← Общие книги

Общие книги · id 12770

سلم أخلاق النبوة

محمود محمد غريب

Полный текст (171 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فالأمر بالتبليغ، والأمر بالإعراض عن الجاهلين، أمران متلازمان. والجمع بينهما في الحياة العملية يحتاج إلى فطنة. * * * ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ الجاهل غير الأمي . فالأمي هو الذي لم يدرس ولم يتعلم. أما الجاهل فهو الذي يعتقد غير الحق، ويصر على اعتقاده فقد يكون الجاهل دارساً متخصصا في نوع من العلوم، ولكن لم ينتفع بعلمه في إدراك الحقيقة. ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (سورة الروم ٧) فالذين قصروا علمهم على الحياة الدنيا - في نظر القرآن - لا يعلمون. مع أنهم قد يكونون علماء في تخصصهم. * * *

стр. 107

* وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ وبعد الأمر النظري بالإعراض عن الجاهلين، يأتي القرآن بتدريبات عملية للنبي ﷺ يُبيّن له فيها كيف يَعرض دعوته، وكيف يُعرض عنهم. * النموذج الأول للعرض والإعراض - قال تعالى ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ (أول سورة يس) قلت في كتابي "حتى لا نخطئ فهم القرآن" هذا القسم هو أعجب قسم في القرآن الكريم. لأن الأصل في عملية القَسَم أن يكون المُقْسَمُ به موضع تعظيم عند المخاطب بالقسم، حتى يحدث عنده تصديق نفسي. وهنا - وَجْهُ العجب - أنَّ الذي لا يؤمن بنبوة محمد ﷺ لا يؤمن كذلك بالقرآن، ولا يعظمه. فكيف يقسم الله بالقرآن لمن لا يؤمن به؟ أقول: كأن الله يقول: لا يوجد شيء يمكن أن أقسم به على نبوة محمد، إلا نبوة محمد، وأعرض عن الجاهلين، وعن كلامهم. وجاء في الشعر العربي. أنا أبو المجد، وشعري شعري. يعني لا يوجد شيء يصحّ أن أشبّه به شعري إلا شعري. وجاء مثل هذا الأمر في مطلع سورة الشورى في قوله تعالى ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فالقرآن مشبّه، ومشبّه به. على دعوى أنه لا يصلح شيء يُشبّه به القرآن إلا القرآن. وهو المعنى الذي رأيناه في مطلع سورة (يس) . فالله أقسم بالقرآن الحكيم على أن محمداً من المرسلين.

стр. 108

وهما متلازمان كالشيء الواحد. من آمن بواحد منهما آمن بالآخر. ففيها عرض لعظمة القرآن, وإعراض عن دعواهم. * النموذج الثاني . سورة يونس ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ (سورة يونس ٣٣) . أمر الله النبي ﷺ أن يطرح عليهم السؤال وأن يجيب عنهم، في الوقت نفسه. يجيب عنهم ولا ينتظر إجابتهم. لأن السؤال هنا يتعرض لقضيتين. - الأولى بدء الخلق: وهو يؤمنون بأن الله هو الذي بدء الخلق. - والقضية الثانية هي إعادة الخلق: وهم لا يؤمنون بها. من هنا أمر الله النبي أن يجيب عنهم. ويعرض عن إجابتهم. ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ ؟. هل من شركاءكم من يرسل الأنبياء والكتب، ويضع المنهج، بل ويملك جذب القلوب إلى الهدى، كما يملك إقناع العقول؟ ثم لا ينتظر منهم الإجابة. ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ ؟ ﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ (سورة يونس ٣٥) فالآيات تطرح عليهم أسئلة عقليّة، ملزمة لإجابة واحدة، لتلزمهم الحجة، وتُعرض عن جدلهم. وهذا هو العرض والإعراض.

стр. 109

* النموذج الثالث للعرض والإعراض اخترته من القصة القرآنية. لأن القصص القرآني له دور مشهود في التربية. الحوار الذي دار بين إبراهيم ﵇ وطاغية العراق نموذج من إعراض الأنبياء عن الجاهلين. أو كما أسميه نموذجا "للعرض والإعراض" يأخذ صورة عملية. فقول الطاغية ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ ومحاولة تفسير الإحياء والإمانة هذا التفسير، الذي يؤكد طفولة عقلية. وإعراض الخليل ﵇ ليس معناه تسليم الخليل لهذا التفسير الجاهل. أو انهزامه أمامه. إنما معناه إعراض الخليل عن الجاهلين، وعدم رغبته في الجدل معهم، وقد انتقل إلى حجة بهتت الطاغية. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (سورة البقرة ٢٥٨) ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي يخلق الحياة في الجماد كما خلق النطفة الحيَّة من الغذاء الميِّت. وكما أعاد الحياة للطيور الأربعة بعد أن ذبحها إبراهيم ﵇. والإمانة كالإحياء لا يقدر عليها إلا الله. ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ (سورة الملك ٢) بل ولا يعرف أحد سرها. والإمانة سلب الروح، مع سلامة البنية. والطاغية في أي عصر يملك أن يقتل، ولا يملك أن يميت. والقرآن قد فرَّق بين الموت والقتل ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ (سورة آل عمران ١٤٤) ولعل إبراهيم ﵇ قد سارع إلى البيان الثاني ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ﴾ مخافة أن ينفذ الطاغية حماقته، ويقتل الرجل البرئ ليثبت أنه يمكنه أن يميت من يشاء، وأن يحيي من يريد. إنَّ كلّ الدنيا - مهما تقدمت المعارف - لم تعرف سرّ الحياة. فكيف تحي الموتى والجماد؟

стр. 110

* النموذج الرابع في العرض والإعراض اخترته من قصة موسى ﵇ مع فرعون، عندما انهزم فرعون في الحوار أمام موسى ﵇ لجأ إلى حيلة يقلب بها المجلس إلى مجلس مزاح، فقال لهامان: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ (سورة غافر ٣٦، ٣٧) وكل من له معرفة بشيء من علوم المصريين القدماء التي ما زال العالم حتى يوم الناس هذا يتردد عليها، ويحاول تفسيرها ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ كل من له معرفة بشيء من علومهم، يعلم أن فرعون على يقين من عجزه عن الوصول للسموات. ولكن الجنون فنون. والناس يسعهم الهزل إن فاتهم الجد. ففرعون في طلبه كان هازلاً. من أجل ذلك لم يذكر القرآن أن موسى ﵇ قال لفرعون: إن البناء مهما ارتفع فمحال أن يصل إلى السماء. لأن موسى علم أن فرعون انهزم، وأنه حاول أن يُحوّل المجلس إلى مجلس مزاح، وأوصي القارئ الكريم. إذا دخلت في مناقشة، ورأيت أن الذي يجادلك لا يحترم عقله، فحاول أن تنسحب من المناقشة. إذا لم يحترم عقله هو فمحال أن تصل معه إلى ثمرة. إن "الفيلم" الذي تم غسله "تحميضه" لا يمكن أن يقبل صورة جديدة، غير التي سجلت عليه. فاعرض الحق، فإن وجدت إصراراً على ما في ذهنه فأعرض عنه وحسبك نيتك ... هكذا يكون العرض والإعراض.

