← Общие книги

Общие книги · id 12770

سلم أخلاق النبوة

محمود محمد غريب

Полный текст (171 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ولو كان الزوج ممن نرضى خلقه ودينه الأمر صعبٌ عليهم، وهم في مرحلة تحوّل. هنا يأتي دور النبي ﷺ في علاج الأمور الصعبة. ويأتي دور آل بيته. زينب بنت جحش. بنت السيدة أميمة بنت عبد المطلب. فهي بنت عمّة النبي. شريفة نبويّة. يكلّفها النبي ﷺ بعملية فدائية صعبة عليها أن تتزوج بأمر النبي زيد بن حارثة. امتنعت في أوَّل الأمر، فتدخل ربّ العالمين. ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (٣٤ سورة الأحزاب) واستجابت زينب. وعلمت أنّها مسألة تشريعية، أو عملية فدائية، تهون فيها كلّ الرغبات في سبيل الإسلام. إن الجنديّ يقُدّم رقبته من أجل عقيدته. ولكن إنسان يمكن أن يُرغم فرسه على الذهاب للبئر. ولكنه لا يستطيع أن يرغمه على الشرب. وإذا كانت مسألة زينب قد انتهت بالطلاق - كما علمنا، إلا أنّها أثمرت. نجحت مقاصد النبي ﷺ في تحطيم العنصرية. - فقد زوجّ النبي ﷺ أسامة بن زيد بن حارثة - من السيدة فاطمة بنت قيس الفهريّة ... وقد أبت في أوَّل الأمر، ثم استجابت. ووجدت في أسامة خيراً كثيراً. - وأمر النبي ﷺ بني بياضة أن ينكحوا أبا هند، واسمه يسار. فقال ﷺ "من سرَّه أن ينظر إلى من صوّر الله الإيمان في قلبه فلينظر إلى أبي هند". وقال لبني بياضه "أنكحوا أبا هند، وأنكحوا إليه".

стр. 37

- ومن ثمرتها زواج بلال بن رباح ﵁ من هالة أخت عبد الرحمن بن عوف ﵁، حبشي أعتقه أبو بكر، بقريشية أخت رجل الأعمال - إن صحَّ التعبير. - وفي صحيح البخاري أن أبا حذيفة بن عتبة زوجَّ هند ابنة أخيه الوليد لسالم - وهو من موالي امرأة من الأنصار. - والحسين بن علي ﵁ أعتق جارية وتزوجّها، وعندما عتب عليه معاوية ابن أبي سفيان، زواجه من أَمَةٍ كان يملكها. أرسل إليه الحسين: أمّا بعد: فقد بلغني كتابك، وفيه تعييرك إيّاي، بأنني تزوّجت مولاتي، وتركت أكفائي من قريش ... إنما كنت أملكها بيميني، خرجت من يدي بأمرٍ التمست فيه ثواب الله تعالى، ثم أرجعتها على سّنة نبيّه ﷺ وقد رفع الله بالإسلام الخسيسة، ووضع به النقيصة. فلا لوم على امرئ مسلم إلا في مأثم، وإنما اللوم لوم الجاهلية. وهكذا أثمرت تجربة النبي ﷺ في زواج زينب من زيد. والأشياء بآثارها. ثم انتشر الأمر بعد ذلك حتى أصبح في بيوت الأمراء. فهارون الرشيد أمّه من الموالي. وغيره كثيرون. وبعد: إن الدعوة إلى الله - سبحانه - والرغبة في التغيير عند النبي ﷺ لم نكتف بكلمات بليغة - من جوامع الكلم، ولا بخطب حماسيّة، ولا بفنون الشعر. لقد كانت تجارب عملية. وسلوكاً واقعياً، دفع النبي ﷺ وآل بيته فيها الثمن الغالي. حتى نجح رجل واحد في علاج أمَّة كاملة، وتحويلها من ﴿قَوْمًا لُدًّا﴾ (٩٧ سورة مريم) أي ألِدَّاء في العناد، إلى ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (١١٠ سورة آل عمران)

стр. 38

- سر المعجزة عند مليك مقتدر قلت: إن تربية الرجال معجزة للنبي ﷺ ويلزم من كونها معجزة أن سرّها عند الله وحده. هكذا كلّ معجزة لأيّ نبيّ. فالسيد المسيح كانت معجزاته في طبّ الجسد، حتى إحياء الموتى - بإذن الله - بل صنع الله على يديه أحياء جددا. ومع ذلك فالسيد المسيح. لم يدَّعِ معرفة بسرِّ الحياة، التي أجراها الله على يديه. والخليل إبراهيم، وموسى ﵉ كذلك - لا يعرف واحد منهما سرّ الحياة التي أجراها الله على يديه ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ (٨٥ سورة الإسراء) أمّا نبينا ﷺ فمعجزته إحياء الأمم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (٢٤ سورة الأنفال) ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ (١٢٢ سورة الأنعام) فالإيمان بالله، وبالقيم حياة. ورحم الله أحمد شوقي: أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له ... وأنت أحييت أجيالاً من الرمم والجهل موت، فإن أوتيت معجزة ... فابعث من الجهل أو فابعث من العدم ومنهج النبي ﷺ في علاج الأحداث، وفي الإجابة على الأسئلة، وفي فنّ القيادة، مسجّل كلّه في كتب السنة والسير والمغازي. والدعاة - في مجموعهم - يقومون بتبليغ ما أدّاه النبي وحده. أو يكادون. وهذه معجزة أخرى، فالنبي ﷺ جمع التخصّصات العلمية التي تفرّغت أجيال لدراستها.

стр. 39

جمعها في قلبه، وبلَّغها لأمتّه، وربَّاهم عليها. استطاع أن يجمع في سنُتّه هذه العلوم، جمع أستاذ معلّم، بل مبدع أيضاً. فهو الأمي الذي علّم الدنيا "كفاك بالتعليم في الأميّ معجزة". فقد ناقشت الدكتور / لينو. أينو. ليناثوري. خبير الآفات الزراعية في الشرق الأوسط، ناقشته حول قوله تعالى ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ (٣٨ سورة الأنعام) وبعد ساعة من الحديث مع الآية الكريمة، وقف الدكتور لينو. ليناثوري وضمّ يديه، وحنى رأسه، وقال: محمد يستمع إلى صوت السماء. فقال له الدكتور المترجم "شلال" جامعة بغداد: تعني أنَّ محمد رسول الله؟ قال: هذه المعلومات عرفتها وأنا أُعدُّ رسالة الدكتوراه. فمن عرّفها لرجل البادية محمد؟!! واعتنقت ابنته "هيلين" الإسلام بعد عدّة جلسات مباركة. وكان إسلامها - والحمد لله - آخر عمل لي ببغداد ١١/١٩٨١م - والتي شهدت إسلام خمسة من علماء أوربا وسيدتين في بيتي. إنّ سرّ المعجزة عند الله وحده. ونحن ورثته ﷺ لقد كان الرسول ﷺ يضع يده على صدر بعض الناس فيعترف الرجل أنّه قد أصبح من أحبّ الناس له - كما حدث يوم فتح مكة، عندما حاول فُضالة بن عمير أن تتاح له فرصة ليقتل النبي ﷺ أنه في غمرة النصر، لم يجد على الرجل. بل استدعاه، وسأله: ماذا كنت تحدّث به

