← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 127717

شرح مختصر أصول الفقه للجراعي

الجراعي

Полный текст (1 782 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

قال قتيبة بن سعيد (١): لو أدرك أحمد بن حنبل عصر الثورى (٢) ومالك والأوزاعي (٣)، والليث بن سعد (٤)، لكان هو المقدم.

стр. 37

وقال أيضًا: لولا الثوري مات الورع، ولولا أحمد لأحدثوا في الدين. فقيل له: فتضم أحمد إلى أحد من التابعين؟ قال: إلى كبار التابعين. وقال أبو عبيد القاسم (١) بن سلام: انتهى العلم إلى أربعة إلى أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني (٢)، ويحيى بن معين (٣)، وأبي بكر (٤) بن أبي شيبة، وكان أحمد أفقهم.

стр. 38

وقال أيضًا: ليس في شرق ولا غرب مثل أحمد بن حنبل، ما رأيت أحد أعلم بالسنة منه. وقال الشافعي: أحمد بن حنبل إمام في ثمان خصال، إمام في الحديث، إمام في الفقه، إمام في القرآن، إمام في اللغة، إمام في الفقر، إمام في الزهد، إمام في الورع، إمام في السنة. وقال عبد الرحمن (١) بن مهدي فيه وهو صغير: لقد كاد هذا الغلام أن يكون إمامًا في بطن أمه (٢). وفضائله وما قاله الأئمة فيه كثير، فقد صنف في مناقبه كتب مفردة (٣) وإنما الغرض هاهنا الإشارة إلى نكتة من فضائله، وذكر

стр. 39

نسبه ومولده ومبلغ عمره إذا لا يحسن بمن يمسك بمذهبه أن يجهل هذا القدر عن إمامه (١). قوله. (اجتهدت في اختصاره وتحريره، وتبيين رموزه وتحبيره) الاجتهاد بذل الوسع، فالمصنف أخبر أنه بذل وسعه في اختصاره هذا الكتاب، والاختصار: هو تقليل الشيء، فقد يكون اختصاره بتقليل مسائله، وقد يكون بتقليل ألفاظه مع تأدية المعنى. وفائدة الاختصار التقريب والتسهيل على من أراد تعلمه وحفظه فإن الكلام يختصر ليحفظ، ويطول ليفهم (٢). و"الرموز" جمع رمز الإشارة و"التحبير" التزيين. قوله: (محذوف التعليل والدلائل مشيرًا إلى الخلاف والوفاق في غالب المسائل) إنما حذف التعليل والدليل لأجل

стр. 40

الاختصار إذ لو أتى بذلك لطال، والمراد بـ"الخلاف" هنا خلاف العلماء لا أنه مقصور على الأئمة الربعة، بل ربما ذكر (١) خلاف اليهود والنصارى. قوله: (مرتبًا ترتيب أبناء زماننا مجيبًا سؤال من تكرر سؤاله من إخواننا) تابع المصنف ﵀ في ترتيبه الشيخ شمس الدين بن مفلح (٢) ﵀ غالبًا، و (مرتبا) (٣) يحتمل أن يكون اسم فاعل ويحتمل أن يكون اسم مفعول، والأول أظهر. قوله: (والله سبحانه المسئول أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم نافعًا صوابًا) العمل لا يقبل ألا أن يكون خالصًا لله تعالى من الرياء والسمعة، صوابًا على سنة نبيه ﷺ ، فسأل الله أن يجعل عمله على هذه الصفة ليكون مقبولًا. قوله: (وأن يثبت أمورنا ويجعل التقوى شعارًا لنا وجلبابا

стр. 41

بمنه وكرمه) "الشعار" ما يلي الجلد من الثياب، و "الجلباب" ما ظهر فكأنه سأل الله التقوى ظاهرا وباطنًا وتثبيت الأمور. قوله: (فنقول وبالله التوفيق) "التوفيق " تسهيل سبيل الخير والطاعة. * * *

