← Общие книги

Общие книги · id 12770

سلم أخلاق النبوة

محمود محمد غريب

Полный текст (171 стр.). Показаны 141–171 · переход к 146.

стр. 141

إن القلق الذي يصيب كثيراً من الشباب سببه أن الشباب يريد أن يحقق آماله بمعزل عن عنصر الزمن. مع أن سُنة الله في الكون أن تتحقق قدرة الله تعالى "التي تقول للشيء كن فيكون" تتحقق حسب "سُنّة الله" التي جعلت الزمن جزءا من الخلق. إن الله خلق الكون كله بقدرته. بـ "كن فيكون" ولكنه خرج إلى الوجود حسب "سنته" - سبحانه - التي جعلت الزمن جزءا من الخلق ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ (سورة يونس ٣) إن الشجر ينبت بقدرة الله، حسب سُنّة الله. والمرأة تحمل، ويتكون الجنين بقدرة الله، في مدة الحمل، حسب سُنّة الله. وما كان الله ليطوى قانون سنته، مجاملة لشاب مسلم ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ (سورة الفتح ٢٣) فليؤمن شبابنا بسنّة الله، كإيمانهم بقدرته. إن سنوات الدراسة الطوال صبرنا عليها. ولم نحاول طيها. ومن حاول أن يطوي سنوات الدراسة عاش محدود المعرفة. وليعلم الشاب المسلم أن تعجل الرزق لا يعجله. يقول أستاذنا الدكتور يوسف القرضاوي: "إن خطر الحرص على الغنى قد يجعل الإنسان يستعجله قبل أوانه، وأحكام الله القدرية والشرعية: أن من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بالحرمان منه. كما أن شدة الحرص - على الغنى - قد تجعل المسلم يفُرط أو يتساهل فيما لا بدَّ منه شرعا.

стр. 142

والذي لابد منه شرعاً أن تراعي شروط الكسب الحلال للمال، وشروط تنميته، وشروط إنفاقه، فيكسبه من حلال، وينفقه في حقه، ولا يبخل به على مستحق، ومراعاة هذا كله من أصعب ما يكون على النفس". (الفتاوي المعاصرة حـ ٢ صـ ٤١٧) وعلى الشاب المسلم أن يتدرج في صعود السلم، فلن تموت نفس حتى تستوفي أجلها ورزقها، "فاتقوا الله وأجملوا في الطلب" - رواه ابن ماجة - شارِكْ من تعرف أصالتهم ودينهم وأمانتهم. واحذر من مشاركة من تدفعك الضرورة لمشاركتهم. مجرد الضرورة. فسوف تزول الضرورة، ويبقى شريك السوء. ومن غشَّ غيرك غشَّك. ومن أكل الحرام، لا يمكن أن يستغنى بالحلال، فماء البحر لا يروي شاربه ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ (سورة الواقعة ٥٥) والهيم مرض يصيب الجمال، يجعلها تشرب فلا تشبع حتى تموت. * غني النفسي يترفع بصاحبه عن الحرام سبق أن قلت في الجزء الأول: إنَّ أخذ صدقة الفطر من الفقير - الذي لا يملك إلا قوت يوم العيد وليلته، مسألة تربوية رفيعة. وهذا في بعض المذاهب. فالأصل أننا نجمع له الزكاة. أما أن نأخذها منه فلحكمة بالغة. إن الإسلام يريد أن يعود يده على العطاء في سبيل الله، ولو مرة كل عام، لأن اليد التي اعتادت أن تقدم ما تملك حِسبةً لوجه الله، لا تقبل أن تمتد لسرقة ما يغضب الله. أو تمارس من الأعمال ما يغضبه - سبحانه - فالإسلام يدرب الفقير على العطاء. فكيف بأصحاب الأموال. القرآن يصف أحوالهم وواقعهم في مجال الإنفاق كما يصف المشاهد سيول الماء

стр. 143

تغمر المكان من كل جانب. والقرآن قال لهم ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾ (سورة إبراهيم ٣١) وبمجرد أن سمعوا مثل هذا الأمر ونفوسهم تفيض بكل تملك، فيض السيول الطافية. حرصا على رضوان الله. وجنته. حتى كان الرسول ﷺ يرد على بعضهم عطاءه، لأنه لا حيلة له للكسب أن قبلها النبي. راجع في المصحف هذا الخضم من الآيات التي تصور التزامهم بأمره - سبحانه - بالمبالغة في العطاء. وسوف أدلك على سورها وأرقامها. آيات كثيرة، ضرب الله فيها المثل الأعلى للذين يجعلون من أموالهم سبيلاً لربهم. وخدمة لدينهم، وقنطرة للجنة. فهم باعوا أنفسهم وأموالهم لله ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (سورة التوبة ١١) يوم أن خيرهم المشركون بين مصادرة أموالهم والسماح بالهجرة إلى المدينة مع التنازل عن أموالهم. ففرحوا ببيع أموالهم لله ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (سورة الحشر ٨) فأموالهم كانت تحيط بهم من كل مكان لكثرتها، فأخرجوا منها: فقراء، لأنهم باعوا أموالهم لله، وتنازلوا عنها ثمنا لهجرتهم. وصحبتهم لنبيهم ﷺ . ولقد لقى النبي ﷺ واحداً منهم، مجرداً من كل ماله، فقال النبي له: ربح صهيب. فالنبي ﷺ عالج أصحاب الأموال "الأغنياء" وجعل من مالهم وسيلة لفتح ملكوت السموات لهم.

