والمغارب الإِمام الأعظم (ق ٨)، والهُمام الأكرم: أبا حنيفة نعمان بن ثابت بن طاوس بن هرمز بن ملك بن شيبان الكوفي, وأخذ الفقه والحديث عنه قبل الحُلُم وبعده، فلما مات أستاذه أبو حنيفة، أخذه عن شريكه: أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم بن خبيب بن ختير بن سعد بن حبة, وعن: مالك بن أنس بن مالك بن عمير بن أبي عامر الأصبحي, وغيرهم من ثلاث وأربعين رجلًا أخرج عنهم محمد في (موطئه) ألف حديث، وقال: قد أقمتُ على مالك ثلاث سنين وجمعت منه سبعمائة حديث.
قوله: قال محمد بن الحسن، أوقع الماضي موضع المستقبل لقوة رجائه, أو لإظهار الرغبة في حصوله، وإن لم يكن حاصلًا، أو ليحكي به عن الفراغ، أو لتقدم المقول في الوجود كما قال المناوي في (شرح الشمائل للترمذي).
* * *
١ - قال محمد بن الحسن: أخبرنا مالكٌ، عن يَزيدَ بنِ زياد، مولى لبني هاشم، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمةَ زوج النبي ﷺ ، عن أبي هريرة، أنَّه سأَلهُ عن وقْت الصلاة؟ فقال أبو هريرة: أنا أخْبِرُك: صلِّ الظهر إذا كان ظلُك مثلَك، والعصر إذا كان ظلُك مثلَيْك، والمغربَ إذا غَرَبَتِ الشمسُ. والعشاءَ ما بينك وبين ثُلثُ الليل، فإن نِمْت إلى نصف الليل فلا نامتْ عَيْنُك، وصلّ الصبح بِغَلَسٍ (١).
قال محمد: وهذا قول أبي حنيفة في وقت العصر، وكان يرى الإِسْفَار بالفجر، وأما في قولنا: فإنَّا نَقُولُ: إذا زاد الظل على المِثْلِ فصار مثلَ الشيءِ وزيادةً من حين زالت الشمس فقد دخل وقتُ العصر.
وأما قول أبو حنيفة فقال: لا يدخل وقت العصر حتى يصيرَ الظل مِثْليهِ.
• أخبرنا مالكٌ, بن أنس بن مالك بن عمير بن أبي عامر بن الحارث بن عثمان بن حنبل
стр. 37
ابن عمرو بن الحارث، من بني حمير نسبًا الأصبحي، وهو صاحب المذهب، إمام الحجاز، بل للناس في الحدث والفقه، هو الإمام المشهور من الأئمة الأربعة، كان في الطبقة السابعة من طبقات كبار التابعين، والمحدثين من أهل المدينة، ولد سنة تسعين وثلاث، ومات سنة تسع وسبعين ومائة، كذا قاله الذهبي في (الكاشف) (١).
وقال بعض المؤرخين كالواقدي: كان الإِمام مالك ابن تسعين سنة، ومكث في بطن أمه ثلاث سنين، ووهم بعضهم أن أنس أبا مالك الإمام الحجاز أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ وليس كذلك؛ لأن أبا أنس خادم رسول الله ﷺ مالك بن النضر بن ضمضم الخزرجي، وأبا الإِمام مالك بن ضمضم الخزرجي، وأبا الإِمام مالك أنس بن مالك بن عمير أبي عامر الأصبحي، وهو خلاف الخزرجي، والأصبح ملك من ملوك اليمن يقال له: ذو أصبح، كما قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي (٢).
قال النووي: قد جرت العادة بالاختصار على الرمز في أخبرنا وحدثنا، واستمر الاصطلاح من قديم الأعصار إلى زماننا هذا، واشتهر بذلك بحيث لا يخفى فيكتبون من أخبرنا: أنا، زاد ابن الصلاح فيه: أرنا، وزاد الشيخ الجزري فيه: أبنا ورنا، ونقل بعض عنه أنه قال في وجوه اختصار أخبرنا: بنا أيضًا بالموحدة والنون، ويكتبون من حدثنا: ثنا بالثاء والنون والألف، وربما حذفوا المثلثة ويقتصرون بالنون والألف، وربما يكتبون: دنا بالدال المهملة قبل نا. انتهى.
ويُفهم من كلام ابن الصلاح وابن العراقي أنهم يكتبون في هذا: دثنا بزيادة المثلثة أيضًا، قال ابن الصلاح: وليس بحسن ما يفعله طائفة من كتابة: أخبرنا بالألف مع علامة: بنا فيكون: أبنا، وإن كان الحافظ البيهقي ممن فعله، قال ميرك: وكان وجه عدم الحسن أنه ربما يشتبه باختصار أنبأنا، فإنهم يقتصرونه بأبنا، واعلم أنه لا فرق بين التحديث والإِخبار والإنباء والسماع عند المتقدمين كالزهري ومالك وابن عيينة ويحيى القطان وأكثر الحجازيين والكوفيين، وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه، وعليه استمر عمل أهل المغاربة.
стр. 38
وروى بعض المتأخرين كأئمة الحلواني وغيره إلى حافظ الدين البخاري التفرقة بين صيغ الأداء بحسب افتراق التحمل فيخصون الحديث والسماع بما يلفظ به الشيخ وسمع الراوي عنه، والأخبار بما (ق ٩) يقرأ به التلميذ على الشيخ، وهذا مذهب ابن جريج والأوزاعي والشافعي وجمهور أهل المشرق، ثم أحدث أتباعهم تفصيلًا آخر، فمن سمع وحده من لفظ الشيخ أفرد فقال: حدثني وسمعت، ومن سمع مع غيره جمع فقال: حدثنا وسمعنا، ومن قرأه بنفسه على الشيخ أفراد فقال: أخبرني، ومن سمع بقراءة غيره جمع فقال: أخبرنا، وكذا خصوا الإنباء بالإِجازة التي يشافه بها الشيخ من يجيزه، وكل هذا مستحسن عندهم، وليس بواجب عندهم، وإنما أرادوا التمييز بين أحوال التحمل وظن بعضهم أن ذلك على سبيل الوجوب فتكلف بالاحتجاج له وعليه بما لا طائل تحته، نعم يحتاج المتأخرون إلى مراعاة الاصطلاح المذكور؛ لأنه صار حقيقة عرفية عندهم، فمن يجوز عنها احتاج إلى الإِتيان بقرينة تدل على مراده وإلا، فلا يُؤمن من اختلاط المسموع بالمجاز وبعد تقرر الاصطلاح ولا يحتمل ورد من ألفاظ متأخرين على محل واحد بخلاف المتقدمين، هذا واختلفوا في القراءة على الشيخ: هل تساوي السماع من لفظه، أو هي دونه، أو فوق؟ على ثلاثة أقوال، فذهب مالك وأصحابه ومعظم أهل الحجاز والكوفة والنجار إلى التسوية بينهما، وذهب أبو حنيفة وابن أبي ذئب إلى ترجيح القراءة على الشيخ على السماع من لفظه، ورواه الخطيب في (الكفاية) عن مالك أيضًا والليث بن سعد، وشعبة وابن لهيعة ويحيى بن سعيد ويحيى بن عبد الله بن بكير وغيرهم، وذهب جمهور أهل المشرق إلى ترجيح السماع من لفظ الشيخ على القراءة عليه.
قال زين الدين العراقي: وهو الصحيح، قلت: ولعل وجهه أن النبي ﷺ كان يقرأ القرآن والحديث على أصحابه، فيأخذون عنه، وكذا كانوا يؤدونها إلى التابعين وأتباعهم، كذا قاله علي القاري في (شرح الشمائل).
قال الكرماني: إنه إذا قرأ الشيخ على التلميذ يقال: حدثنا، وإذا قرأ هو على الشيخ يقال: أخبرنا، كما مر عن يزيد متعلق بأخبرنا حال من الفاعل المذكور، أو المفعول المقدر، أي: أخبرنا مالك هذا الحديث حال كونه راويًا عن يزيد أو مرويًا عنه، وجوز كونه استينافًا بيانيًا جوابًا لمن سئل عمن يحدثه، كذا قاله في (شرح الشمائل)، وهو بالتحتية المفتوحة والزاي المعجمة والتحتية الساكنة وبعدها دال مهملة غير منصرف للعلمية ووزن الفعل
стр. 39
ابن زياد بكسر الزاي المعجمة والتحتية المخففة، وبعدها ألف ودال مهملة.
اعلم أن كلمة عن في اصطلاح المحدثين محتملة للسماع والإِجازة، لكنَّ عنعنة المعاصر محمولة على السماع، سواء ثبت الملقى بينهما أم لا عند الجمهور، خلافًا للبخاري؛ حيث يشترط الملقى ولا شبهة في ثبوت الملقى بين الإِمام محمد بن الحسن ومشايخه الكرام، فتنبه في هذا المقام. كما روى أبو حنيفة نعمان بن ثابت عن حماد بن مسلم أبي سليمان الأشعري مولى إبراهيم بن أبي موسى الأشعري، تابعي كوفي سمع عن إبراهيم النخعي، كذا قاله علي القاري في (شرح المسند لأبي حنيفة).
قال في (القاموس): النخعي محركة قبيلة في اليمن، انتهى، وهو، أي: يَزيدَ بنِ زياد، مولى، أي: من قبيلة بني هاشم.
قال عبد الرحيم بن الحسين العراقي في (شرح الألفية من أصول الحديث): ومن المهمات للمحدثين معرفة الموالي من العلماء والرواة، وأهم ذلك أن ينسب إلى القبيلة مولى لهم مع إطلاق النسب، فربما ظن أنه منهم صلبية بحكم ظاهر الإِطلاق .. انتهى.
وكان (ق/ ١٠) يزيد بن زياد دمشقيًا ثقة يروي عن: الزهري وسليمان بن حبيب، وعنه: وكيع وأبو نعيم، وكان من الطبقة الخامسة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل دمشق، وهي كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة من وجه الأرض، مات سنة ست وثلاثين بعد المائة من الهجرة (١).
عن عبد الله بن رافع أي: ابن خديج، بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة، وسكون التحتية فالجيم، المخزومي مولى أي: معتق. أم سلمةَ قيل: اسمها هند ﵂، زوج النبي ﷺ ، يُكنى أبا رافع المدني، ثقة كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وكانت أم سلمة بنت أربع وثمانين سنة، وماتت سنة تسع وخمسين من الهجرة، ودفنت بالبقيع، عن أبي هريرة، ﵁، أنه أي: أن عبد الله بن رافع بن خديج، سأَلهُ، أي: أبا هريرة عن وقْت الصلاة؟ أي: الواحدة أو الجنس، فلفظ أخبرنا متعد إلى ثلاثة مفاعيل: الأول نا،
стр. 40
والأخيران جملة أنه سأله، فقال أبو هريرة ﵁، قال أبو عمر ابن عبد البر: وقف هذا الحديث رواة الموطأ والمواقيت لا تؤخذ بالرأي ولا تدرك بالتوقيف، يعني هذا الحديث موقوفًا لفظًا مرفوع حكمًا، وقد روى حديث المواقيت مرفوعًا بأتم من طريق عبد الله بن رافع، أخرجه النسائي بإسناد صحيح عن أبي هريرة كما قاله الزرقاني (١).