стр. 42

(مطلب أصول الفقه) (١) قوله: (أصول الفقه مركب من مضاف ومضاف إليه) التركيب (٢) في اللغة: هو ضم شيء إلى غيره من جنسه أو غير جنسه، ومنه تركيب الفص في الخاتم، والنصل (٣) في السهم، وهو في الاصطلاح مشتمل على المعنى اللغوي (٤). وأما الإضافة (٥) فهي في اللغة الإمالة، لأن اللفظ المضاف يميل به المتكلم إلى المضاف إليه، ليعرفه أو يخصصه، إذ ذاك فائدة الإضافة المحضة، أما التعريف فنحو "غلام زيد" وأما

стр. 43

التخصيص فنحو "غلام رجل " لأن غلام في الأول معرف بزيد وفي الثاني مخصص برجل دون امرأة (١). وقال بعضهم (٢): حقيقة الإضافة في اللغة الإسناد، قال امرؤ القيس (٣): فلما دخلناه أضفنا ظهورنا ... إلى كل حاريٍّ شديد مشطَّب (٤) أي أسندناها، وفي اصطلاح النحاة هي: تجريد الاسم الصالح للإضافة من تنوين ظاهر أو مقدر أو نون تثنيه أو جمع. والمضاف هنا "أصول" والمضاف إليه "الفقه".

стр. 44

قوله: (وما كان كذلك فتعريفه من (١) حيث هو مركب إجمالي لقبي) التعريف: هو تصيير الشيء معروفًا بتمييزه عن غيره بذكر جنسه وفصله، أو لازم (٢) من لوازمه التي لا توجد في غيره أو شرح لفظه الغريب بلفظ مشهور. فالأول: "حيوان ناطق" في جواب ما الإنسان؟ وهو الحد التام. والثاني: "حيوان ضاحك" أو "قابل لصنعة الكتابة" في جوابه وهو رسمي. والثالث: "الخمر" في جواب ما الرحيق والسلسبيل؟ وهو لفظي (٣). وحقيقة التعريف: هو فعل المعرف، ثم أطلق في الاصطلاح على اللفظ المعرف به مجازا، لأنه أثر للافظ، كما أن التعريف أثر للمعرف (٤).

стр. 45

وأعلم أن معرفة المركب متوقفة على معرفة مفرداته، فكان ينبغي للمصنف البداءة بذكر تعريف الأصول وتعريف الفقه قبل أصول الفقه، كما فعل جماعة منهم صاحب المحصول (١) والآمدي في الأحكام ومنتهى السول (٢) وصاحب الفروع (٣) في أصوله. لكن المصنف تابع جماعة منهم ابن قاضي (٤) الجبل

стр. 46

والطوفي (١) (٢). وقوله: (إجمالي لقبي) لفظان منسوبان إلى الإجمال واللقب. والإجمال: هو جعل الشيء جعله كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. واللقب هو: اللفظ المطلق على معين وهو نوع من العلم يتضمن غالبًا مدحًا أو ذمًا (٣) قوله: (وباعتبار كل من مفرداته تفصيلي) لو قال "وباعتبار كل من مفرديه تفصيلي" لأنه ليس له إلا مفردان فقط لكان أولى، كما قال الآمدي: وتمام معرفته بتعريف مفرديه وهمان الأصول والفقه" (٤). قوله: (فأصول الفقه بالاعتبار الأول: العلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية) أي باعتبار تعريفه من حيث هو مركب. فـ"العلم" كالجنس للأصول وغيرها من العلوم، و"القواعد"

