← Тараджим

Тараджим · id 127715

تحرير تقريب التهذيب

بشار عواد معروف

Полный текст (1 754 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

تحرير تقريب التهذيب للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (المتوفى سنة ٨٥٢ هـ) تأليف الدكتور بشار عواد معروف الشيخ شعيب الأرنؤوط [الجزء الأول]

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

تَحْرِير تَقْرِيب التَّهْذِيب [١]

стр. 4

جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة للناشر الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م مؤسسة الرِّسالة للطباعة والنشر والتوزيع مؤسسة الرِّسالة - بيروت - وطى المصيطبة - مبْنى عبد الله سليت تلفاكس: ٨١٥١١٢ - ٣١٩٠٣٩ - ٦٠٣٢٤٣ - ص. ب: ١١٧٤٦٠ - برقيا: بيوشران E-mail: Resalah@Cyberia.net.lb

стр. 5

مقدمة الناشر إن مؤسسة الرسالة قد أصدرت بعون الله وتوفيقه كتاب "تهذيب الكمال" للإمام الحافظ أبي الحجاج المِزِّي في طبعة محققة تحقيقًا علميًّا جيدًا، وقد اعتمد فيه محقِّقُه على نسخ خطية متقنة، وبذل في تحقيق نصوصه والتعليق عليها جهدًا طيبًا، وتمت طباعة هذا الكتاب طباعةً أنيقة ترتقي إلى مستوى الإخراج المعاصر. ولما كان من خطة المؤسسة استكمال حلقات الكتاب الواحد، فقد عمدت بعد إخراج كتاب "تهذيب الكمال" إلى تهيئة تهذيبه المسمَّى "تهذيب التهذيب" للإمام الحافظ ابن حجر، وإخراجه في طبعة جديدة معتنىً بها، وذلك بعد مراجعة على أصله "تهذيب الكمال" وعلى غيره من كتب التراجم والتواريخ، بالإضافة إلى جهد وخبرة الأساتذة المحققين في مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة التي أصدرت مجموعة لا بأس بها من كتب التراجم (١). واستتمامًا لهذه الخطة أصدرت مؤسسة الرسالة كتاب "تقريب التهذيب" للحافظ ابن حجر في طبعتين: أولاهما: "تحرير التقريب" تأليف الدكتور بشار عواد معروف، والأستاذ الشيخ شعيب الأرنؤوط، فقد قاما باستقراء أحكام الحافظ على الرواة ومقابلتها بأقوال أهل الجرح والتعديل من المتقدمين، وعليه فقد استخلصوا أحكامًا على كثير من الرواة خالفوا فيها أحكام الحافظ مع ذِكْر أقوال أهل الجرح والتعديل عند الترجمة. وأُتحف الكتاب ببعض الحواشي من تعقيبات على ما أخطأ فيه المؤلف سواء كان في الوَفيات، أو في طبقات الرواة، أو غيرها.

стр. 6

وقد اعتُمِد في تحقيق نص "التقريب" على نسختين خطيتين: الأولى: نسخة المؤلف بخطه، والثانية: نسخة الميرغني. وصدر الكتاب في أربعة مجلداتٍ. الثانية: "تقريب التهذيب" مجردًا دون "التحرير"، وقد اعتنى بهذه النسخة من مكتب تحقيق التراث في مؤسستنا الأستاذ عادل مرشد، واعتمد في عمله على النسختين السالف ذِكْرهما، وأكَّد في عمله على ما يلي: ١ - التعليق على ما سبق به قلم المصنف في ضبط بعض الأسماء أو الأنساب، أو في تاريخ الوفاة، أو غيرها. ٢ - استدراك ما فات المصنف من رقوم أصحاب الكتب الستة. ٣ - التنبيه على الرواة الذين روى لهم البخاري ومسلم أو أحدهما تعليقًا أو مقرونًا أو متابعة. ولا يفوتنا أن ننبه هنا أنه قد أفاد من الطبعتين الجيدتين للتقريب، وهما: طبعة الأستاذ محمد عوّامة، وطبعة الشيخ أبي الأشبال صغير أحمد شاغف، جزاهما الله خيرًا. وهكذا فقد أصدرنا "التقريب" بطبعة متقنة جديدة جاءت بميزات الطبعات السابقة، بالإضافة إلى الإفادة من طبعتنا لكتاب "تهذيب الكمال". ونحن إذ نضع هذه الكتب الموسوعية بين أيدي قرّائنا الكرام، باذلين الجهدَ فيها، مكرِّسين أنفُسَنا لخدمة كتاب الله وسُنَّة نبيه، داعين الله أن يوفِّقَنا فيما نَصْبُو إليه, شاكرين فضلَه علينا؛ آملين منه أن يوفِّقَ جميع العاملين في المؤسسة؛ والمشاركين في التأليف والتحقيق، أن يوفِّقَهم جميعًا لما يحبُّه ويرضاه؛ ونأمل أن نكون قد قدَّمنا الخيرَ للقراء الكرام، ونطمع منهم بالدعاء المخلص لنا في ظهر الغيب لتقديم المزيد من العطاء، والله وليُّ التوفيق. رضوان دعبول

стр. 7

مقدمة التحقيق الحمد للهِ الذي هدانا لهذا وما كُنَّا لنهتديَ لولا أن هدانا الله، الحمدُ لله نَحمَدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَنْ يَهْدِه الله، فلا مُضِلَّ له، ومن يُضْلِلْ، فلا هَادِيَ له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كلمة قامت بها الأرضُ والسَّماواتُ، وخُلِقَتْ لأجلها جميعُ المخلوقات، وبها أَرْسَلَ الله تعالى رُسُلَه، وأنزلَ كتبه. ونَشْهَدُ أَنَّ سيدَنا وإمامَنَا وقُدوتنا وأسوتَنا وشفيعَنا وحبيبنا محمدًا عَبْدُه ورسولُه، وأمينُه على وحيه، وخيرتُه من خلقه، صاحبُ لِواء الحمد والمقام المحمود، اللهم صَلِّ عليه وعلى إخوانه النبيين وآلِه الطيبين، وصحابتَه الغُرِّ الميامين: أما بعدُ، فلا يختلِفُ اثنان مِن أهل العلم والدِّراية في أنَّ الإِمام ابن حَجر شهابَ الدين أبا الفضل أحمد بن عليّ الكِنانيَّ العَسْقلانيّ (٧٧٣ - ٨٥٢ هـ) كان شيخ الإِسلام وحافِظ الدِّيارِ المصرية، وإمام الحُفَّاظ في زمانه. حَمَل لواءَ السنة المُصطفوية في أوانه، وصار مَرْجِعَ النَّاس في التَّضعيف والتَّصحيح، وأَبْرَزَ الشهود والحُكَّام في التعديل والتجريح، مع الدِّيانة المتينةِ، والأخلاقِ الحَسَنة الرَّفيعة، والمُحاضرة اللَّطيفة، فلم تَرَ العيونُ مِثْلهُ، ولا رَأَى هو مِثْلَ نفسِه.

стр. 8

ومع أنَّه كان عظيمَ الحظ من الدُّنيا، له مِن المالِ والجاه والرِّياسة النصيبُ الأوفى، لم تُتْرِفه النِّعمةُ، ولم يُؤْثِرْ في عَمَلِه العاجِل وَيذَرِ الأجل، فركب جُدَّةً من الأمر، وحَصَّنَ نفسه بالعِلْمِ حتى بلغَ فيه الغاية، فكان تِقْنًا من الأتقان في حديثِ رسولِ الله ﷺ ، فَرُسَ به، وضَرَبَ آباطَ أُموره ومغابنَها، واستتفَّ ضمائِرَها وبواطِنَها، ولو لم يكن لَهُ إلا "فتح الباري"، لكَفاه رِفعةً في المَنْزِلة، بَلْهَ مؤلفاته النَّافِعَة الأُخرى البليغة الكثرة ذوات الفوائد والعوائد، وعنايَتَه البالغة بكتاب "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" لحافظ عمره جمالِ الدين أبي الحجَّاج يُوسُف المزِّي (٦٥٤ - ٧٤٢ هـ) الذي يُعَدُّ أنفسَ كتابٍ أُلِّف في رجالِ الكتب الستة: البخاري ومسلم والتِّرمذي وأبي داود وابنِ ماجةَ والنَّسائي، ورجالِ مؤلفاتهم الأُخَر بحيث: "كسَفَ به الكُتُبَ المتقدمة في هذا الشأن" (١)، وأجمعَ العُلماء على أنَه لم يُصَنَّفْ مِثْلُه (٢)؛ "لأنَّ مؤلفَه أبدعَ فيما وضعَ، ونَهجَ للناس منهجًا لم يُشْرَع" (٣)، فجاء الحافظ ابن حجر، فاختصره في كتابه النافع "تهذيب التهذيب"، ثم اختصرَ منه كتابَه "تقريب التهذيب"، وهما مطبوعانِ مشهوران، يتداولُهما النَّاسُ، ويعتمدونهما في معرفة أحوالِ الرجال. وقد سبق الحافظَ ابنَ حجر في العناية بتهذيب الكمال عددٌ مِن العلماء الأعلام الذين تناولُوا هذا الكتابَ النفيسَ بالاختصار أو الاستدراكِ أو التعقيبِ. منهم: جمال الدين رافع السّلّامي (٦٦٨ - ٧١٨ هـ) صاحب "الكنى