أنا أخْبِرُك: فتقديم المسند إليه للتخصيص ردٌ على من زعم انفراد غير المسند إليه المذكور بالخبر الفعلي، أو زعم مشاركة غير المسند إليه معه في الخبر الفعلي فيكون قصر القلب إذا كان الرد زعم من زعم انفراد غير أبي هريرة في الخبر كأنس بن مالك مثلًا يقول لعبد الله بن رافع: أنا أخبرك، صلِّ الظهر إذا كان ظلك مثلك أو قصر أفراد إذا كان الرد زعم من زعم أن غير أبي هريرة ﵁ مشاركة معه في الخبر مثل: نحن نخبرك يا عبد الله بن رافع، صل الظهر إذا كان ظلك مثلك كما قاله السعد الدين التفتازاني في (شرح التلخيص): صلِّ الظهر إذا كان ظلُك، أي: مثلًا مثلك، أي: مقدار قامتك يعني: صل الظهر إذا كان ظل كل شيء مثله في الطول سوى ظل الزوال، وعلى تقدير أمره إذا صلى في آخر وقت الظهر جوازًا كما أشار إلى أول الوقت جوازًا بقوله: والعصر، أي: صل صلاة العصر، إذا كان ظلك مثلَيْك، أي: مثلي قامتك من غير فيء، والزوال، أي: ظله وهذا بظاهره يؤيد قول مالك بالاشتراك وفيه تنبيه على أنه بين الوقتين وقت مهمل كما هو رواية الحسن عن أبي حنيفة ﵀، والمغرب، أي: صل المغرب إذا غَرَبَتِ الشمسُ. وأوله هو الوقت المختار عند الكل، والعشاءَ بالنصب ما بينك، أي: ما بين وقتك من غروب الشفق، قيل لعله صحَّف بقوله: ما بينه وبين ثُلثُ الليل، بضمتين وتسكين الثاني وهو الوقت المختار، وإلا فوقت جوازه إلى آخر الليل وكذا وقت الوتر، وهو أي: الوتر تابع للعشاء، فإن نِمْت بسكر النون، أي: رقدت من أول العشاء قبل أداءها إلى نصف الليل فلا نامتْ عيناك، وهذا دعاء عليه لما فعل من المكروه، وهو تأخير العشاء عن وقته الأفضل مع نومه على أن السهر في ذلك الوقت هو الأكمل أو أخبار يعني (ق ١١)، أن أبا هريرة ﵁ لكمال اعتماده وحسن ظنه على عبد الله بن رافع بأنه لا يرقد في فراشه بعد نصف الليل قال له: فإن نمت إلى نصف الليل فلا نامت عيناك،
стр. 41
حتى قال بعضهم: إن الوقت المختار هو نصف الليل، وقيد نصفه في الشتاء لطول ليله، وثلثه في الصيف لقصر ليله، جمعًا بين الروايتين وفي (مسند البزار) عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "من نام قبل العشاء فلا نامت عيناه"، وصلّ الصبح، أعاد العامل اهتمامًا أو لطول الفصل بالكلام، بِغَلَسٍ، بفتح الغين المعجمة واللام، وبعدها سين مهملة، أي: ظلمة آخر الليل إذا اختلط بضوء الصباح، وأشار أبو هريرة ﵁ فيه إلى وقت الجواز اتفاقًا على اختلاف في الوقت المختار، وهو عندنا الإِسفار كما قاله المصنف ﵀ في (الآثار)، ولا خلاف في سنية التغليس بفجر مزدلفة.
قال محمد بن الحسن, أي: في تفسير هذا الحديث: وهذا وفي نسخة: لم توجد الواو، أي المعنى المذكور في حديث أبي هريرة ﵁، قول أبي حنيفة ﵀، أي: بظاهره، في وقت العصر، أي: على خلاف قول الجمهور على ما سيأتي، وكان يرى أي: والحال أن أبا حنيفة يختار وقت الإِسْفَار أي: البياض الخالص بالفجر لحديث: "أسفروا بالفجر فإنه أعظم الأجر" (١)، رواه الترمذي وغيره، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وتأويله: بأن المراد تبيين الفجر حتى لا يكون شك في طلوعه، إذ ما لم يتبين لا يحكم بجواز الصلاة، فضلًا عن إصابة الأجر، على أن في بعض رواياته ما ينفيه، وهو "أسفروا بالفجر، فكلما أسفرتم بالفجر فهو أعظم للأجر"، وروى الطحاوي بإسنادٍ صحيح عن الأعمش عن إبراهيم قال: ما اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ على شيء كما اجتمعوا على التنوير، ولا يجوز اجتماعهم على خلاف ما فارقهم رسول الله ﷺ ، فيكرم كونه ينسخ التغليس المروي عن حديث عائشة ﵂ المذكور في حديث مسلم: كان يصلي الصبح فتنصرف النساء متلفعات؛ أي مشتملات بمروطهن ما يُعرفن من الغلس (٢)، وهو جمع: مِرط بالكسر وسكون الراء، هو ثوب تلبسه المرأة فوق
стр. 42
ثيابها. أما حديث ابن مسعود في الصحيحين فظاهر فيما ذهبنا إليه، وهو: ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة إلا لميقاتها، إلا صلاتين: صلاة المغرب والعشاء بجمع، وصلى الفجر يومئذٍ قبل ميقاتها مع أنه كان بعد الفجر إجماعًا، فعلم أن المراد قبل ميقاتها الذي اعتاد الأداء فيه؛ لأنه غلس يومئذٍ لتمتد وقت الوقوف فأفاد أن المعتاد كان غير التغليس إلا أنه يبعد النسخ؛ لأنه يقتضي سابقة وجود المنسوخ، وقوله: ما رأيت، يفيد أن لا سباقة له، فالأولى حمل التغليس على الغلس داخل المسجد لا حجرتها ﵂، كانت فيه، وكان بسقفه عريشًا متقاربًا، ونحن نشاهد الآن أنه يظن قيام الغلس داخل المسجد فإن صحتها قد انتشرت فيه ضوء الفجر وهو الإِسفار، وإنما وجب (ق ١٢)، هذا الاعتبار لما وجب من ترجيح رواية خصوصًا مثل ابن مسعود ﵁، فإن الحالة: اكشف لهم في صلاة الجماعة، هذا خلاصة كلام الإِمام ابن الهمام. وقال الطحاوي: الذي ينبغي أن يكون الدخول في الفجر وقت الغلس والخروج منها في وقت الإِسفار، يعني جمعًا بين الآثار، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، لكن الذي ذكره الأصحاب عن الثلاثة أن الأفضل أن يبدأ بالإِسفار ويختم به، وهو الذي يفيد اللفظ فإن الإِسفار بالفجر إيقاعها فيه وهو اسم لمجموعها فيلزم إدخال مجموعها فيه، وأما قولنا: يعني محمد نفسه وأبا يوسف معه، فإنَّا نَقُولُ: إذا زاد الظل على المِثْلِ أي: قدر الفيء، وهو بفتح الفاء وسكون التحتية والهمزة في اللغة: الرجوع، وفي العرف: ظل راجع من الغرب إلى المشرق حين يصبح على خط نصف النهار كما ورد في (درر الغرر) فصار أي: الظل، مثلَ الشيءِ أي: قدره، وزيادةً وهي كمية الفيء باختلاف الفصول والأمكنة من حين أي: من أول وقت زالت الشمس أي: مالت من جانب شرقها إلى طرف غربها، فقد دخل وقتُ العصر أي: أوله، وعليه الجمهور.
وأما أبو حنيفةَ ﵀ فإنه قال: لا يدخل وقت العصر حتى يصيرَ الظل مِثْليهِ، أي: قدري الشيء سوى الفيء، لهذا الحديث وغيره من الأحاديث، وهو الأحوط، فإن قيل: هذا البيان مخالف لبيان الفقهاء، فإنهم بينوا أولًا وقت صلاة الفجر، وثانيًا وقت الظهر، وثالثًا وقت العصر، ورابعًا وقت المغرب، وخامسًا وقت العشاء والوتر، والمصنف ﵀ بيَّن أولًا وقت الظهر، أجيب عنه: فإنه قدم بيان وقت الظهر اتباعًا لأبي هريرة ﵁، فإنه أجاب السائل حين سأله أولًا عن وقت الظهر، فأجاب أبو هريرة
стр. 43
رضي الله عنه أولًا عن وقت الظهر ليطابق الجواب بالسؤال، وعطف الجواب عن سؤال وقت العصر وغيره على جواب السؤال عن وقت الظهر عطفًا طفيليًا أو يقال: أجاب أبو هريرة ﵁ على أسلوب الحكيم فإن السائل سأله عن وقت الصلاة مطلقًا، فأجاب أبو هريرة بأول صلاة فرضت على رسول الله ﷺ ، فإن أول صلاة فرضت على رسول الله ﷺ صلاة الظهر، وأول صلاة صلاها رسول الله ﷺ صلاة الظهر، كما قاله جلال الدين السيوطي في (الأوليات).
قيل: أول من صلى الظهر إبراهيم ﵇، فإنه صلى ركعة لإزالة الغم عن ذبح ابنه وشكرًا له، وركعة شكرًا لنزول الفداء لابنه، وركعة رضاء لقوله تعالى له: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٥]، وركعة لإِطاعة ابنه حين قال له: ﴿يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات: ١٠٢]، وقال له ابنه: ﴿يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، فجعلها الله تعالى لأمة محمد ﷺ كفارات ودرجات، وقيل: أول من صلى صلاة الفجر آدم صلوات الله على نبينا وعليه - حين تاب الله عليه وقت طلوع الفجر، فصلى ركعتين شكرًا لزوال ظلمة الليل، وشكرًا لحصول نور النهار وقبول التوبة، فجعلها الله تعالى لأمة محمد ﷺ كفارات وحسنات، كما ورد في (تفسير سورة الفاتحة)، وقيل: أول من صلى صلاة العصر أربع ركعات (ق ١٣) يونس - صلوات الله على نبينا وعليه - حين أنجاه الله تعالى من أربع ظلمات صلى ركعة شكرًا لخلاصه من ظلم الليل، وركعة شكرًا لخلاصه من ظلم بطن الحوت، وركعة شكرًا لخلاصه من ظلم الذلة، وركعة شكرًا لخلاصه من ظلم الماء، فجعلها الله لأمة محمد ﷺ كفارات ودرجات, وقيل: أول من صلى صلاة المغرب عيسى ابن مريم - صلوات الله على نبينا وعليه - حين رفعه الله تعالى وأنجاه من شر اليهود بعد غروب الشمس، فصلى ثلاث ركعات شكرًا لله تعالى لنجاته من الأعداء، وارتفاعه إلى السماء، وفراغه من تدبير المعاش، فجعلها الله لأمة محمد ﷺ كفارات ودرجات، كما في (الأوليات).
وقيل: أول من صلى العشاء أربع ركعات: موسى - صلوات الله على نبينا وعليه - حين خرج من المدين وانفصل من عند شعيب - صلوات الله على نبينا وعليه - وأصيب في
стр. 44
الطريق أربع غموم وهموم: غم لضلاله عن الطريق، وغم لقرب زوجته وضع حملها، وغم لأخيه هارون ﵇، وغم من عدوه فرعون، وأن الله تعالى ناداه بقوله: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى ...﴾ الآية [طه: ٨٠] , وأنجاه من غمومه، فصلى موسى - صلوات الله على نبينا وعلينا - أربع ركعات في وقت العشاء شكرًا لخلاصه من غمومه، وهي كانت نافلة له، فرضًا علينا كما في (الفرائد شرح الملتقى).
وقيل: أول من صلى الوتر رسول الله ﷺ صلاها ليلة المعراج عند وصوله إلى عرش الرحمن كان أوصاه صاحبه أبو بكر الصديق ﵁ حين بشر الله رسوله بالمعراج في قوله: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩]، أي: لتصعدن يا محمد طبقًا من أطباق السماء بعد طبق ليلة المعراج، وهذا المعنى على قراءة بفتح الباء الموحدة، فقال أبو بكر: يا رسول الله، إذا عرجت إلى السماء، صل لي ركعة فعرج فصلى لنفسه ركعة، وللصديق ركعة، وأمره الله أن يصلي له ركعة، فقام فلما قرأ فاتحة الكتاب وسورة معها وأراد أن يركع فاطلع إلى النار وإلى أهلها فغُشي عليه، على بناء المفعول، فنشر جبريل ماء الكوثر عليه، فلما أفاق كبَّر وقنت واستعاذ بالله من النار ومن أهلها، فما صلى لنفسه صارت سُنَّة وما صلاها لصاحبه صارت فضيلة الفرض والواجب والسنة كما قاله جلال الدين السيوطي في (الأوليات).
قولنا: فغشى عليه، أي: صار مغمى عليه، والإِغماء: نوع مرض يضعف القوى ولا يزيل العقل، ولهذا جاز الإِغماء على الأنبياء ﵈، دون الجنون، كما قاله صاحب (الفرائد) في (شرح الملتقى)، لما بين أوقات الصلوات الخمس على الانفراد بين وقت صلاة العصر مرة أخرى اهتمامًا لشأنها، أو بيان أنها في وقت الاشتغال، وأنها تجوز في هذا الوقت.
стр. 45
٢ - أخبرنا مالك، أخبرني ابن شهابٍ الزُّهرِيُّ، عن عُرْوَة قال: حدَّثَتْني: عائشةُ: أن رسول الله ﷺ كان يصلي العصرَ والشمسُ في حُجْرتِهَا قبل أن تَظْهَرَ (١).
