← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 127713

المهيأ في كشف أسرار الموطأ

عثمان الكماخي

Полный текст (1 812 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

الحياء يقول: إنك تستحي حتى إنه يقول: قد أضر بك الحياء" ويحتمل أن يكون ذكر له العتاب والواعظ فذكر بعض الرواة ما لم يذكر الآخر، لكن المخرج متحد فالظاهر أنه من تصرف الرواة بحسب ما اعتقد أن كل لفظ منها يقوم مقام الآخر وفي سببيه، فكان الرجل كثير الحياء فكان ذلك يمنعه من استيفاء حقه فعاتبه أخوه على ذلك فقال رسول الله ﷺ : "دَعْه؛ أي: على ذلك الخلق السني ثم زاده ترغيبًا في ذلك بقوله: فإن الحياء من الإيمان" أي: من كرم خصاله وأشرف مقاله، وقد روى مسلم (١) والترمذي (٢) عن ابن عمر: "الحياء من الإيمان" وفي رواية أبي نعيم (٣) وغيره: "الحياء والإيمان قرنا جميعًا فإذا رفع أحدهما رفع الآخر" وفي رواية الطبراني في الأوسط (٤) عن أبي موسى الأشعري: "الحياء والإيمان مقرونان لا يفرقان إلا جميعًا" وروي أن الله تعالى أرسل جبريل إلى آدم صلوات الله على نبينا وعليه بالعقل والإِيمان والحياء وقال: اختر أيهن شئت فاختار العقل قال جبريل للحياء والإِيمان: انصرفا فقد اختار عليكم العقل فقال الإِيمان للحياء: انصرف أنت فإن الله تعالى أمرني أن أكون حيث ما يكون الإِيمان فاجتمعن جميعًا في آدم صلوات الله على نبينا وعليه كذا في (الخالصة). لما فرغ من بيان ما يتعلق بفضل الحياء، شرع في بيان ما يتعلق بحق الزوج على المرأة، فقال: هذا * * * باب حق الزوج على المرأة حق الزوج على المرأة من حسن العشرة بينهما. ٩٥٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أخبرني بَشير بن يسار، أن حصين بن محصن أخبره: أنَّ عمةً له أتت رسول الله ﷺ ، وأنها زعمت أنه قال

стр. 1752

لها: "أذات زوج أنت؟ "، قالت: نعم، فزعمت أنه قال لها: "كيف أنتِ له؟ "، قالت: ما آلوه إلا ما عجزْت عنه، قال: "فانظري أينَ أنتِ منه، فإنه جنَّتك ونَارُكِ". • أخبرنا مالك، وفي نسخة محمد قال: أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أي: ابن قيس الأنصاري (ق ٩٧١) المدني، يكنى أبا سعيد القاضي ثبت كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة أخبرني بالإِفراد بُشير مصغر ابن يسار، الحارث مولى الأنصار المدني ثقة فقيه، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات بعد المائة أن حصين بن محصن بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الصاد المهملة الأشهلي معدود في الصحابة وبرواية عن عمته كذا في (تقريب التهذيب) (١) أخبره: أنَّ عمةً له أتت أي: جاءت رسول الله ﷺ ، وأنها أي: والحال أنها زعمت أي: قالت بلا يقين فإن الزعم هو القول بلا دليل كما قاله محمد الجرجاني أنه أي: ﷺ قال لها: "أذات أي: كنت صاحبة زوج أنت؟ "، قالت: نعم، أي: أنا صاحبة زوج فزعمت أنه قال لها: "كيف أنتِ له؟ "، أي: من حال رضا أو سخط أو حسن عشرة أو سوء خدمة قالت: ما آلوه أي: ما أقصر في خدمته وتحصيل رضا خاطره إلا ما عجزت عنه، قال: "فانظري أي: ترعي حقه ولا تقصري في خدمته أينَ أنتِ منه، أي: وجهة رعايته وتقصير خدمته فإنك راعية على بيته وولده فإنك مسئولة عنهم، قال رسول الله ﷺ : "ألا وكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته فالإمام الذي على الناس راع فهو مسئول عن رعيته، والرجل راع عن أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده وهي مسئولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيده ومسئول عنه، ألا وكلكم راع ومسئول عن رعيته" رواه أبو هريرة كذا أورده البغوي في (المصابيح) في كتاب الإِمارة والقضاء فإنه أي: زوجك جنَّتك ونَارُكِ" أي: زوجك بسبب أحد المنزلتين، فإن أحسنت به فلك الجنة وإن أسأت عنه فلك النار، من هذا ما ورد في هذا الباب حديث: "لو أمرت أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها". لما فرغ من بيان ما يتعلق بحق الزوج على امرأته، شرع في بيان حق الضيافة، فقال: هذا * * *

стр. 1753

باب حق الضيافة في بيان حق الضيافة أي: إطعام الضيف وما يتعلق بها من اللطافة. ٩٥٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا سعيد المَقْبُري، عن أبي شريح الكعبي، أن رسول الله ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه؛ جائزته يومٌ وليلة، والضيافة ثلاثة أيام، فما كان بعد ذلك فهو صدقة، ولا يحل له أن يثْوي عنده حتى يُخْرِجه". • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: أخبرنا مالك، أخبرنا سعيد المَقْبُري، يكنى أبا سعيد المدني، ثقة كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة عن أبي شريح الكعبي، أن رسول الله ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه؛ رواه أحمد (١) والشيخان (٢) والترمذي (٣) وابن ماجه (٤) عن أبي شريح وأبي هريرة جائزته قال السيوطي: أي: منحته وعطيته وإتحافه ما فضل ما يصدر عليه يومٌ وليلة، والضيافة أي: في كمالها ثلاثة أيام، أي: وفق عادة الكرام فما كان بعد ذلك أي: بعد ثلاثة أيام فهو صدقة، أي: لا تكليف فيها ولا يكلف بل مستحبة الخلاف ما سبق فإنها إما واجبة (ق ٩٧٢) أو سنة مؤكدة ولا يحل له أي: لا ينبغي لضيف أن يثْوي بالمثلثة أي: يقيم عنده أي: من غير ضرورة حثى يُخْرِجه" بضم فسكون فكسر أي: يوقعه في الحرج ويضيق عليه أو يؤثمه. وفي الصحيحين عن أبي شريح: "الضيافة ثلاثة أيام وجائزته يوم وليلة ولا يحل لرجل مسلم أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه" من باب الإِفعال أي: يوقع المضيف في الإثم

стр. 1754

بأن يغتابه لطول مكثه عنده، أو يتعرض له بما يؤذيه من المنّ وغيره، فإن حبسه مطر أو مرض أقام بعد الثلاث فأنفق من مال نفسه وهذا كله إذا لم يطلب الضيف إقامته، أما إذا طلب أو ظن أنه لا يكره إقامته فلا بأس بها، زاد مسلم قال: يا رسول الله وكيف يؤثمه؟ قال: "يقيم عنده ولا شيء له بقربه به" من باب ضرب أي: يطعمه وفي حديث أحمد (١) عن أبي سعيد والطبراني (٢) عن ابن عباس، والبزار (٣) عن ابن عمر "الضيافة ثلاثة أيام فما زاد فهو صدقة" وزاد ابن أبي الدنيا عن أبي هريرة: "وعلى الضيف أن يتحول بعد ثلاثة أيام" وفي رواية القضاعي (٤) عن ابن عمر: "الضيافة على أهل الوبر وليست على أهل المدر" ولعل وجه ذلك أن في البر ليس سوقًا ولا بيعًا ولا شراء، وقال: الضيافة واجبة في هذه الثلاثة لقوله ﷺ : "فما وراء ذلك فهو صدقة" والجمهور على أنها سنة، وحملوا الحديث المروي على أن المضيف يراها واجبة عليه لمكارم أخلاقه أو على الضيف المضطر. لما فرغ من بيان ما يتعلق بحق الضيافة، شرع في بيان من يتعلق بتشميت العاطس. * * * باب تشميت العاطس في بيان ما يتعلق بحكم تشميت العاطس أي: جواب حمده بقوله: يرحمك الله. قال ابن عبد البر: يقال: شمت بمعجمة ومهملة لغتان التشميت بالمعجمة فمعناه أبعدك الله عن الشماتة وجنبك ما يشمت به عليك، وأما التسميت بالمهملة فمعناه جعلك الله على سمت حسن، كذا ذكره السيوطي، وهو فرض كفاية عندنا، وسنة كفاية عند الشافعي. ٩٥٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: "إن عطس فشمّته، ثم إن عطس فشمّته، ثم إن

стр. 1755

عطس فشمته، ثم إن عطس فقل له: إنك مضنوك"، قال عبد الله بن أبي بكر: لا أدري أبعد الثالثة أو الرابعة. قال محمد: إذا عطس فشمّته، ثم إن عطس فشمّته، فإن لم تشمته حتى يعطس مرتين أو ثلاثة أجزأك أن تشمته مرة واحدة. • أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، الأنصاري المدني القاضي ثقة كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة وهو ابن سبعين سنة عن أبيه، مرسلًا أي: أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري النجاري بالنون والجيم المدني القاضي اسمه وكنيته واحد، وقيل: يكنى أبا محمد، ثقة عابد كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة عشرين ومائة وقيل غير ذلك كذا قاله الحافظ العسقلاني أن رسول الله ﷺ قال: "إن عطس أحدكم كذا في نسخة بفتح الطاء أي: أتته العطسة فشمّته، أي: فقل له: أيها المخاطب "يرحمك الله" إن حمد الله ثم إن عطس فشمّته، أي: ثانيًا ثم إن عطس فشمته، أي: ثالثًا، وروى أحمد (١) والبخاري (٢) في الأدب المفرد عن أبي موسى الأشعري ﵁ مرفوعًا: "إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه، وإذا لم يحمد الله فلا تشمتوه" وروى البخاري (٣) في الأدب أيضا مرفوعًا: "إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، فإذا قال: يرحمك الله فليقل: يهديك الله ويصلح بالكم، هذا إن كان عنده رجل من بني آدم، وأما إذا لم يكن عنده رجل فيجيب الملائكة" روى الطبراني (٤) عن ابن عباس رفعه: "إذا عطس أحدكم فقال: الحمد لله قالت الملائكة: رب العالمين فإذا قال: الحمد لله رب العالمين قالت الملائكة: يرحمك الله" أي: تدعوا له الملائكة بالرحمة والهداية؛ لأنه شكر الله على نعمته وهي العطاس وهو انفتاح المسلم وخفة الدماغ إذ بالعطاس يندفع الأبخرة فيعين على الطاعة؛ ولهذا عبده نعمة فسر عقبة الحمد لله كذا قاله عبد اللطيف بن الملك في (شرح المشارق)، وقيل: ما الحكمة في