стр. 144

فالصحابي - أبو طلحة - من أكثر الأنصار مالاً بالمدينة، وكان أحب أمواله إليه "بير حاء" وكانت مستقبلة المسجد النبوي الشريف. وكان النبي ﷺ يدخلها، ويشرب من مائها الطيب. قال أنس بن مالك - رواي الحديث: فلما نزل قول الله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (سورة آل عمران) قال أبو طلحة للنبي ﷺ إنَّ أحبّ أموالي إلىَّ (بير حاء) وإني جعلتها صدقة لله، أرجو بها برها، فأجعلها حيث أراك الله. فقال النبي ﷺ : بَخٍ بَخٍ، ذلك مال رابح. وأنا أرى أن تجعلها في الأقربين. فقسمها أبو طلحة في أقاربه، وبني عمومته (البخاري ومسلم) - قال عبد الله بن عمر ﵁ عندما نزلت الآية الكريمة السابقة. لقد راجعت كل ما أملك، فوجدت أحب شيء إلى جارية رومية، فقلت هي حرة لوجه الله - سبحانه - فلو أني أعود في شيء جعلته لتزوجتها. "ابن كثير في تفسير الآية" فالإسلام صنع الأغنياء كما صنع القادة والأمراء. صنع رجالاً ملكوا الدنيا، وما ملكتهم. لأنها كانت في أيديهم، ولم تكن في قلوبهم. والنبي ﷺ لم يغلق ملكوت السموات في وجوهم، ولك يُحرِّم عليهم جنات النعيم، لأنهم ملكوا المال، ولم يعبدوه. وسخَّروا أموالهم لخدمة دينهم، ولم يسخروا دينهم لجمع أموالهم. فأصحاب الأموال الذين رباهم النبي ﷺ على يده، علمهم أن المال مال الله ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (سورة النور ٣٣)

стр. 145

وعندما اختلف المسلمون في غنائم بدر. فقال الشباب: نحن أولى بها لأننا قاتلنا، وقال الشيوخ: نحن لم نقعد عن القتال. عندما حدث الاختلاف على المال، نزع الله الغنائم منهم. وردها لله والرسول. وطلب منهم أن يتقوا الله، فهذه أول تجربة لهم مع المال، فلابد من الحسم في التربية. نزع الله الغنائم منهم، وكلفهم أن يعيدوا وحدة صفهم، وأن يصلحوا ذات بينهم فوحدة الجماعة أحبُّ إلى الله - تعالى - من كل أموال الدنيا وفي السورة الكريمة نفسها ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (سورة الأنفال ٦٣) . فوحدة الأمة خير من كل أموال الدنيا. والطاعة لله ورسوله، وإصلاح ذات بينهم، دليل على الإيمان مع الشدة في الأسلوب في قوله تعالى ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (سورة الأنفال) فلما عاد النفوس إلى رشدها، وصفائها، وزالت سحابة الصيف - كما يقولون - أعاد الله الغنائم لهم، على منهج الله في التقسيم. للمقاتلين أربعة أسهم تقسم بينهم، والخمس الباقي للمحتاجين.

стр. 146

فموضوع غنائم بدر عملية تربوية عالية، ساقها القرآن في أول تجربة للمسلمين. وأظنها لم تتكرر. أما ما حدث من المؤلفة قلوبهم بعد ذلك فهم حديثوا عهد بالإسلام. وبعد: فهكذا ربي النبي ﷺ أغنياء أمته، ربي الرأسمالية الإسلامية، كما ربي القيادات الإسلامية، والأمراء الإسلاميين "وكل ميسر لما خلق له" ربي الرأسمالية الإسلامية، لحاجة الناس، لحاجة الدولة، ولحاجة الدعوة، للمال. أليس المال خيرا؟ ألم يمنّ الله على النبي ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ (سورة الضحى) والغني الذي يمتدحه الإسلام، ويطلبه النبي ﷺ في دعائه هم غني النفس، "اللهم إني اسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى" وغنى النفي - كما بينت - هو الشعور بالفقر لله - سبحانه - وللفرد حقوق في الملكية، تجعل حارسة لماله. ومصالحه. وللجماعة حقي في الملكية، تجعل الفرد في خدمة الجماعة. فلا تعسف في استخدام الحق، ولا استثمار فيما يضر الجماعة - كما سنعرف - إن شاء الله - مرة ثانية أكرر. هكذا بني ﷺ ملائكة البشر، وبني مُؤدّبي الجبابرة، وبني ملوك الدنيا. الذين ملكوها وما ملكتهم. كل هذا وهو يربي الجموع المسلمة على ضرورة غسل اليدين قبل الأكل وبعده. وأن يتفسحوا في المجالس. فلا ينشغل دعات الحق بالعاديات والتحسينيات عن تربية الناس على الأمور الكبيرة. فليس للحق حراس سواكم.

стр. 147

* صدقانتا ... إلى أين؟ ولمن ؟ إن الغني الذي رباه الإسلام - في كل عصر - ينفق حق الله، وكل ما تحت أيدينا هو حق الله. فالله - سبحانه - هو المالك لكل ما في الكون. ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (سورة النور ٣٣) فالمال مال الله. وكثير منهم يصادف الأفضل في مجال الإنفاق فينفق عن وعي، لفقه الأولويات. ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (سورة البقرة ٢١٥) ولكن كثيراً من المسلمين مع أن فيه خيراً، ولكنه لا يجيد قيادة السفينة إلى الله. إن الدور الكبير الذي أداه مال خديجة ﵂ في مكة، ومال عثمان وأبي بكر ﵄ في المدينة، عامل ظاهر في نجاح الدعوة الإسلامية، وضرورة لها. وكل دعوة - في أي عصر - لا بدَّ لها من عثمان. والذين كفروا - في كل عصر - ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله. يصدون عن الإسلام في حملات على اليلاد الإسلامية، تبشر بالصليبية، أو تُفرِّغ الشباب من الإسلام، وخدمة الباطل فنون. فهل وعي عباد الله - المسلمين - ما يدبّر العدو لهم؟!! وهل جعلوا من أموال زكاتهم سهماً لخدمة الحق كما جعله الله في سورة التوبة؟ إن سهم "في سبيل الله" سهم يحسن أن يوجه لكل عمل يخدم الإسلام. فكل عمل يخدم الإسلام جهاد في سبيل الله. سواء كان الجهاد بالقلم واللسان، أو كان

