بعدهم، والخير في اتباع السلف، ... وقراءة القرآن فيها أفضل من تكرير سورة الإخلاص، لأنّ ذلك مسنون منقول، وليس تكرير سورة الإخلاص مسنونًا في الصلاة، وإن فُعل فلا بأس.
وفي السؤال عن الجهر في النوافل، قال العزّ رحمه الله تعالى: السنة في سنن الفرائض الإسرار في الليل والنهار، وعليه عَمَلُ أهل الأمصار.
وعن ذكر الشعر في الخُطبة قال: لا تذكر الأشعار في الخُطبة؛ لأنهّ من أقبح البدع، وقال عن لباس الخطيب الألبسة السوداء، أحبّ الثياب إلى الله البياض، وقد لبس رسول الله ﷺ عمامة سوداء يوم فتح مكّة (أخرجه أحمد والترمذي)، والمواظبة على لبس السواد بدعة إلى غير ذلك، وقال: السُنّة تسطيح القبور، والتختم في الأيمان.
وفي المعاملات والآداب والحدود والقضاء، قال العزّ رحمه الله تعالى: "لا بأس بقيام الإكرام للناس"، وقال: "ومن فعل طاعة لله تعالى، ثمّ أهدى ثوابها إلى حيّ أو ميّت لم ينتقل ثوابها إليه، إذ ليس للإنسان إلَّا ما سعى، فإنْ شرع في الطاعة ناويًا أن يقع على الميّت (فلا تصحّ) عنه، إلّا فيما استثناه الشرع، كالصدقة، والحج، والصوم".
стр. 89
وسُئل عن الإنشاد، والتواجد، والرقص، والسماع، فقال رحمه الله تعالى: "الرقص بدعة، لا يتعاطاه إلّا ناقص العقل، ولا يصلح إلّا للنساء، وأمّا سماع الإنشاد المحرّك للأحوال السيئة بما يتعلق بالآخرة فلا بأس به، بل يندب إليه عند الفتور، وسآمة القلوب، لأنّ الوسائل إلى المندوب مندوبة، والعادة كلّها في اتباع الرسول ﷺ ، واقتفاء أصحابه، الذين شَهد لهم بأنّهم خير القرون ... ، والسماع يختلف باختلاف السامعين والمسموع منهم ... ".
وقال العزّ رحمه الله تعالى: "من تحتم قتله بذنب من الذنوب، لم يجز له أن يقتل نفسه، وستره على نفسه مع التوبة أولى"، وسُئل عن حكم القضاة غير الملتزمين بشرائع الإسلام، فقال: "من لا أهلية له من القضاة والولاة، إذا حكموا بحق، وأمروا به، أو دفعوا منكرًا، ونهَوا عنه، أو تصرفو المجانين، أو للغيّب والأيتام، وأقاموا في جميع ولايتهم بما يوافق الحقّ والصواب، فإننا ننفذه تحصيلًا لمصالح أهل الإسلام ... ، وكذلك تصرفات الملوك والولاة الجائرين، ننفّذ منها ما وافق الحقّ والصواب، ونردّ منها ما ليس بحقّ".
وسُئل عن القيام للآخرين عند قدومهم، فقال رحمه الله تعالى: "لا بأس بالقيام لمن رُجي خيرُه، أو يخاف شرّه من أهل الإسلام، وأمّا الكفار فلا يقام لأحد منهم ... ، وأمّا إكرامهم بالألقاب الحسان فلا يجوز إلَّا لضرورة، أو حاجة ماسّة".
وسُئل: هل لقضاة عصرنا أن يحكموا بما يُؤثرون (يفضلون) من
стр. 90
المذاهب، أم يتوقف ذلك على بلوغهم درجة الاجتهاد ومرتبته، ولعلّ أحدهم يقول: أختار هذا الوجه، وألغي هذا الوجه؟ فأجاب العزّ ﵀: "ليس ذلك لقضاة هذا الزمان؛ لأنَّهم يفعلون ذلك بناء على أغراض فاسدة، ولا سيما من ليس له أهلية الاجتهاد".
وسُئل عن شروط المفتي، فقال: "يُشترط في المفتي والحاكم أن يكون مجتهدًا في أصول الشريعة، عارفًا بمآخذ الأحكام، فإنْ عجز عن ذلك، فليكن مجتهدًا في مذهب من المذاهب، فإن عَجزَ عن ذلك فله أنْ يفتي بما يتحققه، ولا يشك فيه، وما يبرح عن ذلك، فإن كان خطؤه فيه بعيدًا نادرًا جاز له الفتوى والحكم، وإلّا فلا".
وسُئل عن القرض الذي يجرّ منفعة؟ فقال ﵀: "القرض الذي يجرّ منفعة هو القرض الذي يَشترط فيه المقترض منفعة لنفسه، فإنْ لم يشترط ذلك، وردّ أفضل ممّا أخذ، فهذا من باب مكافأة الإحسان بالإحسان"، وقد قال ﵇: "خيركم أحسنكم قضاء".
