أن تقطع لإِخوانِنا من قريش مثلها، مرتين أو ثلاثًا، فقال: "إنكم سترون بعدي أثَرةً فاصبروا حتى تلقوني".
• أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أنه سمع أنس بن مالك يقول: دعا رسول الله ﷺ الأنصار ليقطع لهم أي: من إقطاع الأراضي بالبَحْرين، أي: وهو اسم بلد قريب بالبصرة فقالوا: لا والله، أي: لا نرضى عطيتنا إلا أن تقطع لإِخواننا من قريش أي: من المهاجرين مثلها، أي: نظير عطيتنا مرتين أو ثلاثًا، أي: ثلاث مرات فإن لهم علينا فضلًا وهذا من كمال علمهم وزهدهم كما أشار إليه قوله تعالى في سورة الحشر: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] فقال: أي: النبي ﷺ "إنكم سترون بعدي أي: بعد موتي أثَرةً بفتحتين والمعنى أنه يتأثر عليكم فيفضل غيركم في نصيبه من الغنى أو في استحقاقه من مناصبه العلية كالإِمارة والإِمامة والقضاء والخطابة فاصبروا حتى تلقوني" أي: يوم القيامة على حوضي كما في رواية.
وحاصله أن أجركم على الله في العقبى بما تصبرون على ما تكرهون في الدنيا، والحديث رواه أحمد (١) والشيخان (٢) والترمذي (٣) والنسائي (٤) عن أسيد بن حضير وأحمد والشيخان عن أنس بلفظ: "إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني غدًا على الحوض".
* * *
٩٨٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي، قال: سمعتُ علقمة بن وقاص يقول: سمعتُ عمر بن الخطاب يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إنما الأعمال بالنيّة، وإنما لامرئٍ ما نوى،
стр. 1787
فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه".
• أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أخبرني محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد التيمي، يكنى أبا عبد الله المدني ثقة له أفراد، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة عشرين ومائة على الصحيح كما قاله ابن حجر (١) قال: سمعتُ علقمة بن وقاص يقول: سمعتُ عمر بن الخطاب يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إنما الأعمال بالنيّة، وفي رواية: بالنيات، وفي رواية: بغير إنما، وفي أخرى: العمل بالنية أي: الأعمال المستقلة في العبادات لا تصح إلا مقرونة بالنيات والأعمال كلها لا تعتبر إلا بالنيات وإنما لامرئٍ مما نوى، أي: من الإِخلاص والرياء في الطاعات فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله أي: قصدًا (ق ٩٩٠) ومآبًا فهجرته إلى الله ورسوله، أي: عاقبة ومثابًا ومن كانت هجرته إلى دنيا أي: مصروفة إلى أغراض دنيوية يصيبها، أي: يريد أن ينتفع بها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه" أي: من قصد الدنيا وطلب النساء لا إلى الله ورسوله، والمعنى أنه لا ثواب في تلك الهجرة لعدم تصحيح النية، وعطف امرأة من باب التخصيص بعد التعميمات إشارة إلى أن النساء أضر ما في الدنيا من الأشياء، أو إيماء إلى سبب ورود الحديث.
لما فرغ من بيان الأحاديث النوادر، شرع في بيان ما يتعلق بحكم وقوع الفأرة في السمن، فقال: هذا
* * *
باب الفأرة تقع في السمن
الفأرة تقع في السمن أي: ونحوه والفأرة بهمزة ساكنة ويجوز إبدالها ألفًا.
٩٨٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عُبيد الله بن عبد الله بن
стр. 1788
عتبة، عن عبد الله بن عباس: أن النبي ﷺ سُئِلَ عن فأرة وقعت في سمن فماتتْ، قال: "خذوها، وما حولها من السمن فاطرحوه".
قال محمد: وبهذا نأخذ، إذا كان السمن جامدًا أُخِذَت الفأرةُ وما حولها من السمن فرمي به، وأُكِلَ ما سوى ذلك، وإن كان ذائبًا لم يُؤكل منه شيء، واسْتُصْبِحَ به، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عُبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أي: ابن مسعود الهزلي يكنى أبا عبد الله المدني ثقة فقيه ثبتًا، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين كذا في (تقريب التهذيب) عن عبد الله بن عباس: ﵄ عن خالته ميمونة زوج النبي ﷺ كذا في (الموطأ) لمالك برواية يحيى، فجود إسناده وأتقنه وتابعه جماعة كابن مهدي والشافعي وابن نافع وإسماعيل ورواه القعنبي وغيره بإسقاط ميمونة وأشهب، وغيره بترك ابن عباس وأبو مصعب ويحيى بن بكير بإسقاطهما.
قال ابن عبد البر: والصواب رواية يحيى أن النبي ﷺ سُئِلَ عن فأرة والسائل ميمونة كما رواه الدارقطني وغيره من طريق يحيى القطان وجويرية كلاهما عن مالك بإسناده أن ميمونة رضي الله تعالى عنها استفتت رسول الله ﷺ عن الفأرة وقعت في سمن أي: جامدًا كما في رواية ابن مهدي عن مالك، وكذا ذكرها أبو داود الطيالسي في (مسنده) عن سفيان بن عيينة عن ابن شهاب، ورواه الحميدي والحفاظ من أصحاب ابن عيينة بدونها فماتتْ، قال: "خذوها، أي: الفأرة وما حولها من السمن فاطرحوها" زاد إسماعيل: وكلوا سمنكم أي: الباقي، وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة سئل رسول الله ﷺ عن الفأرة تقع في السمن قال: "إن كان السمن جامدًا فألقوها وما حولها وإن كان مائعًا فلا تقربوها" أخرجه أبو داود وغيره.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل هنا بهذا الحديث إذا كان السمن جامدًا بين المهملة أي: جامدًا أُخِذَت الفأرةُ وما حولها من السمن فرمي به، أي: بما ذكر وأُكِلَ ما سوى ذلك، وإن كان أي: السمن ونحوه ذائبًا أي: مائعًا لم يُؤكل منه شيء، واسْتُصْبِحَ به، أي: واستعمل به للسراج ونحوه وهو أي: المذكور قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
стр. 1789
لما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم وقوع الفأرة في السمن وغيره من المائعات، شرع في بيان ما يتعلق بدباغة جلد الميتة، فقال: هذا
* * *
باب دباغ الميتة
دباغ الميتة أي: جلدها.
٩٨٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن ابن وَعْلة المصري، عن عبد الله بن عباس، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دُبغ الإهاب فقد طهر".
• أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، العدوي مولى عمر بن الخطاب ﵁، يكنى أبا عبد الله (ق ٩٩١) أو أبا أسامة المدني ثقة عالم كان يرسل، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين ومائة عن ابن وَعْلة بفتح الواو وسكون العين المهملة وفتح اللام المصري، اسمه عبد الرحمن بن وعلة النسائي، من أهل مصر تابعي ثقة صدوق، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل مصر، كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، مات بعد المائة عن عبد الله بن عباس، ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دُبغ الإهاب وهو بكسر الهمزة أي: جلد الميتة قبل الدباغة فقد طهر".
