← Тараджим

Тараджим · id 1278

تهذيب التهذيب - ط دبي

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (13 120 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

٧) قاسم بن قطلوبغا، زين الدين، أبو العدل، الجمالي، الحنفيّ، المتوفّى سنة تسعٍ وسبعين وثمانمائة (٨٧٩ هـ). قرأ عليه "الإيثار بمعرفة رواة الآثار" قراءة تحرير، وأفاد منه الحافظُ مواضع عدة زادها فيه (١). ٨) محمّد بن الحسن بن علي بن عبد العزيز البدرانيّ، المحدّث، المتوفّى سنة سبعٍ وثلاثين وثمانمائة (٨٣٧ هـ). كتب عنه الكثير، فمن ذلك: "لسان الميزان"، ونُسخته هي التي صارت أصل المؤلِّف (٢). ٩) محمّد بن عبد الرحمن بن محمّد بن أبي بكر السَّخاويّ القاهريّ، المحدّث المعروف، المتوفّى سنة اثنتين وتسعمائة (٩٠٢ هـ). لازمه بأخرةٍ؛ أشد الملازمة، وسمع عليه جُلَّ كتبه، ومن ذلك: "تقريب التهذيب"، وثلاثة أرباع، أصله وحمل عنه ما لم يُشاركه فيه غيره، بل صار الحافظ يرسل إليه قاصِدَه يُعلمه بوقت ظهوره من بيته ليقرأ عليه وأذن له بالإقراء (٣). ١٠) محمّد بن علي بن جعفر بن مختار شمس الدين الحسيني سكنًا، المعروف بابن قَمَر المتوفّى سنة ستٍّ وسبعين وثمانمائة (٨٧٦ هـ). أكثر عنه واختصّ به وضبط الأسماء في كثيرٍ من الأوقات عنده، وكتب "فتح الباري" مرتين و"اللسان"، و "التهذيب"، و "المشتبه"، _________ (١) انظر: ""الجواهر والدرر" (٣/ ١١٢٤) - (١١٢٥)، والضوء اللامع (٦/ ١٨٤ - ١٩٠). (٢) انظر: "الجواهر والدرر" (١١٤٠٣)، و "الضوء اللامع" (٧/ ٢٢٧ - ٢٢٨). (٣) انظر: "الجواهر والدرر" (٣/ ١١٤٦)، و "الضوء اللامع" (٨/ ٢ - ٣٢).

стр. 37

و "التعليق"، و"أطراف المسند"، وأشياء أخرى كثيرة، واستملى عليه بأخرةٍ، وأذن له في الإفادة (١). ١١) محمّد بن محمّد بن عبد الله بن خيضر الخيضريّ الشاميّ، المتوفّى سنة أربعٍ وتسعين وثمانمائة (٨٩٤ هـ). لازمه أتمّ، ملازمة، وحمل عنه جُملةً، منها: "الإصابة" بعد أن كتبها بخطِّه، ولم يقرأها عليه غيرُه، كما قرأ عليه "تعجيل المنفعة"، و "تغليق التعليق"، وكان الحافظُ كثيرَ الميل إليه والتنويه بذكره (٢). ١٢) محمّد بن محمّد بن علي بن محمّد بن حسّان المقدسيّ، شمس الدين، العلامة المعروف بابن حسّان المتوفّى سنة خمس وخمسين وثمانمائة (٨٥٥ هـ). لازمه، وقرأ عليه أشياء كثيرةً، منها: "شرح النخبة"، و "شرح الألفية"، و "اللسان"، وغالب "التهذيب" (٣). ١٣) محمّد بن محمّد بن محمّد بن مُسَلَّم القاهريّ ثم المقدسيّ، التاج، المعروف بابن الغرابيلي، المتوفّى سنة خمسٍ وثلاثين وثمانمائة (٨٣٥ هـ). استمر ملازمًا له يأخذ عنه إلى أن مات، وقد حرّر معه نُسخته من "المشتبه" غاية التحرير (٤)، وكَتَبَ بخطِّه نُسخةً من "فتح الباري". المبحث السادس: وظائفه: كان الحافظ ﵀ مع اشتغاله بالعلم حريصًا على نشر الحديث والسُّنة، _________ (١) انظر: "الجواهر والدرر" (٣/ ١١٥٠ - ١١٥١)، و "الضوء اللامع" (٨/ ١٧٦ - ١٧٨). (٢) انظر "الجواهر والدرر" (٣/ ١١٥٩)، و"الضوء اللامع" (٩/ ١١٧ - ١٢٤). (٣) انظر: "الجواهر والدرر" (٣/ ١١٦١)، و "الضوء اللامع" (٩/ ١٥٢ - ١٥٤). (٤) انظر: "الجواهر والدرر" (٣/ ١١٦٦)، و "الضوء اللامع" (٩/ ٣٠٦ - ٣٠٨).

стр. 38

مما حباه اللهُ تعالى من ميراث النُّبوة، فكان يعقد مجالسَ عديدةً يُملي فيها على الطلبة، بلغ جملة ما أملى نحو ألف مجلس ومائة وخمسين مجلسًا، وبلغت عدّة مجلدات أماليه كلّها في بعض النُّسخ عشر مجلدات، يُمليها من حفظه، مُهذَّبةٌ، مُحرَّرةً، مُتقنةً، كثيرة الفوائد الحديثية، ويتحرّى فيها العُلُو، أملاها في غير ما موضعٍ، كالشيخونية، والجمالية، والمنكوتمرية، والخانقاه البيبرسية، وغيرها. وكان ﵀ يُلقي الدروس ويأتي في كل فنٍّ من بنات فكره استنباطًا واستدراكًا بما علماء ذلك الفنّ، بحيث يقضون له بالسِّيادة فيه. كما تولّى الإفتاء بدار العدل، وذلك في سنة إحدى عشرة وثمانمائة (٨١١ هـ)، فكانت فتاويه موجزةً، وافيةً بالغرض، لاسيّما المسائل التي لا نقل فيها؛ يخرجها على القوانين المحرَّرة بالدلائل المعتبرة، قال السَّخاويُّ: (وهو فقيهُ النفس) (١) وكان يكتب في كلِّ يوم غالبًا على أكثر من ثلاثين فتيا، لا يُحابي في ذلك أحدًا ولو عَظُم. وتولّى أيضًا الخطابة في الجامع الأزهر، فكان لخطبه صدعٌ في القلوب، ويزداد وهو على المنبر مهابةً ونورًا. وأمّا القضاء فكان ﵀ يمتنع عن إجابة من يعرض عليه ذلك، إلى أن ألحّ عليه القاضي جلال الدين عبد الرحمن بن سراج الدين عُمر بن رسلان البُلْقينيّ الشافعيّ (ت ٨٢٤ هـ)، فقَبِلَ بعد تكرير السؤال منه، وباشره بعفّةٍ، _________ (١) ويقولون فيه أيضًا: (فقيهُ البَدَن)؛ وفي بيان معناه يقول محمّد بن يوسف بن محمد اللَّحْميّ: (أي كأَنَّ بَدَنَه مطبوعٌ على الفِقْه؛ لذكائه، ولنُفُوذِه فيما أَشْكَلَ منه أو غَمُضَ) انتهى. نقله الشيخ عبد السَّلام محمد هارون ﵀ في حاشية تحقيقه لكتاب "البيان والتَّبَيُّن" (١/ ١٠١؛ الحاشية رقم ٤) للجاحظ.