• فقال: قال محمد بن الحسن كذا في نسخة، وفي نسخة أخرى: محمد قال، وفي هذه النسخة نكتة وهي: أن تقديم المسند إليه لكونه أصلًا؛ لأنه محكوم عليه ولا بد من تحققه قبل الحكم فقصدوا أن يكون مقدمًا في اللفظ والمعنى كما في (شرح التلخيص): أخبرنا كذا في نسخة، وفي نسخة: ثنا مختصرًا عن حدثنا مالك بن أنس، أخبرني بالإِفراد، وفي نسخة عن ابن شهابٍ بكسر أوله الزُّهرِيُّ بضم الزاي (ق ١٤) المعجمة منسوب إلى بني زهرة بن كلاب، اشتهر بالنسب إليهم، وهو أبو بكر محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب، أحد الفقهاء المجتهدين والعلماء الأعلام من التابعين، ومن الطبقة الرابعة من أهل المدينة المشار إليه في فنون العلوم الشرعية، سمع نفرًا من الصحابة، وروى عنه خلق كثير منهم قتادة ومالك بن أنس.
قال عمر بن عبد العزيز بن مروان: لا أعلم أحدًا أعلم بسنة ماضية منه، وقيل لمكحول: مَنْ أعلم من رأيت؟ قال: ابن شهاب، قيل: ثم من؟ قال: ابن شهاب، مات في شهر رمضان سنة أربع وعشر ومائة (٢)، عن عُرْوَة أي: ابن الزبير بن العوام، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، سمع أباه وأمه وعائشة وغيرهم من أكابر الصحابة ﵃، وروى عنه ابن هشام والزهري وغيرهما، ولد سنة اثنتين وعشرين، وهو من كبار التابعين، وهو أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة (٣)، قال: أي: عروة، حدَّثَتْني وفي الموطأ برواية يحيى بن يحيى التميمي عن مالك بن أنس، وفي (صحيح البخاري): ولقد حدثتني عائشةُ ﵂، أن رسول الله ﷺ كان يصلي صلاة العصرَ والحال الشمسُ وجدت في حُجْرتِهَا، أي: في داخل بيت عائشة ﵂.
стр. 46
قال السيوطي: والحجرة: بضم الحاء المهملة وسكون الجيم: البيت يسمى بها لمنعها المال، أي: وحول الأغيار من الرجال، وإيثار المضارع في موضع الماضي، والعدول مما يقتضيه الظاهر، وهو قد صلى إلى الماضي وهم قد صلى إلى المضارع، وهو يصلي لاستحضار تلك الحال في نظر أرباب الكمال كما قال علي القاري في (شرح حديث الأربعين)، والظرف في قوله: قبل أن تَظْهَرَ، أي: الشمس متعلق إلى يصلي، والمعنى: صلى رسول الله ﷺ صلاة العصر قبل أن ترتفع الشمس من جدار بيتها وتخرج منها، وهذا قد يختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة، وفي رواية أبي داود عن أنس ﵁: كان رسول الله ﷺ يصلي صلاة العصر والشمس بيضاء مرتفعة حية، والمقصود منه: أنه كان يصلي في وقت الاختيار قبل وقت الكراهة من حال الاصفرار.
قال جلال الدين السيوطي نقلًا عن ابن حجر العسقلاني: مناسبة الحديث أن عمر بن عبد العزيز بن مروان الخليفة الصالح أبو حفص، خامس الخلفاء الراشدين، كان أميرًا في زمن الحجاج بن يوسف بالمدينة أو بالشام وقعد على المنبر من طين واعظًا للناس، وقال: يا أيها الناس، أصلحوا أسراركم تصلح علانيتكم، واعملوا العصر عن وقتها المستحب المرغوب، فحدثه عروة بن الزبير قال: قد حدثني أبو منصور الأنصاري وبشر بن مسعود، كلاهما قد صحب النبي ﷺ : أن جبريل ﵇ جاء إلى النبي ﷺ حين دلكت الشمس، فقال: يا محمد، صل الظهر، فصلى، ثم جاءه حين كان ظل كل شيء مثله فقال: يا محمد، صل العصر، فصلى، ثم جاءه حين غربت الشمس فقال: يا محمد صل المغرب، فصلى، ثم جاءه حين غاب الشفق فقال: يا محمد، صل العشاء فصلى، ثم جاءه (ق ١٥)، حين انشق الفجر الثاني فقال: يا محمد، صل الصبح، فصلى، حين جاءه الغد حين كان ظل كل شيء مثله، فقال: يا محمد صل الظهر، فصلى، ثم جاءه حين كان ظل كل شيء مثليه، فقال: يا محمد، صل العصر، فصلى، ثم أتاه حين غربت الشمس، فقال: يا محمد، صل المغرب، فصلى، ثم أتاه حين ذهبت ساعة من الليل فقال: يا محمد، صل العشاء، فصلى، ثم أتاه حين أضاء الفجر وأسفر وابيض خالصًا، فقال: يا محمد، صل الصبح، فصلى، ثم قال: ما بين هذين وقت يعني أمس واليوم. قال عمر بن عبد العزيز لعروة: أجبريل أتاه؟ قال: نعم.
وفي الحديث من الفوائد: دخول العلماء على الأمراء وإنكارهم عليهم ما يخالف
стр. 47
السنة، واستثبات العالم فيما يستقر به السامع، والرجوع عند التنازع للسنة، وفضيلة عمر بن عبد العزيز، والمبادرة بالصلاة في أول الوقت الفاضل، وقبول الخبر الواحد المثبت، كما قاله الزرقاني في (شرح الموطأ) (١) لأبي عبد الله الإمام مالك بن أنس اتباع التابعين.
* * *
٣ - أخبرنا مالك، أخبرني ابن شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، عن أنس بن مالك أنَّه قال: كنا نصلي العصرَ، ثم يَذْهب الذاهب إلى قُباءَ والشمسُ مرتفعة.
• قال محمد: كذا في نسخة، وفي نسخة أخرى: محمد قال: أخبرنا كذا في نسخة، وفي نسخة: حدثنا، وفي نسخة أخرى: ثنا، ومن إلى حدثنا مالك قال: أي: مالك بن أنس بن مالك بن عمير بن أبي عامر الإمام الأصبحي، يعني: منسوب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، كان في الطبقة السابعة من طبقات كبار أتباع التابعين، أخبرني بالإِفراد ابن شِهَابٍ محمد بن مسلم الزُّهْرِيُّ ثقة فقيه كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، كان في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، عن أنس بن مالك، ﵁، وهو خادم رسول الله ﷺ ، وليس هو أبا مالك بن أنس كما توهم، فإن قيل: لم ترك حرف العطف، ولم يقل: وقال محمد، أو أخبرنا مالك، قلت: للإشعار بأن هذا الحديث الذي رواه عن مالك عن ابن شهاب الزهري عن أنس بن مالك ﵁ كالنتيجة، أو كالدليل، أو كالاستئناف، أو كالتأكيد للحديث المقدم الذي رواه بالواسطة عن عائشة ﵂ أنَّه أي: أنس، قال: كنا نصلي العصرَ، مع النبي ﷺ ثم يَذْهب الذاهب ماشيًا أو راكبًا.
قال الحافظ: كأن أنس بن مالك أراد بالذاهب نفسه كما يشعر به رواية أبي الأبيض عن أنس: كان النبي ﷺ يصلي لنا العصر والشمس بيضاء محلقة، ثم أرجع إلى قومي في ناحية المدينة فأقول لهم قوموا فصلوا فإن رسول الله ﷺ قد صلى. رواه النسائي
стр. 48
والطحاوي واللفظ له. إلى قُباءَ أي: قبل دخول الليل، وهو بضم القاف وموحدة، قال النووي: بمدٍ ويقصر، ويصرف ولا يصرف، ويذكر ويؤنث، والأفصح فيه التذكير، والصرف، والمد، وهو على ثلاثة أميال من المدينة، فيأتيهم أي: الذاهب إلى أهل قباء بقومه في ناحية المدينة، والحال: الشمسُ مرتفعة، أي: ظاهرة غير غائبة.
* * *
٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك قال: كنا نصلي العصرَ، ثم يخرجُ الإِنسان إلى بني عَمْرو بن عوف فيجدُهم يُصلُّون العصر.
قال محمد: تأخير العصر أفضل عندنا من تعجيلها إذَا صَلَّيْتها والشمسُ بيضاء نقية لم تدخلها صُفْرَةٌ، وبذلك جاءَت عامَّة الآثار. وهو قولُ أبي حنيفة.
وقال بعض الفقهاء: إنَّما سُمِّيَتِ العصر؛ لأنها تُعْصَرُ وتُؤخَّرُ.
• قال محمد: كذا في نسخة، وفي نسخة أخرى: محمد، قال: أخبرنا كذا في نسخة، وفي نسخة: ثنا رمزًا إلى حدثنا كما في نسخة، مالك كذا في نسخة، وفي نسخة أخرى: مالك بن أنس، قال: أخبرنا كذا في نسخة، وفي نسخة أخرى: حدثنا، وفي نسخة أخرى: ثنا (ق ١٦)، إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة: زيد بن سهل الأنصاري المدني التابعي، ثقة حجة مات سنة اثنين وثلاثين ومائة (١)، عن أنس بن مالك ﵁، وهو ابن النضر الأنصاري الخزرجي خادم رسول الله ﷺ عشر سنين، مات سنة اثنين وقيل: ثلاث وتسعين، وقد جاوز المائة، قال: كنا نصلي صلاة العصرَ مع رسول الله ﷺ في مسجد المدينة، قال ابن عبد البر: هذا يدخل عندهم في المسند، وصرح برفعه ابن المبارك وعتيق بن يعقوب الزبيري، كلاهما عن مالك بلفظ: كنا نصلي العصر مع النبي ﷺ . . انتهى.
стр. 49
وهذا اختيار الحاكم أن قول الصحابي: كنا نفعل كذا، مسندًا ولو لم يصرح بإضافته إلى زمن النبي ﷺ ، وقال الدارقطني والخطيب وغيرهما: هو موقوف.
قال الحافظ ابن حجر: والحق أنه موقوف لفظًا مرفوع حكمًا؛ لأن الصحابي أورده في مقام الاحتجاج فيحمل على أنه أراد كونه في زمنه ﷺ ، وقد روى النسائي عن ابن المبارك عن أنس بن مالك الحديث فقال: كنا نصلي العصر مع النبي ﷺ ، ثم يخرجُ الإِنسان أي: أحد منا إلى بني عَمْرو بن عوف، وهم قبيلة كانوا ساكنين قريب المدينة، فيجدُهم يُصلُّون العصر، أي: في آخر الوقت.
قال أبو عمر: معنى الحديث: السعة، وقال النووي: قال العلماء: كانت منازلهم على ميلين من المدينة، وكانوا يصلون العصر في وسط الوقت، لأنهم كانوا يشتغلون بأعمالهم وحروثهم وزروعهم وحوائطهم، فإذا فرغوا من أعمالهم تأهبوا للصلاة، ثم اجتمعوا لها فتأخر صلواتهم بهذا، وهذا الحديث أخرجه البخاري عن القعنبي، ومسلم عن يحيى، كلاهما عن مالك.
قال محمد: تأخير صلاة العصر إلى وقت الاختيار قبل وقت الكراهة، أفضل عندنا، أي: خلافًا للشافعي، فإنه يقول: الأفضل هو التعجيل مطلقًا من تعجيلها، أي: إلا يوم الغيم، إذَا صَلَّيْتها، أي: إن صليت أيها المخاطب صلاة العصر صلها في وقت المختار، ولتكن والشمسُ بيضاء أي: نورًا، نقية، أي: خالصة، لم يدخلها، أي: لم يختلط في بياض نورها صُفْرَةٌ، وبذلك أي: في حق أفضلية تأخير صلاة العصر جاءَت عامَّة الآثار، أي: أكثر الأحاديث، وهو أي: التأخير، قولُ أبي حنيفة؛ ﵀، أي: مختاره الذي تبع به أصحابه، فإن قيل: أين تذهب الشمس إذا غربت؟ الجواب: ما ورد في صحيح مسلم وغيره عن أبي ذر الغفاري ﵁، قال: كنتُ عند رسول الله ﷺ في المسجد عند الغروب فقال: "يا أبا ذر، أتدري أين تذهب هذه الشمس؟ " قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "إنها تذهب فتسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، فيقال لها: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨]، ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨]. كما في (خواتم الحكم). وقد قال بعض
стр. 50
الفقهاء، أي: ممن لهم مشاركة في تحقيق اللغة، إنَّما سُمِّيَت العصر، أي: صلاة العصر؛ لأنها تُعْصَرُ أي: يتبطأ، وتُؤخَّرُ، وفي (الصحاح) قال الكَسائي: جاء فلان (ق ١٧)، عصرًا، أي بطيئًا متأخرًا، قال بعض المفسرين: سمي صلاة العصر عصرًا؛ لأنه إذا صلى العبد صلاة العصر جاء ملك من ملائكة الله تعالى ويعصره، أي يضمه إلى نفسه حتى يُخرج ذنوبه وخطاياه. وروى مسلم وأبو داود والنسائي والحاكم بإسناد حسن عن أبي سلمة عن جابر مرفوعًا، يقولون: سمعنا رسول الله ﷺ يقول: "إن ساعة يوم الجمعة يستجاب الدعوات فيها وهي بعد العصر".