стр. 111

سُلّم النبي ﷺ من أدب الطعام إلى صناعة الأمراء ذكرت طعامه وكيف كان يأكل. ملبسه، ونعله، حتى عدد الشعرات التي شابت في رأس النبي ﷺ . وسبب اهتمام كتب الصحاح بهذه المسائل - في تصوري - أولاً: أن تؤكد اهتمام الصحابة بتسجيل ونقل كل شيء من حياته ﷺ إلى الناس. ونقلها للأمور العادية يؤكد نقلها لأصول دعوته من باب أولى. ثانياً: ما قد يكون في هذه الأمور العادية من تربية للنشء المسلم، وخصوصاً في مرحلة تكوين العادات عند الطفل. فالتعويد في هذه المرحلة يجعل السنة عادة، يأتيها المسلم بلا تكلُّف. ثالثاً: تعرض صورة صادقة لحياة النبي ﷺ العادية التي تطابق ما يدعو إليه من زهد في الطعام والملبس، وعدم الاغترار بها. رابعاً: الأهم عندي أن ذكر هذه الشمائل وما فيها من أمور عادية يبين أول السُلَّم الذي عبر النبي ﷺ عليه إلى التسامي بالأمة. فقد بدأ بالدروس التي نُدَرَّسها اليوم لتلاميذ الحضانة، والسنوات التعليمية الأولى، ثم ترقّى بالأمّة إلى منهج إعداد القادة والأمراء.

стр. 112

بدأت الرحلة من قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (سورة المجادلة) ووصل بالأمة إلى إعداد مجتمع يقبل لأول مرة في تاريخه نظام الحاكم الواحد. وقد بلغ من شدة حرصهم على النظام الجديد "نظام الحاكم الواحد" أن يقوم الصحابة باختيار حاكم أعلى للأمة قبل أن يقوموا بدفن جسمان النبي ﷺ وذلك حتى لا تخلو أعناقهم يوما من بيعة. إن النبي ﷺ لم يفرض هذا النظام الجديد بالسيف بل بالكلمة. فالصحابة اجتمعوا لاختيار الخليفة بمجرد فراغ الساحة منه. لأن النبي أعدهم لهذا النظام. " مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً " (رواه مسلم. ٣٤٤١) . بل إن النبي ﷺ درّبهم تدريباً طويلاً على قبول نظام الدولة والحاكم الواحد. فقد طلب من كل جماعة "ثلاثة كانوا أو أكثر" يسافرون. طلب منهم ضرورة أن يولُّوا واحداً منهم. يقول الإمام ابن تميمة: في ذلك ضرورة أن يكون فيما هو أكثر. (الحسبة صـ ١١) وتربية الأمة وتدريبها على قبول نظام الدولة الواحدة، والقائد الواحد، أخذ من النبي ﷺ جهداً كبيراً. إن الرجل الذي سجلت كتب السنة تربيته لأمته في أدب الطعام "نهى رسول الله ﷺ عن النفخ في الشراب (أبو داود) " "وأمرنا بغسل اليدين قبل الأكل (النسائي) " هو الرجل الذي طلب من هذه الأمة أن تتحملّ "نفسياً" تكاليف الخضوع للحاكم الواحد.

стр. 113

جاء في نيل الأوطار حـ ٧ - صـ ١٩٩ حديث عبادة بن الصامت ﷺ . بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة، في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثره علينا، وعلى ألا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرا بواحا، عندكم من الله فيه برهان "أي برهان على هذا الكفر البواح" وواضح من صيغة البيعة أنها لما بعد عهد النبي ﷺ وعهد الراشدين. لما فيها من ذكر الأثرة عليهم من حكامهم. - وفي الوقت الذي يربي فيه الأمة على غسل اليدين قبل الأكل وبعده. - ويربي فيه الأمة على قبول نظام الحاكم الواحد لأول مرة، في تاريخها العربي. - نراه يربي الأمراء الحكام على ضرورة العدل. ليبقى نظام الحاكم الواحد، ونظام الدولة الواحدة حاميا لنفسه، بل حاميا للأمة، وحارسا لمصالحها. فالدين أساس، والحاكم حارس. ومن لا أساس له مهدوم. ومن حارس له ضائع. * منهج إعداد القادة أول ما ربي النبي ﷺ الأمة عليه أن الإمارة أمانة. فعندما طلب أبو ذرٍّ من النبي ﷺ أن يوليه، لم ينظر النبي إلى تدينّه، وعبادته، وطاعته لله. ولكن نظر لقوة تحمله لعبء جماعة من الأمة يسهر ليناموا، ويجوع ليوفر لهم الشبع.

стр. 114

فقال له: يا أبا ذر إنك رجل ضعيف. وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها. (مسلم) إن يوسف ﵇ لم يرشِّح نفسه لإدارة شئون المال. بنبوته، وتقواه. فقد شهد بإحسانه الجميع. ولكنه رشح نفسه لهذه المسئولية الكبيرة بحفظه وعلمه. ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (سورة يوسف ٥٥) إنها مسئولية عظمى، وليست تشريفا، يُهدى لغير مستحق. " مَا مِنْ رَجُلٍ يَلِي أَمْرَ عَشَرَةٍ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلَّا أَتَى اللَّهَ مَغْلُولًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدُهُ إِلَى عُنُقِهِ فَكَّهُ بِرُّهُ أَوْ أَوْبَقَهُ إِثْمُهُ أَوَّلُهَا مَلَامَةٌ وَأَوْسَطُهَا نَدَامَةٌ وَآخِرُهَا خِزْيٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ". (مسند أحمد عن أبي أمامة "٢١٢٦٨"، وصحيح الألباني) . ومازال النبي ﷺ يحذر من الولاية مما جعل عمر بن الخطاب ﵁ لم يقبل أن يرشح أحداً من أولاده لهذه المسئولية من بعده. كان النبي ﷺ يربي أمة على غسل اليدين قبل الأكل وبعده, وفي الوقت نفسه يربي أبا بكر ﵁ فينمي فيه اللين الذي يتفق مع فطرته، وينُمّى فيه الحزم الذي لم تشهده الدنيا في حاكم بعده. إن التاريخ لم يعرف رجلا فتح إحدى عشرة جبهة في وقت واحد كما فعل أبو بكر ﵁ في حرب الردة ﵁ والذين منعوا الزكاة. وكان النبي ﷺ يصنع رجلاً كعمر بن الخطاب ﵁ وهو مدرسة للإمارة، شهد الغرب الصليبي له. يا من رأى عمرا تكسوه بردته ... والزيت أدم له والكوخ مأواه يهتز كسرى على كرسيِّه فرقا ... من بأسه وملوك الروم تخشاه

стр. 115

إن الخلفاء الراشدين الأربعة، وكبار قادة الجيش، وأشهر الذين اتصفوا بالحزم العادل من الولاة، لم يكونوا جميعا نسخة متكررة من رجل واحد. حتى يسهل على النبي ﷺ أن يوجهّهم لما يريد. ولكن النبي ﷺ تعرّف على خاصيةّ كلّ واحد منهم، وما تميّز به، وحاول أن يصيغ منه البطولة، كأنه تفرّع كله لصياغة رجل واحد منهم. هذه سنته. وهذه رسالته. وهذه مدرسته. تربية لرجل الشارع، وإعداد للأمراء ... فإذا انشغل الأمراء - في أي عصر ومصر - عن منهجه ﷺ فاستغن بالله عن دنيا الملوك كما ... استغنى الملوك بدنياهم عن الدين يبقى دور الدعوة والدعاة. هل انحصر مجالها في بيان (العاديَّات) من الأمور؟ هل سنبقى خدماتهم في بيان كيف تأكل، وماذا تلبس، لإحياء سنته ﷺ ؟ إذا عشت لهذا الأمر فسوف تجد آذانا واعية. وأنت تستثمر المسموح به من الدعوة. أما تجربتي الطويلة في حقل الدعوة فتحمل الكثير. اجتهد في الدعوة إلى الله. فهي رسالة هذه الأمة. ادع إلى أكل الحلال. كُلْ حلالا، ثم كُلْ كيف شئت, لا تضركْ طريقة الأكل. أكل الربا لا تستقيم معه سنّة، ولا تقبل معه فريضة، ولا يرفع من آكله دعاء. وفي حديث مسلم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ "ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ ". (مسلم. ١٦٨٦) .