стр. 40

نفسك؟ قال فضالة بن عمير: كنت أذكر الله. فضحك النبي ﷺ ثم وضع يده على صدر فضالة فانطلق الرجل وهو يقول: ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيء أحبّ إليَّ منه. "سيرة ابن هشام" بسند فيه كلام. وتكررت هذه الحادثة. تكررت مع الشاب الذي حاول أن يبيح له النبي ﷺ الزنا. فسأله النبي ﷺ : "أَتُحِبُّهُ لأُمِّكَ؟ "قَالَ: لا، قَالَ:"وَكَذَلِكَ النَّاسُ لا يُحِبُّونَهُ لأُمَّهَاتِهِمْ، أَتُحِبُّهُ لابْنَتِكَ؟ "قَالَ: لا، قَالَ:"وَكَذَلِكَ النَّاسُ لا يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ، أَتُحِبُّهُ لأُخْتِكَ؟ "قَالَ: لا، قَالَ:"وَكَذَلِكَ النَّاسُ لا يُحِبُّونَهُ لأَخَوَاتِهِمْ، أَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟ "قَالَ: لا، قَالَ:"وَكَذَلِكَ النَّاسُ لا يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ؟ أَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟ "قَالَ: لا، قَالَ:"وَكَذَلِكَ النَّاسُ لا يُحِبُّونَهُ لِخَالاتِهِمْ"، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ، وَقَالَ:"اللَّهُمَّ كَفِّرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ". (الطبراني في الكبير. ٧٥٧٧) . ثم يضع النبي ﷺ يده على صدر الشاب ويدعو له. يقول الشاب: والله لم يرفع النبي ﷺ يده عن صدري حتى أصبح الزنا أبغض شيء إلىّ، فهذا الحديث فيه المنهج، وسرّ المعجزة كلاهما. أمّا المنهج ففي محاولة النبي ﷺ أن يقنع الشاب بأنّ الإسلام يمنعه من الاعتداء على أعراض الناس. وفي نفس الوقت يمنع كلّ الناس أن يعتدوا على حرماته. فالإسلام يمنعك لحمايتك. وشرطي المرور يمنع الأمير من السير بسيارته ليحيمه، لا ليتدخل في حريته. هذا هو الجانب الأول، جانب الإقناع. أمّا الجانب الثاني فهو وضع النبي ﷺ يده على صدر الشاب - الذي يحاوره - فيتحقق مراد النبي ﷺ وهذا أمر لا نستطيعه. وهو من تمام المعجزة. وقد انتهى عصر المعجزات.

стр. 41

أقول: إذا عجز أتباع السيد المسيح عن ميراث معجزته، في إبراء الأكمة، والأبرص، وإحياء الموتى، فهم لم ييأسوا من بذل كل جهد للقرب من هذه المعجزة. في مجال إحياء الأحياء. وكلنا في جهاد علمي لإحياء الأحياء بالطبّ وعلومه. ونحن الأمة الوارثة لنبينا محمد ﷺ ونبينا معجزته الثانية تربية الأمَّة - كما قلنا - فعلينا أن نلتزم بقوله ﷺ "فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ" "البخاري. ٣٨) والذي لا يستطيع واحد من الدعاة، أو جماعة منهم، أن تحقّقه، فإنّ مجموع الأمَّة من الدعاة يمكنها أن تحققه. "سَدِّدُوا وَقَارِبُوا" "البخاري ومسلم" وذلك إذا تعاونوا. وما دام المنهج قد وصلنا - والحمد لله - فالأمل في الله كبير. وبعد أكثر من ثلث قرن في الدعوة - على قدر الطاقة - أثمر بعضها ما يمكن أن أعيش على ذكراه، وأن أحمد الله عليه. والدعوة إلى الله لا تضيع، ما دامت مخلصة. المهم ... أنني أسجل الآن هذه السطور لألخص عوامل النجاح في تبليغ المنهج النبوي، وخدمته، وكلنا في خدمة النبي ﷺ * * *

стр. 42

* القانون العام أولاً: قوة الإيمان بما ندعو إليه إيماناً يولّد الإصرار. وتهون أمامه الصعوبات. ثانياًَ: وحدة الهدف. وحدة موضوع المناقشة. فقد تعوّد الناس أن يجعلوا من مجالسهم وأحاديثهم ذات شجون - أحاديث من هنا وهناك - ثالثاً: وضوح الموضوع والهدف في نفس الداعي. رابعاً: قدرة الداعي على التركيز. هذه أمور أربعة تعمل عمل السحر. * إيمان الداعي بالرسالة لا يتحقق شيء في خارج الإنسان إلا إذا كان مسبوقاً بتصوّر ذهني واضح لهذا الشيء ويختلط التصوّر بالإيمان الكبير بهذا الشيء فهو التصوّر المؤمن، بحتمية التنفيذ. وبمقدار إيمانك بالصورة، بمقدار نجاحك المأمول. وذلك عندما تنتفي الموانع. وقد سبق أن تكلمت عن رصيد النبي ﷺ الرصيد الإيماني الذي يحكم أعماله وآلامه وآماله، منذ أن قال لعمه - في مكة - والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر ما تركته، حتى يتمّه الله لي، أو أهلك دونه. فرصيد الإيمان موفور عند النبي ﷺ . ونجاح كلّ داع مرهون بقدر إيمانه بدعوته. * وضوح المنهج وضوح المنهج في ذهن النبي ﷺ اكتمل ليلة الإسراء والمعراج. فمجموع المشاهد التي رآها النبي ليلة الإسراء عرض الله فيها على النبي ﷺ صورة

стр. 43

متكاملة للإسلام، عقيدة وشريعة وأخلاقاً. عبادات واقتصاديات، مما يحتاج لرسالة خاصة. ومنذ هذا اليوم والصورة واضحة في قلب النبي ﷺ ولكنه مع علمه بما سينزل عليه في شأن الخمر - مثلاً - إلا إنه لم يسبق الوحي، حتى يحتفظ للوحي بمنهج التدرجّ في التشريع. لقد قال القرآن الكلمة الأخيرة في الخمر في الآية التسعين من سورة المائدة (١) ، وهي آخر سورة نزلت من عند الله. ومع ذلك لم يسبق النبي الوحي بشيء من الترهيب في الخمر، مع أن بعض الآيات مهدّت للتحريم. * قوة التركيز كثيراً ما يتكلم الناس. ولكن ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ ولا وزن له. وكثيرا ما نسمع الخطب العظيمة، وأحاديث الوعظ، ولا تحرك في القلب ساكنا. بل كثيراً أولئك الذين يتوجهّون بالدعاء إلى الله. ولا يستجاب لهم. وأنت تقرأ بعض "التعاويذ" فلا تشعر بشيء، بينما قد يقرأها أمامك ساحر فيتحرك الحجر، ولو من باب ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ ما السبب؟ الكلمات هي الكلمات. والدعوات هي الدعوات. فلماذا تستجاب من أحدهم، ولا تستجاب من الآخر؟ هنا قوّة الضرورة. فدعوة المظلوم مثلاً ترفعها الملائكة إلى الله. لأنّ المظلوم يشعر بضرورة الاعتصام بالله. فقد تخلُفت الأسباب عن نصرته. بقي الله - سبحانه - "دعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، ويفتح لها أبواب السماء

стр. 44

ويقول: وعزّتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين". (الترمذي) . وواضح أن وحدة الهدف عند الدعاء سببها الضرورة الملحّة لهذا الأمر. ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ (٦٢ سورة النمل) فقوة التركيز هي الجانب المؤثر في السحر، والتنويم المغناطيسي، والدعاء المقبول. والأمور الثلاثة "الشعور بالضرورة، ووحدة الهدف، وقوة التركيز لو اجتمعت في الحوار، فمن رزُق هذه الثلاثة من الدعاة يمكن أن يضع يده على صدر من يخاطبه فينساق الهدى إلي قلبه." ويمكن لكلماته أن تصنع المستحيل. وبهذا استطاع رجل واحد أن يُربي أمَّة. لقد كان النبي ﷺ ذا شحنة من الطاقة الروحية يغلب بها كل الرجال الذين يحاورهم. ومازالت عبادة الصلاة، بالمنهج الذي طلبه القرآن. تُعلّم المسلم التركيز. وذلك عندما طلبت من المسلم أن يدرّب نفسه خمس مرات كلّ يوم على التفكير فيما يقرأ، وفيما يسبِّح، وفي معنى السجود، وذلك إذا سجد بقلبه. "فليس لك من صلاتك إلاّ ما تعقل منها" فالداعي بحاجة إلى قوّة التركيز فيما يتحدّث فيه. حتى لا يتحدّث ساعة وهو لا يقول شيئاً. ورجل الأعمال يحتاج إلى قوّة التركيز لإدارة شئونه. والطالب أكثر الجميع حاجة للتركيز. وهو سرّ أن يقرأ أحد الطلاب المحاضرة مرّة واحدة فيحصل على الامتياز.