стр. 9

المختصر من تهذيب الكمال في أسماء الرجال". والحافظ الذَّهَبي (٦٧٣ - ٧٤٨ هـ) في كُتُبه "تذهيب التهذيب"، و"الكاشف في معرفة مَنْ له رواية في الكتب الستة"، و"المجرد من تهذيب الكمال"، و "المقتضب من تهذيب الكمال". وأبو العباس أحمدُ بنُ سعد الغَسَّاني الأَنْدَرْشيّ (بعد ٦٩٠ - ٧٥٠ هـ) وله مختصر للكتاب. وعلاء الدين مُغُلْطاي الحَنَفي (٦٨٩ - ٧٦٢ هـ) صاحب الكتابِ النفيس "إكمال تهذيب الكمال". وشمس الدين الحُسيني (٧١٥ - ٧٦٥ هـ) في كتابه: "التذكرة في رجال العشرة". والحافظ عماد الدين ابن كثير (٧٠١ - ٧٧٤ هـ) في كتابه "التَّكميل في الجرح والتعديل ومعرفة الثِّقات والضعفاء والمجاهيل". وابن بَرْدس البعلبكي (٧٢٠ - ٧٨٦ هـ) في كتابه "بغية الأَريب في اختصار التهذيب". وسراج الدين بن المُلَقِّن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) في كتابه "كمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال". وسبط ابن العَجَمي الحَلَبي (٧٥٣ - ٨٤١ هـ) في كتابه "نهاية السُّول في رواة الستة الأصول"، وغيرهم (١). على أننا رأينا للحافظِ ابنِ حجر في "تهذيب التهذيب" حُسْنًا وأَنقًا وبهاءً ورونقًا بَرَعَ أصحابَه فيه، فصار هو المعتمد المعتدَّ عندَ أهلِ العلم

стр. 10

دونَ سواه من المختصرات السابقة. اختصر الحافظُ ابنُ حجر "التهذيب" إلى نحو الثلُث، وطُبِعَ في حيدر آباد في اثني عشر مجلدًا في السَّنوات ١٣٢٥ - ١٣٢٧ هـ، وأبدى في مقدمته عِدّة ملاحظات على كتاب المِزِّي، من أبرزها: ١ - طولُ الكتاب (١) بحيث قَصُرت الهِمَمُ عن تحصيله، فتوجه النَّاسُ إلى كتاب "الكاشف" الذي اخصره منه الحافظُ الذهبي، اختصارًا مجحفًا لا يفي بالغرض. ٢ - خُلُوُّ بعض تراجم "التهذيب" مِن بيان أحوال المُتَرْجَمين. ٣ - محاولة المِزِّي استيعابَ شيوخ صاحب الترجمة واستيعاب الرُّواة عنه وأنه على الرغم من تمكنه من ذلَك في أغلب التراجم، لم يكن "سبيلٌ إلى استيعابه ولا حصرِه، بسبب انتشارِ الروايات وكثرتها وتشعبها وسعتها، فوجد المتعنت بذلك سبيلًا إلى الاستدراك على الشيخ بما لا فائدة فيه جليلة ولا طائلة" (٢). أما منهجُه في كتابه، فيمكن إجمالُه فيما يأتي: ١ - لم يحْذِفْ من رجال "التهذيب" أحدًا، وإنما زادَ فيهم مَنْ هو على شرطه، كما أنه ذكر بعضَ التراجمِ التي اعتقد أنها تُفيد للتمييز مما لم يَذْكُرْهُ المِزِّي، وحافَظَ على العلامات (الرُّقوم) التي وضعها المِزِّي في الأصل مُقتصرًا على ما وضعه على أسماء المُتَرْجَمين دونَ شيوخ صاحب التَّرجمة والرُّواة عنه.

стр. 11

أما الفصول التي ذكرها المِزِّي في المقدمة، وهي التي في شروط الأئمة الستة، وفي الحث على الرواية عن الثِّقات، وفي الترجمة النبوية، فقد حذفها جملةً، لوجود مادتها في الكُتُبِ المعنيةِ بذلك. ٢ - أعاد التراجم التي حذفها المزيُّ من أصل "الكمال"، وكان الحافظ عبد الغني قد ذكرها بناءً على أن بعضَ الستة أخرج لهم، وكان المِزِّي قد حذفهم، بسب عدم وقوفه على روايتهم في شيء من الكُتُبِ الستة. وذكر الإمام ابنُ حجر أنَّ ذكرهم على الاحتمال أكثر فائدة من حذفهم، ونَبَّه على ما في تراجمهم من عَوَز، أو عند وقوفه على روايتهم في الكُتُبِ المذكورة. أما في صياغة الترجمة، فقد سار على النهج الآتي: أ - حَذَفَ من الترجمة جميعَ الأحاديث التي خَرجها المِزي من مروياته العالية من الموافقات والأبدال وغير ذلك من أنواعِ العُلو. ب - اقتصر من شيوخ المترجَم ومن الرُّواة عنه على الأشهر والأحفظِ والمعروفِ، وحذفَ الباقينَ، إذا كان المُتَرْجَمُ من المُكْثِرين، وإذا كانت التَّرجمة متوسطة، اقتصرَ على ذكر الشُّيوخِ والرُّواة الذين عليهم علامةٌ في الأغلب. وإذا كانت طويلة، اقتصر على مَنْ عليه علامة البُخاري ومسلم، مع ذكر جماعة غيرهم. وإذا كانت الترجمة قصيرة، لم يحذف منها شيئًا في الأغلب. جـ - لم يلتزم نهجَ المِزي في ترتيب شيوخ صاحب التَّرجمة والرُّواة عنه على حروف المعجم، لأن ذلك يؤدي على حَسَب قوله إلى: "تقديم الصغير على الكبير"، بل ذكرَ في أول الترجمة أكثرَ شيوخ الرَّجل، وأسندهم، وأحفظَهم، إن تَيَسَّر له معرفة ذلك، إلَّا أن يكون للرجل ابنٌ أو قريب، فإنَّه كان يُقدِّمه في الذكر. وحَرَصَ على أن يختم الرُّواة عن

стр. 12

الترجمة بمن وُصِفَ بأنَّه آخر من رَوَى عنه، وربما صَرَّح بذلك. د - حذف من الترجمة أغلبَ الأَخبار التي لا تدل على توثيق، ولا على تجريح، واقتصر على ما يفيد ذلك. هـ - حذف كثيرًا من الاختلافاتِ المذكورة في وفاة المترجم. و- مَيَّز إضافاته إلى الترجمة أو تصحيحاته بلفظة: "قلتُ"، وجعلها في آخر الترجمة، وأكثر إضافاته مما يفيدُ التوثيقَ أو التجريح. وقد انتفع الحافظُ ابنُ حجر في إضافاته واستدراكاته بالمؤلَّفاتِ التي سبقته مما وُضِعَ على "التهذيب" استدراكًا أو اختصارًا، ولا سيما "إكمال تهذيب الكمال" للعلامة علاء الدين مُغُلْطاي الحنفي. والحقُّ أنَّ معظم ما أضافه - من توثيق أو تجريح أو اختلاف في الوَفَيات، أو استدراك في التَّراجم، سواء أكانت من التَّراجم التي هي من شرط المِزِّي، وهي قليلة جدًّا، أم للتمييز - إنما أخذه من كتاب مُغُلْطاي، فعليه كان اعتمادُه. لكنه انتقى منه ما وجده مُهِمًا حَرِيًا بالذِّكر فذكرَهُ، وأهمل الباقي فأسقطَهُ، وكانت إضافاتُه التي لم يأخذها عنه قليلة. قال في مقدمة "تهذيب التهذيب": "وقد انتفعتُ في هذا الكتابِ المُخْتَصَرِ بالكتابِ الذي جمعه الإمامُ العلامةُ علاء الدين مُغُلْطَاي على تهذيب الكمال، مع عَدَم تقليدي له في شيءٍ مما ينقله، وإنما استعنتُ به في العاجل، وكشفتُ الأُصولَ التي عزا النقلَ إليها في الآجل. فما وافَقَ أثبتُّه، وما بايَنَ أهملتُهُ. فلو لم يكن في هذا المختصر إلا الجَمْع بين هذين الكِتاين الكبيرين في حَجْمٍ لطيفٍ، لكانَ معنى مقصودًا، هذا مع الزِّيادات التي لم تقع لهما". ومع تقديرنا لصنيع الحافظ ابن حجر، ومنهجه في اختصاره وعمله،

стр. 13

لاحظنا عليه جملةَ مُلاحظات، نوجزها فيما يأتي: - ١ - إنَّ اقتصاره على ذكر بعض شيوخ المُتَرجَم والرُّواة عنه قد حَرَمَ المختصين من الوقوف على صِحَّة كثيرٍ من الأسانيدِ التي تَتَوَقَّفُ معرفتُها على التصريحِ بروايتهم. ٢ - إنَّ الترتيبَ الذي اتبعه المزّي في ذكر شيوخ المترجَم والرُّواة عنه على حروف المعجم، يُسَهِّلُ الوقوفَ على مُرادِ الباحثِ من معرفة وقوع الرواية واتصال الأسانيد. ٣ - إنَّ قيامه بحذف الأخبار التي لا تَدُل على توثيقٍ أو تجريح، قد حَرَمَ الباحثين مِن مادة تاريخية أصيلة قد لا نجدها إلَّا في هذا الكتاب، لضياع كثير من الأصول التي أفاد منها، ونقل عنها. ٤ - أما قوله إنه: "كشفَ الأصولَ التي عزا مُغُلْطاي النَّقل إليها فيما بعد"، ففيه نَظَر، لوقوعه أحيانًا في أوهامٍ توهّمها مُغُلْطاي في النَّقْل، وتابعه هو عليها، مما يدل على عدم التزامه التام بهذا الذي ألزمَ نفسَهُ إيَّاه، كما بيناه في تعليقاتنا على "تهذيب الكمال". ثم إنه قام ﵀ باختصار "تهذيب التهذيب" بكتابه "تقريب التهذيب" هذا في مجلد واحد، راعى فيه أن تكون الترجمة أخصر ما يُمكن بحيث تجيء في سطرٍ واحد في الأغلب الأعم تتضمن العناصر الآتية: ١ - اسم الرجل واسم أبيه وجده، ونسبه، ونسبته، وكنيته، ولقبه، مع عناية بضبط ما يُشكل من ذلك بالحروف. ٢ - الحكم على كل راو منهم بحكم وجيز بكلمة واحدة، أو عبارة وجيزة تبين منزلته.

