المهيأ في كشف أسرار الموطأ
برواية محمد بن الحسن الشيباني (المتوفى سنة ١٨٩ هـ)
تأليف
عثمان بن سعيد الكماخي (المتوفى سنة ١١٧١ هـ)
تحقيق وتخريج
أحمد علي
[الجزء الأول]
стр. 2
الْمُهَيَّأ في كَشفِ أسرَارِ الموَطّأِ
[١]
стр. 3
جميع حقوق الطبع محفوظة للناشر
اسم الكتاب: المهيأ في كشف أسرار الموطأ
اسم المؤلف: عثمان بن سعيد الكماخي
اسم المحقق: أحمد علي
القطع: ١٧ × ٢٤ سم
عدد الصفحات: ١٨٨٨ صفحة
عدد المجلدات: ٤ مجلدات
سنة الطبع: ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٥ م
رقم الإيداع: ٢٩٦٥/ ٢٠٠٥ م
الترقيم الدولي: ٥ - ٠٨٨ - ٣٠٠ - ٩٧٧
دار الحديث
طبع - نشر - توزيع
١٤٠ شارع جوهر الصقلي أمام جامعة الأزهر
تليفون: ٥٨٩٩٤٠٩/ ٥٩١٨٧١٩/ ٥٩١٩٦٩٧ - فاكس: ٥٩١٩٦٩٧
www.darelhadith.com
E-mail: info@darelhadith.com
стр. 4
مقدمة المحقق
إن الحمد لله، الحمد لك يا من أوليتنا صحيح الاعتقاد، ودفعتَ عنا ضعف اليقين، نسألك أن تحسن عاقبتنا، وتجعلنا من الفائزين.
والصلاة والسلام على رسولك وآله، ومن كان بتوفيقك ناسجًا على منواله.
وبعد .. فهذا كتاب موسوم بـ "الْمُهيَّأ في كشف أسرار الموطأ" لمؤلفه عثمان بن سعيد الكماخي، التوفى سنة ١١٧١ هـ - رحمه الله تعالى - شرح فيه مؤلِّفُه موطأ مالك برواية محمد بن الحسن الشيباني ﵀.
وهذا الشرح من أمتع وأوسع الشروح لهذه الرواية، لما يمتاز به من شمولية البحث، وسهولة العبارة، والأمانة في العرض للمسائل.
ومن أجل هذا، بعد إرادة وجه الله تعالى، حرصنا على إخراج هذا الكتاب المبارك، وكان عملي فيه هو التالي:
١ - قمتُ بنسخ الأصل الخطي، وضبطه.
٢ - تخريج الآيات.
٣ - خرجتُ الأحاديث، وحكمتُ عليها، وحيث أقول أخرجه مالك، فإني أعني بذلك رواية يحيى.
٤ - خرجتُ الآثار.
٥ - قمتُ بعزو نقول الشارح إلى مصادرها الأولى.
٦ - وضعتُ رواية محمد بن الحسن أعلى الصفحة كمتن منفصل عن الشرح تيسيرًا على الباحث، ووضعتُ الشرح أسفلها.
٧ - قمتُ بعمل فهارس علمية تشتمل على:
стр. 5
أ - فهرس للأحاديث.
ب - فهرس للآثار.
جـ - فهرس للموضوعات.
وفي الختام: أتقدم بخالص الشكر والتقدير - بعد شكر الله تعالى - لكل من أسهم في خدمة هذا الكتاب وإخراجه للنور، وأسأل الله تعالى أن يجعله في ميزان حسناتنا يوم نلقاه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وأخص بالشكر السادة الأساتذة الأفاضل القائمين على "دار الحديث" أدامها الله وحفظها، كما أخص بالشكر السيد الأستاذ أحمد السائغ، القيم على "دار الأمان" - حفظه الله - حيث بادروا إلى إخراج هذا الكتاب، وبذلوا في ذلك كل نفيس.
أسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، آمين .. آمين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالين.
وكتبه
أبو الفضل الدمياطي
أحمد بن علي
غفر الله له ولوالديه
وأهل بيته والمسلمين
آمين
стр. 6
موطأ محمد وما يمتاز به
قال الدكتور/ نذير حمدان (١):
"يمتاز بروايته عن شيخه أبي حنيفة، واجتهاداته التي خالفه فيها وصاحبه في الأصول والفروع، وشهد له العلماء بالإِمامة في الفقه والعربية، قال الشافعي: كنتُ أظنُ إذا رأيته يقرأ القرآن كأنَّ القرآن نزل بلغته، وسمعتُ منه أكثر من سبعمائة حديث، وكان إذا حدَّث أهل بلده بحديث مالك امتلأ منزله، وكثر الناس حتى يضيق عليه الموضع وكان يجلس في مسجد الكوفة وهو ابن عشرين سنة.
ومنهج محمد في الموطأ كما يلي:
١ - أن يذكر ترجمة الباب ويذكر متصلًا به روايته عن الإِمام مالك موقوفة كانت أو مرفوعة.
٢ - لا يذكر في صدر العنوان إلا لفظ (الكتاب) أو (الباب)، وقد يذكر لفظ الأبواب، وليس فيه لفظ الفصل إلا في موضع اختلفت فيه النسخ، ولعله من أرباب النسخ.
٣ - أن يذكر بعد الحديث أو الأحاديث اجتهادًا مخالفًا أو موافقًا لمالك أو غيره من علماء الحجاز والعراق، معبرًا عن ذلك بقوله: وبه نأخذ - وعليه الفتوى - وبه يُفتى - وعليه الاعتماد - وعليه عول الأمة - وهو الصحيح - وهو الظاهر - وهو الأشهر، ونحو ذلك، لكثرة ما ذكره من غير روايات مالك، وما اجتهد فيه: اشتهر بموطأ محمد.
стр. 7
٤ - لم يذكر مذهب أبي يوسف في موطئه، بل ولا في كتاب الآثار له وليس معنى ذلك مخالفة أبي يوسف له أو موافقته في المسألة وإن كانت عادته في كتابه "الجامع الصغير" أنه يريد موافقته له عند عدم ذكره.
٥ - يريد بقوله: (لا بأس): الجواز، وبقوله: (ينبغي كذا وكذا): المعنى الأعمّ الشامل للواجب والسنة الؤكدة، كما يريد (بالأثر): الأعم من المرفوع والوقوف على الصحابة ومن بعدهم.
٦ - فيه بعض أحاديث ضعيفة، وبعضها ينجبر بكثرة الطرق، وبعضها شديد الضعف، لكنه غير مضر لورود مثل ذلك في صحاح الطرق.
ويمكن القول: إن موطأ محمد مصنّف حديث الحجازيين، ورأي وأثر العراقيين، وهو إلى كونه في الفقه المقارن بين المذهب المالكي والحنفي، فهو يُعنى برواية محمد بن الحسن عن شيخه أبي حنيفة، وهكذا رفعًا أو وقفًا، والتي تُعدّ قسمًا من مسند أبي حنيفة الذي ينفرد به صاحبه محمد بن الحسن.
كما أن موطأ محمد يطلع على اجتهاداته في المذهب أصولًا وفروعًا ومخالفته شيخه وصاحبه أبا يوسف، وحبذا لو عزلت منه الأحاديث الشديدة الضعف وجُرِّد من الموضوعات إن وُجدت، وعضدت آثاره المرسلة والموقوفة، وبعد هذا وذاك فلعل عرض كل مسألة فقهية على حديث مالك وأثره وعلى قول علماء المدينة يؤكد على التزامه بسنيّة المذهب الحنفي (المحمدي) الذي التمس لمسائله حديث المدينة وفقهها ويبعد عنه شبهة إيغاله بالرأي كما كان خصومه يتهمونه به.
ومما يلاحظ خلوُّ موطأ محمد من كثير من مسائل مالك التي لم يقدم لها بالسنّة والآثار فلا يذكر فيه أبواب كاملة مثل: باب ما يكره من الدواب، والإِجارة، والقراض وهما من أصول أبواب البيوع، إلى جانب اختلاف تسميات الكتب والأبواب وتأخّر بعضها وتقديم الأخرى، وبخاصة في الكتب التي بعد الحج فإن عدد أحاديثه وآثاره وأسانيده عن شيوخه ورواته من التابعين والصحابة تختلف عن موطأ يحيى الليثي السابق المشهور، كما سأفصل ذلك بعد قليل.
стр. 8
ويكفي للدلالة على اختلاف الموطأين أنه: بالإِضافة إلى ما سبق فإن موطأ محمد اقتطع منه (كتاب العقول)، و (كتاب القدر)، و (كتاب العين)، و (كتاب الشعر)، وغيرها إذا استثنينا منه بعض الآثار المبثوثة في أبواب أخرى.
وأحصى (اللكنوي) أحاديث موطأ محمد ورواته من الصحابة من طريق مالك وغير مالك حسب كتبه وأبوابه فقال: وقد اجتهدت في جمعها، وسهرت في عدِّها.
وبعد أن يقسم الموطأ إلى مجموعات ويحصي كل مجموعة على حدة يقول: فجميع ما في هذا الكتاب من الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة على الصحابة ومن بعدهم، مسندة كانت أو غير مسندة (١٢٨٠)، منها عن مالك (١٠٠٥)، وبغير طريقه (١٧٥)، منها عن أبي حنيفة (١٣)، ومن طريق أبي يوسف (٤)، والباقي عن غيرهما.
ثم يقول: وليعلم أني أدخلت في هذا التعداد كل ما في هذا الكتاب من الأخبار والآثار، سواء كانت مسندة أو غير مسندة، بلاغيّة أو غير بلاغيّة، وكثيرًا ما تجد فيه آثارًا متعددة عن رجل واحد، أو عن رجال من الصحابة وغيرهم، بسند واحد، وتجد أيضًا كثيرًا من المرفوع، والآثار بسند واحد فذكرت في هذا التعداد كلّ واحد على حدة.