стр. 39

ونزاهة وتواضعٍ، زائدٍ واستجلابٍ لخاطر الصغير قبل الكبير، وإحسانٍ للفقراء والطلبة، ومع هذا فقد نَدِمَ على قبوله وظيفةَ القضاء؛ لكون أرباب الدولة لا يُفرِّقون بين أولي الفضل وغيرهم، ويُبالغون في اللَّوم حيث رُدَّت إشاراتهم، وإن لم تكن على وَفْقِ الحقّ، ولما يحتاجه القاضي من مداراة الناس بحيث لا يمكنه مع ذلك القيام بكل ما يرومه على وجه العدل (١). المبحث السابع: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه: لقد حظي الحافظُ ابن حجر ﵀ بمكانةٍ كبيرةٍ عاليةٍ ومنزلةٍ رفيعةٍ ساميةٍ؛ في أوساط العلم، وأهله، وطلابهِ. ولا غرو في ذلك؛ فقد حباه الله تعالى بأمورٍ عديدة أهّلته لبلوغ تلك المكانة، ومن أهم هذه الأمور: أولا: سُرعة حفظِه؛ فقد رُزِقَ في صغره سُرعةً في الحفظ، بحيث كان ي حفظ كُلَّ يومٍ نصفَ حزبٍ، بل بلغ من أمره أنّه حفظ سورة مريم في يومٍ واحدٍ، ولم يكن حفظُه بالدَّرسِ على طريقة الأطفال، بل كان حفظُه على طريقة الأذكياء تأمُّلًا (٢). ثانيًا: سرعة القراءة الحسنة، وأسرعُ شيءٍ وقع له أنّه قرأ في رحلته الشامية "معجم الطبرانيّ الصغير في مجلسٍ واحدٍ بين صلاتي الظهر والعصر، وهو يشتمل على نحو من ألف وخمسمائة حديث؛ لأنّ الطبرانيَّ ألف خرّج فيه عن شيخٍ حديثًا أو حديثينِ. ثالثًا: سرعة الكتابة مع حُسنها؛ فقد نقل تلميذُه الحافظُ السخاويُّ أنه سمعه يقول: (كنتُ أكتب في تلخيصي لتهذيب المزّيّ إلى الزوال كُرَّاسًا في _________ (١) انظر: "الجواهر والدُّرر" (٢/ ٥٨١ - ٦٣٩). (٢) كما تقدّم بيانُه في المبحث الثالث.

стр. 40

الكامل)، قال السخاويُّ عقبه: (وهو كسلاسل الذَّهب، غاية في النِّسبة، يكون بخطِّ غيره نحو كُرَّاسين فأكثر). رابعًا: رِفاقُه الذين كانوا على درجةٍ عُليا من الدِّيانة، والتواضع، والاهتمام بالعلم، والبُعد عن التوغُّل في الغِلِّ، والحسد، والكتمان، وتكرّر ذكر ما يقتضي الامتنان، فلذا يُعين كلُّ رفيقٍ رفيقه نوبةً بالقراءة، ومرةً بالكتابة، وأخرى بالعارية ووقتًا بالمذاكرة، ويُجمِّل كلُّ واحدٍ منهم الآخر بقلمِه ولسانِه. خامسًا: قصر همته في رحلاته وغيرها على المطالعة والقراءة والسماع والعبادة والتصنيف والإفادة، بحيث لم يكن يُخلي لحظةً من أوقاتِه عن شيءٍ ذلك، حتّى في حال أكلِه ومشيِه، بل نَقَلَ عنه تلميذُه السخاويُّ أنّه قال: (إنّني لأتعجب ممّن يجلس خاليًا عن الاشتغال) (١). ولأجل هذه الأمور - بفضل الله تعالى وتوفيقه - تبوّأ منزلةً علميةً رفيعةً في العلم، ذاع بها صيتُه، واشتهر فيها أمرُه. ومما يدل على تلك المنزلة: أوّلًا: كثرةُ مؤلفاتِه الدالة على غزارة علمه في شتى الفنون، وبخاصة علم الحديث (٢). ثانيًا: إجازة شيوخه له بالتدريس والفتوى؛ فمن ذلك: أن شيخَه سراج الدين البُلقينيّ كَتَبَ له: (أجزتُ له أن يُفتي بذلك لطالبيه بالتوجيه الوجيه؛ فإنه نِعْمَ الفاضل النبيه، وكتبه عُمر البُلقينيّ)، وكإذن الحافظُ العراقيّ له بتدريس كتب الحديث وعلومه (٣). _________ (١) انظر: "الجواهر والدرر" (١/ ١٢٣ و ١٦١ - ١٧٤). (٢) وسيأتي الكلام عن ذلك في المبحث الثامن - إن شاء الله تعالى -. (٣) انظر: "الجواهر والدرر" (١/ ٢٦٨ و ٢٧١).