стр. 14

٣ - التعريف بعصر كل راوٍ منهم، وذلك بتقسيمهم إلى طبقات اصطلح هو عليها، فجعلها اثنتي عشرة طبقة، وذكر وفاة من عرف سنة وفاته منهم. ٤ - رقم على كل ترجمة بالرقوم التي ذكرها المزي في "تهذيب الكمال" واصطلح عليها، أو وقف هو عليها مع تجوز يسير في بعض فروعها، فإنه أدرج في الأغلب الأعم "عمل اليوم والليلة" بالسنن الكبرى، وكذا "خصائص الإِمام علي". وقد فرغ من تأليفه سنة (٨٢٧) هـ، لكنه ظل يعاود النظر فيه: يزيد فيه ويَنْقُصُ، ويُوضِّحُ ويُعدل إلى قريب من وفاته بسنتين، كما هو واضح من تواريخ الإِلحاقات والإِضافات التي دونها على النسخة التي كتبها بخطه من "التقريب" فكان ما دونه في هذا الكتاب خلاصة مركزة لما انتهى إليه من رأي واجتهاد وحكم في الرجال المذكورين فيه. وأصبحت لهذا الكتاب منزلة كبيرة عند الذين يَتَعاطَوْنَ صِناعة الحديث، ويُعنون بالتخريج حتى استحوذت عليهم أحكامُه بحيث كانوا يعتدون بالنتائج التي انتهى إليها في حق الرواة، وصار عامة المشتغلين بهذا الفن يكتفون بهذه الأحكام، ويقلدون تلك الآراء، فَيَحْكُمُون على أسانيدِ الأحاديث استنادًا إليها دون البحث فيها والتفتيش عنها لا سيما في هذه الأعصر التي قل فيه المعنيون بهذا العلم العظيم، وكثير من المختصين هم من الذين لم يُمارِسُوا هذا العلمَ ممارسةً حقيقية عملية، بل اكتفوا بتعلم النظريات من غير تطبيق عملي لها، بل كان ولا يزال كثير من الذين يشرفون على طلبة العلم في الدراسات العليا في هذا الفن يُوصون طلابهم بأن يكون مَدرَسَهُم الرئيسَ في معرفة منزلةِ الرواة هو كتابُ "التقريب" لأنهم كانوا يرون أن الأحكام التي انتهى إليها هي أَحكام

стр. 15

قطعية لا مجال فيها للتردد، ولا يتطرَّقُ إليها احتمالُ الخطأ والوهم الكبير، بل كانوا يهابون أن يُوَجَّهَ إلى هذا الكتاب أيُّ نقد مهما كان شأنه. وقد كنا نحنُ في أول الأمر كذلك متأثرين بالمحيطِ الذي نعيشُ فيه، وبالثقافة التي تلقيناها من الشيوخ الذين مارسوا هذا العلم قبلَنا، ولم يكن ثَمَّتَ مجالٌ للتردد في أي حُكْمٍ يُصدره حافظُ عصره ابن حجر في حقِّ أحد الرواة، وكنا كغيرنا نأخذ به، وكأنه قضيةٌ مسلمة، ونحكم تبعًا لذلك على الحديث الذي نحن بصدد تخريجه، وكانت جملة أمور خافية علينا آنذاك من أبرزها: ١ - أن الحافظ ابن حجر لم يُحرر الأحكامَ في هذا الكتاب تحريرًا كافيًا لا سيما في الرواة المختلف فيهم. ٢ - ولم نكن نَعْلَمُ أن هذه الأحكام اجتهاديةٌ قابلة للأخذ والرد وليست قطعية. ٣ - ولم نتبين أن ابن حجر يتناقض في أحكامه تناقضًا عجيبًا، فهو يوثق الرجل هنا أو يضعفه، ويضعفه أو يوثقه في كتاب آخر من كتبه. حتى أَذِن الله لنا أن نتوغَّلَ في هذا الفن، ويُوفقنا سبحانه إلى تحقيق أكبر موسوعة فيه هو كتاب "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" لحافظ عصره أبي الحجاج يوسف المزي المتوفَّى سنة (٧٤٢ هـ)، واقتضت طريقةُ التحقيق التي اتبعناها فيه أن نُرَاجِعَ ما ألف في هذا الفن من الكتب، ونوازن بين تلك الأقوال، ونُضيف في تعليقاتنا ما فات الحَافِظَيْنِ المزي وابن حجر من زيادات مهمة في الجرح والتعديل (١)، فنستخلص

стр. 16

تبعًا لذلك ما هو أقرب إلى الصواب منها. وبذلك تكشفت لنا أمور كثيرة كانت خافية علينا من قبل، وأدركنا ما في "التقريب" من قصور شديد في غير ما قضية يُستغرب وقوعُها من عالم طبقت شُهْرَتُه الخافِقَيْن، ولَهِجَ بالثناء عليه أهلُ عصره ومن أتى بعدهم، وأذعنوا لِعلمه وفضله. وكنا نتعجَّبُ من صنيع أهل العلم من قبلنا، كيف أهملوا الكلامَ عليه، ولم يتعقبوه بشيء، ويغلب على ظننا أن مرد ذلك إلى سببين رئيسيين: أولهما: أن مؤلِّفَه نال شُهْرَة واسعَةً في هذا الفن بحيث لم يعد أحدٌ يُفكر أن يُناقش أقواله أو يبحث فيها. وثانيهما: اكتفاء بما فيه طلبًا للدعة والراحة، وعدم النظر في الكتب التي أُلفت في هذا العلم العظيم، والمقابلة بين ما انتهى إليه الحافظ في كتابه هذا من أحكام على هؤلاء الرواة، وبين ما جاء في تلك الأصول

стр. 17

من نقول وآراء في حق هؤلاء الرواة، واستخلاص الآراء منها، والتأكد مما جاء فيها من أحكام. والحق المُرُّ الذي لا بد لنا من أن نبديَه وَنُنَبِّهَ إليه هو: أن صنيع الحافظ ابن حجر في هذا الكتاب لم يكن يتناسبُ مع الشهرة العريضة التي نالها، والمنزلة العلمية التي تبوأها، فالصحابة لا يحتاجون إلى أن يقال فيهم شيء، لأنهم عدول باتفاق، والثقات المجمع على توثيقهم هم ثقاتٌ باتفاق، والضعفاءُ المجمعُ على تضعيفهم هم ضعفاء باتفاق، وكذلك من هم دونهم من المتروكين والكذابين والهلكى، أما المختلف فيهم، فقد استعمل لهم تعابير غير مُحَدَّدة، فقال فيهم: "صدوق يهم" أو "صدوق يخطئ"، أو ما يشبه ذلك من غير دراسةٍ عميقة لأحوالهم، فكأنه يُطالِبُ القارئ بدراسة كُلِّ حديث من حديث هؤلاء على حدة، ليتبين للدارس إن كان وَهِمَ فيه أو لا، وهو كما يظهر عملٌ غير دقيق في الأغلب الأعم، إذ ماذا يُحكم على حديثه استنادًا إلى هذه التعابير غير الدقيقة، لأن الصدوق الذي يهم، أو الذي يخطئ، أو الذي عنده مناكير، وإنما هو في حقيقة الأمر حَسَنُ الحديث في مواضع ضعيفُ الحديث في مواضع أخرى، فيعتبر حديثه، فإن وجد له متابع، تحسن حديثه، واذا انفرد ضُعِّفَ حديثه، فهو عندئذ معلقُ الأمر لا يُمكن الحكم على كل حديثه بمعيارٍ واحد، إنما يدرس حديثه، وعلى أساس دراسة كلِّ حديث يتم إصدارُ الحكم عليه، فضلًا عن أنه قد اضطرب في هذا الأمر اضطرابًا شديدًا، فأطلق مثل هذه الألفاظ على ثقات لهم أوهامٌ يسيرة، وأطلقها حينًا على ضعفاء لهم أوهام كثيرة. لِكُلِّ هذا رأينا أن من أهم الواجب علينا إعادةَ دراسة أحكام هذا الكتاب دراسة علمية متأنية قائمة على دعامتين رئيستين:

стр. 18

الأولى: ما تجمَّعَ لدينا من أحكام أثناءَ قيامنا بتحقيق "تهذيب الكمال"، وما استدركناه علبه من أقوال في الجرح والتعديل مما لم يقف عيه هو أو المعنيون بكتابه من المختصرين والمستدركين. الثانية: ما يَسَّرَ الله سبحانه لنا من خِبرة عملية بالرجال وأحاديثهم بعد قيامنا بتحقيق عدد من أمهات دواوين السنة النبوية، وتخريج أحاديثها والحكم على أسانيدها في مدة تزيد على ثلاثين عامًا. ويتعيَّنُ علينا قبل بيان منهجنا الذي انتهجناه في عملنا هذا أن نقرر بعضَ الحقائق والقواعد، ليكون القارئ العالم على بيِّنة تامة من هذا النهج: أولًا: النقد الحديثي بين المتقدمين والمتأخرين . لقد شاع بينَ الناس أن النقدَ الحديثيَّ يقومُ على الإسنادِ والنظر فيما قرره النقاد الجهابذة مِن أحوال الرواة جرحًا او تعديلًا، وهو أمر يحتاج إلى دراسة وإيضاحٍ، فالنقد الحديثي فيما نرى مر بمراحل متعددة: المرحلة الأولى: وتقومُ على نقد المتون، وعلى أساسها تمَّ الكلامُ في الرواة جرحًا او تعديلًا، وهي مرحلةٌ تمتدُّ مِن عصرِ الصحابة حتى نهاية النصف الأول من القرن الثاني الهجري، فقد كان الصحابة رضوانُ الله عليهم يَرُدُّ بعضُهم على بعض حينما يستمعون إلى متونِ الأحاديث الرويةِ، والأحكام المتصلة بها، فتردُّ عائشة مثلًا على أبي هريرة وابن عمر وأبيه، ويرد عمر على عائشة وعلى فاطمة بنت قيس، وهلم جرًا، ويظهر ذلك في العديدِ من الأحاديث التي ساقها البخاري ومسلم في "صحيحيهما". المرحلة الثانية: وهو طورُ التبويبِ والتنظيم، وجمعِ أحاديث كُلّ

стр. 19

محدث والحُكم عليه من خِلال دراستها، ويَتَبَدَّى ذلك في الأحكام التي أصدرها علي بن المديني، ويحيى بن معين، وأحمدُ بن حنبل، وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيان، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وأضرابهم. غير أنه لا يُخالجنا شَكٌّ أن بعض العلماء المتقدمين قد تكلموا في الرجال جرحًا أو تعديلًا لمعاصرتهم لهم أو اجتماعهم بهم، مثل مالك بن أنس، والسفيانين، وشعبة بن الحجاج، وحماد بن زيد، والأوزاعي، ووكيع بن الجراح، وأن الطبقة التي تلت هؤلاء تكلموا في الرواة الذين أخذوا عنهمم، واتصلوا بهم، لكن كيف نُفسر كلامَ كبار علماء الجرح والتعديل ممن عاشوا في المئة الثالثة في رواة لم يلحقوهم من التابعين ومن بعدهم، ولم يُؤثر للمتقدمين فيهمُ جرحٌ أو تعديل، فندعي أنهم اعتمدوا أقوال من سبقهم في الحكم عليهم؛ بيان ذلك في الأمثلة الآتية الموضحة: قال ابنُ أبي حاتم في ترجمة أحمد بن إبراهيم الحلبي: "سألت أبي عنه، وعرضتُ عليه حديثَه، فقال: لا أعرِفُه، وأحاديثُه باطلة موضوعة كُلُّها ليس لها أصولٌ، يَدُل حديثُه على أنه كذاب" (١). وقال في ترجمة أحمد بن المنذر بن الجارود القزاز: "سألتُ أبي عنه، فقال: لا أعرِفُه، وعرضتُ عليه حديثَه، فقال: حديث صحيح" (٢). وقال أبو عبيد الآجري في مسلمة بنِ محمد الثقفي البصري: "سألتُ أبا داود عنه، قلتُ: قال يحيى (يعني ابن معين): ليس بشيء؟

стр. 20

قال: حدثنا عنه مُسَدَّدٌ، أحاديثُه مستقيمة. قلت: حَدَّث عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: إيَّاكُمْ والزَّنجَ، فإنهم خلق مشوَّه. فقال: مَن حَدَّث بهذا فاتهِمْهُ (١)! فهذه الأمثلة الثلاثة واضحةُ الدلالة على أن أبا حاتم الرازيَّ وأبا داود لم يعرفا هؤلاء الرواة إلا عن طريق تفتيش حديثهم المجموع، وأنهما أصدرا أحكامَهما استنادًا إلى ذلك. ومثلُ ذلك قولُ البخاري "ت ٢٥٦" في إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأشهلي المدني "٨٣ - ١٦٥ هـ": منكر الحديث، وقول أبي حاتم الرازي "ت ٢٧٧ هـ" فيه: شيخ ليس بقوي، يكتب حديثه ولا يحتج به، منكر الحديث، وقول النسائي "ت ٣٠٣ هـ" فيه: ضعيفٌ (٢). فهؤلاء العلماء الثلاثة لم يدركوه ولا عرفوه عن قرب ولا نقلوا عن شيوخهم أو آخرين ما يفيد ذلك، فكيف تم لهم الحصولُ على هذه النتائج والأقوال؟ واضح أنهم جمعوا حديثه ودرسوه، وأصدروا أحكامهم اعتمادًا على هذه الدراسة. وحينما يَذكر المتقدمون أن النقد إنما يقومُ على العُلماء الجهابذة، فليس معنى ذلك أنه يقومُ على دراسة الإسناد، يقول ابن أبي حاتم: "فإن قيلَ: فبماذا تُعْرَفُ الآثارُ الصحيحة والسقيمةُ؟ قيل: بنقدِ العُلماء الجهابذة الذين خَصَّهُمُ الله بهذه الفضيلة، ورزقهم هذه المعرفة في كُلِّ دَهْرٍ وزمانٍ" (٣). ثم قال: "قيل لابن المبارك: وهذه الأحاديث المصنوعة؟ قال: يعيش لها الجهابذة" (٤).

стр. 21

ولعل الروايةَ الآتية أبيَنُ دليلٍ على أن العلماء الذين تمرَّسُوا بهذا العلم في هذه المرحلة إنما كانوا ينقُدُون المتون أكثر من نقدهم الأسانيد، قال أبو حاتم الرازي: "جاءني رجل من جلة أصحاب الرأي، من أهل الفهم منهم، ومعه دفترٌ فعرضه عليَّ، فقلتُ في بعضها: هذا حديثٌ خطأ قد دخل لِصاحبه حديثٌ في حديثٍ، وقلتُ في بعضه: هذا حديثٌ باطل، وقلت في بعضه: هذا حديثٌ مُنكر، وقلتُ في بعضه: هذا حديثٌ كذِبٌ، وسائر ذلك أحاديثُ صحاح. فقال لي: مِن أينَ عَلِمت أن هذا خطأ، وأن هذا باطل، وأن هذا كذب؟ أأخبرك راوي هذا الكتاب بأني غلطتُ وأني كذبتُ في حديث كذا؟ فقلتُ: لا ما أدري هذا الجزء من رواية مَن هو؟ غير أني أعلم أن هذا خطأ، وأن هذا الحديث باطل، وأن هذا الحديث كذب. فقال: تدعي الغيب. قال: قلتُ: ما هذا ادعاء الغيب. قال: فما الدليل على ما تقول؟ قلتُ: سَلْ عما قلت من يُحْسن مثل ما أُحسن، فإن اتفقنا علمت أنا لم نجازف ولم نقله إلا بفهم. قال: من هو الذي يُحسن مثل ما تُحسن؟ قلتُ: أبو زرعة. قال: ويقول أبو زرعة مثل ما قلت؟ قلت: نعم. قال: هذا عجب. فأخذ فكتب في كاغدٍ ألفاظي في تلك الأحاديث، ثم رجع إليَّ وقد كتب ألفاظ ما تكلَّم به أبو زرعة في تلك الأحاديث فما قلت: إنه باطلٌ، قال أبو زرعة: هو كذب، قلت: الكذب والباطل واحد، وما قلت: إنه كذب، قال أبو زرعة: هو باطل، وما قلت إنه منكر، قال: هو منكر، كما قلت، وما قلت: إنه صحاح، قال أبو زرعة: هو صحاح. فقال: ما أعجب هذا، تتفقان من غير مواطأةٍ فيما بينكما. فقلتُ: فقد تبيّن لك أنا لم نُجازف وإنما قلناه بعلمٍ ومعرفة قد أوتينا. والدليل على صحة ما نقوله بأن دينارًا نبهرجًا يُحمل إلى الناقد، فيقول: هذا دينار نبهرج، ويقول لدينار: هو جيد. فإن قيل له: مِن أين

стр. 22

قلتَ: إن هذا نبهرج، هل كنت حاضرًا حين بُهرِج؟ قال: لا. فإن قيل له: فأخبرك الرجل الذي بهرجه: أني بهرجت هذا الدينار؟ قال: لا. قيل: فمن أين قلت: إنَّ هذا نبهرج؟ قال: عِلمًا رُزِقتُ. وكذلك نحن رُزقنا معرفة ذلك. قلت له: فتحمل فصَّ ياقوت إلى واحدٍ من البُصراء من الجوهريين، فيقول: هذا زجاج، ويقول لمثله: هذا ياقوت، فإن قيل له: من أين علمت أن هذا زجاج وأن هذا ياقوت؟ هل حضرت الموضع الذي صُنع فيه هذا الزجاج؟ قال: لا، قيل له: فهل أعلمك الذي صاغه بأنه صاغ هذا زجاجًا، قال: لا. قال: فمن أين علمتَ؟ قال: هذا علمٌ رُزِقتُ. وكذلك نحن رُزقنا علمًا لا يتهيأ لنا أن نُخبرك كيف علمنا بأن هذا الحديث كذبٌ، وهذا حديث منكر إلا بما نعرفه" (١). وهذه المرحلة هي المرحلة الأكثر أهمية في تاريخ الجرح والتعديل، وهي التي ينبغي أن تُتبع اليوم، لا سيما في المختلف فيهم، إذ يتعين جمع حديثهم، ودراسته من عدة أوجه: أولها: أن ينظر في الراوي إن كان له متابع علي روايته ممن هو بدرجته، أو أكثر إتقانًا منه. والثاني: أن يُعرض حديثه على المتون الصحيحة التي هي بمنزلة قواعد كلية، وهي القرآن الكريم وما ثبت من الحديث، فإن وافقها اعتبرت شواهد لها يتقوى بها، أما الشواهد الضعيفة فلا عبرة بها. المرحلة الثالثة: الجمع بين أقوال المتقدمين في الرواة، وبين جمع حديث الراوي وسَبره وإصدار الحكم عليه، كما نراه واضحًا عند علماء القرن الرابع الهجري مثل ابن حبان "ت ٣٥٤ هـ"، وابن عدي الجرجاني