стр. 45

والصلاة هي النادي الذي يتم فيه التدريب على قوة التركيز. واليوُجا - التي يبشرون بها في بلادنا غزو ديني جديد، لعقائد الهند وعبادات البوذية. وقد أغنانا الله عنها بمدرسة الصلاة، وما فيها من تدريب على التركيز. خصوصاً صلاة الليل. وفي كتاب (كيف تعدين نفسك "اليوغا") إعداد هالة عمر، تذكر معُدّة الكتاب أن هذه الرسالة تمثل جزءا من أهداف "اليوغا". ونقول: وهناك العديد من الآفاق التي تتراوح بين السيطرة على الجسد والتأملات الروحانية الشاهقة الارتفاع. ثم تقول: فالهثايوغا بدنية. وهذه هي التي نعالجها في هذا الكتاب بصورة خاصة. لكن فيما بعد ستعطيك "حكومات الكهنة العظيمة". ونحن لا نناقش التمارين الجسدية في أيّ مدرسة. ولكن الذي نخشاه هو الغزو والفكر. فقد أصبحنا في عالم الغزو الفكري بكل وسائله وفنونه. فلنعالج - كلَّ قضايانا بمنهج الإسلام، الذي ورثناه عن نبينا ﷺ . * * *

стр. 46

سُلم أخلاق النبوة (المرحلة الأولى) - أيها اليتيم العظيم ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ - حوادث ذات دلالة. ولكنّ معارفنا عنها قليلة. - خديجة - أول من استدل بأخلاق النبي ﷺ على نبوته. - وهرقل كذلك. - ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ شهادة لمرحلة ما قبل ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ فكيف به بعد الوحي؟ - السُلّم يواصل الصعود. - تربية القرآن للنبي ﷺ تربية لأمته. - ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ خذ العفو - دراسة اجتماعية ودينية واقتصادية. (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) - دراسة حول فنّ الدعوة إلى الله. ضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. - أين نساء المؤمنين من الأمر بالمعروف؟ - ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ العّرْضُ والإعراض. - ومازال السلم يواصل الصعود. وإلى الجزء الثاني وهو كيف تمّم النبي مكارم الأخلاق ﷺ - وأخيراً امتزاج بالدعوة. امتزاج الدسم بالحليب!!

стр. 47

* رحلة الأخلاق عند النبي ﷺ - بدأت هذه الرحلة المباركة من رعايته - سبحانه - للنبي اليتيم. ومعلوم أن اليتم قبل البلوغ. وإلى هذه المرحلة أشار القرآن الكريم، بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ (سورة الضحى) ومن آواه الله حفظ خُلقه، ونشَّأة فيما يريد. وأعدّه لما يريد. ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (١٢٤ سورة الأنعام) وقد وردت بعض الأخبار في تفصيل عناية الله لأخلاق (اليتيم) وحفظه - سبحانه - لليتيم من الشرك ومن مفسدات الفطرة. فكان زهرة في الصحراء. عافًّا في بيئة لا تعرف العفاف. ولم يستطع أعداؤه أن ينطقوا بكلمة واحدة عن ماضيه كلمة من شأنها أن تصرف الناس عنه وعن دعوته، ولو استطاعوا لفعلوا. فالصفحة الأولى من رحلته الأخلاقية أنه اليتيم الذي رعاه الله. ليُعدّه لأمر عظيم. وسوف نذكر بعض ما ثبتت صحته من أخبار طفولته ﷺ وحصيلة الصحيح في هذه المرحلة - مع أهميتها - قليلة. * الله تولاه برعايته الخبر الذي اشتهر بين الكتّاب عن سعي النبي ﷺ في صباه ليشارك قومه في حفل زواج، وطلب من فتى من قريش يبُصر له غنمه، حتى يُسمر هذه الليلة بمكة، كما يسمر الفتيان، فخرج حتى جاء أدنى دار من دور مكة، فسمع غناء وصوت دفوف ومزامير، فسأل: ما هذا؟ قالوا: فلان يتزوج. يقول: فلهوت بذلك، حتى غلبتني عيني فنمت. فما أيقظني إلاّ مسّ الشمس، فرجعت إلى صاحبي.

стр. 48

ثم فعلت ليلة أخرى مثل ذلك. ثم يقول: فوالله ما هممت بعدها بسوء مما يعمله أهل الجاهلية، حتى أكرمني الله بنبوته. هذا الحديث ذكره الحافظ الذهبي في سيره الجزء الأول صـ ٧٩ إلا أن ابن كثير قال منه في سيرته "هذا حديث غريب جداً" ومعلوم أن ابن كثير من علماء الحديث. - وروي ابن سعد "في الطبقات الكبرى" جـ ١ صـ ١٥٨- أن أهل النبي ﷺ أعمامه وعماته - أكدوا عليه ضرورة أن يحضر عيداً لقريش، فما زالوا به حتى ذهب، "وكان أبو طالب يحضره مع قومه، وكان يكلم رسول الله، ﷺ ، أن يحضر ذلك العيد مع قومه فيأبى رسول الله، ﷺ ، ذلك، حتى رأيت أبا طالب غضب عليه، ورأيت عماته غضبن عليه يومئذ أشد الغضب، وجعلن يقلن: إنا لنخاف عليك مما تصنع من اجتناب آلهتنا، وجعلن يقلن: ما تريد يا محمد أن تحضر لقومك عيداً ولا تكثر لهم جمعاً، قالت: فلم يزالوا به حتى ذهب فغاب عنهم ما شاء الله، ثم رجع إلينا مرعوباً فزعاً، فقالت له عماته: ما دهاك؟ قال: إني أخشى أن يكون بي لمم، فقلن: ما كان الله ليبتليك بالشيطان وفيك من خصال الخير ما فيك، فما الذي رأيت؟ قال: إني كلما دنوت من صنم منها تمثل لي رجل أبيض طويل يصيح بي وراءك يا محمد لا تمسه! قالت: فما عاد إلى عيدٍ لهم حتى تنبأ." * حديث شق صدره . وفي صحيح مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﷺ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ فَاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً فَقَالَ هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ ثُمَّ لَأَمَهُ ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ وَجَاءَ الْغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ يَعْنِي ظِئْرَهُ فَقَالُوا إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ فَاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ مُنْتَقِعُ اللَّوْنِ قَالَ أَنَسٌ وَقَدْ كُنْتُ أَرْئِي أَثَرَ ذَلِكَ الْمِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ". وواضح أن هذه المرةّ في طفولته. (رواه مسلم. ٢٣٦) والله أعلم بسرِّ ما أخرج جبريل من قلب النبي ﷺ فهو رمز لتطهير قلبه من حظ الشيطان. ولا ينكر أحد أن للغدد دخل في تصرفاتنا وأخلاقنا.

стр. 49

وقد شاهدت بعيني ما ذكرته بالتفصيل في كتابي "سورة الواقعة ومنهجها في العقائد" من اجتماع جماعة من الشباب الصوفي، وأقاموا حلقة للذكر، ثم قام واحد منهم فخلع قميصه، ثم أدخل سيفاً في بطنه وأخرجه من ظهره. فقام جاره في المجلس، وأدخل يد المكنسة الغليظة في بطنه، وأخرجها من ظهره, فلما أخرجها لم تنزل منه نقطة دم واحدة. بينما أوقدوا ناراً على قرص من حديد عدَّة ساعات، ثم قام أحدهم وحمله بيده، ووضعه في فمه، ومرّ علينا. فوالله ما كاد أحدنا يطيق حرَّ القرص من بعيد. لا أستدلّ بهذا العمل على تقوى من فعل هذا، فالتقوى لها موازينها الشرعية. ولكنّني أقرب للأذهان عملية شق صدر النبي ﷺ وإعادته، مادام الخبر قد صح عن رسول الله ﷺ . فلا يسعنا أن نحكِّمَ عقولنا، وقد تكرر الشَّقُّ في أحداث الإسراء. فمرة في الطفولة، ومرة في مقدمة الإسراء. - الاستسقاء باليتيم ومن رعايته - سبحانه - لطفولة النبي ﷺ وحفظه له ﷺ ما جاء في وفيات المشاهير والأعلام للذهبي حـ ١ صـ ٥٣ أن قحطاً أصاب الوادي، وقصد الناس أبا طالب يطلبون منه الدعاء، ويستسقون به فأخرج أبو طالب "اليتيم الأعظم" أخرج معه غلاماً فألصقه بالكعبة. فأقبل السحاب من هاهنا وهاهنا، وأغدق وأغدودق، وانفجر له الوادي، وأخصب النادي والبادي. فأنشد أبو طالب ابيانا مطلعها: وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ... ربيع اليتامى عصمة للأرامل