وفي الطعام والشراب واللباس والزينة، سُئل عن اللحم يُشترى من السوق، ثمّ يطبخ من غير غسل ... ؟ فقال رحمه الله تعالى: "لا يحكم بنجاسته، والورع أنْ لا يؤكل حتّى يُغسل".
وسُئل عن تعليق الحرز في رقاب الخيل؟ فقال: "هذه بدعة، وتعريض لكتاب الله للإهانة، بما يتعلّق به من النجاسة، ولم يكن الصحابة يصنعون شيئًا من ذلك".
وفي الزواج والطلاق: سُئل عن ولاية الفاسق لعقد النكاح؟ فقال
стр. 91
رحمه الله: "الأصحّ أنّ الفسق لا يمنع من ولاية النكاح، لأنّ العدالة شُرطت من الولاية، حثًّا للولاة على القيام بمصالح الولايات، ودفع مفاسدها، وطبع الولي يحثّه على تحصيل مصالح النكاح، ويزعه عن إدخال العار على نفسه وعلى وليه، والوازع الطبعي أقوى من الوازع الشرعي".
وسُئل عن تزويج الولي موليته ممّن لا يواظب على الصلاة؛ فقال رحمه الله تعالى: "لا يجوز ذلك إجبارًا، ويجوز برضاها إنْ كانت ممّن يعتبر رضاها، ويكره كراهة شديدة إلَّا أنْ يخاف من فاحشة، أو ريبة، ولا ينعقد النكاح إلَّا بحضور عدلين مستورين، يغلب على الظنّ عدالتهما".
ولا يضير الإمام العز أن يُخالف شيخه الفخر بن عساكر في مسألة كتابة الصداق في الحرير؛ يقول ابن السُّبكيّ: "كان الشيخ ابن عساكر ﵀ يُفتي بجواز كتابة الصداق على الحرير وخالفه تلميذه شيخ الإسلام عز الدين ابن عبد السلام فأفتى بالمنع، وبه أفتى النووي، إلا أنه عزا ذلك إلى تصريح أصحابنا، ولم أجد ذلك في كلام واحد منهم" (١).
ويظهر من هذه النماذج من فتاوى العزّ حرصه على الالتزام بالكتاب والسنَّة، وما ثبت عن الصحابة والسلف، وما شاع وانتشر في العالم الإسلامي، وعرف من الدين بالضرورة، وأنّه يجمع في الاستدلال والتعليل بين النقل والعقل، والنصوص والمصالح، بما يتّفق مع مقاصد الشريعة، ويحقق النتائج العملية لأحكام الدين.
كما يظهر أنّ الإمام العزّ بن عبد السلام لم يكن مفتيًا كأكثر المفتين
стр. 92
في عصرنا الحاضر، ولم يقتصر على بيان الحكم الشرعي للأفراد، إنْ وجّه إليه سؤال في العبادات، أو عرضت له قضية في الزواج والطلاق والميراث، وإنّما كان مفتيًا في كلّ أحكام الشرع، وكلّ مشتملات الفقه الإسلامي، وكانت توجّه إليه الأسئلة من الأقاليم والأطراف والبلدان، ويبين حكم الشرع في كلّ ما يستجدّ من أحداث وقضايا ووقائع حتّى في أمور الجهاد والحرب والقتال وجباية الأموال، ومبايعة الخليفة وتعيين الأمراء والسلاطين.
وفوق كلّ ذلك لم يكن العزّ مفتيًا لتسويغ التصرفات المنحرفة أو الجائرة على الشعب، وتأييد الحكام والأمراء بالأحكام الشرعية التي توافق هواهم، أو تتفق مع آرائهم السياسيّة، كما لم يقتصر على السكوت بغية السلامة، كما يفعل مفتو اليوم، بل كان الشيخ عزّ الدين مفتيًا لبيان الحكم الشرعي الإلهي السماوي فيما يخصّ الدولة والأمّة والوطن والشعب والأفراد، ويبيّن حكم الله ودينه في كل ذلك، سواء وافق هوى الحاكم أم خالفه، فالحقّ والشرع والدين فوق الخلفاء والحكّام والسلاطين والأمراء، ومقدمة عليهم، وهي الأصل لتكون متبوعة، لا تابعة، ويكون الشعب والحكّام من ورائها ملتزمين وتابعين ومنفّذين، ويكون العلماء والدعاة والمفتون مراقبين على صحّة التطبيق والتنفيذ.
ومن هنا فحُقَّ للعزّ أن يوصف بجدارة بأنّه "مفتي الشام" وأنْ "يقصده الناس بالفتاوى من الآفاق" وأنْ يكون "سلطان العلماء" وأنْ تكون له "الفتاوى السديدة" وأنْ يُخلد اسمه، وتبقى ذكراه عطرة على مرّ التاريخ، وأن يكون شعارًا لمدرسة إسلامية متميزة في العالم، وفوق كلّ ذلك أنْ ينال الأجر
стр. 93
العظيم، والثواب الجزيل عند ربّ العالمين (١).