стр. 116

كُلْ حلالاً، ثم كل كيف شئت. وليعلم الذين يعملون في حقل الدعوة، أن الدعوة إلى أمر نأخذ حكمه - كما سبق أن بينت. فمن دعا إلى فريضة، أو نهى عن فاحشة، فأجره أجر الفريضة. وله مثل أجر من عمل بها. ومن دعا إلى نافلة أو نهى عن مكروه، فأجره أجر فاعل النافلة. فتخير عظائم الأمور، واشغل الناس بها. فالإسلام بضع وسبعون شعبة، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق - كما سبق أن بينت - فتخير الأمور الكبيرة. وعدونا واحد. فأنت وزميلك كلاكما يقاتل عدوا واحدا. أيكما أصاب العدو نجا صاحبه. هذا إذا كنتُ أنا وأنتَ نعمل لخدمة النبي ﷺ وسنته. وعلى هذا ربانا فضيلة الشيخ خلف السيد وكيل الأزهر الشريف. وكان زميلي يومها في الدعوة الأستاذ الدكتور كمال مصطفى محمد أستاذ الدعوة الإسلامية بأمِّ القرى - غفر الله له - وتطيبقا لهذا المنهج قام الدكتور كمال مصطفى بتدريس منهجى في الاستدلال على وجود الله، الذي أعددته لطلاب جامعة القاهرة ١٩٧٣م. درسه لتلاميذه في كلية الدعوة بالأزهر. إن ألف عازف أو يزيدون في (سينفونية) واحدة، ومع ذلك لا تسمع إلا صوتاً واحدا.

стр. 117

فمتى ينسجم الدعاة في بيان كلمة الله. ويشغلون الناس بالأمور الكبيرة؟ * * * * الثعلب والنعامة النعام أكبر طائر على الأرض، فيما تعلم وهو طائر لا يطير، لكبر حجمه. لكنه أسرع مخلوق يجري على قدمين - كما يقول الأستاذ يوسف الأناس بمجلة العربي. فهو يجري بسرعة ٦٠ كيلو في الساعة - وارتفاع النعام يبلغ مترين ونصف المتر. ووزنه يصل إلى ١٥٠ كيلو غرام. ومع ذلك فرأسها العالية لا تزيد عن نصف كيلو. وبصرها حاد جداً. فإذا جمعنا بين ارتفاع النعامة ٢.٥م وارتفاع الرأس الصغيرة، وحدّة البصر الشديدة، أمكننا أن نعلم سر كشفها للعدو من بعيد، بحيث يشعر الحيوان - في الصحراء - بالأمان بجوار النعامة - كاشفة الأعداء، بطريقة الإنذار المبكِّر. تصورت وأنا أقرأ هذه المعارف، عن آية من آيات الله في الصحراء، وهي النعامة، أن الثعلب ضاق بها ذرعا، فهي تكشفه، فيفر صيده. فتظاهر الثعلب بالمرض الشديد، وأرسل إلى الحيوانات يطلب منهم أن يقدموا له رأس النعامة، فدواؤه في رأسها. وسوف يترك الثعلب جسد الناعمة، وهو ثروة غذائية كبيرة. وسألت الحيوانات عن ثمن رأس النعامة؟ فأخبرهم الثعلب: أنَّ كل قوى الصحراء ستسالم الحيوانات. فهم في الأصل إخوة وإن اختلفت صورهم.

стр. 118

وتساءل الجميع: ما قيمة رأس النعامة إذا بقى جسدها الكبير لهم؟ إن الحيوان يفكر بمنطق البطن. هل يمكن أن نُقسّم هذا الطائر، لتعيش الصحراء في أمان؟ هل ... هل ... تساؤلات ... وتساؤلات. تركتُ عالم الصحراء وما فيه من مؤامرات. ورجعت إلى مكتبي. وطلبت من القارئ الكريم أن يرجع معي إلى "سُلَّم أخلاق النبوة" لقد عشنا مع منهج القرآن لتربية النبي ﷺ عشنا مع نماذج قرآنية في الموضوع. ولكن هل يكفي أن يُطلع الله نبيه على الخبر، ثم يتركه يعاني صراع الدعوة وحده؟ إن مكر الباطل، وحيله، و مساومات ه، أمر خطير. من هنا كان لابد من تثبيت النبي ﷺ على الحق. ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ (سورة الإسراء ٧٣) * مساومات أيقنت قوى الباطل من حرص النبي ﷺ على هدايتهم، وضرورة اتباعهم، وأيقنت أن المستقبل لدعوته. فلماذا لا تساومه على أن يتنازل عن بعض ما يدعو وكل تنازل من أصحاب الحق يُعَدُّ مكسباً للباطل.

стр. 119

﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ قلب جائر. فلماذا تدعون إيمانكم بالقرآن الجديد، مع أن تجربتكم مع القرآن المنزل من عند الله هو الكفر والعناد. أتقبلون القرآن الجديد إذا كان من عند الله. ثم إذا كان سيتبع من وحي نفسي؟! ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (سورة يونس ١٥) ومرة ثانية جاءوا بطلب أقلّ جرُما من طلبهم الأول. جاءوا بمساومة اجتماعية، يطلبون فيها أن يجعل النبي ﷺ لهم مجلساً خاصاً لا يشاركهم فيه فقراء المسلمين هنا يحاول أحدنا أن يقارن بين طلبهم وبين إسلامهم. ماذا على النبي ﷺ لو قسّم أيام الأسبوع بين جموع المستضعفين، وسادة قريش؟ إنهم في هذه المرة لا يطلبون "رأس النعامة" بل ريشها. ولكن السماء لا تعرف المساومات في الحق. إن الحق شيء واحد. فإما أن يقُبل كلّه، أو يتُرك كلّه. ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ ؟! (سورة البقرة ١٨٥) لقد نزل رفض طلبهم آيات متعددة، من القرآن الكريم، منها. ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (سورة الكهف ٢٨) مجالسة الأغنياء، وأصحاب الجاه.

стр. 120

ولا يفهم أحد من هذا النهي أن النبي ﷺ رغبت نفسه في تحقيق مطلبهم. بل هو كالنهي في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (سورة الزمر ٦٥) مع أن الله أعاذه من الشرك. - وطلب ثالث: وطلبوا منه أن يدخلوا معه في الإسلام، على أن يجعل واديهم "بلدهم" حراماً، كما أنَّ مكة حرام، ليشيع في الناس احترامهم, يريدون "وادي ثقيف" وطلبت ثقيف من النبي ﷺ أن يترك لهم أصنامهم عاماً، ليجمعوا ما يُهدى إليها من العرب، ثم يدخلون الإسلام، ويكسّرونها. طلبات كثيرة، أو مساومات ونيل من الدعوة. بل قل: إنها تفتيت للرسالة. والحق لا يتجزأ. ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ (سورة يونس ٣٢) - وهنا أسأل مرة ثانية: هل مجرد إعلام النبي ﷺ بالأصول الأخلاقية، يكفي لقيادة الركب إلى الله ؟ إن الرحلة شاقة. والرسالة أمانة. والدعوة على بصيرة. وخلف النبي أمة كاملة سوف تقتدي به، وتهتدي بهديه. والميل القليل من صاحب الرسالة كبير. شدة القرب تولد المؤاخذة.