وإذًا فمن اختلاف الموطأ هذا عن غيره زيادة (١٧٥) حديثًا مرفوعًا وأثرًا لصحابي أو تابعي، وهي بغض النظر عن درجة صحتها وحسنها برهان آخر على اعتماد فقه العراق على السنّة والآثار مع ملاحظة أن (١٣) منها مرويّ عن طريق أبي حنيفة الإِمام، ومما انفردت به نسخة موطأ محمد هذه حديث مالك: أخبرنا أبو الرجال محمد بن عبد الرحمن عن أمه: عمرة بنت عبد الرحمن، أن عائشة زوج النبي ﷺ كانت أعتقت جارية لها عن دُبُر منها، وأن عائشة بعد ذلك اشتكت ما شاء الله أن تشتكي، ثم إنه دخل عليها رجل سندي فقال لها: أنت مطبوبة، قالت له عائشة: ويلك، ومن طبَّني؟ قال: امرأة من نعتها كذا وكذا وصفها.
стр. 9
ومما انفردت به أيضًا نسخة محمد الحديث المشهور الذي أخرجه مالك، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي، قال: سمعتُ علقمة بن وقّاص يقول: سمعتُ عمر بن الخطاب يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى؛ فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه".
يقول (اللكنوي): هذا الحديث ليس في رواية غير محمد من الموطآت، وظن ابن حجر في (فتح الباري)، وفي (التلخيص الحبير)، أن الشيخين أخرجاه عن مالك، وليس في (الموطأ)، وقد نبه السيوطي على خطئه في (التنوير)، والحديث مشهور رواه أكثر من مئتي رجل كما ذكره الحافظ في (النخبة)، وتلك المنفردات تدفعنا إلى التعرف على اختلاف هذا الموطأ عن غيره في الإِسناد، فعلى الرغم مما قيل عن إسنادات موطأ محمد فإن فيه أحاديث موصولة الانقطاع في رواية يحيى، ومنها: مالك أخبرنا، أخبرنا أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب قضى في الضّبُع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الأرنب بعَنَاق، وفي اليربوع بِجَفْرة.
والحديث منقطع في رواية يحيى لعدم الواسطة بين أبي الزبير: محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسدي المكي، وبين عمر، فهو يروي عن جابر، وابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، ولا يروي عن عمر.
ويحصي المعلق في الموطأ (٢٦٩) حديثًا نبويّا و (٣٦٦) أثرًا أو قولًا لصحابي وتابعي، وهذا الإِحصاء لا يعبر بدقة عن عدد أحاديث (الموطأ) أو آثاره، كما أورده اللكنوي سابقًا، فقد أسقط أحاديث وآثارًا كثيرة منها الأوامر والنواهي والأقضية والأفعال.
وعلى كل حال؛ فإن مما يوسع الاختلاف بين (موطأ محمد) و (موطأ يحيى) من ناحية الحديث والآثار نصّا وإسنادًا بطريق الإِمام مالك وحده: ما تقدم الكلام عنه في اختلاف الموطأين.
стр. 10
ومن شروح هذه الرواية:
١ - فتح المغطى شرح الموطأ: للقاري الهروي (ت ١٠١٤ هـ).
٢ - شرح الموطأ: إبراهيم بن حسين بيري زادة (ت ١٠٩٦ هـ)، وهو بمثابة تخريج لأحاديث الموطأ على مذهب الحنفية.
٣ - المهيأ في كشف أسرار الموطأ، وهو شرح على روايات الموطأ المختلفة: عثمان بن يعقوب الإِسلامبولي الكمّاخي، وأتمه سنة ١١٦٦ هـ.
стр. 11
ترجمة الشارح
قال صاحب (معجم المؤلفين) (١):
هو عثمان بن يعقوب بن حسين بن مصطفى الكماخي، الإِسلامبولي، الرومي، الحنفي.
عالم مشارك في بعض العلوم، درس، ووعظ بالقسطنطينية.
من آثاره:
١ - بركات الأبرار في العقائد.
٢ - حاشية على تفسير سورة النبأ للبيضاوي.
٣ - تسهيل السلم، وهو حواشي على ديباجة سلم الفلاح في فروع الفقه الحنفي.
٤ - المُهيَّأ في كشف أسرار الموطأ (وهو كتابنا هذا).
٥ - تنوير السند في إيضاح رموز المسند.
وفاته:
توفي في حدود سنة (١١٧١ هـ)، رحمه الله تعالى.
стр. 12
ترجمة محمد بن الحسن
هو محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني، نسبًا على ما ذكره الأستاذ أبو منصور البغدادي الشافعي في كتاب (التحصيل في أصول الفقه)، وأقره الجلال السيوطي في (جزيل المواهب في اختلاف المذاهب)، وغالب أهل العلم على أنه شيباني، ولاءً لا نسبًا، والله أعلم.
وغلط من قال في جده: واقد بدل فرقد، وقد ترجم ابن عساكر لوالده في (تاريخ دمشق)، ووصفه بالغنى والثروة، وقال أبو حازم شيخ الطحاوي: "أصله من قرية قرب الرملة بفلسطين، أعرفها وأعرف قومًا من أهلها، ثم انتقلوا إلى الكوفة". ا. هـ.
وأخرجه الصيمري بسنده في (أخبار أبي حنيفة وأصحابه)، وقال ابن سعد في (الطبقات الكبرى): "أصله من الجزيرة، وكان أبوه في جند الشام، فقدم واسط فولد محمد بها سنة اثنتين وثلاثين ومائة". ا. هـ.
وما قيل: أنه ولد سنة خمس وثلاثين فهو محض، وقال الخطيب في (تاريخ بغداد): "أصله دمشقي من أهل قرية تسمى حرستا، قدم أبوه العراق فولد محمد بواسط، ونشأ بالكوفة". ا. هـ.
ولعل الصواب: أن أصله من الجزيرة من منتجع بني شيبان من ديار ربيعة، ثم صار والده في جند الشام، وأثرى فأقام أهله مرة في حرستا ومرة بقرية في فلسطين، وكلتاهما من أرض الشام، ومن هناك انتقلوا إلى الكوفة، وفي أثناء إقامة أبويه بواسط لأجل عمل كان والده تولاه بها ولد محمد ثم عادوا إلى الكوفة وبها كانت نشأته، والله أعلم.
قلت: وأما الحديث فقد سمعته من أبي حنيفة وأبي يوسف، وغيرهما من مشايخ كثيرة بالكوفة والبصرة والمدينة ومكة والشام وبلاد العراق، بل جمع إلى
стр. 13
علم أبي حنيفة وأبي يوسف علم الأوزاعي والثوري ومالك ﵃ حتى أصبح إمامًا لا يبلغ شأوه في الفقه قويّا في التفسير والحديث، حجة في اللغة باتفاق أهل العلم ممن لم يصب بتعصب، وهو القائل: ورثت ثلاثين ألفًا فصرفت نصفها في اللغة والشعر، والنصف الآخر في الفقه والحديث، كما صح عنه بطرق.
شيوخه:
وأما مشايخه في الحديث:
فمن أهل الكوفة: أبو حنيفة، وإسماعيل بن أبي خالد، وسفيان الثوري، ومسعر بن كدام، ومالك بن مغول، وقيس بن الربيع، وعمر بن زر، وبكير بن عامر، وأبو بكر النهشلي، ومحل بن محرز الضبي، وأبو كدينة يحيى بن المهلب البجلي، وعبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة المسعودي، وإسرائيل بن يونس، وسلام بن سليم، وسلام بن سليمان، وأبو معاوية الضرير، وزفر، وأبو يوسف، وإسماعيل بن إبراهيم البجلي، وفضيل بن غزوان، والحسن بن عمارة، ويونس بن أبي إسحاق السبيعي، وعبد الجبار بن العباس الهمداني، ومحمد بن أبان بن صالح القرشي، وسعيد بن عبيد الطائي، وأبو فروة عروة بن الحارث الهمداني، وأبو زهير العلاء بن زهير.
ومن أهل المدينة: مالك بن أنس، وإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، وعبيد الله بن عمر، وأخوه عبد الله، وخارجة بن عبد الله بن سليمان، ومحمد بن هلال، والضحاك بن عتمان، وإسماعيل بن رافع، وعطاء بن خالد، وإسحاق بن حازم، وهشام بن سعد، وأسامة بن زيد الليثي، وداود بن قيس الفراء، وعيسى بن أبي عيسى الخياط، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، وخثيم بن عراك.
ومن أهل مكة: سفيان بن عيينة الكوفي، وزمعة بن صالح، وإسماعيل بن عبد الملك، وطلحة بن عمرو، وسيف بن سليمان، وإبراهيم بن يزيد الأموي، وزكريا بن إسحاق، وعبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الثقفي الطائفي.
стр. 14
ومن أهل البصرة: أبو العوام عبد العزيز بن الربيع، وهشام بن عبد الله، والربيع بن صبيح، وأبو حرة واصل بن عبد الرحمن، وسعيد بن أبي عروبة، وإسماعيل بن إبراهيم البصري، والمبارك بن فضالة.
ومن أهل واسط: عباد بن العوام، وشعبة بن الحجاج، وأبو مالك عبد الملك النخعي.
ومن أهل الشام: أبو عمرو عبد الرحمن الأوزاعي، ومحمد بن راشد المكحولي، وإسماعيل بن عياش الحمصي، وثور بن يزيد الدمشقي.
ومن أهل خراسان: عبد الله بن المبارك.
ومن أهل اليمامة: أيوب بن عتبة اليمامي.
وغير هؤلاء من تلك البلاد وغيرها.
ولم يزهد في الرواية عن أقرانه، وعمن دونه كما هو شأن الأكابر في روايتهم عن الأصاغر، ولما طار حديث محمد بن الحسن في الآفاق، وسارت بتصانيفه الركبان قصده أناس من أقاصي البلدان للتفقه عنده، حيث كان بلغ أعلى مراتب الاجتهاد وإن كان يحافظ على انتسابه لأبي حنيفة النعمان، عرفانًا لجميل يده عليه في الفقه، ولم يضع استمراره على انتسابه هذا من مرتبته إلا عند من لا يعرف مراتب الرجال.
جملة من أصحابه وتلاميذه:
ويصعب استقصاء من تخرج به، فنكتفي هنا بذكر جملة من أصحابه وتلاميذه، ليُعلم أنه شيخ المجتهدين في عصره، فمنهم: أبو حفص الكبير البخاري أحمد بن حفص العجلي: ومنه كان البخاري تلقى فقه أهل الرأي، وجامع الثوري قبل رحلاته، وأبو سليمان موسى بن سليمان الجوزجاني: وبه انتشرت الكتب الستة في مشارق الأرض ومغاربها.
وأبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: أحد الأئمة الأربعة، وأبو عبيد
стр. 15
قاسم بن سلام الهروي: ذلك الإِمام الجتهد الكبير، وعمرو بن أبي عمرو الحراني، ومحمد بن سماعة التميمي، وعلي بن معبد بن شداد الرقي: من جملة من روى (الجامع الصغير) و (الكبير)، ومعلى بن منصور الرازي، وأبو بكر بن أبي مقاتل، وأسد بن الفرات القيرواني: مدون مذهب مالك وشيخ سحنون، ومحمد بن مقاتل الرازي: شيخ ابن جرير، ويحيى بن معين الغطفاني: إمام الجرح والتعديل، وعلي بن مسلم الطوسي، وموسى بن نصر الرازي، وشداد بن حكيم البلخي، والحسن بن حرب الرقي، وابن جبلة، وأبو العباس حميد، وأبو التوبة ربيع بن نافع الحلبي، وعبيد الله بن أبي حنيفة الدبوسي، وأبو يزيد عمرو بن يزيد الجرمي، ومصعب بن عبد الله الزبيري، وأيوب بن الحسن النيسابوري، وخلف بن أيوب البلخي، وعلي بن صبيح، وعقيل بن عنبسة، وعلي بن مهران، وعمرو بن مهير، ويحيى بن أكثم، وأبو عبد الرحمن المؤدب: مؤدب آل شبيب، علي بن الحسن الرازي، وهشام بن عبيد الله الرازي، وأبو جعفر أحمد بن محمد بن مهران النسوي: راوي (الموطأ) عنه، وشعيب بن سليمان الكيساني: راوي (الكيسانيات) عنه، وعلي بن صالح الجرجاني: راوي (الجرجانية) عنه، وأبو بكر إبراهيم بن رستم المروزي: راوي (النوادر) عنه، وأبو زكريا يحيى بن صالح الوحاظي الحمصي: من شيوخ البخاري بالشام، وأبو موسى عيسى بن أبان البصري: راوي (الحجج على أهل المدينة) عنه، ومؤلف كتاب (الحجج الكبير)، وكتاب (الحجج الصغير)، وكتاب (الرد على المريسي والشافعي في قبول الأخبار)، وسفيان بن سحبان البصري: صاحب كتاب (العلل) وغيرهم، ومحمد بن عمر الواقدي، روى عنه كما روى هو عن الواقدي، وذلك من رواية الأقران بعضهم من بعض.
وعندما بدأ الموطأ يذيع في أوائل عهد المهدي، رحل محمد إلى مالك ولازمه ثلاث سنين، وجملة ما سمعه من لفظ مالك من الحديث نحو (سبعمائة) حديث مسند، وسمع من سائر شيوخ المدينة في هذه الرحلة زيادة على ما كان سمعه منهم في رحلاته.
стр. 16
وروى الخطيب بسنده عن يحيى بن صالح أنه قال: قال لي ابن أكثم: قد رأيتُ مالكًا وسمعتُ منه، ورافقت محمد بن الحسن فأيهما كان أفقه؟ فقلت: محمد بن الحسن (فيما يأخذ لنفسه)، أفقه من مالك.
وقال الذهبي: انتهت إليه رئاسة الفقه بالعراق بعد أبي يوسف، وتفقه به أئمة وصنفت التصانيف، وكان من أذكياء العالم، وكان محمد بن الحسن ﵀ ذكيّا متقد الذهن، سريع الخاطر، قوي الذاكرة، وثابة إلى المعالي، جميل الخَلْق والخُلُق للغاية، سمينًا خفيف الروح، ممتلئًا صحة وقوة.
نشأ في بلهنية العيش ببيت والده السري المثري بالكوفة، ولما بلغ سن التمييز تعلم القرآن الكريم، وحفظ منه ما تيسر له حفظه، وأخذ يحضر دروس اللغة العربية والرواية، وكانت الكوفة إذ ذاك مهد العلوم العربية، ودار الحديث والفقه منذ نزلها كبار الصحابة، واتخذها علي بن أبي طالب - كرَّم الله وجهه - عاصمة الخلافة.
ولما بلغ سِنهُ أربع عشرة سنة حضر مجلس أبي حنيفة ليسأله عن مسألة نزلت به، فسأله قائلًا: ما تقول في غلام احتلم بالليل بعد ما صلى العشاء، وهل يعيد العشاء؟ قال: نعم، فقام وأخذ نعله وأعاد العشاء في زاوية المسجد، وهو أول ما تعلم من أبي حنيفة، فلما رآه يعيد الصلاة أعجبه ذلك، وقال: إن هذا الصبي يفلح إن شاء الله تعالى، وكان كما قال.
ثم ألقى الله سبحانه في قلبه حب التفقه في دين الله بعد أن رأى جلال مجلس الفقه فعاد إلى المجلس يريد التفقه، فقال له أبو حنيفة: استظهر القرآن أولًا؛ لأن المتفقه على طريقة أبي حنيفة في حاجة شديدة إلى ذلك لأنه ما دام الاحتجاج بالقرآن ميسورًا لا يعدل عنه إلى حجة سواه، وله المنزلة الأولى في الحجة عنده حتى أن عموماته قطعية فيما لم يلحقه تخصيص فغاب سبعة أيام ثم جاء مع والده، وقال: حفظته، وسأل أبا حنيفة عن مسألة، فقال له أبو حنيفة: أخذت هذه المسألة من غيرك أم أنشأتها من نفسك؟ فقال: من عندي، فقال أبو حنيفة: سألت سؤال الرجال، أدم الاختلاف إلينا وإلى الحلقة.
стр. 17
ومن ذلك الحين أقبل محمد إلى العلم بكليته يلازم حلقة أبي حنيفة ويكتب أجوبة المسائل في مجلسه ويدونها بعد أن لازمه أربع سنين على هذا الوجه، مات أبو حنيفة ﵁، ثم أتم الفقه على طريقة أبي حنيفة عند أبي يوسف، ثم رحل إلى مالك ولازمه ثلاث سنين، وجملة ما سمعه من لفظ مالك من الحديث نحو (سبعمائة) حديث مسند، وسمع من سائر شيوخ المدينة في هذه الرحلة زيادة على ما كان سمعه منهم في رحلاته السابقة.
وموطأه يُعد من أجود الموطآت، إن لم يكن أجودها مطلقًا؛ لأنه سمعه من لفظه بتروٍ في مدة ثلاث سنوات، ولأنه يذكر بعد أحاديث الأبواب ما إذا كانت تلك الأحاديث أخذ بها فقهاء العراق أو خالفوها، مع سرد الأحاديث التي خالفوا تلك الأحاديث، وهذه ميزة عظيمه يمتاز بها موطأه عن باقي الموطآت.
ثناء الأئمة على محمد:
قال الإمام الشافعي: "أمَنُّ الناس عَلَيَّ في الفقه محمد بن الحسن"، رواه الخطيب عن الحسن بن محمد الخلال، عن علي بن عمرو الجريري، عن علي بن محمد النخعي، عن أحمد بن حماد بن سفيان، عن المزني، عنه.
وذكر السمعاني عن البويطي، عن الشافعي أنه قال: "أعانني الله برجلين: بابن عيينة في الحديث، وبمحمد في الفقه".
وعن الربيع عن الشافعي: "ليس لأحد عليَّ مِنَّة في العلم وأسباب الدنيا ما لمحمد عليَّ"، وكان يترحم عليه في عامة أوقاته.
وعن ابن سماعة: أن محمد بن الحسن جمع من أصحابه نحو مائة ألف درهم للشافعي مرة بعد أخرى، وروى الذهبي في جزئه عن إدريس بن يوسف القراطيسي أنه سمع الشافعي يقول: "ما رأيتُ أعلم بكتاب الله من محمد كأنه عليه نزل".
وروى الطحاوي عن ابن أبي عمران، عن الطبري: أنه سمع معلى بن منصور يقول: لقيني أبو يوسف بهيئة القضاء، فقال لي: يا معلى، من تلزم اليوم؟ قلت: ألزم محمد بن الحسن، قال: الزمه فإنه أعلم الناس.
стр. 18
وذكر ابن أبي العوام الحافظ بسنده: أن مالك بن أنس قال يومًا وعنده أصحاب الحديث: "ما يأتينا من ناحية المشرق أحد فيه معنى"، وكان في الجماعة محمد بن الحسن، فوقعت عينه عليه فقال: إلا هذا الفتى. ا. هـ.
وأنت تعلم أنه أتاه ابن المبارك، ووكيع، وعبد الرحمن بن مهدي، وهو فضله بهذا اللفظ عليهم، وذكر بسنده: أن الشافعي قال: "ما رأيتُ أعلم بكتاب الله من محمد بن الحسن كأنه عليه نزل".
تصانيف الإمام محمد بن الحسن:
لم يصل إلينا من أي عالم في طبقته كتب في الفقه قدر ما وصل إلينا من محمد بن الحسن، بل كتبه هي العماد للكتب المدونة في فقه المذاهب، فكم رأينا بين المحاميين الباحثين فضلًا عن قضاة الشرع الفقهاء من يرغب رغبة صادقة في نشر كتب محمد بن الحسن اعترافًا منهم بأن كتبه هي أسس الكتب المدونة في فقه المذاهب، ولا يخفى مبلغ استمداد الكتب المدونة في المذاهب من كتب محمد بن الحسن، فـ (الأسدية) التي هي أصل (المدونة في مذهب مالك) إنما أُلِّفَت تحت ضوء كتب محمد والشافعي، إنما ألف (قديمه) و (جديده) بعد أن تفقه على محمد وكتب كتبه وحفظ منها ما حفظ، وابن حنبل كان يجاوب في المسائل من كتب محمد، وهكذا من بعدهم من الفقهاء، فأكبر ما وصل إلينا من كتبه هو كتاب الأصل المعروف بـ (المبسوط)، وهو الذي يُقال عنه أن الشافعي كان حفظه، وألَّف (الأم) محاكاة الأصل، وأسلم حكيم من أهل الكتاب بسبب مطالعته قائلًا: "هذا كتاب محمدكم الأصغر، فكيف كتاب محمدكم الأكبر؟) "، وهو في ستة مجلدات، كل مجلد منها نحو خمسمائة ورقة يرويه جماعة من أصحابه، مثل: أبي سليمان الجوزجاني، ومحمد بن سلمة التميمي، ومحمد بن سماعة، وأبو حفص الكبير أحمد بن حفص البخاري، وقد قدر الله سبحانه ذيوعًا عظيمًا لهذا الكتاب يحتوي على فروع تبلغ عشرات الألوف من المسائل في الحلال والحرام لا يسع الناس جهلها، وتوجد عدة نسخ كاملة منه في خزانات الأستانة، منها ما هو في ستة
стр. 19
مجلدات وهي نسخة فيض الله، ومنها ما هو في أربعة مجلدات، وهي نسخ مكتبات عاطف وجار الله.