* * *
* آراؤه في المذهب:
للإمام العز آراء نصرها في المذهب؛ فرجَّح أقوالًا ووهّن أخرى؛ كما بيَّنَّا ذلك في بعض هوامش تحقيقنا للكتاب؛ فقد يُخالف الإمام العزّ إمامَ الحرمين في مواضع، فيقول (قال الإمام) ويردُّ عليه بـ (قلتُ) فحسبُ؛ وهذا من مظاهر الأدب عند ابن عبد السلام ذلك أنَّ مدرسته في الاختصار تحترم الكتابَ الأصل المختصَرَ، وتحترم مؤلّفَه، فلا يذكر فيه جرحًا أو طعنًا أو سوءًا في ردِّ الأقوال ودفعها.
وقد تيسَّر للدكتور الشيخ علي الفقير، دراسة هذا الكتاب "الغاية في اختصار النهاية" فرجع إلى نسخته المصرية الكاملة التي ينقص منها الجزء الثالث فقط، فأقام عليها دراسته لفقه الإمام، وآرائه وأقواله فيما تيسَّر له من كتب الإمام الأخرى، وأخرج ذلك في أطروحته للدكتوراه في مجلدين بعنوان "الإمام العزّ بن عبد السلام وأثره في الفقه الإسلامي" (٢). وهي من أوسع ما كُتب عن العزّ ﵀؛ فنحيل إليه لمَنْ أراد الاستزادة.
стр. 94
وقد عقدنا فهرسًا في آخر الكتاب خاصًّا بأقوال الإمام العز وترجيحاته في هذا الكتاب.
* * *
* المدرسة الشاميَّة في الفقه الشافعي:
* دخول المذهب الشافعي إلى الشام (١):
عُرف للمذهب طريقان: بغداديُّ وخراسانيٌّ؛ والسؤال المتبادر للأذهان: هل هناك مدرسة شاميَّة للفقه الشافعيّ؟ وما معالمُها البارزة؟
في الحقيقة إنّ وجود مدرسة شاميَّة لفقه الشافعية لم يذكره مؤرِّخو الفقه والتشريع، لكن يُمكن القول إنّ الفقه الشافعيَّ وصل إلى الشام بطريق الخراسانيين وطريق العراقيين، وهو ما يظهر من إسناد النوويِّ في الفقه، والذي سطَّره في كتابه "تهذيب الأسماء واللغات"، فاستفاد فقهاء المذهب الشاميّون، ولا سيما فيمن رأينا كتبهم كابن الصلاح، وابنُ عبد السلام، والنووي، من الطريقتين، وكانت لهم مدرسة محرَّرة، استقرَّت وتوافقت في القرن السابع على يد محرِّر المذهب الإمام النووي ﵀، وأصبح المصنّفون بعده شُرًّاحًا لكتبه، وعليها الفتوى. ولا ننسى أنّ "نهاية المطلب" أو "المذهب الكبير" قد اختُصِر على يد اثنين من علماء الشام: ابن أبي عصرون، وابنُ عبد السلام.
انتشر المذهب الشافعي أوّل مرّة في الشام عند تولّي الشَيخ أبي زُرْعة
стр. 95
محمّد بن عثمان الدمشقي سنة (٣٥٢ هـ) قضاء دمشق بعد قضاء مصر، فكان يُشجِّع على حفظ مختصر المزني، فَيُعطي لمن يحفظه مئة دينار (١).
وكثُر أتباعُ الشافعيّ بالشام حتى انتشر المذهب انتشارًا واسعًا فيها، زاحم المذاهب الأخرى، ولا سيما بعد القرن الخامس، حيث عُرف فيها فقهاء مشهورون، وأئمّة معروفون على مستوى عصرهم، مثل ابن أبي عصرون، وفخر الدّين ابن عساكر، والعزّ بن عبد السلام، وابنُ الصلاح، وسديد الدين التزمنتي، والنووي، والمِزِّيّ، وابنُ قاضي شهبة، وابنُ النفيس الطبيب الفقيه، وابنُ قاضي عجلون، وغيرهم كثير.
وفي عهد صلاح الدين الأيوبي أبطل العمل بالمذهب الشيعي، وأحيى المذاهب الأربعة السنيَّة، وجعل للمذهب الشّافعيّ الحظّ الأوفر، فقد كان هو وأسرته شافعيّين؛ وهو ما يُفسّر أحد أسباب نهضة المذهب في بلاد الشام.
وعرفت دمشق في تاريخها ستّين مدرسةً للمذهب الشافعيّ وحده (٢)؛ أوّلُها المدرسةُ الأمينيّة الشافعيّة، التي تأسّست سنة (٥١٤ هـ) على يد أمين الدين كمَشْتكين، نائب قلعة بُصْرى وصرخد (٣).