стр. 50

* الراهب بحيرا وقصة النبي ﷺ مع الراهب بحيرا والذي عرف النبي ﷺ بما قرأه عنه وخاف عليه يهود الشام أن يقتلوه. وطلب من عَمِّه أن يرجع به. والقصة ثابتة في كتب السيرة وقد بالغ بعضهم في هذا الحادث، وادعّى أن النبي ﷺ حفظ القرآن والعلم من هذا اللقاء. وهو تفسير مضحك، لأمر جليل. والجنون فنون. فلقاء صبيٍّ مع راهبٍ كهلٍ لمدة لا تكفي إلا لتناول الطعام، وفي صحبته عم الصبي وعدد كبير من قومه. تكفي لتلقين الصبي ما يجعله نبياً رسولاً. ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ ويجعل كتابه فرقاناً بين عهدين للدنيا، ونهضة للشعوب!! قال لي أحدهم: القصة موضوعة (خرافة) قلت له: هذه القصة إنْ آمنت بها آمنت بأن محمداً نبيٌّ. لأن الراهب عرفه مما قرأ عنه في كتب النبيين. وإن أنكرتها كانت نتيجة الإنكار أن محمداً نبيٌّ. للزوم أنه تلقى القرآن من عند الله ولم يتعلم من بشرٍ. وللمستشرقين في محاولة تفسير النبوة كلام طويل. فهم يقبلون أي تفسير، إلا أن يكون هذا القرآن من عند الله. وإن شاء الله - سوف أذكر أخبار علماء أوربا الذين جمعني بهم "جامع البُنِّيَّة ببغداد"

стр. 51

وانتهى الحوار معهم بإسلامهم. وهم خمسة من العلماء وسيدتان. هذا وقصة النبي ﷺ مع بحيرا في السيرة النبوية "وفيات المشاهير والأعلام للذهبي حـ ١ صـ ٦. وفي سيرة ابن إسحاق "السير والمغازي". "وكتاب دلائل النبوة حـ ١ صـ ٣٧٣". "وسيرة ابن كثير حـ ١ صـ ٢٤٣". وغير هذا من المصادر لمن أراد أن يدرس. ولو أردنا بسط الحديث فيها لألزمنا هذا الأمر بحث وتتبع كتب أهل المسلمين. وحسبنا علمياً مخطوطات المهندس الأديب زهدي جمال الدين والذي جنَّد حياته لخدمة هذه القضية. أسال الله أن تنشر هذه السلسلة. * * * * رعي الغنم مدرسة للقيادة رعاية الغنم مقدّمة أعدّها القَدَرُ لتدريب النبي ﷺ على رعاية الأمم. "ذلك لأن الغنم يكون فيها السخلة المستضعفة، والشاة الضالة، والكبش المستأسد، والماعز الساذجة، والتيس المصارع. هذه جائعة بحاجة إلى أن تأكل. وهذه ظامئة بحاجة أن تشرب، وتلك والدة بحاجة إلى الرعاية، وأخرى جامحة بحاجة إلى أن تكبح وتقاد بسياية ولين. أو بعنف وصرامة". فليست رعاية الغنم كما نرى اليوم أنعاما تقطع الطريق السريع، وتسبب حوادث السيارات، وراع يجلس في الظل يعزف الناي. إن تدريب النبي ﷺ أعواماً طوالاً على رعاية الغنم يعده لصبر طويل على رعاية الأمم الشاردة. فقد شبّه القرآن المجتمعات الضالة بالأنعام ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (١٧٩ سورة الأعراف)

стр. 52

وقد أثّرت هذه السنوات في فنّ النبي ﷺ لقيادة الشعوب. بل وأثّرت حتى على أسلوبه - أحياناً - "فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ" أبو داود والنسائي قالها ﷺ وهو يُرغِّب في الجماعة، وينفّر من الانسلاخ عنها. وقصة الأعرابي الذي أعطاه النبي ﷺ ثم قال له: هل أحسنت إليك؟ قال الأعرابي: لا. ولا أجملت. فغضب المسلمون، وقاموا إليه، فأشار ﷺ إليهم أن كفوا عنه. ثم قام ودخل منزله، وأرسل إلى الأعرابي، وزاده شيئاً، ثم قال له: أحسنت إليك؟ قال نعم. فجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً، وقال ذلك أمام الصحابة. فقال ﷺ "إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة فشردت عليه، فأتبعها الناس، فلم يزيدوها إلا نفوراً" فناداهم صاحب الناقة: خلّوا بيني وبين ناقتي، فإنّي أرفق بها وأعلم. فتوجه لها بين يديها، فأخذ لها من قُمام الأرض - أي حشائشها - فردّها هونا هونا، حتى جاءت، واستناخت، وشدّ عليها رحله. واستوى عليها. "الإحياء جـ ٢ صـ ٣٣٦" فواضح في هذه القصة بقايا عمله في فنّ رعاية الغنم. والحديث قبلها كذلك. وجاء الأمر صريحاً في قوله ﷺ "وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ" البخاري ومسلم. * * *

стр. 53

* من يضع الحجر ؟ القصة يعرفها كل من يعرف شباب النبي ﷺ وحكمته. كان محمد ﷺ في الخامسة والثلاثين، وأعاد العرب بناء الكعبة. ووصلوا إلى موضع الحجر، فاختلفوا. واختصموا، كل قبيلة تريد شرف وضع الحجر، حتى قال أسنهم - حفظا لهم من الحرب - اجعلوا أمره لأول من يدخل عليكم من باب المسجد. فكان محمد ﷺ . فهتفوا: هذا هو الأمين ﷺ رضينا به حكما. فلمّا رأينا الأمر قد جدّ جدّه ... ولم يبق شيء سوى سلّ المهنّد رضينا وقلنا العدل أوَّل طال ... يجيء من البطحاء من غير موعد ففاجأنا هذا الأمين محمد ... فقلنا رضينا بالأمين محمد كان محمد يستطيع أن يحكم بينهم بأي حكم. ولكن عبقريته جعلته يخلع ثوبه، ويختار من كل جماعة رجلاً يشارك في حمل الثوب، حتى إذا ما وصل الحجر مكانه، رفع محمد الحجر، ووضعه بيده الشريفة في مكانه. إنها خبرته الواسعة بالنفوس، وإنه قضاؤه العبقري، الذي تجلت فيه الألمعية. يقول الدكتور / أحمد الشرباصي وهو يروي قصة الحجر بأسلوب فائق الجمال يقول: جمع المشارب المتضاربة المختلفة. واستطاع أن يحسم الموقف الحرج السريع ببراعة وألمعية، كما استطاع ألاّ يحرم فرداً من المتنازعين من الاشتراك في هذا الشرف المرموق، وأراد في الوقت نفسه أن يعطيهم رمزاً بأنّه الهادي المنتظر، وأنه المعلم الذي يتهيأ الآن بعناية ربِّه لحمل الأمانة الكبرى، والهداية العظمى، إلى سائر الناس. أرضاهم محمد حين أفحمهم جميعاً بهذا الحل الرائع العجيب، الدال على الذكاء والعبقرية وسرعة الخاطر اللمَّاح. (يسألونك حـ ٣ صـ ٢٩٣) ومعلوم أن النبي ﷺ لم يكن يعلم أن الله يعده للأمر الكبير. ولكنها دلالة الحال لا المقال.