* * *
٩٨٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا يزيد بن عبد الله بن قُسَيْط، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثَوْبَان، عن أُمِّه، عن عائشة زوج النبي ﷺ : أن رسول الله ﷺ أمر أن يُستمتع بجلود الميتة إذا دُبغت.
• أخبرنا مالك، أخبرنا يزيد بن عبد الله بن قُسَيْط، بضم القاف وفتح السين المهملة وسكون التحتية فطاء مهملة، وفي نسخة: يزيد بن عبد الله بالتحتية ابن أسامة الليثي،
стр. 1790
يكنى أبا عبد الله المدني الأعرج ثقة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة اثنين وعشرين ومائة وله تسعون سنة عن محمد بن عبد الرحمن بن ثَوْبَان، العامري عامر قريش المدني ثقة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة عن أُمِّه، وهي تابعية مقبولة لا يعرف اسمها عن عائشة زوج النبي ﷺ : أن رسول الله ﷺ أمر أن يُستمتع أي: ينتفع بجلود الميتة إذا دُبغت.
* * *
٩٨٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، قال: مَرَّ رسول الله ﷺ بشاة كان أعطاها مولاةٌ لميمونة زوج النبي ﷺ ميتة، فقال رسول الله ﷺ : "هلا انتفعتم بجلدها"، قالوا: يا رسول الله إنها ميتة، قال: "إنما حُرِّمَ أكلها".
قال محمد: وبهذا نأخذ، إذا دبغ إهاب الميتة فقد طهر، وهو ذكاته، ولا بأس بالانتفاع به، ولا بأس ببيعه، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
• أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، أي: ابن عمر بن الخطاب قال: مَرَّ رسول الله ﷺ بشاة كان أعطاها مولاةٌ لميمونة زوج النبي ﷺ ميتة، أي: أمر بها حال كونها ميتة فقال رسول الله ﷺ : "هلا انتفعتم أي: لم لا تنتفعوا انتفعوا بجلدها"، قالوا: يا رسول الله إنها ميتة، قال: "إنما حُرِّمَ أكلها" وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: تصدق على مولاة لميمونة بشاة فماتت فمر بها رسول الله ﷺ فقال: "هلا أخذتم إهابها فدبغتموه وانتفعتم به"، فقالوا: إنها ميتة، فقال: "إنما حرم أكلها".
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: نعمل بهذا الحديث إذا دبغ إهاب الميتة فقد طهر، وهو أي: دبغ إهابها ذاتها، أي: الإِهاب، وفي نسخة ذكاتها أي: تطهيرها وبمنزلة تذكيتها حيث يكون سببًا لتطهير جلدها ولو لم تؤكل ولا بأس بالانتفاع به، أي: بالجلد
стр. 1791
فأمره ﷺ محمول على الإِباحة ولا بأس ببيعه، أي: الجلد وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.
لما فرغ من بيان حكم الدباغة جلد الميتة، شرع في بيان كسب الحجام، فقال: هذا
* * *
باب كسب الحجام
في بيان حكم كسب الحجام.
٩٨٨ - أخبرنا مالك، حدثنا حُميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: حَجم أبو طيبةَ رسول الله ﷺ ؛ فأعطاه صاعًا من تمر، وأمر أهله أن يخفِّفوا من خراجه.
قال محمد: وبهذا نأخذ، لا بأس بأن يُعطى الحجام أجرًا على حجامته، وهو قولُ أبي حنيفة.
• أخبرنا مالك، حدثنا حُميد بالتصغير الطويل، يكنى أبا عبيدة البصري ثقة مدلس، وعابه زائدة لدخوله في شيء من أمر الأمراء، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل البصرة، كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة من وجه الأرض، مات سنة اثنين ويقال: ثلاث وأربعين، وهو قائم يصلي وله خمس وسبعون سنة كذا في (تقريب التهذيب) عن أنس بن (ق ٩٩٢) مالك، ﵁ قال: حَجم أي: أخذ الدم أبو طيبةَ بفتح الطاء المهملة والموحدة بينهما تحتية ساكنة، واسمه نافع على الصحيح، فعند أحمد والطبراني وابن السكن عن محيصة بن مسعود: "أنه كان له غلام حجام يقال له: نافع أبو طيبة فانطلق إلى النبي ﷺ يسأله عن خراجه" الحديث، وحكى ابن عبد البر: أن اسمه دينار ووهموه في ذلك لأن دينار الحجام تابعي يروي عن أبي طيبة لا أنه أبو طيبة كما جزم به الحاكم وأحمد رسول الله ﷺ ؛ منصوب بنزع الخافض أي: أخذ أبو طيبة من رسول الله ﷺ دمًا فأعطاه صاعًا من تمر، ولابن السكن بسند ضعيف عن ابن عباس قال:
стр. 1792
كنا جلوسًا بباب رسول الله ﷺ فخرج علينا أبو طيبة بشيء يحمله في ثوبه، فقلنا له: ما معك؟ قال: حجمت رسول الله ﷺ فأعطاني أجري وأمر أهله أي: أهل أبو طيبة أن يخفِّفوا من خراجه بفتح الخاء المعجمة ما يقرره السيد على عبده أو يؤديه إليه كل يوم أو شهر أو نحو ذلك، وكان خراجه ثلاثة أصوع، فوضع عنه صاعًا كما رواه الطحاوي وغيره.
قال محمد: وبهذا نأخذ، لا بأس بأن يُعطى الحجام أجرًا على حجامته، بكسر الحاء المهملة وهو قولُ أبي حنيفة وفيه جواز الحجامة وأخذ الأجرة عليها، وحديث النهي عن كسب الحجام وهو "كسب الحجام خبيث" محمول على التنزيه.
وفي الصحيح (١) عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "احتجم النبي ﷺ وأعطى الذي حجمه" ولو كان حرامًا لم يعطه، والكراهة إنما هي للحجام لا للمستعمل لضرورته إلى الحجامة وعدم ضرورة الحجام، ولو تواطأ الناس على تركه لأضرّ بهم، وفيه استعمال الأجير من غير تسمية أجره وإعطاء قدرها وأكثر، يحتمل أن قدرها كان معلومًا فوقع العمل على العادات وأخرجه البخاري في البيع عن عبد الله بن يوسف.
* * *
٩٨٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، قال: المملوك ومالُه لسيده، لا يصلح للمملوك أن يُنفِق من ماله شيئًا بغير إذن سيده، إلا أن يأكل أو يكتسي أو ينفق بالمعروف.
قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، إلا أن يرخص له في الطعام الذي يوكَّل أن يُطْعِم منه، وفي عارية الدابة أو نحوها، فأما هبة درهم أو دينار، أو كسوة ثوب فلا، وهو قول أبي حنيفة.
• أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، ﵄ أنه قال: المملوك ومالُه لسيده، لا يصلح للمملوك أن يُنفِق من ماله شيئًا بغير إذن سيده، إلا أن يأكل أي: من مال سيده أو مما في يده أو يكتسي وفي نسخة: أو يلبس أو ينفق أي: يصرف في ضرورياته بالمعروف فهو قيد للكل.
стр. 1793
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه نافع عن ابن عمر وهو قولُ أبي حنيفة، ﵀ إلا أن يرخص له أي: للعبد في الطعام الذي يوكَّل أي: يهيأ لأكله أن يُطْعِم منه، بصيغة المجهول أي: فقير أو غيره؛ لأن له أن ينتقص في حق نفسه ويزيد في حق روحه وفي عارية الدابة أو نحوها، أو بما يعلم رضا سيده فأما هبة درهم أو دينار، أو كسوة ثوب فلا، أي: فلا يرخص له؛ لأن الغالب عدم رضا سيده به وهو قول أبي حنيفة ﵀.
* * *
٩٩٠ - أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: كانت لعمر بن الخطاب تسع صحاف يبعث بها إلى أزواج النبي ﷺ ، إذا كانت؛ الطَّرْفة أو الفاكهة أو القسم وكان يبعث بآخرهن صحفةٌ إلى حفصة، فإن كان قلة أو نقصان كان بها.
• أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، العدوي مولى عمر، يكنى أبا عبد الله وأبا أمامة المدني ثقة عالم كان يرسل، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات (ق ٩٩٣) سنة ست وثلاثين ومائة عن أبيه، أي: أسلم العدوي مولى عمر ثقة مخضرم، مات سنة ثمانين، وقيل: بعد سنة ستين وهو ابن أربعة عشر ومائة سنة كذا قاله الحافظ ابن حجر (١) قال: كانت لعمر بن الخطاب ﵁ تسع صحاف بكسر الصاد المهملة جمع صحفة وهي القصعة الواحدة منهن يبعث بها إلى أزواج النبي ﷺ ، أي: بكل صحفة إلى واحدة منهن إذا كانت؛ أي: إذا وجدت الطَّرْفة بالضم أي: التحفة من المأكول والمشروب أو الفاكهة أو القسم أي: القسمة من اللحم وغيره وكان يبعث بآخرهن صحفةٌ إلى حفصة، أي: لأنها بنته فإن كان قلة أي: في الكمية أو نقصان أي: في الكيفية كان أي: ما ذكر بها أي: مبعوثًا في حصتها، والظاهر أنه كان يبعث بأولهن صحفة لعائشة لما كان يعرف من زيادة محبته ﵇ لها.
* * *
стр. 1794
٩٩١ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بن المسيَّب يقول: وقعت الفتنة: يعني فتنةُ عثمان فلم يبق من أهل بدر أحدٌ، ثم وقعت فتنة الحَرَّة فلم يبق من أصحاب الحُدَيْبيَة أحدٌ، فإن وقعت الثالثة لم يبق بالناس طِباخ.
• أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، بن قيس الأنصاري أنه لحممع سعيد بن المسيَّب يقول: وقعت الفتنة: أي: العظيمة يعني فتنةُ عثمان أي: ابن عفان وقد مر بيانها فلم يبق من أهل بدر أحدٌ، أي: انقرضوا ثم وقعت فتنة الحَرَّة وهي أرض ذات حجارة سوداء بالمدينة، وهي في زمان يزيد فلم يبق من أصحاب الحُدَيْبيَة أحدٌ، أي: بأن مات بعضهم وقتل بعضهم فإن وقعت الثالثة أي: من الفتن لم يبق وفي نسخة: لم يرتقع بالناس طِباخ بكسر أوله يقال: فلان لا طباخ له أي: لا عقل له ولا خير عنده، وفي الحديث: وإن وقعت الثالثة فلم يرتقع وفي الناس طباخ أي: لم يبق في الناس من الصحابة أحد كذا في (النهاية).
* * *
٩٩٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ قال: "كُلّكم راعٍ، وكُلّكم مسئول عن رعيته، فالأميرُ الذي على الناس راعٍ عليهم وهو مسئول عنهم، والرجل راعٍ على أهله وهو مسئول عنهم، وامرأة الرجل راعية على مال زوجها وولدها وهي مسئولة عنهم، وعبدُ الرجل راعٍ على مال سيده وهو مسئول عنه، فكلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيّته".
• أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، ﵄ عن رسول الله
стр. 1795
- ﷺ قال: "كُلّكم راعٍ، أي: لرعيته وجماعته وكُلّكم مسئول أي: يوم القيامة عن رعيته، أي: عما وقع له في حقهم من العدل والظلم، فالأميرُ الذي على الناس أي: كلهم أو بعضهم راعٍ عليهم وهو مسئول عنهم، والرجل راعٍ على أهله، وهو مسئول عنهم، وامرأة الرجل راعيةً على مال زوجها وولدها، وهي مسئولة عنهم، أي: عن مال زوجها هل أنفقت في محله أو غير محلة وعبدُ الرجل راعٍ على مال سيده، وهو مسئول عنه، وهذا تأكيد لما قبله مجملًا ومنفصلًا في صورة النتيجة، ولا يبعد أن يقال: والرجل وحده مسئول عن رعيته في أعضائه وهي السمع والبصر والرجل واللسان والأذن ونحو ذلك كما يشير إليه قوله في سورة بني إسرائيل: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] والحديث رواه أحمد (١) والشيخان (٢) وأبو داود (٣) والترمذي (٤) عن ابن عمر بلفظ: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها، وهي مسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده، وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع في مال الله، وهو مسئول عن رعيته، فكلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيّته".
* * *
٩٩٣ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الغادر يوم القيامة يُنصب له لِواء، فيُقال: هذه غُدْرة فلان".
• أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الغادر أي: الناقض لعهده (ق ٩٩٤) المخلف لوعده وأصل الغدر ضد الوفاء
стр. 1796
يوم القيامة يُنصب بصيغة المجهول له لواء، أي: يرفع له علم علامة على سوء عمله فيُقال: أي: باللسان أو المقال على رؤوس الخلائق هذه أي: العلامة غُدْرة فلان" أي: يدل على سوء عمله وفي رواية: غدرة فلان ابن فلان، رواه مالك والشيخان وأبو داود والترمذي عن ابن عمر ﵄.
* * *
٩٩٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "الخيلُ في نواصيها الخير إلى يوم القيامة".
• أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "الخيلُ في نواصيها أي: ثابت في رأس الفرس وضمير المؤنث باعتبار الجمع، أو أنه اسم الجنس بمعنى الفرسان الخير إلى يوم القيامة".
* * *
٩٩٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، أنه رآه يبول قائمًا.
قال محمد: لا بأس بذلك، والبول جالسًا أفضل.
• أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، ﵄ أنه أي: ابن دينار رآه أي: ابن عمر يبول قائمًا أي: إما لعذر أو لعدم وصول النهي عنه إليه، أو عملًا بالرخصة حملًا للنهي على التنزيه.