* * *
стр. 96
* أعلام الشافعية في الشام حتى القرن الثامن الهجري:
اشتهر في الشام حتى عصر ابن عبد السلام عددٌ كبير من الفقهاء؛ لكنَّ الذين تركوا بصمة منهم: تصنيفًا وإفتاءً وشهرةً في العلم حتى القرن الثامن الهجري؛ هم أبو زُرْعة الدمشقي، وابنُ أبي عصرون، والفخر ابن عساكر، وابنُ الصلاح، والعز بن عبد السلام، والنَّوويّ، والأذرعيّ، وابنُ قاضي شهبة؛ وتتميّز (المدرسة الشاميّة) من حيث الخلاصة بما يأتي:
١ - الجمع بين طريقتي الخراسانيين والبغداديين؛ وهو ما رأيناه في كتب ابن أبي عصرون، وابنُ الصلاح، والعز بن عبد السلام، والنَّوويّ، والأذرعيّ، وابنُ قاضي شهبة.
٢ - تحرير المذهب؛ حتَّى إنَّ من كتبها ما يُعدّ أساس المذهب، وعليها الفتوى؛ وهو ما رأيناه في كتب النووي ﵀.
٣ - حُسن التأليف والتبويب والتلخيص والتفريع؛ وهو ما رأيناه في كتب ابن الصلاح، والعز بن عبد السلام، والنَّوويّ، والأذرعي، وابنُ قاضي شهبة.
٤ - الاطّلاع الواسع لعلمائها على كتب الشافعية السَّابقين؛ وهو ما رأيناه في فتاوى وكتب ابن أبي عصرون، والفخر ابن عساكر، وابنُ الصلاح، والعز بن عبد السلام، والنَّوويّ، وابنُ قاضي شهبة، ونلمس عند الأذرعيّ اطّلاعًا مميَّزًا، جعل المتأخِّرين ينقلون عنه نقولًا لا يجدونها عند الآخرين؛ لوقوفه على كتب نادرة يعزُّ وجودها؛ وفي "مغني المحتاج" للخطيب الشربيني نحو (٨٥٠) نقلًا عنه.
стр. 97
وسنترجم في هذه الفقرة لهؤلاء الأئمَّة الكبار؛ مبيِّنين علوَّ كعبهم في الفقه الشافعي، وأثرهم في انتشاره وتحريره؛ ذلك أنّ فترتهم الزمنيَّة غطّت عصر انتشار المذهب في بلاد الشام، وعصر الإمام العز، والفترة التي بعده:
١ - أبو زُرْعة الدمشقي:
هو مُحَمَّد بن عُثْمَان بن إِبراهِيم بن زُرْعَة الثقفيّ: قاضي دمشق، ولي قضاء مصر سنة أربع وثمانين ومئتين ولم يلِ بعده قضاء مصر ولا قضاء الشام إلا شافعيّ المذهب غير ابن خديم قاضي الشام فإنه كان أوزاعيّ المذهب، ثم لم يزل الأمر للشافعية مصرًا وشامًا، إلى أن ضمَّ الملك الظاهر بيبرس في سنة أربع وستين وستمئة القضاة الثلاثة إلى الشافعية.
كان رجلا رئيسًا، يقال إنه الذي أدخل مذهب الشافعيِّ إلى دمشق، وإنه كان يهب لمن يحفظ مختصر المزني مئة دينار.
قال ابن زولاق: كان عفيفًا شديد التوقف في إنفاذ الأحكام، وله مال كثير وضياع كبار بالشام.
توفي أبو زرعة القاضي بدمشق سنة (٣٠٢ هـ) (١).
٢ - ابن أبي عصرون:
هو عبد الله بن محمد بن هبة الله بن علي بن المطهر بن أبي عصرون بن أبي السري، القاضي الإمام أبو سعد التميميّ الموصليّ، قاضي القضاة شرف الدين: نزيلُ دمشق وقاضي القضاة بها وعالمها، مولده في (٤٩٣ هـ) في الموصل.
стр. 98
تفقه وقرأ بالسبع وبالعشر، وأخذ الأصول، وروى الحديث.
أقام بسنجار مدّة، ودخل حلب في سنة (٥٤٥ هـ)، ودرّس بها وأقبل عليه صاحبها إذ ذاك الملك نور الدين الشهيد فلما انتقل إلى دمشق سنة (٥٤٩ هـ) استصحبه معه، ودرس بالغزالية، وولي نظر الأوقاف، ثم ارتحل إلى حلب، ثم ولي قضاء سنجار وحران وديار ربيعة، وتفقّه عليه هناك خلائق، ثم عاد إلى دمشق في سنة (٥٧٠ هـ)، فولي بها القضاء سنة (٥٧٣ هـ)، وعظمت مكانته في دمشق.
قال ابن السُّبكيّ: وكان من أعيان الأُمَّة وأعلامها عارفًا بالمذهب والأصول والخلاف، مشارًا إليه في تحقيقات الفقه ديّنًا خيًّرا متواضعًا، ملأ البلاد تصانيف وتلامذة، وعنه أخذ الفقه شيخ الإِسلام فخر الدين ابن عساكر وغيره، وبنى له الملك نور الدين المدارس بحلب وحماة وحمص وبعلبك، وبنى هو لنفسه مدرستين بدمشق وبحلب.