ومما وصل إلينا من كتبه (الجامع الصغير)، وهو كتاب مبارك، مشتمل على نحو ألف وخمسمائة واثنتين وثلاثين مسألة، قد ذكر فيه الاختلاف في مائة وسبعين مسألة، ولم يذكر القياس والاستحسان إلا في مسألتين، وقدر الله سبحانه الذيوع البالغ له أيضًا حتى شرحه أئمة أجلاء استقصى الشيخ عبد الحي اللكنوي في (النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير)، ذكر شراحه، ومن جملة رواته في إثبات الشيوخ: الجوزجاني، وأبو حفص، وعلي بن معبد، وبوبه: أبو طاهر الدباس، والزعفراني، وليس فيه غير سرد المسائل.
وكان سبب تأليفه: أن أبا يوسف طلب من محمد بعد فراغه من تأليف (المبسوط) أن يؤلف كتابًا يجمع فيه ما حفظه عنه مما رواه له عن أبي حنيفة، فجمع هذا الكتاب، ثم عرضه فقال: نعما حفظ عني أبو عبد الله إلا أنه أخطأ في ثلاث مسائل، فقال محمد: ما أخطأت ولكن نسي الرواية، ويقال: إن أبا يوسف مع جلالة قدره كان لا يفارق هذا الكتاب في حضر ولا سفر.
ومن كتب محمد أيضًا: (السير الصغير): يرويه عن أبي حنيفة، وحاول الأوزاعي الرد على أبي حنيفة فجاوبه أبو يوسف، وكتابه هذا أصل (للسير الصغير)، ومنها: (الجامع الكبير)، وهو كتاب جامع لجلائل السائل، مشتمل على عيون الروايات ومتون الدرايات بحيث كاد أن يكون معجزًا كما يقول الأكمل في شرحه على تلخيص الخلاطي لـ (الجامع الكبير)، وقال الإِمام المجتهد أبو بكر الرازي في شرحه على (الجامع الكبير): كنتُ أقرأ بعض مسائل الجامع الكبير على بعض المبرزين في النحو، يعني أبا علي الفارسي، فكان يتعجب من تغلغل واضح في هذا الكتاب في النحو، وقد أقر جماهير أهل العلم باستبحار واضعه في العربية، وبأنه حجة في اللغة، كما أنه حجة في الفقه، وقد أقر بذلك ابن تيمية في مواضع على انحرافه من أهل الرأي، وقد شرح هذا الكتاب عشرات من الأئمة.
стр. 20
ومنها (الزيادات) و (زيادات الزيادات): ألفهما بعد (الجامع الكبير) استدراكًا لما فاته فيه من المسائل، ويعدان من أبدع ما كتبه، وقد اعتنى أهل العلم بشرحهما، ويقال في سبب تأليفه للزيادات: أن أبا يوسف فرع فروعًا دقيقة في أحد مجالس إملائه، ثم قال: يشق تفريع هذه الفروع على محمد بن الحسن، ولما بلغه ذلك ألَّف الزيادات لتكون حجة على أن أمثال تلك الفروع وما هو أدق منها لا يشق عليه تفريعها، والله أعلم.
ومنها (السير الكبير) وهو من أواخر مؤلفاته، ألَّفه محمد بعد أن انصرف أبو حفص الكبير إلى بخارى فانحصرت روايته في البغداديين مثل: الجوزجاني، وإسماعيل بن توبة القزويني.
وتلك الكتب الستة - أعني المبسوط، والصغيرين، والكبيرين، والزيادات - يعد ما حوته من الروايات ظاهر الرواية في المذهب، من حيث إنها مروية بطريق الشهرة أو التواتر، ويعد باقي كتب محمد في الفقه غير ظاهر الرواية لورودها بطريق الآحاد دون الشهرة والتواتر، فمنها (الرقيات): وهي المسائل التي فرغها محمد حيثما كان قاضيًا بالرقة، رواها عنه محمد بن سماعة، ومنها (الكيسانيات): رواها عنه شعيب بن سليمان الكيساني، ويقال لها: (الأمالي)، ومنها (الجرجانيات): يرويها علي بن محمد الجرجاني عنه، ومنها: (الهارونيات)، وله كتاب (النوادر): رواية ابن رستم، وآخر رواية ابن سماعة، وآخر رواية هشام بن عبيد الله الرازي، وآخر رواية أبي سليمان الجوزجاني، وآخر رواية داود بن رشيد، وآخر رواية علي بن يزيد الطبري، وله كتاب: (الكسب) مات قبل أن يتمه، وشرحه السرخسي فى آخر (مبسوطه).
وأما التي تغلب فيها رواية الحديث من كتبه، فبين أيدينا منها (الموطأ) تدوين محمد من روايته عن مالك، وفيه ما يزيد على ألف حديث وأثر من مرفوع وموقوف، ما رواه عن مالك، وفيه نحو (مائة وخمسة وسبعين حديثًا) عن نحو (أربعين) شيخًا سوى مالك، وشرحه علي القاري، والبيري شارح الأشباه،
стр. 21
وعثمان الكمّاخي، ومن كتب محمد كتاب (الحجة) المعروف بـ (الحجج في الاحتجاج على أهل المدينة)، ومنها كتاب (الآثار)، يروي فيه أحاديث مرفوعة وموقوفة ومرسلة، وهو الذي ألَّفه شيخه ورواه محمد عنه وعلّق عليه.
وفاة الإمام محمد بن الحسن - رضى الله عنه -:
كان ميلاد محمد بن الحسن سنة اثنتين ومائة، كما نص عليه ابن أبي العوام وابن سعد والخطيب وغيرهم، ومنهم من قال سنة خمس كما سبق.
وأما وفاته فكانت سنة تسع وثمانين ومائة باتفاق بين ابن سعد وابن الخياط والخطيب، وغلط من قال: سنة ثمان، لا وقع في (فضائل ابن أبي العوام)، قال أبو عبد الله الصيمري: أخبرنا المرزباني، ثنا إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوي: مات محمد بن الحسن والكسائي بالري سنة تسع وثمانين ومائة، فقال الرشيد: دفنتُ الفقه والعربية بالري، وقيل: مات محمد ثم الكسائي بعده بيومين، وقيل: ماتا في يوم واحد، والله أعلم.
وذكر الذهبي في جزئه عن يونس بن عبد الأعلى، عن علي بن معبد، عن الرجل الرازي الذي مات محمد بن الحسن في بيته، وهو هشام بن عبيد الله قال: حضرتُ محمدًا وهو يموت فبكى فقلتُ له: أتبكي مع العلم؟ فقال لي: أرأيت إن أوقعني الله تعالى، فقال: يا محمد ما أقدمك الري؟ الجهاد في سبيلي أم ابتغاء مرضاتي؟ ماذا أقول: ثم مات ﵀.
أغدق الله على ضريحه سجال رحمته ورضوانه، ونفعنا بعلومه بمنّه وكرمه، إنه قريب مجيب.
وأخرج الصيمري عن المرزباني عن أبي بكر (ابن دريد) عن سعيد السكري قال: أنشدني إسماعيل بن أبي محمد يحيى بن المبارك اليزيدي، عن أبيه: أنه أنشد يرثي محمد بن الحسن والكسائي:
стр. 22
تصرمت الدنيا فليس خلود ... وما قد نرى من بهجة ستبيدُ
لكل امرئٍ منا من الموت منهل ... فليس له إلا عليه ورودُ
ألم تري شيبًا شاملًا يبدر البلى ... وإن الشباب الغض ليس يعودُ
سيأتيك ما أفنى القرون التي مضت ... فكن مستعدًا فالفناءُ عنيدُ
أمسيتَ على قاضي القضاة محمد ... فذرفتُ دمعي والفؤادُ عميدُ
وقلت إذا ما الخطب أشكل من لنا ... بإيضاحه يومًا وأنتَ فقيدُ؟
وأقلقني موت الكسائي بعده ... وكادت بي الأرض الفضاءُ تميدُ
وأذهلني عن كل عيش ولذةٍ ... وأرق عيني والعيون هجودُ
هما عالمان أوديا ... فما لهما في العالمين نذيرُ
فحزني متي تخطر على القلب خطرة ... بذكرهما حتى الممات جديدُ
وهذا آخر ما أردتُ من ترجمة الإِمام الرباني ﵁، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 23
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سبحان من أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، وما لي لا أسبح الذي هداني إلى حديث من حدَّث بالحقِّ صلى الله على من اصطفاهُ بالوحي، وجعله أمينًا بالإِسراء، وعلى الذين قاموا على نصرة شريعة من هو خير الأبرار.
أما بعد: فيقول العبد الفقير النعماني إلى رحمة ربه الرحمان: عثمان بن يعقوب بن حسين بن المصطفى الكُمَّاخي ثم الإِسلامبولي، عامله الله بكرمه العالي:
لَمَّا مَنَّ الله عليَّ بتحديث الكتاب العزيز المُسَمَّى بـ:
(الموطأ في علم الحديث)
لتلميذ سلطان المجتهدين في المذاهب، برهان الأئمة في المشارق والمغارب:
أبي حنيفة نعمان بن ثابت بن طاووس بن هرمز بن مَلَك بن شيبان الكوفي.
