← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 127717

شرح مختصر أصول الفقه للجراعي

الجراعي

Полный текст (1 782 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

(الدليل لغة) (١) قوله: (الدليل لغة المرشد، والمرشد الناصب والذاكر، وما به الإرشاد). قال في التمهيد: الدليل: هو المرشد إلى المطلوب والموصل إلى المقصود، ولا فرق بين أن يوصل إلى العلم أو غلبة الظن. وقال بعض المتكلمين (٢): الدليل ما أوجب العلم، وأما الذي يوجب غلبة الظن فهو أمارة، وهذا باطل لأن أهل العربية لا يفرقون بين الذي يوجب وبين الذي يوجب غلبة الظن (من لأنهم) (٣) سموا كل واحد منهما دليلًا (٤). وقال في المسودة (٥) عن قول بعض المتكلمين إنه ظاهر

стр. 72

كلام القاضي في الكفاية فيما يعلم به تخصيص العام لأنه قال: فالدلالة هي الكتاب والسنة المقطوع بها والإجماع (١) والأمارة: خبر الواحد والقياس (٢). وقال الأصفهاني (٣): "الدليل في اللغة هو المرشد وما به الإرشاد، والمرشد: هو الناصب للعلامة أو الذاكر لها، وما به الإرشاد: العلامة التي نصبت للتعريف. فعلى هذا يكون ما به الإرشاد معطوفًا على المرشد (٤)

стр. 73

لا على الذاكر (١) لأن المرشد كما يطلق على الناصب للعلامة يطلق على العلامة المنصوبة، إذ الفعل قد ينسب إلى الآلة كما يقال "السكين قاطع"" (٢). وكذا قال القطب: "وما به الإرشاد معطوف على قوله المرشد، وتقديره الدليل لغة: المرشد وما به الإرشاد، لا على قوله الذاكر، لأن ما به الإرشاد ليس من فعال المرشد إذ المرشد مخصوص بالناصب والذاكر". وقال في الردود والنقود: المرشد أي المعرف للمقصود، وهو أي المرشد معناه الناصب للدليل كالعلامة التي في الطرق، والذاكر للدليل كالذي يعرف الطريق، أو العلامة التي فيه، ولما به الإرشاد أي العلامة المنصوبة كالأحجار المضمومة إلى بعض، هذا- أي هذا التوجيه، وهو أن يجعل ما به الإرشاد للدليل حتى يكون للدليل معنيان صرح به الآمدي في كتاب الأحكام قال فيه بهذه العبارة: أما الدليل فقد يطلق في اللغة بمعنى الدال، وهو الناصب للدليل (٣) وقد يطلق على ما فيه دلالة وإرشاد (٤) وأن جعل (٥) أي الدليل للمرشد وحينئذ يكون المرشد هو للمعاني الثلاثة ولا يكون

стр. 74

للدليل إلا معنى واحد ولكن يكون المرشد في المعنى الثالث مجازا من قبيل إسناد الفعل إلى الآلة كما يقال: "السكين قاطع". وعلى الوجه الأول ما به الإرشاد عطف على المرشد وعلى الثاني عطف على الذاكر (١). قوله: (واصطلاحًا: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري عند أصحابنا وغيرهم) (٢) أي والدليل في اصطلاح العلماء من الأصوليين والفقهاء، قال الآمدي: "فالقيد الأول احتراز عما لم يتوصل به إلى المطلوب لعدم النظر فيه فإنه لا يخرج بذلك عن كونه دليلًا لما كان التوصل به ممكنًا، والقيد الثاني احتراز عما إذا كان الناظر في الدليل بنظر فاسد، والثالث احتراز عن الموصل (٣) إلى العلم التصوري وهو عام للقاطع والظني" (٤). قوله: (قال أحمد: الدال الله، والدليل القرآن، والمبين الرسول ﷺ ، والمستدل أولو العلم. هذه قواعد الإسلام) (٥)

стр. 75

الدال: هو الناصب للدليل كما تقدم في كلام الآمدي، واحتج أبو محمد البغدادي (١) بقول الإمام أحمد هذا على أن الدليل حقيقة قول الله تعالى، والسنة مبنية للقرآن، وأهل العلم هم المستدلون إذ الجاهل ليس من أهل الاستدلال. قوله: (وقيل يزداد في الحد "إلى العلم بالمطلوب" فتخرج الأمارة وجزم به في الواضح، وذكره الآمدي قول الأصوليين وأن الأول قول الفقهاء) فيكون حده على هذا القول: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى العلم بمطلوب خبري، وهذا ذكره الآمدي قول الأصوليين، وذكر الحد الأول قول الفقهاء (٢).