قال بعض المفسرين: ما الحكمة في قسم الله تعالى بصلاة العصر في قوله: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ١، ٢]؟ الجواب: لأنه وقت يعم فيه خيرات الأولياء من طلب العلم، والقراءة، والتسبيح، والصلوات الخمس، وغيرها، فأقسم بها تعظيمًا لخدمة أوليائه وإعلامًا أنهم كرماء وعظماء عند ربهم.
ولما فرغ عما يتعلق بوقوت الصلاة شرع بما يتعلق بالطهارة.
* * *
باب ابتداء الوضوء
فقال: هذا باب ابتداء الوضوء، وهو أي الباب في اللغة: النوع، وفي العرف: نوع من المسائل التي اشتمل عليها الكتاب، كذا قاله الشمني، وهو أي: لفظ باب، بالتنوين على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هذا باب، أو بالوقف، فلاحظ له من الإِعراب أو بالإِضافة إلى ابتداء مضاف إلى الوضوء، والمعنى على التقدير الأول: هذا باب كان في بيان كيفية الشروع بالوضوء، وعلى التقدير الثالث: باب كيفية الشروع بالوضوء مشتمل على أربعة أحاديث، وإضافة الباب إلى ابتداء على التقدير الأول بمعنى: في، وإضافة ابتداء إلى الوضوء من قبيل إضافة الصفة إلى موصوفها، ومناسبة هذا الباب بالباب المتقدم أنهما في بيان بعض شروط الصلاة، لكن قدوم الباب الأول على هذا الباب لكثرة وقوعه بالنسبة إلى هذا الباب، وقوله: الوضوء بالضم الفعل، وبالفتح: الماء الذي يُتوضأ به، وحكي في كل الفتح والضم، وهو مشتق من الوضاءة وهو الحسن والنظافة؛ لأن المصلي يتنظف به فيصير وضيئًا، كذا قاله العسقلاني.
стр. 51
٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا عَمرو بن يحيى بن عُمارة بن أبي حَسَن المازِنيُّ، عن أبيه يحيى؛ أنه سمع جده أبا حسن يسأل عبد الله بن زيد بن عاصم، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال: هل تستطيع أن تُرِيَني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضَّأ؟ قال عبد الله بن زيد: نعم، فَدَعَا بوضوء، فأفْرغَ على يَدَيْه فغسل يديه مرتين، ثم مَضْمَضَ، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يَدَيْه إلى الْمِرْفَقَيْن مرتين مرتين، ثم مسح من مقَدَّم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم رَدَّهما إلى المكان الذي منه بدأ، ثم غسل رجليه.
قال محمد: هذا حَسَنٌ؛ والوضُوء ثلاثًا، أفضلُ، والاثنان يُجْزيان، والواحدة إذا أسبْغَتْ تجزئ أيضًا، وهو قولُ أبي حنيفة.
• قال محمد، كذا في نسخة، وفي نسخة أخرى: محمد قال: أخبرنا، كذا في نسخة، وفي نسخة أخرى: حدثنا، وفي نسخة أخرى: ثنا رمزًا إلى حدثنا، مالك بن أنس قال: أخبرنا وفي نسخة: حدثنا عَمرو، فتح العين، ابن يحيى بن عُمارة، بضم العين وتخفيف الميم، ابن أبي حَسَن، وفي نسخة: أبي الحسن باللام، المازِنيُّ بكسر الزاي المعجمة، من بني مازن بن نجار الأنصاري، وهو صفة عمرو بن يحيى، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة والثلاثين (١)، عن أبيه يحيى؛ أنه سمع جده أبا حسن، قيل: وله صحبة، يسأل اعلم أن سمع يتعدى إلى مفعول واحد إذا دخل على الصوت، نحو: سمعتُ قول زيد، وإلى مفعولين إذا دخل على غيره.
قال عصام الدين: ويجب حينئذٍ أن يكون مفعوله الثاني مضارعًا، فقوله: يسأل، مفعوله الثاني، ومفعوله الأول جده، وأبا الحسن بيان له، وإنما عدل إليه عن سأل الذي هو مقتضى الظاهر استحضارًا لصورة السماع للحاضرين، كأنه يريهم أنه سامع له الآن،
стр. 52
وقيل: إنه حال مبينة، فالتقدير أنه سمع جده حال كونه يسأل عبد الله (ق ١٨) بن زيد بن عاصم، بن كعب الأنصاري المازني، صحابي شهير، روى صفة الوضوء وعدة أحاديث، وشهد بدرًا وما بعدها فيما جزم به أبو أحمد الحنبلي وابن منده، وأخرجه الحاكم في (المستدرك)، وقال ابن عبد البر: شهد أحدًا وغيرها ولم يشهد بدرًا، ويقال: إنه الذي قتل مسيلمة الكذاب واستشهد يوم الحرة سنة ثلاث وستين كما قاله الزرقاني، وكان أبو عبد الله بن زيد بن عاصم من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال: كذا في نسخة، وفي نسخة أخرى: قال، أي: جده أبو الحسن لعبد الله بن زيد: هل تستطيع أن تُرِيَني من الإراءة، أي: تبصرني، أي: تعلمني.
قال الحافظ ابن حجر: وفيه ملاطفة التلميذ لشيخه، وكأنه أراد الإراءة بالفعل ليكون أبلغ في التعليم، وسبب الاستفهام ما قام عنده من احتمال أن يكون معنى ذلك لبعد العهد، كيف كان رسول الله ﷺ يتوضَّأ؟ أي: للصلاة.
قال السيوطي ليحيى بن مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أنه قال لعبد الله بن زيد بن عاصم، وهو جد عمرو بن يحيى، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ : هل تستطيع. . . الحديث.
قال ابن عبد البر: هكذا في (الموطأ) عند جميع رواته رواية رواية، وانفرد به مالك، ولم يقل أحد في عبد الله بن زيد بن عاصم أنه جد عمرو بن يحيى المازني إلا مالك فإنه عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي حسن المازني الأنصاري، لا خلاف في ذلك، ولجده أبي حسن صحبة فيما ذكره بعضهم، فعسى أن يكون جده لأمه؛ لأن الأمر ثبت على خلاف ذلك، قوله: كيف، في: كيف كان رسول الله ﷺ ؟ ظرف من الظروف المبنية للزمان الحال؛ لأنه سؤال عن الحال؛ وإنما بني لتضمنه معنى همزة الاستفهام، وعلى الحركة لالتقاء الساكنين، وعلى الفتحة للخفة ولفظ: كان زائدة مجازًا كما في قوله تعالى في سورة مريم: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا)﴾ [مريم: ٢٩]، جيء به لتحسين اللفظ، والعامل في محله النصب لفظ يتوضأ مؤخرًا، وقدم على عامله؛ لأن فيه معنى همزة الاستفهام، وهو يقتضي الصدارة، والمعنى: هل تستطيع أن تريني وضوء رسول الله ﷺ بأي حال وجد؟ قال عبد الله بن زيد: نعم، أستطيع وهو بفتح النون والعين وسكون الميم حرف وعد وإعلام بعد الاستفهام جوابًا للاستفهام، نحو: هل تعطيني؟ يقال: نعم،
стр. 53
أعطني، كما قاله ابن هشام في (مغني اللبيب)، فَدَعَا عبد الله بن زيد بوضوء، بفتح الواو، ماء يتوضأ به، وللبخاري عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، فدعا، أي: طلب بماء وله من وجه آخر فدعا بقدر من ماء بفوقية مفتوحة، أي: قدح أو إناء يشرب منه، أو الطست أو شبه الطست، أو مثل القدر يكون من صخر أو حجارة، والتور المذكور وهو الذي توضأ منه عبد الله بنِ زيد، أنه سئل عن صفة الوضوء فيكون أبلغ في حكاية صورة الحال على وجهها، فأفْرَغ أي: صب بنفسه، يقال: أفرغ وفرغ لغتان حكمًا كذا في (المحكم) على يَدَيْه كذا في رواية (ق ١٩)، ابن وضاح بلفظ التثنية، وفي رواية يحيى: على يده بالإِفراد، وزاد أبو مصعب ويحيى بن بكير: اليمني، فالتقدير على إحدى يديه، أو المراد بيده جنسها، فتيقن الروايتان معنى فغسل يديه أي: كل واحدة منهما مرتين، ولذا اقتصر على ذكر مرتين مرة، والمراد: غسلهما إلى رسغيهما، فوضع الظاهر موضع الضمير فلزيادة التمكن وكان مقتضى الظاهر أن يقول فغسلهما، ثم مَضْمَضَ، كذا في نسخة، وفي نسخة أخرى: فمضمض واستنثر، يحتمل مرتين نظرًا إلى ما قبله، ويحتمل ثلاثًا اعتبارًا بما بعده وهو قوله: ثم غسل وجهه ثلاثًا، لم تختلف الروايات في ذلك، ويلزم من استدل بالحديث على وجوب تعميم الرأس بالمسح يعني كمالك وتبعه البخاري أن يستدل به على وجوب الترتيب للإِتيان بقوله، ثم في الجميع؛ لأن كلا الحكمين يحمل في الآية بينت السنة بالفعل، كذا قاله الحافظ ابن حجر، ولا يلزم ذلك؛ لأن إسقاط الياء في قوله: مسح رأسه مع كونها في الآية ظاهر في وجوب مسح الجميع لا سيما قد أكده في رواية بلفظ: كله بخلاف لفظ: ثم لا يفيد وجوب الترتيب، بل يتحقق بالسنة والألزم أن التثليث ونحوه واجب لأنه مجمل في الآية أيضًا؛ ثم غسل يديه أي: ساعديه إلى المِرفقين بكسر الميم وفتح الفاء، وبضم الميم وكسر الفاء لغتان مشهورتان وقراءتان متواترتان، وهما، أي: المرفقان: العظمان الناتئان في آخر الذراعين، سميا بذينك؛ لأنه يرتفع بهما في الاتكاء ونحوه، وذهب جمهور العلماء إلى دخولهما في غسل اليدين؛ لأن إلى في الآية بمعنى: مع، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]، أي: مع أموالكم، مرتين مرتين، وفي ذكره مرتين مرتين: تثنية على أنه غسل كل واحدة مرتين، وإلا فلم يتكرر ربما يتوهم أن كلًا غسلهما مرة.
قال الوالي العراقي: المنقول في علم العربية أن أسماء الأعداد والمصادر والأجناس
стр. 54
إذا كررت كان المراد حصولها مكررة لا التوكيد اللفظي فإنه قليل الفائدة لا يحسن حيث يكون للكلام محمل غيره، مثال ذلك: جاء القوم اثنين اثنين، أو رجلًا رجلًا وضربته ضربًا ضربًا؛ أي: اثنين بعد اثنين، أي: غسلهما مرتين بعد مرتين، أي: كل واحدة منهما بالغسل مرتين، ثم مسح أي: مبتدأً من مقَدَّم رأسه أي: بيديه المبلولتين بماء جديد، حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم رَدَّهما، كذا في نسخة، وفي نسخة أخرى: مدهما بفتح الميم والدال المشددة المفتوحة، أي: على طرفي رأسه. إلى المكان الذي منه بدأ، بالهمزة، أي: ابتدأ ليحصل الاستيعاب فإنه سنة مؤكدة عند الجمهور، وواجب عند الإِمام مالك، ثم غسل رجليه، أي: إلى كعبيه، إما ثلاثًا أو مرتين.