стр. 23

"ت ٣٦٥ هـ"، والدارقطني "ت ٣٨٥ هـ". ولعل أبرز من يُمثل هذه المرحلة هو ابن عدي في كتابه "الكامل في ضعفاء الرجال". كان ابنُ عدي يعتمدُ أقوال المتقدمين، فيوردها عادة في صدر الترجمة، ثم يفتش حديث الرجل - وهذا يقتضي أن يجمع حديثه، ويسوق منه أحاديثه المنكرة، أو ما أُنكر عليه، أو الأحاديث التي ضُعِّف من أجلها، فيدرسها ويُبين طرقها - إن كانت لها طرق أخرى -، ويُصدر حكمًا في نهاية الترجمة يُبين فيه نتيجة دراسته هذه، ويُعبّر عن ذلك بأقوالٍ دالةٍ نحو قوله: "لم أجد له حديثًا منكرًا" (١)، أو: "لا أعرف له من الحديث إلا دون عشرة" أو: "هذه الأحاديثُ التي ذكرتها أنكر ما رأيتُ له" (٢)، ونحو ذلك من الأقوال والأحكام التي تشير إلى أن الأساس في الحكم على أي شخص جرحًا أو تعديلًا هي الأسانيد التي ساقها والمتون التي رواها، لا ما قاله أهل الجرح والتعديل فقط. وقد دفعه هذا المنهج إلى إيراد رجال لم يتكلم فيهم أحد، لكنه وجد لهم أحاديث استنكرت عليهم لمخالفتها ما هو معروف متداول من الأسانيد والمتون، وهو ما يُعبر عنه بعدم متابعة الناس له عليها، أو أنها غير محفوظة، نحو قوله في ترجمة سعد بن سعيد بن أبي سعيد المقبُري بعد أن ساق له جملة أحاديث غير محفوظة: "ولسعد غير ما ذكرت، وعامة ما يرويه غير محفوظ، ولم أر للمتقدمين فيه كلامًا، إلا أني ذكرته لأبين أن رواياته عن أخيه عن أبيه عن أبي هريرة عامتها لا يتابعه أحد عليها" (٣). وقضية سعد هذا بينها ابن حِبَّان في "المجروحين" بشكل أوضح،

стр. 24

فقال: "يروي عن أخيه وأبيه عن جده بصحيفة لا تُشبه حديث أبي هريرة يتخايل إلى المستمع لها أنها موضوعة أو مقلوبة أو موهومة، لا يحِلُّ الاحتجاج بخبره". المرحلة الرابعة: التأكيد على نقد السند استنادًا إلى أقوال أئمة الجرح والتعديل بعدَ جمعهم لها والموازنة بينها، ووضع القواعد الخاصة بهذا الأمر مما ظهر في كتب المصطلح، فصححوا الأحاديث التي اتصل إسنادُها برواية الثقات العدول، وخلت من الشذوذ والعلة، وحَسَّنوا الأحاديث التي اتصلت أسانيدها، واختلف النقاد في واحد أو أكثر من رواتها، وضعفوا الأحاديث التي لم تتصل أسانيدها، أو ضعف واحد أو أكثر من رواتها، علي اختلافٍ بينهم بين متشدد ومتساهلٍ بحسب مناهجهم التي ارتضوها، وما أدى إليه اجتهادهم. وقد ظهر هذا الاتجاه منذ عصر أبي عبد الله الحاكم النيسابوري "ت ٤٠٥ هـ" وإلى عصور متأخرة. المرحلة الخامسة: وهي المرحلة التي سادت بين أوساط المشتغلين بهذا العلم - على قلتهم - في العصور المتأخرة وإلى يوم الناس هذا، وهي التي تعتمد أقوال المتأخرين في نقد الرجال، ولا سيما الأحكام التي صاغها الحافظ ابن حجر في "التقريب" حيث صار دستورًا للمشتغلين في هذا العلم، فيحكمون على أسانيد الأحاديث استنادًا إليه، ولا يرجعون - في الأغلب الأعم - إلى أقوال المتقدمين، ولم يكتفوا بذلك بل راحوا يعتمدون تصحيح أو تضعيف المتأخرين للأحاديث مثل الحاكم، والمنذري، وابن الصلاح، والنووي، والذهبي، وابن كثير، والعراقي، وابن حجر، وغيرهم مع أن هؤلاء لم ينهجوا منهج المتقدمين في معرفة حال الراوي من خلال مروياته، وإنما اعتمدوا أقوال المتقدمين في نقد

стр. 25

الرجال مع تساهل غير قليل عند بعضهم مثل الحاكم وغيره. ثانيًا: قواعد المصطلح والحكم على الرواة اجتهادية: إن القواعد التي وضعها مؤلفو كتب المصطلح اجتهادية، منها ما هو مبنيٌّ على استقراءٍ تام، ومنها - وهو أغلبها - ما هو مبني على استقراء غير تام. وكذلك الحكمُ على الرواة في الغالب، لم يُبْنَ على الاستقراء التام؛ فالأحكام الصادرة عن الأئمة النقاد تختلفُ باختلافِ ثقافاتهم، وقدراتهم العلمية والذهنية، والمؤثرات التي أحاطَتْ بهم، وبحسب ما يتراءى لهم من حال الراوي تبعًا لمعرفتهم بأحاديثه ونقدهم مروياته، وتَبَيُّنهم فيه قوة العدالة أو الضبط أو الضعف فيهما، وقد رَأيْنَا منهم من ضعف محدثًا بسبب غلطٍ يسيرٍ وقع فيه لا وزن له بجانب العددِ الكثيرِ مِن الأحاديث الصحيحة التي رواها، ووجدنا منهم من يُوَثِّق محدثًا على الرغمِ من كثرةِ أوهامه وأخطائِه، قال العلامة محمد بن إسماعيل الصنعاني صاحب "سبل السلام" في رسالته: "إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد": "قد يختلِفُ كلامُ إمامين من أئمةِ الحديث في الراوي الواحد، وفي الحديث الواحد، فَيُضَعِّفُ هذا حديثًا، وهذا يُصححه، ويرمي هذا رَجُلًا مِن الرواة بالجرح، وآخر يُعَدِّله، وذلك مما يُشعر أن التصحيحَ ونحوه من مسائِل الاجتهاد التي اختلفت فيها الآراءُ" (١). وقال الحافظ المنذري في جوابه عن أسئلة في الجرح والتعديل ص ٨٣: واختلاف المحدثين في الجرح والتعديل كاختلاف الفقهاء، كل

стр. 26

ذلك يقتضيه الاجتهاد، فإن الحاكم إذا شُهِدَ عنده بجرح شخص، اجتهد في أن ذلك القدر مُؤَثِّر أم لا؟ وكذلك المحدِّث إذا أراد الاحتجاجَ بحديث شخص، ونُقل إليه فيه جرح، اجتهد فيه: هل هو مؤثر أم لا؟ ويجري الكلام عنده فيما يكون جرحًا في تفسير الجرح وعدمه، وفي اشتراط العدد في ذلك كما يجري عند الفقيه. ومن ثم جاءت ألفاظهم في الحكم على الراوي متفقة حينًا ومختلفةً حينًا آخر تبعًا لاختلاف اجتهاداتهم في الحكم على الراوي. وقال الترمذي في كتابه "العلل" ١/ ٣٢١: وقد اختلف الأئمة من أهل العلم في تضعيف الرجال، كما اختلفوا في [ما] سوى ذلك من العلم، ذُكر عن شعبة أنه ضعف أبا الزبير المكي وعبد الملك بن أبي سليمان وحكيم بن جبير، وترك الرواية عنهم، ثم حدث شعبة عمن دون هؤلاء في الحفظ والعدالة، حدث عن جابر الجعفي، وإبراهيم بن مسلم الهجري، ومحمد بن عبيدالله العرزمي، وغيرِ واحد ممن يُضعفون في الحديث. ثالثًا: رواية العدول الثقات هل تعد توثيقًا للمروي عنه ؟ يرى بعضُ من ينتحِلُ صِناعَةَ الحديثِ أن رواية العدل الثقة عن غيره يُعَدُّ توثيقًا له، وحجته: أن العدلَ لو كان يَعْلَم فيه جرحًا لذكره. قال الخطيب في "الكفاية" ص ٨٩: وهذا مذهب باطل، لأنه يجوز أن يكون العدلُ لا يَعْرِفُ عدالَتَه، فلا تكونُ روايتُه عنه تعديلًا، ولا خبرًا عن صِدقه، بل يَروي عنه لأغراضٍ يَقْصِدُها، كيف وقد وُجِدَ جماعةٌ من العدولِ الثقاتِ رَوَوْا عن قومٍ أحاديثَ أمسكوا في بعضها عن ذِكر أحوالهم مع عِلمهم بأنَّها غيرُ مرضية، وفي بعضها شَهِدوا عليهم بالكَذِبِ في الرواية، وبفسادِ الآراء والمذاهب.