стр. 54

سلم أخلاق النبي (المرحلة الثانية) - وجاء الوحي. - الوحي يتسامى بالنبي من كمال إلى أكمل. - تربية النبي ﷺ تربية لأمته. - نماذج فقط من آيات القرآن. - خذ العفو. فماذا بقى للورثة بعد إنفاق العفو؟ - خذ العفو. دراسة اقتصادية للمجتمع المسلم. - المنيحة - وجلب البضائع - والقرض الحسن. - ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ دراسة في العُرف، والمعروف، وفلسفة الألفاظ المطلقة. - ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ نظرية العرض والإعراض

стр. 55

السُلّم يبدأ من كمال إلى أكمل البيان والكمال لا نهاية لهما. ومن طريف المناقشات، تقدّم طالب من كلية أصول الدين جامعة الأزهر، إلى الامتحان النهائي. "امتحان مشافهة" فسأله الأستاذ سؤال ذكاء: هل يستطيع الله - سبحانه - أن ينُزّل قرآنا أعظم من هذا القرآن؟ قال الطالب: محمد سامي سالم: نعم يستطيع. فقال الأستاذ: هل تعني أن القرآن مفضول؟ فقال الطالب: وهل تعني أن الله عاجز؟ ثم قال: إن البيان والكمال لا نهاية لهما. فاكتفى الأستاذ بهذا السؤال. سقُت هذا المثال لأمهّد لقضّية علمية هي أنَّ النبي ﷺ انتقل بعد الوحي من كمال لأكمل. والكمال لا نهاية له. كان قبل الوحي على خلق عظيم. لأنَّ الآية الكريمة نزلت في أيام الوحي الأولى - كما عرفت - ثم بدأ يصعد درج الكمال حتى أصبح قرآنا يمشي بين الناس. لقد عبَّر القرآن عن النبي ﷺ وهو في نهاية السُلَّم بأنَّه قد امتزج بالقرآن - كما يمتزج الدسم بالحليب. فالذكر منزل من عند الله. والرسول منزّل من عند الله كالذكر تماماً!!

стр. 56

﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا﴾ (١٠ سورة الطلاق) وكلمة "رسولاً" تُعرب بدلاًَ أو عطف بيان من ذكر. ومعلوم أن البدل والمبدل منه شيء واحد. أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا- أي قرآنا. "هَذَا ذِكْرٌ" أنزلنا إليكم رسولاً. لقد امتزج الوحي بالرسول. وهذه مرحلة من مراحل السُّلَّم الأخلاقي، وهي قمة المراحل. ولا عجب فقد امتزج الرسول ﷺ بالملائكية ليلة الإسراء، فرأى من غير إراءة، في المرحلة الثانية. ثم صعد مقام ما فوق الملائكيّة في المرحلة الثالثة، وذلك عندما وصل إلى سدرة المنتهى، فوقف جبريل، وقال للنبي ﷺ تقدم. فقال النبي: أهنا تفارقني؟ قال جبريل: لا أستطيع أن أتقدم من مكاني. ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ (١٦٤ سورة الصافات) فالنبي الذي انتقل من مرحلة بشرية إلى مرحلة ملائكية ليلة الإسراء، انتقل من مرحلة إلى مرحلة في مقام الأخلاق. ترقّى النبي ﷺ حتى أصبح ذكراً "قرآنا" يمشي بين الناس. وحاول الإمام الزمخشري أن يخرج من هذا التصور فقال: إن المراد (برسول) هو جبريل. وللإمام الزمخشري رأيه. ولكن أوَّل سورة إبراهيم تبين أنَّ الذي يخرج الناس من الظلمات إلى النور هو نبينا محمد ﷺ ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾

стр. 57

تربية القرآن للنبي ﷺ - والآن مع نماذج من آيات القرآن الكريم في تربية النبي ﷺ ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (٤ سورة المدثر) بهذا المعنى الظاهر وبدون تأويل للنص الكريم. فالطهور شطر الإيمان. وبعض العبادات التي سيشرعها الله - سبحانه - لا تصلح بغير طهور. بل إن الصلاة، ومسّ الصحف، والطواف حول الكعبة، سوف يشرع لها أكثر من الطهارة المادية التي تهدف إلى إزالة النجس - سوف يشرع لها الوضوء. بل والغسل، لرفع حدث معنويّ، لم تصاحبه نجاسة مادية، يتطهَّر منها غالباً. فالطهارة في صورتها المادية والمعنوية من أول ما أُمر به النبي ﷺ ومن أول تربية القرآن للنبي ﷺ وفهم بعض علماء السلف من الآية الكريمة الأمر بطهارت النفس، طهارة داخلية. قال قتادة ومجاهد: نفسك فطهّر من الذنب. فكنّى عن النفس بالثوب. قال ابن عباس: لا تلبسها على غدر، ولا معصية. واستشهد بقول غيلان بن سلمة الثقفي. وإني بحمد الله لا ثوب غادر ... لبست ولا من غدرة أتقنع. وذكر صاحب مدارج السالكين أن بين الثياب والقلب مناسبة ظاهرة وباطنة. ولهذا نهى الإسلام المسلم عن بعض الملابس كالحرير والذهب وجلود السباع،

стр. 58

لما تؤثر في القلب من الهيئة المنافية للعبودية والخشوع. وتأثير النفس والقلب من الثياب أمر خفي، يعرفه أهل البصائر. ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ (٦ سورة المدثر) النصّ الكريم مع إيجازه تربية للنبي ﷺ ولأمته. لا تمنن على من تعطيه. فالمنُّ من خلق فرعون ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ (١٨ سورة الشعراء) وردّ عليه موسى ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ؟! (٢٢ سورة الشعراء) فلا تمنن لأنَّ المنَّ من خلق صغار النفوس. ويحتمل النصّ الكريم ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ - أي لا ترى ما تعطيه كثيراً. إنّ أصحاب النفوس الكبيرة يعطيك أحدهم ما ملكت كفَّاه ويعتذر.. والنبي ﷺ إمامهم. فقد كان يعطي عطاء من لا يخاف الفقر. والفهم الثالث للنص المعجز الكريم: لا تعط وأنت تطلب المزيد بعطائك. إن بعض الناس يهدي إليك في مناسبة لتكون هديته لك جلبا لعطائك، فهي استثمار، وليست إهداء. فنهى الله الأمَّة عن الأمور الثلاثة. ليكون العطاء للعطاء، خالصاً لربِّك. وربما تحتمل الآية فهماً رابعاً وأكثر.

стр. 59

﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ أول ما تأمر به الآية بسياقها هو إخلاص الصبر لله. فالصبر لربك وحده. اصبر على تكاليف الدعوة. فسوف يتجافاك أقرب الناس لك بسببها. ويُخرجك قومك ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ (٥ سورة المزمل) فاصبر لتكاليف هذا القول الثقيل. كلُّ شيء يصدر عن خصومك يؤذيك. لأنهم أهلك، فاصبر حتى على الكلمة ينطقون بها. ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ (١٠ سورة المزمل) وقد رفعناك إلى درجة الأنبياء، وشدّة القرب ينشأ عنها صعوبة التكاليف، فاقتد بالأنبياء السابقين، فقد صبروا. صبروا على تكاليف الدعوة، والتعامل مع العقول المتباينة. حتى ولو كان النبي ملكاً، فحياته لا تخلو من الصبر. ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (١٧ سورة ص) داود ملك نبي. ومع ذلك هو قدوتك في الصبر. لأنه جمع بين أمرين ثقيلين. - التبليغ عن الله لشعب جعل الله معجزة أحد أنبيائه وأكبرهم "عَصًا" فهو شعب لا يصلح بغيرها. - ثانياً تحمل داود إقامة العدل بين الناس في مجتمع لا يُعين حاكمه النبي على العدل ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ (٢٦ سورة ص)

стр. 60

اصبر يا محمد صبر داود الملك النبي. اصبر على التبليغ، وعلى إقامة العدل بين الناس. وليصبر بعدلك وصبرك كل من كلفناه بمثلهما عن أمتّك. اصبر وكُلّك ثقة أن الله الذي رعاك طفلاً لن يتخلَّى عنك نبيا. * * * ومن آيات القرآن في تربية النبي ﷺ ما جاء في النهي عن مدّ نظره إلى متع الحياة ونعيمها. ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (١٣١ سورة طه) والمنهي عنه هنا هو نظر الإعجاب. لماذا وسّع الله على هؤلاء الكفار - مع كفرهم. وكلمة ﴿مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا﴾ أي جعلنا لهم من كل شيء زوجين. من الفرس زوجين، ومن البيت زوجين، ومن الخدم زوجين. ولا يتصوَّر عالم بسيرة النبي ﷺ وخلقه، بل ومبادئ اللغة العربية، أن النهي هنا عن النظر للزوجات. حاش النبي الأعظم، ولو كان النظر للزوجات لتغير الضمير في قوله تعالى ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ وأصبح أزواجاً منهن. بنون النسوة لتوافق الزوجات. وقد تكرر النهي عن نظر الإعجاب على من وسَّع الله عليه مع كفره وضلاله في سورة الحجر ٨٨ وقد علمنا أن الله يُؤدّب الأمَّة في صورة نبيها ﷺ . لأن الآيات ما تزال عاملة إلى يوم القيامة. * مازلنا مع القرآن يربي النبي ﷺ ومن آيات القرآن التي ربّي بها النبي ﷺ وما زالت منهجاً لتربية أمته - نختار هذه الآية.

