← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 127717

شرح مختصر أصول الفقه للجراعي

الجراعي

Полный текст (1 782 стр.). Показаны 1751–1782 · переход к 1756.

стр. 1751

قوله: فإن رجحت رواية أكابر الصحابة على غيرهم (١). إن لم تُرجّح رواية الخلفاء الأربعة على غيرهم، فغيرهم من باب أولى، وإن رجحنا رواية الخلفاء الأربعة رجحنا رواية أكابر الصحابة [عن غيرهم] (٢) ولاختصاصهم لمزيد خِبرَةٍ بأحوال النبي ﷺ (٣) تنبيه: من هنا إلى آخر الكتاب النسخ (٤) مختلفة في مواضع كثيرة منها فليعلم ذلك، وإنما شرحت على ما ظهر لي أنه الصحيح. والله تعالى أعلم. قوله: ورواية متقدم الإسلام ومتأخره سيان عند الأكثر (٥). لأن اسم الصحابة قد شملها، وتفاوتها بتقدم الإسلام وتأخره

стр. 1752

إنما يوجب رجحانًا في الفضيلة لا في قبول الرواية وقوتها وضعفها (١). وذكر الآمدي: الترجيح بذلك (٢). نظر -والله أعلم- إلى مطلق الرجحان في الفضيلة (٣). قوله: ويُقدم الأكثر صحبة، ذكره ابن عقيل (٤) وأبو الخطاب (٥)، وزاد: أو قَدُمَتْ هجرته (٦). لأنه كما كثرت صحبته كما زاد إيمانه ووقر في قلبه، ولا شك أن هذا ما يحمله على الحفظ والضبط فقدِّم على غيره، وكذلك إذا قَدُمَتْ هجرته لأنها فضيلة قد قدِّم بها في الإقامة فكذلك تقدم في العمل بالرواية (٧). قوله: ويرجح بكونه مشهور النسب (٨). لكثرة تحرّزِه عما يُنقص نسبه (٩).

стр. 1753

قوله: وانفرد الآمدي (١): أو غير مُلْتَبِس بمضعَّف (٢). وعلّله بغلبة الظن، ولكنه ليس بظاهر. قوله: ويتحملها بالغًا، ذكره ابن عقيل (٣) (٤) لكثرة ضبطه وإحاطته (٥). قوله: قال (٦): وأهل الحرمين أولى (٧). لقول زيد بن ثابت (٨): (إذا وجدتم أهل المدينة على شيء فهو السنة) (٩). قال في المسودة عن قول ابن عقيل: "هذا إنما أراد -والله أعلم-[من كانت مدة مقامه] (١٠) في حياة رسول الله ﷺ

стр. 1754

بالموضع الذي كان فيه رسول الله ﷺ سواء انتقل بعد موت النبي ﷺ إلى غير الحرمين أو لا (١). ولا يرجح بالذكورية والحرية على الأظهر (٢). لم يفرق الجمهور بين رواية الذكر والأنثى، ولا ليس الحر والعبد، بل كما يعملون برواية هذا يعملون برواية هذا وإنما خالف ممن لا غَيْرة له، ولهذا قال ابن مفلح (٣) تبعًا للمسودة عن الخلاف: وليس بشيء (٤)، لكن رجح هذا القول التاج السبكي في جمعه (٥). قوله: ويرجح المتواتر على الآحاد (٦). لأن المتواتر يفيد العلم، لا سيما عند من يقول: إن العلم الحاصل به ضروري (٧). قوله: والمسند على المرسل عند الجمهور (٨)، وقال

стр. 1755

الجرجاني (١) وأبو الخطاب: المرسل أولى، قال ابن المَنِّي: وسواءٌ مرسل الصحابي وغيره، لجواز أن يكون المجهول غير حافظ، وإن كان عدلًا (٢). المسند مقدّم على المرسل؛ لأن المرسل مُختَلَفٌ في كونه حجة، وما ذاك إلا لضعف لَحِقَه فقُدِّم المسند كقوله (٣)، وعند أبي الخطاب يُقدّم المرسل لأن من أرسله قد قطع على رسول الله ﷺ بأنه قاله، والمسنِد جعل العهدة على غيره (٤). ولا فرق بين مرسل الصحابي وغيره، عند ابن المنِّي لأن التعليلين جاريان مطلقًا، فإن المرسل عند الجمهور حصل له ضعف سواء كان المجهول غير حافظ أو كان عدلًا. ومرسل التابعي على غيره (٥). يقدم مرسل التابعي على من دونه، من تابعي التابعي ومن بعده؛ لأن الظاهر من مرسل التابعي أنه عن صحابي، والصحابة مرتبتهم معروفة (٦).