стр. 41

ثالثًا:: إفادة أهل العلم من مُصنَّفاتِه في تآليفهم، في حياته وإلى عصرنا هذا، مما هو ذائعٌ مُشتهِرٌ. رابعًا: مراسلة غير واحدٍ من شيوخه له فيما خفي على الشيخ الأمرُ فيه واستشكله، فمن ذلك: أنّ الحافظُ العراقيّ ربّما كتب إليه بخطِّه يسأله عمّا يحتاج إلى الوقوف عليه، وكذا كان جلال الدين البُلقينيّ يُكثر الإرسال إليه فيما يستشكله (١). خامسًا: عناية المؤرِّخين بالترجمة له في كُتُبهم التاريخية، كابنِ خطيب الناصرية في "تاريخ حلب" (٢)، والفاسيِّ في "ذيل التقييد" (٣)، بل منهم من أفرد سيرتَه، واعتنى بتفاصيل حياته، كما فعل الحافظُ السَّخاويُّ في كتابه: "الجواهر والدُّرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حَجَر". سادسًا: تلهُّف الطلبة للأخذ عنه، ورحلتهم إليه من كل حدبٍ وصوبٍ، قال الحافظُ السَّخاويُّ (٤): (على سبيل الإجمال: إنّا لا نعلم كبير أحدٍ من الناس في سائر الأقطار إلّا وقد أخذ عنه، وصيّره إمامًا يُعتمد عليه، ويرجع فيما يُشكل عنده إليه، بل لا أعلم في زمنه من شُدّت إليه الرحال من سائر الآفاق والمحال غير ذاته الشريفة؛ لعلو رتبته المنيفة، وكم ممّن نأت عنه ديارُه، وطالت في لُقيِّه أسفارُه، ممّن ربّما يكون أقدم منه ميلادًا = قصده للأخذ عنه درايةً وإسنادًا، وهذا لعمري كافٍ في الدلالة على فخره وسُموِّ محله وقدره) (٥). _________ (١) المصدر السابق (١/ ٣٣٩ و ٣٤١). (٢) وهذا الكتاب في عداد المفقود. (٣) (١/ ٣٥٢ - ٣٥٧). (٤) كما تقدّم في المبحث الخامس. (٥) "الجواهر والدرر" (٣/ ١١٧٩ - ١١٨٠).

стр. 42

سابعًا: كثرة ما عُرِض عليه من المناصب والوظائف، كعَرْضِ القاضي صدر الدين المناوي عليه نيابة القضاء عنه، إلا أنه امتنع، ولم يقبل الدخولَ في القضاء إلا عقب إلحاح جلال الدين البُلقيني عليه بذلك (١). ومع ما تقدّم فقد تتابع ثناء العلماء عليه، ومن ذلك: ١) شيخه الحافظ زين الدين أبو الفضل العراقيّ، حيث كتب على نُسخةٍ بخطِّ الشّهاب البوصيري من "لسان الميزان": (كتاب "لسان الميزان"؛ تأليف الحافظ المتقن الناقد الحُجّة شهاب الدين أحمد بن علي الشافعيّ، الشهير بابن حجر، نفع الله بفوائده، وأمتع بعوائده). وقد سأل القاضي كمال الدين بن العديم الحافظَ العراقيَّ عند موتِه عمّن بقي بعده من الحُفَّاظ، فبدأ بابن حجر، وثنّى بولده، وثلَّث بنور الدين الهيثميّ (٢). ٢) وكَتَبَ شيخه العلّامة تقي الدين أبو بكر محمّد بن محمّد بن عبد الرحمن الدجوي (ت ٨٠٩ هـ) على بعض تخاريج الحافظ ابن حجر ما نصُّه: (وقفتُ على هذا التخريج البديع مثالًا، المنيع منالًا، الفائق حُسنًا وجمالًا، فلم يدع لقائلٍ مقالًا، إلا أن يقول: هكذا هكذا وإلا فلا لا (٣)، فلقد أُوتي هذا بسطةً في العلم واللَّسَن، وكيف لا وهو الإمام ابن الإمام أبو الفضل بن أبي الحسن، لقد بهر ابنُ حجر بفضله العقول والأفكار، كما فاق حَجَرُه الياقوت بل غيره من الحجار، ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٧٤]، فإنه جمع فأوعى، وأوعب جمعًا، وأبدع لفظا ومعنى، وجمع إحسانًا وحُسنًا، فلو شاهد حُسنَه _________ (١) المصدر السابق (٢/ ٥٨١ و ٦١٧ - ٦١٨). (٢) المصدر السابق (١/ ٢٦٨ و ٢٧٢). (٣) هذا أَصْلُه شَطْرُ بيتٍ للمُتَنَبِّي، يمدحُ فيه سيفَ الدَّوْلةِ الحَمْداني، والبيتُ بتمامِه: ذي المعالي .. فَلْيَعْلُوَنْ مَنْ تَعَالَى … هكذا هكذا، وإلا فلا، لا انظر: "شرح شعر المُتَنَبِّي - السَّفْر الثاني" (١/ ٢) لابن الأَفْلِيلي (ت ٤٤١ هـ).

стр. 43

الجمالُ المزيُّ لأطنب في الثناء وأسهب، أو الذَّهبيُّ لذهب في الإعجاب كل مذهب أو ابن عبد الهادي لاهتدى به واقتفى أثره، أو ابن كثير لكاثر ببعضه واستكثره، فشكرًا لهذا الإمام شكرًا، فلقد جمّل مصره، وجدّد لها في الحفاظ ذكرًا. . . .) (١). ٣) وقال رفيقُه تقيُّ الدين أبو الطيب محمّد بن أحمد بن علي الفاسيُّ المكيُّ (ت ٨٣٢ هـ): (إن الله لا يستحيي من الحق، ما رأينا مثل الشيخ شهاب الدين بن حجر)، فقيل له: ولا شيخكم العراقيّ؟ فقال: (ولا العراقيّ) (٢). ٤) كما وَصَفَه تلميذُه العلّامة المتفنِّن شمس الدين بن حسّان المقدسيّ بـ: بُخاريِّ زمانه، وحافظِ أوانِه، شيخِ الإسلام والمسلمين (٣). وبالجملة فقد أثنى عليه جمٌّ غفيرٌ؛ من شيوخِه، ورِفاقِه، وطلابِه، وسائر الناس، سرد كثيرًا من أقوالهم الحافظُ السَّخاويُّ في "الجواهر والدرر" (٤). وقد أُنشئَ في مدحه من النَّظْمِ الشيءُ الكثيرُ، وممّن نَظَمَ في الثناء عليه شعرًا: البرهان البقاعي، والجلال، البُلقينيّ، والزين بن قطلوبغا، وغيرُ واحدٍ (٥). ومن ذلك: ما قاله السراجُ أبو حفص عُمر بن محمّد بن علي بن محمّد الجعبريّ - شيخُ بلد الخَلِيل - (ت ٨٩٣ هـ) مادِحًا "نُخبة الفِكَر"، وكان قد قرأها على مُصنِّفها: أبدعتَ يا حَبْرُ في كلِّ الفنون بما … صنَّفتَ في العلم من بَسْطٍ ومُختصرِ _________ (١) الجواهر والدرر (١/ ٢٧٣ - ٢٧٤). (٢) المصدر السابق (١/ ٢٩٠). (٣) المصدر السابق (١/ ٣١١). (٤) (١/ ٢٦٣ فما بعدها). (٥) المصدر السابق (١/ ٤٠١ فما بعدها).