стр. 1756

قول العاطس: الحمد لله إذا عطس، أجيب: لأن الروح تريد أن تخرج هاربة من الجسد وتقول: استجبت هنا فيجيء في كل عضو رجاء أن تخرج فتنصح ريح من دماغ فتقول لها: لم يجئ وقت خروجك فتستقر فيه فلهذا يقول العاطس: الحمد لله رب العالمين، كذا قاله عبد الرحمن السيوطي في (خواتم الحكم) أول ما قاله آدم صلوات الله على نبينا وعليه بعد نفخ الروح الحمد لله رب العالمين، وهي أول كلمة جرت على لسانه فقيل له: ولهذا خلقت يا آدم، ورد في الحديث الصحيح أول حركة صدرت من آدم بعد النفخ العطاس لا سوى الروح في أعضائه بعد دخولها في الخيشوم وصلت إلى الدماغ فعطس وحمد الله تعالى، فصار التحميد أول سنة بشرية ظهرت على لسان آدم، فكانت أفضل من الفرض المقابل من الرد للحامد العاطس من تشميت الملائكة، فلهذا ورد أفضل القرآن الحمد لله رب العالمين فبدئ به أولًا ويختم به آخرًا كما قال تعالى في حق أهل الجنة: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] كذا قاله السيوطي في (أولياته) ثم أي: بعد الثلاث إن عطس فقل له: إنك مضنوك"، بفتح الميم وسكون الضاد المعجمة ثم نون وواو فكاف أي: مزكوم، والضناك بالضم الزكام يقال: أضنكه الله وأزكمه الله. قال ابن الأثير: والقياس مضنك ومزكم، لكنه جاء على ضنك وزكم قال عبد الله بن أبي بكر: لا أدري أبعد الثالثة أو الرابعة ولأبي داود، وأبي يعلى وابن السني عن أبي هريرة مرفوعًا: "إن عطس أحدكم فليشمته جليسه" وفيه تنبيه على الدعاء بالعافية؛ لأن المزكمة علة، وإشارة إلى الحث على تدارك هذه العلة ولا يهملها فيعظم أمرها، وكلامه ﷺ كله حكمة ورحمة كذا قاله الزرقاني (١). قال محمد: إذا عطس أي: أحد من المؤمنين فشمّته، أي: فقل أيها الجليس: يرحمك (ق ٩٧٤) الله وجوبًا عند أبي حنيفة وسنة عند الشافعي ثم إن عطس فشمّته، أي: ندبًا فإن لم تشمته أي: أولًا حتى يعطس بكسر الطاء المهملة وإلا العطاس بضم العين من باب ضرب مرتين أو ثلاثة أجزأك أن تشمته مرة واحدة أي: أجزئ كسجدة التلاوة والله أعلم. لما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم تشميت العاطس، شرع في بيان ما يتعلق بحكم الفرار من الطاعون، فقال: هذا * * *

стр. 1757

باب الفرار من الطاعون الفرار من الطاعون بوزن فاعون من الطعن عدلوا به عن أصله ووضعوه وإلا على الموت العام كالوباء قال ﷺ : "الطاعون وخز أعدائكم من الجن" (١) وهو بفتح الواو وسكون الخاء المعجمة والزاي أي: طعن غير نافذ ووصف طعن الجن بأنه وخز؛ لأنه يقع من الباطن إلى الظاهر فيؤثر في الباطن أولًا، ثم يؤثر في الظاهر، وقد لا ينفذ كذا في (فيض القدير) ووجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق الترغيب والترهيب. ٩٥٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا محمد بن المنكدر، أن عامر بن سعد بن أبي وقاص أخبره، أن أسامة بن زيد أخبره، أن رسول الله ﷺ قال: "إن الطاعون رِجْزٌ أُرْسِلَ على من قبلكم، أو أُرْسِلَ على بني إسرائيل" - شك ابن المنكدر في روايتهما - قال: "فإذا سمعتم به بأرضٍ فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع في أرضٍ فلا تخرجوا فرارًا منه". قال محمد: هذا حديثٌ معروف، قد رُوي من غير واحدٍ، فلا بأس إذا وقع بأرضٍ ألا يدخلها اجتنابًا له. • أخبرنا مالك، أخبرنا محمد بن المنكدر، أي: ابن عبد الله بن الهدير بالتصغير التيمي المدني، ثقة فاضل كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين من المحدثين من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين أو بعدها ومائة أن عامر بن سعد بن أبي وقاص الزهري المدني ثقة كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة أربع ومائة أخبره، أن أسامة بن زيد ﵁ أخبره، أن رسول الله ﷺ قال: "إن الطاعون رِجْزٌ بالزاي على المعروف أي: عذاب ووقع في بعض الروايات: رجس بالسين المهملة بدل الزاي. قال الحافظ: والمحفوظ بالزاي والمشهور أن الذي بالسين الخبث أو النجس أو القذر

стр. 1758

ووجهه القاضي عياض أن الرجس يطلق على العقوبة أيضًا، وقد قال الفارابي والجوهري: الرجس العذاب ومنه قوله: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٠٠] وحكاه الراغب أيضًا أُرسِلَ على من قبلكم، أي: من اليهود والنصارى أو غيرهم أو أعم والله أعلم أو أُرْسِلَ أي: سلط على بني إسرائيل - أي: وهم اليهود والنصارى أو أحدهما شك ابن المنكدر في روايتهما - قال: أي: عامر بن سعد. قال النووي: وكونه عذابًا مختص بمن كان قبل وإشارة بذلك إلى ما جاء في قصة بلعم بن باعوراء فأخرج الطبري (١) من طريق سليمان التيمي أحد صغار التابعين عن سيار: "أن رجلًا يقال له: بلعم مجاب الدعوة، وأن موسى صلوات الله على نبينا وعليه أقبل على بني إسرائيل يريد الأرض التي فيها بلعم، فأتاه قومه فقالوا: ادع الله عليهم فقال: حتى أؤامر ربي فمنع، فأتوه بهدية فقبلها وسألوه ثانيًا فقال: حتى أؤامر ربي فلم يرجع إليه بشي، فقالوا: لو كره لنهاك، فدعا عليهم فصار يجري على لسانه ما يدعو به على بني إسرائيل فينقلب على قومه فلاموه على ذلك، فقال: سأدلكم على ما فيه هلاكهم أرسلوا النساء في عسكرهم ومرورهن لا يمتنعن من أحد، فعسى أن يزنوا فيهلكوا فكان فيمن خرج بنت الملك فأرادها بعض الأسباط فأخبرها بمكان فمكنته من نفسها فوقع في بني إسرائيل الطاعون، فمات منهم سبعون ألفًا في يوم وجاء رجل من (ق ٩٧٥) بني هارون ومعه رمح فطعنهما وأيده الله فانتظمهما جميعًا"، وهذا مرسل جيد، وسيار شامي موثق. وذكر الطبري أيضًا هذه القصة عن محمد بن إسحاق عن سالم بن النضر بنحوه وسمى المرأة كشتا بفتح الكاف وسكون المعجمة وفوقية والرجل زمرى بكسر الزاي وسكون الميم وكسر الراء سبط شمعون الذي طعنهما فنحاص بكسر الفاء وسكون النون ثم مهملة فألف مهملة ابن هارون وقال في آخره: فحسب من هلك من الطاعون ألفًا يقول: عشر ألفًا وهذه الطريقة تعضد الأولى. وذكر ابن إسحاق في المبدأ أن بني إسرائيل لما كثر عصيانهم أوحى الله إلى داود فخيرهم بين ثلاث، إما أن أبتليهم بالقحط، أو العدو شهرين، أو الطاعون ثلاثة أيام

стр. 1759

فأخبرهم فقالوا: اخترنا فاختاروا الطاعون، فمات منهم إلى أن زالت الشمس سبعون ألفًا وقيل: مائة ألف فتضرع داود إلى الله فرفعه. وورد وقوع الطاعون في غير بني إسرائيل فيحتمل أن يكون هذا المراد بقوله: أو من كان قبلكم، فمن ذلك ما أخرجه الطبري وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: أمر موسى ببني إسرائيل أن يذبح كل رجل منهم كبشًا، ثم يخضب كفه في دمه، ثم يضرب على بابه ففعلوا، فسألهم القبط عن ذلك فقالوا: إن الله يبعث عليكم عذابًا وإنا ننجوا منه بهذه العلامة، فأصبحوا وقد مات من قوم فرعون سبعون ألفًا فقال فرعون عند ذلك لموسى صلوات الله على نبينا وعليه: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الآية [الأعراف: ١٣٤] فدعا فكشفه عنهم، وهذا مرسل جيد الإِسناد كذا قاله الزرقاني (١) فإذا سمعتم به أي: بوقوع الطاعون بأرضٍ أي: في بلد وأنتم خارجون عنه فلا تدخلوا عليه، أي: احتراسًا واجترازًا من الإِلقاء بأيديكم إلى التهلكة وإذا وقع أي: الطاعون في أرضٍ أي: وأنتم فيها فلا تخرجوا فرارًا منه" أي: من الطاعون، فإن الفرار من الموت محذور غير محظور قال تعالى في سورة البقرة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ [البقرة: ٢٤٣]. وفي التقييد: بالفرار إشعارًا بأن خروجه لضرورة دينية أو دنيوية جاز. قال محمد: هذا حديثٌ معروف، أي: مشهور عند المحدثين قد رُوي عن غير واحدٍ، أي: عن كثير، وفي نسخة: من غير واحد أي: من طرق كثيرة، فقد روى أحمد (٢) والبخاري (٣) ومسلم (٤) والنسائي (٥) عن أسامة بن زيد بلفظ: "إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع وأنتم بأرض فلا تخرجوا فرارًا منه"، وفي رواية للشيخين عن أسامة بلفظ: "الطاعون بقية رجز وعذاب أرسل على طائفة من بني إسرائيل، فإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها فرارًا منه، وإذا وقع بأرض ولستم بها