ومن تصانيفه: "صفوة المذهب على نهاية المطلب" في سبع مجلدات، اختصر به "نهاية المطلب في دراية المذهب" للجوينيّ، و"الانتصار" في أربع مجلدات، و"الذريعة في معرفة الشريعة"، و"التيسير في الخلاف" وكتابه "الموافق والمخالف" مذعِنًا لدينه وورعه وسعة علمه وكثرة رياسته وسؤدده؛ توفي سنة (٥٨٥ هـ) (١).
٣ - الفخر ابن عساكر:
هو عبد الرحمن بن محمد بن الحسن بن هبة الله الدمشقي، أبو منصور،
стр. 99
فخر الدين ابن عساكر، شيخ الشافعية بالشام، قال فيه ابن السُّبكيّ: آخر من جُمع له العلم والعمل (١).
وُلد سنة (٥٥٠ هـ)، وتفقَّه بدمشق على الشيخ قطب الدين النَّيْسابوري، وسمع الحديث من عمَّيْه الإمامَيْن الحافظ الكبير أبي القاسم والصائن هبة الله، وجماعة، وحدَّث بمكة ودمشق والقدس.
روى عنه الحافظ زكي الدين البرزالي، وزين الدين خالد، وضياء الدين المقدسي وآخرون.
وله تصانيف في الفقه والحديث وغيرهما، وبه تخرَّج الإِمام العزُّ بن عبد السلام.
كان إمامًا صالحًا، قانتًا، عابدًا، زاهدًا، ورعًا، لا يخلو لسانه عن ذكر الله، منقطعًا إلى العلم والعبادة، قليل الرغبة في الدنيا، ثقةٌ، كثير التهجد، غزير الدمعة، كثير التواضع، قليل التعصب.
وكان يزجي أكثر أوقاته في نشر العلم، وكان مطَّرح التكلف، وعرضت عليه مناصب وولايات دينية فتركها.
وهو أحد الأئمة المبرزين بل واحدهم فضلا وكبيرهم قدرًا، شيخ الشافعية في وقته.
والظاهر أنّ مواقفَ العزّ بن عبد السلام مع السلاطين كانت متأثّرة بشيخه؛ إذ أُريد الفخر بن عساكر على القضاء فامتنع. وطلبه الملك العادل
стр. 100
ليلًا، وبالغ في استعطافه، وألحَّ عليه، فقال: حتَّى أستخير الله. وخرج فقام ليلته في الجامع يتضرع ويبكي إلى الفجر فلما صلى الصبح وطلعت الشمس أتاه جماعة من جهة السلطان فأصر على الامتناع وجهز أهله للسفر وخرجت المحابر إلى ناحية حلب فردها السلطان ورَقَّ عليه وأعفاه، وقال: عيِّن غيرك. فعيَّن له ابنَ الحرستاني؛ واتفق أهل عصره على تعظيمه في العقل والدين. وكان فخر الدين ابن عساكر قد وقع بينه وبين الملك المعظَّم لأنّه أنكر عليه تضمين المكوس والخمور فانتزع منه المدرسة التقوِيَّة بدمشق والمدرسة الصلاحيَّة بالقدس؛ إذ كان يقيم بدمشق أشهرًا وبالقدس أشهرًا، وكان عنده بالتَّقوِيَّة فضلاء الوقت حتى كانت تسمَّى نظاميَّة الشام، وهو أول من درس بالعذراوية سنة (٥٩٣ هـ).
وكان يتورع من المرور في رواق الحنابلة لئلا يأثموا بالوقيعة فيه وذلك لأنَّ بني عساكر من أعيان الشافعية الأشعرية.
قال ابن السُّبكيّ: "كان الشيخ ابن عساكر ﵀ يفتي بجواز كتابة الصداق على الحرير وخالفه تلميذه شيخ الإِسلام عز الدين بن عبد السلام فأفتى بالمنع، وبه أفتى النووي، إلا أنه عزا ذلك إلى تصريح أصحابنا ولم أجد ذلك في كلام واحد منهم" (١).
توفِّي سنة (٦٢٠ هـ)؛ وكانت جنازته مشهودة قلَّ أن وُجد مثلها (٢).
стр. 101
٤ - ابن الصلاح:
عثمان بن عبد الرحمن بن موسى بن أبي نصر الكردي الشهرزوري، تقي الدين، أبو عمرو بن الصلاح:
ولد سنة (٥٧٧ هـ).
أحد أئمة المسلمين علمًا ودينًا؛ تفقَّه على والده ثم رحل إلى الموصل، فاشتغل بها مدّة، وبرع في المذهب.
وسمع الكثير بالموصل، وبغداد، ودُنَيْسِر، ونيسابور، ومرو، وهمدان، ودمشق، وحرَّان.
روى عنه الفخر عمر بن يحيى الكرجي، والشيخ تاج الدين الفركاح، وأحمد بن هبة الله بن عساكر، وآخرون.
وتفقَّه عليه خلائق وكان إماما كبيرا، فقيهًا، محدثًا، زاهدًا، ورعًا، مفيدًا، معلِّمًا.