стр. 1756

قوله: والمتفق على رفعه أو وصله على مختلف فيه (١). إذا كان معنا حديثان أحدهما متفق على رفعه إلى النبي ﷺ أو وصله والآخر مختلف فيه، فلا شك أن المتفق عليه أولى من المختلف فيه (٢). قوله: المتن: يُرجح النهي على الأمر، والمختار الآمر على المبيح، والأقلّ احتمالًا على الأكثر (٣). يرجح الأمر على النهي، لشدة الطلب فيه، لاقتضائه الدوام، ولقلّة محامله، ولأن دفع المفسدة أهم من تحصيل المصلحة (٤). وأما الآمر والمبيح فقال الآمدي: يُقدَّم المبيح على الآمر، وتبعه بعض أصحابنا (٥)، لاتحاد مدلوله، ولعدم تعطيله، وإمكان تأويل الأمر (٦). وقيل: الآمر لاحتمال الضرر بتقديم المبيح، بلا عكس.

стр. 1757

وإذا كان في الدليلين واحد يحتمل شيئين والآخر يحتمل أكثر قدم الأول لكونه أقل احتمالًا (١). قوله: والحقيقة على المجاز (٢). لأنها أقوى منه فقدمت عليه، وقد سبق (٣) في آخر المجمل: الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح. وقال بعض علمائنا (٤) "مجاز راجح، أولى من حقيقة مرجوحة عندنا، وعند أبي يوسف (٥) لرجحانه وزوال الأصل بالنقل، وعند أبي حنيفة (٦) الحقيقة. وقيل: سواء. قوله: والنص على الظاهر (٧). يقدم النص على الظاهر لأن النص أدل لعدم احتماله غير المراد، والظاهر يحتمل غيره وإن كان احتمالًا مرجوحًا لكنه يصح أن يكون مرادًا (٨).

стр. 1758

قوله: ومفهوم الموافقة على المخالفة (١). إذا تعارض ما يدل لمفهوم الموافقة وما يدل بمفهوم المخالفة قدم الأول لأنه أقوى (٢)، ولذلك قلنا -في مفهوم المخالفة-: شرطه انتفاء مفهوم الموافقة (٣). قوله: المدلول: يُرجَّح الحظر على الإباحة عند أحمد (٤) وأصحابه، وقال ابن أبان (٥) وبعض الشافعية (٦)، يتساويان ويسقطان (٧). الترجيح اللفظي بحسب المدلول يُقدّم الحظر على الإباحة للاحتياط (٨).

стр. 1759

وقيل: بالسقوط للتعاوض، وقيل: بعدم الإباحة على الحظر لئلا تفوت مصلحة إرادة المكلف (١). قوله: ويرجح الحظر على الندب (٢). لأن الحظر لدفع المفسدة والندب لجلب المنفعة، ودفع المفسدة أهم في نظر العقلاء (٣). قوله: والوجوب على الكراهة (٤). اختلفت النسخ ففي بعضها كما هنا، وفي بعضها بزيادة واو بين الوجوب وعلى فبتقدير ثبوت الواو، يكون التقدير يُرجح الحظر على الندب وعلى الوجوب وعلى الكراهة، وبتقدير عدمها يكون تقدير الكلام يرجح الحظر على الندب، ويرجح الوجوب على الكراهة. أما تقديم الحظر على الوجوب فلأن دفع المفسدة أهم كما تقدم، وأما تقديم الحظر على الكراهة فلأنه أحوط، وأما تقديم الوجوب على الكراهة فلم أره منقولًا، فلعل النسخة التي فيها الواو هي الصحيحة, والله تعالى أعلم، لموافقة المنقول فعليها يكون الحظر مرجحًا على بقية أحكام التكليف. قوله: ويرجح الوجوب على الندب (٥).