أعني به أفضل العلماء المتقدمين وأكرم بالكرامات من أتباع التابعين، قدوة أساتذتنا العلَّام، وعمدة مشايخنا الفخام.
أبا عبد الله محمد بن الحسن بن عبد الله بن طاوس بن هرمز بن ملك بن فرقد بن شيبان الكوفيَّ.
فقد روى ما فيه من اثنين وسبعين وتسعمائة، بل يرتقي إلى ألف حديث عن ثلاث وأربعين رجلًا من مشايخه ستعرفهم - إن شاء الله تعالى - في آخر هذا الكتاب، لكن فيه فوائد كثيرة أكثر من أن تُحصى، وخواص عجيبة منها أن بعض تلاميذي أخبرني بأنْ قال: لما كتب جزءًا من أجزاء الموطأ أصابني نعمة كذا وكذا.
وبعضهم قال: لما كتبتُ جزءًا واحدًا منه وقرأته ظفرتُ مراد كذا وكذا قبل أن أقرأ جزءًا آخر.
стр. 24
وأخبرني بعض العلماء من علماء القسطنطينية: لما كتبتُ الموطأ لمحمد بن الحسن تمامًا نلت جاهًا كذا وكذا.
وأخبرني بعض الصالحين: أن ابنتي مرضت في زمان كثير وضعف بصرها، فكتبتُه تمامًا وأَخَذَتْهُ بيدها فقبلته ومسحته بوجهها وعينها فبرأها الله مما فيها، وأجلى بصرها ببركته.
وليس قوم قرؤوه إلا أغناهم الله من حيث لم يحتسبوا بيسر، ونصرهم على أعدائهم، وفيه مآرب كثيرة للمسلمين، وأي شرف حَصَلَ لغير هذا الفقير العاجز من المسلمين في زماننا هذا، فإني لما بدأتُ بتحديثه للطالبين أكرمني الله تعالى به بثلاث كرامات:
أولها: والله لقد رأيت في ليلة الأربعاء من آخر شهر الصفر من سنة اثنين وستين ومائة وألف من الهجرة في المنام أني أغتسل، فلما أتممت الغسل تقاطر الماء في جسدي وأنا عَارٍ من الثوب فإذا أرى رجالًا قد اجتمعوا في مكان، ورجلًا خرج من بينهم حتى قرب إليَّ وفي يده إزار بيضاء، فقال: هذا عطاء لك من رسول الله ﷺ فأخذته واشتملته بجسدي كله.
وثانيها: لقد رأيتُ في ليلة الخميس من الثاني عشر من شهر جمادى الآخرة من سنة اثنين وستين ومائة وألف من هجرة من له العزو الشرف: أن رسول الله ﷺ جلس في زورق في البحر في خارج قصيء طوب خانه من ملحقات بلدي، وفي يده الشريفة دلو من ماء يشرب منه، ووجه الكريم متوجه إلى هذا العبد المضيف وأنا أريد أن أقبل بيده الشريف.
وثالثها: لقد رأيتُ في ليلة الجمعة من الليل الثالث من شهر الشوال من سنة ثلاث وستين ومائة وألف: أني أرى في المنام أني قبلت عينه اليمنى ﷺ ثم عينه اليسرى، ثم ألقم شفتيه وذقنه جميعًا في فمي، اللهم اجعلنا مرافقته في الرفيق الأعلى .. آمين.
وهذه المذكورات من كرامات المصنف ﵀، ومن كراماته العجيبة ما قاله
стр. 25
الأقهاري في (نظام العلماء إلى خاتم الأنبياء)، وصلوات الله عليهم أجمعين، من طبقات الحنفية حيث قال: لمحمد بن الحسن مناقب كثيرة، أكثر من أن تُحصى، ومصنفات عديدة، ومؤلفات سديدة حتى قيل: صنف تسعة وتسعين كتابًا كلها في العلوم الدينية .. انتهى.
وهي خارق للعادة كقطع المسافة البعيدة في المدة القليلة، وكظهور الطعام عند الحاجة وآية من آيات الله تعالى لكمال قدرته تعالى، وسِنُّه ثمان وخمسون سنة، كما قاله المؤرخون.
ومن كتبه المشهورة: الأصيل، وهو المبسوط، والزيادات والظواهر، والنوادر، والهارونيات، والجرجانيات، والسير الصغير، وقد نلت من كتبه ستة كتب: السير الكبير، والجامع الصغير، والكبير، والحجة على أهل المدينة، والآثار، والموطأ.
وهو بضم الميم وفتح الواو والطاء المهملة المفتوحة المشددة، والهمزة المقصورة اسم الكتاب الذي صنفه الإِمام محمد بن الحسن في علم الحديث فعرضه على العلماء الأعلام في زمن خلافة هارون الرشيد فوطئوه، أي: نقحوه وتلقوه بالقبول، فسماه بالموطأ، وطالعته وظفرت في أثناء المطالعة بالحِكَم والأسرار وجعلتها شرحًا له، وهيأته ليكون تحفة للعلماء فسميته مهيئًا ليكون اسم الشرح مطابقًا باسم المتن جودة ومعنى لِمَا قال صاحب (القاموس): وطأه: هيأه، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلتُ وإليهَ أنيب.
اعلم أن المصنف ﵀ ابتدأ في أول كتابه بقوله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، امتثالًا بأمره ﷺ : "ابدؤوا بما بدأ الله به" (١)، كذا نقله المناوي في (كنوز الحقائق) عن الدارقطني، أو تبركًا أو تنبيهًا للمؤمنين أن يقولوا في أول أمورهم: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ليحصل الانكشاف في قلوبهم، والاطمئنان فيها،
стр. 26
والشوق إلى لقاء الله تعالى، والأمان من شر أعدائهم، والوصول إلى مطالبهم.
روى ابن مردويه عن جابر ﵁ أنه قال: لما نزلت بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هرب الغيم إلى الشرق، وسكنت الرياح، وماج البحار، وأصغى البهائم بآذانها، ورجم الشياطين، وأقسم الله بعزته وجلاله: أن لا يُذكر اسمه على شيء إلا بورك فيه.
وامتثالًا بأمره تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]، أي: اقرأ القرآن متبدئًا باسم ربك الذي خلق، كذا في تفسير الكواشي، وخصوص السبب لا يقدح بعموم الحكم، أو موافقته للكتاب المبين، حيث قال تعالى في أول كتابه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أو احترازًا عن أن يكون كتابه أبتر بعدم الكتابة باسم الله الرحمن الرحيم في أول كتابه.
قال النبي ﷺ : "كل أمر ذي بال - أي: ذي شأن - لم يُبدأ فيه باسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر" (١)، وإشارة إلى بعض ما يجب عليه من حمده لرب العالمين، وإنما قلنا إشارة إلى أداء ما يجب عليه؛ لأن العبد لن يقدر على أداء جميع ما يجب عليه من العبادات التي تنبغي لذاته تعالى.
قال ﷺ : "سبحانك لا أُحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك" (٢).
وقالت الملائكة: "ما عبدناك حق عبادتك" (٣)، أي: إظهارًا بكمال عجزهم عن عبادة ربهم بالوجه الأليق لذاته تعالى، فلهذا لا يقال: إن الإِمام محمد جعل كتابه أقطع بترك الحمد في ابتداء كتابه.
стр. 27
قال رسول الله ﷺ : "كل أمر ذي بال لم يُبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع" (١)، فإن من قال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فقد حمد الله تعالى؛ لأن حقيقة الحمد إظهار الصفات الكمالية لا خصوص كتابة الحمد في أول كتابه.
قال محمود حسن في حاشية الجلال من علم الكلام: وفي بسم الله الرحمن إظهار الصفات الكمالية .. انتهى.
ويمكن أن يُجاب عن ترك المصنف بالحمد في أول كتابه بأنه إنما تركه إشارة إلى مذهبه الشريف ومذهب أبي حنيفة ﵀ بأن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، آية مستقلة نزلت للفصل بين السورتين من سور القرآن، وليست جزء من سورة الفاتحة خلافًا للشافعي، فإنها آية من الفاتحة، فتكون حينئذٍ ثمان آيات عند الشافعي.
وفي بسم الله الرحمن أسرار منها:
قال عبد الرحمن جلال الدين السيوطي في (إتقان القرآن): أول ما نزل به جبريل ﵇ على رسول الله ﷺ قال: يا محمد، استعذ بالله ثم قل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وقال فيه: أول آية نزلت من اللوح المحفوظ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
وقال السيوطي في (الأوليات): أول من تكلم بهذه الكلمات حملة العرش، حيث أمروا بحمله ولا يزالون يقولون تلك إلى يوم القيامة - وهي هذه الكلمة - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، حسبي الله، توكلت على الله، اعتصمتُ بالله، فوضتُ أمري إلى الله، ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله من أكثر من قراءة هذه الكلمات شفي من كل سقم، وفرج من كل كربة، ونصر على كل عدو، كما أخرجه اليافعي في (روضة الرياحين).
فإن قلت: لم كانت بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تسعة عشر حرفًا؟ ولم كان الأذان تسعة عشر حرفًا كلمة؟ الجواب: الله أعلم؛ لأن الله خلق رؤساء
стр. 28
الزبانية على جهنم تسعة عشر ملكًا، كما قال تعالى في سورة المدثر: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ٣٠].
وأتباعهم لا يحصيهم أحد إلا الله، فمن قال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، كفاه الله تعالى بكل حرف منها واحدًا من الزبانية تسعة عشر ولا يسلطهم عليه ببركة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وكذلك الأذان يكفيه بكل كلمة منها واحدًا منهم.
وذكر الإِمام الغزالي في (شرح جنة الأسماء)، أن الخزنة لجهنم تسعة عشر على عدد حروف آية الرحمة، وهي تسعة عشر حرفًا جعلها الله تعالى برحمته جنة وسترًا من عذاب الخزنة، فإذا قال العبد: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فقد تستر بجنة الرحمة، ودخل في حصن الأمان، كذا قاله في (خواتم الحاكم).
من خواص بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:
عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "إن المعلم إذا قال للصبي المبتدئ بالعلم: قل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فقال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، كتب الله براءة للصبي، وبراءة لأبويه، وبراءةً للمعلم عتقًا من النار" (١).