стр. 148

بالسيف والسنان. بل إن الغزو الفكري - في عصرنا أهم بكثير من الغزو العسكري. فقد يئس العدو من الغزو العسكري، بعد الحروب الصليبية، وبقى أن يحاول فتنة المسلم ثقافياً وفكرياً عن دينه. فالجهاد بالتعليم اليوم، كالجهاد بالسيف، لفرط الحاجة إليه. ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ (سورة الفرقان ٥٢) أي جاهدهم بالقرآن، جاهدهم بالكلمة، وابعث في قلوبهم اليقين، عن طريق هذا الكتاب العجيب. وفي الظلال: "أن السورة الواحدة لتهز الكيان الإنساني في بعض الأحيان، وتأخذ على النفس أقطارها، ما لا يأخذه جيش ذو عدة وعتاد. فلا عجب أن يأمر الله النبي ﷺ ألا يطيع الكافرين، وألا يتزحزح عن دعوته، وأن يجاهدهم بهذا القرآن، فإنه يجاهدهم بقوة لا يقف أمامها كيان بشري ولا يثبت حيالها جدال أو محال" فالجهاد هنا بالكلمة. فلا بدَّ من جعل جزء من الزكاة وهو سهم "في سبيل الله" لخدمة هذه المعركة. معركة الكلمة. وعندما سئل النبي ﷺ أي الجهاد أفضل؟ قال: "كلمة حق عند سلطان جائر". (أحمد والنسائي) . وقال ﷺ جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم ". (أحمد وأبو داود والنسائي) . إنشاء دورات لتحفيظ القرآن الكريم، وتحفيظ المسلم مجموعة من الأحاديث الصحيحة، أمر في سبيل الله. قد جعلتُ من هذه الفكرة حقيقة، في بغداد عندما أقمت أول دورة لتحفيظ القرآن الكريم لأكثر من ١٣٥٠ تلميذاً، و٩٥٠ تلميذة، تجمعهم السيارات، وتعيدهم، من

стр. 149

أموال الزكاة، ومن عائد البنوك الربوية. ووما يسرني أنني أكتب هذه السطور الآن بعد صلاة فجر الرابع من صفر ١٤١٨ هـ وأمامي رسالتان من بعض تلاميذ الدورة الأولى للقرآن الكريم ببغداد ١٩٧٤م مما يجعلني أشعر أن القرآن رابطة بين المسلمين، لا تقوى الأيام على غلبتها. وعمر الداعي للحق لم يضع. ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ (سورة يس) إن القرآن جعل جزءا من أموال الزكاة للجهاد في سبيل الله والجهاد اليوم بالقلم والكتاب، فأين هذا السهم؟! مكتبة عامة بالمسجد تُخْرج إمام المسجد من وحشة الجلوس وحده، إلى أُنس المعرفة، فينعكس هذا الأنس في دروسه. وينتفع الناس من علمه. إن الدعوة إلى الله - في كثير من بلاد محمد ﷺ تعاني من فراغ الدعاة. - لقد وفق الله أهالي صلالة. وبعض العاملين العرب بها، في تكوين مكتبة جامعة، لها أثر كبير في كل ندوة، أو درس، أو بحث دراسي يُعدّ في صلالة. وينتفع الدارس به، وذلك بجامع أحمد عيسى المعشني. - كما وفقنا الله لعمل صوتي لتسجيل القرآن الكريم على أشرطة لتلاميذ المدارس، والراغبين للاستماع في البيوت للقرآن الكريم، وجميع خدماتنا مجاناً والمشروع من مال الزكاة - كما قلت ومن عائد البنوك الربوية. إن الناس في كل بلاد محمد ﷺ بحاجة إلى خدمات لهذا الدين. وإليك بعض الحق المرّ. لتأكيد ما أقول: - طالب - في بلد عربي - يقول: إلاهُكُم التكاثر؟ ؟ بدلاً من ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾

стр. 150

- ومعلمة التلاميذ تقول: "ورفعنا لك ذكرك" بفتح الذال والكاف!!! -غفر الله لها - - وطالب بالثانوية العامة - في بلد من بلاد محمد ﷺ يسألني: لماذا يلعب المسلمون في أصابعهم بعد الصلاة؟!! - ومدرس بالجامعة يسألني: هل في المال زكاة غير زكاة الفطر؟ * وهذه أدهى وأمر: شاب من بلد عربي التقيت معه في فندق كبير يقول لعامل التليفون: والنبي "إلي" خلق ربنا تعجل المكالمة!!! النبي الذي خلق ربنا!!! فقلت له: قل والله الذي خلق النبي. قال لي: "ما يخالف" كلهم أنبياء!!!!! كل هذا وأكثر، والمسلمون يتساءلون ويختلفون ويجادلون: هلى يجوز أن نوجه عوائد البنوك الربوية لخدمة الإسلام، أو لا يجوز؟!! - شاب من تلاميذي يعمل ملاحاً في شركة طيران عالمية، قال لي: في إحدى رحلاتي لبلاد أوروبا، لقيني شاب مسلم من أبناء البلاد، ففرح بي: وأراد أن يقدم لي تحية، فقال: أنا أدعوك لكأس من (الويسكي) في صحة محمد!! من يطوف في بلاد محمد ﷺ يخلع ملابسه، لا من ستر العورة، يقول: أنا النذير العريان. يا أمة محمد أشغلوا الناس بقضايا الإسلام الكبيرة - فإن الله الأكبر لا يرسل نبيه إلا لأمر كبير.

стр. 151

وفي العالم الإسلامي مؤامرة لشغل المسلم بالأمور الصغيرة. أو أقول بالتحسينيات عن الضروريات. يا أمة محمد. أنا النذير العريان. ما تتركونه من عائد البنوك الربوية لو وجهناه لخدمة الإسلام لفعل الإسلام في القلوب حصانة من الغزو الفكري، إنني على يقين من أن عائد البنوك الربوية ليس أمامك إلا تصرفات أربعة. لا خامس لها - كما يقول أستاذي الدكتور يوسف القرضاوي. أولاً: أن تأخذ هذا الحرام لنفسك أو لمن تعول. وهذا لا يجوز شرعا، وقد أجمعت المؤتمرات الإسلامية على ذلك في كل جلساتها. وفي كل البلاد الإسلامية. ثانياً: أن تتركه للبنك الربوي، وهذا حرام - أيضاً - لأنه إعانة لجهة أعلن الله الحرب عليها. أقول: وقد تطوعت دولة إسلامية كبيرة وتنازلت عن أربعة مليار دولار للبنوك في سويسرا عام ١٩٧٦ م - غفر الله لهم - فطبيعة هذه البنوك التنازل عن هذه المبالغ للجمعيات التبشيرية لحرب الإسلام. وغزو بلاده فكريا. فالحل الأول حرام، والتنازل للبنوك لا يجوز. وخصوصاً البنوك الأجنبية. ثالثاً: أن يتخلص من هذه الأموال بإتلافها. وهذا الرأي قد ورد عن بعض الورعين من السلف. ولكن رد عليه الإمام أبو حامد الغزالي بأننا نهينا عن إضاعة المال. وكره لكم "قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال". (البخاري) . رابعاً: أن يصرف - هذا العائد - في مصارف الخير، للمؤسسات الخيرية الإسلامية، كبناء المساجد والمراكز الإسلامية، وطبع الكتب الإسلامية، وتكوين المكتبات العامة، وهذا هو الأمر المشروع. يا أمة محمد ... دعوا الجدل، وابدأوا العمل.