стр. 1760

لأنه أحوط فقُدّم عليه (١). قوله: وقوله ﵇ على فعله (٢). أي: ويُرَجَّح قول النبي ﷺ على فعله (٣)؛ لأن فعله ﵇ يحتمل [أن يكون تشريعًا] (٤) ويحتمل أن يكون من خواصه بخلاف القول، وأيضًا: فإن القول له صيغة دالّة عليه، وأما الفعل فإنه لا صيغة له تدل بنفسها، وإنما دلالة الفعل لأمر خارج وهو كونه ﵇ واجب الاتباع فكان القول أقوى (٥). قوله: والمثبت على النافي، إلا أن يستند النفي إلى علم بالعدم، لا عدم العلم فيستويان (٦). كقول بلال (٧) في دخول النبي ﷺ البيت: (صلى فيه) (٨)،

стр. 1761

وقول أسامة (١): (لم يصل) (٢) فأخذ الناس يقول بلال لأنه يثبت فيه زيادة علم. وقال القاضي في الكفاية (٣)، وأبو الحسين (٤): "سواء". قال ابن مفلح: "والمراد ما قاله الفخر إسماعيل (٥): إن

стр. 1762

استند النفي إلى علم بالعلم لعلمه جهات إثباته فسواء" (١). ومعنى هذا الكلام أن النافي تارة بسند النفي إلى عدم العلم كقوله: لم أعلم أن رسول الله ﷺ صلى في البيت، ولم أعلم أن فلانًا قتل فلانًا، فهذا يقدم الإثبات عليه، وتارة يستند إلى علم بالعدم كقول الراوي: اعلم أن رسول الله ﷺ لم يصل في البيت لأني كنت معه فيه ولم يغب من نظري طرفة عين فيه، ولم أره صلى فيه فهذا يقبل لاستناده إلى مدرك علمي ويستوي هو وإثبات المثبت، فيتعارضان ويطلب المرجح من خارج (٢). قوله: والناقل عن حكم الأصل على غيره على الأظهر، فيرجّح موجب الحدّ و [الحريّة] (٣) على نافيهما (٤). الناقل عن حكم الأصل، مقَدَّم على غيره عند الجمهور (٥)

стр. 1763

لحديث: (من مسَّ ذكره فليتوضأ) فالجمهور أنه مقدم على قوله: (هل هو إلا بضعة منك؟ ) (١) لأن الأولى يُفيد حكمًا شرعيًّا ليس في الآخر. وذهب الرازي (٢) والبيضاوي (٣) وغيرهما (٤) إلى ترجيح الثاني. وكذلك موجب الحدِّ مقدَّم على غيره؛ لأن معه زيادة علم. والقول الثاني: لا. لأن (الحدود تدرأ بالشبهات) (٥). وكذا موجب الحريّة يقدم على نافيها؛ لأن موجب الحريّة معه زيادة علم.

стр. 1764

والقول الثاني: لأن نافيها على خلاف الأصل وهو الرِّق فَقَوِيَ على المثبت فَقُدِّم عليه، واعلم أن في بعض النسخ "ويرجّح" بالواو وفي غالبها بالفاء ولا شك أن موجب الحد الحريّة ناقل عن الأصل فبهذه الواسطة تترجح الفائدة والله أعلم. [الترجيح بالخارج] قوله: الخارج: يرجح المُجرَى على عمومه على المخصوص، والمتلقَّى بالقبول على ما دخله النكير، وعلى قياسه ما قلَّ نكيره على ما كثر (١). هذا الترجيح بالأمور الخارجية، فإذا تعارض عامّان أحدهما باقٍ على عمومه، والآخر قد خُص بصورة، رُجّح المُجرَى على عمومه على المخصوص؛ لأن المخصوص قد خصَّ فاختلف بدليل وقوع الخلاف فيه، هل هو حجة أم لا؟ وكذلك إذا كان أحد النّصيْن قد تلقاه العلماء بالقبول، ولم يلحقه إنكار من أحد منهم، فهو مقدم على ما لحقه الإنكار من بعضهم؛ لأن لحوق الإنكار شبهة فالخالي منه راجح. وعلى قياس قولنا: يقدَّم المتلقى بالقبول على ما دخله النّكير، وأن يُقَدَّم ما قلّ نكيره على ما أكثر نكيره؛ لأن الذي أنكره جماعة كثيرة ليس هو كالذي أنكره واحد أو اثنان (٢).