стр. 44

علمُ الحديثِ به أصبحتَ مُنفردًا … وللأنام فكم أَبْرَزُتَ من غُررِ لقد جَلوتَ عروسَ الحُسنِ مُبتكِرًا … فيما أتيتَ به من نُخبة الفِكَرِ إذا تأمّلها بالفكرِ ناظرُها … تَهْمِي فوائدُها للفكرِ كالمطرِ المبحث الثامن: مؤلفاته: لم يغادر الحافظُ ابن حجر رحمه لله الحياةَ حتى أثرى المكتبة الإسلامية بثروةٍ علميةٍ كبيرةٍ غزيرةٍ في شتى فنون العلم، وما هي - في الحقيقة - إلا شاهد عيان على تقدُّمِه في هذه العلوم وطولِ باعِه فيها، لاسيّما ما يتعلق منها بعلوم الحديث. ومن أجل ذلك تلقّاها العلماء بالقبول، فأثنوا عليها، وحرصوا على سماعِها، أو اقتنائها والإفادة منها. قال الحافظُ تقيُّ الدين بنُ فهد المكّي في كتابه "لحظ الألحاظ بذيل طبقات الحفاظ" عن الحافظ ابنِ حجر: (وكان أحسن الله تعالى إليه في حال طلبِه مُفيدًا في زيِّ مُستفيد، إلى أن انفرد في الشُّبوبية بين علماء زمانِه بمعرفة فنون الحديث، لاسيّما رجاله وما يتعلّق بهم، فأَلَّفَ التآليف المفيدةَ المليحةَ الجليلةَ، السائرةَ الشاهدةَ له بكلِّ فضيلةٍ الدَّالةَ على غزارة فوائده، والمعربةَ عن حُسْنِ مقاصده، جمع فيها فأوعى، وفاقَ أقرانه جنسًا ونوعًا، التي تشنّفت بسماعها الأسماعُ، وانعقد على كمالِها لسانُ الإجماع، فرُزِقَ فيها الحظَّ السَّامي عن اللَّمْس، وسارت بها الركبان سيرَ الشَّمْس) (١). وقد زاد عددُ ما ألَّفه الحافظُ ﵀ على الثمانين ومائتينِ (٢٨٠) مؤلَّفًا (٢)، _________ (١) (ص ٣٣٢). (٢) انظر: "ابن حجر العسقلانيّ، مُصنَّفاتُه .. " (١/ ١٧٣ - ٣٨٦) للدكتور شاكر محمود عبد المنعم. =

стр. 45

إلّا أنّه ﵀ لم يرتض منها سوى النزر اليسير؛ تواضعًا منه، وهضمًا لنفسِه، ولأنه لم يتهيأ له من يحرِّرها معه، معه، فقد نقل عنه تلميذُه الحافظُ السَّخاويُّ أنّه قال: (لستُ راضيًا عن شيءٍ من تصانيفي؛ لأني عملتُها في ابتداء الأمر، ثم لم يتهيّأ لي من يُحرِّرها معي، سوى "شرح البخاريّ"، و "مُقدِّمته"، و "المشتبه"، و"التهذيب"، و"لسان الميزان"، قال السَّخاويُّ: (بل رأيته في موضعٍ أثنى على "شرح البخاري"، و "التغليق"، و "النُّخبة"، ثمّ قال: وأما سائر المجموعات فهي كثيرةُ العَدَد، واهيةُ العُدَد، ضعيفةُ القوى، ظامئةُ الروى) (١). ومن أبرز مُؤلَّفاته المطبوعة (٢): أوّلًا: في علوم القرآن: ١) "العُجاب في بيان الأسباب" (٣). ثانيًا: في علوم الحديث: • المتون الحديثية: ١) "بلوغ المرام من أدلة الاحكام" (٤). ٢) "الأربعون في ردع المجرم عن سبِّ المسلم" (٥). _________ = وللحافظ برهان الدين البقاعي ﵀ مُؤلَّف بعنوان: "مصنَّفات شيخ الإسلام ابن حجر"؛ طبع مؤخَّرًا بعناية: محفوظ أحمد السلهتي، دار الرياحين. (١) "الجواهر والدرر" (٢/ ٦٥٩). (٢) حاول استقصاءَ ما طُبع منها الشيخُ يوسف بن محمّد العتيق - وفّقه الله تعالى -؛ في بحثٍ له سَمَّاه: "ما طُبع من كتب الحافظ ابن حجر العسقلانيّ، وبعض الفوائد المرتبطة بها". (٣) وهو في فن أسباب نزول السُّوَر، طبع في مجلدين؛ بتحقيق عبد الحكيم محمّد الأنيس، دار ابن الجوزي بالدمّام. (٤) طبع عدة طبعات منها طبعة في مجلدين، بتحقيق: سمير بن أمين الزهيري، دار أطلس بالرياض. (٥) طبع في جزءٍ؛ بتحقيق مجدي السيد إبراهيم، مكتبة القرآن بالقاهرة.

стр. 46

٣) "الخصال المكفِّرة للذنوب المقدَّمة والمؤخَّرة" (١). • الشروح الحديثية: ١) "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" (٢). • الأمالي: ١) "الأمالي الحلبية" (٣). ٢) "الأمالي المطلقة" (٤). • الزوائد: ١) "المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية" (٥). • الأطراف، وما يلتحق بها: ١) "إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة" (٦). ٢) "إطراف المسند المعتلي بأطراف المسنَد الحنبلي" (٧). _________ (١) طبع عدة طبعات، منها: طبعة في جزء، بتحقيق عَمرو عبد المنعم سليم دار ماجد عسيري بجدّة. (٢) طبع عدة طبعات، منها: طبعة في ثلاثة عشر مجلدًا، أخرجها محب الدين الخطيب، وعلّق عليها الإمام عبد العزيز بن باز، دار المعرفة ببيروت. (٣) طبع عدة طبعات، منها: طبعة في جزء لطيف؛ بتحقيق الدكتور عواد الخلف، مؤسسة الريان ببيروت. (٤) طبع في جزء؛ بتحقيق الشيخ حمدي عبد المجيد السلفي، المكتب الإسلامي ببيروت. (٥) طبع عدة طبعات، منها: طبعة في تسعة عشر مجلدًا، اعتنى بها فضيلة الشيخ سعد بن ناصر الشثريّ، دار العاصمة ودار الغيث بالرياض. (٦) طبع طبع في تسعة عشر مجلدًا؛ بتحقيق مجموعة من الباحثين، بإشراف وزارة الشؤون الإسلامية بالمملكة العربية السعودية، والتعاون مع الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. (٧) طبع في عشرة مجلدات؛ بتحقيق الدكتور زهير بن ناصر الناصر، دار ابن كثير ودار الكلم الطيب ببيروت.