стр. 61

﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (١٩٩ سورة الأعراف) سنعيش مع مقاصد الآية الكريمة بقدر بصرنا المحدود. إنّا أصحاب البصائر من العلماء فالقرآن يفيض عليهم على قدر ما يطيقون. فعطاء القرآن لكل عقل بقدر ما يطيق. ونقُدِّمُ لهذه الدراسة بأمرين: * المقدمة الأولى هو إيمان النبي ﷺ بعِظَم الآمر - سبحانه - الأمر الذي قامت لأمره السموات والأرض. ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (١١ سورة فصلت) * المقدمة الثانية يقين النبي ﷺ أنَّ الأمر صادر له من الله - سبحانه - ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ (٢٨٥ سورة البقرة) فقوة إيمانه بربّه، وبصدور هذه الأوامر منه - سبحانه - تشبه قوة (المولد الكهربي) الذي يغذِّي مدينة كبيرة، لا بدَّ أن يعدلها قوة، ويزيد عليها. ومن هنا كان إيمان خليفته لو وزُن بإيمان الأمَّة لرجح - إيمان أبي بكر ﵁ فكيف بإيمانه ﷺ . وهو مصدر الطاقات الإيمانية لكلِّ الأمَّة؟! وكل شيء في حياته يؤكد هذا الإيمان. - كان نصره الأكبر في مكة يوم أن قال لعمه: يا عم لو وضعت الشمس في يميني والقمر في يساري ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله تعالى أو أهلك في طلبه. (دلائل النبوة للبيهقي)

стр. 62

* قصة الهجرة كل خطوة تؤكد ثقته بربِّه. أولاً: خروجه من بين الشباب المُشْرِك، الذي اجتمع لقتله، ووضعه التراب على رؤوسهم وكان يمكنه أن يتصرَّف في الخروج، أو ينام ليلتها عند الصِّدِّيق، أو عند السيدة أمّ هاني. كما نام ليلة الإسراء. ثانياً: وَعْدُه لسراقة بن مالك بأن يعطيه سوار كسرى، وقد لا تكفي كلمات الدنيا للتعبير عنه قال ﷺ لسراقة: كيف بك يا سراقة إذا سورّت بسوار كسرى؟!!. قال سراقة "متعجباً": كسرى بن هرمز؟ ّ قال النبي ﷺ : نعم. - سبحان الله - رجل خرج من قومه فارًّا بدينه، يمتد أمله إلى الانتصار على ملك من أقوى الملوك. إنه وعد الله. وسراقة ... خرج يريد قتل النبي ﷺ لينال جائزة قريش. مائة ناقة. وهذه ثروة تجعله من كبار القوم. ومع ذلك يكتفي من خروجه بوثيقة يكتبها له عامر بن فهيرة بأمر النبي ﷺ . والأعجب من كل هذا هو تحقق وعد النبي ﷺ لسراقة، في عهد عمر بن الخطاب ﵁ واستلم سراقة سوار كسرى! ثالثاً: في حادث الهجرة أيضاً. يدخل النبي ﷺ المدينة، وقد خرجت كل المدينة للقائه.

стр. 63

خرج المؤمنون به. وخرج اليهود. وخرج من بقى على دينه مشركاً. وكل جماعة من أتباعه تريد شرف ضيافته. ولكن العجيب أنْ يُعلق النبي ﷺ مستقبل الدعوة على "الناقة التي يركبها" "دعوها فإنَّها مأمورة" الله أكبر ... ماذا سيكون مستقبل الدعوة إذا لم تبرك الناقة؟!! الأمر خطير جدًّا. فاليهود شهود. وكفار المدينة شهود. حتى المؤمنون به لم يشهدوا منه معجزة بَعْد. ولكن سرعان ما بركت الناقة. وتحقّقت أوَّل معجزة أمام الأعيان. أو قل: تحقق وعد الله لنبيه ﷺ . إن ثقة النبي بوعد ربِّه، ثمرة لإيمانه الكبير، الذي يفوق مجموع إيمان من آمن به، إلى يوم القيامة. إن الدنيا في كلّ عصورها لا تعرف رئيساً لدولة - مهما كانت قوتّه - يمكنه أن يصرف حراسه عنه، ويعلن أنّه لن يموت إلا في فراشه. وتختم حياته كما قال. كان النبي ﷺ يحرس من أصحابه ليلاً. حتى نزل عليه قوله تعالى ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ فلم يقبل النبي ﷺ أن ينتظر حتى الفجر. بل أخرج رأسه من القبة وقال: "انصرفوا فإن الله تولى حراستي. وفي رواية عائشة: " أَيُّهَا النَّاسُ انْصَرِفُوا فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ ".

стр. 64

وقد شهدنا في عصرنا قتل رئيسين لدولتين كبيرتين، وهما يستعرضان قوات بلادهما في البر والفضاء. أَيُّهَا النَّاسُ انْصَرِفُوا فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ لم تكن مجرد حماس لبشارة قرآنية. ولكنها أصبحت سلوكاً مصاحباً للنبي ﷺ في كل حياته. حتى في غزوة شرعت فيها صلاة الخوف، نام النبي ﷺ تحت ظل شجرة، وعلَّق سيفه عليها، نام بدون حراسة من أحد. فتسلل رجل من المشركين، وأخذ السيف، وأيقظ النبي ﷺ وقال: يا محمد. من يمنعك مني؟ قال له النبي ﷺ : الله يمعني منك. ضع السيف. فوضع الرجل السيف إن ثقة النبي ﷺ الدائمة بوعد الله الذي تحقق في الدنيا، أورثته الثقة الكبرى بوعود الله بما في الآخرة. إن ما عند الله خير للصابرين، هذا يقينه. وقُرب نصر الله مهما تأخر. فالتأخير لصالحه لأنه طول لعمره في الدنيا. فلن ينتهي عمره حتى يتحقق نصر الله له كما وعد. هذا اليقين قد أثَّر في أخلاق النبي استجابة لكل أمر، فكان شعاره ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ (٨٤ سورة طه) واجتناباً لكل نهي ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (١٥ سورة يونس) والآن مع الآية الكريمة ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ دراسة موضوعية.

стр. 65

﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ - في الجانب الاجتماعي، والقيادي، وجانب التربية. - صَدَقَةُ الفطر للفقير أم من الفقير؟ - الجانب الاقتصادي في الآية الكريمة. - لابد من السُّنَّة ليصحَّ فهم القرآن. - إنفاق (العفو) لا يتعارض مع حقِّ الورثة. - القرض الحسن. متى يكون حسناً؟ - المنيحة - أين المنيحة في مجتمعات كمجتمعاتنا؟ - مشاريع للربح، ومع ذلك هي إنفاق للعفو. - دراسة علمية لآية واحدة في تربية القرآن للنبي ﷺ .

стр. 66

﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (١٩٩ سورة الأعراف) - ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ المعنى الأول . العفو هنا جوهرة مضيئة من كل جانب. أينما أبصرتها وجدت نورا. جوهرة أمر الله النبي لأن يأخذها، ليطفئ بها غيظ النفس المعتدي عليها، وما عند الله خير وأبقى. ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ خذ العفو سبيلاً لعلاج من أساء إليك، إن كان الذي صدرت منه الإساءة كريم النفس، فإن عفوك عن كريم النفس خير وسيلة لعلاجه. ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (٣٤ سورة فصلت) - ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ المعنى الثاني. والعفو هنا يعني السهل الميّسر من كلام الناس في المعاشرة والمعاملة. والصحبة. ولا تطلب منهم التكلّف، ولا تكلّفهم الشاق من النداء. وحسبك أن يناديك أحدهم: يا رسول الله. اعف عن أخطائهم، وتقصيرهم. واعلم أنَّ الإيمان إن تمكَّن في قلوبهم فسوف يتحوَّل نداؤهم لك إلى خير نداء. وأدبهم إلى أعلى أدب. ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ (٦٣ سورة النور) وبعد ثبوت الإيمان في قلوبهم، كان الواحد منهم يجيب نداء النبي ﷺ بقوله: فداك أبي وأمي يا رسول الله.