стр. 1760

فلا تهبطوا عليها" فلا بأس إذا وقع بأرضٍ ألا يدخلها أي: أحد وفي نسخة: أن يدخلوها أي: جماعة اجتنابًا أي: فرارًا عن القضاء إلى العضا مع أن لهم سعة في القضاء، ومفهومه أنه لا يجوز لأحد أن يخرج منها، لأنه ضرارًا للساكنين. وفي الصحيحين (١) ومسند أحمد (٢) عن أنس: "الطاعون شهادة كل مسلم". وفي رواية لأحمد والبخاري عن عائشة: "الطاعون كان عذابًا يبعثه الله على من يشاء وإن الله جعله للمؤمنين، فليس من أحد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرًا (ق ٩٧٦) محتسبًا يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر شهيد". وفي رواية الحاكم (٣) في (مستدركه) عن أبي موسى الأشعري ﵁: "الطاعون وغز أعدائكم من الجن وهو لكم شهادة". وفي رواية لأحمد (٤) عن عائشة: "الطاعون غدة كغدة البعير، المقيم بها كالشهيد والفار منها كالفار من الزحف". وفي رواية الطبراني (٥) في الأوسط وأبي نعيم عن عائشة بلفظ: "الطاعون شهادة لأمتي وخذ أعدائكم من الجن غدة كغدة الإبل يخرج في الآباط والمراق، من مات منه مات شهيدًا، ومن أقام فيه كان كالمرابط في سبيل الله، ومن فر منه كان كالفار من الزحف" وقد أشبعنا أحاديث التي وردت في حق الطاعون في (بركات الأبرار). لما فرغ من بيان ما يتعلق بالطاعون شرع في بيان ما يتعلق بالغيبة. * * * باب الغيبة والبُهتان الغيبة والبهتان. الغيبة: بالكسر أن تذكر أخاك بما يكره، وهو فيه، والبهتان: أن تذكره بما ليس فيه به؛ لأنه يبهت صاحبه ويدهشه ويتحير فيه، اقتبس هذه الترجمة من قوله

стр. 1761

تعالى في سورة الحجرات: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢] ووجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق معنى يتجاوز الإِنسان عن الحر بالفرار من الطاعون وبالغيبة والبهتان اهتمامًا لشأنه، فإن كثيرًا من الناس يفر من البلدة التي يقع فيها الطاعون، ويقولون: إن لم نفر من الطاعون ليهلكنا وسيزرون القبض إلى الطاعون، وهو باطل والحق عند أهل الحق المحيي المميت هو الله تعالى لا غير. ٩٥٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا الوليد بن عبد الله بن صيّاد، أن المطلب بن عبد الله بن حَنْطَب المخزوميّ، أخبره أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ : "ما الغيبة؟ "، قال رسول الله ﷺ : "أن تذكر من المرء ما يكره أن يسمع"، قال: يا رسول الله، وإن كان حقًا، قال رسول الله ﷺ : "إذا قلت باطلًا فذلك البهتان". قال محمد: وبهذا نأخذ، لا ينبغي أنْ تذكر من أخيك المسلم الزَّلة تكون منه مما يَكره، فأما صاحب الهوى المُتَعالِنُ بهواه المُعترف به، والفاسق المتعالِن بفسقه، فلا بأس، بأن تذكر هذين بفعلهما، فإن ذكرت من المسلم ما ليس فيه فهذا البهتان، وهو الكذب. • أخبرنا مالك، أخبرنا الوليد بن عبد الله بن صيّاد، المدني أخي عمارة بن عبد الله بن صياد وكان من خيار المسلمين من أصحاب سعيد بن المسيب، روى عنه مالك وغيره، وكان أخوه عمارة بن عبد الله بن صياد في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة بعد الثلاثين والمائة كذا قاله ابن حجر في (الإِصابة) و (تقريب التهذيب) أن المطلب بن عبد الله بن حَنْطَب بفتح الحاء المهملة والنون الساكنة والطاء المهملة المفتوحة ثم الموحدة ابن الحارث المخزوميّ، صدوق كثير التدليس والإِرسال، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة. قال أبو عمر: إن المطلب بن عبد الله بن حنطب أخرجه مرسلًا، وقد وصله العلاء

стр. 1762

ابن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة أخرجه مسلم والترمذي، قال الحافظ: والمطلب كثير الإِرسال ولم يصح سماعه من أبي هريرة ﵁ أخبره أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ : "ما الغيبة؟ "، أي: ما حقيقتها التي نهينا عنها بقوله: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ قال رسول الله ﷺ : "أن تذكر (ق ٩٧٧) أي: بلفظ أو كناية أو رمزًا أو إشارة أو محاكات من المرء أي: المسلم في غيبته ما يكره أن يسمع"، أي: ولو بلغة في دينه أو دنياه أو خلقه أو أهله أو خادمه أو ماله أو ثوبه أو حركته أو طلاقته أو عبوسته أو غير ذلك مما يتعلق به قال: الرجل السائل يا رسول الله، وإن كان حقًا، أي بأن كان فيه ما ذكرت به قال رسول الله ﷺ : "إذا قلت باطلًا أي: واقع فذلك البهتان" أي: الكذب فهو أعظم من العصيان. وفي رواية لمسلم (١) أنه ﷺ قال: "أتدرون ما الغيبة؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "ذكرك أخاك بما يكره"، قيل: إن كان في أخي ما أقوله، قال: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته". قال القرطبي: بهته بفتح الهاء خفيفة وتشديد التاء لإِدغام تاء الخطاب في التاء المتكلم، يقال: بهت فلانًا كذب عليه فبهت أي: تحير، وبهت الذي كفر وقطعه حجته فتحير، والبهتان الباطل التي تحير فيه. قال عياض: والأولى في تفسيره أنه من البهتان لقوله في الحديث الآخر: "فذلك البهتان" إلا أن ذلك على طريق الوعظ والنصح، فيجوز ويندب فيما كانت منه زلة التعريض دون التصريح؛ لأنه يهتك حجاب الهيبة، ثم ظاهر قوله: "من المرء" ولو كافرًا فظاهر قوله: أخاك تخصيصه الغيبة بالمسلم أن المراد في الدين، وصرح عياض بأنه لا غيبة في كافر ويوافق الأول قوله ﷺ في باب أخاك خرج مخرج الغالب أو يخرج به الكافر؛ لأنه غيبة فيه بكفره بل بغيره، واستثنى مسائل تجوز فيها الغيبة معلومة. قال ابن عبد البر (٢): ليس هذا الحديث عن القعنبي في (الموطأ) وهو عنده في الزيادات وهو آخر حديث في كتاب الجامع في موطأ ابن بكير كذا قاله السيد محمد الزرقاني (٣).

стр. 1763

قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل هنا إلا بما رواه المطلب بن عبد الله بن حنطب المخزومي لا ينبغي أي: لا يجوز للمؤمن أنْ تذكر لأخيه وفي نسخة: من أخيه المسلم الزَّلة أي: المعصية النادرة أو الفعلة المنكرة من طريق الغفلة تكون منه أي: يقع منه أحيانًا مما يَكره، أي: إن سمع لأن المؤمن الكامل سوءه ما يقع فيه من سوء الشمائل فأما صاحب الهوى أي: هوى النفس وشهواتها المُتَعالِنُ بهواه أي: المتجاهر بمتابعة لذاتها المُتعرف به، المقفو بلهواتها غير منكر لسوء حالاتها، وفي نسخة: المعترف والفاسق المتعالِن بفسقه، فلا بأس، به أي: للمؤمن بأن تذكر هذين بفعلهما، أي: إذا كان منكرًا العلة يرجع عن فعله ولتحذر الناس عن وصله فإن ذكرت من المسلم ما ليس فيه فهذا البهتان، وهو الكذب أي: العظيم الذنب. لما فرغ من بيان ما يتعلق بالغيبة والبهتان، شرع في بيان ما يتعلق بالأمور النادرة. * * * باب النوادر النوادر أي: في بيان الأمور النادرة في الأحوال الواردة والصادرة. ٩٥٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزّبير المكيّ، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ قال: "أغلقوا الباب، وأوكوا السِّقاء، واكفئوا الإِناء - أو خمروا الإناء - وأطفئوا المصباح، فإن الشيطان لا يفتح غلقًا، ولا يحل وكاءً، ولا يكشف إناءً، وإن الفُوَيْسِقة تَضْرِم على الناس بيتهم". • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: أخبرنا مالك أخبرنا أبو الزّبير المكيّ، هو محمد بن مسلم من تدرس بفتح الفوقية وسكون الدال المهملة وضم الراء المهملة الأسدي مولاهم، صدوق إلا أنه مدلس، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة ست ومائة عن جابر (ق ٩٧٨) بن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أغلقوا الباب، بفتح الهمزة وسكون الغين المعجمة أي: سدوه في أوائل

стр. 1764

المساء حراسة للنفس والمال من أهل الفساد وسيما الشيطان، وفي البخاري عن عطاء عن جابر: "أطفؤوا المصابيح إذا رقدتم وأغلقوا الأبواب واذكروا اسم الله" وأوكوا بفتح الهمزة وسكون الواو وضم الكاف الممدودة، أمر من الإِيكاء وهو الحبل الذي يشد به رأس القربة أي: شدوا السِّقاء، بمسر السين المهملة أي: القربة، زاد في رواية عطاء: واذكروا اسم الله أي: لمنع الشيطان واحترازًا عن الوباء الذي ينزل في ليلة من السنة كما ورد، ويقال: إنها في كانون الأول واكفئوا الإناء - بقطع الألف وكسر الفاء وضم الهمزة كمنعه صرفه أي: اقلبوه ولا تتركوه للشيطان ولحي الهوام وذرات الأقذار أو خمروا الإناء - بفتح الخاء المعجمة وكسر الميم المشددة أي: غطوه فـ "أو" يحتمل أن تكون للشك من الراوي، والأظهر أنه من لفظ النبي ﷺ فتكون للتنويع أي: اكفوه إن كان فارغًا أو خمروا الإِناء إن كان فيه شيء. قال سعيد بن زيد الباجي المالكي: ويؤيده أن في بعض طرقه عند البخاري عن جابر: "وخمروا الطعام والشراب"، وفي الصحيح أيضًا عن عطاء عن جابر: "خمروا آنيتكم واذكروا اسم الله ولو أن تعرضوا عليها بعود" وأطفئوا بهمزة القطع وسكون الطاء المهملة وكسر الفاء ثم همزة مضمومة المصباح، أي: السراج إذا رقدتم فإن الشيطان وفي رواية من طريق عطاء: فإن الجن، ولا تضاد بينهما أن لا محذور في الصنفين إذ هما حقيقة واحدة تختلفان بالصفات؛ لذا قال الكرماني: لا يفتح غلقًا، بفتح الغين المعجمة واللام والقاف أي: لا يقدر أن يفتح بابًا مغلوقًا ولا يحل بفتح التحتية وضم الحاء المهملة وكاءً، بكسر الواو والكاف والألف الممدودة أي: خيط ربط به وذكر اسم الله عليه ولا يكشف إناءً، أي: غطي أو كفي وقد ذكر اسم الله عليه. وفي رواية الليث عن أبي الزبير عند مسلم: "ولا يكشف إناء فإن لم يجد أحدكم إلا أن يعرض على إنائه عود أو يذكر اسم الله فليفعل" وإن الفُوَيْسِقة تصغير الفاسقة أي: الخارجة لإِفسادتها وهي الفأرة تَضْرِم بضم الفوقية وسكون الضَاد المعجمة وكسر الراء المهملة والميم أي: توقد على الناس وفي رواية الليث: على أهل البيت بيوتهم" وفي نسخة: بيتهم، وفي الصحيح (١) عن عطاء عن جابر: "وإن الفويسقة ربما جرت الفتيلة فأحرقت أهل البيت".