стр. 47

عبارة عن صور كلية تنطبق كل واحدة منها على جزئياتها التي تحتها (١). ومن ثم لم يحتج إلى تقييدها (٢) بـ "الكلية" لأنها لا تكون إلا كذلك، واحترز بـ "يتوصل بها إلى استنباط الأحكام" عن القواعد التي لا يتوصل بها إلى استنباط شيء، كـ "قواعد البيت" أو يستنبط منها غير الأحكام من الصنائع والعلم بالهيئات والصفات، وبـ "الشرعية" عن العقلية كالحساب والهندسة والطب، وبـ "الفرعية" عن الأحكام التي تكون من جنس الأصول، كمعرفة وجوب التوحيد من أمره تعالى لنبيه ﵇ بقوله سبحانه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٣)، وقيل: ككون الإجماع دليلًا والقياس حجة (٤). ومن ثم لا حاجة إلى تقييد الحد (٥) لهذا، ولكون المراد بـ "الأحكام" الفقهية ولا تكون إلا كذلك (٦). وهذا الحد بعلم أصول الفقه أشبه منه بأصول الفقه، لأن أصول الفقه أدلته، والعلم بالأدلة غير الأدلة، وكون الحد الأدلة لا العلم بالأدلة هو الذي ذكره القاضي وأصحابه وكذا الآمدي

стр. 48

في الأحكام ومنتهى السول: وقدمه ابن حمدان (١) في "المقنع"، وكذا الشيخ شمس الدين بن مفلح والتاج السبكي (٢) قال (٣) في تشنيف السامع: وهذا هو المختار في تعريفه (٤) لأن الأدلة إذا لم تعلم لا تخرج عن كونها أصولًا وهذا الذي ذكره الحذاق كالقاضي أبي بكر (٥)

стр. 49

وإمام الحرمين (١) والرازي والآمدي وغيرهم (٢) واختاره ابن دقيق العيد (٣). وقيل بل أصول الفقه معرفة الأدلة وعليه جرى في المنهاج (٤).

стр. 50

وكذا ابن الحاجب (١) إلا أنه عبر بـ "العلم بها" (٢) ووجَّهَه بعضهم بأن العلم بالأدلة يوصل إلى المدلول، والأدلة لا توصل إلى المدلول إلا بواسطة العلم بها. والحاصل أن الدلالة لها حقائق في نفسها من حيث دلالتها ومن حيث تعلق العلم بها، فهل موضوع أصول الفقه تلك الحقائق؟ أو العلم بها؟ والمختار الأول لأن أهل العرف يسمون العلوم "أصولا" ويقولون هذا الكتاب أصول، ولأن الأصول لغة الأدلة فجعله اصطلاحًا نفس الأدلة أقرب إلى المدلول اللغوي، ومن هنا جعل

стр. 51

المصنف (١) وغيره "الفقه" "العلم بالأحكام لا نفسها لأنه أقرب إلى الاستعمال اللغوي إذا لفقه لغة الفهم وليس كذلك الأصول" (٢). ثم اعترض في تشنيف المسامع على التاج السبكي في حكايته الخلاف في الحد (٣) فقال: ليس ذلك خلافًا متواردًا على محل واحد، بل هما طريقان لمقصودين متغايرين، فمن قصد الحد الإضافي يعني التفصيلي (٤) فسره بالأدلة، ومن قصد اللقبي فسره بالعلم بها، ولهذا لما جمع (٥) ابن الحاجب عرف اللقبي بالعلم والإضافي بالأدلة (٦). ومن أورد عليه أن أصول الفقه نفس تلك القواعد لا العلم بها، لثبوتها في نفس الأمر علم بها أم لا فقد غفل عن هذا المعنى، ولم يقع على مراده، فإنه قبل العلمية (٧) بمعنى الأدلة وأما بعدها (٨) فصار معنى "أصول الفقه" علم أصوله، كما يقال:

стр. 52

"سورة البقرة" ثم يقال "البقرة" باعتبار النقل إلى علم السورة (١). قوله: (وبالثاني الأصول الآتي (٢) ذكرها وهي جمع أصل) أي وتعريفه بالثاني من الاعتبارين، وهو تعريف كل مفرد على حدته، فالأصول الآتي ذكرها: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، إلى غير ذلك مما يأتي بيانه والكلام عليه واحدًا واحدًا إن شاء الله تعالى. قوله: (وأصل الشيء ما منه الشيء، وما استند الشيء في وجوده إليه، أو ما ينبنى عليه غيره أو ما احتيج إليه أقوال) ذكر المصنف في حد الأصل أربعة أقوال، ولم يبين هل هذه الأقوال في حده لغة أو اصطلاحًا وقد بين غيره أنها في حده لغة. أحدها: ما منه الشيء، جزم به القرافي (٣) وقدمه في مختصر الروضة نحو قولنا "أصل النخلة النواة" أي هي مادتها (٤). الثاني: ما استند الشيء في وجوده إليه، وهو أعم من

стр. 53

الأول لعدم التزامه البعضية (١) وهو معنى قول الآمدي: "ما يستند تحقق ذلك الشيء إليه" (٢). الثالث: ما ينبني عليه غيره، جزم به في التمهيد (٣) وهو معنى كلام القاضي، وابن عقيل (٤) لكن قال القاضي في العدة: "أصل الشيء ما تعلق به، وعرف منه أيضًا" (٥) أما باستخراج أو تنبيه (٦).

стр. 54

ولا شك أن الشيء قد يتعلق بما ليس أصلًا له، كتعلق الحبل بالوتد في المحسوسات، وتعلق السبب بالمسبب، والعلة بالمعلول في المعقولات (١). وهذا القول الثالث قدمه ابن مفلح في أصوله (٢) وقاله أبو الحسين (٣) البصري (٤) في شرح (العمد) (٥) وجعله بعضهم معنى القول الثاني (٦).

стр. 55

الرابع: ما احتيج إليه قاله في المحصول والمنتخب (١) وتبعه صاحب التحصيل (٢)، ورد بأن الشيء قد يحتاج إلى ما ليس أصلًا له، كالمأكول والمشروب والملبوس والزوجة والولد وغير ذلك، وأيضًا فإن الزرع يحتاج إلى الماء والهواء وليس ذلك أصلًا له، فالمحتاج إليه أعم من الأصل إذ كل أصل محتاج إليه، وليس كل محتاج إليه أصلًا (٣). وذكر في (الردود والنقود) (٤) هذه الأقوال إلا الأول ثم قال: والكل أخوات (٥).

стр. 56

وأما حده اصطلاحًا فله أربعة معان (١): أحدها: الدليل، كقولهم: (أصل هذه المسألة الكتاب والسنة) أي دليلها. الثاني: الرجحان، كقولهم (الأصل في الكلام الحقيقة) أي الراجح عند السامع هو الحقيقة لا المجاز. الثالث: القاعدة المستمرة، كقولهم (إباحة الميتة للمضطر على خلاف الأصل). الرابع: الصورة المقيس عليها، على خلاف مذكور في القياس في تفسير الأصل. قوله: (والفقه لغة الفهم) اختلفوا في حد الفقه لغة، فقيل: هو الفهم قدمه ابن عقيل، والنجم ابن حمدان، وابن مفلح، وابن قاضي الجبل، وجزم به الجوهري، وهو الأكثر المشهور (٢). وقيل: "العلم" قدمه في "العدة" وقاله ابن فارس وغيره (٣) وقيل: "هما" (٤) حكاه النجم.

стр. 57

وقيل: معرفة قصد المتكلم، قاله القاضي في "الكفاية" (١) وأبطله النجم بكلام من لا قصد له كالنائم والصبي والمجنون. وقيل: الفهم والمعرفة، قاله في "التمهيد" (٢). وقيل: فهم ما يدق، حكاه ابن قاضي (٣) الجبل. وقيل: استخراج الغوامض والاطلاع عليها (٤) قاله ابن هبيرة (٥). وجه الأول قوله تعالى حاكيًا عن موسى ﵇: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً

стр. 58

مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ (١) أي يفهموا، وقوله تعالى: ﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ (٢) أي ما نفهم وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ (٣) أي لا تفهمون. قال ابن عقيل: فمن قال: "إنه الفهم" تعلق بقوله ﷺ : "فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" (٤) ولا شك أن الحامل سبق المحمول إليه بالعلم بما نقله، لكن الأفقه خير منه بجودة فهمه ما لم يخبره. واعتل (٥) من قال "إنه العلم" (قال) (٦): وهو المعمول عليه عند علمائنا، بأن الفهم قد اشترك فيه العامي والمجتهد، وانفرد

стр. 59

أهل الاجتهاد بكونهم علماء، وليس كل فهم عالمًا وكل عالم فهم (١). تنبيهات: أحدها: قال القطب. (٢) في "شرح المختصر" "لغة منصوب على المصدر المؤكد لغيره، وليست تمييزًا، وهذا مطرد في قولنا "الدليل لغة" و"الإجماع لغة" وما أشبه ذلك". الثاني: يقال: فقه بكسر القاف، وضمها، ونصبها، فالأول (٣) المطلق الفهم، والثاني إذا كان له سجية، والثالث: إذا ظهر بالفقه على غيره (٤). قوله: (والفهم إدراك معنى الكلام بسرعة، قال ابن عقيل في "الواضح" والأظهر لا حاجة إلى قيد "السرعة" (٥) هذا

стр. 60

الأظهر قاله الطوفي في شرح مختصره تفقها فقال: "قلت لا حاجة إلى قيد "السرعة" لأن من سمع كلامًا ولم يدرك معناه إلا بعد شهر أو أكثر قيل فهمه". و(لذلك) (١) يقال: الفهم إما بطيء أو سريع، فينقسم إليهما ومورد القسمة مشترك بين الأقسام، نعم السرعة قيد في الفهم الجيد (٢). قوله: (وحد الفقه شرعًا العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال) "العلم" كالجنس للحد، و"الأحكام الشرعية الفرعية" قد تقدم الكلام عليها في حد أصول الفقه، و"الأدلة التفصيلية" هي المذكورة على جهة التفصيل، وهو تمييز أفراد الأحكام بعضها عن بعض. كقولنا في النوم هل ينقض الوضوء أم لا؟ لا يخلو إما أن يكون كثيرًا أو يسيرًا، فإن كان كثيرًا نقض، وإن كان يسيرًا لا يخلو إما أن يكون على حالة من حالات الصلاة أولا، فإن كان على حالة من حالات الصلاة لم ينقص وإلا نقض (٣).

стр. 61

واحترز بقوله (عن أدلتها التفصيلية) عن الأحكام الحاصلة عن أدلة إجمالية، كقولنا "الإجماع حجة" و"القياس وخبر الواحد حجة" و"عن" متعلقة بمحذوف وتقديره "الصادرة" أو "الحاصلة" عن أدلتها (١) وأما قوله (بالاستدلال) فقال بعض الأصوليين: هو احتراز عن علم الله سبحانه وعلم رسوليه جبريل ومحمد ﵉، لأن علم الله تعالى عام التعلق بالأشياء مخالف لعلومنا، ليس ضروريًا ولا نظريًا (٢)، وعلم جبريل ﵇ وحي تلقاه من الله تعالى، وعلم محمد ﷺ وحي تلقاه عن جبريل ﵇، فلا يحتاجان فيه إلى الاستدلال، لأن القطع لهما