قال محمد: هذا أي: ما ذكر من الغسيل مرتين: حَسَنٌ؛ أي: جائز مستحسن، والوضُوء ثلاثًا، ثلاثًا، أي: في المغسولات أفضلُ، أي: اتفاقًا، والاثنان يُجْزيان، والواحدة والمرة الواحدة في غسل الأعضاء إذا أسبْغَتْ بصيغة الخطاب أو بالتأنيث مجهولًا، أي: إذا استوعب الأجزاء (ق ٢٠) تجزئ بضم تاء التأنيث، وهمزة في آخره، أي: تكفي أيضًا، أي: كما يكفي مرتين، وهو قولُ أبي حنيفة ﵀، ولا أظن له مخالفًا فيه.
ما الحكمة في تخصيص الأعضاء الأربعة بالوضوء؟ الجواب: قبل العلة الأولوية، والحكم الربانية أن آدم، صلوات الله على نبينا وعليه، لما توجه إلى الشجرة بالوجه، وتناولها باليد، ومشى إليها بالرجل، ووضع يده على رأسه فأمر بغسل هذه الأعضاء الأربعة وأغلب الأعمال بها فأمره بغسلها تكفيرًا لخطاياه، وقد جاء في الحديث: أن العبد إذا غسل وجهه خرجت خطاياه حتى تخرج من أشفار عينيه، وكذلك في بقية الأعضاء، وقيل: اختص لغسل هذه الأعضاء الأمة المحمدية ليكونوا غرّا محجلين بين الأمم كما ورد في الحديث.
قال النيسابوري: إن آدم صلوات الله على نبينا وعليه لما أكل من الشجرة وبلغت قوته في الأعضاء الأربعة فأمر بغسلها، ويقال: لأن هذه الأعضاء ظواهر، فقال تعالى: نقِّ أنت ظواهرك حتى أنقي أنا باطنك، طهر وجهك الظاهر بالماء، وإخلاص العمل، أطهر وجهك الباطن بالفيض المقدسي، وقيل: هذه الأعضاء الأربعة عروس الأعضاء فأمرنا بغسلها للتزين بالأنوار الحاصلة من آثار الوضوء فنميز يوم القيامة
стр. 55
كالعرائس في الدنيا، كما في (خواتم الحكم)، أخبرنا، كذا في نسخة، وفي نسخة أخرى: محمد قال.
* * *
٦ - أخبرنا مالك، حدثنا أبو الزَّناد؛ عن عبد الرحمن الأعْرَج، عن أبي هريرة قال: إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماءً، ثم ليستنثر.
• أخبرنا مالك، حدثنا، وفي نسخة: قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، أبو الزَّناد؛ بكسر الزاي قبل النون، وهو عبد الله بن زكوان وكنيته أبو عبد الله، وأبو الزناد لقبه، وكان يغضب منه لما فيه من معنى ملازم النار، لكنه اشتهر بها لجودة ذهنه وحدة فهمه كأنه نار موقدة، ثقة فقيه، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة (١).
وقال بعض المؤرخين: بعد المائة والثلاثين سنة، عن عبد الرحمن الأعْرَج، وقد اشتهر به فلا حرج، وهو ابن هرمز المدني، مولى بني هاشم من مشاهير التابعين، أُشْهِر لروايته عن أبي هريرة، ﵁، وروى عنه الزهري، كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين، مات بالأسكندرية سنة عشر ومائة وهي في الإقليم الثالث من الأقاليم السبعة، عن أبي هريرة ﵁، أنه قال: إذا توضأ أحدكم، أي: إذا أراد أن يتوضأ أحدكم، فليجعل أي: الماء، في أنفه، قال ابن عبد البر: كذا رواه يحيى، ولم يقل: ماء، وهو مفهوم من السياق ورواه القعنبي وابن بكير، وأكثر الرواة فقالوا: في أنفه ماءً، ثم ليستنثر، من باب الاستفعال، أي: ليخرج نخامته من أنفه، كذا رواه النسائي.
قال السيوطي ليحيى: ثم لينتثر بكسر المثلثة بعد النون الساكنة والتاء مفتوحة على صيغة أمر الغائب من باب الانفعال، وقال القاضي عياض: هو من النثر، وهو الطرح، وهو هنا طرح الماء من الأنف بعد الاستنشاق، وهو جذب الماء بالنفس إلى أقصى الأنف والاستنثار: إخراج الماء (ق ٢١) من الأنف بعد الاستنشاق.
стр. 56
هذا الحديث موقوف لفظًا عند المصنف، ﵀، حيث وقفه إلى أبي هريرة، ومرفوع حكمًا عند الإِمام مالك حيث رواه من موطئه، مرفوعًا عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماءً، ثم لينتثر، ومن استجمر فليوتر"، وكذا مرفوع عند البخاري، حيث قال في صحيحه: باب الاستجمار وترًا.
حدثنا عبد الله بن يوسف، أنبأنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء، ثم ليستنثر، ومن استجمر فليوتر، وإذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده" (١)، ومناسبة هذا الحديث إلى الترجمة من جهة بيان كيفية استنشاق المتوضئ من أنفه.
* * *
٧ - أخبرنا مالك، حدثنا الزهري، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ توضأ فليستنثر، ومن استجمر فليوتر".
قال محمد: وبهذا نأخذ، أنه ينبغي للمتوضئ أن يتمضمض ويستنشق، وينبغي له أيضًا أن يستجمر، والاستجمار: الاستنجاء، وهو قول أبي حنيفة.
• محمد قال: كذا في نسخة، أخبرنا مالك عن ابن شهاب، قال: حدثنا، وفي نسخة: ثنا رمزًا إلى حدثنا، الزهري، عن أبي إدريس الخولاني، بفتح الخاء المعجمة، وسكون الواو واللام والنون بعدها ياء: نسبة إلى قبيلة بالشام، وهي في الإقليم الثالث من الأقاليم السبعة، واسمه عائذ الله بعين مهملة وتحتية وذال معجمة، بن عبد الله، ولد في حياة النبي ﷺ يوم حنين، وسمع كبار الصحابة.
стр. 57
قال سعيد بن عبد العزيز: كان عالم الشام بعد أبي الدرداء، وقال مكحول: ما رأيتُ أعلم منه، مات سنة ثمانين، كما قاله الزرقاني، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ توضأ" أي: إذا أراد أن يتوضأ وضوءًا كاملًا فليستنثر، أي: فليبالغ في استنشاقه بأن يخرج ما في أنفه، وفيه طرد الشيطان، لما رواه البخاري ومسلم: "إذا استيقظ أحدكم فتوضأ فليستنثر ثلاثًا، فإن الشيطان يبيت على خيشومه"، أي: على أنفه، ونومه عليه حقيقة أو استعارة؛ لأن ما ينعقد من الغبار ورطوبة الخياشيم قذارة توافق الشيطان، فهذا على عادة العرب في نسبة المستخبث والمستبشع إلى الشيطان، أو ذلك عبارة عن تكسيله عن القيام إلى الصلاة، ولا مانع من حمله على الحقيقة، وهل مبيته لعموم النائمين، ومخصوص بمن لم يفعل ما يحترس به في منامه كقراءة الكرسي؛ الأقرب الثاني.
قال الحافظ: وظاهر الأمر فيه الوجوب، فيلزم من قال بوجوب الاستنشاق لورود الأمر به، كأحمد وإسحاق وغيرهما أن يقول به في الاستنثار، وهو ظاهر كلام الحنابلة، وأن مشروعية الاستنشاق إنما تحصل بالاستنثار. وصرح ابن بطال بأن بعض العلماء قال بوجوب الاستنثار، وفيه تعقب على من نقل الإجماع على عدم وجوبه، واستدل الجمهور على أن الأمر فيه للندب بقوله ﷺ للأعرابي: "توضأ كما أمرك الله" (١)، حسنه الترمذي، وصححه الحاكم، فأحاله على الآية وليس فيها استنشاق، والاستنثار، ويعقب (ق ٢٢) باحتمال أن يراد بالأمر ما هو أعم من آية الوضوء، فقد أمر الله باتباع نبيه، ولم يحك أحدٌ من وصف وضوءه على الاستقصاء أنه ترك الاستنشاق، بل ولا المضمضة، وهذا يرد على من لم يوجب المضمضة أيضًا.
وقد ثبت الأمر بها في سنن أبي داود بإسناد صحيح، وذكر ابن المنذر أن الشافعي لم يحتج على عدم وجوب الاستنشاق مع صحة الأمر به لا لكونه لا يعلم خلافًا في أن تاركه لا يعيد، وهذا دليل فقهي فإنه لا يحفظ ذلك عن أحد من الصحابة والتابعين إلا عطاء، وثبت عنه أنه رجع عن الإِعادة.
ومن استجمر أي: إذا مسح مقعده بعد قضاء الحاجة بالأحجار، فليوتر: فليمسحه
стр. 58
بثلاثة أحجار ندبًا بالزيادة النقاوة، وروى أبو داود وابن ماجه بإسناد حسن: "من فعل فقد أحسن، ومن لم يفعل فلا حرج"، وبهذا أخذ مالك وأبو حنيفة، رحمهما الله، وداود الطائي ومن وافقهم، فإن الإِتيان يقع على الواحد، وهو مستحب فقط بلا شرط ولا يخالفه حديث سلمان عند مسلم مرفوعًا لا يتسبح أحدكم بأقل من ثلاثة أحجار لحمله على الكمال.
قال محمد: وبهذا، أي: بهذا الحديث، نأخذ، أي: نعمل ونفتي، أنه ينبغي، أي: يستحب، للمتوضئ أي: المريد الوضوء، وأما المغتسل فيجب عليه أن يتمضمض، أي: يغسل فمه وكماله ثلاث وكذا قوله: ويستنثر أي: يغسل أنفه، وينبغي له أيضًا أن يستجمر، وقد يجب في محل الاستجمار: وهو المسح بالجمار وهو الأحجار الصغار، الاستنجاء، والمعنى: أنه يجوز به الاكتفاء، وإلا فالأفضل أن يجمع بينه وبين الماء، أو يكتفي بالماء، وهو، أي: استحباب الاستنجاء: ثلاثة أحجار، وهو قول أبي حنيفة ﵀، يُدْبِر بالحجر الأول ويقبل بالثاني ويدبر بالثالث في الصيف، ويعكس في الشتاء، محمد قال، كذا في نسخة.
* * *
٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا نُعَيْم بن عبد الله المُجْمِرُ: أنه سمع أبا هريرة يقول: من توضأ فأحسن وُضوءه، ثم خرج عامِدًا إلى الصلاة، فهو في صلاة ما كان يَعْمِدُ، وأنه تُكْتَبُ له بإحدى خُطْوَتيْه حسنة، عنه بالأُخرى سيئة، فإن سَمِع أحدكم الإقامة فلا يَسْعَ، فإن أعظمكم أجرًا أبعدكُم دارًا، قالوا: لم يا أبا هريرة؟ قال: من أجل كثرة الخُطَى.
• أخبرنا مالك بن أنس، كذا في نسخة، قال: أخبرنا وفي نسخة بالإِفراد، نُعَيْم بضم النون وفتح وسكون الياء التحتية والميم بعدها، ابن عبد الله المدني مولى آل عمر، روى عن جابر، وابن عمرو، وأبي هريرة، وأنس، وجماعة، وعنه: محمد ابنه، ومالك،
стр. 59
وآخرون، وثقه ابن معين، وأبو حاتم وغيرهما، المُجْمِرُ بضم الميم وسكون الجيم، وكسر الميم الثانية: اسم فاعل من الإجمار على المشهور وبفتح الجيم وكسر الميم الثانية المشددة، من التجمير كان في الطبقة الثالثة من أوسط التابعين من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة (١).
قال الحافظ ابن حجر (٢): وُصف هو وأبوه بذلك لكونهما يجمران مسجد النبي ﷺ ، وزَعم بعض العلماء أن وصف عبد الله بذلك حقيقة، ووصف ابنه نعيم بذلك مجاز فيه نظر فقد جزم إبراهيم الحربي بأن نعيمًا كان يباشر ذلك.