стр. 1765

وفي رواية أبي داود (١) عن ابن عباس ﵄ قال: جاءت فأرة فأخذت تجر الفتيلة، فجاءت بها فألقتها بين يديه ﷺ على الجمرة التي كان قاعدًا عليها، فاحترقت فيها موضع درهم فقال رسول الله ﷺ : "إذا نمتم فأطفئوا أسرجكم فإن الشيطان يدل مثل هذه فتحرقكم" (٢). وفي رواية الطحاوي عن يزيد بن أبي نعيم أنه سأل أبا سعيد الخدري ﵁ لم سميت الفأرة الفويسقة، قال: استيقظ النبي ﷺ ذات ليلة وقد أخذت فأرة فتيلة لتحرق عليه البيت، فقام إليها وقتلها وأحل قتلها الحلال والحرم، ففي هذا بيان سبب الأمر بالإِطفاء (ق ٩٧٩) والسبب الحامل للفأرة على جر الفتيلة هو الشيطان فيستعين وهو عدو للإِنسان بعدو آخر وهي النار، والأوامر المذكورة للإِرشاد إلى المصلحة الدنيوية أو الاستحباب خصوصًا من ينوي بفعلها الامتثال، وفي الصحيح مرفوعًا: "لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون". قال النووي: هو عام يدخل فيه المصباح وغيره، وأما القناديل المعلقة في المساجد وغيرها، فإن خيف حريق بسببها دخلت في الأمر، وإن أمن ذلك كما هو الغالب فالظاهر أنه لا بأس بها، العلة التي علل بها ﷺ وإذا انتفت العلة زال المانع، والحديث رواه مسلم عن يحيى عن مالك به. * * * ٩٥٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "المسلم يأكل في معيٍّ واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء". • أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزِّناد، وهو عبد الله بن ذكوان القرشي المدني ثقة فقيه، كان

стр. 1766

في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين ومائة عن الأعرج، هو عبد الرحمن بن هرمز، ويكنى أبا داود المزني مولى ربيعة بن الحارث، ثقة ثبت عالم كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من المحدثين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "المسلم يأكل في معيٍّ واحد، بكسر الميم مقصورًا واحدًا الأمعاء بالمد هي المصارين والكافر يأكل في سبعة أمعاء" بفتح الهمزة وسكون الميم ومد الألف هي أمعاء الإِنسان، وعدي بفي على معنى رفع الأكل فيها وجعلها مكانًا للمأكول كقوله تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] قال الفاضل محمد الواني، في (ترجمة صحاح الجوهري): هذا تمثيل؛ لأن المؤمن يأكل من الحلال ويحترز من الحرام والشبهات، وأما الكافر فلا يبال ويأكل ما وجده من الحرام والحلال ولا يحترز من المهلكات كالحيوانات انتهى. قال الله تعالى في سورة محمد: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢] قال ابن عبد البر: لا سبيل إلى حمله على ظاهره؛ لأن المشاهدة ترفعه فكم من كافر يكون أقل أكلًا وشربًا من مسلم وعكسه، وكم من كافر أسلم فلم يتغير أكله وشربه انتهى. وتخصيص السبعة للمبالغة في التكثير كقوله تعالى في سورة لقمان: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧] والمعنى أن شأن المؤمن التقلل في الأكل لاشتغاله بأسباب العبادة وعلمه أن قصد الشرع من الأكل سد الجوع والعون على العبادة والخشية من حساب ما زاد على ذلك، والكافر بخلاف ذلك، هذا وقيل: المعنى أن الكافر لكونه يأكله بشرهه لا يشبعه ملأ أمعائه السبعة، والمؤمن يشبعه ملء معي واحد لقلة حرصه وشرهه على الطعام، وقيل: المراد يسمي الله تعالى عند طعامه وشرابه فلا يشركه الشيطان بخلاف الكافر لا يسمي فيأكل معه الشيطان. * * * ٩٥٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا صفوان بن سُلَيم، يرفعه إلى رسول الله ﷺ

стр. 1767

أنه قال: "الساعي على الأرملةِ والمسكين، كالذي يجاهد في سبيل الله ، أو كالذي يصوم النهار ويقوم الليل". • أخبرنا مالك، أخبرنا صفوان بن سُلَيم، بالتصغير المدني، يكنى أبا عبد الله الزهري مولاهم، ثقة عابد مفتي جليل القدر، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، وكان من خيار عباد الله الصالحين يقال: إنه لم يضع جنبه على الأرض أربعين سنة، ويقولون: إن جبهته ثقبت من كثرة السجود وكان لا يقبل جوائز السلطان، مات سنة اثنين وثلاثين ومائة وهو ابن اثنين وسبعين سنة يرفعه أي: الحديث إلى رسول الله ﷺ أنه قال: "الساعي أي: بالنفقة والخدمة على الأرملة بفتح الهمزة وسكون الراء المهملة وفتح الميم أي: المرأة التي مات زوجها وهي فقيرة وجمعها الأرامل والمسكين، أي: وعلى الذي ليس له شيء الذي يجاهد في سبيل الله ، أو كالذي يصوم النهار ويقوم الليل" وكلمة "أو" إما للشك أو للتخيير أو للتنويع. وفي رواية: "هو القائم بالليل الصائم بالنهار" رواه أحمد (١) والشيخان (٢) والترمذي (٣) والنسائي (٤) وابن ماجه (٥) عن أبي هريرة ﵁. * * * ٩٦٠ - أخبرنا مالك، أخبرني ثَوْر بن زيد الديلي، عن أبي الغَيْث مولى أبي مُطيع، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ مثل ذلك. • أخبرنا مالك، أخبرني بالإِفراد ثَوْر بالثاء المثلثة المفتوحة والواو الساكنة ثم راء مهملة ابن زيد الديلي، بكسر الدال وسكون التحتية اسمه محمد بن البرقي المدني ثقة، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة كما

стр. 1768

قاله الذهبي في (الميزان) عن أبي الغَيْث مولى أبي مُطيع، وفي نسخة: هو سالم المدني ثقة كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، عن أبي هريرة، ﵁ عن رسول الله ﷺ مثل ذلك أي: كما روى صفوان بن سليم يرفعه، قال الميرك (في شرح الشمائل): اعلم أنه قد جرت عادة أصحاب الحديث إذا روي بإسنادين أو أكثر وساقوا الحديث بإسناد أولًا، ثم ساقوا بإسناد آخر يقولون آخره: مثله أو نحوه اختصارًا، والمثل يستعمل بحسب الاصطلاح فيما إذا كانت الموافقة بين الحديثين في اللفظ والمعنى، والنحو يستعمل إذا كانت الموافقة في المعنى فقط هذا هو المشهور فيما بينهم، وقد يستعمل كل واحد منها مقام الآخر. انتهى. * * * ٩٦١ - أخبرنا مالك، أخبرنا محمد بن عبد الله بن صَعْصَعة، أنه سمع سعيد بن يسار أبا الحُباب يقول: سمعتُ أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "من يُردّ الله به خيرًا يُصب منه". • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: أخبرنا مالك، أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن صَعْصَعة، الأنصاري المدني، يكنى أبا عبد الرحمن المدني، ثقة كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة تسع وثلاثين ومائة أنه سمع سعيد بن يسار أبا الحُباب بضم الحاء المهملة وبموحدتين بينهما ألف المدني، اختلف في ولائه لمن هو وقيل: سعيد بن رجاء، ثقة متقن كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين المحدثين من أهل المدينة مات سنة سبع عشرة ومائة وقيل: في الدرجة الثالثة كذا في (تقريب التهذيب) لابن حجر (١) يقول: أي: سعيد بن يسار سمعتُ أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : "من يُردّ الله به خيرًا يُصب منه" أي: ابتلاه بالمصائب من الأمراض والبلايا وهو بضم أوله وكسر ثانيه، وفاعله ضمير الله وضمير منه راجع إلى من، والرواية بالبناء للفاعل في الأشهر على ما ذكره السيوطي، والحديث رواه البخاري (٢)

стр. 1769

وأحمد (١) عن أبي هريرة، وقال ﷺ : "أشد الناس بلاء الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء ثم الأمثل فالأمثل". * * * ٩٦٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سالم وحمزة ابني عبد الله، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "إن الشؤم في المرأة والدار والفرس". قال محمد: إنما بلغنا أن النبي ﷺ قال: "إن كان الشؤم في شيءٍ، ففي الدار والمرأة والفرس". • أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سالم وحمزة وهما أخان من أب وأم قوله: ابني بدل من سالم وحمزة ومضاف عبد الله أي: ابن عمر بن الخطاب المدني العدويان القريشيان، كانا في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة عن عبد الله بن عمر، رضي (ق ٩٨١) الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: "إن الشؤم بضم الشين المعجمة وهمزة ساكنة قلبت واوًا لسكونها وضمة ما قبلها فصار الشوم بضم الشين وسكون الواو وهو ضد اليمين وهو الحديث: "الشؤم سوء الخلق" رواه أحمد وغيره في المرأة والدار والفرس" أي: كائن فيها، وقد يكون في غيرها فالحصر فيها كما قال ابن العربي: بالنسبة إلى العبادة، وفي نسخة: والمرأة مقدم على الدار. قال السيوطي: وهذا على ظاهره ولا يمتنع أن يجري الله تعالى العادة بذلك في هؤلاء، كما أجرى العادة أن من شرب السم هلك ومن قطع رأسه مات. وقال الخطابي: اليمن والشؤم علامتان لما يصيب الإِنسان من الخير والشر، ولا يكون شيء من ذلك إلا بقضاء الله تعالى وقدره، وهذه الثلاثة ضروب جعلت مواقع لأقضية ليس لها بأنفسها وطبائعها فعل ولا تأثير في شيء، إلا أنها كانت أعم الأشياء التي