стр. 62

بكونه من الله تعالى وبمراده منه حاصل، ومع القطع تبطل فائدة الاستدلال. وقال بعض الأصوليين: بل علم الله تعالى ورسوليه ﵉ استدلالي، لأنهم يعلمون الشيء على حقيقته، أي على ما هو به، وحقائق الأحكام تابعة لأدلتها وعللها، فكما يعلمون حقيقة الحكم يعلمون كونه تابعًا لدليله وعلته وأنها كذا (١) فكما يعلمون مثلًا وجوب الكفارة على الواطئ في نهار رمضان، يعلمون أن علة الوجوب عموم إفساد الصوم أو خصوصه بالوطء (٢)، فعلى هذا القول يكون "بالاستدلال" محترزًا به عن المقلد، لأنه يعلم بعض الأحكام الشرعية ومع ذلك لا يسمى علمه بها فقها، لأن علمه بها للنقل المجرد عن المجتهد لا عن نظر واستدلال (٣). وقال النجم (٤) في حده: "هو معرفة أحكام جمل كثيرة عرفا من مسائل الفروع العملية بأدلتها الخاصة بها".

стр. 63

وقال الآمدي: "هو العلم الحاصل بجملة من الأحكام الشرعية الفرعية بالنظر والاستدلال". و"العلم" احتراز (من) (١) الظن بالأحكام الشرعية، فإنه وإن تُجوِّزَ بإطلاق اسم الفقه في العرف العامي فليس فقها في العرف اللغوي والأصولي، بل الفقه العلم بها، أو العلم بالعمل بها، بناء على المدرك القطعي (٢)، وإن كانت ظنية في نفسها. وقولنا: "بجملة من الأحكام الشرعية" احتراز عن العلم بالحكم الواحد، أو الاثنين لا غير، فإنه الا يسمى في عرفهم "فقها" وإنما لم نقل بـ "الأحكام" لأن ذلك يشعر بكون الفقه هو العلم بجملة الأحكام، ويلزم منه أن لا يكون العلم بما في دون ذلك فقها وليس كذلك (٣). تنبيهات: المصنف جعل "العلم" قيدا في الحد (٤) وكذا جعله الأكثر وبعضهم جزم بأن "العلم" لا يحذف من هذا الحد وإن حذف

стр. 64

من حد الأصول، وتقدم كلام تشنيف المسامع في حد أصول الفقه، وإن الحد بـ "العلم" هنا أقرب إلى الاستعمال اللغوي. والعلامة ابن مفلح من علمائنا جعله "الأحكام" لا العلم بها. وابن قاضي الجبل حكى الخلاف في المسألتين في حد أصول الفقه وحد الفقه ثم قال: والتحقيق حذف "العلم" و"المعرفة" من المسألتين. * * *

стр. 65

(الفقيه) (١) قوله: (والفقيه من عرف جملة غالبة -وقيل كثيرة- منها عن أدلتها التفضيلية بالاستدلال) قال في المسودة (٢): الفقيه حقيقة من

стр. 66

له أهلية تامة يعرف الحكم بها إذا شاء (١) مع معرفته جملًا كثيرة من الأحكام الفروعية وحضورها عنده بأدلتها الخاصة والعامة (٢). وقال ابن حمدان: "حد الفقه شرعًا معرفة أحكام جمل مثيرة عرفا من مسائل الفروع العملية بأدلتها الخاصة بها"، والفقيه: حقيقة من عرفها غيرها بطريقه (٣). وقال ابن مفلح: "الفيه من عرف جملة غالبة منها عن أدلتها التفصيلية"، وهو مراد الأصحاب بقولهم الفقه معرفة الأحكام بالفعل أو القوة القريبة وذكر بعض أصحابنا بدل "غالبة" "كثيرة" انتهى (٤). وقد تقدم عن المسودة والنجم أنها قالا "كثيرة" وإنما هرب من هرب من "غالبة" إلى "كثيرة" لأن بعضهم اعترض على "غالبة" بأن قال هذا غير ظاهر في المراد لامتناع إراده الغلبة بالنسبة إلى المجموع لكون ذلك غير معلوم لأحد من البشر (٥). وإن أراد الغلبة في عرف أهل هذا الفن فهو مما لا ينضبط لاختلاف الآراء.