стр. 76

قوله: (وقيل: فصاعدا عنهما في المطبوع (يكون عنه) قول آخر). قال: العضد (١): "هذا حد الدليل عند المنطقيين" (٢) (وإنما) (٣) قال: فصاعدا ليتناول القياس المركب، نحو قولنا كل ج ب وكل ب أ، وكل أد فإنه ينتج كل ج د. وقوله: (قولان) أي قضيتان، والقول: هو القضية، وهو أيضًا المقدمة، وهو التصديق. قال الأصفهاني: التصديق -أعني المركب- الذي يحتمل الصدق والكذب يسمى: قضية ويرادفها: القول الجازم، والخبر. وتسمى القضايا التي هي أجزاء البرهان أي القياس مقدمات عليها لأن المقدمة قضية جعلت جزء قياس (٤).

стр. 77

فقولك: الوضوء عبادة قول، وقولك: وكل عبادة من شرطها النية، قول آخر، فهذان قولان، وهما دليل على اشتراط النية للوضوء. وقولك "العالم مؤلف" قول، وكل مؤلف حادث قول آخر فيلزم عنه العالم حادث. وقولك: "النبيذ مسكر" قول، و"كل مسكر حرام" قول، يلزم منه "النبيذ حرام". قال الآمدي: "وهو (١) منقسم إلى عقلي محض، وسمعي محض، ومتركب من الأمرين (٢). والأول هو المثال الثاني هنا، والمتركب منهما هو الثالث هنا، والسمعي المحض لم يمثل له، والمثال الأول له. وقوله المصنف (عنهما قول آخر) يعنى سواء كان على سبيل اللزوم أو لا فتندرج الإمارة (٣). قوله: (وقيل يستلزم لنفسه فتخرج الأمارة) (٤) قال القطب في شرح المختصر: "وقيل هو قولان فصاعدا يستلزم لنفسه قولًا آخر

стр. 78

فتخرج الأمارة، لأنها لا تستلزم لنفسها الظن بالمطلوب، إذ لو استلزمت لنفسها الظن بالمطلوب لما تخلف الظن عنها لكنه قد يتخلف". وقال التستري (١) في شرح المختصر: "وقيل يستلزم لنفسه احتراز عما يستلزم لا ضمار قول آخر، نحو "النبيذ مسكر فهو حرام" فإن كبراه محذوفة، وفيه تعسف إذ القولان لا يلزم أن يكونا ملفوظين، ولهذا يسمى بـ "قياس الضمير" قال: والمشهور أن "لنفسه" للاحتراز عن قياس (٢) المساواة مثل (أ) مساو لـ (ب) و (ب) مساو لـ (ج) فإنه ينتج (أ) مساو لـ (جـ) لكن بواسطة مقدمة أجنبية غير لازمة لإحدى مقدمتي القياس، وهي: كل ما هو مساو للمساوي فهو مساو لأنهما ينتجان (أ) مساو لمساوي (ج) (٣) فإذا اقترنت الأجنبية انتج النتيجة المذكورة". وعن القياس الذي تلزم النتيجة عنه بواسطة عكس (٤)

стр. 79

النقيض، نحو جزء الجوهر يوجب ارتفاعه ارتفاع الجوهر، وكل ما ليس بجوهر لا يوجب ارتفاعه الجوهر، فإنه يستلزم جزء الجوهر جوهر، لكن بواسطة عكس نقيض الكبرى (١). قال: وعندي فيه نظر. قوله: (والنظر: الفكر الذي يطلب به علم أو ظن) قال ابن قاضي الجبل: النظر لغة (٢) الانتظار والروية والرأفة والهائلة والتفكر. وعرفا (٣): الفكر المطلوب به علم أو ظن، وينتقل من أمور حاصل دهنا إلى أمور مستحصلة، وقد يطلق على حركة النفس التي يليها البطن الأوسط من الدماغ المسمى بـ "الدودة" أي حركة كانت في المعقولات وفي المحسوسات تسمى تخيلا لا فكرًا. وقال ابن عقيل في الواضح: النظر هو الأصل في تحصيل هذا الأمر والطريق إليه، وهو اسم مشترك، يقع على الرؤية

стр. 80

بالبصر، قال سبحانه وتعالي: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (١) (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٢) وعلى الانتظار والتوقع ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ (٣) وهو هاهنا التأمل والتفكر والاعتبار بمعرفة الحق من الباطل والفصل بين الحجة والشبهة (٤) وهو فكر القلب وتأمله ونظره المطلوب به علم هذه الأمور وغلبة الظن لبعضها، وقد يصيب الناظر وقد يخطئ، وكلاهما نظر منه وقد ينظر في شبهة وفي دليل، وقد يصل بنظره إلى العلم تارة إذا سلك فيه المسلك الصحيح ورتبه على واجبه ومقتضاه، وقد لا يصل إليه إذا قصر وغلظ وخلط فيه، أو نظر فيما هو شبهة وليس بدليل. وللنظر (٥) آلة وغرض (٦)، فالآلة: هي المطلوب من أجل غيره والغرض: هو المطلوب من أجله في نفسه (٧) والغرض كالمعرفة بالله تعالى ورسوله ﷺ (٨). * * *