стр. 152

وأريد أن أبين هنا أن هذا الأمر ليس من باب الصدقات حتى يُعترض ويقُال: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا" (رواه مسلم) إنما هو من باب صرف المال الخبيث أو الحرام في مصرفه الوحيد. إننا نحاول أن نستفيد من مياه المجاري في زراعة الورود. فهو هنا ليس صدقة، ودافعه لم يحسب نفسه متصدقاً. ولم يحسب هذا المال من الزكاة. وقد دعوت إلى هذا الحل عام ١٩٧٦م في كتابي "المال في القرآن" ولم أذكر لمجال صرف هذه الأموال سوى خدمات الإسلام فقط. ولكن أستاذي الدكتور يوسف القرضاوي - نفع الله به - قال في كتابه "فتاوى معاصرة عام ١٩٩٣م" إنه يجوز أن تدفع هذه الأموال لفقراء المسلمين. وأما عن دعوى أحد الناس: ما لنا وهذه الخلافات، أقول: إن فاعل هذا الخبر يثاب من الله - سبحانه - لا يثاب على أنه متصدق "فالله طيب لا يقبل إلا طيبا" (حديث مسلم) ولكنه يثاب على أنه حرم هذا المال على نفسه، خوفا من الله - سبحانه - ولم يستحله بقتوى فرح بها الآخرون، فأكلوا ما حرمه الله، فهو يثاب من باب ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ (سورة الرحمن ٤٦) وددت لو يعلم الذي يتنازل عن أمواله للبنوك الأجنبية في أوروبا، أن هذه البنوك تتنازل للجمعيات التبشرية المتعددة عن هذه الأموال. جمعيات تعمل بأموال المسلمين - غالباً - لعزل الإسلام عن أمته. وغزوه فكرياً في بلاده - كما قلت. - سألوا مبشراً كبيراً عاش في أفريقيا نصف قرن من الزمن. أخذ خلالها ملايين الدولارات.

стр. 153

سألوه: كم شابًّا مسلماً نصرته؟ - جعلته نصرانيا - فقال لهم: لا تسألوني كم شابا مسلماً نصرته. ولكن سلوني كم شابا مسلماً فرغته من الإسلام!! وماذا بعد أن يتم تفريغ الشاب المسلم من الإسلام؟ أعني من جوهر الإسلام. يذكر الدكتور / أحمد السايح أكثر من عشرين باباً لغزو الإسلام فكريا في كتابه (في الغزو الفكري صـ ٧٠) . لا يتسع المجال للحديث عنها. المهم عندي أن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، فهل ستتحرك في المسلمين عزيمة؟! لينفقوا جزءاً من زكاتهم "في سبيل الله" لنصرة دينه. وفي معركة الكلمة المؤمنة، أم الغزو الفكري؟ ؟ فإن لم يفعلوا فلينفقوا عائد أموالهم الربوية لخدمة الإسلام. فالعالم يزرع البساتين بماء المجاري القذرة - كما قلت - فإن لم يفعلوا فليتركوا غيرهم يفعل الخير. نشرت هذا الأمر في كتابي "المال في القرآن" ١٩٧٦م ونشرته في كتابي "شريعة الله يا ولدي" ١٩٧٩م وطبقت هذا الأمر عملياً في بغداد - كما سبق أن قلت - وبعد ذلك في صلالة. - تكوين مكتبة عامة هي أول مكتبة بالمساجد بصلالة. - معمل صوتي - بأحدث الأجهزة لتسجيل القرآن الكريم، لتلاميذ المدارس، وتسجيل المصحف المعلم لكل راغب في التعليم - كما سبق أن قلت. اخدم دينك، بما لا يضرك. ووجه هذه الأموال لخدمة دينك. فهذا خير من تركها للبنوك الربوية. هذا رأي اجتهدت فيه منذ عام ١٩٧٦م قد أكون - بعد هذه الدراسة مخطئاً في رأيي. فلست أدَّعي العصمة.

стр. 154

كذلك قد يكون من ينكر عليّ هذا الرأي مصيبا، وقد يكون مخطئا. فلماذا يُصرُّ أحدهم على أنه المفتي المعصوم؟ إن شبابنا دعاة، وليسوا قضاة، ولا مفتين، إن مال الربا يسبب انتفاخا في المال، كالأورام الخبيثة التي تصيب الجسد. فيحسبها الجاهل سمنة. وهي قاتلة. ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (سورة ٢٧٦ البقرة) وأنا لا أتحدث هنا عن الربا. ولكن حديثي عن عائد البنوك الربوية فقط. وعنه من ناحية واحدة، وهي: أيهما أفضل؟ أن أخدم به الإسلام في ميدان من ميادين الخير؟ أم أن أخدم به البنوك الربوية؟ إن دولة مسلمة تنازلت للبنوك الأجنبية عن أربعة مليار دولار ١٩٧٦م كما سبق أن قلت. وأكثر هذه الأموال توجه لغزو بلاد الإسلام غزوا فكريا. وللغزو الفكري لبلاد الإسلام فنون ومعايير مدروسة دراسة جيدة بحيث لا يتيه مرماها. وعلى القارئ المسلم أن يستفتي قلبه، وأن يفعل الخير. * ملكية المال بين الفرد والجماعة معارك فكرية طويلة حول موضوع الفردية والجماعية، في الاقتصاد الإسلامي. هل الإسلام دين فردي؟ هل الإسلام دين جماعي؟ فكلّ في الهوى يزيّن دينه ... ألفْ مُفُتٍ ومالِكٌ بالمدينة والحق أن الإسلام وسع أصحاب النزعتين. نزعة الفردية، ونزعة الجماعية.