استوطن دمشق، وجال في بلاد خراسان، واستفاد من مشايخها، وعلّق التعاليق المفيدة، وورد دمشق ودرَّس بالمدرسة الصلاحية بالقدس، ثم ورد دمشق مقيمًا، ووليَ تدريس المدرسة الرواحيَّة والشاميَّة الجوانيّة ومشيخة دار الحديث الأشرفية، سنة (٦٣٠ هـ)، وأملى بها علوم الحديث، وكانت العمدة في زمانه على فتاويه وكان لا يُمكَّن أحدًا في دمشق من قراءة المنطق والفلسفة، والملوكُ تطيعه في ذلك.
قال ابن خلكان: كان أحد فضلاء عصره في التفسير والحديث والفقه، وله مشاركة في فنون عدة وكانت فتاويه مسدَّدة. بلغني أنه كرر على جميع
стр. 102
"المهذب" [للشيرازيّ] ولم يطرَّ شاربُه، ثم ولي الإعادة عند العماد بن يونس (١).
وقال ابن الحاجب في معجمه: إمام ورع، وافر العقل، حسن السمت، متبحر في الأصول والفروع، بالَغَ في الطلب حتى صار يضرب به المثل، وأجهد نفسه في الطاعة والعبادة.
وقال الذهبي: كان إمامًا بارعًا حجة، متبحرًا في العلوم الدينية، بصيرًا بالمذهب ووجوهه, خبيرًا بأصوله، عارفًا بالمذاهب، جيد المادة من اللغة والعربية، حافظًا للحديث، متفننًا فيه، حسن الضبط، كبير القدر، وافر الحرمة، مع ما هو فيه من الدين والعبادة والتنسك والصيانة والورع والتقوى، وكان عديم النظير في زمانه.
كان معظّمًا في النفوس كثير الهيبة، يتأدَّب معه السلطان فمن دونه؛ ويُحكى عنه أنّه قال: ما فعلتُ صغيرة في عمري.
ومن تصانيفه: "مشكل الوسيط"، و"كتاب الفتاوى"، و"علوم الحديث"، و"أدب المفتي والمستفتي"، و"طبقات الفقهاء الشافعيَّة".
وقع بينه والعز بن عبد السلام خلافٌ مشهور حول مسائل منها صلاة الرغائب المبتدعة.
توفي بدمشق سنة (٦٤٣ هـ) (٢).
стр. 103
٥ - العز بن عبد السلام:
وقد ترجمناه في هذه المقدّمة.
٦ - النووي:
يحيى بن شرف بن مرِّي النووي، محيي الدِّين، أبو زكريَّا.
وُلد سنة (٦٣١ هـ)، بنوى من قرى درعا جنوب دمشق.
شيخ الإِسلام والمسلمين، وعمدة الفقهاء والمحدثين ومحرِّر المذهب الشافعيّ، ومهذّبه، ومنقّحه، ومرتّبه، صاحب التصانيف المشهورة، برع في علوم الحديث، والفقه، وألّف فيهما الكثير من المؤلّفات النافعة المباركة، مثل "المجموع"، و"منهاج الطالبين"، و"التنقيح"، و"روضة الطالبين"، و"التّحقيق"، و"تصحيح التنبيه"، و"الفتاوى"، و"المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج"، و"تهذيب الأسماء واللغات" و"رياض الصالحين"، و"الأذكار".
قدم دمشق سنة (٦٤٩ هـ)، وسِنُّه تسعة عشر عامًا؛ وكان قدومه دمشق بعد مغادرة العز بن عبد السلام دمشق إلى مصر بعشر سنوات (٦٣٩ هـ)، وأخذ فيها عن علمائها الفقه والحديث والأصول والعربية.
والظاهر أنهّ لم يرَ العزّ بن عبد السلام إذ لم تردنا أخبار تؤكّد أو تحتمل لقاءه، لذلك كان تأثّره بالعزّ ضعيفًا؛ لكنّه نقل عن فتاوى الإِمام العز، في موضع واحد في كتابه "روضة الطالبين" في كتاب السير، في فصل في السلام، قوله: "وقد حث الشرع على المصافحة، وجعله الشيخ الإِمام أبو محمد بن عبد السلام من البدع المباحة، ويستحبُّ مع المصافحة البشاشة
стр. 104
بالوجه والدعاء بالمغفرة وغيرها" (١)، كما نقل عنه في "المجموع" (٢)، حول الخلاف مع ابن الصلاح حول خُلوف الصائم (٣). والصحيح أنهّ لم يطَّلع على هذا الكتاب "الغاية" لأننّي أُرجِّح تأليفه في مصر، كما تبيَّن من تاريخ النسخ الخطية المعتمدة، وما في "المجموع في شرح المهذّب" من نقول عن "الغاية" فهو من تدوين السُّبكيّ في "تتمّته".