وقال السيوطي: كان عبد الله مجمر المسجد إذا قعد عمر على المنبر، وقيل: كان من الذين يجمرون الكعبة، زاد غيره: وقيل: كان عبد الله يجمر مسجد النبي ﷺ في رمضان وغيره، ولا مانع في الجمع، أنه سمع أبا هريرة يقول قال ابن عبد البر: قال مالك وغيره: كان نعيم يوقف كثيرًا من أحاديث أبي هريرة، ومثل هذا الحديث لا يقال من الرأي، فهو مسند وقد ورد معناه من حديث أبي هريرة وغيره بأسانيد صحاح، من توضأ فأحسن وُضوءه، بإتيان (ق ٢٣)، فرائضه وسننه وفضائله وتجنب منه سيئاته، ثم خرج أي: من بيته، أو من سوقه، عامِدًا إلى الصلاة، أي: قاصدًا إليها دون غيرها، فهو في صلاة أي: في حكمها من العبادة من جهة كونه مأمورًا بترك العبث، وفي استعمال الخشوع، وللوسائل حكم المقاصد، وهذا الحكم مستمر ما كان يَعْمِدُ، بكسر الميم، أي: في زمن استمر عليه، ولفظ "ما" مصدرية بمعنى الزمان، كما قال النبي ﷺ : "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" (٣)، أي: ما دام أعانه إليها، أي: إلى الصلاة، أي: ما دام مستمرًا على قصد الصلاة، ثم المراد أن يكون باعث خروجه قصد الصلاة، وإن عرض له في خروجه أمر دنيوي فقضاه، والدار على الإِخلاص فحسب، وفي معناه ما روى الحاكم في أبي هريرة مرفوعًا: "إذا توضأ أحدكم في بيته، ثم أتى المسجد كان في صلاة حتى يرجع، فلا يفعل هكذا - أو شبك بين يديه".
стр. 60
وروى أحمد وأبو داود والترمذي وصححه ابن خزيمة وابن حبان عن كعب بن عجرة مرفوعًا، ولفظه: "إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه، ثم خرج عامدًا إلى المسجد فلا يشبكن بين يديه فإنه في صلاة"، وأنه بفتح الهمزة وكسرها، أي: الشأن تُكْتَبُ له بإحدى خُطْوَتَيْه بضم الخاء إلى ما بين القدمين، وبالفتح المرة، قال الجوهري: وجزم اليعمري أنها هنا بالفتح، وضبطها القرطبي والحافظ بالضم وهي اليمنى، حسنة، وتُمحى عنه بالأُخرى أي: بالخطوة اليسرى سيئة، أي: من الصغائر، ويرجى من الكبائر. وفي معناه ما رواه الطبراني والحاكم والبيهقي عن ابن عمر: "إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا ينزعه إلا الصلاة لم يزل رجله اليسرى يمحي عنه سيئة، ويكتب له اليمنى حسنة حتى يدخل المسجد، ولو يعلم الناس ما في العتماء والصبح لأتوها ولو حبوًا"، وهو بفتح الحاء المهملة وسكون الباء الموحدة، والواو بعدها: الانتقال على الألية كما يمشي الصبيان على ألاياهم إذا لم يقدروا المشي على أرجلهم، قال الباجي: يحتمل أن للحط حكمين: فتكتب له ببعضها حسنات، ويمحى عنه ببعضها سيئات، وأن حكم زيادة الحسنات غير حكم محو السيئات، وهذا ظاهر اللفظ، ولذلك فرق بينهما، وذكر قوم أن معنى ذلك واحد، وأن كتب الحسنات هو بعينه محو السيئات. انتهى.
قال غيره في تكفير السيئات مع رفع الدرجات؛ لأنه قد يجمع في العمل سيئات أحدهما واقع، والآخر مكفر كل منها باعتبار فلا إشكال فيه ولا تأويل كما ظن، وفيه إشعار بأن هذا الجزاء للماشي لا للراكب، أي: بلا عذر، وذكر رجليه غالبي، فبدلها في حق فاقدها مثلها. وروى أبو داود والبيهقي عن سعيد بن المسيب عن بعض الأنصار سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى الصلاة لم يرفع قدمه اليمنى إلا كتب الله له حسنة، ولم يضع (ق ٢٤) قدمه اليسرى إلا حطَّ الله سيئة، فليقرب أحدكم أو ليبعد" (١).
قال العراقي: خص تحصيل الحسنة باليمنى لشرف جهة اليمنى وحكمة ترتب الحسنة على رفعها حصول رفع الدرجة بها، وحكمة ترتب حط السيئة على وضع اليسرى مناسبة الحط للوضع، فلم يرتب حط السيئة على رفع اليسرى كما فعل في
стр. 61
اليمنى، بل على وضعها، أو يقال: إن قاصد المشي للعبادة أول ما يرفع اليمنى للمشي، فرتب الأجر على ابتداء العمل، فإن سَمع أحدكم الإِقامة أي: إقامة الصلاة للجماعة وهو ماشٍ إليها فلا يَسْعَ، على صيغة النهي، أي: لا ينبغي أن يسرع إليها ولا يعجل في مشية على هينته، لئلا يخرج عن الوقار المشروع في إتيان الصلاة، ولأنه ثقل به الخطأ، وكثرتها مرغب فيه بكثرة الحسنات ومحو السيئات كما ذكر.
فإن أعظمكم أجرًا أبعدكُم دارًا، عن المسجد، قالوا: لم؟ أي: لا شيء أصله لما فحذف الألف؛ لأن حرف الجر إذا أُدخلت على ما الاستفهامية، يحذف ألفها تخفيفًا للفظ الكثير، أو فرق بين ما الاستفهامية وما الإِسمية، أو إخبارًا عن شدة اتصال ما بحرف الجر حتى صار كالجزء منه، كما في قوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢]، كما بيناه في (نور الأفئدة في تفسير عم يتساءلون)، يا أبا هريرة بُعد الدار أعظم أجرًا؟ قال: من أجل كثرة الخُطَا، بضم الخاء المعجمة وفتح الطاء: جمع خطوة بالضم، وفيه فضل الدار البعيدة عن المسجد.
وقد روى الترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري، والطبراني (١) عن ابن عباس، ﵄، كانت بنو سلمة فيِ ناحية المدينة فأرادوا النقلة إلى قرب المسجد فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢]. فقال النبي ﷺ : "إن آثاركم تكتب" فلم ينتقلوا، أي: أعمالهم المندرجة فيها آثار خطاهم ولا يعارضه ما ورد أن من شؤم الدار بعدها عن المسجد، لأن من شؤمها من حيث أنه قد يؤدي إلى تفويت الصلاة بالمسجد، وفضلها بالنسبة إلى من يتحمل المشقة ويتكلف المسافة لإِدراك الفضل، فشؤمها وفضلها أمران اعتباريان، فلا تنافي، كما قاله الزرقاني.
قال علي القاري: والحاصل أن الحكم عليها بالشاقة؛ لأن الغالب فيها تفويت الجماعة، مع أنه يكره أو يحرم، ولو مرة بلا عذر، وأما تركها بعذر فلا يكره.
قال الشرنبلالي في (نور الإِيضاح ونجاة الأرواح): يسقط حضور الجماعة بواحد من ثمانية عشر شيئًا منها: مطر، وبرد شديد، وخوف، وظلمة شديدة، وحبس معسرًا، ومظلوم، وعمى، وفلج، وقطع يد ورجل، وسقام، وإقعاد، ووَحل بعد انقطاع مطر،
стр. 62
وزمانة وشيخوخة، وتكرار فقه بجماعة تفوته، وحضور طعام تشوقه نفسه، وإرادة سفر تهيأ له، وقيام بمريض، وشدة ريح ليلًا، وإذا انقطع عن الجماعة لعذر من الأعذار المبيحة للتخلف من الجماعة وكانت نيته حضورها لولا العذر الحاصل يحصل بها ثوابها، لقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى".
لما فرغ من بيان شروع كيفية الوضوء (ق ٢٥) شرع في بيان كيفية الوضوء، فقال: هذا
* * *
باب غسل اليدين في الوضوء
في بيان كيفية غسل اليدين في ابتداء الوضوء، بضم الواو، وقد مر معنى الباب لغةً وعرفًا، إنما أفرد المصنف ﵀ هذا الباب بالذكر مع أنه ذكر غسل اليد في حديث عبد الله بن زيد بن عاصم في باب ابتداء الوضوء كإشارة إلى شرفية اليد.
فإن بها الأخذ والإِعطاء والإِعانة على سائر الأعضاء، واللبس والخلع به، والاستنجاء، والوضوء، فإن قيل: لِمَ لَمْ يعطف قوله: غسل اليدين على قوله: فأحسن الوضوء ولم يقل: من توضأ فأحسن وضوءه وغسل اليدين في الوضوء؟ قلت: إنَّ عطفه عليه يلزم عطف الشيء على نفسه في ضمن عطفه على ما يشتمل عليه، وهذا غير جائز، فلهذا أفرد هذا الباب بالذكر. محمد قال، كذا في نسخة.
٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في وضوئه؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده".
قال محمد: هذا حسن، وهكذا ينبغي أن يفعل، وليس من الأمر الواجب الذي إن تركه تارك أثم، وهو قول أبي حنيفة.
стр. 63
• أخبرنا مالك، قال: أخبرنا، وفي نسخة: حدثنا، وفي نسخة أخرى: بنا، رمزًا إلى أخبرنا أبو الزناد؛ عبد الله بن ذكوان، كان في الطبقة الخامسة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة.
قال بعض المؤرخين: مات سنة ثلاثين ومائة، عن الأعرج، عبد الرحمن بن هرمز، كان من الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين، مات في الأسكندرية سنة عشر ومائة، وهو في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ ، قال: "إذا استيقظ أحدكم أي: انتبه من نومه، وفي رواية: من منامه، فليغسل بزيادة يده بالإِفراد، زاد مسلم وغيره: ثلاثًا، وفي رواية: ثلاث مرات، قبل أن يدخلها في وضوئه؛ بفتح الواو، أي: في الماء الذي يتوضأ به على الشك.
ولمسلم وابن خزيمة وغيرهما من طرق: "فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها" وهي أبين في المراد من رواية للإِدخال؛ لأن مطلق الإِدخال لا يترتب عليه كراهة كمن أدخل يده في إناء واسع فاغترف منه بإناء صغير لم يلامس يده بالماء.
قال الحافظ ابن حجر: والظاهر اختصاص ذلك بالوضوء، وملحق به إناء الغسل، وكذا في الآنية قياسًا، لكن في الاستحباب بلا كراهة لعدم النهى فيها عن ذلك، وخرج بالإِناء البدل والحياض التي لا تفسد بغمس اليد فيها على تقدير نجاستها فلا يتناولها النهي والأمر والاستحباب عند الجمهور؛ لأنه علله بالشك في قوله: فإن أحدكم لا يدري: أين باتت أي: في أي موضع من جسده صارت يده، أي: كفه، أي: هل لاقت يده في مكان طاهر منه أو نجس؟ ومقتضى الظاهر أن يقول ﷺ ، فإنه وعدل عن مقتضاه ووضع المظهر موضع المضمر، فقال: فإن أحدكم لزيادة تمكن الحاكم عند السامع، كما قال تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: ١٠٥]، ولم يقل: وبه نزل، وكذا قاله السعد الدين التفتازاني في (شرح التلخيص).
ومقتضاه إلحاق من شك في ذلك، ولو متيقنًا، ومفهومه: أن من درى أين باتت يده كمن لف عليها خرقة مثلًا فاستيقظ وهي على حالها لا كراهة في إدخالها في الإِناء، وأن من غسلها كالمستيقظ، ومن قال: الأمر للتعبد كمالك لا يفرق بين شاك ومتيقن، وحمله أحمد على الوجوب في نوم الليل دون نوم النهار، وعنه رواية استحبابه في نوم النهار
стр. 64
واتفق على أنه لو غمس يده تضر الماء كما قاله الزرقاني.
وحُكِي أن رجلًا سقيم الاعتقاد (ق ٢٦)، سمع هذا الحديث فقال: أنا أدري أين باتت يدي، فلما كان من الليلة الثانية استيقظ من نومه وجد يده في دبره إلى رسغه، والحديث رواه مالك والشافعي، وأصحاب الكتب الستة عن أبي هريرة، ﵁ بلفظ: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده"، قاله علي القاري.
وقال البيضاوي: فيه إيماء عن أن الباعث على الأمر بذلك احتمال النجاسة؛ لأن الشارع إذا ذكر حكمًا وعقبه بعلة، دلت على أن ثبوت الحكم لأجلها، ومثله قوله في حديث المحرم الذي سقط ومات: "فإنه يبعث ملبيًا"، بعد نهيهم عن تطيبه فنبه على علة النهي وهي كونه محرمًا.