стр. 81

(العلم يحد عند أصحابنا) (١) قوله: (والعلم يحد عند أصحابنا، قال في العدة والتمهيد: هو معرفة المعلوم على ما هو به) اختلفوا في العلم هل يحد أم لا على قولين، وإذا قلنا يحد اختلفوا في حده على أقوال: أحدهما: ما قاله القاضي أبو يعلى وأبو الخطاب وغيرهما: معرفة المعلوم على ما هو به (٢). (قال القاضي في العدة: "لو اقتصرنا على معرفة المعلوم لكفى، لأن معرفته لا تكون إلا على ما هو به، وإلا لم تكن معرفة له، وإنما قلنا "معرفة المعلوم" ولم نقل "الشيء" لأن المعلوم أعم لتناوله الموجود والمعدوم، وهو معلوم أيضًا، أي يتعلق به العلم، والشيء خاص بالموجود فليس المعدوم شيئًا على رأينا" (٣).

стр. 82

وأبطل هذا التعريف بأمرين: أحدها: أن المعرفة مرادفة للعلم، يقال: "علمت الشيء وعرفته" بمعنى واحد (١) ولهذا قيل في قوله تعالى: ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ (٢) أي لا تعرفونهم. وتعريف الشيء بمرادفه لا يصح إذ هو تعريف له بنفسه (٣). الثاني: أنه تعريف دوري (٤) لأن لفظ المعلوم مشتق من العلم ولا بد (من) (٥) معرفته، وحينئذ يحتاج في معرفة العلم إلى معرفة العلم وهو دور (٦). وقال بعضهم: تبين المعلوم على ما هو به (٧). والحد للحقيقة ينتظمها شاهدًا وغائبًا، والله سبحانه يتعالى

стр. 83

عن أن يوصف بأنه متبين لما في طبع هذه الكلمة وجوهرها من العثور على الشيء بعد خفائه، والظهور بعد استبهامه (١). وقال بعضهم: معرفة الشيء على ما هو به، وهو باطل بالمعدوم كما تقدم. وقال بعضهم (٢): هو اعتقاد الشيء على ما هو به، وزاد بعضهم مع سكون النفس إلى معتقده. وأبطل بأن الشيء لا يتناول المعدوم كما تقدم (٣). وبأن علم الله تعالى لا يسمى اعتقادًا وباعتقاد العامة، فإنهم يعتقدون الشيء ويسكنون إليه وقد يكون باطلًا في نفس الأمر وجهلًا. وقال بعضهم (٤): إدراك المعلوم أو الشيء على ما هو به، وإدراك لفظ عام مشترك بين إدراك الحواس والعلوم، والحد بالمشترك لا يجوز (٥).

стр. 84

وقال بعضهم: الإحاطة بالمعلوم. واعترض بأن الإحاطة أيضًا مشتركة يقال أحطت له رؤية وسماعًا. وقال بعضهم (١): العلم ما أوجب لمن قام به كونه عالمًا. وهو دوري، لأن العالم من قام به العلم، فيصير التقدير "العلم ما أوجب لمن قام به أن يقوم به العلم" (٢). قال ابن عقيل: "وهذا أبعد من الكل، ثم قال بعد أن أبطل حدودًا كثيرة وأحسن ما وجدت لبعض العلماء أن قال: هو وجدان النفس الناطقة للأمور بحقايقها" (٣). قال بعضهم (٤): وفيه من الخلل أن لفظ وجدان مشترك أو متردد غير أن قرينة التعريف دلت على أن المراد به الإدراك فيقرب الأمر. وقال كثير من المنطقيين واختاره بعض (٥) الحنابلة: هو القضاء بأن الأمر كذا، مع القضاء بأنه لا يمكن أن يكون إلا كذا قضاء لا يمكن زواله، والأمر في نفسه كذلك (٦).

стр. 85

فـ "القضاء بأن الأمر كذا" جنس الحد و"مع القضاء بأنه لا يمكن أن يكون إلا كذا" فصل يخرج به الظن، لأنه قضاء بأن الحكم كذا لكن مع إمكان أن لا يكون، وقوله "لا يمكن زواله" يفصله عن اعتقاد المقلد المصمم على اعتقاده، فإنه يمكن زواله بالتشكيك أو بتغيير الاجتهاد، وقوله "والأمر في نفسه كذلك" يفصله عن الجهل لأنه قضاء لكنه غير مطابق (١). قوله: (والأصح صفة توجب تمييزًا لا يحتمل النقيص، فيدخل إدراك الحواس كالأشعري. وإلا زيد في الأمور المعنوية). قال الآمدي في الأحكام: "وقد ذُكر فيه حدود كثيرة أبطلناها في أبكار الأفكار (٢) والمختار في ذلك أن يقال: العلم: عبارة عن صفة يحصل بها لنفس المتصف بها التمييز بين حقائق المعاني الكلية حصولًا لا يتطرق إليه احتمال نقيضه، وابن الحاجب (٣) اختصر ذلك فقال صفة "توجب" (٤) تمييزًا لا يحتمل النقيض" (٥).