стр. 27

وقال الإمام الغزالي في "المستصفى" ١/ ١٦٣: إذا روى العدل الثقةُ عن غيره هل ذلك تعديلٌ؟ على روايتين، والصحيح أنه إن عُرِفَ مِن عادته أو تصريح قوله: أنه لا يستجيزُ الرواية إلا عن العدل، كانت الروايةُ حينئذ تعديلًا له، وإلا فلا، إذ من عادة أكثرِ المحدثين الروايةُ عن كلِّ من سَمِعُوا منه، ولو كلِّفُوا الثناءَ عليه، لسكتوا وما فعلوا، فليس في مُجرَّد الرواية عن الراوي دونَ التزام عادةٍ أو شرطٍ فيها، تصريحٌ بالتعديل له أو التزامٌ بذلك. فإن قيل: لو عرفه بالفسق، ثم روى عنه كان غاشًّا في الدين. قلنا: هو لم يوجب على غيره العملَ بروايته، بل قال: سمعتُ فلانًا قال كذا، وقد صَدَقَ فيه، ثم لَعَلَّه لم يعرفه بفسق ولا عدالة، فروى عنه، وَوَكَلَ البَحْثَ إلى من أراد قبولَ خبره. قلنا: واسثتناء الغزالي من عُرف من عادته أو حاله أنه لا يروي إلا عن ثقة، ليس على إطلاقه، وإنما هو في الأعم الأغلب، فقد رَوَى هؤلاء الذين قيلَ فيهم ذلك عن بعضِ الضعفاءِ والواهين. فقد روى شعبة عن سيف بن وهب التميمي، ومحمد بن عبيد الله العَرْزَمي، وإبراهيمَ بن مسلم الهَجَرِي، وجابرِ بن يزيد الجعفي، وغيرِ واحد ممن يُضَعَّفون في الحديث. ويحيى بنُ سعيد القطان، وهو المعروف بتشدده في الرجال روى عن قومٍ ضعفاءَ، ومالكُ بن أنس روى عن عبد الكريم بن أبي المخارق البصري، وهو ضعيف. وروى أحمد عن نصر بن باب الخراساني المروزي وهو متروك، وعن مؤمَّل بن إسماعيل، وعمرو بن مجمع السكوني، وكلاهما ضعيف، وعن محمد بن القاسم الأسدي وهو ضعيف جدًّا، وبعضهم اتهمه. ويُستثنى من ذلك أبو داود السجستاني صاحبُ السنن، فإنه قد عُرِف بالاستقراء أنه لا يروي في

стр. 28

السنن خاصة إلا عن من هو ثقة (١). رابعًا: هل مجرد تخريج البخاري ومسلم في "صحيحيهما" حديثَ أي راوٍ توثيقٌ منهما له ؟ قال ابن حجر في "هدي الساري" (٢): "ينبغي لِكل مُنصِف أن يعلمَ أن تخريجَ صاحب الصحيح لأيِّ راوٍ كان، مقتضٍ لِعدالته عنده وصحةِ ضبطه، وعدم غفلته، ولا سيَّما ما انضافَ إلى ذلك مِن إطباق جُمهورِ الأئمة على تسمية الكتابين بالصحيحين، وهذا معنى لم يَحْصُلْ لِغير من خُرِّج عنه في الصحيح، فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذُكِرَ فيهما، هذا إذا خَرَّجَ له في الأصولِ، فأما إن خَرَّج له في المتابعات والشواهد والتعاليق، فهذا يتفاوتُ درجاتُ من أخْرَجَ له منهم في الضبط وغيرِه مع حصولِ اسم الصدق لهم، وحينئذٍ إذا وَجَدْنا لغيره في أحدٍ منهم طعنًا، فذلك الطعنُ مقابلٌ لتعديل هذا الإمام، فلا يُقبل إلا مبينَ السَّبب مُفَسِّرًا بقادحٍ يقدحُ في عدالة هذا الراوي وفي ضبطه مطلقًا، أو في ضبطه لخبر بعينه، لأن الأسباب الحاملة للأمة على الجرح متفاوتة، منها ما يَقدَحُ، ومنها ما لا يَقْدَحُ؛ وقد كان الشيخ أبو الحسن المقدسي يقول في الرجل الذي يُخرج عنه في الصحيح: هذا جازَ القنطرةَ، يعني بذلك أنه لا يُلْتَفتُ إلى ما قيل فيه، قال الشيخ أبو الفتح القشيري في مختصره: وهكذا نعتقِدُ، وبه نقول، ولا نخرج عنه إلا بِحُجةٍ ظاهرة، وبيانٍ شافٍ يزيدُ في غلبة الظنِّ على المعنى الذي قدمنا مِن اتفاقِ الناسِ بعد الشيخين على تسميةِ كتابيهما بالصحيحين، ومن لوازم ذلك تعديلُ رواتهما.

стр. 29

قلت (القائل ابن حجر): لا يُقبل الطعنُ في أحدٍ منهم إلا بقادح واضح، لأن أسباب الجرح مختلفة، ومدارُها على خمسة أشياء: البدعة، أو المخالفة، أو الغلط، أو جهالةُ الحال، أو دعوى الانقطاع في السَّند بأن يُدَّعى في الراوي أنه كان يُدَلِّس أو يُرسل"، ثم بَيَّن الحافظ ابن حجر هذه الأسباب فيما يتَّصِلُ بصحيح البخاري ودافع عنه. وقد قيل مثلُ ذلك عن "صحيح مسلم" أيضًا، لأنَّهما اشترطا الصِّحة فيه، فإنه لا فرق بَيْن أن يقولَ المُحَدِّثُ: هذا حديث صحيح، وبَيْنَ أن يقولَ عن فلان: هذا ثِقة (١). ونستخلِصُ مما تقدم، ومما عرفناه بالاستقراء ما يأتي: ١ - أن كُلَّ مَنْ روى عنه البخاري ومسلم في "صحيحيهما"، واحتجَّا به في الحلال والحرام والأصول، فهو ثقة عندهما. ٢ - أنهما انتقيا مِن رواية بعض المتكلَّم فيهم أحاديثَ يعلمانِ أنهم قد حَفِظوها، وهي غالبًا في غير الحلال والحرام، كالتفسيرِ والمغازي والأدب والرِّقاق والفضائلَ. ٣ - أنهما لم يلتزما الشروطَ المعتبرةَ في الثقةِ فيما خرجاه من الأحاديث في المتابعات والشواهِدِ. ٤ - أنَّهما لم يلتزما ذلك في التعاليق. ويتعينُ اعتبارُ هذه الأمورِ عندَ الحكم على كُل راو ممن أخرج له الشيخان في "صحيحيهما" أو أحدهما، وبه أخذنا في "تحرير أحكام التقريب".

стр. 30

خامسًا: ابن حبان والجرح والتعديل: للحافظ أبي حاتم محمد بن حبان التميمي البستي "٢٨٠ - ٣٥٤ هـ" كتابان شهيران في الجرح والتعديل، أولهما: "الثقات"، والثاني: "المجروحين"، وهما مطبوعان منتشران. وقد أدرج في كتابه "الثقات" الرواة الصادقين الذين يجوز الاحتجاجُ بخبرهم عنده من الثقات وما شابههم وقارَبَهُم، والمسكوتُ عنهم، وهم على أربعة أقسام: ١ - الثقات الذين وثقهم وسبقه في ذلك التوثيق آخرون، ولم يُذكروا بجرح. ٢ - الثقات الذين تكلَّم الكثيرُ أو البعض فيهم، وهم عنده ثقات باجتهاده وخبرته بحديثهم، وقد ينتقي من أحاديثهم ما يشبه أحاديث الثقات. ٣ - من لم يُذْكَرْ بجرحٍ أو تعديلٍ، وروى عنه أكثر من واحد. ٤ - من لم يذكر بجرح أو تعديل، وتفرَّدَ بالرواية عنه راوٍ واحد. أما كتابُه "المجروحين" فقد أطلق عليه "الضعفاء بالعلل" إشارةٌ منه إلى أنه ذكر العلة، أو العلل التي من أجلها ذكره في الضعفاء، وقال في مقدمته: "وإني ذاكرٌ ضعفاء المحدثين، وأضداد العدولِ من الماضين ممن أطلق عليهم أئِمَّتُنا القَدحَ، وصحَّ عندنا فيهم الجرحُ، وأذكر السبب الذي من أجله جُرح، والعلة التي بها قُدح". وبقَدَرِ ما عُرِفَ عن ابن حبان من تساهل في التوثيق، وذكره للمجاهيل في كتابه "الثقات"، فإنَّ كتابه "المجروحين" من الكتب التي أجادَ فيها كُلَّ الإجادة، فذكر الجَرح مفسرًا معللًا، وهو يُعد من أجود ما كتب في بابه، ويرتقي به مؤلفه إلى مصافِّ كبار النقاد.

стр. 31

وقد اضطرب الحافظ ابن حجر اضطرابًا شديدًا في "التقريب" في موقفه من توثيق ابن حبان، أو ذكره لِشخصٍ ما في كتابه "الثقات"، فهو تارةً يَعْتَدُّ به، ولا يعتدُّ به تارة أخرى. فقد حكم بجهالة عددٍ ممن تفرَّد بالرواية عنهم واحد ووثقهم ابن حبان (١)، وحكم بجهالةِ حال من روى عنه اثنان ووثقه ابن حبان (٢)، في حين أطلق على مثل هذا في مواضع أخرى لفظ "مستور" (٣). وتوسع في إطلاق لفظ "مقبول" على من روى عنه واحد، ووثقه ابن حبان، لكنه أطلق اللفظة عينها على من روى عنه اثنان ووثقه ابن حبان (٤)، ومن روى عنه ثلاثة ووثقه ابن حبان (٥)، ومن روى عنه أربعة (٦)، أو خمسة (٧)، أو ستة (٨)، أو حتى أربعة عشر راويًا وروى عنه أبو داود وهو لا يروي إلا عن ثقة (٩). وفي الوقت نفسه أطلق لفظ "ثقة" على من روى عنه واحد فقط ووثقه ابن حبان (١٠)، أو روى عنه اثنان ووثقه ابن حبان (١١)، أو أكثر من ذلك ووثقه ابن حبان وحده (١٢).