стр. 1765

قوله: وما عَضَده [عموم] (١) كتاب، أو سنة، أو قياس شرعي، أو معنى عقلي (٢). إذا تعارض نصان [مع] (٣) أحدهما عموم كتاب أو عموم سنة أو قياس شرعي، أو معنى عقلي يحصل مصلحة ما، كان مقدمًا على الآخر (٤)، لتجرده عن مرجِّح. قوله: فإن عَضَد أحدهما قرآن والآخر سنة فروايتان (٥). إذ تعارض حديثان وعضد أحدهما آية والآخر حديث ففيه روايتان (٦)، إحداهما: يقدم ما عضده القرآن لأن دلالته من نوعين وهما الكتاب والسنة، بخلاف الطرف الآخر، فإنّ دلالته من نوع واحد وهو الحديث. والرواية الثانية: يُقدّم ما عضده الحديث وإن السنة مقدّمة

стр. 1766

على الكتاب من جهة كونها مبيّنةً له (١). قوله: وما ورد ابتداء على ذي السبب (٢). لأن الوارد على سبب يحتمل اختصاصه، بخلاف الوارد ابتداءً (٣). قوله: والعام بأنه أمسّ بالمقصود، نحو: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْن﴾ (٤) على: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم﴾ (٥) (٦). إذا تعارض عامّان أحدهما أمسُّ بالمقصود وأقرب إليه، قُدّم على الآخر، مثل: قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ

стр. 1767

الْأُخْتَيْنِ﴾ (١). فإنه تقدّم في مسألة الجمع بينهما (٢) في وطء النكاح على قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٣) فإنه أمسّ بمسألة الجمع (٤). قوله: وما عَمِل به الخلفاءُ الراشدون على غيره عند أصحابنا (٥)، وأصح الروايتين عن إمامنا (٦). إذا تعارض نصَّان، وعمل بأحدهما الخلفاء الراشدون، فهل يُقدِّم على غيره أم لا؟ على روايتين (٧). إحداهما: نعم، [لورد الأمر] (٨) باتباعهم حيث قال ﵇

стр. 1768

(عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ) (١)، ولأن الظاهر أنهم لم يتركوا النص الآخر إلا لحجة. والرواية الثانية: لا (٢)، لجواز أنه لم يبلغهم وحينئذٍ لا يدل تركهم على مرجوحيته، والأول أظهر (٣). قوله: ويرجح يقول أهل المدينة عند أحمد وأبي الخطاب (٤) وغيرهما (٥) خلافًا للقاضي وابن عقيل، ورجح الحنفية بعمل أهل الكوفة إلى زمن أبي حنيفة (٦) قبل ظهور البدع (٧). وجه ما قاله القاضي (٨) وابن عقيل (٩) أن الأماكن لا تأثير لهادي زيادة الظنون فلا فرق بين قول أهل المدينة وغيرهم في عدم الترجيح به. ووجه ما قاله الإِمام أحمد: أن إطباق الجمّ الغفير على العمل

стр. 1769

على وفق أحد الخبرين يفيده تقوية وزيادة ظن، فيرجَّحُ به كموافقة خبر آخر، ولأن اتفاق أهل المدينة قد اختلف في كونه إجماعًا، فإن كان [إجماعًا] (١) فهو مرجح لا محالة، وإن لم يكن إجماعًا، فأدنى أحواله أن يكون مرجحًا، كالظاهر والقياس وخبر الواحد (٢). وقولهم: لا تأثير للأماكن في زيادة الظنون. قلنا: نحن لا نرجح بالأماكن، بل يقول الجمّ الغفير من علماء أهلها، وهو مفيد لزيادة الظن، وقد علم من هذين التعليلين تعليل قول الحنفية وضده (٣). قوله: وما عضده من احتمالات الخبر بتفسير الراوي، أو غيره من وجوه الترجيحات على غيره من الاحتمالات (٤). يعني إذا كان الخبر يحتمل وجوهًا، وتَتّجِه له محامل، ففَسره الراوي على بعضها، كان ما فسّره الراوي عليه مقدمًا على باقيها، فيرجح احتمال التفرق بالأبدان في حديث: ([المتبايعان] (٥) بالخيار) (٦) على احتمال التفرق بالأقوال، تفسير ابن عمر له بفعله