وأشهر المؤلفات التي صنّفها في مذهب الشافعيّ ﵁:
١ - منهاج الطالبين، وهو اختصار لكتاب "المحرر" الذي ألّفه الرافعي، إلّا أن "منهاج الطالبين" يمتاز عن "المحرر" بما ضمّنه النووي من "التنبيه" على قيود بعض المسائل هي في الأصل محذوفات، ومنها مواضع يسيرة ذكرها في "المحرر" على خلاف المختار في المذهب. ومنها إبدال ما كان من ألفاظه غريبًا أو موهمًا خلاف الصواب بأوضح وأخصر منه بعبارات جليات، ومنها بيان القولين، والوجهين، والطريقتين، والنص، ومراتب الخلاف في جميع الحالات، ومنها مسائل نفيسة ضمّها إليه ينبغي أن لا يخلي الكتاب منها. وبذلك جاء هذا المختصر كما أراده له مؤلّفه في معنى الشرح للمحرر، إلّا أنّه أكثر تحريرًا للرأي المعتمد في المذهب.
٢ - "المجموع في شرح المهذّب"، شرح فيه كتاب أبي إسحاق الشيرازي، وقد أوضح النووي منهجه في هذا الشرح فقال: "فلهذا لا أترك قولًا أو
стр. 105
وجهًا أو نقلًا ولو كان ضعيفًا أو واهيًا، إلّا ذكرته إذا وجدته، إن شاء الله، مع بيان رجحان ما كان راجحًا، أو تضعيف ما كان ضعيفًا، وتزييف ما كان زائفًا. وأحرص على تتبع كتب الأصحاب من المتقدمين والمتأخرين إلى زماني من المبسوطات والمختصرات، وكذلك نصوص الإِمام الشافعيّ صاحب المذهب ﵁ فأنقلها من نفس كتبه المتيسرة عندي كالأم، والمختصر، والبويطي، وما نقله المفتون والمعتمدون من الأصحاب". وبيّن الإِمام منهجه في الشرح بأنّه يهتم بتبيين لغات المهذّب وألفاظه وتعريف المصطلحات الفقهية، وذكر الأحاديث الصحيحة والحسنة والضعيفة والمرفوعة والموقوفة، ويتكلّم على سندها ورجالها، ويخرّجها من كتب السنّة ويترجم لأسماء الأصحاب والعلماء والرواة، ويعرّف بهم تعريفًا موجزًا يرفع الإبهام والإشكال والالتباس عنهم، وإذا كان الحديث ضعيفًا بيّن الدليل للحكم الفقهي ولو بحديث آخر بقوله: ويغني عنه كذا. ثمّ يسهب النووي في بيان الأحكام بعبارة سهلة، ويضم الفروع والتتمّات والزوائد والقواعد والضوابط في الفقه، ويحدّد ما اتفق عليه أصحاب الشّافعيّ. وما انفرد به بعضهم، ملتزمًا بيان الراجح والمعتمد في المذهب، ويتتبع فتاوى الأصحاب في كتب الأصول والطبقات والشروح، فإنْ كان القول مشهورًا أو للجمهور ذكره من غير تعيين قائله، وإنْ كان القول غريبًا أضافه إلى قائله، كما يذكر مذاهب السلف من الصحابة والتابعين مع أدلتها ويبسط الكلام في الأدلّة، ويجيب عن بعضها، كما ينقل مذاهب الأئمة والعلماء، ويذكر أدلّة كل مذهب ويناقش الأدلّة، ويرجّح بينها بما يتفق غالبًا مع المعتمد والراجح في المذهب الشّافعيّ، ولكن
стр. 106
الإِمام النووي تُوفِّي قبل أنْ يتمّ الكتاب، وقد وصل إلى باب الربا، وجاء شرحه هذا في تسع مجلدات، ثمّ قام تقي الدين عليّ بن عبد الكافي السُّبكيّ (ت: ٧٥٦ هـ) وبدأ في إتمامه، وأنجز ثلاث مجلدات ثمّ مات، وقد كمّله أحد علماء الحضارمة، كما كمّله عالم من علماء العراق، وأخيرًا انتهى "المجموع" على يد الشيخ محمد بخيت المطيعي.
٣ - روضة الطالبين ونزهة المفتين، هذّب به كتاب الرافعيّ (شرح الوجيز) بطريقة متوسطة بين المبالغة في الاختصار والإيضاح، وحذف الأدلة في معظمه، واستوعب جميع فقه الكتاب، حتى الوجوه الغربية المنكرات، واقتصر على الأحكام، وضمَّ إليه في أكثر المواطن تفريعات وتتمات، واستدرك على الإِمام الرافعي في مواضع يسيرة، منبِّهًا على ذلك.
وللإمام النوويّ منهج في الترجيح وضّحه في مقدِّمته لكتاب "المجموع" فذكر القواعد التي اعتمدها في الترجيح بين أقوال الإِمام الشافعي وأوجه أصحابه المنتسبين إلى مذهبه، يخرَّجونها على أصوله، ويستنبطونها من قواعده؛ وملخصها:
١ - القول المعضد بالدليل الذي لا معارض له، سواء كان قديما أو جديدًا هو مذهب الشافعي، حيث صحّ عنه قوله: "إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﷺ فقولوا بسنة رسول الله ﷺ ودعوا قولي".
٢ - القول الجديد للشافعيّ هو مذهبه، إذا نصّ في الجديد على خلاف القديم، أمّا إذا لم يتعارض القول القديم والجديد، أو لم يتعرض في الجديد بشيء للمسألة، فالقديم مذهبه ويُفتى به.