стр. 121

* القرب والمؤاخذة أكرر: أنَّ شدةَ القرب من الله تقتضي المؤاخذة. وليس كما يتصور كثير من الناس، أنها تقتضي العفو. وفي الأيام الأولى من الوحي أنزل الله على النبي ﷺ ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (سورة الحاقة ٤٤ - ٤٧) مجرد أن يقول كلمة وينسبها إلى الله، من غير أن يقولها الله له، يأخذه الله باليمين - بالقوة - لأن اليمين رمز للقوة. ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ عرق الحياة. فما تستطيع كلّ الأمة أن تحميه من عقاب الله له. والوتين شريان في القلب يموت الإنسان بقطعه. وقال مجاهد هو النخاع. وهذه سُنَّة الله مع أصحاب الرسالات. لأن كذب أصحاب الرسالات كمن يقف على رأس طريق يدل الناس. فإن أخطأ دلالة الطريق، فكلما زاد جهد من استرشد به، كلما زاد بُعداً عن هدفه. فمن أراد بلداً في المشرق، ودلّه غبي إلى المغرب، فكلما جد المسكين وأسرع، زاد بُعده عن هدفه. * شدة القرب تسبّب المؤاخذة لقد أكل آدم من الشجرة ناسياً والأصل في الناس العفو. وعدم المؤاخذة ولكن شدة القرب من الله سببت المؤاخذة. ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ (سورة طه ١١٥)

стр. 122

- يوسف ﵇ طلب من الرجل الذي ظن أنه ناج أن يعرض قضيته على الملك، فقد طال سجنه ظلما، وعندما يطلب البريء إثبات براءته لا شيء عليه. ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ . ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) ﴾ . ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) ﴾ . فطلب إثبات البراءة من يوسف ﵇ أمر مطلوب. ومع ذلك آخذ الله يوسف ﵇ لأنه طلب ذلك من البشر. والله يريد أن يجرد أنبياءه من طلب شيء من غيره. فقضاء حوائجهم بيده وحده، وهذا من شدة قربهم. ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢) ﴾ . رابعا: ونساء النبي جعل الله قربهن من النبي ﷺ سببا في مضاعفة العقوبة عليهن إن أتين بفاحشة. ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ . فشدة القرب تسبب المؤاخذة. من أجل ذلك حفظ الله النبي ﷺ من فتنة أهل الباطل، فلم يركن إليهم حتى ولا شيئا قليلا، وذلك لعصمة الله له، وسلامة فطرته. ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥) ﴾ .

стр. 123

* أسلوب الآية الكريمة كما أن الآية الكريمة بينت حفظ الله - سبحانه - للنبي ﷺ من الميل لاقتراحات المشركين، مع محاولة إغرائهم للنبي باعتناق دعوته. فقد بينت الآية أيضاً عظمة النفسية المحمدية، وصلابتها. أولاً: الامتناع. المفهوم من سياق الآية. ثانياً: فعل المقاربة "كدت" يعني لولا تثبيت الله لك لقاربت الركون فلم يقل له: لولا أن ثبتناك لوقعت. بل لقد كدت تقع. ثالثاً: تقليل الركون المستفاد من كلمة (شيئاً) رابعاً: وكلمة قليلاً في وصف الشيء وكلمة (لولا) حرف امتناع لوجود. والمعنى: لولا أن ثبتناك لتحقق قرب ميلك ولكن امتنع ميلك القليل لتثبيتنا لك". (التحرير والتنوير حـ ١٥ صـ ١٧٦) لا بدَّ من تثبيت الله لنبيه ﷺ ولأصحاب الدعوات المخلصين بعده، لأن التنازل عن "رأس النعامة" وهي الطائر الكاشف للعدو، لا تقاس الخسارة بحجم الرأس للجسد، ولكن يُقاس بفقد الأمان. وخسارة الإنذار المبكر، وللنبي المثل الأعلى ﷺ إن الله لم يُضيّع محمداً ﷺ صبياً يتيما، لن يُضيّعه نبيا. ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ (سورة الضحى) * * *

стр. 124

الجزء الثاني مكارم الأخلاق وكيف تممها النبي ﷺ إنّما بُعثت لأُتّمم مكارم الأخلاق . البخاري في كتاب الأدب المفرد والحاكم في المستدرك

стр. 125

أعلى درجات السلم كيف تّمم النبي مكارم الأخلاق؟ * (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) . * حفظ الله القرآن ليُخلّد جهود الأنبياء جميعاً. * التوارة - التي بين أيدينا ولُعْبَةُ هدم القدوة. * الأخلاق عند السيد المسيح ﵇ غارقة في الروحانية، لتعالج غرق اليهود في المادِّية. * دور الأخلاق في تأديب المخطئ، وليس في العفو الدائم عنه. * المال بين المثالية والواقعية.* * المال - في القرآن - خير. إذا استوفى شروطه. * السفيه يسرق حذاء من المسجد، ويهودي يضع نظرية في الاقتصاد، فيسرق نصف أموال الدنيا. * السمنة والورم. من يمكنه أن يُفرّق بينهما.... وأبحاث أخرى.

стр. 126

* كل نبي على خلق عظيم عهد القرآن شهادة حق، عن الله - سبحانه - أن كل الأنبياء على خلق عظيم. وأن اله قد اختار بعضهم وجعل منه قدوة للنبي ﷺ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (سورة الأنعام ٩٠) ولم يكد يدعو القرآن لمكرمة أخلاقية إلا وجعل منها صفة عملية لخُلق نبي من الأنبياء. بل إن تكامل أخلاقهم هو عامل من عوامل اختيار الله لهم ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (سورة الأنعام ١٢٤) وشهادة القرآن لكمال أصحاب النبوات، يمثل فارقا كبيراً بين القرآن الكريم وبين التوراة - التي بين أيدي الناس - والتي لم تترك نبيا من أنبيائهم إلا ونسبت إليه من النقائص ما لا يليق برجل الشارع. وذلك حتى تقضي اليهودية على المثالية، فلا يقف شيء أمام اليهود، يُحدّ من نشاطهم لجمع المال، حتى يقيم لليهود دولة. وقد جمعتُ هذه الافتراءات في كتابي "هذا نبيك يا ولدي" وبينت موقف القرآن منها. ومن أجل الجهود الكبيرة التي بذلها الأنبياء - صلى الله عليهم وسلم - في خدمة الحق. ودفاعاًَ عن سيرة الأنبياء المظلومين، حافظ رب العالمين على القرآن بنفسه. ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (سورة الحجر ٩) فما دور النبي ﷺ في إتمام مكارم الأخلاق؟ الذي وصلتُ إليه في دراستي:

стр. 127

أن الأخلاق قبل النبي ﷺ كانت أخلاقا مثالية فقط. أخلاقا لم تراع الطاقة الإنسانية المحددة. وما فيها من متقابلات. كالخير والضر، والقوة والضعف، والشهوة والروح. كانت الأخلاق - قبل الإسلام - أخلاقا ملائكية في سلوك بشري. وأقرب الأنبياء إلى نبينا محمد ﷺ هو أخوه المسيح ﵇ من ناحية الزمن. ودعوة المسيح الأخلاقية دعوة غارقة في المثالية، لتواجه الإغراق المادي عند اليهود. كما يقول أستاذنا الدكتور يوسف القرضاوي. الأخلاق التي دعا إليها المسيح لا يقوى المأمور بها على تنفيذها. فهي مثالية تتوج مجالس الكرماء بالحديث عنها، تم تنفض المجالس، وتنتهي الأخلاق. يقول السيد المسيح: "أحبّوا أعداءكم، وباركوا لاعينكم، وصلُّوا من أجل الذين يسبونكم".. ويقول: "إذا ضربك رجل على خدِّك الأيمن، فأدر له خدَّك الأيسر" مثالية مطلقة، لا يقوى عليها المخاطبون بها، والأخلاق لم يشرعها الله - سبحانه - ليجعل منها وسيلة للعفو عمَّن ضربني فقط ... ولكن شرعها - سبحانه - لتعالج من أساء وضربني. فليس كلّ الناس يُصلحهم أن أدير لهم الخدَّ الأيسر. فهل العفو المطلق، وإدارة الخد الآخر، ستعالج من يعتدي على الناس؟ * فلنبحث معاً عن المتمم ﷺ ودوره. جاء الإسلام لينتقل بالأخلاق من المثالية المطلقة، إلى الواقعية المثالية.