стр. 67

(مطلب معرفة أصول الفقه فرض كفاية وقيل: عيني) (١) قوله: (وأصول الفقه فرض كفاية، وقيل: فرض عين، حكاه ابن عقيل وغيره، والمراد للاجتهاد قاله أبو العباس وغيره). قال (٢) في المسودة: معرفة أصول الفقه فرض (٣) على الكفاية وقيل: فرض عين على من أراد الاجتهاد أو الفتوى أو (٤) الحكم (٥). وقال ابن حمدان: "هو فرض كفاية" (٦). وقيل: فرض عين حكاه ابن عقيل وغيره.

стр. 68

قال المؤلف: "على من أراد اجتهادًا أو حكمًا أو فتيًا أو مناظرة لإظهار حق". وقال ابن الصقال (١) الحنبلي والعالمي (٢) الحنفي نحو ذلك (٣). وقال ابن مفلح -بعد حكاية القولين- وهي لفظية (٤)، فإذا قلنا بأنه فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وهذا أيسر على الناس، وإما إذا قلنا بأنه فرض عين فيتعين ما قاله النجم وأبو العباس من أنه مخصوص بمن أراد اجتهادًا أو حكمًا أو فتيًا أو مناظرة، لأنه إذا لم يعرف الأصول لم يتمكن من هذه الأمور فيتعين عليه معرفتها. قوله: (وأوجب ابن عقيل وابن البنا (٥) وغيرهما تقدم

стр. 69

معرفتها، وأوجب القاضي وغيره تقدم معرفة الفروع) قال في المسودة: وتقديم معرفتها -يعني الأصول- أولى عند ابن عقيل وغيره لبناء الفروع عليها وعند القاضي أبي يعلى تقديم معرفة الفروع أولى، لأنها الثمرة المراده من الأصول (١). وكذا قال ابن قاضي الجبل، إلا أنه لما ذكر القول الأول قال: قلت في غير فرض العين، وكلام ابن مفلح ككلام المصنف (٢). وقال النجم: "وأوجب القاضي أبو يعلي وغيره تقديم معرفة الفروع (٣) وأوجب ابن عقيل وابن البناء وعبدالجبار وغيرهم تقديم معرفة أصول الفقه". تنبيهات: أحدها: تقدم "تفعيل" وفي كلام النجم والمسودة وابن قاضي الجبل تقديم "تفعيل" وهذا أولى لأن الكلام إنما هو في تقديمها بمعنى أن الغير يقدمها لا بمعنى أنها تتقدم بنفسها (٤).

стр. 70

الثاني: أن الخلاف إنما ذكره ابن قاضي الجبل تبعًا للمسودة في الأولوية لا في الوجوب وذكره النجم وصاحب الفروع والمصنف في الوجوب لا في الأولوية وكلام القاضي يدل على الثاني، فإنه قال في العدة: ولا يجوز أن يقدم (١) تعلم هذه الأصول قبل النظر في الفروع، لأن من لم يعتد طرق الفروع والتصرف فيها لا يمكنه الوقوف على ما ينبغي بهذه الأصول من الاستدلال والتصرف في (وجوه) (٢) القياس والمواضع التي تقصد بالكلام إليها، ولهذا يوجد أكثر من ينفرد بعلم الكلام دون الفروع مقصرًا في هذا الباب وإن كان يعرف طرق هذه الأصول وأدلتها (٣). * * *

стр. 71

(الدليل لغة) (١) قوله: (الدليل لغة المرشد، والمرشد الناصب والذاكر، وما به الإرشاد). قال في التمهيد: الدليل: هو المرشد إلى المطلوب والموصل إلى المقصود، ولا فرق بين أن يوصل إلى العلم أو غلبة الظن. وقال بعض المتكلمين (٢): الدليل ما أوجب العلم، وأما الذي يوجب غلبة الظن فهو أمارة، وهذا باطل لأن أهل العربية لا يفرقون بين الذي يوجب وبين الذي يوجب غلبة الظن (من لأنهم) (٣) سموا كل واحد منهما دليلًا (٤). وقال في المسودة (٥) عن قول بعض المتكلمين إنه ظاهر