قال محمد: لا بأس بذلك، والبول جالسًا أفضل أقول: ربما يجب إذا كان يخاف أن يرجع عليه وسائر البول كذا قاله علي القاري.
* * *
стр. 1797
٩٩٦ - أخبرنا مالك، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فما نهيتكم عنه فاجتنبوه".
• أخبرنا مالك، عن أبي الزِّناد، هو عبد الله بن ذكوان القرشي المدني، ثقة فقيه، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين المحدثين، من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين ومائة عن الأعرج، اسمه عبد الرحمن بن هرمز، ويكنى أبا داود المزني مولى ربيعة بن الحارث ثقة ثبت عالم، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة، كذا قاله ابن حجر عن أبي هريرة: ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ذروني أي: اتركوني بحالي من غير كثرة سؤالي ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم أي: من اليهود والنصارى بسؤالهم أي: بكثرة سؤالهم كما في رواية واختلافهم على أنبيائهم، كما في قصة البقرة ونحوها فما نهيتكم عنه فاجتنبوه" والحديث رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه، والحديث رواه أحمد ومسلم والنسائي عن أبي هريرة بلفظ: "ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤاله واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء منه فأتوا منهم ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه".
* * *
٩٩٧ - أخبرنا مالك، حدثنا أبو الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيتُ ابن أبي قُحَافة نزع ذَنُوبًا أو ذنوبين وفي نَزْعه ضعف، والله يغفر له، ثم قام عمر بن الخطاب، فاستحالَتْ غَرْبًا، فلم أرَ عَبْقَرِيّا من الناس ينزع نَزْعَهُ، حتى ضرب الناس بِعَطَن".
• أخبرنا مالك، حدثنا أبو الزِّناد، عن الأعرج، وقد مر ترجمته آنفًا عن أبي هريرة، ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ أي: على طريق المعجزة بالإِخبار عن الغيب
стр. 1798
"رأيتُ على علمت بالكشف والإِلهام أو رأيت في المنام ابن أبي قُحَافة وهو أبو بكر الصديق نزع ذَنُوبًا بفتح الذال المعجمة وضم النون وسكون الواو ثم الموحدة هو دلو كبير إلى أن يملأ أي: أخرج أبو بكر الصديق من البئر دلوًا كبيرًا وجد فيه ماء كثير أو ذنوبين شك من الراوي وكلمة "أو" بمعنى بل وهو الظاهر وفي نَزْعه ضعف، أي: كمية أو كيفية، والمعنى أنه صدر عنه بتعب شديد والله يغفر له"، أي: يتجاوز عنه إذ لم يصدر تقصير منه فهو نظير قوله تعالى في سورة التوبة (ق ٩٩٥): ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ [التوبة: ٤٣] أو يغفر له أن صدر عنه تقصير فرضًا وتقديرًا ويغفر له سبب هذه الخدمة ما سبق عنه من تقصيره في الطاعة ثم قام عمر بن الخطاب، فاستحالَتْ غَرْبًا، بفتح العين المعجمة وسكون الراء والموحدة أي: دلوًا عظيمًا كذا في (صحاح الجوهري) أي: انقلبت الذنوب إلى دلو كبير يسع ماء كثيرًا فلم أرَ عَبْقَرِيّا أي: رجلًا قويًا وهو بفتح العين المهملة والقاف بينهما موحدة ساكنة وبعد القاف راء مهملة وتحتية مشددة موضع الجن والعرب إذا رأوا رجلًا قويًا ويتعجبون من صنعته وقوته ينسبونه إليه فإن عمر بن الخطاب كان رجلًا قويًا فتعجب ﷺ من شدة قوته وشبهه إليه فقال: "فلم أر عبقريًا" أي: شديدًا قويًا من الناس ينزع أي: حال كونهم ينزعون نَزْعَهُ، أي: كنزعه حتى ضرب الناس بِعَطَن" بفتحتين أي: كف نزعه لجميع الناس من جهة شربهم وكناية عن قلة مدة خلافة أبي بكر الصديق وضعف حال المسلمين وتزلزل حال المرتدين وكثرة مدة خلافة عمر بن الخطاب ﵁ وقوته وصلابته ووصول أثره شرقًا وغربًا، ومدة خلافة أبي بكر ﵁ سنتان، ومدة خلافة عمر ﵁ عشر سنين، ومدة خلافة عثمان ﵁ اثنا عشرة سنة، ومدة خلافة علي ﵁ ست سنين كما أشبعناهم في شرح (بركات الأبرار).
لما ذكر ما يتعلق بأحكام الكسب في الحجامة، ذكر ما يتعلق بتفسير القرآن، فقال: هذا
* * *
باب التفسير
التفسير أي: في بيان تفسير بعض الآيات القرآنية، والتفسير في الأصل هو الكشف والإِظهار، وفي الشرع: توضيح الآية وشأنها وقصتها والسبب الذي نزلت فيه بلفظ يدل
стр. 1799
عليه دلالة ظاهرة كذا قاله السيد الشريف محمد الجرجاني، وإذا علمت التفسير ما في الأصل والشرع لزم عليك معرفة التأويل، وهو في الأصل: الترجيع، وفي الشرع: صرفه الآية في معناه الظاهر إلى معنى يحتمل، وإذا كان المحتمل الذي يراه موافقًا بالكتاب والسنة مثالهما ما يقال في قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [الأنعام: ٩٥] إن أراد منه إخراج الطير من البيضة كان تفسير، وإن أراد إخراج المؤمن من الكافر أو العالم من الجاهل كان تأويلًا، والأول يحتاج إلى السماع من الثقات لتعلقه بالرواية لئلا يقع في ورطة الهلاك.
يقول النبي ﷺ : "من فسر القرآن برأيه فقد كفر"، وفي رواية: "من فسر القرآن برأيه وأصاب فقد أخطأ" فيحمل الأول على من فسر ولم يصب، وفي رواية أخرى: "من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار" أخرجه الإِمام أحمد في مسنده، ولقول أبي بكر الصديق ﵁ حين سئل عن معنى الأَبّ في قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١]: لا أدري ما الأب فقيل له: قل من ذات نفسك، فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في القرآن بما لا أعلم، فالسماع شرط على من يفسره (ق ٩٩٦) ولو كان واقفًا على أحوال التنزيل ووجوه اللغة والإِعراب كذا في (عيون التفاسير).
وقال الليث ﵀ في تفسيره: إذا لم يعلم الرجل وجوه اللغة وأحوال التنزيل فتعلم التفسير وتكلف حفظه فلا بأس بأن يفسره كما سمع، ويكون ذلك على سبيل الحكاية ففيه إشارة إلى جواز نقل المسموع من التفسير إلى الغير من غير تبديل المعنى.
٩٩٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا داود بن الحُصين، عن ابن يُربوع المخزوميّ، أنه سمع زيد بن ثابت يقول: الصلاة الوُسطى صلاة الظهر.