стр. 128

التسامي في حدود البشرية. أو قل: أخلاق للجميع . جاء النبي ليُبين أن الكمالات نهر واسع، لا يمكن لأحد من البشر أن يستوعبه كله، فليشرب كل إنسان على قدر استعداده. ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ (سورة البقرة ٢٦٥) الكمالات ظلال لأسماء الله الحسنى، وأنت بشر، فلا تطلب ممن عرفته أن يشرب النهر كله. حتى ولو كان من دعاة الفضيلة، ورجالات الأخلاق. * الذين يتطوعون بالمثالية . على أن بعض الجماعات المسلمة قد أجهدت نفسها، وألزمت نفسها بالمثالية, لأن رسول الله ﷺ لم يتنازل في كثير من سلوكه عن المثالية. لقد تحمل غُرم الإسلام، وجعل غُنْمه للمسلمين. وتحمل نفقات الدعوة من مال زوجته السيدة خديجة ﵂ ومن مال أصهاره أبي بكر وعثمان ﵄ ولما شرع الإسلام الصدقة. وفرض الزكاة، حرمهما النبي ﷺ على نفسه، وعلى آل بيته. ولم يجعل الغنُم بالغُرم. وقد قرأت في كتاب مدارج السالكين للإمام ابن قيم الجوزية: دعوة إلى ما نسميه "الأخلاق المثالية" قال: أنْ تقرِّب من يُقْصيك - أي يباعدك عنه - وتُكرمَ من يؤذيك، وتعتذر إلى من يجني عليك. سماحة لا كظماً، ومودة لا مصابرة ثم قال: إذا مرضنا أتيناكم نعودكم ... وتذنبون فنأتيكم ونعتذر ثم يقول: إن الذي جنى عليك فعل ذلك لذنب ارتكبته.

стр. 129

﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (سورة الشورى ٣٠) فأنت الجاني في الحقيقة، لأنك أنت البادئ بالمعصية. وما وقع بك عقوبة عليها. هذا رأيهم ومعلوم من سيرة النبي ﷺ أنه جاء بالواقعية المثالية، ولكنه التزم مع الله بالمثالية في أكمل صورها، وإن كان لم يطلب من أمته. الالتزام بها. وبعد: إن الإسلام أتى من الأخلاق بما يُطاق. فلم يطلب منك أن تدير الخدَّ الأيسر إذا ضربك رجل على الخد الأيمن، إلا إذا عرفت أن الذي أخطأ معك في حالة انفعال أفقده الصواب، وأن عفوك عنه سيصادف نفسا طيبة، تعيده إلى صوابه. ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (سورة فصلت ٣٤) هذا طراز من الناس، يخطئ، ولكنه سرعان ما يعود لرشده، وتثمر فيه المروءة، فيعيش وفيًّا لمن عاقبه بالعفو عنه. ولمثل هؤلاء شرع الله العفو عن الناس، وتولي جزاءهم. إن مثالية السيد المسيح ﵇ تصلح مع هذا الطراز من الناس. ولكن ليس كل الناس كراما. فكثير من الناس لا يُصلحهم العفو عنهم بل يعيثون في الأرض فسادا إذا لم تقلم أظفارهم، ولا أحد يحب العفو أكثر من الله، ومع ذلك نراه يعاقب، يعاقب ليعالج الجاني، أو ليعالج به الآخرين. أو ليمسح الآلام عن مظلوم لم يتب ظالمه. والأخلاق الإسلامية لا تطلب من المسلم أن يحب عدوه، وتكتفي منه بالعدل معه. مما جعل سجل القضاء الإسلامي حافلاً بصور من العدل، بين المسلمين وغيرهم.

стр. 130

بل بين بعض القادة الفاتحين، وأبناء البلاد. وقصة ابن عمرو بن العاص مع المصري، غير بعيدة عن الأذهان. إن ثقة القبطي في عدل عمر بن الخطاب ﵁ جعلته يتحمل صعاب السفر من مصر إلى المدينة المنورة. لم يكن مقامراً بهذا السفر البعيد، ولكنه كان واثقاً من عدله. * نُصرة عمر - نصره عندما أرسل لواليه على مصر ليحضر إلى المدينة. لمجرد دعوى من قبطي، لم يُحضر معه أحد من الشهود. فمجرد الحضور عقوبة في ذاته. - ونصره عندما حكم له بالقصاص من ابن عمرو. ابن والي مصر وحاكمها. - ونصره عندما عنف عمرو بن العاص بكلمته المشهودة: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً". وبعد أن أخذ القبطي حقه، قال له عمر: اضرب عمرو على صلعته لأن ابنه لم يفعل ما فعل إلا لأنه ابن عمرو. ابن الوالي. فقال القبطي: لا أضرب إلا من ضربني. وشكوى القبطي عمرو بن العاص أمام عمر بن الخطاب ﵁ دليل أيضاً على ثقة القبطي في عدل والي مصر، وأنه لن يضيق عليه إذا عادا لمصر. - واقعية مثالية، أو مثالية واقعية. أمر بالعدل مع العدو. وألزم الأمة بهذا العدل عندما جعله تشريعا له قداسته، وجعل الأمة مسئولة عن تنفيذه. وليس مجرد شعارات. فما أرخص الشعارات. وملَّف القضاء - كما قلت - يشهد بعدل الإسلام مع أعدائه. حتى ولو كان الخصم هو الخليفة - الحاكم الأعلى -

стр. 131

أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب - كرم الله وجهه - يفقد درعه في معركة صفين. ويرى الدرع عند نصراني. فيرفع أمره للقاضي شُريح، الإمام: الدرع درعي. وأنا لم أبعه، ولم أهبه. النصراني: أمير المؤمنين ليس كاذباً. ولكن الدرع درعي. القاضي: هل مع أمير المؤمنين بينة؟ الإمام: لا. ثم يضحك. ويقول: أصاب القاضي. فيقضي شريح بالدرع للنصراني. لأنه تحت يده. يقول ابن كثير في البداية والنهاية: لم يمش النصراني خطوات حتى عاد يقول: أما أني أشهد أن هذه أحكام أنبياء. أمير المؤمنين يدينني عند قاضيه، فيقضى لي عليه!! أشهد أن لا إله إلا الله. وأن محمداً رسول الله. الدرع درعك يا أمير المؤمنين. اتبعت الجيش وأنت منطلق من "صفين" فسقط من بعيرك. فقال الإمام عليّ: أما إذ أسلمت فهي لك. ونماذج كثيرة أفرد لها بعض الكتاب مؤلفات طوال. - ومن عدل الإسلام مع أعدائه المساواة في الحقوق والواجبات. فلهم ما لنا، وعليهم ما علينا، إلا ما يلزم أن يتولاه مسلم، لمساسه بأمور الشريعة كالإمامة. لأن الخليفة يخلف النبي ﷺ فلا يكون إلا مسلماً. والقضاء لما فيه من أمور الشريعة. وولاية على المسلم. ما مصادر العيش، وما يجيدونه من فنون الثراء، فالإسلام لا يُضيق عليهم.