стр. 47

٣) "تغليق التعليق على صحيح البخاري" (١). • التخريج: ١) "التمييز في تلخيص تخريج أحاديث شرح الوجيز" (٢). ٢) "الدراية في تخريج أحاديث الهداية" (٣). ٣) "الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشّاف" (٤). ٤) موافقة الخُبْر الخَبَر في تخريج أحاديث المختصر" (٥). ٥) "نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار" (٦). • المشيخات: ١) "المجمع المؤسِّس للمعجم المفهرس" (٧). • مصطلح الحديث: ١) "نخبة الفِكَر في مصطلح أهل الأثر" (٨). _________ (١) طبع في خمسة مجلدات؛ بتحقيق سعيد عبد الرحمن موسى القزقي، دار عمار بعَمَّان الأردن. (٢) طبع عدة طبعات، منها: طبعة في سبعة مجلدات، بتحقيق الدكتور محمد الثاني بن عُمر بن موسى أضواء السلف بالرياض. (٣) طبع في مجلدين؛ بتصحيح عبد الله هاشم اليماني المدني، دار المعرفة ببيروت. (٤) طبع مستقلًا في مجلد. (٥) طبع في مجلدين؛ بتحقيق حمدي عبد المجيد السلفي وصبحي السامرائي، مكتبة الرشد بالرياض. (٦) طبع في خمسة مجلدات؛ بتحقيق الشيخ حمدي عبد المجيد السلفي، دار ابن كثير ببيروت، وهو وسابقه يُعدَّان في كتب الأمالي أيضًا؛ لأن الحافظُ أملاهما إملاءً في مجالس عُقِدت لذلك. (٧) طبع في أربعة مجلدات؛ بتحقيق الدكتور يوسف المرعشلي، دار المعرفة ببيروت. (٨) طبع عدة طبعات منها: طبعة مع كتب أخرى في مجلد، بتحقيق عبد الحميد بن صالح آل أعوج سبر، دار ابن حزم ببيروت.

стр. 48

٢) "نزهة النظر في توضيح نخبة الفِكَر في مصطلح أهل الأثر" (١). ٣) "النكت على كتاب ابن الصلاح" (٢). ٤) "هُدَى الساري مُقدِّمة فتح الباري" (٣). • رجال الحديث، وما يندرج تحته من فنون: ١) "الإصابة في تمييز الصحابة" (٤). ٢) "الإيثار بمعرفة رواة الآثار" (٥). ٣) "تبصير المنتبه بتحرير المشتبه" (٦). ٤) "تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة" (٧). ٥) "تقريب التهذيب" (٨). _________ (١) طبع عدة طبعات، منها: طبعة في جزء، بتحقيق الدكتور عبد الله بن ضيف الله الرحيلي. (٢) طبع في مجلدين؛ بتحقيق الشيخ ربيع بن هادي المدخلي عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. (٣) طبع مرارًا، منها: طبعة في مجلد، أخرجها محب الدين الخطيب، المكتبة السلفية. (٤) طبع عدة طبعات، منها: طبعة في خمسة عشر مجلدًا، بتحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، والتعاون مع مركز هجر للبحوث والدراسات العربية والإسلامية. (٥) طبع عدة طبعات، منها: طبعة في مجلد، بعناية علي بن سليم العبادي، دار العاصمة بالرياض. (٦) طبع في أربعة أقسام؛ بتحقيق محمّد علي النجار، ومراجعة علي محمّد البجاوي، المكتبة العلمية ببيروت. (٧) طبع عدة طبعات، منها: طبعة في مجلدين، بتحقيق الدكتور إكرام الله إمداد الحق، دار البشائر الإسلامية ببيروت. (٨) طبع عدة طبعات، منها: طبعة في مجلد، بتحقيق محمّد عوامة، دار الرشيد بحلب.

стр. 49

٦) "تهذيب التهذيب" (١) ٧) "لسان الميزان" (٢). ٨) "نزهة الألباب في الألقاب" (٣). • الردود الحديثية: ١) "انتقاض الاعتراض في الردِّ على العيني في شرح البخاري" (٤). ٢) "القول المسدَّد في الذَّبِّ عن المسنَد للإمام أحمد" (٥). * ثالثا: في الفقه: ١) "كشف الستر عن حكم الصلاة بعد الوتر" (٦). * رابعًا: في السيرة والتاريخ والتراجم: ١) المنتقى من مغازي الواقدي (٧). ٢) "إنباء الغُمْر بأبناء العُمْر" (٨). _________ (١) طبع عدة طبعات منها: طبعة في اثني عشر مجلد، بإشراف دائرة المعارف النظامية بحيدر آباد الدكن بالهند، وهو الكتاب المراد تحقيقه هنا. (٢) طبع عدة طبعات، منها: طبعة في عشرة مجلدات، بعناية الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية. (٣) طبع عدة طبعات منها: طبعة في مجلدين، بتحقيق عبد العزيز بن محمّد السديري، مكتبة الرشد بالرياض. (٤) طبع في مجلدين؛ بتحقيق حمدي عبد المجيد السلفي وصبحي السامرائي، مكتبة الرشد بالرياض. (٥) طبع عدة طبعات منها: طبعة في جزء، بعناية مكتبة ابن تيمية بالقاهرة. (٦) طبع في جزء؛ بتحقيق هادي بن حمد بن صالح المري دار ابن حزم ببيروت. (٧) طبع مؤخَّرًا؛ بقراءة وتعليق علاء عوض عثمان المكتبة العمرية ودار الذخائر. (٨) طبع عدة طبعات، منها: طبعة في أربعة أجزاء، بتحقيق الدكتور حسن حبشي، وزارة الأوقاف بمصر.