وعبارة الشيخ أكمل الدين: إذا ذكر الشارع حكمًا وعقبه أمرًا مصدرًا بالفاء، وكان ذلك إيماءً إلى ثبوت الحكم لأجله، نظيره "الهرة ليست نجسة فإنها من الطوافين عليكم والطوافات" (١)، واستشكل هذا التركيب بأن التقاء الدراية لا يتعلق بلفظ أين باتت يده، ولا بمعناه الاستفهام، ولا يقال: لا يدري الاستفهام، وأجيب بأن معناه لا يدري تعيين الموضع الذي باتت يده فيه، ففيه مضاف محذوف وليس استفهامًا وإن كان على صورته، كما قاله الزرقاني.
قال محمد: هذا أي: الأمر المستفاد من لفظ فليغتسل، حسن، أي: أمر مستحسن، وهكذا، أي: مثل كون الأمر الاستحباب، ينبغي أن يفعل، على صيغة المفعول، أي: على طريق السنة، وليس، أي: هذا الأمر، من الأمر الواجب أي: الاعتقادي أو العملي الذي إن تركه، أي: المأمور عليه، تارك عمدًا، فهو أثم، على صيغة الماضي جواب الشرط، وفي نسخة: يأثم على صيغة المضارع، وهو أي: كون الأمر للإِباحة قول أبي حنيفة وسائر الفقهاء الهمام.
стр. 65
لما فرغ المصنف من بيان كيفية تطهير الاستنجاء وهي اليد، شرع في بيان استعمال آلة أخرى وهو الماء الذي يستعمل في حال الاستنجاء في محل الاستنجاء، فقال: هذا
* * *
باب الوضوء في الاستنجاء
في بيان الوضوء - بفتح الواو - الماء الذي استعمله المستنجي في حال الاستنجاء للتطهير بمحله سواء جمعه مع الأحجار أو أورد به الاكتفاء، وفي نسخة مصحفة: بالواو، وبمكان في محمد قال.
١٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن محمد بن طَحْلاء عن عثمان بن عبد الرحمن، أن أباه أخبره: أنه سمع عمر بن الخطاب يتوضأُ وَضوءًا لما تحت إزاره.
قال محمد: وبهذا نأخذ، والاستنجاء بالماء أحب إلينا من غيره، وهو قولُ أبي حنيفة.
• أخبرنا مالك، قال: أخبرنا كذا في نسخة، وفي نسخة: [أخبرنا] (١)، وفي نسخة أخرى: نا، رمزًا إلى أخبرنا يحيى بن محمد بن طَحْلاء بفتح الطاء وسكون الحاء المهملة واللام الممدودة المدني التميمي مولاهم أبو يعقوب، روى عن أبيه وعثمان المذكور، وعنه: مالك والدراوردي وآخرون، وذكره ابن حبان في الطبقة الثانية من التابعين، عن عثمان بن عبد الرحمن، بن عثمان بن عبيد الله التيمي المدني، ثقة كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، روى له البخاري، وأبو داود، والترمذي. أن أباه عبد الرحمن بن عثمان التيمي صحابي قتل مع الزبير وهو ابن أبي طلحة بن عبيد الله أحد العشرة، أخبره: وفي نسخة: حدثه، أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁، أنه يقول: يتوضأُ أي يتطهر وَضوء أي: تطهر بالماء لما تحت إزاره، وهو كناية عن موضع الاستنجاء تأدبًا، واللام في قوله: لما، تعليلية، كقوله تعالى: ﴿يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر:
стр. 66
٢٤] , أي: لأجل حياتي في الآخرة، فالاستنجاء بالماء أفضل منه بالحجر، وليثبت السنة أن الجمع بينهما أفضل.
روى ابن خزيمة والبزار عن عويمر (ق ٢٧) عن ساعدة: أنه ﷺ أتاهم في مسجد قباء فقال: "إنه قد أثنى عليكم في الطهور، وفي قصة مسجدكم، فما هذا الطهور الذي تطهرون به؟ " قالوا: والله يا رسول الله، ما نعلم شيئًا إلا أنه كان لنا جيران من اليهود فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط ففعلنا فغسلنا كما غسلوا (١)، وفي حديث البزار: فقالوا: نتبع الأحجار بالماء، فقال: "هو ذاك، فعليكموه"، والاستنجاء بالماء أحب إلينا من غيره.
قال محمد: وبهذا أي: بعمل عمر بن الخطاب، ﵁، نأخذ، أي: نعمل ونفتي، والاستنجاء بالماء أحب إلينا من غيره، من حجر ومدر، وهو أي: الاستنجاء بالماء قولُ أبي حنيفة، ﵀، والجمع بين الماء والحجر أفضل إجماعًا خلافًا للشيعة، حيث لم يكتفوا بغير الماء.
اعلم أن الاستنجاء واجب عند الشافعي، وأحمد، ومستحب عند أبي حنيفة ومالك، وفي رواية شرط.
لما فرغ من بيان كيفية الوضوء في حال الاستنجاء شرع في بيان الوضوء، أي: غسل اليد من مس الذكر، فقال: هذا
* * *
٥ - باب الوضوء من مس الذكر
في بيان أحكام الوُضوء بضم الواو: غسل اليد من مس الذكر. . قال الحنفيون: والمراد من مس الذكر كناية عما يخرج منه، قالوا: وهو من أسرار البلاغة يكنى عن الشيء ويرمز إليه بذكر ما هو من روادفه، فلما كان مس الذكر غالبًا يرادف خروج الحدث منه، ويلازم عبر به عنه، كما عبر بالمجيء من الغائط عما قصد لأجله.
стр. 67
١١ - أخبرنا مالك، حدثنا إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقَّاص، عن مُصْعب بن سعد، قال: كنت أمْسك المصحف على سعد، فاحْتَكَكْتُ، فقال: لعلك مسست ذكرك؟ قلت: نعم، قال: قم فتوضأ، قال: فقمت فتوضأتُ، ثم رجعت.
• أخبرنا مالك، قال: حدثنا، وفي نسخة: ثنا رمزًا إلى: حدثنا إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقَّاص، الزهري المدني، يُكنى أبا محمد المدني: ثقة حجة كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وثلاثين. عن مُصْعب بضم الميم وسكون الصاد وفتح العين والباء الموحدة، ابن سعد بن أبي وقاص الزهري، يكنى أبا زرارة، المدني: ثقة كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، أرسل عن عكرمة بن أبي جهل، مات سنة ثلاث ومائة، كذا في (التقريب) (١)، و (التهذيب).
قال، أي: المصعب، كنت أمْسك المصحف أي: آخذه على سعد، يعني: أباه لأجل حال قراءته غيبًا أو نظرًا، فاحْتَكَكْتُ، أي: مرت يدي تحت ثوبي، فقال: سعد بن أبي وقاص لابنه مصعب: لعلك مسست بكسر السين الأولى وبفتح، أي: هل لمست بكف يدك ذكرك؟ أي: من غير حائل، قلت: نعم، بفتح النون والعين المفتوحة المهملة، والميم الساكنة بعدهما جواب لسؤال ظهر من قوله: لعلك، فإن لعل حرف ينصب الاسم، ويرفع الخبر، والكاف محله منصوب على أنه اسم لعل، ومحل جملة مسستُ مرفوع على أنه خبر، ومعناه: الاستفهام، ولفظ نعم جوابه، فكأن المعنى: هل مسست ذكرك يا مصعب؟ فأجاب بقوله: نعم، كما قاله ابن هشام في (مغني اللبيب)، قال: أي: ابن سعد بن أبي وقاص ﵁، لابنه بقوله: قم على صيغة الأمر فتوضأ، قال: أي: مصعب، فقمت فتوضأتُ، ثم رجعت إلى سعد بن أبي وقاص، وهو يحتمل أن يراد به الوضوء اللغوي، وهو غسل اليدين دفعًا لشبهة ملاقاة النجاسة.
* * *
стр. 68
١٢ - أخبرنا مالك، أخبرني ابن شهاب الزهري، عن سالم بن عبد الله عن أبيه، أنَّه كان يغتسلُ ثم يتوضأُ، فقال له: أمَا يُجْزِيكَ الغُسْلُ من الوضوءِ؟ قال: بلى، ولكني أحيانًا أمَسُّ ذكري فأتوضأُ.
قال محمد: لا وُضوء في مس الذكر، وهو قولُ أبي حنيفة وفي ذلك آثار كثيرة.
• أخبرنا مالك، قال: أخبرنا، أي: وحدي (ق ٢٨) ابن شهاب أي: الزهري، عن سالم بن عبد الله هو القرشي العدوي المدني أحد فقهاء المدينة، من سادات التابعين وعلمائهم وثقاتهم، مات بالمدينة سنة ست ومائة، عن أبيه، أي: عبد الله بن عمر بن الخطاب، شهد الخندق وما بعدها من المشاهد، وكان من أهل العلم والورع والزهد.
قال جابر بن عبد الله: ما منا أحد إلا مالت به الدنيا ومال بها، إلا عمر وابنه عبد الله.
وقال نافع: ما مات ابن عمر إلا وقد عتق ألف إنسان أو زاد، روى عنه خلق كثير، أنَّه أي: عبد الله بن عمر ﵄، كان يغتسلُ ثم يتوضأُ، فقال له: أي: سالم له، أي: لابنه عبد الله بن عمر ﵄: أمَا يَجْزِيكَ بفتح الياء التحتية وسكون الجيم والزاي المعجمة والياء بعدها كاف الخطاب، أي: ليس يكفيك الغُسْلُ من الوضوءِ؟ لا سيما مع سبق الوضوء الذي هو السنة كلمة أمَا مركبة من الكلمتين: أولهما الهمزة المفتوحة الاستفهامية التقريرية، وأخريهما ما المخففة النافية بمعنى حقًا؛ لأن الهمزة في الأصل للإِنكار، فإن دخلت على ما النافية تكون للإِثبات والهمزة تقريرية، وهو، أي: التقرير حمل المخاطب على الإِقرار، فالمعنى: قد كفاك الغسل من الوضوء، ويؤيد هذا المعنى بقوله: قال: بلى، أي يكفني، فكلمة بلى حرف جواب تختص بالنفي، وتفيد إبقائه كان مجردًا نحو: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى﴾ [التغابن: ٧]، أو مقرونًا بِالاستفهام حقيقيًا كان نحو: أليس زيدٌ قائمًا؟ فتقول: بلى، أو تقريريًا نحو: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]،
стр. 69
أجرى النفي مع التقرير مجرى النفي المجرد في رده ببلى.
ولذلك قال جماعة من الفقهاء: لو قال لآخر: أليس عليك ألف درهم؟ فقال: بلى، لزمته، ولو قال: نعم، لم تلزمه كما قال ابن هشام في (مغني اللبيب)، ووجه الاستفهام: أن سالمًا توهم بأن الغسل ما يكفي عن الوضوء، وسأل أباه عن قيام الغسل مقام الوضوء، وأجابه أبوه عبد الله بن عمر ﵄، بقوله: بلى، ورفع عبد الله بن عمر عن ابنه سالم وهمه، كأن ابنه توهم عن أبيه الفعل العبث مع أنه يعلم الغسل يكفي من الوضوء، فرفع هذا الوهم عن ابنه على وجه الجواب الاستدراكي، بقوله: ولكني أحيانًا بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة، والياء بعدها ألف، والنون بعدها ألف جمع حين، والتنوين للتقليل، أي: ولكني في زمن من بعض الأزمنة أمَسُّ بفتح الهمزة، وضم الميم وتشديد السين، مضارع متكلم وحدة ذكري كلمة لكي بفتح اللام الممدودة والكاف المكسورة وبعدها ياء متكلم حرف تنصب الاسم وترفع الخبر، ومعناها الاستدراك، وهي في اللغة طلب تدارك السامع، وفي الاصطلاح رفع توهم تولد عن الكلام سابق، كما قاله السيد الشريف.
وقال ابن هشام في (مغني اللبيب): الاستدراك، وهو يفسر بأن ينسب لما بعدها حكمًا مخالفًا بحكم ما قبلها، وكذلك لا بد أن يتقدمها كلام مناقضٌ لما بعدها نحو: ما هذا ساكنًا لكنه، متحرك فأتوضأُ، أي: لذلك المسمى لا؛ لأن الغسل لا يجزي عنه.
قال الباجي: إنما سأل سالم أباه؛ لأنه رآه توضأ ثم غسل، افتتحه بالوضوء، ولا يصح أن ينكر عليه الوضوء مع الغسل لاستحباب الوضوء بعده.