قال ابن العادل فى تفسير البسملة: من رفع ورقة من الأرض كُتب فيها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ خفف الله العذاب عن أبويه، وكذلك يرفع العذاب عن مولى المؤمنين والكافرين عند دخول شهر رمضان بحرمة النبي ﷺ وليلة الجمعة، وإذا انسلخ رمضان أعيد العذاب على الكفار، ولا يعاد على المؤمنين في قبورهم، كما في التاتارخانية، وإمداد الفتاح.
فإن قيل: هذا يعارض لقوله تعالى: ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ [البقرة: ١٦٢]، أجيب عنه بأن الله تعالى لا يخفف عنهم العذاب في الآخرة، بل يخففه عنهم في عالم الدنيا وعالم البرزخ، ويشدده في وقت محكمة أخرى.
стр. 29
قال الله تعالى في سورة الأنفال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣]، ما طلب تفصيله في تفسير هذه الآية من (تفسير اللباب) لابن عادل.
ومن أحكام بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، اختلف العلماء فيه:
منهم من قال: إنها ليست بآية من الفاتحة كما مر، ولا من غيرها، ولكن كتبت للفصل بين السور، وعليه أبو حنيفة وأتباعه، ولكنها آية مستقلة وكذا لا تجهر في الصلوات عند أبي حنيفة ﵀، ولكن قال الشافعي وأصحابه: إنها آية من الفاتحة ومن كل سورة، ولذلك يجهرون بها في الصلوات الجهرية، والاسم في بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هو اللفظ الدال بالوضع على موجود في الأذهان إن كان معقولًا من غير تعرض بهيئة للزمان، وهو من السمو، وهو العلو كما ذهب إليه البصريون، أو من الوسم وهو العلامة كما ذهب إليه الكوفيون، وكُسرت الباء لتشابه حركتها عملها وطولت لتدل على الألف المحذوفة، ولا تحذف إلا مع اسم الله، وهو - أي: لفظ الجلالة - هو اسم لذات واجب الوجود عند الجمهور، وقال بعضهم: هو اسم الذات والصفات معًا، وهو لفظ عربي علم لِمُوجِد العالم وليس بمشتق عند أكثر العلماء.
كما قال الشيخ شهاب الدين أحمد بن محمود السيوسي في (عيون التفاسير)، وعبد الرحمن المدعو بشيخي زادة، وقيل: هو - أي اسم - في بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مشتق من سِمو بكسر السين المهملة والميم الساكنة ثم الواو، بمعنى العلو كما مر، فنقلت ضمة الواو إلى الميم لكونها حرف علة متحركة، وما قبلها حرف صحيحة ساكنة واستثقلت الضمة عليها, ثم حذفت الواو لسكونها وسكون التنوين فأعطي التنوين إلى ما قبلها، فصار سِمُنْ بكسر السين وضم الميم وسكون النون، ثم أدخلت الألف في أوله لتدل على الألوهية، ثم حركت الألف لتعذر الابتداء بالساكن وإنما حركت بالكسر؛ لأن الساكن إذا حركت بالكسر فصار اسم، ثم زيدت بالباء الجارة في أوله للإِلصاق فصار باسم، ثم حذفت الهمزة طلبًا للتخفيف فصار
стр. 30
بسم، فعوض مد الباء من الهمزة المحذوفة، ثم أضيف إلى لفظ الجلالة فسقطت التنوين؛ لأن بينهما التضاد؛ لأن التنوين تقتضي الانفصال والإضافة تقتضي الاتصال، وجمعهما في حالة واحدة متعذرة.
وإنما قال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ولم يقل: بالله؛ لأن التبرك والاستعانة بذكر اسمه تعالى أو للفرق بين اليمين والتيمين، وقيل: هو - أي: لفظ الله - مشتق من أله بفتح الهمزة بمعنى: عَبَدَ على بناء المفعول، فحذفوا الهمزة تخفيفًا فصار له بالتنوين، ثم أدخل الألف واللام للتعريف فصار ال له بالتنوين، ثم حذفت التنوين فصار ال له بغيرها، فاجتمعت في الكلمة الواحدة حرفان من جنس واحد، الأولى ساكنة والثانية متحركة، فأغمت الأولى في الثانية فصار الله لكنه في الأصل يستعملون لكل معبود، ثم غلب على المعبود بالحق كما نقلناه في (توضيح الأسرار شرح بركات الأبرار)، فعلم من هذا أن الاسم غير المسمى؛ لأن الاسم يتألف أصوات مقطعة غير قارة، ويختلف باختلاف الاسم والأعصار، ويتعدد تارة، ويتحد أخرى، والمسمى لا يكون كذلك خلافًا للمعتزلة وإنما يستدل على اتحاد حكمًا لو أريد به ذات الشيء لكنه لم يشهد بهذا المعنى.
وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٧٨]، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، المراد به اللفظ؛ لأنه كما يجب تنزيه ذاته وصفاته عن النقائص، يجب تنزيه الألفاظ الموضوعة لها عن سوء الأدب والرفث، وتقرير هذا الكلام هو أن يعلم أن الاسم مثلًا يطلق تارة ويراد به المسمى، وهو الغالب الشائع، ويطلق أخرى ويراد به الاسم، ويتعين أحدهما إذا اقتضاه المقام فحيث يقال: ضرب زيدٌ، وضربتُ زيدًا، فالمراد به المسمى لا غير؛ لأنه هو الذي يتصف بالضاربية والمضروبية كما لا يخفى, وحيث يقال: زيد ثلاثي ساكن الوسط وآخره وَزْنُ فَعْل, والمراد به اللفظ, وهو واضح تصورًا ونقلًا عن اللغة وتتبعًا للاستعمال، إذا تقرر هذا فلفظ الله يطلق تارة ويراد به المسمى حيث يقال الله تعالى، خالق الأشياء كلها، وصانع العالم، وأخرى يراد به اللفظ، حيث يقال: لفظ الله عربي أو سرياني مشتق ومنقول، وهذا المقام مما يتعين فيه اللفظ دون المسمى، إذ التبرك والتيمن من الأمور
стр. 31
المتعلقة باللفظ دون المعنى فناسب أن يؤتى بلفظ اسم ليتمحض أن المراد النقط قرينة معينة للمعنى المراد كما قاله التمرتاشي.
قوله: الرحمن الرحيم: صفتان مشتقتان من رحم بعد نقله إلى فعُل، بضم العين؛ لأن الصفة المشهبة لا يشتق إلا من فعل لازم، وهذا مطرد في باب المدح مثل رفيع الدرجات، وبديع السماوات، واشتقاقهما باعتبار الغايات التي هي أفعال دون المبادئ التي تكون انفلات؛ لأن الرحمة في اللغة رقة القلب، والله منزه عن القلب وعن صفتها، والرحمن من أبنية المبالغة، وفي الرحيم مبالغة أيضًا إلا أن فعلان أبلغ من فعيل؛ لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى كما في قطَّع بتشديد الطاء المهملة، وقَطَع بالتخفيف وتخصيص التسمية بهذه الأسماء، أي بالله الرحمن الرحيم ليعلم القارئ أن المستحق أن يستعان به في جميع الأمور، وهو المعبود بالحق الذي هو مولى النعم كلها، عاجلها وآجلها، جليها وخفيها، فيتوجه العارف بنفسه وحده إلى جانب القدس ويتمسك بحبل التوفيق، ويشغل سره بذكر الله تعالى، والاستمداد بالله عن غيره كما أشبعناه في (توضيح الأسرار شرح بركات الأبرار).
وأما إعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:
فالباء فيه متعلق بمحذوف وهو يحتمل أن يكون اسمًا أو فعلًا، وعلى كلا التقديرين يجوز أن يكون متقدمًا أو متأخرًا، فهذه أربعة أقسام، أما إذا كان متقدمًا وكان فعلًا يكون محل الجار والمجرور منصوب على أنه حال من الضمير المرفوع المستتر في المتقدم، أو مفعول غير صريح تقديره ابتدئ هذا الكتاب حال كوني ملتبسًا باسم الله الرحمن الرحيم، وأما إذا كان المتعلق متقدمًا وكان اسمًا فيكون محل الجار والمجرور مرفوعًا على أنه يكون خبرًا مجازًا لمبتدأ متقدم والحال أن الخبر حقيقة لفظ كائن مثلًا تقديره ابتدائي بهذا الكتاب كائن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وأما إذا كان المتعلق متأخرًا وكان فعلًا فيفيد حصرًا تقديره: إنما أنا ملتبسًا باسم الله تعالى أبتدئ أو بدأت هذا الكتاب، وهذا الحصر يفيد اهتمامًا لذكر اسم الله تعالى بالابتداء ورد الكفار عن إرادتهم الاهتمام بذكر أسماء أصنامهم، حيث كانوا يقولون: باسم
стр. 32
اللات، وباسم العزى، فإنهما اسمان للصنمين اللذين نصب كفار مكة أحدهما على الصفا والآخرى على المروة يعبدونهما، وأمَّا إذا كان المتعلق متأخرًا وكان اسمًا، فيكون محل الجار والمجرور مرفوعًا على أن يكون خبرًا مجازًا أو متقدمًا على المبتدأ والخبر حقيقة لفظ كائن أو حاصل مثلًا.
(ق ٦) فيفيد هذا التقديم أيضًا حصر الخبر على المبتدأ، فيكون هذا الحصر اهتمامًا بذكر اسم الله تعالى تقديره: بسم الله كائن ابتدائي لكن تقديم بسم الله على متعلقه أولى؛ لأنه علم مختص لذات واجب الوجود على مذهب أهل الحقائق، وذات واجب الوجود مقدم بنفسه على ذوات الممكنات فيلزم أن يكون اسمه تعالى مقدمًا في الذكر على جميع المذكورات، فالباء في بسم الله يدور بين معنى الملابسة والاستعانة، لكن الاستعانة في هذا المقام لا ينبغي؛ لأنه قال عصام الدين في حاشيته في تفسير ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، أن معنى الاستعانة: إيهام تشبيه اسمه تعالى بآلة النجار، وفي هذا التشبيه ترك التعظيم الذي يستحق به تعالى، انتهى.