стр. 50

٣) "الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة" (١). ٤) "ذيل الدرر الكامنة" (٢). ٥) "رفع الإِصْر عن قضاة مصر" (٣). إلى غير ذلك من المؤلَّفات. ولم تقتصر آثار الحافظ ابن حجر ﵀ على ما صنَّفه أو أملاه من الكتب والأجزاء، بل كان ينسخ بيده كثيرًا من كتب أهل العلم، وممّا وُجِدَ منسوخًا بخَطِّ يدِه: ١) "سُنن الإمام أبي داود - برواية اللؤلؤيّ". ونُسخته محفوظةٌ في مكتبة كوبرلي باسطنبول؛ رقم: (٢٩٤/ ٢). ٢) مجلَّدٌ من "تكملة شرح الترمذيّ" للحافظ العراقيّ. محفوظٌ في مكتبة الملك عبد العزيز ﵀ بالمدينة المنورة؛ مجموعة المحمودية، رقم: (٥١٢). ٣) مجموعٌ حديثيٌّ كبيرٌ محفوظٌ في مكتبة شهيد علي باشا باسطنبول؛ رقم: (٥٤٦). ٤) "المغني عن حمل الأسفار في الأسفار" للحافظ العراقيّ. ونُسْخته محفوظةٌ في مكتبة الملك عبد العزيز ﵀ بالمدينة المنورة؛ مجموعة عارف حكمت، رقم: ٣٤٢ (٧٦/ ٢٣١). وكان ﵀ قل أن يقف على كتابٍ حديثيٍّ أو علميٍّ أو أدبيٍّ إلا ويُقيِّد _________ (١) طبع في أربعة أجزاء؛ بإشراف دائرة المعارف النظامية بحيدر آباد الدكن بالهند. (٢) طبع في مجلد؛ بتحقيق الدكتور عدنان درويش، معهد المخطوطات العربية بالقاهرة. (٣) طبع في مجلد؛ بتحقيق الدكتور علي محمّد عُمر، مكتبة الخانجي بالقاهرة.

стр. 51

عليه ما لا يُستغنى عنه من اعتراضٍ على مؤلِّفه في تصرُّفِه، أو إثباتِ حجةٍ فيما نقله، أو استدراكٍ لما لم يذكره، أو سقطٍ، أو تصحيفٍ، أو غير ذلك (١). المبحث التاسع: وفاته: بعد حياةٍ مليئةٍ بالعلم والرحلة فيه، والتدريس والتأليف، والفتوى والقضاء؛ أَزِفَ وقتُ رحيل الحافظ ابن حجر، فابتدأ المرضُ به في ذي القعدة من سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة (٨٥٢ هـ)، فألمّ بمعدتِه ألمٌ شديدٌ، تَعِبَ معه، ومع ذلك لم يترك هذا الجبل الأشمّ جُمعةً، ولا جماعة. وكان ﵀ يستشعر دُنُوَّ أجله، فكان إذا أُخبر بالمنامات وشبهها ممّا يدل على رجاء تعافيه وحصول بُرئه يقول: (أما أنا فلا أراني إلا في تناقصٍ، وما أظن الأجل إلا قد قَرُب)، ثمّ يُنشد: ثاءُ الثلاثين قد أوهت قُوى بدني … فكيف حاليَ في ثاء الثمانينا ويقول: (الله حرمتني عافيتَك، فلا تحرمني عفوَك). ثمّ اشتدّ به الخطبُ وعظم الكرب، وهو في كل هذا يستقبل من يعوده، ويتودّد إلى من يزوره، حتى إذا كان يوم الثلاثاء رابع عشري ذي الحجة حضر عنده قاضي المالكية البدر بن التَّنَسي (٢) مع جماعةٍ للسلام عليه - على العادة، فأطال الجلوس معه واستأنس به، وبعد أن خرجوا من عنده استدعى الحافظُ بوضوء، وأخذ يتوضأ، فما تمكّن من إتمامه، ومن يومئذٍ _________ (١) انظر: "الجواهر والدرر" (١/ ٣٧٥). (٢) هو بدر الدين محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن محمد بن عطاء الله السَّكندريّ ثم القاهريّ المالكيّ، مات سنة ثلاثٍ وخمسين وثمانمائة (٨٥٣ هـ). انظر ترجمتَه في: "الضوء اللامع" (٧/ ٩٠ - ٩٢).

стр. 52

استفحل مرضُه جِدًّا، بحيث صار يُصلي الفرضَ جالسًا، وتركَ قيام الليل، وصُرِعَ يوم الأربعاء، ثمّ تكرّر له ذلك، وسُمِعَ منه يوم الجمعة عند الأذان لها إجابةُ المؤذِّن. إلى أن توفّي ليلة السبت ثامن عشري ذي الحجة، بعد العشاء بنحو ساعة. ثمّ أُخذ أُخذ في تجهيزه وغسله يوم السبت، وكُفِّنَ في إزارٍ في وسطه ساترٍ للعورة، شُدَّ بحفاظ ولُفافتينِ لجميع بدنه، وقميصٍ، وعمامةٍ. فكانت ساعةً عظيمةً وأمرًا مهولًا، فأقفلت الأسواق والدَّكاكين، واجتمع في جنازته من الناسِ ما لا يُحصيه إلا الله ، ويُقال: إنّه حُزِرَ من مشى في جنازتِه بنحو خمسين ألف إنسان، وتولّى الأمراءُ - مُقدَّمو الألوف - حملَ جنازتِه. ورام عَلَمُ الدين البُلقيني الصلاةَ عليه إمامًا، فأخّره السلطان جقمق، وأشار إلى أمير المؤمنين الخليفة العباسي (١) بالتقدُّم، ويُقال: إنه قال: (هو أمير المؤمنين وأنت أمير المؤمنين)، فصلّى بالناس عليه. ثم توجّهوا إلى محل دفنه، ولما انتهوا من دفنه أخذوا في الدعاء له ساعةً طويلةً. وصُلِّيَ عليه صلاة الغائب بمكة المكرمة، وبيت المقدس، وحلب، وغيرها من البلدان. _________ (١) هو أبو الربيع سليمان بن محمّد بن أبي بكر بن سليمان العباسيّ الهاشميّ، المستكفي بالله بن المتوكل على الله، امتدت خلافته من سنة خمس وأربعين وثمانمائة (٨٤٥ هـ) إلى حين وفاته سنة خمس وخمسين (٨٥٥ هـ). انظر ترجمتَه في: المصدر السابق (٣/ ٢٦٩).

стр. 53

ورُئيت فيه منامات، وكُتبت فيه مرثيات (١). فرَحِمَ اللهُ تعالى هذا الحافظَ الكبيرَ، الّذي أفنى عُمره في خدمة السنة النبوية ونشرها ورفع درجتَه في المهديين. * * * _________ (١) انظر: "الجواهر والدرر" (٣/ ١١٨٥ - ١٢٠٣).