стр. 132

وقد ذكرت في كتابي "هذا نبيك يا ولدي" أن الإسلام أعطى أهل الكتاب حقوقا لم يعطها للمسلم. من ذلك أن الإسلام اعترف بمالية الأمور التي اعترف دينهم بماليتها. وأجاز لهم ملكيتها، وحماها لهم. فمن اعتدى على خمر أو خنزير لمسلم وأتلفه لا يحكم الإسلام للمسلم بالتعويض المادي. ولا يعاقب الفاعل ... أما من اعتدى على خمر أو خنزير لأحد من أهل الكتاب - في بلاد الإسلام - يُعاقب ويُغرم. وهذا مذهب الأحناف. حتى الكلمة التي تسيئه لا يجوز للمسلم أن ينطق بها احتراما لذمة الله، وذمة النبي ﷺ ، هذا ديننا. لم يأمرنا أن ندير له الخدَّ الأيسر، إذا ضربنا على الخد الأيمن، كما قال السيد المسيح - ولم يأمرنا بحب أعدائنا، ولكن أمرنا أن نرعي شيخوختهم وعجزهم. رعاية ينص عليها التشريع الإسلامي، نصاً صريحاً، عندما أمرنا بالوفاء بالعقود. جاء في كتاب "الخراج" لأبي يوسف - صاحب أبي حنيفة ﵁ صـ ١٤٤ إن خالد بن الوليد ﵁ عندما كتب عقد الذمة لنصارى الحيرة بالعراق قال: وجعلت لهم. أيما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنياً فافتقر، وصار أهل دينه يتصدقون عليه، طرحت عنه جزيته، وعيل من بيت مال المسلمين، هو وعياله. وقد كتب خالد لأبي بكر ﵁ بهذا العهد فأقره، وأقره من بجواره من الصحابة، فأصبح إجماعاً. والإجماع مصدر من مصادر التشريع. وهذا ما فعله عمر بن الخطاب ﵁ مع اليهودي الذي أقعدته الحاجة عن الكسب. وقال ما أنصفناه، عندما أخذنا منه الجزية شابا، ثم نخذله عند الهرم.

стр. 133

وقد وضح الشيخ الرملي ﵀ أن لهم حد الكفاية، وليس ما يسد الرمق فقط. ويلحق بالطعام والكسوة ما في معناهما، كأجرة الطبيب، وثمن الدواء، وخادم منقطع لخدمته، بل زاد الشيخ الرملي بضرورة فك أسراهم، لو وقع أحدهم في الأسر. "غير المسلمين للدكتور يوسف القرضاوي" * واجب الضيافة بين الكرم والقضاء عرفنا أن لأهل الكتاب حق العدل مع المسلمين. بل رأيناه مع الخلفاء - كما في: - قضية سيف سيدنا عليٍّ بن أبي طالب ﵁. - ولهم تأمين مستقبلهم ماديا - كما رأينا في معاهدة خالد بن الوليد، وتصرف عمر بن الخطاب ﵄ مع الرجل اليهودي وهذا سلوك دولة، وليس شعارات للانتخابات. وتلبية لأوامر الله - سبحانه - وليست شفقة المنتصر. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (سورة المائدة ٨) أما عندما أقرأ عن موضوع استضافة المسلم لغير المسلم، استضافة يفرضها الشرع الحكيم، فهذا أمر يحتاج إلى دراسة. في كتاب شرح الشروط العمرية لابن قيم الجوزية تحقيق الدكتور صبحي الصالح صـ ١٢٨ قال: في موضوع ضيافة المسلم لغير المسلم: "وتجب الضيافة على المسلم للمسلمين والكفار، لعموم الخبر. واستدل على وجوب ضيافة المسلم وغير المسلم لقوله ﷺ ليلة الضيافة حق واجب على كل مسلم. فدل الحديث على أن المسلم والمشرك يُضيّفان.

стр. 134

بل إنه قال أي ابن قيم الجوزية: وإذا نزل يه الضيف - مهما كان دينه - ولم يضيفه كان دينا على المضاف - صاحب البيت - وللضيف أن يطالبه به قضاء، وله أن يتنازل. هذا رأي بعض الأئمة. وجاء في كتاب (إغاثة اللهفان لابن قيم الجوزية) حـ ٢ صـ ٧٥ مثل هذا الكلام مفصلاً. فقد ذكر في مقام حديثه عن الحقوق التي يجوز للإنسان أن يأخذها النكاح والقرابة والضيافة. قال: وفي هذه الأمور يجوز للإنسان أن يأخذ بقدر حقه. وكما أذن لمن نزل بقوم ولم يضيفوه أن يعْقُبّهم في مالهم بمثل قِرَاه. كما في الصحيحين عن عقبة بن عامر قال: قلت للنبي ﷺ "إنك تبعثنا فتنزل بقوم لا يقرونا، فما ترى؟ قال لنا: إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا. فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم. وفي مسند الإمام أحمد: من نزل فعليهم أن يقُرْوه. فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قِرَاه "المسند عن المقدام أبي كريمة عن النبي ﷺ " وفي المسند أيضاً عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أيما ضيف نزل بقوم فأصبح الضيف محروما فله أن يأخذ قراه، ولا حرج عليه. ويؤكد هذا قوله ﷺ " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه" وأستدل بوجوب الضيافة - من قال بوجوبها بإباحة العقوبة عند منع الكرم. والثاني قول النبي ﷺ بعد الليلة الأولى "فما سوى ذلك صدقة" فدل ذلك على أن الليلة واجبة وسواها صدقة. وقول النبي ﷺ "ليلة الضيف حق" وفي رواية: ليلة الضيف واجبة.

стр. 135

وهذه الأحاديث تدل على كرم النبي ﷺ ، الذي جعل إكرام الضيف واجباً. وجعل الضيف صاحب حق في الكرم. وعموم العلماء يرون الضيافة نوعاً من الكرم وليست واجبة. نعود إلى ابن قيم الجوزية في شرح الشروط العمرية: قال: والضيافة الواجبة يوم وليلة. وتمتد إلى ثلاثة أيام صاحب البيت. وإذا كان الضيف مريضاً، أو مرض في ضيافتهم، فله الرعاية، لأنه أكثر احتاجاً لها، من الطعام والشراب. فإن زاد عجزه عن السير عن ثلاثة أيام، وله ما ينفقه على نفسه، لم يلزمهم القيام بنفقته. ولكن تلزمهم المعونة والخدمة، وشراء ما يلزمه على نفقته - أي نفقة الضيف. وإن لم يكن له ما ينفق منه على نفسه، لزمهم القيام عليه، حتى يبرأ أو يموت. فإن أهملوه وضيعوه حتى مات ضمنوا دينه. هذا مذهب عمر بن الخطاب ﵁ فقد مر رجل بقوم في عهد عمر ﵁ فطلب منهم السقاية، فلم يسقوه حتى مات، فغرمهم عمر ديته!! * هذا ديننا الضيافة حق. فإن قصر الموسر فللضيف أن يطالب بحقه، أو يعفو عنه. حق وليست تطوعا - كما يعتقد كثير من الناس. أما المريض فله حقوقه، من الرعاية، حتى ينتهي مرضه، ولا عبرة باختلاف الدين. مرة ثانية أقول: هذا ديننا الذي نزل في الصحراء!!