стр. 1770

وأنه كان إذا أراد أن يوجب البيع مشى قليلًا ثم رجع (١)، وكذلك إذا اعتضد أحد الاحتمالات؛ لأن الاحتمال الذي حصل له اعتضاد بوجه آخر [] (٢) آكد قوة فَقُدِّم على غيره (٣). قوله: والقياسي (٤). [الترجيح بالقياس] أي: والترجيح القياسي يعني الواقع في الأقيسة لأنه قد سبق بيان الترجيح اللفظي، وانتهى الكلام فيه والكلام الآن في القياسي. قوله: إمّا من جهة الأصل، أو العلة، أو القرينة العاضدة (٥). الترجيح الحاصل للقياس إما من جهة أصله، أو علته، أو قرينة تقترن بأحد القياسين يعضده فيه فيترجح على الآخر. [الترجيح بحكم الأصل] قوله: أما الأول فحكم الأصل الثابت بالإجماع راجح على الثابت بالنص، والثابتِ بالقرآن أو تواتر السنة على الثابت

стр. 1771

بآحادها، وبمطلق النص على الثابت بالقياس، والمقيس على أصولٍ أكثر على غيره، لحصول غلبة الظن بكثرة الأصول، خلافًا للجويني، والقياس على ما لم يخص على القياس المخصوص (١). ترجيح القياس من جهة أصله من وجوه (٢): أحدها: الأصل الثابت بالإجماع راجح على الثابت بالنص لعصمة الإجماع، ومعناه: إذا أمكن قياس الفرع على أصلين، حكم أحدهما ثابت بالإجماع والآخر ثابت بالنص، كان القياس على الأصل الثابت بالإجماع مقدّمًا على الأصل الثابت بالنص، لأن الإجماع مقدم على النص، فكذا ما ثبت به يكون مقدّمًا على ما ثبت بالنص، لعصمة الإجماع من الخطأ والنسخ. مثاله قولنا -في لعان الأخرس-: ما صح من [الناطق] (٣) صح من الأخرس (٤) كاليمين، أرجح من قياسهم على شهادته تعليلًا بأنه يفتقر إلى لفظ الشهادة؛ لأن اليمين يصح من الآخرس

стр. 1772

بالإجماع (١) بخلاف شهادته فإن فيها خلاف (٢). الوجه الثاني: حكم الأصل الثابت بالقرآن أو تواتر السنة، راجح على حكم الأصل الثابت بآحاد السنة، كما أن القرآن ومتواتر السنة مُقدَّمان على آحادها فكذلك الأصول الثابتة بها. الوجه الثالث: حكم الأصل الثابت بمطلق النص راجح على حكم الأصل الثالت بالقياس، كما يقدم مطلق النص على القياس. والمراد بمطلق النص كل ما شمله اسم من تواتر وآحاد صحيح وحسن مما يسوغ العمل به شرعًا. الوجه الرابع: إذا تعددت الأصول في أحد القياسين ولم يتعدّد في الآخر، فإنّ ما تعددت أصوله مرجَّح على الآخر؛ لأن كثرة الأصول تدل على العموم فيرجح لحصول غلبة الظن بكثرة الأصول خلافًا للجويني حيث حُكِيَ عنه أن أحد القياسين لا يُرجح بكثرة الأصول. الوجه الخامس: القياس على أصل بأن على عمومه لم يخص راجح على القياس على أصل مخصوص، كما أنّ العام الباقي على عمومه راجح على العام المخصوص (٣).

стр. 1773

قوله: وأما الثاني، فتقدم العلَّة المجمع عليها على غيرها، والمنصوصة على المستنبطة، والثابتة علِّيَّتِها تواترًا على الثابتة علِّيَّتِها آحادًا، والمناسِبةُ على غيرها، والناقلة على المقرِّرة، والحاظرة على المبيحة، ومُسقِطة الحدِّ، وموجبة العتق، والأخف حكمًا على خلاف فيه كالخبر، والوصْفيّة -للاتفاق عليها- على الاسمية، والمردودة إلى أصل قاس الشرع عليه على غيره، كقياس الحجّ على الدَّيْن والقُبْلة على المضمضة، والمطَّردة على غيرها إن قيل بصحتها، والمنعكسة على غيرها إن اشترط العكس (١). يرجح القياس من جهة علَّتِه عن وجوه: أحدها: ترجح العلة المجمع عليها على غير المجمع عليها، بمعنى إذا ظهر في [الأصل] (٢) الواحد وصفانِ مناسبان، وقد أجمع على التعليل بأحدهما، واختلف في التعليل بالآخر، فالتعليل بالوصف المجمع عليه. راجح لقوة [مستنده] (٣) وهو الإجماع (٤).