стр. 155

وكان لهذه الازدواجية دور كبير في التربية. الفردية: اعترف الإسلام بملكية من يقع المال تحت يده، وليس له منازع فيه، وسوف تأتي الآيات التي تؤكد هذا. ويقصد القرآن بذلك أن يثبت لك الملكية للمال بحملك ما ألزمك كما أن القرآن بهذه الملكية يُشبع فيك غريزة الملكية الفردية والني يختلف في إثباتها علم النفس الشيوعي مع علم النفس الرأسمالي. الجماعية: ويعترف الإسلام بالجماعية. والجماعية تعني أن المال ملك لله - سبحانه - ولعباده حق فيه. والقرآن بهذا يُلزم المالك بضرورة الحفاظ على حق الجماعة. وسوف يأتي بيان ذلك. كما يُشعر الجماعة بضرورة الحفاظ على مالك، فالخير يعود عليهم، والنفع راجع لهم. وقد فرض الإسلام العقوبات لحماية الجماعة من طغيان الفرد، وحماية الفرد من ظلم الجماعة. * * *

стр. 156

* آيات وآيات ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ (سورة يس ٧١) وفي الآية الثانية من سورة النساء. ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ الملكية الفردية واضحة في الآيتين. وفي سورة البقرة آية ١٨٨ جاء إثبات الملكية مرتين. ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ "أموالكم" و"أموال الناس". وفي سورة التوبة آيتان. الأولى قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ والآية الثانية في التوبة آية ١١١ ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ في سورة الذاريات يثبت ملكية المال للمحسنين ثم ينفقون منه على المحتاجين، البين ثواب الله وجنته. ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (سورة الذاريات ١٩)

стр. 157

هذه آيات تثبت ملكية الفرد للمال. لتشبع فطرته، ولتُحمَله ما عليه من واجبات. وآيات أخرى كثيرة تثبت ملكية الجماعة، وحقها في المال - مال الله - وهم عبيده. نذكر من هذه الآيات: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (سورة النور ٣٣) ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (سورة الحديد ٧) ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (سورة الأعراف ١٢٨) * حقوق وواجبات راجعت كل ما تحت يدي من كتب في الموضوع فرأيتها تتحدث عن حقوق الجماعة في ملكية الفرد. ولم أجد مرجعاً واحدا تكلم عن حق الفرد - أو الملكية الفردية على الجماعة. فقلت: أولاً: إن الفرد واحد من الجماعة. وهو إن كان تاجراً - مثلاً - فهو أيضاً يتعامل مع تجار أكبر منه، والإسلام عندما يحافظ على الجماعة منك، فهو يحافظ عليك من كل الجماعة. ومهما كان بطشك، فالجماعة أقوى منك. ثانياً: آيات العقوبات كعقوبة السرقة - مثلاً - شرعها الله لتحافظ الجماعة على مال الفرد. وقد أمر الله الجماعة أن تحافظ على التجار الذين يقصدون البيت الحرام، ليبيعوا

стр. 158

حوله، وفي ساحته ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ (سورة المائدة ٢) وهؤلاء التجار الرحل الذين لم يقصدوا البيت الحرام إلا للتجارة غالباً ما ينتهي أمرهم بانتهاء بضائعهم، ومع ذلك طلب الله منا الحفاظ عليهم. أما تاجر الحيّ، فزكاته، وخيراته، وجلبه للبضائع، وتصديره للفائض من إنتاج البلد، كل هذا يعود على المجتمع. وقد يُقرض المحتاج قرضاً حسناً، ويهنئ ويعزي من ماله. كما أن خبرته بالتجارة تجعله لا يغش في البضائع - حتى ولو كان غير ذي دين، لأنه يعلم أن الغش في صفقة واحدة - مهما ربح فيها - فقد خسر سمعته. وصرف الناس من حوله. كل هذا يجعل الجماعة تحافظ على الملكية الفردية. وتتطهر جواّنيَّتها من الحقد عليه. فمن تربى على الإسلام، يؤمن بأن الله هو الرزاق، ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ (سورة النحل ٧٠) ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ (سورة الزخرف ٣٢) فإذا رأت الجماعة واحداً منها ذا همة كبيرة يعمل في الليل والنهار، (تعلم أن سُنّة الله في الكون تأييد القادرين المستعدين للصعود، وتخذل العاجزين نفسياً، الحاسدين الذين لا يصعدون، ولا يُحبّون لغيرهم الصعود". (الفلسفة القرآنية للعقاد) هذا هو دور الجماعة في الملكية الفردية. الحماية لماله، مبُاركة جهده، مشاركة بأموالهم لاستثمار المبالغ القليلة، التي لا تكفي لعمل مشاريع مستقلة. على أن يكون عقد المشاركة بعيداً عن فنون الربا، وحِيَل المرابين.

стр. 159

* حقوق الجماعة سبق أن تحدتث عنها في فصل "إنفاق العفو" عند حديثى عن قوله - تعالى - خذ العفو. * لا غش " فمن غشنا فليس منه ". (الجماعة إلا البخاري) . وقد أجمعت دول العالم على ضرروة عدم الغش التجاري، ليس ذلك بسبب الاقتصاد الأخلاقي، ولكن لأن الغشّ التجاري يغلق أسواق العالم في وجه إنتاجهم، فهي أخلاق المنفعة، وليست أخلاق القيم. * لا تجارة في المحّرمات . كل ما يضر الجماعة في جسدها أو عقلها أو مالها. فالتجارة فيه قد حرمها الله. والكتب التي تفسد عقول الشباب، تستوي مع المخدرات. ولا نسمح لعلماني يقول: حرية الفكر تبيح نشر كل شيء، فنحن أمة لها دينها، ولها فكرها، ولها معالمها ولا يقلُّ دور الحكومات في مراقبة الفكر الضال، عن دورها في مراقبة الأغذية الفاسدة. * لا احتكار في الضروريات "لا يحتكر إلاّ خاطئ". (رواه مسلم) . ومع إيجاز كلمة خاطئ إلا أنها تجعل المحتكر للأقوات مع فرعون وهامان ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ (سورة القصص ٨) من احتكر أقوات المسلمين أربعين يوماً فقد برئ من الله، وبرئ الله منه "أحمد الحاكم" وقد ناقش الدكتور يوسف القرضاوي هذه الممنوعات في كتاب (فتاوي معاصرة حـ ٢)