стр. 136

في هذه الصفحات * السيد المسيح يُعالج الغرق المادي. * الرسول الأعظم يربي الأغنياء. * تصور الإسلام للمال. * سورة المسد تُبيّن ملامح الدين الجديد. * قدرة الله، وسنّة الله متلازمتان. * غنائم بدر أوَّل تجربة للمسلمين. * صدقاتنا متى تخدم دعوتنا؟ * من التجارب الحيَّة التي عشتها. * مَن لهؤلاء الشباب؟ * أرباح البنوك الربوية أين تذهب؟ * المال بين الفردية والجماعية. * أموال السفهاء ودور الجماعة في حمايتها. * أموال اليتامى هل فيها زكاة؟ * والتضخم وخطره على مال اليتيم.

стр. 137

* الغني بين المثالية والواقعية مرة ثانية نلتقي مع السيد المسيح ﵇ وهو يحاول هدم صرح المادّية، التي تمكنت من نفوس اليهود. ليقيم على أرضها عالم المثالية الأخلاقية. هذا العالم الذي لا يجاوز دائرة النفوس وطاقاتها. نلتقي مع موقف المسيح من المال. ومن الأغنياء. في إنجيل متّى إصحاح ١٩ آية ٢٣ جاء قول المسيح لتلاميذه: " الحق أقول لكم، إنه يعصر أن يدخل غني إلى ملكوت السموات، وأقول لكم أيضاً: إن مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله ". إن السيد المسيح يعالج قضية قديمة، قضية متأصلة في المجتمع اليهودي. وهي قضية عبادة المال، وليس ملكية المال. وقد شهد القرآن بتمكن المال من نفوس اليهود، عندما حكى قصة الملك طالوت، في سورة البقرة آية ٢٤٧ وسوف تأتي. فقضية المال تمكنت من نفوس اليهود جعلهم يبيحون كل شيء. بل إنهم تفاخروا بأموالهم على الله - سبحانه - ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ (سورة آل عمران ١٨١) فهم يعبدون المال. أكثر مما يملكونه. وعندما أرسل الله إليهم مَلكاً يقودهم للنصر، ويخلصهم من الذل، ويعيدهم إلى ديارهم وأبنائهم، اعترضوا على اختيار الله - سبحانه - بأن هذا الملك لم يؤت سعة من المال.

стр. 138

﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ لهذا - ولأكثر منه من مفاسد - أغلق المسيح ملكوت السموات في وجوه الأغنياء من اليهود. * ثم جاء محمد ﷺ جاء ليتمِّم مكارم الأخلاق. جاء ليجعل الأخلاق واقعية مثالية. جاء ليصنع طرازاً من الأغنياء على يده، ويربيهم برعايته، كما ربَّى القادة، والأمراء. وكما ربَّى الخلفاء الراشدين، فكل لما تربَّى له. فلننظر ماذا فعل النبي ﷺ في تربية الرأسمالية الإسلامية. أولاً: وضح مفهوم المال في الإسلام. * المال خير . ولكن الإنسان - في هذا الدين الجديد بما في قلبه، لا بما في يده. ومن أوائل السور نزولاً سورة المسد، فقد نزلت بعد المدَّثر والفاتحة. نزلت في عم النبي ﷺ بسبب كلمة حمقاء، قالها الرجل في ابن أخيه. هذا هو سبب النزول. ولكن مقاصد السورة أكبر. لقد نزلت لتبين خصائص هذا الدين وجوهره. فالإنسان فيه بما في قلبه، وليس بما في يده. وأقرب الناس للنبي ﷺ عندما خلا قلبه من الإيمان لم ينفعه نسبه، ولا ما في يده من مال.

стр. 139

﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ﴾ وانتهى أمره، وأُغلقت صفحته، وانفضحت خاتمته وآخرته. * المال خير. ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (سورة العاديات ٦) ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (سورة البقرة ١٨٠) وكان من دعاء النبي ﷺ اللهم إني أسالك الهدى والتقى والعفاف والغنى (رواه مسلم) وقال ﷺ لعمرو بن العاص "نعم المال الصالح للمرء الصالح" (رواه أحمد بسند جيد) فالمال جيد، إن ملكه الإنسان من مصادر أحلها الله، وكان سببا في حدوث ال غنى النفس ي عند مالكه. فإن خلت نفس مالكه عن الغنى النفسي فلا خير في ملكية الأرض كلها - وإن ملكها. "ليس الغني عن كثرة العرض، إنما الغني غنى النفس". (رواه البخاري ومسلم) * غنى النفس وغنى النفس يزداد كلما شعر المسلم بفقره إلى الله ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (سوة فاطر ١٥) وغَنِيُّ النفس يجود بما يملك ليقينه أن مصدره الحقيقي هو إيمانه بالله رزاقاً، وليس ما في يده، مما ينتهي بأقرب الأجلين. إما أن يفوتني بالخسارة، وإما أن أفوته بالموت. - كما يقول الشيخ محمد الشعراوي. غَنِيُّ النفس - كما ربَّاه النبيُّ ﷺ ينفق.

стр. 140

لأنه يؤمن أن لغة الأرقام التي نتعامل بها تختلف عنها عند الله. فأنت إذا أخرجت زكاة المائة دينار نقص العدد في لغة "الحاسوب" ولكنها لم تنقص في لغة السماء. وهي أصدق. قال ﷺ "مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍة" (الترمذي زهد ١٧) . ولم تنقص - حتى في عُرف رجال الزراعة - فمن خصَّص للبذور كمية من الحبّ، ثم طرحها في الحقل، فلا يمكن لعاقل أن يقول: نقص الحبّ. بل هو في الحقيقة قد زاد، وتضاعف. ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (سورة البقرة ٢٦١) ولم ينقص المال بما يخرج من صدقة، لأننا نرى المهندس يأتي على شجر الموالح وقد امتلأ أول الإنبات، فيحاول أن يقلل العدد، فيسقط كمية منه، ليتوزع الغذاء على الباقي، فيحسن نتاجه. فالمال خير. لأن النبي ﷺ ربّي نفوساً ملكت المال، ولم يملكها. تحري الحلال في الكسب. فكان أحدهم يتعفف عما فيه شبهة. فضلاً عن التعفف عن الحرام البواح. ولست أعيش في الماضي فيعزلني بقصصه عن الحاضر ومشكلاته. أو يشغلني عن محاولة تقديم الحلول الإسلامية - في حدود معارفي - * ضيق الشباب لماذا ؟ إن شيئاً من الضيق قد يصيب بعض الشباب المسلم، عندما يرى قضية الحلال والحرام تَضيَّق الواسع أمامه - على الأقل في تصوره. إن زميله في التخرج من الجامعة، شقَّ طريقه كيفما اتفق، ولم يشغل باله بالحلال والحرام.