стр. 1774

الثاني: تُرجَّح العلَّة المنصوصة عليها من الشارع على العلة التي استنبطها المجتهد؛ لأن نص الشارع أولى من اجتهاد المجتهد، لعصمة النص دونه، كتعليل منع بيع الرطب بالتمر بأنه جنس ربوي بيع ببعضه فينقض عن حقّه، فيتفاضلان في حال المآل والادِّخار، أشبه الحنطة بالدقيق، فإنه أرجح من تعليه, جواز بيعه بوجود التماثل في الحال من جهة أن النبي ﷺ نصّ على معنى التعليل الأول بقوله: (أينقص الرطب إذا يبس؟ ) فكانت أولى من المستنبطة. الثالث: تُرجّح العلة التي ثبتت عليتها بالتواتر على التي ثبتت عليتها بالآحاد كما قلنا: بتقديم التواتر على الآحاد في الأخبار (١). الرابع: تُرجّح العلة المناسبة على غير المناسبة، لاختصاص المناسبة بزيادة القبول في العقول، وهذا ثابتًا فيها إذا كانت العلتان منصوصتين أو مستنبطتين، أمّا إن كانت إحداها منصوصة والأخرى مستنبطة، فالمنصوصة مقدّمة ولو لم تكن مناسِبة وكذلك إن كانت المتواترة غير مناسبة، والثابتة بالآحاد مناسبة فإن الثابتة بالآحاد مُقدّمَة مطلقًا (٢). الخامس: تُرجّح العلة الناقلة عن حكم الأصل على العلة المقرِّرة عليه كما سبق في الخبر الناقل مع المقرِّر (٣).

стр. 1775

السادس: تُرجّح العلة الحاظرة أي: التي توجب الحظر، على التي توجب الإباحة. السابع: تُرجّح مُسقِطة الحدِّ على موجبته، وموجبة العتق على نافيته والتي هي أخفّ حكمًا على التي هي أثقل حكمًا، على خلافٍ في ذلك كلّه، كما سبق (١) في نظيره في الأخبار، لأن العِلَل مستفادة من النصوص فتتبعها في الخلاف والوِفاق في ذلك ونحوه، وهذا إذا تساوتا في النص والاستنباط، أما إن كانت إحداهما منصوصة والأخرى مستنبطة، فالمنصوصة مقدمة كما تقدم (٢)؟ الثامن: تُقدَّم العلة الوصفية للاتفاق عليها على الاسمية، لأن التعليل بالأوصاف متفق عليه بخلاف التعليل بالأسماء، كتعليل الربا في البُرّ بكونه مكيلًا أو مطعومًا، فإنه مقدم على التعليل بكونه بُرًّا، وفي الذهب بكونه موزونًا، فإنه مقدم على التعليل بكونه ذهبًا. التاسع: العلَّة المردودة إلى أصل قال الشرع عليه، راجحةٌ على غيرها، كقياس النبي ﷺ الحج على دين الآدمي في حديث الخثعمية، والقُبْلة على المضمضة في حديث عمر ﵁. فلو قال قائل: الحج عن المعضوب لا يجزئ بالقياس على الصلاة، والقبلة تُفَطّر الصائم؛ لأنها نوع استمتاع بالقياس على الوطء، لقلنا: القياس على ما قاس عليه الشارع أولى؛ لأنه أعلم بالأحكام ومصالحها من مفاسدها.