стр. 86

قال ابن مفلح: "والأولى (ما قاله) (١) بعض أصحابنا: صفة توجب للمتصف بها. أن يميز تمييزًا لا يحتمل النقيض". قيل: فلا يدخل إدراك الحواس فإنها تميز بين المحسات -وفي لغة قليلة المحسوسات- الجزئية لا الأمور الكلية. قال الآمدي: "فقولنا "صفة" كالجنس له ولغيره من الصفات" وقولنا "يحصل بها التمييز" احتراز عن الحياة وسائر الصفات المشروطة بالحياة، وقولنا "بين حقائق الكليات" احتراز عن الإدراكات (الجزئية) (٢) فإنها إنما تميز بين المحسوسات الجزئية دون الأمور الكلية، وإن سلكنا مذهب الشيخ أبي الحسن (٣) في أن الإدراكات نوع من العلم لم يحتج إلى التقييد بـ "الكليات" (٤). انتهى. فحينئذ يقال في الحد؛ صفة توجب تمييزًا لا يحتمل النقيض في الأمور المعنوية.

стр. 87

وعلى مذهب الأشعري يقال: صفة توجب تمييزًا لا يحتمل النقيض لأن إدراك الحواس عنده نوع علم، لكن اعترض عليه بجوار غلط الحس. قوله: (وقيل (١): لا يحد، قال أبو المعالي: لعسره، قال: لكن يميز ببحث وتقسيم ومثال. وقال صاحب المحصول: لأنه ضروري من وجهين: أحدهما: أن غير العلم لا يُعلم إلا بالعلم، فلو علم العلم بغيره كان دورًا. الثاني: إن كل أحد يعلم وجوده ضرورة) (٢). من المتكلمين من زعم أن لا سبيل إلى تحديد العلم لكن اختلفوا فمنهم من قال: لعسره، كإمام الحرمين والغزالي (٣) وغيرهما (٤). فإنهما قالا: إن تحديده بعبارة محررة جامعة للجنس والفصل عسر جدًّا، لأنه عَسِرٌ في أكثر الأشياء، بل في أكثر

стр. 88

المدركات الحسية، فضلًا عن الإدراكات التي هي أخفى منها، ثم قالا: طريق معرفته القسمة وهي: أن يميز عما يلتبس به، وهو الاعتقادات، بأن يقال ليس بظن ولا شك لانتفاء الجزم دون العلم، ولا بجهل لكونه غير مطابق لما في نفس الأمر، والعلم مطابق له، ولا باعتقاد المقلد المصيب لكونه غير ثابت لغيره بالتشكيك بخلاف العلم، فإن ساعدت عبارة صحيحة عرف بها، وإن لم تساعد اكتفى بدركه، ولم يضر تقاعد العبارات، إذ ليس كل من يدرك شيئًا تنتظم له عبارة معرفة إياه، فلو فرضنا اللغات ودروس العبارات لاستقلت العقول بدرك المعقولات (١). قال الآمدي: "قولهما "طريق معرفته القسمة" غير سديد، لأنهما إن لم تكن مفيدة لتمييزه عما سمواه (فليست معرفة له وإن كانت مميزة له عما سواه) (٢) كان تعريفًا رسميًا وقد نفياه (٣). قال القطب: "وهذا غير سديد، لأن ما نفياه هو التعريف الحدي غير ما ألزمهما به وهو التعريف الرسمي". ومنهم (٤) من قال: لكونه ضروريًا.

стр. 89

واستدل على كونه ضروريًا بوجهين: أحدهما: أن تصور غير العلم متوقف على تصور العلم، لأن غير العلم لا يعلم إلا بالعلم، فلو علم العلم بغيره لتوقف تصوره على تصور غيره المتوقف على تصوره، فيتوقف تصور العلم على تصوره، وهو دور باطل. وأجيب: بأن توقف تصور غير العلم على حصول العلم بغيره لا على تصوره فلا دور. قال القطب: "ويمكن أن يجاب بوجه آخر، وهو أن نقول: أن توقف تصور غير العلم على العلم هو من جهة كون العلم إدراكا له، وتوقف تصور العلم على الغير ليس من جهة كون ذلك الغير إدراكًا له، بل من جهة كونه صفة مميزة له عما سواه ومع اختلاف جهة التوقف فلا دور. الوجه الثاني: أن كل أحد يعلم وجوده ضرورة -وهذا علم خاص- ويلزم منه أن يكون مطلق العلم ضروريًا، لأن مطلق العلم جزء من العلم الخاص. وجوابه: أنا لا نسلم أن كل أحد إذا علم وجود بالضرورة تصور العلم الخاص، لأن المعلوم هاهنا وجوده، لا العلم بوجوده حتى يلزم ما ذكره، غاية ما في الباب أنه حصل علمه الخاص، لكن لا يلزم من حصول العلم بالشيء تصور ذلك العلم، لأنه لا يلزم من حصول أمر تصوره أو تقدم تصوره على حصوله (١).