стр. 54

الفصل الثاني دراسة كتاب "تهذيب التهذيب" وفيه ثمانية مباحث: المبحث الأول: تحقيق اسم الكتاب، وتوثيق نسبته إلى المؤلِّف: إن من الأصول العلمية للتأكد من اسم كتاب من كتب أهل العلم: نصّ المؤلِّف على اسمه فيه، أو في غيره من مؤلَّفاته، فيكون على حَدِّ المثل السائر: (قطعت جهيزةُ قولَ كلِّ خطيب). والناظرُ في هذا الكتاب يجد أنّ مؤلِّفَه الحافظَ ابنَ حجر لم ينص في خطبته ولا خلاله - حسب اطلاعنا - على تسميته بـ: "تهذيب التهذيب"، إلا أن المتتبع لكتب الحافظ الأخرى يجده في بعضها قد نَصَّ على ذلك؛ ومن ذلك: قوله في كتابه "تعجيل المنفعة" (١): (وكنتُ قد لخصتُ "تهذيب الكمال"، وزدتُ عليه فوائدَ كثيرةً، وسَمَّيْتُه: "تهذيب التهذيب"، وجاء نحو ثلث الأصل). وقال في "فتح الباري" (٢): (وقد بيّنتُ ذلك في "تهذيب التهذيب"). وقال في "القول المسدد في الذب عن مُسْنَد الإمام أحمد" (٣): (فقد استوعبت كلام المتقدمين فيه [يعني إسماعيل بن عياش] في كتابي "تهذيب التهذيب"). _________ (١) (١/ ٢٣٦). (٢) (١٣/ ٣٢٤). (٣) (ص ١٣).

стр. 55

وقد يُطلق عليه اختصارًا: "التهذيب"؛ كما في قول الحافظُ نفسه: (لستُ راضيًا عن شيءٍ من تصانيفي؛ لأني عملتُها في ابتداء الأمر، ثم لم يتهيّأ لي من يُحرِّرها معي سوى "شرح البخاريّ"، و "مُقدِّمته"، و "المشتبه"، و"التهذيب" و"لسان الميزان" (١). كما قد يَصِفُه الحافظُ بالمختصَر؛ باعتبار أنه مُختصَرٌ من كتاب "تهذيب الكمال"؛ كما في قوله نهاية المجلد الأوَّل من نُسخته الخطية: (آخرُ المجلدة الأولى من مُخْتَصَر التَّهذيب؛ على يد مُخْتَصِره أحمد بن علي بن مُحمَّد بن حَجَر عفا الله تعالى عنه، وذلك في ثالث عشر جُمَادى الأولى سنة سَبْع وثمانمائة بالقاهرة) (٢). وقال أيضًا في نهاية الكتاب: (وقد كُتِبَتْ من هذا الكتاب غيرُ نُسخةٍ، ثم إنني في زمن الاشتغال ألحقتُ فيه أشياء كثيرةً، وظهر من هوامش هذه النُّسخة أنْ هي نسخة الأصل، فمن ظَفِرَ بها ممّن له نُسخة من هذا المختصر فَلْيُلْحِقْها، فإنِّي ألحقتُ فيها تراجم كثيرةً جدًّا في سنة ستٍّ وسبعٍ وأربعين … ) (٣). وقال في موضعٍ آخر: ( .... والذين ألحقتهم من رواية ابن الأحمر أضعاف ذلك، وأرجو إذا تم ذلك أن أُجَرِّدَ جميع ما زاد على "التهذيب" في هذا المختصَر في كتاب مُفْرَد يكون ذيلًا عليه ينتفع (٤) به من له نسخة قبل التهذيب، وبالله التوفيق) (٥). وقد جاء وصفُه لهذا الكتاب "تهذيب التهذيب" بالمختصَر في كُتبه _________ (١) انظر: "الجواهر والدرر" (٢/ ٦٥٩). (٢) انظر: النسخة الخطية الأصل (١/ ق ٢٩٩/أ). (٣) انظر الأصل (٣/ ق ٣١٤/أ). (٤) طُمِسَت الحروف الثلاثة الأولى من هذه الكلمة في الأصل. (٥) انظر: الأصل (٣/ ٣١٤/ أ).

стр. 56

الأخرى أيضًا؛ فقد قال في ترجمة إبراهيم بن أعين من كتابه من كتابِه "لسان الميزان" (١): (أشبعتُ القولَ فيه في مُختصر "التهذيب") (٢). وفي معنى ذلك: وصفُه له بتلخيص "التهذيب"؛ كما في كتابِه "التمييز في تخريج أحاديث شرح الوجيز" (٣). وأما عن صحة نسبته مؤلِّفًا إلى الحافظَ ابنَ حجر فهو أمرٌ لا ريبَ فيه، ويدل على ذلك عدة أمور: أولُها: نَصُّ المؤلِّف نفسه على أنّ هذا الكتاب من تصانيفه، كما تقدَّم نَقْلُه عنه آنفًا في كتابيه "تعجيل المنفعة" و "القول المسدَّد". وكذا فيما نقله تلميذه السخاوي في "الضوء اللامع" (٤) عنه أنه قال في ترجمة حماد بن عبد الرحيم بن علي بن عثمان المعروف بابن التركماني: (وكان شديدَ المحبّة للحديثِ وأهلِه، ولمحبتِه فيه كَتَبَ كثيرًا من تصانيفي ك: "تغليق التَّعْلِيق"، و"تهذيب التَّهْذِيب"، و "لسان الميزان، وغير ذلك). ثانيها: اشتهار نسبة الكتاب إليه، بل تواتر ذلك واستفاضته، بحيث يقطع المطلِع المتخصِّص في هذا العلم بكونه له، ولا يتخلّله من ذلك أدنى شكّ. ثالثها: أن العلماء الذين عُنوا بذكر تصانيف الحافظَ ابنَ حجر ممّن ترجموا له نسبوه مُصنِّفًا إليه، كتقيِّ الدين بن فهد في "لحظ الألحاظ" (٥)، والسخاويِّ في "الجواهر والدرر" (٦). _________ (١) (١/ ٢٤٦). (٢) وانظر أيضًا: "إتحاف المهرة" (٩/ ٥٤٩) (١٣/ ٤٨٥)، و"تغليق التعليق" (٢/ ٤٧٠). (٣) (٢/ ١٣٢٢). (٤) (٣/ ١٦٢؛ برقم ٦٢٢). (٥) (ص ٣٣٣). (٦) (٢/ ٦٨٢).