стр. 1776

العاشر: العلّة المطَّرَدة تُرجّح على غير المطّردة إن قيل بصحة غير المطردة, لأن غير المطردة وهي المنتقصة بصورة فأكثر إن لم يقل بصحتها لم تُعارض المطردة حتى تحتاج إلى ترجيح، وإن قلنا بصحتها فاجتمعت هي والمطردة، فالمطردة راجحة لأن ظنّ العلّيّة فيها أغلب، ولأنها متفق عليها والمنتقضَة مختلفٌ فيها. الحادي عشر: العلة المنعكسة راجحَةٌ على غير المنعكسة إن اشترط العكس في العلل، قد سبق أن اطراد العلّة هو استمرار حكمها في جميع محالَّها، وأما انعكاسها فهو انتفاء الحكم لانتفائها. واختلف في الانعكاس هل هو شرط في صحتها أو لا؟ فإن لم يشترط لم ترجح المنعكسة على غير المنعكسه؛ لأن شرط الصحة موجود فيها وهو الاطراد، ووجود الانعكاس كالعدم لأنه غير مشترط، وإن قلنا: يشترط رجحت المنعكسة على غيرها لانتفاء الحكم عند إنتفائها يدل على زيادة في اختصاصها بالتأثير فتصير كالحدِّ مع المحدود، ويقدم المنعكس فيه على غيره. مثاله: قولنا في جريان القصاص بين الرجل والمرأة في الأطراف من أجرى القصاص بينهما في النفس أجرى بينهما (١) في الأطراف كالحرَّيْن، أولى من قولهم: إنهما يختلفان في بدل النفس فلا يجري القصاص بينهما في الأطراف، كالمسلم مع المستأمن فإنه لا تأثير لقولهم: يختلفان في بدل النفس فإن العبدين وإن تساويا في القيمة، لا يجري القصاص بينهما (٢).

стр. 1777

قوله: والقاصرة والمتعدية سيان في ثالث (١). قد سبق (٢) الخلاف في القاصرة، هل هي علة صحيحة في نفسها أم لا؟ فإن قلنا: ليست صحيحةً لم تُعارض المتعدية (٣). وإن قلنا: بصحتها فاجتمعت مع المتعدِّية، وفيها أقوال: أحدها: [أنهما سواء في الحكم] (٤) لا رُجحان لأحدهما على الأخرى (٥)، لقيام الدليل على صحة كل منهما، كما تقدم. الثاني: القاصرة أرجح (٦) لوجهين: أحدهما: أنها مطابقة للنص في موردها لم تجاوزه، بخلاف المتعدية لزيادتها على النص، وما طابق النص كان أولى. الوجه الثاني: أمْنُ صاحبها من الخطأ لأنه لا يحتاج إلى التعليل بها في غير محل النص كالمتعدية، فربما أخطأ بالوقوع

стр. 1778

في بعض مثارات الغلط في القياس، وما أُمِن فيه من الخطأ، أولى مما كان عُرضةً له (١). القول الثالث: المتعدية أرجح (٢) [لكثرة] (٣) فوائدها، كالتعليل في الذهب والفضة بالوزن فيتعدى الحكم إلى كل موزون، كالحديد والنحاس، بخلاف التعليل بالثَّمنيَّة أو النقدية فلا يتعداها. قوله: ويُقدّم الحكم الشرعي أو اليقيني على الوصف الحسِّي والإثباتي عند قومٍ، وقيل الحق التسوية (٤). اعلم: أن النُّسخ اختلفت (٥) في هذا الموضع ففي بعض النسخ ذكر هكذا وفي بعض النسخ زيادة ذكرها عند تعليل المسألة قبلها (٦): ومنها: أنه لما ذكر القول بأن المتعدية أرجح، قال: فعلى هذا (٧)، يقدم الأكثر فروعًا على

стр. 1779

الأقل (١). مثاله: لو قدرنا -في البر- أن المطعومات أكثر؛ علّلنا بالطّعم لأنه حينئذٍ يكونُ أكثر فروعًا، ولو قدرنا أن المكيلات أكثر؛ علّلنا بالكيل لأنه حينئذٍ يكون أكثر فروعًا (٢). ومنها (٣) تُرجَّح ذات الوصف (لكثرة) (٤) فروعها، على ذات الوصفين. لأن ما توقف على وصف واحد أكثر فروعًا مما توقف على وصفين فأكثر (٥). ومنها قوله: ولا مدخل للكلام في القاصرة والمتعدية في ترجيح الأقيسة (٦)، وإنما فائدته إمكان القياس, لأن القاصرة لا تتعدى محلها حتى يقاس عليها، كالثمنية في [النقد] (٧) فحيث قلنا بما لم يمكن القياس، وإن قلنا بالمتعدية أمكن القياس فهذا فائدتهما والله أعلم. وهذا على الزيادة في بعض النسخ فلنرجع إلى الكلام على ما هو في الأصل.