стр. 67

- ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ كلمة في التربية - والمعنى الثالث للكلمة. العفو هو الفائض من أموالهم ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ (٢١٩ سورة البقرة) والنبي سيأمر أمَّته بالصدقات، وتفرض الزكاة. وفي الأمَّة فقراءكثيرون. فهل سيظل الغنيّ وحده يُعطي، ويظل الفقير يأخذ؟ هنا نتعرف على سرٍّ في التربية. وقاعدة لها أثرها. أعني بهذه القاعدة أنَّ اليد التي تتربىّ على إنفاق ما تملك، طلباً لإرضاء الله، هذه اليد لا تقبل أبداً أن تّمتدَّ لأخذ ما يغُضب الله. "مادامت تملك الاختيار" فمن قدّم الصدقة خالصاً لوجه ربّه، لا يتصور منه أن يمدّ يده لأخذ ما يغضب الله، من سرقة ورشوة. من هنا شرع الإسلام صدقة الفطر على من يملك قوت يوم العيد وليلته. في بعض المذاهب، لتربية اليد الفقيرة على العطاء، حسبةً لوجه الله. ومن هنا - أيضاً - أمر النبي ﷺ أن يأخذ ﴿الْعَفْوَ﴾ من أموال الفقراء. تربية لهم على العطاء. وعندما سئل النبي ﷺ عن خير الصدقة قال: " خير الصدقة جَهْدُ الْمُقِلِّ". (أبو داوود. ١٢٣٧) فوجوب الصدقة على الفقير في يوم العيد مجرَّد تربية، وليست تكليفاً، فالصدقة قد شرعها الله لهم، وليست عليهم. ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ نظرة في الاقتصاد عجبت من صحابة النبي ﷺ القرآن يمُهّد لتحريم الخمر عليهم. ﴿يَسْأَلُونَكَ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ . فتحريمهما سوف يؤثر على السوق التجاريّة. وأغلب حياتهم من التجارة.

стр. 68

ومن ناحية أخرى فالمشركون يمهد القرآن لمنعهم من الحج، وهو ثروة اقتصادية كبيرة. ومع ذلك فصحابة النبي يسألونه: ماذا ينفقون؟! ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ (٢١٩ سورة البقرة) والعفو هو الفائض عن الحاجة. وعبَّرت عنه السنة بكلمة (الفضل) في قوله ﷺ " يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ أَنْ تَبْذُلَ الْفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ وَأَنْ تُمْسِكَهُ شَرٌّ لَكَ وَلَا تُلَامُ عَلَى كَفَافٍ وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى ". (مسلم. ١٧١٨) وفي حديث أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ " مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ ". يقول أبو سعيد الخدري: "فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ مَا ذَكَرَ حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ". (رواه مسلم. ٣٢٥٨) أي لا حق لنا في زائد عن حاجتنا. وإنفاق العفو من المال يشمل إنفاق الزكاة والصدقات. وما يجب على المسلم من واجبات أخرى غير الزكاة المفروضة، كالإنفاق على الأهل والأقربين، وتحمّل الدية مع العشيرة، وغير ذلك من الإنفاق "للفضل". ﴿ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ وأسال: إذا أمرنا الله أن ننفق ﴿الْعَفْوَ﴾ وهو الفائض عن الحاجة، فماذا سنبقى للورثة؟ إن كلَّ ما يملكه المسلم إمّا أن ينفقه على الضروات، وإما أن يكون "فضلاً" أو "عفواً" فينفقه في باب إنفاق العفو. فماذا سيبُقى لورثته؟ إنَّ رسول الله ﷺ قال: " إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ ". (البخاري. ١٢١٣ - ومسلم - ٣٠٧٦) .

стр. 69

وقد حفظ الله حقوق الورثة عندما منع الوصيَّة بأكثر من الثلث "الثلث والثلث كثير" فكيف أنفق "العفو" وهو الباقي بعد إنفاق الضرورة؟ وماذا سأبقي للورثة، ولنوائب الأيام؟ والحق أنه لا تعارض أبداً بين حق الورثة وبين إنفاق العفو "المتبقي" لا تعارض إذا درسنا سنة النبي ﷺ دراسة شاملة، وليست دراسة (شكلية) فالإسلام قد شرع إنفاق المنفعة. مع بقاء المال ملكك. وسوف أختار بعض النماذج لإنفاق العفو. أولاً: القرض الحسن القرض الحسن إنفاق للمنفعة مع بقاء المال على ملكك. فهو إنفاق للعفو. وقد شرعه الله ليسدَّ حاجة المضطر. والضروريات: حددها النبي ﷺ في قوله: " إِنَّ الدَّيْنَ يُقْضَى مِنْ صَاحِبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا مَاتَ إِلَّا مَنْ يَدِينُ فِي ثَلَاثِ خِلَالٍ الرَّجُلُ تَضْعُفُ قُوَّتُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَسْتَدِينُ يَتَقَوَّى بِهِ لِعَدُوِّ اللَّهِ وَعَدُوِّهِ وَرَجُلٌ يَمُوتُ عِنْدَهُ مُسْلِمٌ لَا يَجِدُ مَا يُكَفِّنُهُ وَيُوَارِيهِ إِلَّا بِدَيْنٍ وَرَجُلٌ خَافَ اللَّهَ عَلَى نَفْسِهِ الْعُزْبَةَ فَيَنْكِحُ خَشْيَةً عَلَى دِينِهِ فَإِنَّ اللَّهَ يَقْضِي عَنْ هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " (ابن ماجة. ٢٤٢٦)

стр. 70

وفي حديث رواه الإمام أحمد "أن الله يسدد عن عبد اقترض لسرقة أو حريق أصابه، فيعوّض الله على صاحب الدين يوم القيامة، فيدعو الله بشيء فيضعه في كفنه، فترجح حسناته على سيئاته، فيدخل الجنة بفضل رحمته - أي بفضل رحمته لأخيه الذي أقرضه، وصبره عليه. ففضل مَالكَ - وهو العفو - تقضي به حاجات الناس في القرض الحسن، فيكتب إنفاقاً للعفو. ولك أجر قد يعادل أجر الصدقة. ومالك لم يخرج من ملكك. * ضرورة السداد - فالَمِدينُ إذا مات شهيدا فالشهادة تكفّر كلّ سيئاته، إلاّ الدَّيْن. حديث أبي قتادة "رواه مسلم" - وقد امتنع النبي ﷺ عن الصلاة على رجل مات وعليه دين، حتى تحمل أحد الصحابة دَيْنَه. فصلى النبي عليه "البخاري" - وكان النبي ﷺ يكره أن يحتفظ بشيء من الذهب أو الفضة عنده، إلاّ مالاً يدّخره لسداد دَيْن. عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: " لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا يَسُرُّنِي أَنْ لَا يَمُرَّ عَلَيَّ ثَلَاثٌ وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا شَيْءٌ أُرْصِدُهُ لِدَيْنٍ ". (البخاري. ٢٢١٤) . * الجزاء على القرض وقد جعل النبي ﷺ القرض كالصدقة. "كل قرض صدقة" وفي بعض الروايات " مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُقْرِضُ مُسْلِمًا قَرْضًا مَرَّتَيْنِ إِلَّا كَانَ كَصَدَقَتِهَا مَرَّةً ". (ابن ماجة. ٢٤٢١) . بل إنه ﷺ جعل أجر القرض - في بعض الأحوال - أعلى من أجر الصدقة. "رأيت ليلة أن أسرى بي مكتوباً على باب الجنّة الصدقة بعشر أمثالها. والقرض بثمانية عشر"