стр. 1770

يعنيها، وكان في غالب أحواله لا يستغني عن دار يسكنها وزوجة يعاشرها وفرس يركبها، ولا يخلو عن عارض مكروه في زمانه، أضيف اليمن والشؤم إليها إضافة مكان وهما صادران عن مشيئة الله تعالى انتهى. كذا قاله السيد الفاضل محمد الزرقاني (١). قال محمد: إنما بلغنا أن النبي ﷺ قال: "إن كان الشؤم في شيءٍ، ففي الدار والمرأة والفرس" رواه بهذا اللفظ مالك وأحمد والبخاري وابن ماجه عن كامل بن سعد والشيخان عن ابن عمر، ومسلم والترمذي عن عامر (٢) كذا قاله علي القاري الهروي. * * * ٩٦٣ - أخبرنا مالك، أخبرشا عبد الله بن دينار، قال: كنتُ مع عبد الله بن عمر بالسوق، عند دار خالد بن عقبة، فجاء رجل يريد أن يناجيه، وليس معه أحد غيري وغير الرجل الذي يريد أن يناجيه، فدعا عبد الله رجلًا آخر، حتى كنا أربعة، قال: فقال لي وللرجل الذي دعا: استَأْخِرا شيئًا، فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا يتناجى اثنان دون أحد". • أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، قال: كنتُ مع عبد الله بن عمر بالسوق، عند دار خالد بن عقبة، فجاء رجل يريد أن يناجيه، أي: يكلمه سرًا وليس معه أي: ابن عمر أحد غيري وغير الرجل الذي يريد أن يناجيه، فدعا عبد الله رجلًا آخر، حتى كنا أربعة، قال: أي: ابن دينار فقال أي: ابن عمر لي وللرجل الذي دعا: استرخيا أي: عني شيئًا، أي: قليلًا من الزمان أو من المكان، والمعنى انبساط وتوسع وفي نسخة: استأخرا كما في رواية ليحيى أي: تأخرا عني قليلًا فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا يتناجى اثنان دون أحد" أي: لا يتكلم رجلان سرًا عند أحد، فإن ذلك يحزنه ويشق عليه، وذكر البغوي في تفسير قوله تعالى في سورة المجادلة: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: ١٠] بإسناده عن

стр. 1771

نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كنتم ثلاثة فلا يناجي اثنان دون الثالث إلا بإذنه فإن ذلك محزنة" (١). * * * ٩٦٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "إن من الشجر شجرةً لا يسقط ورَقُها، وإنها مَثَلُ المسلم، فحدثوني ما هي؟ "، قال عبد الله: فوقع الناسُ في شجر البوادي، ووقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييتُ، فقالوا: حَدّثنا يا رسول الله ما هي؟ قال: "النخلة"، قال عبد الله: فحدَّثتُ عمر بن الخطاب بالذي وقع في نفسي من ذلك، فقال عمر: لأن تكون قُلْتَها أحبّ إليَّ من أن يكون لي كذا وكذا. • أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إن من الشجر أي: من جنسه شجرةً أي: نوعًا لا يسقط ورَقُها، أي: أبدًا وإنها مَثَلُ أي: بفتحتين مضاف إلى المسلم، (ق ٩٨٢) أي: مثلثة فحدثوني ما هي؟ "، أي: تلك الشجرة من بين الأشجار إن كنتم من أهل الأخبار قال عبد الله: فوقع الناسُ في شجر البوادي، أي: جمع البادية وهي ضد البلد، وفي نسخة: البراري وهي جمع البر ضد البحر أي: ضنًا منهم أنها غير موجودة عنهم لعزتها وغرابتها، ووقع في نفسي أنها النخلة، أي: لقرب عهده بها قال: أي: ابن عمر فاستحييتُ، أي: إذا سبق في الكلام على الكبار لكوني من الصغار فقالوا: أي: الصحابة حَدّثنا يا رسول الله ما هي؟ أي: ما عرفناها قال: "النخلة"، قال عبد الله: فحدَّثتُ عمر بن الخطاب يعني أباه بالذي وقع في نفسي أي: ظهر في قلبي من ذلك، أي: مما كان من الجواب والصواب فقال عمر: لأن

стр. 1772

تكون قُلْتَها أي: قلت: إنها النخلة فكما في رواية، أحبّ إليَّ من أن يكون لي كذا وكذا أي: لأنه كان منقبة جسيمة في ولده، وممدحة عظيمة في نسبه من جهة أن الولد من أبيه، وجه الشبه بين النخلة والمسلم كثيرة خيرها ودام ظلها وطيب ثمرها مع دوامه فإنه من حين يطلع لا يزال يؤكل منه حتى ييبس وبعد أن ييبس، تتخذ منافع كثيرة من خشبها وورقها وأغصانها، وقيل: الحكمة في تشبيهها بالنخلة من بين سائر الأشجار أنها أشبهها بالإِنسان في أنها لا تحمل إلا بالقاح، وإذا قطع رأسها يبست وسائر الأشجار ينشعب من جوانبها بعد قطع رؤوسها؛ ولأنها خلقت من فضل طينة آدم صلوات الله على نبينا وعليه؛ ولذلك قال النبي ﷺ : "أكرموا عمتكم" قيل: ما عمتنا قال: "النخلة" (١) كذا قاله البغوي في تفسيره، وفي هذا الحديث دليل على جواز عرض الأستاذ على تلاميذه مسألة عجيبة لاستعداد أذهانهم، وتشويقهم إلى تحصيل العلم، كما قال في الفتاوى: امرأة ومعها عشرة رجال قالت: أحدهم زوجي وأربعة أخوتي وخمسة عبدي كلهم من بطن واحد، والجواب: اشترت تلك المرأة جارية معها ستة أولادها فأعتقت أحدهم وزوجت نفسها به وزوجت الجارية أيها فولدت أربعة بنين فتلك الأربعة إخوتها كلهم من بطن واحدة. * * * ٩٦٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، قال: قال ابن عمر: قال رسول الله ﷺ "غِفَار: غفر الله لها، وَأَسْلَم: سالمها الله، وعُصَيَّةُ: عصت الله ورسوله". • أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، قال: قال ابن عمر: ﵄ قال رسول الله ﷺ : "غِفَار: بكسر أوله منونًا وغير منون قبيلة ورهط أبي ذر الغفاري غفر الله لها، أي: أقول في حقهم هذا قيل: كانوا بنو غفار يسرقون الحجاج فدعا لهم النبي ﷺ بعد أن أسلموا ليمحوا عنهم ذلك العار.

стр. 1773

وَأَسْلَم: أي: قبيلة أخرى سالمها الله، أي: صالحنا وضع الله بهم ما يوافقهم ولا يؤلهم بالمحاربة وإنما دعا لغفار، وأسلم لأنهما دخلا في الإِسلام بغير حرب وعُصَيَّةُ: بالتصغير جماعة قتلوا القراء ببئر معونة عصت الله ورسوله" وقد تقدم قضيتهم، وكان ﷺ يقنت عليهم في صلواته من كثرة أحزانه على أصحابه، والحديث رواه أحمد (١) والشيخان (٢) والترمذي عن ابن عمر. * * * ٩٦٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: كنا حين نبايع رسول الله ﷺ على السمع والطاعة، يقول لنا: "فيما استطعتم". • أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، ﵄ قال: كنا حين نبايع رسول الله ﷺ أي: نصافح على السمع والطاعة، أي: نقول له عند المبايعة: إنا نسمع كلامك ونطيع أمرك يقول لنا: أي: لأجلنا "فيما استطعتم" وتلقينا فالمعنى قولوا فيما استطعتم لقوله تعالى في سورة التغابن: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ [التغابن: ١٦] أي: فيما استطعتم وما أحسن ما قال من أرباب الحال شعرًا: إذا لم تستطع أمرًا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع * * * ٩٦٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ لأصحاب الحِجْر: "لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذّبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم؛ أن يصيبَكم مثْلَ ما أصابهم".

стр. 1774

• أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لأصحاب الحِجْر: أي: في حقهم وهم المذكورون في قوله تعالى في سورة الحجر: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الحجر: ٨٠] أراد صالحًا، وإنما جمع لأن من كذب أحدًا منهم فكأنه كذبهم أجمعين؛ لأن كلمتهم واحدة من التوحيد والبعث، والمراد بأصحاب الحجر مدينة ثمود وقوم صالح صلوات الله على نبينا وعليه، وهي بين المدينة النبوية على صاحبها السلام وبين الشام "لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذّبين إلا أن تكونوا باكين، أي: حقيقة خوفًا من الله تعالى فإن لم تكونوا باكين أي: خائفين بحيث لا تجدون البكاء فلا تدخلوا عليهم؛ أي: في محلهم مخافة أن يصيبَكم أي: لئلا يصيبكم أو كراهة أن يصيبكم مثْلَ ما أصابهم" أي: من العذاب وفي (تفسير البغوي) بإسناده عن النبي ﷺ : لما مر بالحجر قال: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل ما أصابهم" وتقنع بردائه وهو على الرحل. وقال عبد الرزاق عن معمر: "ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي". * * * ٩٦٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن عبد الرحمن بن مَعْمَر، عن أبي مُحَيْرِيز، قال: أدركتُ ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: إن من أشراط الساعة المعلومة المعروفة: أن ترى الرجل يدخل البيت لا يشك من رآه أنه يدخله لسوء، غير أن الجُدُر تواريه. • أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن عبد الرحمن بن مَعْمَر بن حزم الأنصاري أبو طوالة بضم المهملة المدني، قاضي المدينة لعمر بن عبد العزيز ثقة، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة أربع وثلاثين ومائة ويقال بعد ذلك كذا قاله في (تقريب التهذيب) عن أبي مُحَيْرِيز، بضم الميم وفتح الحاء المهملة وسكون التحتية ثم راء مكسورة ممدودة ثم زاي اسمه: جنادة بضم الجيم ثم نون وألف ودال مهملة فهاء ابن وهب الجمحي فجنادة أدرك الجاهلية والإِسلام، ومات سنة سبع وستين كذا في

стр. 1775

(الإِصابة) قال: أدركتُ ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: إن من أشراط الساعة بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة جمع الشرط بفتحتين أي: العلامة يعني من علامات القيامة وإنما سميت القيامة ساعة لمجيئها في أقل زمن المعلومة المعروفة: أي: المشهورة أن ترى أيها المخاطب الرجل يدخل البيت أي: بيت من البيوت أي: لا يشك من رآه أنه يدخله أي: إذا دخوله لسوء، أي: من سرقة أو زنى غير أن الجُدُر بضمتين جمع الجدار تواريه أي: تستره، وفي نسخة قال أبو علي: سقط هذا الحديث من كتابي ذلك وما بين ذلك. * * * ٩٦٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا عمّي أبو سُهيل قال: سمعتُ أبي يقول: ما أعرف شيئًا مما كان الناس عليه إلا النداء بالصلاة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: أخبرنا مالك، أخبرنا عمّي أبو سُهيل بن مالك بن عمير بن أبي عامر الأصبحي اسمه نافع المدني ثقة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين المحدثين من أهل المدينة، مات سنة أربعين ومائة كذا في (تقريب التهذيب) (١) قال: سمعتُ أبي أي: أبا مالك بن عمير يقول: ما أعرف شيئًا مما كان الناس أي: المعتبرون وهم السلف الصالحون من الصحابة والتابعين عليه أي: باقين على ذلك (ق ٩٨٤) الشيء المعروف إلا النداء بالصلاة أي: الأذان والإِقامة وما يتفرع عليها من صلاة الجماعة وفي (المشكاة) عن أم الدرداء قالت: دخل علي أبو الدرداء وهو مغضب فقلت: ما أغضبك؟ قال: والله ما أعرف من امرأته شيئًا إلا أنهم يصلون جميعًا. * * * ٩٧٠ - أخبرنا مالك، أخبرني مُخْبِرٌ، أن رسول الله ﷺ قال: "إني أُنَسَّى لأسُنّ".