стр. 141

إن القلق الذي يصيب كثيراً من الشباب سببه أن الشباب يريد أن يحقق آماله بمعزل عن عنصر الزمن. مع أن سُنة الله في الكون أن تتحقق قدرة الله تعالى "التي تقول للشيء كن فيكون" تتحقق حسب "سُنّة الله" التي جعلت الزمن جزءا من الخلق. إن الله خلق الكون كله بقدرته. بـ "كن فيكون" ولكنه خرج إلى الوجود حسب "سنته" - سبحانه - التي جعلت الزمن جزءا من الخلق ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ (سورة يونس ٣) إن الشجر ينبت بقدرة الله، حسب سُنّة الله. والمرأة تحمل، ويتكون الجنين بقدرة الله، في مدة الحمل، حسب سُنّة الله. وما كان الله ليطوى قانون سنته، مجاملة لشاب مسلم ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ (سورة الفتح ٢٣) فليؤمن شبابنا بسنّة الله، كإيمانهم بقدرته. إن سنوات الدراسة الطوال صبرنا عليها. ولم نحاول طيها. ومن حاول أن يطوي سنوات الدراسة عاش محدود المعرفة. وليعلم الشاب المسلم أن تعجل الرزق لا يعجله. يقول أستاذنا الدكتور يوسف القرضاوي: "إن خطر الحرص على الغنى قد يجعل الإنسان يستعجله قبل أوانه، وأحكام الله القدرية والشرعية: أن من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بالحرمان منه. كما أن شدة الحرص - على الغنى - قد تجعل المسلم يفُرط أو يتساهل فيما لا بدَّ منه شرعا.

стр. 142

والذي لابد منه شرعاً أن تراعي شروط الكسب الحلال للمال، وشروط تنميته، وشروط إنفاقه، فيكسبه من حلال، وينفقه في حقه، ولا يبخل به على مستحق، ومراعاة هذا كله من أصعب ما يكون على النفس". (الفتاوي المعاصرة حـ ٢ صـ ٤١٧) وعلى الشاب المسلم أن يتدرج في صعود السلم، فلن تموت نفس حتى تستوفي أجلها ورزقها، "فاتقوا الله وأجملوا في الطلب" - رواه ابن ماجة - شارِكْ من تعرف أصالتهم ودينهم وأمانتهم. واحذر من مشاركة من تدفعك الضرورة لمشاركتهم. مجرد الضرورة. فسوف تزول الضرورة، ويبقى شريك السوء. ومن غشَّ غيرك غشَّك. ومن أكل الحرام، لا يمكن أن يستغنى بالحلال، فماء البحر لا يروي شاربه ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ (سورة الواقعة ٥٥) والهيم مرض يصيب الجمال، يجعلها تشرب فلا تشبع حتى تموت. * غني النفسي يترفع بصاحبه عن الحرام سبق أن قلت في الجزء الأول: إنَّ أخذ صدقة الفطر من الفقير - الذي لا يملك إلا قوت يوم العيد وليلته، مسألة تربوية رفيعة. وهذا في بعض المذاهب. فالأصل أننا نجمع له الزكاة. أما أن نأخذها منه فلحكمة بالغة. إن الإسلام يريد أن يعود يده على العطاء في سبيل الله، ولو مرة كل عام، لأن اليد التي اعتادت أن تقدم ما تملك حِسبةً لوجه الله، لا تقبل أن تمتد لسرقة ما يغضب الله. أو تمارس من الأعمال ما يغضبه - سبحانه - فالإسلام يدرب الفقير على العطاء. فكيف بأصحاب الأموال. القرآن يصف أحوالهم وواقعهم في مجال الإنفاق كما يصف المشاهد سيول الماء

стр. 143

تغمر المكان من كل جانب. والقرآن قال لهم ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾ (سورة إبراهيم ٣١) وبمجرد أن سمعوا مثل هذا الأمر ونفوسهم تفيض بكل تملك، فيض السيول الطافية. حرصا على رضوان الله. وجنته. حتى كان الرسول ﷺ يرد على بعضهم عطاءه، لأنه لا حيلة له للكسب أن قبلها النبي. راجع في المصحف هذا الخضم من الآيات التي تصور التزامهم بأمره - سبحانه - بالمبالغة في العطاء. وسوف أدلك على سورها وأرقامها. آيات كثيرة، ضرب الله فيها المثل الأعلى للذين يجعلون من أموالهم سبيلاً لربهم. وخدمة لدينهم، وقنطرة للجنة. فهم باعوا أنفسهم وأموالهم لله ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (سورة التوبة ١١) يوم أن خيرهم المشركون بين مصادرة أموالهم والسماح بالهجرة إلى المدينة مع التنازل عن أموالهم. ففرحوا ببيع أموالهم لله ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (سورة الحشر ٨) فأموالهم كانت تحيط بهم من كل مكان لكثرتها، فأخرجوا منها: فقراء، لأنهم باعوا أموالهم لله، وتنازلوا عنها ثمنا لهجرتهم. وصحبتهم لنبيهم ﷺ . ولقد لقى النبي ﷺ واحداً منهم، مجرداً من كل ماله، فقال النبي له: ربح صهيب. فالنبي ﷺ عالج أصحاب الأموال "الأغنياء" وجعل من مالهم وسيلة لفتح ملكوت السموات لهم.

стр. 144

فالصحابي - أبو طلحة - من أكثر الأنصار مالاً بالمدينة، وكان أحب أمواله إليه "بير حاء" وكانت مستقبلة المسجد النبوي الشريف. وكان النبي ﷺ يدخلها، ويشرب من مائها الطيب. قال أنس بن مالك - رواي الحديث: فلما نزل قول الله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (سورة آل عمران) قال أبو طلحة للنبي ﷺ إنَّ أحبّ أموالي إلىَّ (بير حاء) وإني جعلتها صدقة لله، أرجو بها برها، فأجعلها حيث أراك الله. فقال النبي ﷺ : بَخٍ بَخٍ، ذلك مال رابح. وأنا أرى أن تجعلها في الأقربين. فقسمها أبو طلحة في أقاربه، وبني عمومته (البخاري ومسلم) - قال عبد الله بن عمر ﵁ عندما نزلت الآية الكريمة السابقة. لقد راجعت كل ما أملك، فوجدت أحب شيء إلى جارية رومية، فقلت هي حرة لوجه الله - سبحانه - فلو أني أعود في شيء جعلته لتزوجتها. "ابن كثير في تفسير الآية" فالإسلام صنع الأغنياء كما صنع القادة والأمراء. صنع رجالاً ملكوا الدنيا، وما ملكتهم. لأنها كانت في أيديهم، ولم تكن في قلوبهم. والنبي ﷺ لم يغلق ملكوت السموات في وجوهم، ولك يُحرِّم عليهم جنات النعيم، لأنهم ملكوا المال، ولم يعبدوه. وسخَّروا أموالهم لخدمة دينهم، ولم يسخروا دينهم لجمع أموالهم. فأصحاب الأموال الذين رباهم النبي ﷺ على يده، علمهم أن المال مال الله ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (سورة النور ٣٣)

стр. 145

وعندما اختلف المسلمون في غنائم بدر. فقال الشباب: نحن أولى بها لأننا قاتلنا، وقال الشيوخ: نحن لم نقعد عن القتال. عندما حدث الاختلاف على المال، نزع الله الغنائم منهم. وردها لله والرسول. وطلب منهم أن يتقوا الله، فهذه أول تجربة لهم مع المال، فلابد من الحسم في التربية. نزع الله الغنائم منهم، وكلفهم أن يعيدوا وحدة صفهم، وأن يصلحوا ذات بينهم فوحدة الجماعة أحبُّ إلى الله - تعالى - من كل أموال الدنيا وفي السورة الكريمة نفسها ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (سورة الأنفال ٦٣) . فوحدة الأمة خير من كل أموال الدنيا. والطاعة لله ورسوله، وإصلاح ذات بينهم، دليل على الإيمان مع الشدة في الأسلوب في قوله تعالى ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (سورة الأنفال) فلما عاد النفوس إلى رشدها، وصفائها، وزالت سحابة الصيف - كما يقولون - أعاد الله الغنائم لهم، على منهج الله في التقسيم. للمقاتلين أربعة أسهم تقسم بينهم، والخمس الباقي للمحتاجين.
следующие страницы →