стр. 90

(مطلب علم الله تعالى قديم) (١) قوله: (وعلم الله تعالى قديم، وليس ضروريًا ولا نظريًا وفاقًا، ولا يوصف سبحانه بأنه عارف، ذكره بعضهم إجماعًا، ووصفه الكرامية بذلك) (٢).

стр. 91

قال ابن عقيل في الواضح: والعلم الذي حددناه في الجملة ينقسم إلى قسمين، قديم ومحدث، فالقديم: علم الله تعالى، صفة من صفاته، ولازم من لوازم ذاته، دل على إثباته إتقان أفعاله، ونص كتابه، وهو علم واحد يتعلق بالمعلومات على حقائقها، لا يتعدد بتعدد المعلومات، ولا "يتجدد" (١). بتجدد المحدثات، ولا يوصف سبحانه بكسبي ولا ضروري (٢). وأما وصف الله سبحانه بأنه عارف فمنعه الجمهور بناءً على أن المعرفة اسم لعلم مستحدث، أو هي انكشاف شيء بعد لَبْسٍ، ووصفه الكرامية بذلك لاتحاد العلم والمعرفة، ووافقهم القاضي أبو يعلى في مختصر المعتمد وذكر أن معنى المعرفة العلم، وقد تقدم في حدود العلم أن المعرفة والعلم متحدان (٣). وقد (يشهد) (٤) لهذا ما رواه الإمام أحمد من حديث ابن

стр. 92

عباس عن النبي ﷺ أنه لما أوصاه قال: "تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة" (١).

стр. 93

(علم المخلوق) (١) قوله: (وعلم المخلوق: محدث، ضروري، ونظري وفاقًا، فالضروري: علم من غير نظر، والمطلوب: بخلافه، ذكره في العدة والتمهيد) (٢). قال: في الواضح: القسم الثاني: العلم المحدث، وهو ضربان، ضروري ومكتسب، فالضروري: ما لزم نفس المخلوق لزومًا لا يمكن دفعه والخروج عنه (٣). وقولنا: "نفس المخلوق" تحرز عن العلم القديم. وهو ضربان: بديهي (٤): لا يحتاج إلى مقدمات ولا سياقات نظرية،

стр. 94

كالعلم بنفسه وأحوالها، وما يحصل بوسائط ومقدمات كـ "علم الهندسة ومسائلها". وأما الاستدلال (١) الكسبي: فهو العلم المكتسب بالنظر والاستدلال، كالاستدلال بالشاهد على الغائب، والصنعة على الصاح. فهذا الضرب من العلوم هو الذي حددنا به الفقه. وقد قسم المنطقيون العلم إلى علم بمفرد، يسيء تصورًا كالعلم بمعنى "الإنسان" و"الكاتب" وعلم بنسبة يسمى "تصديقًا". والأصوليون سموا "التصور" "والتصديق علمًا" لأنهم تأسوا بالنحاة في قولهم: المعرفة تتعدى إلى مفعول واحد، والعلم إلى مفعولين قاله القطب (٢). والنسبة: إسناد شيء بالنفي أو الإثبات؛ بمعنى إيقاعها وانتزاعها وهو: الحكم كما تحكم بأن الإنسان كاتب أوْ لا، وأما بمعنى حصول صورة النسبة في العقل فإنه من التصور (٣).

стр. 95

قال ابن مفلح: ولم يذكر أصحابنا هذا القسم، واعترض بعض أصحابنا وغيرهم عليه: بأن "العلم" من مقولة "أن يتفعل" (١) والحكم -وهو الإيقاع أو الانتزاع- من مقولة "أن يفعل" (٢) فكيف يصح تقسيم العلم إلى "التصور" وإلى "التصديق". وأجيب: لا محيض عنه إلا بتقسيمه إلى التصور الساذج، وإلى التصور مع التصديق كما فعله في "الإشارات" (٣) أو المراد بـ "العلم" أعم من الإدراك، وهو الأمر المشترك بين الإدراك والهيئة اللاحقة به المحتملة للصدق والكذب، وهو المعنى الذهني المقيد بعدم غيرهما فيصح تقسيمه إلى الإدراك الذي هو التصور، وإلى الهيئة المذكورة التي هي التصديق كذا قيل وفيه نظر (٤).