стр. 160

فذكر ما يلزم الدارس، ولا يستغنى عنه الباحث، ومن يريد النجاة. * أقول - إذا تعارضت الحقوق قدم الإسلام حق الجماعة، وعوّض الفرد تعويضاً عادلاً. - لا يجوز التعسف في استخدام الحق المشروع والنبي ﷺ أمر بخلع نخيل سَمُرةَ بن جُنْدبُ لأنه تعسف في استخدام حقه. وخلع النخيل سببه ما ترتب على وجوده من إيذاء صاحب البستان، مع عدم إمكان التوفيق بين المصلحتين، وقطعه نُصرةً للمظلوم، وليس لعرق ظالم حق، وإن كان ذلك لا يمنع من التعويض. * القرآن وأموال السفهاء وقف بعض علماء التفسير طويلاً عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ (سورة النساء ٥) ما بال القرآن قال: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ مع أن المال مال السفيه؟ فكان الموافق أن يقول: "أموالهم" وسوف لا أذكر الآراء الطوال التي قالها المفسرون. وأكتفي بما أرتاح إليه. إن القرآن يؤكد في كثير من آياته وحدة هذه الأمة. فجعل وحدة الأمة في المال والنفس. قضية مسلَّمة. بل إن القرآن كان يخاطب الأمة كلها في شخص واحد، هو شخص نبيها ﷺ -

стр. 161

كما جاء في مطلع سورة الطلاق ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وفي قوله تعالى ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ (سورة التوبة ١٢٨) وجاءت وحدة الأمة في مالها في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ (سورة النساء ٢٥) هنا جعل ملكية يمين البعض كملكية يمين الجماعة. ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ومعلوم في يد غيره. ولوكانت في يده - كظاهر الآية - ما احتاج للزواج بها. وفي قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ ملمس إنساني كبير. أنه جعل للأمة أهلا تخطب منهم. ولم يقل: فانكحوهن بإذن سادتهن. جعل سادتها أهلها. فكلهم لآدم. وفي وحدة دم الأمة جاء قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ (سورة البقرة ٨٥) قال صاحب المنار: ومعلوم أن الرجل منهم لم يكن يقتل نفسه، وإنما كان بعضهم يقتل بعضا حـ ٤ صـ ٣٨٠ فالوحدة بين الأمة مالاً ونفساً هي التي عناها القرآن وسوغت الإضافة في قوله تعالى ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ (سورة النساء ٥) ولم يقل أموالهم. أما قوله تعالى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾ ولم يقل "وارزقوهم منها" فيقصد إلى ضرورة استثمار مال اليتيم، حتى ينفق من ربحه، لا من أصله.

стр. 162

* أموال اليتامى مرة ثانية أعود إلى اليتيم في زحام الحديث عن المال. فقد شدَّد القرآن في حديثه عن مال اليتيم تشديداً يؤكد أنه كان يحارب منكراً موجوداً بالفعل في المجتمع المسلم من بقايا الجاهلية الظالمة. وأسباب النزول للآيات الكريمات، وآيات الميراث بعدهن تؤكد هذا. شددّ القرآن الكريم على آكل مال الضعيفين اليتيم والنساء. وسورة النساء تهتم بهذا الأمر كثيراً. ولا تغني هذه السطور القارئ الكريم، فلابد من قراءة سورة النساء - في المصحف الشريف - وظلالها. حتى يقي نفسه النار. والآية الأمّ في الموضوع هي الآية العاشرة من سورة النساء ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ إنه يأكل ناراً، وتقوده لنار أعظم، نار تطلع على الأفئدة. إن أصحاب البصائر إذا سمعوا هذه الوعيد شعروا بحرارة النار في وجوهم، لشدة يقينهم بها. لقد أثر مجموع آيات الموضوع على الأوصياء الذين تربوا على يد النبي ﷺ فبلغوا من الخوف حداً جعلهم يقاطعون اليتامى، فلا يأكلون معهم، ولا يشربون معهم ففسد طعام اليتيم، فسألوا رسول الله فنزل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ (سورة البقرة ٢٢٠) . ولم يقل القرآن الكريم: قل إصلاحهم خير.

стр. 163

ولكن قال: إصلاح لهم خير. وذلك حتى لا يُتوهَّم قصر الإصلاح عليهم. وفي "التحرير والتنوير": والمقصود هنا جميع الإصلاح، لا خصوص إصلاح ذواتهم. فيشمل إصلاح ذواتهم، وهو في الدرجة الأول، ويتضمن إصلاح عقائدهم وأخلاقهم بالتعليم الصحيح، والآداب الإسلامية، ومعرفتهم لأحوال العالم، ويتضمن إصلاح أمزجتهم بالمحافظة عليهم من المهلكات والأمراض (حـ ٢ صـ ٣٥٦) - ومن آيات التحذير من مال اليتيم قوله تعالى: - ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ (سورة النساء ٦) هنا بين القرآن وسائل أكل مال اليتيم كاستبدال الأرض الحسنة بالأرض السيئة. استبدال أرض صالحة للبناء أو الزراعة بأرض ميته. أو الأنعام السمان بالأنعام العجاف. أو المال - فالعملات تختلف، قوة وضعفا. وقد بلغت خشية الصحابة من الله حداً جعلهم يقاطعون اليتامى، فبين الله لهم أن المحرم هو الأكل ظلماً. * الوصيُّ كيف يعيش ؟ الوصيّ. إما أن يكون غنياً عن مال اليتيم. يشرف على اليتيم. ويوجهه، فلا يمنعه ذلك من إدارة أعمال نفسه، التي منها معاشه.