• أخبرنا مالك، أخبرنا داود بن الحُصين، الأموي مولاهم يكنى أبا سليمان المدني، ثقة إلا في عكرمة ورمي برأي الخوارج لكن لم يكن داعية، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة عن ابن يُربوع المخزوميّ، كان اسمه سعد بن يربوع بن منكثة بن عامر بن مخزوم، قال النسائي وغيره:
стр. 1800
له صحبة، وقال الزبير وغيره: أسلم يوم الفتح، وقيل قبله، يكنى أبا هود وشهد حنينًا، وأعطى من غنائمها.
وروى البخاري في تاريخه من طريق يحيى بن سعد الأنصاري قال: أصيب سعد بن يربوع ببصره فعاده عمر بن الخطاب كذا في (الإِصابة) أنه سمع زيد بن ثابت ﵁ يقول: الصلاة الوُسطى صلاة الظهر أي: لأنها صلاتي النهار، وهو مختار زيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري وفي (تفسير البغوي) بإسناده عن زيد بن ثابت قال: كان رسول الله ﷺ : يصلي الظهر بالهاجرة أي: في نصف النهار عند اشتداد الحر، ولم يصل صلاة أشد على أصحابي رسول الله ﷺ منها فنزل في سورة البقرة قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨].
* * *
٩٩٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن عمرو بن رافع أنه قال: كنتُ أكتبُ مصحفًا لحفصة زوج النبي ﷺ فقالت: إذا بلغتَ هذه الآية فآذني، فلما بلغتها آذنتها فقالت: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى، وصلاة العصر، وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ.
• أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، العدوي مولى عمر بن الخطاب يكنى أبا عبد الله وأبا أسامة المدني ثقة عالم، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين عن عمرو بن رافع العدوي مولاهم مقبول كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، مات سنة بعد المائة أنه قال: كنتُ أكتبُ مصحفًا لحفصة أي: بنت عمر بن الخطاب زوج النبي ﷺ أي: من جمع الشيخين قالت: إذا بلغت هذه الآية أي: الآية فيها الصلاة الوسطى فآذني، بمد الهمزة وكسر الذال المعجمة وتخفيف النون أو بسكون الهمزة وفتح الذال أي: أعلمني فلما بلغتها أي: الآية آذنتها أي: حفصة فقالت: أفقرأت أو فقالت: اكتب هكذا ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، وصلاة العصر، ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ أي: خاشعين.
* * *
стр. 1801
١٠٠٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن القَعْقَاع بن حكيم، عن أبي موسى مولى عائشة، قال: أمرتني أمي عائشة ﵂، أن أكتب لها مصحفًا، قالت: إذا بلغت الآية فآذني: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين، فإني سمعتها من رسول الله ﷺ .
• أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن القَعْقَاع بن الحكيم، وفي نسخة: ابن حكيم بغير الألف واللام أي: الحكيم الكتابي المدني ثقة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة عن أبي موسى مولى عائشة، ﵂ ثقة، كان في الطبقة الثالثة مات بعد المائة قال: أمرتني أي: عائشة أن أكتب لها مصحفًا، قالت: إذا بلغت (ق ٩٩٧) هذه الآية فآذني: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، فلما بلغت آذنتها وأملت علي قرأت ولقنت لي ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، وصلاة العصر، ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ وفي نسخة: فإني سمعتها من رسول الله ﷺ أي: هكذا وكانت الواو في صلاة العصر عطف على قوليهما وسيأتي ما يدل عليه من حديث، فهذا وما قبله يوافق قول الجمهور منهم على وعبد الله بن مسعود وأبي أيوب وأبو هريرة وعائشة وحفصة ﵃، وبه قال إبراهيم النخعي وقتادة وحسن البصري وأبو حنيفة رحمهم الله تعالى أن المراد بالصلاة الوسطى صلاة العصر.
وأخرج أبو نعيم عن سفيان عن عاصم بن أبي النجود عن زيد بن حبيش قال: قلنا لعبيدة: سل عليّا عن الصلاة الوسطى فقال: كذا نوى أنها صلاة الفجر حتى سمعت رسول الله ﷺ يقول يوم الخندق: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارًا"، وذهب قوم إلى أنها صلاة الفجر، وهو قول عمر وابن عمر وابن عباس ومعاذ وجابر وبه قال عطاء وعكرمة ومجاهد، وإليه ذهب مالك والشافعي؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ والقنوت طول القيام، وصلاة الصبح مخصوصة بطول القيام وبالقنوت؛ ولأن الله تعالى خصها في آية أخرى من بين الصلوات فقال: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] يعني: تشهدها ملائكة الليل والنهار، فهي مكتوبة في ديوان الليل وديوان النهار، وقيل: هي صلاة المغرب؛ لأنها وسط ليس
стр. 1802
بأقلها ولا أكثرها وقيل: صلاة العشاء، وقيل: هي إحدى الصلوات الخمس لا يعنيها أبهمهما الله تعالى تحريضًا للعباد على محافظة أداء جميعها كما أخفى ليلة القدر وساعة إجابة في يوم الجمعة، واسمه الأعظم والله أعلم، وهذا قول سعيد بن المسيب وشريح القاضي ونافع مولى ابن عمر وغيرهم، واختاره إمام الحرمين في (النهاية) وقيل: صلاة الجماعة، وقيل: صلاة الجمعة، وقيل: صلاة العيد، وقيل: الضحى، وقيل: الوتر.
* * *
١٠٠١ - أخبرنا مالك، أخبرنا عمارة بن صياد، أنه سمع سعيد بن المسيَّب يقول في الباقيات الصالحات، قول العبد: الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
• أخبرنا مالك، أخبرنا عمارة بن صياد، فنسب لجده لشهرته به واسم أبيه أكيمة بضم الهمزة وفتح الكاف وسكون التحتية، وفتح الميم ثم الهاء مصغرًا أكيمة، وهو الذي ولد من أمة عمر، يكنى أبا الوليد الليثي المدني ثقة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة إحدى ومائة وله تسع وسبعون سنة أنه سمع سعيد بن المسيَّب يقول في الباقيات الصالحات، أي: في تفسير قوله تعالى في سورة الكهف: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٦] أي: رجاء وما يقول العبد أي: هو قول العبد: المؤمن الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهو قول ابن عباس ﵄ وعكرمة ومجاهد، وقد أورد البغوي بسنده عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "استكثروا من الباقيات الصالحات" (ق ٩٩٨)، قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: "المسألة". وما هي يا رسول الله، قال: "التكبير والتهليل والتسبيح والحمد ولا حول ولا قوة إلا بالله". عن سعيد بن جبير ومسروق وإبراهيم النخعي: الباقيات الصالحات: هي الصلوات الخمس، ويروى هذا أيضًا عن ابن عباس ﵄، وعنه في رواية أخرى: أنها الأعمال الصالحة، وهي قول قتادة وهذا أجمع وأتم والله أعلم.
* * *
стр. 1803
١٠٠٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، وسُئل عن المحصنات من النساء، فقال: سمعتُ سعيد بن المسيَّب يقول: هن ذوات الأزواج، ويرجع ذلك إلى أن الله حرَّم الزنا.
• أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، أي: الزهري وسُئل أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري الفقيه ثقة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، عن المحصنات من النساء، أي: عن تفسيرها فقال: أي: ابن شهاب إلى أن حرم الله الزنى أي: لأن المحصنات عطف على المحرمات في قوله تعالى في سورة النساء ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] والمعنى لا يحل للغير نكاحهن قبل مفارقة الأزواج.
قال أبو سعيد الخدري: نزلت في نساء كن يهاجرن إلى رسول الله ﷺ ولهم أزواج فيتزوجهن بعض المسلمين ثم يقدم أزواجهن مهاجرين، فنهى الله تعالى المسلمين عن نكاحهن ثم استثنى إلا ما ملكت أيمانكم، يعنى: السبايا اللواتي سبين ولهم أزواج في دار الحرب فيحل لمالكهن وطئهن بعد الاستبراء؛ لأن بالسبي وتباين الدارين يرتفع النكاح بينهما.
* * *
١٠٠٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حَزم، أن أباه أخبره، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبي ﷺ ، أنها قالت: ما رأيتُ مثل ما رَغِبَتْ هذه الأمة عنه، من هذه الآية: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾.
• أخبرنا مالك، أخبرنا محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حَزم، الأنصاري المدني، يكنى أبا عبد الله الملك القاضي ثقة كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين والمحدثين من
стр. 1804
أهل المدينة، مات سنة اثنين وثلاثين ومائة أن أباه أي: أبا بكر محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني ثقة، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة عشرين ومائة أخبره، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ ، أنها قالت: ما رأيتُ أي: شيئًا مكروهًا مثل ما رَغِبَتْ هذه الأمة عنه، من هذه الآية: والمعنى أنهم تركوا القيام بها والعمل بمقتضاها وتهاونوا في أمرها، وهذه الآية في سورة الحجرات ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ﴾ نزلت حين ركب رسول الله ﷺ حمارًا وأتى إلى الأنصار ليكلمهم في أمر من أمور الدنيا، فكلمهم فبال الحمار، فقال عبد الله بن أبي المنافق: إليك عني فقد آذاني نتن حمارك فقال بعض الأنصار وهو ابن رواحة: والله لبول حمار النبي ﷺ أطيب ريحًا منك، فاقتتل قوم ابن رواحة، وهم الأوس وقوم عبد الله بن أبي وهم الخزرج بالأيدي والنعال وأغصان النخل فقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ﴾ أي: اقتتل طائفتان ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ حذف الفعل من أن الشرطية بدلالة ﴿اقْتَتَلُوا﴾ عليه وجمع نظر إلى المعنى؛ لأن كل طائفة جماعة وثنى في قوله: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ نظرًا إلى اللفظ، فكره بعضهم الصلح فنزلت ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا﴾ أي: ظلمت إحدى الطائفتين واستطالت ﴿عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا﴾ أي: الطائفة ﴿الَّتِي تَبْغِي﴾ أي: تظلم ﴿حَتَّى تَفِيءَ﴾ أي: ترجع (ق ٩٩٩) ﴿إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي: إلى الصلح ﴿فَإِنْ فَاءَتْ﴾ أي: رجعت عن البغي ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ بالعدل أي: بالإِنصاف في الحكم بين الفريقين ولا تميلوا عن الحق، فإنما قرن العدل بالإِصلاح الثاني دون الأول؛ لأن العدل في ضمن الجنايات والمتلفات لا في سلب الضغائن، فالمراد بالأول إصلاح ذات البين من الاقتتال وتسكين الحقد والغضب ونفي الشبهة فقط، إلا إذا أصرتا فحينئذ تجب المقاتلة، ولا يتجه الضمان، والمراد بالثاني هو الإِصلاح من البغي والتعدي، فالضمان يتجه فيه بطريق العدل كذا في (عيون التفاسير).
وروى أن عليًا ﵁ سئل، وهو القدوة في قتال أهل البغي عن أهل الجمل وصفين أمشركون هم فقال: لا من الشرك فروا، فقيل: أمنافقون هم؟ فقال: لا؛ لأن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلًا، قيل: مما حالهم قال: إخواننا بغوا علينا، والباغي هو الخارج على إمام العدل.
* * *
стр. 1805
١٠٠٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيَّب، في قول الله : ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾، قال: سمعته يقول: إنها قد نُسِخت بالآية التي بعدها، ثم قرأ: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾.
قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، لا بأس بتزويج المرأة وإن كانت قد فجرت، وإن تزوجها من لم يفجر.
• أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أي: ابن قيس الأنصاري المدني يكنى أبا سعيد القاضي ثقة ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة عن سعيد بن المسيَّب، في قول الله عز أي: غلب في حكمه وجل: أي: ظهر على خلقه في سورة النور: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ أي: غالبًا، نزلت حين استأذن أصحاب الصفة رسول الله ﷺ أن ينكحوا الزواني في المدينة، وكانت لهن علامات يعرفن بها وكن أكثرهم أهل المدينة خيرًا، والمدينة غالية السعر، وقد أصابهم الجهد والفاقة، وقالوا: إذا جاء الله بالخير نطلقهن وننكح المسلمات، فمنعهم الله عن ذلك بهذه الآية، ومعناها: أن الزاني لا يرغب في نكاح الصالحات من النساء، وإنما يرغب فاسقة زانية من شكله، ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾، أي: وكذا لا يرغب في نكاحها الصالح من الرجال وينفر عنها، وإنما يرغب فيها من هو شكلها من الفسقة أو المشركين؛ لأن الخبيثات للخبيثين وظاهره أنه إخبار عما يقع كثيرًا.
وقيل: مبناه خبر ومعناه نهي ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ﴾ [النور: ٣] أي: نكاح الزانية ورغبته فيها على المؤمنين أي: الممدوحين عند الله لما فيه التشبه بالفساق، وحضور موضع التهمة والغيبة قيل: كان التحريم في أول الإِسلام ثم نسخ كما قال: أي: يحيى بن سعيد سمعته أي: سعيد بن المسيب حال كونه يقول: إنها أي: القصة قد نُسِخت بالآية التي بعدها، ثم قرأ: أي: مبينًا لها ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ أي: زوجوا من لا زوج له من الرجال والنساء بكرًا كان أو ثيبًا، وهو جمع أيم وأصلها أيايم فقلبت قلبًا مكانيًا فصار
стр. 1806
أيامن، وهو أمر ندب لقوله ﷺ : "من أحب فطرتي فليستن بسنتي وهي النكاح" ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ أي: وأنكحوا الصالحين ﴿مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ أي: ومن كان فيه صلاح من غلمانكم وجواريكم وهو قيام بحقوق النكاح وإنما خص الصالحين بالإِنكاح ليحصن دينهم به ويحفظ عليهم صلاحهم.
قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل هنا بقول سعيد بن المسيب وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، لا بأس بتزويج المرأة وإن كانت قد فجرت، أي: زنت وإن تزوجها من لم يفجر بها كذا في نسخة أي: لم يزن بها أو بغيرها، وكذا من فجر بها أو بغيرها.
* * *
١٠٠٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، أنه كان يقول: في قول الله : ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾، قال: أن تقول للمرأة وهي في عدّتها من وفاة زوجها: إنك عليَّ كريمة وإني فيك لراغب، وإن الله سائقٌ إليك رزقًا، ونحو هذا من القول.
• أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي، يكنى أبا محمد المدني ثقة جليل، قال ابن عيينة: كان أفضل أهل زمانه، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة ست وعشرين ومائة عن أبيه، أي: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي المدني، ثقة أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، قال أيوب: ما رأيت أفضل منه في زمانه، كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست ومائة على الصحيح كذا قاله ابن حجر (١) أنه كان يقول: في قول الله عز أي: غلب في حكمه وجل: أي: كثر في أمره في سورة البقرة: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ﴾ أي: لا حرج ولا بأس عليكم في الكلام الذي تعرضوا
стр. 1807
به للمرأة المتوفى عنها زوجها أي: تلوحونه وتشيرونه إليها ﴿مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ أي: من طلب نكاحها بالتخاطب في العدة بأن تقولوا من غير تصريح إرادة النكاح: إنك لجميلة، أو إنك لتعجبيني، أو إنك موافقة لي ونحو ذلك من الكلام الموهم لإِرادة نكاحها حتى تحبس نفسها على القائل به فهذا هو التعريض والجار والمجرور في محل النصب على الحال العامل عرضتم ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ﴾ أي: فيما أضمرتموه ﴿فِي أَنْفُسِكُمْ﴾، أي: في قلوبكم فلم تقولوا بألسنتكم لا بالتصريح ولا بالتعريض قال: أي: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق في بيان التعريض أن تقول أي: أيها المخاطب في الكلام التعريض للمرأة وهي في عدّتها من وفاة زوجها: أي: أو طلاقها إنك بكسر الكاف عليَّ كريمة أي: مكرمة وإني فيك لراغب، أي: مائل وإن الله سائقٌ إليك رزقًا، أي: واسعًا طيبًا ونحو هذا من القول أي: التعريض دون التصريح من يجد مثلك وإنك لصالحة وأن من غرض أن أتزوج من غير أن يقول لها: أنكحيني أو تزوجيني وأمثال ذلك.
* * *
١٠٠٦ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عمر، قال: دُلُوك الشمس: مَيْلها.
• أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عمر، ﵁ قال: معنى الدلوك في قوله تعالى في سورة بني إسرائيل: دُلُوك الشمس: مَيْلها أي: زوالها بعد كمالها أو زوالها في وسط السماء إلى جانب المغرب.
* * *
١٠٠٧ - أخبرنا مالك، حدثنا داود بن الحُصين، عن ابن عباس، قال: كان يقول: دُلُوك الشمس: مَيْلها، وغَسق الليل: اجتماع الليل وظلمته.
قال محمد: هذا قول ابن عمر وابن عباس، وقال عبد الله بن مسعود: دلوكها غروبها، وكلٌّ حَسَن.
стр. 1808
• أخبرنا مالك، حدثنا داود بن الحُصين، الأموي مولاهم، يكنى أبا سليمان المدني، ثقة إلا في عكرمة ورمى برأي الخوارج ولم يكن داعية ووثقه ابن معين والنسائي والعجلي وكفى رواية مالك عنه توثيقًا، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة عن ابن عباس، (ق ١٠٠١) ﵄ قال: أي: داود بن الحصين كان أي: ابن عباس يقول: دُلُوك الشمس: مَيْلها، وغَسق الليل: اجتماع الليل وظلمته.
قال محمد: هذا أي: المعنى قول ابن عمر وابن عباس، وكذا قال جابر وعطاء وقتادة ومجاهد والحسن البصري وأكثر التابعين، وقال عبد الله بن مسعود: ﵄ دلوكها غروبها، وكلٌّ حَسَن.
* * *
١٠٠٨ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن دينار، أن عبد الله بن عمر أخبره، أن رسول الله ﷺ قال: "إنما أجَلُكم فيما خلا من الأمم، كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس، وإنما مَثَلكم ومَثَل اليهود والنصارى: كرجل استعمل عاملًا، فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراطٍ قيراط؟ قال: فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط؟ فعملت النصارى على قيراط قيراط، ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين، ألا فأنتم الذين يُعملون من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين"، قال: فغضبت اليهود والنصارى، وقالوا: نحن أكثر عملًا وأقل عطاءً، قال: "هل ظلمتُكم من حقكم شيئًا؟ "، قالوا: لا، قال: "فإنه فضلي أوتيه من أشاء".
قال محمد: هذا الحديث يدل على أن تأخير العصر أفضل من تعجيلها،
стр. 1809
ألا ترى أنه جعل ما بين الظهر والعصر أكثر ما بين العصر والمغرب في هذا الحديث، ومن عجّل العصر كان ما بين الظهر إلى العصر أقل مما بين العصر إلى المغرب، فهذا الحديث يدل على تأخير العصر، وتأخير العصر أفضل من تعجيلها، ما دامت الشمس بيضاءَ نقية لم تُخالطها صُفرة، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا رحمهم الله تعالى.
• أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن دينار، العدوي مولاهم، يكنى أبا عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر، ثقة كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين ومائة ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] جامعة لمواقيت الصلوات الخمس، كأنها في دلوك الشمس تناول صلاة الظهر والعصر إلى غسق الليل، تناول المغرب والعشاء، وقرآن الفجر هو صلاة الصبح أن عبد الله بن عمر ﵄ أخبره، أن رسول الله ﷺ قال: "إنما أجَلُكم أي: مدة عمركم فيما خلا أي: في جنب ما مضى من الأمم، أي: السابقة كلهم أو اليهود والنصارى الأول أظهر فتدبركما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس، أي: في القلة بالنسبة إلى ما مضى من صدر النهار أو من أول الزوال وهو المناسب لما نحن فيه من المقال وإنما مَثَلكم ومَثَل اليهود والنصارى: أي: في القرابة كرجل أي: مثلًا استعمل عاملًا، أي: طلب منهم العمل والعمال جمع عامل فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار وهو وقت الزوال على قيراطٍ قيراط؟ أي: ليكون لكل عامل قيراط لا لمجموع العمال وهو نصف دانق، وهو سدس الدرهم، وأصله قراط بتشديد الراء؛ لأن جمعه قراريط فأبدل من إحدى حرفي تضعيفه ياء كما في دينار دنانير كذا قاله الجمهور.
وقال الجوهري: وأما القيراط الذي في الحديث فقد جاء فيه أنه قيل: جبل أحد انتهى كما لا يخفى قال: أي: الرجل مثل حال الفريقين فعملت اليهود، أي: على أن يكون لكل منهم قيراط إلى نصف النهار ثم قال: أي: الرجل الممثل بها من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط؟.