стр. 1776

• أخبرنا مالك، أخبرني مُخْبِرٌ، أي: مرسلًا لعلة، نافع المدني أن رسول الله ﷺ قال: "إني أُنَسَّى بتشديد السين المهملة مبني للمفعول أي: يرد على النسيان لأسُنّ" بفتح فضم فتشديد أي: لأبين طريقًا يسلك في الدين فهو سبب لإِيراد النسيان وعروضه علي، والمعنى أن ثمرته ترتب على النسيان إلا باعث على إيراده، وفي رواية إنما أنسى لأسن. * * * ٩٧١ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب الزهري، عن عبَّاد بن تميم عن عمّه: أنه رأى رسول الله ﷺ مستلقيًا في المسجد؛ واضعًا إحدى رجليه على الأخرى. • أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب الزهري، عن عبَّاد بن تميم بن غزية الأنصاري المازني المدني ثقة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، وقيل: إن له رؤية، وفي ابن ماجه من طريق عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن عباد بن تميم عن أبيه عن عمّه: في الاستسقاء، والصواب سمعت عباد بن تميم يحدث أبي عن عمه كذا في (تقريب التهذيب) عن عمه عقبة قال ابن حجر: واسم عمه عبد الله بن زيد بن عاصم، وهو أخو أبيه لأمه أنه رأى رسول الله ﷺ مستلقيًا في المسجد؛ واضعًا إحدى رجليه على الأخرى أي: وفعله ﷺ ذلك لدفع التعب عن رجليه لا للتكبر. * * * ٩٧٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان كانا يفعلان ذلك. قال محمد: لا نرى بهذا بأسًا، وهو قولُ أبي حنيفة. • أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين

стр. 1777

المحدثين من أهل المدينة، مات سنة خمس وعشرين ومائة كذا قاله ابن الجوزي أنه قال أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ﵄ كانا يفعلان ذلك أي: الاستلقاء ووضع أحد رجليهما على الأخرى في المسجد. قال محمد: أي: المصنف ﵀ لا نرى بهذا أي: الاضطجاع بأسًا، أي: كراهة وهو أي: عدم البأس قولُ أبي حنيفة أي: حكمة، والحديث الأول رواه الترمذي في (الشمائل) عن عبد الله بن زيد بن عاصم وهو في الصحيحين (١) أيضًا وظاهره ينافيه ما رواه مسلم (٢) عن جابر أن النبي ﷺ قال: "لا يستلقين أحدكم ثم يضع إحدى رجليه على الأخرى"، ولكن قال الخطابي: في حديث الأصل بيان جواز الفعل ودلالة على أن خبر النهي عنه إما منسوخ وإما أن يكون علة النهي أن تبدو عورة الفاعل لذلك، فإن الإِزار ربما ضاق فإذا شاء لابسة إحدى رجليه فوق الأخرى بقيت هنالك فرجة يظهر منها عورته. * * * ٩٧٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، قال: قيل لعائشة ﵂: لو دُفِنْتِ معهم؟ قال: قالت: إني إذًا لأنا المبتدئة بعملي. • أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، بن قيس الأنصاري المدني، يكنى أبا سعيد القاضي ثقة ثبت كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين والمحدثين، من أهل المدينة، مات سنة أربع ومائة قال: قيل لعائشة ﵂: لو دُفِنْتِ معهم؟ بصيغة المجهول فكلمة "لو" للتمني ويجوز أن تكون للشرط أي: وصيت بالناس أن يدفنوك مع النبي وصاحبيه لكان أنسب قالت: إني إذًا أي: حينئذ لأنا المبتدئة أي: مستأنفة بعملي واللام جواب لو المقدرة وإن الجملة الإِسمية استعيرت في مكان الجملة الفعلية، تقديره (ق ٩٨٥) لو كنت مدفونة مع رسول الله وأبي بكر وعمر لكنت مستأنفة بعملي في المستقبل كما قاله ابن هشام في (مغني اللبيب) ولحبط به عملي الأول وأول السبب ما يترتب عليه من قلة الأدب أو لوجود عمر فإنه غير محرم بها والله أعلم. * * *

стр. 1778

٩٧٤ - أخبرنا مالك، قال: قال سلمة لعمر بن عبد الله: ما شأن عثمان بن عفان، لم يُدفن معهم، فسكت ثم أعاد عليه، فقال: إن الناس كانوا يومئذٍ مُتشاغلين. • أخبرنا مالك، قال: قال سلمة لعمر بن عبد الله: أي: ابن أبي خثعم روى عن يحيى كثير وعنه زيد بن الحباب ما شأن عثمان بن عفان، ﵁ لم يُدفن معهم، أي: مع النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄ فسكت ثم أعاد عليه، أي: السؤال فقال: إن الناس كانوا يومئذٍ أي: يوم قتله شهيدًا كانوا مُتشاغلين أي: في أمر الفتنة التي فصلناها في باب صلاة العيدين، وأمر الخطبة فشغلهم الله تعالى عن ذلك ودفن في البقيع مع سائر الصحابة هنالك، وكان ﷺ قد أخبر بمن يكون معه في ذلك المقام بقوله كما في (المنتظم) لابن الجوزي عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "ينزل عيسى ابن مريم من السماء إلى الأرض ويتزوج ويمكث خمسة وأربعين سنة ثم يموت فيدفن معي في قبري أو في قبره فأقوم أنا وعيسى ابن مريم من قبر واحد أي: في محل واحد بين أبي بكر وعمر" كذا ذكره في (تحقيق النصرة). ونقل أهل السير عن سعيد بن المسيب قال: بقي في البيت موضع قبر في السهوة الشرقية يدفن فيها عيسى ابن مريم ويكون قبره الرابع. * * * ٩٧٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ وُقِيَ شر اثنين ولج الجنَّة، فأعاد ذلك ثلاث مرات، مَنْ وُقِي شر اثنين ولج الجنَّة، ما بين لَحْيَيه وما بين رجليه". • أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، العدوي مولى عمر بن الخطاب يكنى أبا عبد الله وأبا أسامة المدني ثقة عالم يرسل، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين ومائة عن عطاء بن يسار، الهلالي يكنى أبا محمد المدني مولى ميمونة، ثقة فاضل صاحب مواعظ وعبادة، كان في الطبقة الثانية من صغار

стр. 1779

التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين أنه قال مرسلًا بلا خلاف علمه عن مالك قاله ابن عبد البر رواه البخاري والترمذي موصولًا عن سهل بن سعد والعسكري وابن عبد البر والديلمي عن أنس، وجاء أيضًا عن أبي موسى كلهم بمعناه أن رسول الله ﷺ وفي نسخة: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ وُقِيَ بصيغة المجهول أي: من حفظه الله شر اثنين أي: من الأشياء ولج أي: دخل الجنَّة، أي: مع السابقين أو بغير عذاب فأعاد ذلك أي: المقول ثلاث مرات، أي: للمبالغة والتأكيد من وُقِي شر اثنين أي: عضوين من أعضاء الإِنسان ولج الجنَّة بفتح اللام أي: دخلها ثم بينهما بقوله أي: أحدهما ما بين لَحْيَيه بفتح اللام وسكون الحاء المهملة وتحتيتين أولهما فتح وثانيهما ساكن معناهما العظمان في جانب الفم وما بينهما هو اللسان. وقال الداودي: المراد ما بين لحييه الفم بتمامه، فيتناول الأقوال كلها والأكل والشرب وسائر ما يأتي بالفم من النطق والفعل كتقبيل وعض وشم، وقال: من يحفظ من ذلك أمن الشر كله. قال الحافظ: خفي عليه أنه بقي البطش باليدين وإنما محل الحديث على أن النطق باللسان أصل في حصول كل مطلوب فإن لم ينطق به إلا في خير سلم. وقال ابن بطال: دل الحديث على أن أعظم البلايا على المرء في الدين لسانه وفرجه وثانيهما وما بين رجليه" أي: فرجه لم يصرح به استهجانًا بذكره واستيحاء؛ لأنه ﷺ كان أشد حياء من البكر في خدرها كذا قاله الفاضل محمد الزرقاني (١). * * * ٩٧٦ - أخبرنا مالك، قال: بلغني أن عيسى ابن مريم كان يقول: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فتقسوا قلوبكم، فإن القلب القاسي بعيدٌ عن الله تعالى ولكن لا تعلمون، ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب، وانظروا فيها

стр. 1780

كأنكم عبيد، فإنما الناس: مُبتلىً ومعافىً، فارحموا أهل البلاءِ واحمدوا الله على العافية. • أخبرنا مالك، قال: أي: مالك بلغني أن عيسى ابن مريم كان يقول: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله بل أكثر واذكر الله حتى يقول مخبول كما ورد وقد قال الله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] فتقسوا بالنصب قلوبكم، أي: بسبب الغفلة عن ذكر الله، وقال تعالى في سورة الزمر: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية [الزمر: ٢٢] فلا ينفعها عظة ولا يثبت فيها حكمة فإن القلب القاسي بعيدٌ عن الله أي: من رحمته تعالى ولكن لا تعلمون، أي: ذلك لغفلتكم وهذا قد جاء مرفوعًا عن النبي ﷺ قال: "لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فإنه قسوة للقلب وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي" رواه الترمذي (١) عن ابن عمر ولا تنظروا عطف على قوله: لا تكثروا في ذنوب الناس أي: في عيوبهم كأنكم أرباب، أي: سادات وانظروا فيها أي: في ذنوبكم كما في (الموطأ) لمالك برواية يحيى كأنكم عبيد، أي: يخافون إطلاع ساداتهم على ذنوبهم فيحذرون فإنما الناس: مُبتلىً أي: بالذنوب ومعافىً، أي: يتجاوزون عنها فإنهم لا يخلون عن الحالين فارحموا أهل البلاءِ أي: بنحو الدعاء برفعه عنهم وعدم النظر إلى ذنوبهم وهتكهم بها واحمدوا الله على العافية أي: صحة أبدانكم وسائر النعم ليديم ذلك عليكم قال تعالى في سورة إبراهيم: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]. * * * ٩٧٧ - أخبرنا مالك، حدثني سميّ مولى أبي بكر، عن أبي صالح