стр. 164

ومثل هذا يجب أن يستعفف عن مال اليتيم. فلا يأكل مال اليتيم إلى ماله. ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ فالوصية امتحان صعب. فأنت تملك التصرف، والشرع يريد العفاف أما الوصي الفقير، والذي يغطي عمله في خدمة اليتيم وقتا يُؤثر على قيامه بأعمال نفسه، فهنا يجوز أن يحصل على راتب المثل. قال صاحب المنار حـ ٤ صـ ٣٨٩: - ومن كان فقيراً لا يستغني عن الانتفاع بشيء من مال اليتيم - الذي يصرف بعض وقته، أو كله في تثميره "استثمار المال" وحفظه، فليأكل بالمعروف - الذي يبيحه الشرع، ولا يستنكره أهل المروءة والفضل، ولا يعدونه طمعاً ولا خيانة. ثم ذكر تفسير العلماء للأكل بالمعروف، فقال: إنه القرض، يأخذه بنية الوفاء، وهو رأي عمر بن الخطاب، وابن عباس ﵄. وقد روي ابن جرير الطبري عن ابن عباس: "وإن كان فقيراً فليستقرض منه، فإن وجد ميسرة فليعطه ما استقرض منه، فذلك أكله بالمعروف. والذي أرتاح له، أن الوصي الفقير له أن يؤاجر نفسه لليتيم بأجرة معلومة، إذا كان اليتيم محتاجاً لمن يتفرغ ليقيم حاجته. وعهدنا يختلف عن عهد عمر وابن عباس. ولو أعطيناه قرضا لانصرف المخلصون الأمناء. لأعمالهم هم. ورزق أولادهم. ووقع اليتيم في يد أصحاب الورع الكاذب. ونقل صاحب تفسير المنار عن عمر بن الخطاب أنه سأل النبي ﷺ فقال: ليس لي مال، وإني وليٌّ يتيم، فقال: "كل من مال يتيمك غير مسرف، ولا متأثل مالاً، ومن غير أن تتقي مالك بماله". (رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة) . هذا ما يضمن الحفاظ على اليتيم وماله. والله المطلع على خفايا النفوس.

стр. 165

* مال الصبي وحقوق الجماعة صبيٌّ ورث أمه. أو أُهدى إليه مال كثير. فأصبح غنيا مالكاً. أقول: "صبيّ" سواء كان يتيماً أم غير يتيم. هل للفقراء حق في هذا المال؟ هل يخرج الولي الزكاة من مال الصبي؟ طال اختلاف الأئمة والعلماء، في هذا الموضوع. هل في مال الصبيّ زكاة؟ إن آيات الزكاة عامة. تشمل الكبير والصغير. ولكن بعض الأئمة نظر إلى صغر الصبي واليتيم. ورأي أنَّ العبادات بصفة عامة لا تجب على الصبي - دون البلوغ. فقال: لا زكاة على الصبي. وبعض الأئمة نظر إلى المال، ونظر إلى حقّ الجماعة، نظر إلى الفقير الذي ظهرت حاجته، وضاق رزقه وعيشه. ثم نظر إلى الأدلة في الكتاب والسنة فأفتى بوجوب الزكاة في مال الصبيّ. وجعل بعضهم الزكاة فيما يستثمر من المال كالزراعة، والماشية لأن الزكاة لا تؤثر على أصل المال. وفي هذا المعنى جاء قول رسول ﷺ "ابتغوا في مال اليتيم" - أي تاجروا فيه. وإن كان في سند الحديث كلام، فقد تكررت روايته، بما يقوّى بعضها بعضاً. عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ اتجروا في مال اليتم، لا تأكلها الزكاة. (قال العلامة العراقي: إسناده حسن) .

стр. 166

وعن عمر بن الخطاب: " ابتغوا في مال اليتيم لا تأكلها الصدقة". غير أن الإسلام لا يوجب الزكاة إلا في المال الزائد عن حاجة الإنسان الضرورية، كالأكل والسكن والتعليم والدواء، فإذا تعلَّق مال اليتيم بالضروريات اللازمة لبقائه حتى يبلغ رشده، فلا زكاة في هذا المال، لأنه مال مشغول بحاجته الأصلية. يبقى أن يكون للصبي مال لحاجياته ويزيد. الزائد يزكى. وكما أقول دائماً: من ينظر إلى اليتيم بعين عطف، فلينظر إلى الفقير الذي أقعدته الحاجة، والمريض الذي لم يجد ثمن الدواء، والغارم الذي ذهب ماله في محنة، ينظر إليه بالعين الثانية، فهذا هو عدل الله. والله - سبحانه - حرم أكل مال اليتيم ظلماًَ. والزكاة هي عدل الله وليس فيها ظلم. * مال اليتيم والتضخُّم الاقتصادي كثيراً ما يقع مال اليتيم في يد أمينة. وفي بعض البلاد الإسلامية هيئات مسئولة عن حفظ مال اليتيم، تتبع وزارات العدل. والقرآن يطلب من الوصيِّ أن يُشهد على عملية التسليم لمال اليتيم، حفاظاً عليه، وضمائر الناس أكثر حفاظاً من كلّ النظم القضائية. ولكن شيئاً يقع أحياناً تنهزم أمامه كلّ الاحتياطات. إنه عملية التضخم الاقتصادي، والذي يتعامل مع مال اليتيم - كما يتعامل مع كل أموال الأمة، فيهلك الحرث والنسل. بلاء لا يبقى ولا يذر. حدث أن تسلم الوصيّ مبلغ ١٥٠٠ جنية مصري عام ١٩٧٠م وسلّم المبلغ "بأمانة وشرف" لليتيم عام ١٩٩٠م "شكر الله له"

стр. 167

ولكن ماذا حدث؟ لقد ضاع المبلغ إلا قليلاً. ضاع في الحقيقة، مع بقاء القيمة العددية فقط. كان المبلغ يكفي لشراء كيلو من الذهب الخام يوم وفاة والد اليتيم. ألف جرام من الذهب. كان يكفي لشراء فدان من الأرض الزراعية. أما عند تسليمه لليتيم فلا يكفي لشراء ٣٠ جرام ذهب. "مجرد مثال" هذا هو خطر التضخم في البلاد المعتدلة اقتصادياً. أما البلاد التي أصيبت بالحصار الاقتصادي، فقل؛ ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ ولا أنعي على الذي مات، فقد ﵀، ولكن على مال اليتيم. لي صديق استشهد في حادث سيارة، عليه رحماتُ الله - ترك مالاً يكفي لشراء حيٍّ راق كحيِّ المنصور، - الذي به السفارات في عاصمة بلده. أصبح هذا المبلغ الآن يكفي لشراء شقة واحدة في الحي المذكور - بعد الحصار الاقتصادي. خطر التضخم في البلاد المحاربة، أو المحاصرة اقتصادياً خطر عظيم. خصوصاً على المال المعطَّل عدّة سنوات كمال اليتيم. فماذا يمكن أن نفعل؟ خبراء الاقتصاد لهم حلول وفنون. ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (سورة الأنبياء ٧) ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (سورة فاطر ١٤)