стр. 32

ويشعر القارئ مع كل هذا في بعض الأحيان أن ابنَ حجر لا يُقيم وزنًا البتة لتوثيق ابن حبان، فقد قال في ترجمة عامر بن مصعب من "التقريب": "شيخ لابن جريج لا يُعرف ... وقد وثقه ابن حبان على عادته" (١)، وعامر هذا أخرج له البخاري في "الصحيح" مقرونًا، فلماذا لم يَتَّبِعْ هذه القاعدة في كتابه؟ وتَدَبَّرْ بعد ذلك إهماله لِتوثيق ابن حبان في عدد من التراجم حينما صَرَّح بتوثيقٍ واحدٍ من الأئمة حسب، فقال في ترجمة عامر بن عبدة العجلي: "وثقه ابن معين" (٢)، ولم يقل "ثقة" مع أن العجلي وابن حبان قد وثقاه أيضًا. وقال في ترجمة عبد الله بن السائب الكندي: "وثقه النسائي" (٣) مع أن ابن حبان وابن سعد قد وثقاه في أصل "تهذيب الكمال". وقال في ترجمة عبد الله بن أبي نهيك: "وثَّقه النسائي" (٤)، ولم يُطْلِقْ توثيقَه مع كون العجلي وابن حبان قد وثقاه، وقوله في ترجمة عبد الرحمن بن سعد القرشي العدوي: "وثقه النسائي" (٥) مع علمه أن ابن حبان وثقه أيضًا. وهذا الموقفُ المضطربُ مِن توثيق ابن حبان والعجلي وابن سعد وأضرابهم، والذي يُمكن تقديمُ عشراتِ الأمثلة عليه، لا يُمكن إحالته على سبب من الأسباب، سوى الابتعادِ عن المنهج وخُلُوِّ الكِتَابِ منه، ومثله مثلُ مئات التراجم التي لم يُحررها تحريرًا جيدًا، بحيث ضَعَّف

стр. 33

ثقاتٍ، ووثق ضعفاء، وقَبِل مجاهيل، واستعمل عباراتٍ غير دقيقة في المُخْتَلَفِ فيهم مما سيجده القارئ الباحث في مئاتِ الانتقادات والتعقبات التي أثبتناها في "تحرير أحكام التقريب". أما القاعدةُ الصحيحة في الموقفِ من توثيقِ ابن حبان، فهي كما يلي: ١ - ما ذكره في كتابه "الثقات" وتفرَّد بالرواية عنه واحد - سواء أكان ثقة أم غيرَ ثقة -، ولم يذكر لفظًا يُفهم منه توثيقُه، ولم يُوثقه غيره، فهو يُعَدُّ مجهولَ العين، وهي القاعدة التي صار عليها ابن القطان الفاسي، وشمسُ الدين الذهبي، ولهما فيها سَلَفٌ عند الجهابذة، فقد قال علي بن المديني في جري بن كليب السدوسي البصري: "مجهول لا أعلم روى عنه غير قتادة" (١)، وقال في جعفر بن يحيى بن ثوبان: "شيخ مجهول لم يرو عنه غير أبي عاصم (٢) (الضحاك بن مخلد النبيل) "، وقال أبو حاتم الرازي في حاضر بن المهاجر الباهلي: "مجهول" مع أن شعبة بن الحجاج روى عنه (٣). ٢ - إذا ذكره ابن حبان وحده في "الثقات" وروى عنه اثنان، فهو مجهولُ الحال. ٣ - إذا ذكره ابنُ حبان وحدَه في "الثقات" وروى عنه ثلاثة، فهو مقبول في المتابعات والشواهد. ٤ - إذا ذكره ابنُ حبان وحده في "الثقات" وروى عنه أربعة فأكثر، فهو

стр. 34

صدوقٌ حسن الحديث. ٥ - إذا صَرَّحَ ابن حبان بأنه مستقيم الحديث أو لفظة أخرى تَدُلُّ على التوثيق، فمعنى هذا أنه فتش حديثَه ووجده صحيحًا مستقيمًا موافقًا لأحاديثِ الثقات، فمثل هذا يُوَثَّقُ مَثَلُهُ مَثَلُ أيِّ توثيقٍ لواحد من الأئمة الكبار، لما لابن حبان من المنزلة الرفيعةِ في الجرح والتعديل. ٦ - أما تضعيفُه، فينبغي أن يُعَدَّ مع الجهابذة المُجوِّدين، لما بيَّنه في كتابه من الجرح المفسر. وربما يعترض معترض علينا في عدمِ اعتبارِ ذكر ابن حبان لراوٍ تفرد عنه الواحدُ والاثنان في "الثقات"، فنقول: إن ابن حبان ذكر في "الثقات" كل من لم يُعْرَفْ بجرحٍ، وإن كان لا يعرفه، وهذا لا يَدُلُّ على توثيقٍ أصلًا، فقد قال في "الثقات" مثلًا: "سلمة، يروي عن ابن عمر، روى عنه سعيد بن سلمة. لا أدري من هو ولا ابنُ من هو" (١)! وقال في موضع آخر: "جميل، شيخ يروي عن أبي المليح بن أسامة، روى عنه عبد الله بن عون. لا أدري من هو ولا ابن من هو" (٢)، وقال في ترجمة الحسن بن مسلم الهذلي: "يروي عن مكحول، روى عنه شعبة، إن لم يكن ابن عمران فلا أدري من هو" (٣). سادسًا: الجرح المردود . لقد تبين لنا من دراستنا لِكتب الرجال، وتَتَبُّعِنَا لأحوالِ الرواة أن جملةً

стр. 35

من الرواة الثقات جُرِّحُوا لأسبابٍ لم يعتَد بها النقادُ الجهابذةُ الأُوَل، منها: ١ - الجرحُ بسبب المخالفة في العقائد، وهو ما يُعرف عند أهل السنة بالبدعة غيرِ المُكفّرة، كالخوارج، والشيعة، والقدرية، والمرجئة، والجهمية، والمعتزلة، والواقفية، ونحوهم، قال الحافظ ابن حجر في "نزهة النظر شرح نخبة الفكر" (١): "والتحقيق أنه لا يُرَدُّ كلُّ مكَفَّر ببدعته، لأن كلَّ طائفة تدعي أن مخالفيها مبتدعةٌ: وقد تُبالغ فتكفِّرُ مخالفيها، فلو أُخِذ ذلك على الإِطلاق، لاستلزَمَ تكفير جميع الطوائف. فالمعتمدُ أن الذي ترد روايته: من أنكر أمرًا متواترًا من الشرع، معلومًا من الدين بالضرورة، وكذا من اعتقد عكسَهُ، فأما من لم يكن بهذه الصفة، وانضمَّ إلى ذلك ضبطُهُ لما يرويه مع ورعه وتقواه، فلا مانعَ من قبوله". وقال في "هدي الساري": "وأما البدعةُ، فالموصوفُ بها إما أن يكونَ ممن يُكَفَّرُ بها أو يُفَسَّق، فالمكفَّر بها لا بد أن يكونَ ذلك التكفير متفقًا عليه من قواعد جميع الأئمة، كما في غلاة الروافض من دعوى بعضهم حلول الإلهية في علي أو غيره، أو الإيمان برجوعه إلى الدنيا قبل يوم القيامة أو غير ذلك ... والمُفَسَّقُ بها كبدع الخوارج والروافض الذين لا يغلون ذلك الغلُوَّ، وغير هؤلاء من الطوائف المخالفين لأصولِ السنة خلافًا ظاهرًا، لكنه مستندٌ إلى تأويل ظَاهِرُه سائِغٌ. فقد اختلف أهل السنة في قبول حديثِ مَنْ هذا سبيلُه إذا كان معروفًا بالتحرُّزِ من الكذب مشهورًا بالسلامة من خوارم المروءةِ، موصوفًا بالديانةِ والعِبادة، فقيل: يُقبل مطلقًا، وقيلَ: يُرَدُّ مطلقًا، والثالث: التفصيلُ بين

стр. 36

أن يكونَ داعية أو غير داعية، فَيُقْبَلُ غيرُ الداعية، ويردُّ حديثُ الداعية، وهذا المذهب هو الأعدلُ، وصارت إليه طوائفٌ من الأئمة، وادَّعى ابنُ حبان إجماعَ أهل النقل عليه، لكن في دعوى ذلك نظر. ثم اختلف القائلون بهذا التفصيلِ، فبعضهم أطلقَ ذلك، وبعضهم زاده تفصيلًا، فقال: إن اشتملت رواية غير الداعية على ما يُشيِّد بدعته ويُزينه ويُحسنه ظاهرًا، فلا تُقبَلُ، وإن لم تشتمل فَتُقْبَلُ. وطَرَّد بعضُهم هذا التفصيلَ بعينه في عكسه في حقِّ الداعية فقال: إن اشتملت روايتُه على ما يَرُدُّ بدعته قبل، وإلا فلا. وعلى هذا إذا اشتملت روايةُ المبتدع، سواء كان داعيةً أم لم يكن على ما لا تَعَلُّقَ له ببدعته أصلًا هل تُرَدُّ مطلقًا أو تُقبل مطلقًا؟ مال أبو الفتح القشيريُّ إلى تفصيل آخر فيه، فقال: إن وافقه غيرُه، فلا يُلتفت إليه هو إخمادٌ لبدعته، وإطفاءٌ لناره، وإن لم يُوافقه أحد، ولم يوجد ذلك الحديث إلا عنده مع ما وصفنا من صدقه وتحرزه عن الكذب، واشتهارِه بالدين، وعدم تعلق ذلك الحديث ببدعته، فينبغي أن تقدم مصلحةُ تحصيل ذلك الحديث، ونشر تلك السنة على مصلحة إهانته وإطفاء بدعته، والله أعلم" (١). أما المتقدمون، فوجدنا أكثرهم لا يَعْتَدُّ ببدعة الراوي إن كان صادقًا أمينًا، فقد أخرج الشيخان في "صحيحيهما" عن كثير ممن رُمِيَ بالبدعة، كالخوارج، والشيعة، والقدرية، ونحوهم، ومنهم من كان داعية لمذهبه (٢).