والأولى أن يكون الباء للملابسة والإِلصاق، ووجه الأولوية إشعار بالمعنى الذي رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: "جميع ما أنزله الله تعالى على أنبيائه ﵈ من الكتب كلها في القرآن، وجميع معاني القرآن في سورة الفاتحة، وجميع معاني الفاتحة في بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وجميع معاني بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في الباء من بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ".
فالقصد إليه من كل العلوم وصول العبد إلى معبوده، وهذه الباء للإِلصاق فهو يلصق العبد إليه، فهو كمال المقصود، فلذلك اختار الله تعالى الباء على سائر الحروف في افتتاح كتابه.
قوله: الله في بسم الله مجرور لفظًا على أنه دفع مضافًا إليه لاسم يشبه أن يكون الإِضافة من قبيل سعيد كرز.
وقوله: الرحمن الرحيم مجروران على أنهما صفتان للفظة "الله"، ويجوز أن يكونا منصوبين على المدح، فالتقدير: أمدح الرحمن الرحيم، ويجوز أن يكونا
стр. 33
مرفوعين لفظًا على أنهما وقعا خبرًا لمبتدأ محذوف، فالتقدير: هو الرحمن هو الرحيم، فالفعل مع فاعله ومفعوله، أو المبتدأ مع خبره جملة فعلية أو إسمية لا محل لها من الإِعراب لأنها مستأنفة، أو مجرورين على أنهما بدلان من الله كررهما لتأكيد رحمته على خلقه، وبيان سبقهما على غضبه، فإن قيل: ما بال المصنف ﵀ أنه ابتدأ كتابه بقوله بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مقتصرًا عليه؟ فأكثر المتقدمين دون الحمد والشهادة مع أن ورود قوله ﷺ : "كل أمرٍ ذي بالٍ لم يُبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع" (١).
وقوله ﷺ : "كل خطبة ليس فيها شهادة فهي كاليد الجذماء" (٢)، أخرجهما أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة ﵁.
قال العسقلاني (٣): إن الحديثين في كلٍّ منهما مقال سلمنا صلاحيتهما للحجة، لكن ليس فيهما أن ذلك متعين بالنطق والكتابة معًا، فلعله، أي: نرجو أن المصنف ﵀ حمد وتشهد نطقًا عند وضع الكتاب، ولم يكتب ذلك اقتصارًا على البسملة واتباعًا بكتب النبي ﷺ حيث كتب إلى الملوك وكتب في القضايا مفتتحًا بالبسملة دون الحمد له، وغيرها كما في حديث أبي سفيان في قصة هرقل، وفي حديث البراء بن عازب في قصة سُهيل بن عمرو في صلح الحديبية، وغير ذلك من الأحاديث.
وهذا يُشعر بأن لفظ الحمد والشهادة إنما يحتاج إليهما في الخطب دون الرسائل (ق ٧) والوثائق، فكأن المصنف لمَّا لم يفتتح كتابه بخطبة أجرى كتابه مجرى الرسائل إلى أهل العلم لينتفعوا بما فيه تعلُّمًا وتعليمًا، وكذلك أئمة الحديث كعبد الرزاق، والزهري، والإِمام مالك، وغيرهم ممن لم يقدموا في ابتداء تصنيفهم
стр. 34
خطبة، ولم يزدادوا على البسملة شيئًا، والحال أن المصنف ﵀ رعى الأدب، ولم يقدم على كلام رسول الله ﷺ شيئًا من كلامه، والحال أنه تعالى نهى المؤمنين عن ذلك وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]، ويقال: بأنه يمكنه أن يأتي بلفظ الحمد من كلام الله تعالى.
ويعترض على المصنف بأنه قدم الترجمة، وهي من كلامه، وكذا السند على الحديث، والجواب عن ذلك: أن الترجمة والبسملة وإن كانتا متقدمتين لفظًا لكنهما متأخرتان تقديرًا لما ذكر ما يتعلق باسم الله الرحمن الرحيم، شرع بذكر ما يتعلق بأوقات الصلوات، فقال هذا.
стр. 35
أبواب الصلاة
باب في بيان أحكام وقت الصلاة
وفي نسخة: مواقيت، كما في صحيح البخاري، لكن الأول أحسن؛ لأنها لا تشتبه بمواقيت الإِحرام للحاج، وهي جمع الميقات، وهو موضع الإِحرام، وهو، أي: لفظ الوقوت بضم الواو والقاف: أزمنة الصلوات المفروضة، وإضافة الباب إلى الوقوت بمعنى: في كما قدرناه، وإضافة الوقوت إلى الصلاة من قبيل إضافة السبب إلى المسبب، وقدم هذا الباب على سائر أبواب الكتاب؛ لأنها أصل في وجوب الصلاة؛ فإنها عبادة مقدرة بالأوقات، قال الله تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، أي: فرضًا موقتًا، وفي رواية ابن بُكير: أوقات، وهي جمع قلة، وهو الأظهر لكون الصلوات خمسة، لكن رواية الأكثرين: وقوت، وهي جمع كثرة؛ لأنها وإن كانت خمسة، لكن لتكررها كل يوم صارت كأنها كثيرة، كقولهم: شموس وأقمار، باعتبار ترددهما مرةً بعد مرة؛ لأن الصلوات فرضت خمسين أولًا، ثم عفيت فبقيت على خمس، وثوابها كثواب خمسين، كما قال تعالى في حديث المعراج: "هُنَّ خمسٌ وهن خمسون"؛ ولأن كل واحد من الجمعين، أي: جمع القلة وجمع الكثرة، يقوم مقام الآخر توسعًا يشتركان في المبدأ من ثلاثة، ويفترقان في الغاية على ما ذهب بعض المحققين، أو لأن لكل صلاة ثلاث أوقات: اختياري، وضروري، وقضاء.
قال محمد بن الحسن بن عبد الله بن طاوس بن هرمز بن ملك بن فرقد بن شيبان الكوفي, وهي بلدة في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، كان أصله من قرية تسمى حرزنا من قرى الشام، قدم أبوه من العراق وولد في واسط في سنة خمس وثلاثين ومائة. وقال بعض المؤرخين: إن محمد بن الحسن ولد في واسط في سنة إحدى وثلاثين ومائة أو اثنتين وثلاثين ومائة، وهو ابن ثمان وخمسين سنة، ونشأ بالكوفة ومات فيها، ودفن في الرِّي، كان في الطبقة السابعة من طبقات أتباع التابعين من الفقهاء والمحدثين من أهل الكوفة، وقد صحب سلطان المجتهدين في المذاهب برهان الأئمة في المشارق
стр. 36
والمغارب الإِمام الأعظم (ق ٨)، والهُمام الأكرم: أبا حنيفة نعمان بن ثابت بن طاوس بن هرمز بن ملك بن شيبان الكوفي, وأخذ الفقه والحديث عنه قبل الحُلُم وبعده، فلما مات أستاذه أبو حنيفة، أخذه عن شريكه: أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم بن خبيب بن ختير بن سعد بن حبة, وعن: مالك بن أنس بن مالك بن عمير بن أبي عامر الأصبحي, وغيرهم من ثلاث وأربعين رجلًا أخرج عنهم محمد في (موطئه) ألف حديث، وقال: قد أقمتُ على مالك ثلاث سنين وجمعت منه سبعمائة حديث.
قوله: قال محمد بن الحسن، أوقع الماضي موضع المستقبل لقوة رجائه, أو لإظهار الرغبة في حصوله، وإن لم يكن حاصلًا، أو ليحكي به عن الفراغ، أو لتقدم المقول في الوجود كما قال المناوي في (شرح الشمائل للترمذي).
* * *
١ - قال محمد بن الحسن: أخبرنا مالكٌ، عن يَزيدَ بنِ زياد، مولى لبني هاشم، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمةَ زوج النبي ﷺ ، عن أبي هريرة، أنَّه سأَلهُ عن وقْت الصلاة؟ فقال أبو هريرة: أنا أخْبِرُك: صلِّ الظهر إذا كان ظلُك مثلَك، والعصر إذا كان ظلُك مثلَيْك، والمغربَ إذا غَرَبَتِ الشمسُ. والعشاءَ ما بينك وبين ثُلثُ الليل، فإن نِمْت إلى نصف الليل فلا نامتْ عَيْنُك، وصلّ الصبح بِغَلَسٍ (١).
قال محمد: وهذا قول أبي حنيفة في وقت العصر، وكان يرى الإِسْفَار بالفجر، وأما في قولنا: فإنَّا نَقُولُ: إذا زاد الظل على المِثْلِ فصار مثلَ الشيءِ وزيادةً من حين زالت الشمس فقد دخل وقتُ العصر.
وأما قول أبو حنيفة فقال: لا يدخل وقت العصر حتى يصيرَ الظل مِثْليهِ.
• أخبرنا مالكٌ, بن أنس بن مالك بن عمير بن أبي عامر بن الحارث بن عثمان بن حنبل
стр. 37
ابن عمرو بن الحارث، من بني حمير نسبًا الأصبحي، وهو صاحب المذهب، إمام الحجاز، بل للناس في الحدث والفقه، هو الإمام المشهور من الأئمة الأربعة، كان في الطبقة السابعة من طبقات كبار التابعين، والمحدثين من أهل المدينة، ولد سنة تسعين وثلاث، ومات سنة تسع وسبعين ومائة، كذا قاله الذهبي في (الكاشف) (١).
وقال بعض المؤرخين كالواقدي: كان الإِمام مالك ابن تسعين سنة، ومكث في بطن أمه ثلاث سنين، ووهم بعضهم أن أنس أبا مالك الإمام الحجاز أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ وليس كذلك؛ لأن أبا أنس خادم رسول الله ﷺ مالك بن النضر بن ضمضم الخزرجي، وأبا الإِمام مالك بن ضمضم الخزرجي، وأبا الإِمام مالك أنس بن مالك بن عمير أبي عامر الأصبحي، وهو خلاف الخزرجي، والأصبح ملك من ملوك اليمن يقال له: ذو أصبح، كما قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي (٢).