стр. 71

فلما سأل جبريل ﵇ قال له: السائل يسأل وعنده الشيء أما المقترض فيقترض ولا شيء عنده "ابن ماجة صدقات" وفتح باب القرض الحسن يحدّ من القروض الربويّة. حتى ولو في باب الديون الاستهلاكية، فلا يقترض المسلم بالربا للعلاج، أو للزواج، أو لدفع نفقات الدراسة. وهذا لون من إنفاق ﴿الْعَفْوَ﴾ مع بقاء رأس المال في ملكيتك. ويجب على المدين أن يسرع في السداد: " مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ " (البخاري ومسلم) . والقرض الحسن تفريج لكربة المسلم: " الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ". (بخاري ومسلم) وقد يشتد الكرب على المسلم، فيصبح الكرب طوقا في عنق المسلم. وعندئذ يدخل من يحُييه مع من قال الله فيهم ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (٣٢ سورة المائدة) ولا يفوتني أن مذهب السيدة عائشة وعمر بن عبد العزيز ﵄ جعلا زكاة الدين في السنوات المتعدِّدة يُدفع لسنة واحدة, وسبب ذلك أنَّ الزكاة تجب في المال النامي، وهذا المال ليس نامياً بأمر الشرع. فتوقفت زكاته حتى يرده المدين، فيزكيه سنة واحدة. ثانيا: الماعون. إنفاق للعفو . للجماعة المسلمة حقوق في مال المسلم، غير الزكاة. لها حقوق سلبية. كتحريم أن يتاجر في شيء يضرُّ الجماعة. كالخمر، وبيع السلاح للعدو. أو يحكتر الأقوات، وما يلحق بالأقوات من دواء، وكساء. ولها حقوق

стр. 72

إيجابية، رمز لها القرآن "بالماعون" وهو العون بمعناه الأعمّ. وبينها النبي ﷺ وسماها "المنيحة" * عارية الماعون الماعون. كل شيء من الأدوات يقضي الناس به حاجاتهم. كأدوات البيوت، وآلات الزراعة، والعدد اليدوية. والحاجة إليها تختلف بمقدار الضرورة. يقول عبد الله بن مسعود: كنّا نَعدّ الماعون على عهد رسول الله ﷺ عَارِيَةَ الدَّلْوِ وَالْقِدْرِ "البيهقي" وقد جعل الله "الويل" لمن منع الماعون. وجعل سورة في القرآن باسمه (سورة الماعون) تكريماً لمن ينفقه. * عارية المنيحة نوع من إنفاق المنفعة، مع بقاء المال على ملكك. شرعه الرسول ﷺ ليساعد المسلم على إنفاق ﴿الْعَفْوَ﴾ إنفاق الزائد عن حاجته، كما طلبت الآية الكريمة ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ وقد بيَّن النبي ﷺ أجر المنيحة. مع بقاء ملكيتها. فقال: " أَرْبَعُونَ خَصْلَةً أَعْلَاهُنَّ مَنِيحَةُ الْعَنْزِ مَا مِنْ عَامِلٍ يَعْمَلُ بِخَصْلَةٍ مِنْهَا رَجَاءَ ثَوَابِهَا وَتَصْدِيقَ مَوْعُودِهَا إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ بِهَا الْجَنَّةَ ". (البخاري. ٢٤٣٨) . وفي حديث الترمذي، ذكر النبي ﷺ من المنيحة: فسطاطا يستظل الناس به في سبيل الله. ومنيحة خادم في سبيل الله. وطروق فحل في سبيل الله. فإنفاق المنفعة في سبيل الله. مع بقاء المال على ملكك هو إنفاق "للعفو" وهو أعلى

стр. 73

درجة في الدرجات الأربعين. (غسالة) اشتريت غيرها. (ثلاجة) استبدلتها بجديدة. (سيارة قديمة) - في الخليج - تبقي على ملكيتك، وتنفق المنفعة. كل هذا للعفو في الآية الكريمة. * استثمار الأصل وهذا حق من حقوق الجماعة في مال المسلم, وهو أيضاً إنفاق للعفو. الذي أمر الله المسلمين أن ينفقوه. أعني به هنا استثمار المال في خدمة البيئة المسلمة مع بقاء ملكيته لك. - في الاستيراد. وجلب الضروريات. أداء لحقوق الجماعة، وقد كره الإسلام حفظ المال وعدم استثماره. ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ (٢ سورة الهمزة) وقد فرض الإسلام الزكاة في المال المدَّخر عقوبة لصاحبه. لعدم استثماره ولأنّه هو الذي منع نماء المال بحبسه عن الجماعة ... - ماذا يفعل المريض الذي لا يملك ثمن الدواء، ولا يتيسر حصوله عليه. إن جلب الدواء من هناك، أخذٌ بيد المريض، حتى تتكمن بلادنا من صناعته - إن شاء الله - - وقطع غيار السيارات، والمصانع، وأدوات البناء. استثمار المال فيها خدمة للمجتمع، وإنفاق للعفو الذي أُمرنا به. يقول ﷺ "الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ " (رواه ابن ماجه. ٢١٤٤) . - وبناء العمارات للسكن، يأكل من فضل الله كلُّ عامل، قبل أن ينتفع بانيها لعل هذا الإيجاز قد نبّه القارئ الكريم إلى دور القرآن في التربية. والقرآن لا يُفرّق بين أمر الدنيا وأمر الدين. فالمسلم ينفق العفو. في خدمة الجماعة باستثمار ماله. والنبي ﷺ أمره الله أن يأخذ العفو، ليعيد تنظيمه. ويعطي لكل مستحق حقه، ويؤلف قلوب الطلقاء (الذين أسلموا يوم فتح مكة) .

стр. 74

والآن مع الأمر الثاني من الآية الكريمة ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ العُرف في القرآن والسنة كثير من آيات القرآن الكريم، تأمر هذه الأمَّة، أن تحمي دينها بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. لما يُحدثه ذلك من عملية تجديد، مستمرة لهذا الدين، وصيانة له. وقد أعجبني فقه الموضوع، عند العلامة أبي الأعلى المودودي، عندما جعل تعدِّى الخير إلى الغير، دليلاً على تكامله فيك. - فالنار من شأنها الحرارة، ولكن كمال اشتعالها أن تحرق. والثلج من شأنه البرودة الذاتية، ولكنها تكمل عندما تنتقل برودة الثلج إلى الوسط المحيط به. - والقرآن الكريم نقل لنا نموذجاً إيمانيا، ونموذجاً من أهل الكتاب، في موضوع انتقال التأثير للآخرين. كلاهما في سورة آل عمران. ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ (٩٨ سورة آل عمران) عاب عليهم كفرهم، وهو أمر ذاتي فيهم. ثم عاب عليهم سعيهم لنقل الكفر للآخرين ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ﴾ (٩٩ سورة آل عمران) . فهم على ضلال وإضلال. وفي نفس السورة الكريمة، جاء وصف الأمَّة القرآنية بالدرجتين. الأولى: درجة الإيمان. الثانية: درجة الدعوة لهذا الإيمان.

стр. 75

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١٠٢ سورة آل عمران) . هذه درجة الإيمان.. بعدها جاء حديث القرآن عن ضرورة انتقال الإيمان وحمايته في الآخرين. ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١٠٤ سورة آل عمران) وكما سبق أن بيَّنَّا في قانون "المطلقات" جاء في الآية الكريمة في الدعوة إلى الخير "مطلقاً" والأمر بالمعروف "مطلقاً" والنهي عن المنكر بهذا الإطلاق بدون أن يُحدّد ما هو الخير، ولا ما هو المعروف، ولا ما هو المنكر. ومازال القرآن يُرَّبَّي النبي ﷺ ويأمره بالعرف، وأن يصبر على تكاليف الدعوة. وما زالت القلوب الكبيرة تستجيب لدعوته، فتجددّ فيه النشاط. حتى يفاجئه القرآن بما لم يتوقّع، ولا ينتظر. يفاجئه وهو على أبواب ختام دعوته، بأنّ كثيرا من أهل الكتاب لا يزيدهم ما أُنزل إليك من ربّك إلا طغياناً وكفرا. ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ (٦٤ سورة المائدة) كان النبي ﷺ يتمنَّى أن يزيدهم ما أُنزل إليه من ربّه هدى وإيماناً. أو حتى قُربا من الهدى والإيمان. ولكن القرآن كشف له عن حقيقة القلوب الغُلْف من أهل الكتاب. وهنا سارع القرآن ليجدّد فيه الأمر بالعرف، يجدّد فيه النشاط. ويمسح عن نفسه ما أصابها.
следующие страницы →