стр. 1780

فنقول: إذا تعارض قياسان [والجامع] (١) في أحدهما حكم شرعي وفي الآخر وصف حسّي، أو الجامع في أحدهما حكم سلبي، وفي الآخر حكم إثباتي فالحكم الشرعي مقدّم على الوصف الحسّي، لأن القياس طريقٌ شرعي لا حسّي فكان الاعتماد فيه على [الأحكام] (٢) الشرعية أولى من الاعتماد على الأوصاف الحسِّية (٣)، وكذلك الاعتماد على الحكم السلبي مقدّم على الثبوتي, لأنه أوفق للأصل، إذ الأصل عدَم الأشياء كلها، هذا اختيار الآمدي (٤). ويقدم الثبوتي عند الحنفي وأصحابه (٥)، والروضة للاحتياط، لإفادتها حكمًا شرعيًّا (٦). وقيل: هما سواء. الحكم الشرعي مع الوصف الحسّي والحكم السلبي مع الثبوتي لأن الدليل لما قام على عليّة كل واحد من الأمرين [ثبتت عِلّيته] (٧) والظن لا يتفاوت بشيء مما ذكرنا، فاستويا لعدم ما يَصلُح مُرجّحًا، وأبو الخطاب يرجّح العلّة الحكميّة (٨)، والقاضي يُرجِّح الحِسِّية (٩).

стр. 1781

قوله, والمؤثر على الملائم، والملائم على الغريب (١). لأن قوّتهما في أنفسهما على هذا الترتيب (٢). قوله: والمناسب على الشبهي (٣). إذا دارت علة القياسِ بين وصفٍ مناسبٍ وشبهي، قُدّم المناسب؛ لأنه متّفق عليه، والمصلحة ظاهرة فيه بخلاف الشَّبهي فيهما (٤). قوله: وتفاصيل الترجيح كثيرة، فالضابط فيه أنه متى اقترن بأحد الطرفين أمرٌ نقليٌّ أو اصطلاحيٌّ عام، أو خاص، أو قرينة عقلية، أو لفظية، أو حالية، وأفاد ذلك زيادة ظن، رُجّح به (٥). تفاصيل الترجيح كثيرة غير ما ذكر لأن مثارات الظنون التي يحصل بها الترجيح كثيرة جدًّا، فحصرها يبعد. فالقاعدة الكُّلِّيَّة في الترجيح: أنه متى اقترن بأحد الدليلين المتعارضين أمرٌ نقلي -كآية أو خبر أو اصطلاحي: كعرف أو عادة- فإن كان عامًّا كان ذلك أو خاصًا، أو قرينة عقلية أو لفظية أو حالية وأفاد ذلك زيادة ظنٍّ رُجّح به، لما ذكرنا من أَنَّ رجحان الدليل هو الزيادة في قوته، وظن إفادته المدلول، وذلك أمر حقيقي لا يختلف في نفسه، وإن اختلفت مداركه.

стр. 1782

قوله: وقد حصل بهذا بيان الرجحان من جهة القرائن (١). هذا اعتذار عن ترك التصريح بالقسم الثالث من أقسام الترجيح القياسي، وهو الترجيح بالقرائن؛ لأنه كان ذكر أنّ الترجيح القياسي: إمّا من جهة أصل القياس أو علته أو قرينة عاضدة له، وذكر القسمين الأوّلين وهما الترجيح من جهة الأصل والعلة، وبَقِيَ الترجيح من جهة القرينة لم يصرِّح بذكره تفصيلًا كالقسمين قبله، لكن ذكره إجمالًا في القاعدة الكلية المذكورة للترجيح بقوله: أو قرينة عقلية، أو لفظية، أو حالية. تم الكتاب والحمد لله الواحد الوهاب حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا كما يحب ربنا ويرضى، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. نقله من خط مصنّفه العبد الفقير إلى الله تعالى محمد بن رحيم البقاعي الحنبلي غفر الله له ذنوبه وستر عيوبه، وفرغ من كتابته ثامن عشر شهر ذي القعدة الحرام من شهور سنة ثمان وسبعون. أحسن الله نقصها، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته ورضي الله تعالى عن أصحاب رسول الله أجمعين. * * *