стр. 37

وكان كثيرٌ من جهابذة الجرح والتعديل يوثِّقُ الراوي مع ذكر بدعته إشارةً منه إلى أن بدعته تلك لا تُؤثِّرُ في وثاقته وصحة روايته، فقد سُئِلَ يحيى بن معين عن سعيد بن خُثَيم الكوفي، فقال: كوفيٌّ ليس به بأس، ثقة. فقيل ليحيى: شيعي؟ فقال: وشيعي ثقة، وقدري ثقة (١). وقال في الحارث بن حَصيرة الأزدي أبي النعمان الكوفي: خَشَبِيٌّ ثقة، وقال أبو داود: شيعي صدوق. والحارث هذا قال فيه ابن عدي: وهو أحدُ من يُعد من المحترقين بالكوفة في التشيع (٢)! وكان عبَّادُ بن يعقوب الرواجني الكوفي شيعيًا جَلْدًا، ومع ذلك فقد كان ابنُ خزيمة يقول: "حدثنا الثقةُ في روايته، المتهمُ في دينه عبَّادُ بن يعقوب! "، ووثقه أبو حاتم الرازي، وقال الدارقطني: شيعي صدوق (٣). وكان يعقوبُ هذا كما قال ابن عدي: فيه غلو في التشيع (٤). ومن الأمثلة القوية على عدم اعتبار السلف المتقدمين للعقائد في توثيق الرواة هو عبدُ الرحمن بن صالح الأزدي العتكي، فقد ذُكر عنه أنه كان يروي أحاديثَ سوء في مثالب أصحاب رسول الله ﷺ وأزواجه، وهو شيعي محترق كما قال ابن عدي، ومع كل ذلك فقد قيل لأحمد: إنه رافضي، فقال أحمد: سُبحان الله، رَجُلٌ أحَبَّ قومًا من أهل بيت النبي ﷺ نقول له: لا تحبهم؟ هو ثقة. وقال ابن معين: ثقة صدوق شيعي، لأن يَخِرَّ من السماء أحبُّ إليه من أن يَكْذِبَ في نصف حرف. وقال

стр. 38

موسى بن هارون: كان ثقة، وكان يُحدث بمثالب أزواج رسول الله ﷺ وأصحابه (١). فإذا كان الأمر هكذا في هذا الشيعي المحترق، الغالي في تشيعه، فما بالُك بمن رُمِيَ بشيءٍ يسيرٍ منه، كالأعمش، وعبد الرزاق، والحسن بن صالح بن حي وأضرابهم من ثقات المحدثين؟ ولا نَعْلَم في النقاد أكثرَ تشددًا من يحيى بن سعيد القطان، وهو يقول في ترجمة عباد بن منصور الناجي البصري الذي اتهم بالقدر: "عباد بن منصور ثقة، لا ينبغي أن يترك حديثه لرأي أخطأ فيه - يعني: القدر" (٢). وكان حريزُ بن عثمان الرحبي ناصبيًا محترقًا، وقال عمرو بن علي: كان ينتقص عليًّا وينالُ منه، وكان حافظًا لحديثه، وقال في موضع آخر: ثبتٌ شديد التحامل على علي، ووثقه جمهور الأئمة، وأخرج له الشيخان في "صحيحيهما"، وقال الذهبي في "الميزان": "كان متقنًا ثبتًا، لكنه مبتدع"، وقال في "الكاشف": "ثقة وهو ناصبي"، وقال في "الديوان": "ثقة لكنه ناصبي مبغض" (٣). ٢ - ومِن ذلك تضعيفُ بعض الرواةِ لِدخولهم في عملِ السُّلطان، وهو أمرٌ غريب لا علاقةَ له البتةَ بحفظِ الراوي وإتقانه وضبطه وتحريه وورعِه ودينه، فانظر قولَ ابن حجر في ترجمة حميد بن هلال العدوي، وهو أحدُ العلماء الثقات المتفق عليهم: "توقف فيه ابنُ سيرين لِدخوله في عمل السلطان" (٤)، فما الفائدةُ المرجوةُ مِن ذكر هذه العبارة في هذا

стр. 39

الكتاب المختصر المعتصر، وهو الذي يقول في موضع آخر عن مثل هذا التضعيفِ: "ولا أثر لذلك التضعيفِ مع الصدق والضبط" (١). ٣ - والأسوأ من كُلِّ هذا: التضعيفُ لموضع الرأي، كما رأينا ذلك في كثيرٍ من الرواة الكوفيين الثقاتِ من أصحاب أبي حنيفة ﵀، مع أن كثيرًا ممن ضُعِّفَ لأجلِ هذا كانوا من ذوي الرأي السديد المُشيد على الكتاب والسُّنة، وقد سلكوا فيه طريقًا محمودًا كسائِرِ الأئمة المتبوعين، وَكانَ له الأثرُ الكبير في إغناءِ الفقه الإسلامي بتشريعات وافية، وحلولٍ عملية لما يستجِدُّ من الحوادث والقضايا. ٤ - ومنه كلامُ الأقران بعضهم في بعض، وهو غير مقبول إذا كان صادرًا عن عصبية مذهبية، أو منافسة دنيوية، ولا يوجب طعنًا على القائل ولا على المقول فيه، فلا يُسمع مثلًا قولُ ربيعة بن أبي عبد الرحمن في أبي الزناد عبدِ الله بن ذكوان، ولا كلام النسائي في أحمد بن صالح، ولا كلام الثوري في أبي حنيفة، ولا كلام ابن أبي ذئب في مالك. ٥ - ومنه أيضًا التضعيفُ بسبب الخطأ اليسير، كأن يُخطئ الثقةُ في حديثٍ، أو في بضعةِ أحاديث. ومعلوم عندَ العلماء أن إطلاقَ لفظ "ثقة" على راوٍ من الرواة يعني أن أكثر حديثه صحيح، ونادرًا ما يَقَعُ له الخطأ أو الوهم أو المخالفة. والثقات يقعُ لهم الوهم، بل لا يكاد يَنْفَكُّ منه عظماءُ المحدثين الثقات الأثبات كشُعبة والسفيانين، وغيرهم. ولذلكَ فإن إلصاقَ الوهم، أو الخطأ، أو الإغراب في الثقات أو الصادقين الذين يَنْدُرُ الخطأ عندهم فيه مجانبة للنهج الأعدل. ويتعين التنبيهُ هنا، نتيجة لما ذكرنا، أن لا يُكتفى بدراسة الإسنادِ

стр. 40

فَيُحكم على متن الحديث بالصحة جملة، وإنما ينتقل بعد التأكد من صحة الإسناد إلى دراسة المتن ومعرفة اتفاقه مع أحاديث الثقات، وأن لا تكون فيه مناقضة للأصول والمعقول. ٦ - وأسوأ من هذا كُلِّه تضعيفُ من ضَعَّف مَن هُو أوثقُ منه أو أعلى قدرًا أو أعرفُ بالحديث، فقد تكلّم الكُديمي في أبانَ بن يزيد العطار، والكديمي ضعيف، وتكلم الأزدىُّ في عددٍ كبير من الثقات، وهو متكلَّمٌ فيه، فلا يُعْتدُّ بمثل هذا. ٧ - تفرد بعض العلماء بالجرح دونَ جمهور العلماء، ولا يُعتد بمثل هذا لشذوذه ومخالفته الجمهور. ٨ - ومنه اتِّهامُ بعض الرواة بالاختلاط مع أنهم لم يُحدثوا في حال اختلاطهم، أو وصفِ النسيان عند كِبَرِ السِّن بأنه اختلاط، أو عدم التمييز بَيْنَ مَنْ روى عن الشيخ قبل اختلاطه وبعده، فَيُحْكَمُ على كلِّ رواياته بالضعف بسبب اختلاطه. ٩ - ومن ذلك أيضًا وصفُ عدد من التابعين الذين لم يُدركوا أحدًا من الصحابة، أو بعضهم، وأرسلوا أحاديثهم بالتدليس مثل سليمان بن مهران الأعمش، وحبيب بن أبي ثابت، ويحيى بن أبي كثير، والحسن البصري، وأبو إسحاق السبيعي ونحوهم. فهؤلاء وأمثالهم إذا رَوَوْا عن الصحابة لم يُقبل حديثُهم إلا إذا صرحوا بالسماع منهم، أما إذا رَوَوْا عن التابعين ولم يصرِّحوا بالسماع، فَيُقْبَلُ حديثهم. سابعًا: اختلاف مدلولات الألفاظ عند أهل الجرح والتعديل: استعمَلَ المتقدمون عباراتٍ خاصةً بهم في توثيق الرجال وتضعيفهم
следующие страницы →