стр. 96

(الذكر الحكمي) (١) قوله: (والذكر الحكمي: أما أن يحتمل مُتعلَّقه النقيض بوجه أولًا، والثاني: العلم. والأول: أما أن يحتمل النقيض عند الذاكر لو قدره أوْ لا. والثاني: الاعتقاد فإن طابق فصحيح، وإلا ففاسد، والأول: إما أن يحتمل النقيض وهو راجح أوْ لا. والراجح: الظن والمرجوح: الوهم والمساوي: الشك، وقد علم بذلك حدودها). الذكر الحكمي: هو الكلام الخبري، تخيله أو لفظ به. والمصنف جعل "الذكر الحكمي" مورد القسمة وابن الحاجب جعله. ما عنه الذكر الحكمي (٢).

стр. 97

والذي عنه الذكر الحكمي: هو مفهوم الكلام الخبري. قال القطب في "شرح المختصر": "إنما جعل ما عنه الذكر الحكمي موردا: لكونه مشتركا بين الستة. إذ كل منها حتى الوهم والشك (يصدق) (١) عليه أنه قد يكون ذكرًا حكميًا وهو ما يشبه الحكم صورة وإن لم يكن حكمًا ولم يجعل "الحكم" مورد القسم لأنه لا يشترك فيه الستة (٢) إذ لا يصدق على الوهم والشك إلا عند من يرى أن الموهوم والمشكوك حكم (٣) لكن لما كان أكثر المحققين على أنهما ليسا من الأحكام في شيء عدل ابن الحاجب عن هذه العبارة إلى تلك. وقال ابن قاضي الجبل: الذكر الحكمي كقولنا "قام زيد" و"الذي عنه" قيام زيد في الذهن، ومتعلقة واحد في نفس الأمر (٤). وقوله: (إما أن يحتمل متعلقة) وهو النسبة الواقعة بين طرفي الخبر في الذهن (النقيض بوجه) كاحتماله في نفس الأمر أو الذاكر سواء بتقديره أو بتشكيك المشك (أوْ لا) يحتمل شيئًا من الوجوه فإن لم يحتمل فهو العلم و (الأول) وهو ما يحتمل متعلقة

стр. 98

النقيض بوجه (إما أن يحتمل النقيض عند الذاكر لو قدره أولا) فإن لم يحتمل متعلقة النقيض عند الذاكر لو قدره فهو الاعتقاد، (فإن طابق) الاعتقاد الواقع فهو الاعتقاد الصحيح، وإن لم يطابق الواقع ففاسد. والأول: وهو ما يحتمل النقيض عند الذاكر لو قدره إما أن يحتمل النقيض احتمالًا راجحًا، أو مرجوحًا، أو مساويًا، فالراجح: الظن والمرجوح: الوهم، والمساوي: الشك، وقد علم بهذا التقسيم حد كل واحد من الستة. فالعلم: ما عنه ذكر حكمي لا يحتمل متعلقه النقيض بوجه. والاعتقاد: ما عنه ذكر حكمي لا يحتمل متعلقه النقيض عند الذكر لو قدره فإن طابق فصحيح، وإلا ففاسد. والظن: ما عنه ذكر حكمي يحتمل متعلقه النقيض عند الذاكر لو قدره مع كونه راجحًا. والوهم: ما ذكرنا مع كونه مرجوحًا. وأما الشك: فهو المذكور مع تساوي طرفيه.

стр. 99

(العقل) (١) قوله: (والعقل: بعض العلوم الضرورية عند الجمهور. قال أحمد: العقل غريزة، يعني غير مكتسب، قاله القاضي وذهب بعض الناس إلى أنه اكتساب، وبعضهم: أنه كل العلوم الضرورية، وبعضهم: أنه جوهر بسيط، وبعضهم أنه مادة وطبيعة). اعلم أن مادة (ع ق ل) ترجع إلى (٢) معنى الحبس والمنع (٣) فمن ذلك عقال البعير، وهو الذي يربط به ساقه إلى ركبته، وهو الذي يربط به ساقه إلى ركبته لئلا يشرد، يقال "عقلت البعير"

стр. 100

اعقله عقلا إذا فعلت به ذلك، ثم سُمِّيَ (إعطاء) (١) القاتل وأقاربه دية القتيل ونفس الإبل المدفوعة في الدية "عقلا" تسمية بالمصدر المذكور للمجاورة والملابسة، لأن الإبل تعقل بالعقال، وذلك لأن القاتل كان يأتي بدية القتيل فيعقلها بفناء أوليائه يسلمها إليهم، وكأنهم كانوا يفعلون ذلك ليكون القاتل في موقف سؤال القبول. ومن ذلك: "تسمية العصبة" "عاقلة" وفي الحديث "القرآن كالإبل المعقلة" (٢) أي إن غفل عنه ذهب كما تذهب الإبل إذا خلصت. ومنه "المعاقل" وهو (٣) الحصون وأحدها "معقل" لأنه يمنع العدو من الوصول. ومنه "اعتقال الرمح" وهو أن يجعله الفارس تحت فخذه