قال الطيبي: القيراط جزء من أجزاء الدينار وهو نصف عشره في أكثر البلاد فعملت النصارى على قيراط قيراط، ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى مغرب
стр. 1810
الشمس على قيراطين قيراطين، وزاد البخاري كما في المشكاة: ألا لكم الأجر مرتين أي: مثل ما لليهود والنصارى قال: أي: النبي ﷺ بعد الجملة المعترضة بين الكلامين فغضبت اليهود والنصارى، وقالوا: أي: كل من الطائفتين نحن أكثر عملًا وأقل عطاءً"، قال: أي: الله تعالى: "هل ظلمتُكم أي: نقصتكم من حقكم شيئًا؟ "، قالوا: لا، قال: أي: الله تعالى كما في نسخة: "فإنه أي: العطاء الكثير أو الأجر مرتين فضلي أوتيه أي: أعطيه كما في نسخة من شئت" وفي نسخة نؤتيه من نشاء، وفيه تلميع إلى قول الله تعالى في سورة الحديد: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢٨، ٢٩] (ق ١٠٠٢) هذا وأن يكون للنصارى أكثر عملًا إلا إذا كان وقت العصر من ضرورة ظل كل شيء مثليه كما قال به أبو حنيفة، فإن قيل: من الزوال إلى صيرورة كل ظل شيء مثله أكثر من وقت صيرورة ظل كل شيء مثله إلى آخر النهار فيتحقق كون النصارى أكثر عملًا على هذا التقدير، أجيب بأن التفاوت بين هذين الوقتين لا يوفه إلا الحساب.
والمراد بالحديث تفاوت يظهر لكل أحد من الأمة، وهذا كله إذا أريد بنصب النهار العرفي، أما إن أريد النهار الشرعي فالاستدلال والسؤال ساقطان.
وأما قول الكرماني في شرح البخاري: لا يلزم من كونهم أكثر عملًا أكثر أجلًا لاحتمال كون العمل أكثر في الزمان الأول، فمرفوع؛ لأنه احتمال بعيد مناقض باحتمال ضده فلا يحمل عليه مع كون الزمان معيار العمل في عرف البيان.
قال محمد: هذا الحديث يدل على أن تأخير العصر أفضل من تعجيلها، وهذا تأويل من محمد حيث جاء الحديث على خلاف قوله، ثم قوله: ألا ترى أي: ألم تعلم أنه جعل ما بين الظهر والعصر أكثر مما بين العصر والغرب في هذا الحديث، ومن عجّل العصر كان ما بين الظهر إلى العصر أقل مما بين العصر إلى المغرب، فهذا الحديث يدل على تأخير العصر، انتهى.
ولا يخفى أن الحديث بظاهره يدل على تأخير دخول وقت العصر، كما قال به
стр. 1811
أبو حنيفة لا على تأخيره بطريق الأفضلية، كما قاله محمد أن لا خلاف عندنا في قوله: وتأخير العصر أفضل من تعجيلها، ما دامت الشمس بيضاءَ أي: نورًا نقية أي: كاملة لم تُخالطها صُفرة، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا أي: خلاف أي: خلافًا للشافعي ومن تبعه من أن تعجيل صلاة العصر في أول وقتها أفضل، وإنما عملًا بظاهر قوله ﷺ : "أول الوقت رضوان الله، وآخر الوقت غفرانه"، وعندنا المراد بأول الوقت: الوقت المختار بدليل ما ورد في فضيلة الإِسفار اسفرار بالفجر فإنه أعظم للأجر، وفي تأخير العشاء حيث ورد: "لولا أن أشق على أمتي لأخرت العشاء إلى نصف الليل وثلثه".
* * *
ثم اعلم أن المصنف ﵀ قد أودع في كتابه المسمى بالموطأ اثنين وسبعين وتسعمائة حديث فصاعدًا بل يقرب إلى ألف برواية عن ثلاث وأربعين شيخًا، كأبي حنيفة، والإِمام مالك الأصبحي، ويعقوب بن إبراهيم يكنى أبا يوسف القاضي صاحب أبي نعمان بن ثابت، وسعيد بن أبي عروبة، وسلام بن سليم، وأبي معاوية المكفوف وهو محمد بن حازم، وعبد الرحمن بن عبد الله المسعودي الكوفي، وابن أبي ذؤيب، ويزيد بن عبد الله بن الهاد، وابن العوام البصري، وإبراهيم بن محمد المدني، وأيوب بن عتبة التيمي قاضي اليمامة، وطلحة بن عمرو المكي، ومحل الضبي، ومسعر بن كدام، وأبي كدينة يحيى بن المهلب، وربيع بن صبيح، ومحمد بن أبان بن صالح، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وعباد بن العوام، وعبد الجبار بن العلاء بن الجيار العطار البصري، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، وعبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الثقفي، ويونس بن أبي إسحاق، وشعبة بن (ق ١٠٠٣) الحجاج، وأبي بكر بن عبد الله النهشلي، وبكير بن عامر، وإسرائيل بن يونس، والشيخ أبي علي قيس بن عاصم، وداود بن سعد بن قيس، وداود بن قيس الفراء المدني، وعبيد الله بن عمر بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وأسامة بن زيد المدني، وعمر بن ذر الهمداني، وإسماعيل بن عياش، وخالد بن عبد الله، وفضل بن غزوان، وإسماعيل بن إبراهيم، والمبارك، وحسن بن عمارة، وإبراهيم بن يزيد المكي، وعيسى بن أبي عيسى الخياط المدني، وقد كان الابتداء بتسويد هذا الشرح المسمى "بالمهيأ في كشف أسرار الموطأ" لمحمد بن الحسن بن عبد الله بن طاوس بن هرمز بن مالك بن فرقد بن الشيباني الكوفي في وقت الضحى، من يوم الجمعة من أول شهر ذي
стр. 1812
الحجة من سنة إحدى وستين بعد المائة والألف، وكان انتهاؤه في وقت الضحى من يوم الأحد، من شهر المحرم من سنة ست وستين.
اللهم كما صنت وجهي سجودًا لغيرك فصن قلبي أن يحب لغيرك، اللهم إن عثمان يريد رضاء حبيبك، فاجعله راضيًا عنه، اللهم إني أسألك باسمك الأعظم ورضوانك الأكبر أن تغفر لي، ولوالدي ولأستاذي، ولجميع المؤمنين والمؤمنات، اللهم إن حبيبك المصطفى قال: إن الله ليستحي أن يعذب الشيخ الكبير، اللهم أنا شيخ كبير أستحي أن أجيء إلى حضورك مع ذنوبي، وارحم بياض لحيتي، فإني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم، بحرمة لا إله إلا الله محمد رسول الله "آمين".
وكمل ثم كتابة كشف الأسرار للموطأ لمحمد بن الحسن من يد أضعف العباد مصطفى بن عثمان سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف غفر الله له ولوالديه وأحسن إليهما وإليه.
* * *