قال محمد: لا وُضوء، أي: لا يلزم الوضوء في مس الذكر، أي: على أي وجه كان، وهو قولُ أبي (ق ٢٩) حنيفة، ﵀، خلافًا للشافعي، فإنه يقول: ينقض الوضوء بالمس بباطن الكف دون ظاهره، من غير حائل، سواء كان بشهوة أو بغيرها، وهو المشهور عن أحمد. والراجح من مذهب مالك أنه إن مس بشهوة وإلا فلا، ويقوي أدلتهم: ما رواه مالك وأحمد والأربعة، والحاكم عن بسرة بنت صفوان مرفوعًا: "مَنْ مَسَّ ذكره فليتوضأ" (١).
стр. 70
وفي ذلك أي: في دفعه آثار كثيرة، أي: أخبار شهيرة مرفوعة وموقوفة، وبها نأخذ، أي: نعمل، ونفتي لقوتها وكثرتها، فإنها بلغت ستة عشر حديثًا، منها:
* * *
١٣ - قال محمد: أخبرنا أيُّوبُ بن عُتبة التَّيْمِيُّ قاضي الْيَمَامَة، عن قيس بن طَلْقٍ: أن أباه حدثه: أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ ، عن رجل مَسَّ ذكره، أيتوضأُ؟ قال: "هل هو إلا بَضْعَةٌ من جسدك".
• قال محمد: أخبرنا أيُّوبُ بن عُتبة التَّيْمِيُّ بفتح التاء وسكون الياء، وكسر الميم، وبعدها ياء نسبية، قاضي الْيَمَامَة، وهو من بني قيس بن تغلب ضعيف من الطبقة السادسة من طبقات التابعين، من أهل اليمامة، مات سنة ستين ومائة، كذا قاله ابن حجر (١).
عن قيس بن طَلْقٍ: بفتح الطاء المهملة وسكون اللام والقاف، وهو: طلق بن علي، يكنى أبا علي الحنفي اليماني، ويقال أيضًا: طلق بن يمامة، كان صدوقًا، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل اليمامة التي كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة (٢).
كذا قاله ابن حجر وسيد علي في: (خلاصة الهيئة)، روى عنه ابنه قيس أن أباه وهو من الصحابة حدثه: أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ ، عن رجل مَسَّ ذكره، أيتوضأُ؟
стр. 71
قال: أي: له، "هل هو، أي: ذكرك، إلا بَضْعَةٌ بفتح الموحدة وسكون الضاد المعجمة والعين المهملة المفتوحة: قطعة اللحم من جسدك أي فحكمه حكم سائر الأعضاء، حيث لم ينقض الوضوء شيء من الأجزاء.
قال محمد: أخبرنا طلحة بن عمرو بن عثمان الحضرمي. . متروك، كان من الطبقة السابعة من طبقات التابعين من أهل مكة، مات سنة اثنين وخمسين ومائة، المكي.
* * *
١٤ - قال محمد: أخبرنا طلحة بن عمرو المكي، قال: أخبرنا عطاء بن أبي رَبَاحٍ، عن ابن عباس، قال في مس الذكر: وأنت في الصلاة: قال: ما أُبَالي مَسَسْتُهُ أو مَسَسْتُ أنْفي.
• قال محمد: أخبرنا طلحة بن عمرو المكي، قال: أخبرنا عطاء بن أبي رَبَاح، بفتح الراء فموحدة، من أجلّ الفقهاء، تابعيّ مكيّ اسمه أسلم، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل مكة. قال الأوزاعي: مات يوم مات وهو أرضى أهل الأرض عند الناس. وقال أحمد بن حنبل: العلم خزائن يقسمه لمن أحب، لو كان يخص بالعلم أحدًا لكان بنسب النبي ﷺ أولى، كان عطاء حبشيّا. انتهى، وكان جعد الشعر، أسود، وأفطس، أشل، أعور، ثم عمي، مات سنة خمس عشرة ومائة، وله ثمان وثمانون سنة، سمع ابن عباس وأبا هريرة وغيرهما من الصحابة، وروى عنه جماعة، عن ابن عباس، ﵄ أنه قال في مس الذكر: وأنت في الصلاة: وأنت خطاب عام في الصلاة، والجملة حالية، والمعنى: قال في جواب هذا السؤال: وأعاد، قال لطول المقال، قال: ما أُبَالي مَسَسْتُه أي: ذكري، وفي نسخة: أمسست أو مَسَسْتُ أنْفي، حيث لا تفاوت بينهما لا في الصلاة ولا في غيرها.
* * *
стр. 72
١٥ - قال محمد: أخبرنا إبراهيم بن محمد المدني، قال: أخبرنا صالح مولى التَّوْأمة، عن ابن عباس، قال: ليس في مس الذكر وُضوء.
• قال محمد: أخبرنا إبراهيم بن محمد المدني، وفي نسخة: محمد بن المدني، وهو بفتحتين منسوب إلى المدينة السكنية، كان في الطبقة السابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وثمانين ومائة (١).
قال: أخبرنا صالح مولى التَّوْأمة، بفتح فسكون الواو بعدها (ق ٣٠)، وبعدها همزة مفتوحة، صدوق، اختلط.
قال ابن عدي: لا بأس برواية القدماء عنه، كابن أبي ذئب وابن جريج، كان من الطبقة الرابعة من طبقات تابعي التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس أو ست وعشرين ومائة، وقد أخطأ من زعم أن البخاري أخرج له، كذا قاله ابن حجر.
عن ابن عباس ﵄ قال: ليس في مس الذكر وُضوء، أي: واجب أو نقص وضوء.
* * *
١٦ - قال محمد: أخبرنا إبراهيم بن محمد المدني، قال: أخبرنا الحارث بن أبي ذباب، أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: ليس في مس الذكر وضوء.
• قال محمد: أخبرنا إبراهيم بن محمد المدني، قال: أخبرنا الحارث بن أبي ذباب، بضم الذال المعجمة أنه سمع سعيد بن المسيب بفتح الياء أشهر من كسرها، وهو من سادات التابعين، جمع بين الفقه والحديث والزهد والورع والعبادة، يقول: ليس في مس الذكر وضوء.
* * *
стр. 73
١٧ - قال محمد: أخبرنا أبو العوَّام البَصْري، قال: سأل رجل عطاء بن أبي رَبَاح، قال: يا أبا محمد، رجل مسَّ فَرْجَه بعد ما توضَّأ؟ قال رجل من القوم: إن ابن عباس كان يقول: إن كُنْتَ تَسْتَنْجِسُهُ؛ فاقْطَعهُ؛ قال عطاء بن أبي رَبَاح: هذا والله قول ابن عباس.
• قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: نا، رمزًا إلى أخبرنا أبو العوَّام بتشديد الواو: القطان: هو عمران بن داود بفتح الدال المهملة والواو وبينهما ألف وبعدها راء مهملة، صدوق يهم ورمي برأي أي: الخوارج، كان في الطبقة السابعة من طبقات التابعين من أهل البصرة، مات سنة بين الستين والسبعين بعد المائة. كذا قاله ابن حجر.
البَصْري، بكسر الباء أفصح من فتحها في النسبة (عكسة العلم).
قال: سأل رجل عطاء بن أبي رَبَاحٍ، قال: يا أبا محمد، لا تكتب الهمزة ولكن تقرأ، رجل مسَّ فَرْجَه أي: ذكره، أو دبره بعد ما توضَّأ؟ وكذا إذا اغتسل، قال رجل من القوم، أي: قبل جواب عطاء: إن ابن عباس ﵄ كان يقول: إن كُنْتَ تَسْتَنْجِسُهُ؛ أي: تعتقد نجاسة ذاته فاقْطَعْهُ؛ فإنه لا يجوز لك الصلاة مع وجوده، قال عطاء بن أبي رَبَاح: هذا والله قول ابن عباس ﵄.
أي: بلا شك ولا شبهة، فهذا من باب المطابقة في الجواب إذا كان على وجه.
* * *
١٨ - قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، عن حمَّاد، عن إبراهيم النَّخَعِيِّ، عن علي بن أبي طالب، في مس الذكر، قال: ما أُبَالي مَسِسْتُهُ أوْ طَرَفَ أَنْفِي.
• قال محمد: أخبرنا أنا في نسخة، أبو حنيفة، ﵀، عن حمَّاد، أي: أبي سليمان، كوفي يُعد من التابعين، سمع جماعة من الصحابة، روى عن: شعبة والثوري
стр. 74
وغيرهما. كان أعلم الناس برأي إبراهيم النخعي، مات سنة عشرين ومائة.
عن إبراهيم النَّخَعِيِّ، بفتح النون والخاء المعجمة، وهو من أجلاء التابعين، عن علي بن أبي طالب، ﵁، في مس الذكر، قال: ما أُبَالي مَسِسْتُهُ أوْ طَرَفَ أَنْفِي، فإنهما طاهران، وفي حق المس مستويان.
* * *
١٩ - قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم النَّخَعِيَّ: أن ابن مسعود سُئل عن الوضُوء من مس الذكر؟ فقال: إن كان نَجَسًا فاقطعْه.
• قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم النَّخَعِيَّ: أن ابن مسعود ﵁، سُئل عن الوضُوء، أي: عن تجديده من مس الذكر؟ أي: ذكره، فقال: إن كان أي: ذكرك - في زعمك - نَجَسًا بفتح الجيم هو المشهور عند الفقهاء، ويُراد به عين النجاسة بخلاف كسرها، فإنه من المتنجس عندهم، وهما مصدران في أصل اللغة، فاقطعْه، ولا تترك له وجودًا.
* * *
٢٠ - قال محمد: أخبرنا مُحِلٌّ الضَّبِّيُّ، عن إبراهيم النَّخَعِيِّ في مس الذكر في الصلاة، قال: إنما هو بَضْعَة منك.
• قال محمد: أخبرنا مُحِلٌّ بكسر الميم والحاء المهملة كسجل اسم جماعة من المحدثين الضَّبِّيُّ، بتشديد الموحدة عن إبراهيم النَّخَعِيِّ في مس الذكر في الصلاة، أي: هل يبطلها بسبب نقص الوضوء منه، قال: إنما هو بَضْعَة منك، أي: قطعة منك كسائر أعضائك.
* * *
стр. 75
٢١ - قال محمد: أخبرنا سلَّام بن سُلَيْم الحنفيُّ، عن منصور بن المُعْتَمِر، عن أبي قيس، عن أرْقَم بن شُرَحْبِيل، قال: قلتُ لعبد الله بن مسعود: إني أحْكُّ جسدي وأنا في الصلاة، فأمَسُّ ذكري، قال: إنما هو بَضْعَة منك.
• قال محمد: أخبرنا سلَّام بتشديد اللام بن سُلَيْم بالتصغير، يكنى أبا سليمان، ويقال: الطويل المدايني، متروك (١)، كان من الطبقة السابعة من أتباع التابعين، الحنفيُّ، منسوب إلى: أبي حنيفة (ق ٣١)، بحرف الزوائد كالفرض، مات سنة تسعة وتسعين ومائة.
عن منصور بن المُعْتَمِر، بكسر الميم الثانية ابن عبد الله السلمي يكنى: أبا عتاب بفتح العين المهملة ومثناة ثقيلة فألف وموحدة الكوفي، ثقة ثبت، كان لا يدلس، وكان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل الكوفة، وهي كانت في الإقليم الثالث من الأقاليم السبعة، مات سنة اثنين ومائة، كذا قاله ابن الجوزي، وابن حجر، وسيد علي، في (طبقاتهما)، و (خلاصة الهيئة)، من أبي قيس، هو عبد الرحمن بن ثروان؛ بمثلثة مفتوحة وراء ساكنة الكوفي الأودي، صدوق، ربما خالف، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل الكوفة، مات سنة عشرين ومائة.
عن أرْقَم بن شُرَحْبِيل بن حسنة، بضم الشين المعجمة، وفتح الراء المهملة، والباء الموحدة المكسورة، والتحتية الساكنة، واللام بعدها الأودي الكوفي، وهو غير أرقم بن أبي أرقم، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل الكوفة (٢)، كذا قاله ابن حجر، قال: قلت لعبد الله بن مسعود ﵁: إني أحْكُّ جسدي، أي: أنا، وأنا في الصلاة، فأمَسُّ بضمِ الميمِ وفتحها، أي: فالتمس ذكري، أي: لعذري، فهذا ينقض وضوئي؟ قال: إنما هو بَضْعَة منك، أي: لا ينقض وضوءك ولكن تفسد صلاتك؛ لأن أحكك من باب التفعيل، وهو للتكثير وكثرة العمل في الصلاة يفسدها.
* * *