стр. 168

وأسهل الحلول هو شراء عقارات بالمبلغ المحفوظ - أو شراء ذهب سبائك، فالذهب قيمته ذاتيه فيه. والذهب السبائك لا يخسر صاحبه عند بيعه قيمة الصناعة. فليحذر وصيُّ اليتيم من ضياع مال اليتيم، بضياع القيمة الشرائية للمال، مع بقاء القيمة العددية فقط. يتاجر في مال اليتيم - كما وردت الأخبار، فإذا لم يستطع فليحتفظ به عقاراً يُدرُّ عائداً، أو ذهباً سبائك، يحفظ قيمة نفسه.

стр. 169

* العسكرية الإسلامية والواقعية ومن الواقعية التي رفعها النبي ﷺ إلى المستوى الأخلاقي أنه قبل من الجنود في المعارك أن يقارنوا بين المثالية في الإقدام، والواقعية التي تُحتِّم الانسحاب عند الضرورة. فالمسألة توزن بميزان الحكمة، وليس بميزان الشجاعة فقط. فالقائد العبقري خالد بن الوليد - سيف الله - رأى أن استمرار المعركة في غزوة مؤتة أمام جيوش الروم وهو ثلاثة آلاف مسلم أمام مائة وخمسين ألفا من الروم، استمرار المعركة لون من المغامرة الخاسرة، فاحتال للانسحاب. وفي المدينة لقيهم (المثاليون) من الشباب المتحمسين للشجاعة، مهما كان الثمن، التقوا معهم يرمونهم بالحصى، ويصفونهم بالفُرَّار. ولكن النبي ﷺ دافع عنهم، واعتبر عملهم حنكة حربية وقال "بل هم الكُرَّار - إن شاء الله -". يقول أستاذي الدكتور يوسف القرضاوي: إن القرآن يجيز للمقاتل أن يفرَّ من الزحف، إذا كان "مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ". ويُرخّص له في حالة الضعف أن ينسحب من المعركة، إذا كان جيش العدو أكثر من ضعف المسلمين ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (سورة الأنفال ٦٦) كانت الآيات التي قبلها تطلب ثبات الواحد من المسلمين أمام عشرة من المشركين ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ (سورة الأنفال ٦٥) والمسافة الزمنية بين الآيتين كبيرة - كما قال الكشَّاف.

стр. 170

وفي الآية تخفيف واضح من الله - سبحانه - والآية الثانية تصورُّ (الواقعية) في الطاقات الإيمانية الصابرة بل إن صاحب الظلال يذهب إلى أن آية الواحد أمام اثنين لا يُقصد بها التشريع، ولكن يُقصد بها أن تطمئن قلوبهم، وتثبت أقدامهم. وأشعر أن الحق مع صاحب الظلال، خصوصاً بعد تطور السلاح، فقد يكون الواحد بسلاحه أخطر من عشرة، بل مائة. وللقائد المسلم الصابر أن يقدر الأمر إقداماً وإدباراً، كرًّا وفرًّا. * * * وكانت التربية العسكرية، والاختبارات العسكرية، تنبني على الصعاب دائماً. حتى جاء الإسلام يشهد لهذا التحول العسكري الكبير من المثالية إلى الواقعية، ما حكاه القرآن من قصة "طالوت" في سورة البقرة ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ (سورة البقرة ٢٤٩) ﴿مَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ تربية مثالية عنيفة، فالقوم في ظمأ عظيم, يأتي نبي الرحمة ﷺ ويحكم بسقوط الصوم المفروض شرعاً عندما يكون الصائم مسافراً "يعني أيام السفر يُفطر وتلزمه أيام أخر". وعندما رأى النبي ﷺ زحاما، ورأى رجلاً قد ظلل الناس عليه، قال: من هذا؟ فقالوا: صائم. فقال: "ليس من البر الصوم في السفر" متفق عليه عن جابر، ومعلوم أن الإسلام يكره صوم المسافر إذا أوصله الصوم إلى المشقَّة. كما في الرجل الذي رآه النبي ﷺ والناس حوله.

стр. 171

أفطر نبي الرحمة عندما كان مسافراً لفتح مكة. أفطر أمام كل أصحابه، ليشاهدوه فيفطروا. وفي الحديث الشريف "إن رسول الله ﷺ خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم، فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء، فرفعه حتى نظر الناس إليه، ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام فقال: "أولئك العصاة، أولئك العصاة". (رواه مسلم) وفي حديث آخر قول النبي ﷺ لأصحابه إنكم دنوتم من عدوكم، والفطر أقوى لكم، فكانت رخصة فمنا من صام، ومنا من أفطر. ثم نزلنا منزلاً آخر، فقال: إنّكم مُصبِّحون عدوكم، والفطر أقوى لكم، فأفطروا، وكانت عزيمة. (صحيح مسلم) بل إن الإمام ابن تيمية أفتى الجنود بالإفطار، داخل مدينة دمشق، في حربهم، من غير سفر. وذلك لأن الفطر أقوى لهم. ولقول الرسول ﷺ إنّكم مُصبِّحون عدوكم، والفطر أقوى لكم، فأفطروا. (مسلم) إن النبي ﷺ تمم مكارم الأخلاق عندما جعل الحدَّ الأعلى للأخلاق هو الواقعية المثالية، وليس المثالية الخيالية، فهو لا يقول لأتباعه: ﴿فمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ كما قال المَلِكُ في سورة البقرة: ولكن يقول عن الذين أوجبوا الصوم عليهم، ولم يقبلوا رخصة النبي ﷺ : "أولئك العصاة" ويكرِّرُها. سلامٌ عليك يا نبيَّ الرحمةِ، وسلامٌ على الذين معك. *******************