стр. 1781

السمَّان، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "السَّفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم نَومَه وطعامه وشرابه فإن قضى أحدكم نَهمته من وجهه، فليعجل إلى أهله". • أخبرنا مالك حدثنا وفي نسخة: حدثني بالإِفراد سميّ بضم السين المهملة وفتح الميم وتشديد التحتية مولى أبي بكر، بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فقيه كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين والمحدثين، مات سنة ثلاثين ومائة مقتولًا كذا قاله ابن حجر (١). قال ابن عبد البر: تفرد به مالك عن سمي فلا يصح لغيره عنه، وانفرد به سمي أيضًا فلا يحفظ عن غيره وليس له غير هذا الإِسناد من وجه يصح. وقال الحافظ: كذا في (الموطأ) لمالك وصرح يحيى النيسابوري عن مالك بتحديث سمي له، وشذ خالد بن مخلد فقال: مالك عن سهيل بدل سمي أخرجه ابن عدي، وذكر الدارقطني أي: ابن الماجشون رواه عن مالك عن سهيل وأنه وهم فيه رواية عن ابن الماجشون، وقد خالفه غيره عنه فقال: عن سمي وهو المحفوظ عن مالك، والحديث مسند صحيح ثابت احتياج الناس فيه إلى مالك، ورواه عتيق بن يعقوب عن مالك عن أبي النضر أخرجه الدارقطني والطبراني وأخرجه ابن عبد البر: من طريق أبي مصعب عن عبد العزيز الداروردي عن سهيل عن أبيه وهذا يدل على أن له في حديث سهيل أصلًا وأن سميًا لم ينفرد به عن أبي صالح السمَّان، وهو ذكوان بن صالح السمان الزيات المدني، ثقة ثبت كان يجلب الزيت إلى الكوفة، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة إحدى ومائة كذا في (تقريب التهذيب) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "السَّفر قطعة أي: جزء من العذاب، أي: من الألم الناشئ عن المشقة لما يحصل في الركوب والمشي من ترك المألوف كالحر والبرد (ق ٩٨٧) والخوف وخشونة العيش ولفراق الأحباب سئل إمام الحرمين حيث جلس موضع أبيه لم كان السفر قطعة من العذاب؟ فأجاب على الفور: لأن فيه فراق الأحباب يمنع أحدكم نَومَه وطعامه وشرابه بنصب الثلاثة بنزع الخافض، أو على أنه مفعول ثان ليمنع؛ لأنه يطلب مفعولين

стр. 1782

كأعطى وفصله عما قبله استئنافًا كالجواب لمن قال: لم كان ذلك؟ فقال: يمنع أي: وجه التشبيه الاشتمال على المشقة وقد جاء التعليل في رواية أبي سعيد المقبري ولفظه: "السفر قطعة من العذاب"؛ لأن الرجل يشتغل فيه عن صلاته وصيامه فذكر الحديث، والمراد منع الكمال لا الأصل فإن قضى أحدكم نَهمته بفتح النون وسكون الهاء وفتح الفوقية أي: حاجته بأن بلع همته وفرغ من وجهه، أي: من طريق سفره ومن مقصده، ولابن عدي في حديث ابن عباس ﵄: "فإذا قضى أحدكم وطره من سفره"، وفي رواية رواد: "فإذا فرغ أحدكم من حاجته" فليعجل بضم التحتية وكسر الجيم مشددة أي: الرجوع إلى أهله فحذف المفعول. وفي رواية عتيق: "فليعجل الرجوع إلى أهله" فإنه أعظم لأجره، وفي الحديث كراهة التغرب على الأهل بلا حاجة، وندب استعمال الرجوع لا سيما من يخشى عليهم الضيعة، ولما في الإِقامة عن الراحة المعينة على صلاح الدين والدنيا وتحصيل الجماعات والقوة على العبادة، قال ابن بطال: ولا تعارض بين الحديث وحديث ابن عمر مرفوعًا: "سافروا تصحوا" لأنه لا يلزم من الصحة بالسفر لما فيه من الرياضة أن لا يكون قطعة من العذاب لما فيه من المشقة، فصار كالدواء المر المعقب للصحة وإن كان تناوله كراهة. * * * ٩٧٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سالم بن عبد الله، قال: قال عمر بن الخطاب: لو علمتُ أن أحدًا أقوى على هذا الأمر مني لكان أن أقدّم فيُضرب عنقي أهون عليَّ، فمن وَلِي هذا الأمر فليعلم أن سيرده عنه القريبُ والبعيدُ، وايمُ الله إن كنتُ لأقاتل الناس عن نفسي. • أخبرنا مالك, أخبرنا يحيى بن سعيد، بن قيس الأنصاري المدني، يكنى أبا سعيد القاضي، ثقة ثبت كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة عن سالم بن عبد الله، بن عمر بن الخطاب القرشي، يكنى أبا عمر أو أبا عبد الله المدني، أحد الفقهاء السبعة كان ثبتًا عابدًا فاضلًا، وكان يشبه بأبيه

стр. 1783

في الهدى والسمت، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين المحدثين من أهل المدينة، مات في آخر سنة ست بعد المائة أنه قال: قال عمر بن الخطاب: ﵁ لو علمتُ أن أحدًا أقوى على هذا الأمر مني أي: لو أصلح لأمر الخلافة لكان أن أقدّم أي: أمسك بين يدي الناس فيضرب عنقي أهون عليَّ، أي: أسهل وأحسن كون أمر الإِمارة أمر وأصعب وأخشن. والحاصل: إن تعينت في قبول هذا الأمر الكثير الخطر فمن وَلِي هذا الأمر بعدي أي: بعد موتي فليعلم أي: يقينًا كون اللازم عليه أن سيرده عنه أي: عن نفسه باللطف لا بالعنف القريبُ أي: أهل بلده والبعيدُ، أي: غيرهم، أو المراد بهما الأقارب والأجانب أي: الصديق والعدو وايمُ الله إن كنتُ (ق ٩٨٨) أي: قد كنت في أيام خلافتي لأقاتل الناس أي: خاصة وعامة عن نفسي أي: حتى لا يكون لأحد عليّ اعتراض في ديني وعرضي. * * * ٩٧٩ - أخبرنا مالك، أخبرني مُخْبِرٌ، عن أبي الدرداء، قال: كان الناس ورقًا لا شوك فيه، وهو اليوم شوك لا ورق فيه، إن تركتهم لم يتركوك، وإن نقدتهم نقدوك. • أخبرنا مالك, أخبرني مُخْبِرٌ، عن أبي الدرداء، رضي الله تعالى عنه قال: كان الناس أي: الأولون المهاجرون والأنصار ورقًا أي: كورق لا شوك فيه، أي: لا ضرر في صحبتهم بل كان محض الخير في رؤيتهم وهو أي: الناس الموجودون اليوم أي: في هذا الزمان شوك أي: مشهورون بالشوك الذي في قربهم الضرر لا ورق فيه، أي: لا منفعة فيه صحبتهم ومع هذا إن تركتهم أي: في حالهم لم يتركوك، أي: في حالك وإن نقدتهم أي: تكلمت في حقهم بالحق نقدوك أي: تكلموا في حقك بالباطل. والحاصل: أن الخلق يشغلونك عن العبادة بل يمنعوك منها بل يوقعونك في الشر والفساد وعلى ما قاله حاتم الأصم: طلبت من هذا الخلق خمسة أشياء: فلم أجد ما طلبت منهم الطاعة، والزهادة، فلم يفعلوا، فقلت: أعينوني عليها إن لم تفعلوا فلم يفعلوه، فقلت: أرضوا عني إن فعلت فلا تفعلوا، فقلت: لا تمنعوني عنها إذن فمنعوا، فقلت: لا تدعوني إلى طلب الدنيا وإلى ما لا يرضي المولى، ولا تعادون عليها إن لم أتابعكم فلم

стр. 1784

يفعلوا، فتركتهم واشتغلت بخاصة نفسي، وفي الخبر المشهور عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: بينا نحن حول رسول الله ﷺ أن ذكرت الفتنة فقال: "إذا رأيتم الناس حرجت عهودهم وخفت أمانتهم، وكانوا هكذا" وشبك بين أصابعهم، قلت: ما أصنع عند ذلك جعلني الله فداك، قال: "الزم بيتك واملك عليك لسانك وخذ ما تعرف ودع ما تنكر وعليك بأمر الخاصة ودع أمر العامة"، وقد قال الثوري: والله الذي لا إله إلا هو لقد حلَّت العزلة في هذا الزمان. قال الغزالي: إن حلَّت في زمانه ففي زماننا وجبت. وقال الثوري أيضًا: هذا زمان السكون ولزوم البيت والرضا بالقوت إلى أن يموت. * * * ٩٨٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بن المسيَّب يقول: كان إبراهيم أول الناس؛ ضَيَّفَ الضيفَ، وأوَّل الناس اختتن، وأول الناس قصّ شاربه، وأول الناس رأى الشيب، قال: يا رب ما هذا؟ فقال الله له: وَقَارٌ يا إبراهيم، قال: يا رب زدني وقارًا. • أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بن المسيَّب يقول: كان إبراهيم أول الناس؛ أي: سبقهم في أنه ضَيَّفَ الضيفَ، كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات: ٢٤] ولعل المراد أنه أول من أكرم الضيف أو أنه لم يأكل من دون الضيف وأوَّل الناس اختتن، أي: بقدومه كما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ يرفعه: "اختتن إبراهيم ﵇ وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم"، وروى ابن عدي والبيهقي عنه يرفعه: "أول من اختتن إبراهيم ﵇ وهو ابن عشرين ومائة سنة ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة واختتن بالقدوم" وأخرجه الحاكم والبيهقي وصححاه موقوفًا على أبي هريرة، والقدوم بفتح الكاف وضم الدال المهملة وسكون الواو والميم الحديد، آلة النجار لما جاء أنه اختتن به واشتد عليه الألم فدعى وبه أوحى الله إليه إنك عجلت قبل أن آمرك بالآلة، قال: يا رب كرهت أن أؤخر أمرك حين أمرتني وأول الناس قصّ (ق ٩٨٩) شاربه، كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى

стр. 1785

إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] فأدى حقه الكلمات المأمورات وقام بهن في أتم الحالات. قال طاوس عن ابن عباس: ابتلاه بعشرة أشياء هي: الفطرة خمس في الرأس، وأول الناس قص شاربه، وكذا المضمضة والاستنشاق، والسواك، وفرق الرأس، وخمس في الجسد، تقليم الأظافر، ونتف الإِبط، وحلق العانة، والختان، والاستنجاء بالماء، وأول الناس رأى الشيب، قال: يا رب ما هذا؟ أي: الشيب فقال الله له: وَقَارٌ يا إبراهيم، قال: يا رب زدني وقارًا زاد البيهقي وابن عدي عن أبي هريرة يرفعه: "وأول من قص الأظافير". * * * ٩٨١ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بن المسيَّب، يحدثه عن أنس أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "كأني أنظر إلى موسى يهبط من ثنيّة هرْشى، ماشيًا عليه ثوب أسود". • أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بن المسيَّب، يحدثه عن أنس ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "كأني أنظر إلى موسى يهبط أي: ينزل من ثنيّة هرْشى، أي: عقبتها وهي بين مكة والمدينة كما في (النهاية) ماشيًا كذا في الأصل لمحمد بن الحسن الشيباني لعله ملبيًا عليه ثوب أسود" فيه جواز لبس السواد. * * * ٩٨٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أنه سمع أنس بن مالك يقول: دعا رسول الله ﷺ الأنصار ليقطع لهم بالبَحْرين، فقالوا: لا والله، إلا

стр. 1786

أن تقطع لإِخوانِنا من قريش مثلها، مرتين أو ثلاثًا، فقال: "إنكم سترون بعدي أثَرةً فاصبروا حتى تلقوني". • أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أنه سمع أنس بن مالك يقول: دعا رسول الله ﷺ الأنصار ليقطع لهم أي: من إقطاع الأراضي بالبَحْرين، أي: وهو اسم بلد قريب بالبصرة فقالوا: لا والله، أي: لا نرضى عطيتنا إلا أن تقطع لإِخواننا من قريش أي: من المهاجرين مثلها، أي: نظير عطيتنا مرتين أو ثلاثًا، أي: ثلاث مرات فإن لهم علينا فضلًا وهذا من كمال علمهم وزهدهم كما أشار إليه قوله تعالى في سورة الحشر: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] فقال: أي: النبي ﷺ "إنكم سترون بعدي أي: بعد موتي أثَرةً بفتحتين والمعنى أنه يتأثر عليكم فيفضل غيركم في نصيبه من الغنى أو في استحقاقه من مناصبه العلية كالإِمارة والإِمامة والقضاء والخطابة فاصبروا حتى تلقوني" أي: يوم القيامة على حوضي كما في رواية. وحاصله أن أجركم على الله في العقبى بما تصبرون على ما تكرهون في الدنيا، والحديث رواه أحمد (١) والشيخان (٢) والترمذي (٣) والنسائي (٤) عن أسيد بن حضير وأحمد والشيخان عن أنس بلفظ: "إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني غدًا على الحوض". * * * ٩٨٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي، قال: سمعتُ علقمة بن وقاص يقول: سمعتُ عمر بن الخطاب يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إنما الأعمال بالنيّة، وإنما لامرئٍ ما نوى،

стр. 1787

فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه". • أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أخبرني محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد التيمي، يكنى أبا عبد الله المدني ثقة له أفراد، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة عشرين ومائة على الصحيح كما قاله ابن حجر (١) قال: سمعتُ علقمة بن وقاص يقول: سمعتُ عمر بن الخطاب يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إنما الأعمال بالنيّة، وفي رواية: بالنيات، وفي رواية: بغير إنما، وفي أخرى: العمل بالنية أي: الأعمال المستقلة في العبادات لا تصح إلا مقرونة بالنيات والأعمال كلها لا تعتبر إلا بالنيات وإنما لامرئٍ مما نوى، أي: من الإِخلاص والرياء في الطاعات فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله أي: قصدًا (ق ٩٩٠) ومآبًا فهجرته إلى الله ورسوله، أي: عاقبة ومثابًا ومن كانت هجرته إلى دنيا أي: مصروفة إلى أغراض دنيوية يصيبها، أي: يريد أن ينتفع بها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه" أي: من قصد الدنيا وطلب النساء لا إلى الله ورسوله، والمعنى أنه لا ثواب في تلك الهجرة لعدم تصحيح النية، وعطف امرأة من باب التخصيص بعد التعميمات إشارة إلى أن النساء أضر ما في الدنيا من الأشياء، أو إيماء إلى سبب ورود الحديث. لما فرغ من بيان الأحاديث النوادر، شرع في بيان ما يتعلق بحكم وقوع الفأرة في السمن، فقال: هذا * * * باب الفأرة تقع في السمن الفأرة تقع في السمن أي: ونحوه والفأرة بهمزة ساكنة ويجوز إبدالها ألفًا. ٩٨٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عُبيد الله بن عبد الله بن

стр. 1788

عتبة، عن عبد الله بن عباس: أن النبي ﷺ سُئِلَ عن فأرة وقعت في سمن فماتتْ، قال: "خذوها، وما حولها من السمن فاطرحوه". قال محمد: وبهذا نأخذ، إذا كان السمن جامدًا أُخِذَت الفأرةُ وما حولها من السمن فرمي به، وأُكِلَ ما سوى ذلك، وإن كان ذائبًا لم يُؤكل منه شيء، واسْتُصْبِحَ به، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عُبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أي: ابن مسعود الهزلي يكنى أبا عبد الله المدني ثقة فقيه ثبتًا، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين كذا في (تقريب التهذيب) عن عبد الله بن عباس: ﵄ عن خالته ميمونة زوج النبي ﷺ كذا في (الموطأ) لمالك برواية يحيى، فجود إسناده وأتقنه وتابعه جماعة كابن مهدي والشافعي وابن نافع وإسماعيل ورواه القعنبي وغيره بإسقاط ميمونة وأشهب، وغيره بترك ابن عباس وأبو مصعب ويحيى بن بكير بإسقاطهما. قال ابن عبد البر: والصواب رواية يحيى أن النبي ﷺ سُئِلَ عن فأرة والسائل ميمونة كما رواه الدارقطني وغيره من طريق يحيى القطان وجويرية كلاهما عن مالك بإسناده أن ميمونة رضي الله تعالى عنها استفتت رسول الله ﷺ عن الفأرة وقعت في سمن أي: جامدًا كما في رواية ابن مهدي عن مالك، وكذا ذكرها أبو داود الطيالسي في (مسنده) عن سفيان بن عيينة عن ابن شهاب، ورواه الحميدي والحفاظ من أصحاب ابن عيينة بدونها فماتتْ، قال: "خذوها، أي: الفأرة وما حولها من السمن فاطرحوها" زاد إسماعيل: وكلوا سمنكم أي: الباقي، وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة سئل رسول الله ﷺ عن الفأرة تقع في السمن قال: "إن كان السمن جامدًا فألقوها وما حولها وإن كان مائعًا فلا تقربوها" أخرجه أبو داود وغيره. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل هنا بهذا الحديث إذا كان السمن جامدًا بين المهملة أي: جامدًا أُخِذَت الفأرةُ وما حولها من السمن فرمي به، أي: بما ذكر وأُكِلَ ما سوى ذلك، وإن كان أي: السمن ونحوه ذائبًا أي: مائعًا لم يُؤكل منه شيء، واسْتُصْبِحَ به، أي: واستعمل به للسراج ونحوه وهو أي: المذكور قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.

стр. 1789

لما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم وقوع الفأرة في السمن وغيره من المائعات، شرع في بيان ما يتعلق بدباغة جلد الميتة، فقال: هذا * * * باب دباغ الميتة دباغ الميتة أي: جلدها. ٩٨٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن ابن وَعْلة المصري، عن عبد الله بن عباس، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دُبغ الإهاب فقد طهر". • أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، العدوي مولى عمر بن الخطاب ﵁، يكنى أبا عبد الله (ق ٩٩١) أو أبا أسامة المدني ثقة عالم كان يرسل، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين ومائة عن ابن وَعْلة بفتح الواو وسكون العين المهملة وفتح اللام المصري، اسمه عبد الرحمن بن وعلة النسائي، من أهل مصر تابعي ثقة صدوق، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل مصر، كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، مات بعد المائة عن عبد الله بن عباس، ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دُبغ الإهاب وهو بكسر الهمزة أي: جلد الميتة قبل الدباغة فقد طهر". * * * ٩٨٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا يزيد بن عبد الله بن قُسَيْط، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثَوْبَان، عن أُمِّه، عن عائشة زوج النبي ﷺ : أن رسول الله ﷺ أمر أن يُستمتع بجلود الميتة إذا دُبغت. • أخبرنا مالك، أخبرنا يزيد بن عبد الله بن قُسَيْط، بضم القاف وفتح السين المهملة وسكون التحتية فطاء مهملة، وفي نسخة: يزيد بن عبد الله بالتحتية ابن أسامة الليثي،

стр. 1790

يكنى أبا عبد الله المدني الأعرج ثقة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة اثنين وعشرين ومائة وله تسعون سنة عن محمد بن عبد الرحمن بن ثَوْبَان، العامري عامر قريش المدني ثقة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة عن أُمِّه، وهي تابعية مقبولة لا يعرف اسمها عن عائشة زوج النبي ﷺ : أن رسول الله ﷺ أمر أن يُستمتع أي: ينتفع بجلود الميتة إذا دُبغت. * * * ٩٨٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، قال: مَرَّ رسول الله ﷺ بشاة كان أعطاها مولاةٌ لميمونة زوج النبي ﷺ ميتة، فقال رسول الله ﷺ : "هلا انتفعتم بجلدها"، قالوا: يا رسول الله إنها ميتة، قال: "إنما حُرِّمَ أكلها". قال محمد: وبهذا نأخذ، إذا دبغ إهاب الميتة فقد طهر، وهو ذكاته، ولا بأس بالانتفاع به، ولا بأس ببيعه، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. • أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، أي: ابن عمر بن الخطاب قال: مَرَّ رسول الله ﷺ بشاة كان أعطاها مولاةٌ لميمونة زوج النبي ﷺ ميتة، أي: أمر بها حال كونها ميتة فقال رسول الله ﷺ : "هلا انتفعتم أي: لم لا تنتفعوا انتفعوا بجلدها"، قالوا: يا رسول الله إنها ميتة، قال: "إنما حُرِّمَ أكلها" وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: تصدق على مولاة لميمونة بشاة فماتت فمر بها رسول الله ﷺ فقال: "هلا أخذتم إهابها فدبغتموه وانتفعتم به"، فقالوا: إنها ميتة، فقال: "إنما حرم أكلها". قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: نعمل بهذا الحديث إذا دبغ إهاب الميتة فقد طهر، وهو أي: دبغ إهابها ذاتها، أي: الإِهاب، وفي نسخة ذكاتها أي: تطهيرها وبمنزلة تذكيتها حيث يكون سببًا لتطهير جلدها ولو لم تؤكل ولا بأس بالانتفاع به، أي: بالجلد
следующие страницы →