قال النووي: قد جرت العادة بالاختصار على الرمز في أخبرنا وحدثنا، واستمر الاصطلاح من قديم الأعصار إلى زماننا هذا، واشتهر بذلك بحيث لا يخفى فيكتبون من أخبرنا: أنا، زاد ابن الصلاح فيه: أرنا، وزاد الشيخ الجزري فيه: أبنا ورنا، ونقل بعض عنه أنه قال في وجوه اختصار أخبرنا: بنا أيضًا بالموحدة والنون، ويكتبون من حدثنا: ثنا بالثاء والنون والألف، وربما حذفوا المثلثة ويقتصرون بالنون والألف، وربما يكتبون: دنا بالدال المهملة قبل نا. انتهى.
ويُفهم من كلام ابن الصلاح وابن العراقي أنهم يكتبون في هذا: دثنا بزيادة المثلثة أيضًا، قال ابن الصلاح: وليس بحسن ما يفعله طائفة من كتابة: أخبرنا بالألف مع علامة: بنا فيكون: أبنا، وإن كان الحافظ البيهقي ممن فعله، قال ميرك: وكان وجه عدم الحسن أنه ربما يشتبه باختصار أنبأنا، فإنهم يقتصرونه بأبنا، واعلم أنه لا فرق بين التحديث والإِخبار والإنباء والسماع عند المتقدمين كالزهري ومالك وابن عيينة ويحيى القطان وأكثر الحجازيين والكوفيين، وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه، وعليه استمر عمل أهل المغاربة.
стр. 38
وروى بعض المتأخرين كأئمة الحلواني وغيره إلى حافظ الدين البخاري التفرقة بين صيغ الأداء بحسب افتراق التحمل فيخصون الحديث والسماع بما يلفظ به الشيخ وسمع الراوي عنه، والأخبار بما (ق ٩) يقرأ به التلميذ على الشيخ، وهذا مذهب ابن جريج والأوزاعي والشافعي وجمهور أهل المشرق، ثم أحدث أتباعهم تفصيلًا آخر، فمن سمع وحده من لفظ الشيخ أفرد فقال: حدثني وسمعت، ومن سمع مع غيره جمع فقال: حدثنا وسمعنا، ومن قرأه بنفسه على الشيخ أفراد فقال: أخبرني، ومن سمع بقراءة غيره جمع فقال: أخبرنا، وكذا خصوا الإنباء بالإِجازة التي يشافه بها الشيخ من يجيزه، وكل هذا مستحسن عندهم، وليس بواجب عندهم، وإنما أرادوا التمييز بين أحوال التحمل وظن بعضهم أن ذلك على سبيل الوجوب فتكلف بالاحتجاج له وعليه بما لا طائل تحته، نعم يحتاج المتأخرون إلى مراعاة الاصطلاح المذكور؛ لأنه صار حقيقة عرفية عندهم، فمن يجوز عنها احتاج إلى الإِتيان بقرينة تدل على مراده وإلا، فلا يُؤمن من اختلاط المسموع بالمجاز وبعد تقرر الاصطلاح ولا يحتمل ورد من ألفاظ متأخرين على محل واحد بخلاف المتقدمين، هذا واختلفوا في القراءة على الشيخ: هل تساوي السماع من لفظه، أو هي دونه، أو فوق؟ على ثلاثة أقوال، فذهب مالك وأصحابه ومعظم أهل الحجاز والكوفة والنجار إلى التسوية بينهما، وذهب أبو حنيفة وابن أبي ذئب إلى ترجيح القراءة على الشيخ على السماع من لفظه، ورواه الخطيب في (الكفاية) عن مالك أيضًا والليث بن سعد، وشعبة وابن لهيعة ويحيى بن سعيد ويحيى بن عبد الله بن بكير وغيرهم، وذهب جمهور أهل المشرق إلى ترجيح السماع من لفظ الشيخ على القراءة عليه.
قال زين الدين العراقي: وهو الصحيح، قلت: ولعل وجهه أن النبي ﷺ كان يقرأ القرآن والحديث على أصحابه، فيأخذون عنه، وكذا كانوا يؤدونها إلى التابعين وأتباعهم، كذا قاله علي القاري في (شرح الشمائل).
قال الكرماني: إنه إذا قرأ الشيخ على التلميذ يقال: حدثنا، وإذا قرأ هو على الشيخ يقال: أخبرنا، كما مر عن يزيد متعلق بأخبرنا حال من الفاعل المذكور، أو المفعول المقدر، أي: أخبرنا مالك هذا الحديث حال كونه راويًا عن يزيد أو مرويًا عنه، وجوز كونه استينافًا بيانيًا جوابًا لمن سئل عمن يحدثه، كذا قاله في (شرح الشمائل)، وهو بالتحتية المفتوحة والزاي المعجمة والتحتية الساكنة وبعدها دال مهملة غير منصرف للعلمية ووزن الفعل
стр. 39
ابن زياد بكسر الزاي المعجمة والتحتية المخففة، وبعدها ألف ودال مهملة.
اعلم أن كلمة عن في اصطلاح المحدثين محتملة للسماع والإِجازة، لكنَّ عنعنة المعاصر محمولة على السماع، سواء ثبت الملقى بينهما أم لا عند الجمهور، خلافًا للبخاري؛ حيث يشترط الملقى ولا شبهة في ثبوت الملقى بين الإِمام محمد بن الحسن ومشايخه الكرام، فتنبه في هذا المقام. كما روى أبو حنيفة نعمان بن ثابت عن حماد بن مسلم أبي سليمان الأشعري مولى إبراهيم بن أبي موسى الأشعري، تابعي كوفي سمع عن إبراهيم النخعي، كذا قاله علي القاري في (شرح المسند لأبي حنيفة).
قال في (القاموس): النخعي محركة قبيلة في اليمن، انتهى، وهو، أي: يَزيدَ بنِ زياد، مولى، أي: من قبيلة بني هاشم.
قال عبد الرحيم بن الحسين العراقي في (شرح الألفية من أصول الحديث): ومن المهمات للمحدثين معرفة الموالي من العلماء والرواة، وأهم ذلك أن ينسب إلى القبيلة مولى لهم مع إطلاق النسب، فربما ظن أنه منهم صلبية بحكم ظاهر الإِطلاق .. انتهى.
وكان (ق/ ١٠) يزيد بن زياد دمشقيًا ثقة يروي عن: الزهري وسليمان بن حبيب، وعنه: وكيع وأبو نعيم، وكان من الطبقة الخامسة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل دمشق، وهي كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة من وجه الأرض، مات سنة ست وثلاثين بعد المائة من الهجرة (١).
عن عبد الله بن رافع أي: ابن خديج، بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة، وسكون التحتية فالجيم، المخزومي مولى أي: معتق. أم سلمةَ قيل: اسمها هند ﵂، زوج النبي ﷺ ، يُكنى أبا رافع المدني، ثقة كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وكانت أم سلمة بنت أربع وثمانين سنة، وماتت سنة تسع وخمسين من الهجرة، ودفنت بالبقيع، عن أبي هريرة، ﵁، أنه أي: أن عبد الله بن رافع بن خديج، سأَلهُ، أي: أبا هريرة عن وقْت الصلاة؟ أي: الواحدة أو الجنس، فلفظ أخبرنا متعد إلى ثلاثة مفاعيل: الأول نا،
стр. 40
والأخيران جملة أنه سأله، فقال أبو هريرة ﵁، قال أبو عمر ابن عبد البر: وقف هذا الحديث رواة الموطأ والمواقيت لا تؤخذ بالرأي ولا تدرك بالتوقيف، يعني هذا الحديث موقوفًا لفظًا مرفوع حكمًا، وقد روى حديث المواقيت مرفوعًا بأتم من طريق عبد الله بن رافع، أخرجه النسائي بإسناد صحيح عن أبي هريرة كما قاله الزرقاني (١).
أنا أخْبِرُك: فتقديم المسند إليه للتخصيص ردٌ على من زعم انفراد غير المسند إليه المذكور بالخبر الفعلي، أو زعم مشاركة غير المسند إليه معه في الخبر الفعلي فيكون قصر القلب إذا كان الرد زعم من زعم انفراد غير أبي هريرة في الخبر كأنس بن مالك مثلًا يقول لعبد الله بن رافع: أنا أخبرك، صلِّ الظهر إذا كان ظلك مثلك أو قصر أفراد إذا كان الرد زعم من زعم أن غير أبي هريرة ﵁ مشاركة معه في الخبر مثل: نحن نخبرك يا عبد الله بن رافع، صل الظهر إذا كان ظلك مثلك كما قاله السعد الدين التفتازاني في (شرح التلخيص): صلِّ الظهر إذا كان ظلُك، أي: مثلًا مثلك، أي: مقدار قامتك يعني: صل الظهر إذا كان ظل كل شيء مثله في الطول سوى ظل الزوال، وعلى تقدير أمره إذا صلى في آخر وقت الظهر جوازًا كما أشار إلى أول الوقت جوازًا بقوله: والعصر، أي: صل صلاة العصر، إذا كان ظلك مثلَيْك، أي: مثلي قامتك من غير فيء، والزوال، أي: ظله وهذا بظاهره يؤيد قول مالك بالاشتراك وفيه تنبيه على أنه بين الوقتين وقت مهمل كما هو رواية الحسن عن أبي حنيفة ﵀، والمغرب، أي: صل المغرب إذا غَرَبَتِ الشمسُ. وأوله هو الوقت المختار عند الكل، والعشاءَ بالنصب ما بينك، أي: ما بين وقتك من غروب الشفق، قيل لعله صحَّف بقوله: ما بينه وبين ثُلثُ الليل، بضمتين وتسكين الثاني وهو الوقت المختار، وإلا فوقت جوازه إلى آخر الليل وكذا وقت الوتر، وهو أي: الوتر تابع للعشاء، فإن نِمْت بسكر النون، أي: رقدت من أول العشاء قبل أداءها إلى نصف الليل فلا نامتْ عيناك، وهذا دعاء عليه لما فعل من المكروه، وهو تأخير العشاء عن وقته الأفضل مع نومه على أن السهر في ذلك الوقت هو الأكمل أو أخبار يعني (ق ١١)، أن أبا هريرة ﵁ لكمال اعتماده وحسن ظنه على عبد الله بن رافع بأنه لا يرقد في فراشه بعد نصف الليل قال له: فإن نمت إلى نصف الليل فلا نامت عيناك،