стр. 72

كلام القاضي في الكفاية فيما يعلم به تخصيص العام لأنه قال: فالدلالة هي الكتاب والسنة المقطوع بها والإجماع (١) والأمارة: خبر الواحد والقياس (٢). وقال الأصفهاني (٣): "الدليل في اللغة هو المرشد وما به الإرشاد، والمرشد: هو الناصب للعلامة أو الذاكر لها، وما به الإرشاد: العلامة التي نصبت للتعريف. فعلى هذا يكون ما به الإرشاد معطوفًا على المرشد (٤)

стр. 73

لا على الذاكر (١) لأن المرشد كما يطلق على الناصب للعلامة يطلق على العلامة المنصوبة، إذ الفعل قد ينسب إلى الآلة كما يقال "السكين قاطع"" (٢). وكذا قال القطب: "وما به الإرشاد معطوف على قوله المرشد، وتقديره الدليل لغة: المرشد وما به الإرشاد، لا على قوله الذاكر، لأن ما به الإرشاد ليس من فعال المرشد إذ المرشد مخصوص بالناصب والذاكر". وقال في الردود والنقود: المرشد أي المعرف للمقصود، وهو أي المرشد معناه الناصب للدليل كالعلامة التي في الطرق، والذاكر للدليل كالذي يعرف الطريق، أو العلامة التي فيه، ولما به الإرشاد أي العلامة المنصوبة كالأحجار المضمومة إلى بعض، هذا- أي هذا التوجيه، وهو أن يجعل ما به الإرشاد للدليل حتى يكون للدليل معنيان صرح به الآمدي في كتاب الأحكام قال فيه بهذه العبارة: أما الدليل فقد يطلق في اللغة بمعنى الدال، وهو الناصب للدليل (٣) وقد يطلق على ما فيه دلالة وإرشاد (٤) وأن جعل (٥) أي الدليل للمرشد وحينئذ يكون المرشد هو للمعاني الثلاثة ولا يكون

стр. 74

للدليل إلا معنى واحد ولكن يكون المرشد في المعنى الثالث مجازا من قبيل إسناد الفعل إلى الآلة كما يقال: "السكين قاطع". وعلى الوجه الأول ما به الإرشاد عطف على المرشد وعلى الثاني عطف على الذاكر (١). قوله: (واصطلاحًا: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري عند أصحابنا وغيرهم) (٢) أي والدليل في اصطلاح العلماء من الأصوليين والفقهاء، قال الآمدي: "فالقيد الأول احتراز عما لم يتوصل به إلى المطلوب لعدم النظر فيه فإنه لا يخرج بذلك عن كونه دليلًا لما كان التوصل به ممكنًا، والقيد الثاني احتراز عما إذا كان الناظر في الدليل بنظر فاسد، والثالث احتراز عن الموصل (٣) إلى العلم التصوري وهو عام للقاطع والظني" (٤). قوله: (قال أحمد: الدال الله، والدليل القرآن، والمبين الرسول ﷺ ، والمستدل أولو العلم. هذه قواعد الإسلام) (٥)

стр. 75

الدال: هو الناصب للدليل كما تقدم في كلام الآمدي، واحتج أبو محمد البغدادي (١) بقول الإمام أحمد هذا على أن الدليل حقيقة قول الله تعالى، والسنة مبنية للقرآن، وأهل العلم هم المستدلون إذ الجاهل ليس من أهل الاستدلال. قوله: (وقيل يزداد في الحد "إلى العلم بالمطلوب" فتخرج الأمارة وجزم به في الواضح، وذكره الآمدي قول الأصوليين وأن الأول قول الفقهاء) فيكون حده على هذا القول: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى العلم بمطلوب خبري، وهذا ذكره الآمدي قول الأصوليين، وذكر الحد الأول قول الفقهاء (٢).
следующие страницы →