стр. 107
٣ - إذا تساوى القولان جِدَّةً وقُدمًا وأدلّة يعمل بآخرهما إنْ علم وإلّا فالذي رجحه الشافعيّ.
٤ - فإن قالهما في حالة ولم يرجح واحدًا منهما، أو نُقل عنه قولان ولم يعلم أقالهما في وقت واحد أو وقتين وجهلنا السابق وجب البحث عن أرجحهما فيعمل به، وذلك بتطبيقه على نصوص الشافعيّ ومآخذ قواعده.
توفِّي الإِمام النووي ﵀ سنة (٦٧٦ هـ) (١).
٧ - الأذرعي:
هو أحمد بن أحمد بن عبد الواحد، أبو العباس، شهاب الدين الأذرعي، أبو الوليد.
وُلد بالشام بأذرعات (درعا) سنة (٧٠٨ هـ)، ودخل القاهرة فتفقّه بها، ثمّ ألزم بالتوجه إلى حلب، وناب عن قاضيها ابن الصائغ.
والأذرعيُّ من كبار فقهاء الشافعية، وشيخ البلاد الشامية، أقبل على الاشتغال والتدريس والتصنيف والكتابة والفتوى، ونفع الناس، وله تصانيف جيدة لا يوازيه أحد من المتأخرين في كثرة النقل، وشرح المنهاج وسمّاه "قوت المحتاج إلى شرح المنهاج" في عشر مجلدات، وشرح "الروضة" بكتاب سمّاه "التوسط والفتح بين الروضة والشرح" يريد بالفتح "فتح العزيز شرح الوجيز" في عشرين مجلدًا, وله كتاب "التنبيهات على أوهام المهمات"،
стр. 108
وكان سريع الكتابة، مطرح النفس، كثير الجود، صادق اللهجة، شديد الخوف من الله.
يُكثر الفقهاء من النقل عنه، رغم كونه من المتأخّرين؛ والسببُ في ذلك ذكره ابن قاضي شهبة قال: "سكن حلب وناب في الحكم بها مدة عن ابن الصائغ أوّل ما قدم، فلما مات ترك ذلك وأقبل على الاشتغال والتدريس والتصنيف والكتابة والفتوى ونفع الناس، وحصل له كتب كثيرة لقلَّة الطلاب هناك، ونَقَل منها في تصانيفه، ... وكتبُه مفيدة، وهو ثقةٌ ثبت في النقل، وكثيرٌ من الكتب التي نقل عنها قد عدمت، فأبقى الله تعالى ذكره ابن قله عنها وإيداع ما فيها من الفوائد والغرائب في كتبه" (١)؛ وسبق أن أشرفُ إلى أنه يُوجد عنه في "مغني المحتاج" نحو (٨٥٠) نقلًا.
تُوفِّي سنة (٧٨٣ هـ) (٢).
٨ - ابن قاضي شهبة:
محمد بن أبي بكر بن أحمد بن محمد، أبو الفضل، بدر الدين الأسدي الشافعيّ، المعروف بابن قاضي شهبة.
شيخ الشام في وقته، وعالم الشافعية بها، والدُه المؤرّخ المشهور تقيّ الدين ابن قاضي شهبة، نسبةً لجدٍّ له كان قاضيًا في شهبة في حوران الشام.
стр. 109
وُلد بدمشق سنة (٧٩٨ هـ)، وتفقّه على علمائها منهم والده، وزار القاهرة واجتمع بعلمائها؛ وقرأ على ابن حجر العسقلاني لمّا زار دمشق سنة (٨٣٦ هـ)، "الأربعين المتباينات" له.
برع في الفقه استحضارًا ونقلًا، وناب في القضاء بدمشق من عام (٨٣٩ هـ) إلى أن تُوفِّي، وتصدى للإقراء فانتفع به الفضلاء وأهل العلم.
من كتبه "الدر الثمين في سيرة نور الدين" (الشهيد)، وله شرحان على المنهاج في الفقه للنووي، أحدهما كبير سماه "إرشاد المحتاج إلى توجيه المنهاج"، والآخر "بداية المحتاج في شرح المنهاج" (١)، وصنَّف غير ذلك.
стр. 110
درَّس بدمشق في مدارس الظاهرية والناصرية والتَّقَوِيَّة والمجاهدية الجوانية والفارسية والشامية البرانية، وولي إفتاء دار العدل، وصار بأخرة فقيه الشام بغير مدافع، عليه مدار الفتيا والمهم من الأحكام، وعرض عليه قضاء بلده فأبى، قال السخاويّ: "ولقيتُه ... وكان من سروات رجال العالم علمًا وكرمًا وأصالة وعراقة وديانة ومهابة وحزامة ولطافة وسؤددًا. وللشاميين به غاية الفخر ... وكانت جنازته حافلة وكثر الثناء عليه ولم يخلف بدمشق في محاسنه مثله ﵀ وإيانا" (١).
تُوفّي سنة (٨٧٤ هـ) (٢).
* * *