стр. 101

ويجر آخره وراءه على الأرض لأنه يمنعه بذلك من السقوط (١). و"اعتقل الشاة" إذا جعل رجليها بين رجله وفخذه ليحلبها (٢) وفلان معتقل "أي محبوس". ومنه "ذو العقال" بضم العين وتشديد القاف وتخفيفها اسم فرس كان للنبي ﷺ (٣) وهو أيضًا فرس من فحول الجاهلية المشهورة. والعقال: داء يكون في رجلي الدابة، فيعقلها أي يمنعها عن الحركة وأضيف إليه هذا الفرس إما تفاؤلًا له بالنشاط على عادتهم، كالتفاؤل بالعكس كقولهم للديغ "سليم" وللمهلكة مفازة أو مبالغة في شدة جريه ونشاطه كقولهم للغرابـ "أعور" لحدة بصره، أو دفعا لعين السوء عنه، ومن ذلك العقل الذي في الإنسان الذي هو مناط التكليف سمي بمصدر "عقل يعقل عقلا" إذا منع لأنه يمنع العاقل من فعل ما لا يليق وإلى هذا ترجع فروع هذه المادة جميعها. وقد اختلف في حقيقة العقل. فالأكثرون على أنه نوع من علوم ضرورية قاله ابن حمدان وغيره. وقدمه (٤) في العدة وقال: هو مثل العلم باستحالة اجتماع

стр. 102

الضدين، وكون الجسم في مكانين، ونقصان الواحد عن الاثنين، والعلم بموجب العادات، فإذا أخبره مخبر بأن الفرات تجري دراهم راضية (١) لا يجوز صدقه ومن أخبره بنبات شجرة لين يديه، وحمل ثمرة وإدراكها من ساعته لا ينتظر ذلك ليأكل منها، وإذا أخبر بأن الأرض تنشق ويخرج منها فارس بسلاح يقتله لا يهرب فزعًا من ذلك. فإذا حصل له العلم بذلك كان عاقلًا ولزمه التكليف. وقال أبو الحسن عبد العزيز بن الحارث التميمي (٢) في "كتاب العقل": العقل ليس بجسم، ولا صورة ولا جوهر، وإنما هو نور، فهو كالعلم (٣).

стр. 103

وقال أبو محمد (١) البربهاري: "ليس العقل باكتساب وإنما هو فضل من الله" (٢). وقال بعضهم (٣): قوة بها بين حقائق المعلومات. وقال أبو بكر بن (٤) فورك: هو العلم الذي يمتنع به من فعل القبيح (٥). وقال بعضهم: ما حسن معه التكليف. ومعنى ذلك كله متقارب (٦).

стр. 104

قال القاضي: "ولكن ما ذكرناه أولى، لأنه مفسر، وهو قول الجمهور من المتكلمين". وقال (الإمام) (١) أحمد فيما رواه أبو الحسن التميمي في "كتاب العقل" عن محمد بن أحمد بن مخزوم (٢) عن إبراهيم الحربي (٣) عن أحمد أنه قال: العقل: غريزة، والحكمة فطنة (٤) والعلم: سماع، والرغبة في الدنيا هوى، والزهد فيها عفاف. ومعنى قوله "غريزة" أنه خلق لله تعالى ابتداء وليس باكتساب للعبد (٥). قال بعضهم: القوة الغريزة توجد في الإنسان من أول وجوده ثم تتزايد بتزايد بدنه تزايدا تدريجيا حتى يبلغ سن

стр. 105

التكليف، فتكون قد بلغت أولى درجات كمالها، ثم تنتهي زيادتها إلى سبع وعشرين سنة. كما روى عن أمير المؤمنين علي (١) ﵁ أنه قال: يحتلم الغلام لأربع عشرة وينتهي طوله لإحدى وعشرين، وينتهي عقله لسبع وعشرين سنة إلا التجارب فإنه لا غاية لها (٢). هذا هو العقل الغريزي أما التجريبي فلا يزال في زيادة ما دام العاقل حيًّا كما قال. وحكى عن بعض الفلاسفة: أنه اكتساب. وقال قوم: هو عرض مخالف لسائر العلوم والأعراض. وقال قوم: هو مادة وطبيعة. وعند الحكماء: هو جوهر بسيط، لأنهم أدخلوه في تقسيم الجوهر، حيث قالوا: الجوهر (٣): إما محل، وهو "الهيولي" - يعني:

стр. 106

المادة المتهيئة لقبول الصورة، ومن لفظ "التهيء" اشتق لفظ الهيولي فكأنه أعجمي معرب- أو حال في المحل وهو "الصورة" أو مركب منهما وهو الجسم، أو لا محل ولا حال ولا مركب منهما، وهو إما أن يتعلق بالجسم تعلق التدبير وهو "النفس" أولا يتعلق بها كذلك وهو "العقل" (١). وبعض الفلاسفة يزعم أن العقل من المجردات الغنية عن المحل والموضوع فهو لا داخل ولا خارج ولا متصل بالبدن ولا منفصل عنه. قال القاضي في رده قول من قال "إنه جوهر بسيط": وهذا فاسد لأن الدليل "قد" (٢) دل على أن الجواهر كلها من جنس واحد، خلافًا للملحدة في قولهم- هي مختلفة، لأن معنى "المثلين" ما سد أحدها مسد صاحبه، وناب منابه، والجواهر على هذا لأن كل واحد منها متحرك وساكن وعالم (٣). فلو كان العقل جوهرًا لكان من جنس العاقل، ولا استغنى العاقل بوجود نفسه في كونه عاقلًا عن وجود مثله وما هو من جنسه (٤).

стр. 107

ولأنه لو كان جوهرًا لصح قيامه بذاته، ووجوده لا بعاقل، ولصح أن "يعقل" (١) ويكلف، لأن ذلك مما يجوز على الجواهر، وفي امتناع ذلك دليل على أنه ليس بجوهر "ثبت" (٢) أنه عرض. ومحال أن يكون عرضًا غير سائر العلوم، لأنه لو كان كذلك لصح وجود العقل مع عدم سائر العلوم حتى يكون الكامل العقل غير عالم بنفسه، ولا بالمدركات، ولا شيء من الضروريات، إذ لا دليل يوجب تضمن أحدها للآخر وذلك نهاية الإحالة. ومحال أن يكون اكتسابًا لأنه يؤدي إلى أن الصبي ومن عدمت منه الحواس الخمس ليسوا بعقلاء، لأنهم لا نظر لهم ولا استدلال يكتسبون به العقل وفي الإجماع على حصول العقل منهم دليل على فساد هذا (٣). ولا يجوز أن يكون (٤) جميع العلوم الضرورية ولا العلوم التي تقع (عقيب) (٥) الإدركات الخمسة (٦) لأن هذا يؤدي إلى أن الأخرس

стр. 108

والأطرش (١) والأكمه ليسوا بعقلاء، لأنهم لا يعلمون المشاهدات والسموعات والمدركات التي تعلم باضطرار لا باستدلال. ولا يجوز أيضًا أن يكون (٢) هو العلم بحسن حسن، وقبح قبيح ووجوب واجب وتحريم محرم، لأن هذه الأحكام كلها معلومة من جهة السمع دون قضية العقل. فوجب أن يكون "بعض العلوم الضرورية وهو ما ذكرناه أولًا" انتهى كلام القاضي (٣). ومما يقوي أن العقل (٤) غريزة: وجوده في النائم واليقظان الذي لا يستحضر شيئًا من وجوب الواجبات واستحالة المستحيلات، وفقد العلم فيهما. وأيضًا: فإن العقل إذا فسد تسبب الأطباء إلى إصلاحه بالعلاج ووجه الدلالة من وجهين: أحدها: أن موضوع علم الطب إنما هو الأجسام الطبيعية وما اشتملت عليه من الطبيعات، والعلوم ليست منها.

стр. 109

الثاني: إن فساد العلوم إنما هو بنسيانها وذهابها عن القوة الحافظة بحيث يتعذر على العالم استحضارها، والأطباء لا سلطان لهم على تذكير علم منسي أورد علم ذاهب، وإنما سلطانهم على القوى والغرائز بالتسبب إلى صلاحها إذا فسدت، فدل على أن العقل غريزة لازم للعلم لا نفس العلم بل لازم له (١). وقال ابن الجوزي (٢) في منهاج القاصدين (٣) ومعناه في المسودة (٤): اختلف الناس في حد العقل وحقيقته، وذهل

стр. 110

الأكثرون عن كون هذا الاسم يطلق بالاشتراك على أربعة معان، فلا ينبغي أن يطلب لجميع أقسامه حد واحد، بل يفرد كل قسم بالكشف عنه. فالأول: الوصف الذي يفارق (١) به الإنسان البهائم، وهو الذي به استعد لقبول العلوم النظرية، والصناعات الخفية الفكرية، وهو الذي أراده الحارث (٢) المحاسبي حين قال في حد العقل إنه غريزة يتهيأ بها درك العلوم النظرية، وكأنه نور يقذف في القلب به يستعد لإدراك (٣) الأشياء. والثاني: ما وضع في الطباع من العلم بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات، كالعلم بأن الاثنين أكثر من الواحد (٤) وهو الذي عناه بعضهم بقوله في حد العقل إنه بعض العلوم الضرورية وهو صحيح في نفسه لأن هذه العلوم موجودة وتسميتها عقلًا ظاهر، وإنما الفاسد أن تنكر تلك الغريزة ويقال لا موجود إلا هذه العلوم. والثالث: علوم تستفاد من التجارب تسمى عقلًا.
следующие страницы →