стр. 57

رابعها: أن عددًا من أصحاب الفهارس نسبوا هذا الكتاب إليه، كالكتاني في "الرسالة المستطرفة" (١)، وحاجي خليفة في "كشف الظنون" (٢). خامسها: أن النسخ الخطية للكتاب متفقةٌ على نسبته مؤلَّفًا إليه؛ ففي صفحة عنوان النسخة المحمودية - مثلًا - كتب ابن حسّان - ناسخُها - بخطِّ يده: (الأول من "تهذيب التهذيب"؛ لشيخنا حافظ العصر ابن حجر) (٣). سادسها: كثرة إحالات الحافظَ ابنَ حجر نفسه على هذا الكتاب في كتبه الأخرى؛ كـ "الفتح"، و "اللِّسان"، و"تعجيل المنفعة"، وغيرها؛ قائلًا: (وقد بيّنتُ ذلك في "تهذيب التهذيب") (٤)، أو (حرّرتُ ذلك في "تهذيب التهذيب" (٥)، ونحو ذلك. سابعها: وهو عكس الذي قبله؛ حيث يُحيل الحافظ في هذا الكتاب على كتبه الأخرى، كقوله في ترجمة عُمر بن راشد الجاريّ من "تهذيب التهذيب": (وقد ذكرتُ له ترجمةً طويلةً في " (لسان الميزان) (٦). وقولِه في ترجمة حَنَش بن المعتمر الكوفيّ: (وقد بينتُ ذلك في كتابي "الإصابة") (٧). وقوله في ترجمة مطعم بن المقدام الصَّنعاني: (وقد بيّنت ذلك في "تخريج أحاديث الأذكار") (٨). _________ (١) (ص ٢٠٩). (٢) (٢/ ١٥١٠). (٣) (١/ ق ١/ أ). (٤) "فتح الباري" (١٣/ ٣٢٤). (٥) "تعجيل المنفعة" (١/ ٣٩٠). (٦) (٧/ ٤٤٦ - ٤٤٧؛ ط. الهندية). (٧) "تهذيب التهذيب" (٣/ ٥٨ - ٥٩). (٨) المصدر السابق (١٠/ ١٧٧).

стр. 58

وقوله في ترجمة المطَوِّس عن أبي هريرة: (وبينتُ ذلك في "تغليق التعليق") (١). ثامنها: نقل بعض أهل العلم في كتبهم نصوصًا عن الحافظ ابن حجر، وهي بحروفِها في هذا الكتاب مثل: قول الحافظُ السخاويِّ في ترجمة إسحاق بن سعد بن عُبادة الخزرجي من كتابه "التحفة اللطيفة" (٢): (قال شيخُنا: وينبغي إن صح سماعُه من أبيه أن يُذكر في الصحابة؛ لأن أباه مات بعد النَّبيِّ ﷺ بيسيرٍ) اهـ. وهذه العبارة بحروفها قالها الحافظُ ابن حجر في الترجمة المذكورة من "تهذيب التهذيب" (٣). وقال السخاويُّ أيضًا في ترجمة شعبة بن دينار الهاشمي من "التحفة" (٤): (قال) [يعني أبا الحسن بن القطان]: ومالكٌ لم يُضعِّفه، وإِنَّما شحَّ عليه بلفظ: "ثقة". قال شيخُنا: وهذا التأويل غيرُ سائغٍ؛ بل لفظة: "ليسَ بثقةٍ" في الاصطلاح توجب الضَّعف الشَّديد، وقد قال ابن حِبَّان: روى عن ابن عبَّاس ما لا أصل له حتَّى كأنَّه ابن عبّاس آخر. انتهى). وهذا الكلام بحروفه قاله الحافظَ ابنَ حجر في الترجمة المذكورة من "تهذيب التهذيب" (٥). آخرُها: السماع المثبَت بخط الحافظ السخاويِّ في آخر المجلد الأول نسخة ولي الدين -؛ النسخة الأصل لهذا الكتاب؛ وفيه: (الحمدُ الله، _________ (١) المصدر السابق (١٠/ ١٨٠). (٢) (١/ ٢٩١). (٣) (١/ ٢٣٣). (٤) (٢/ ٢٢٠). (٥) (٤/ ٣٤٧).

стр. 59

وسلامٌ على عباده الذين اصطفى وبعد: فقد سَمِعَ جميع هذا المجلد على مؤلِّفه؛ سيدنا ومولانا وشيخنا، شيخ الإسلام والحفاظ، ملك العلماء الأعلام، أمير المؤمنين في الحديث أبي الفضل، شهاب الملة والدين، أحمد العسقلاني، الشهير بابن حجر، أدام اللهُ النفعَ به للمسلمين، بقراءة الشيخ الإمام العلّامة مفتي المسلمين شمس الدين محمّد بن حسّان الموصليّ نفع الله به: كاتبُه (١) العُبيد أبو الخير محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عثمان السخاوي الشافعيّ - غفر اللهُ ذُنوبه، خلا فواتات فقرأتُها فكمل، والشيخُ المحدِّثُ المفيد شمس الدين محمّد بن علي بن قمر الحُسينيّ سكنًا بفواتاتٍ مضبوطةٍ عنده، وجماعةٌ آخرون مفوتون .. ، كتبه محمّد السخاوي - غفر الله ذنوبَه -) (٢). المبحث الثاني: موضوع الكتاب، والغرض من تأليفه: موضوع كتاب "تهذيب التهذيب" هو: ذِكْرُ الرواة الذين أخرج لهم أصحاب الكتب الستة في شيءٍ من كُتبهم الستة أو مُلحقاتها، والترجمة لهم؛ ببيان بعض شيوخهم وتلاميذهم، وأقوال أئمة الجرح والتعديل فيهم، وبعض ما قيل في وفياتهم، وغير ذلك. وقد اختصرَ فيه الحافظُ ابن حجر كتابَ "تهذيب الكمال" الذي ألّفه الحافظُ المزيُّ، وهذَّبه، وزاد عليه زياداتٍ كثيرةً. والذي دفع الحافظ إلى تهذيبِه واختصارِه: هو ما رآه من إطالة المزيِّ لكتابه؛ تارةً بمحاولة استقصائه لشيوخ المترجَم وتلاميذه، وتارةً بالأحاديث التي يُخرِّجها بإسنادِه من مروياته العالية، وتارةً بما يُورده في _________ (١) مُتعلِّقةٌ بـ: (سَمِعَ جميعَ هذا المجلد على مؤلِّفه). (٢) (١/ ق ٢٩٩ /أ).

стр. 60

التراجم من مناقب وسِيَرٍ لا تخدم جانبَ الجرح والتعديل - المقصودَ الأهمَّ من الكتاب -، وأنّ جميعَ ما عُمل - ممَّن سبقه - على "تهذيب الكمال" من اختصارٍ أو استدراكٍ؛ غيرُ كافٍ، ولا شافٍ. قال الحافظُ في خطبة كتابِه: (فاستخرتُ الله تعالى في اختصار "التهذيب"، على طريقةِ أرجو الله أن تكون مستقيمةً، وهو أنني أقتصرُ على ما يفيد الجرح والتعديل خاصّة، وأحذفُ منه ما أطال به الكتاب من الأحاديث التي يُخرِّجها من مروياته العالية من الموافقات، والأبدال، وغير ذلك من أنواع العلو؛ فإنّ ذلك بالمعاجم والمشيخات أشبه منه بموضوع الكتاب. . .) (١). وأصرحُ من ذلك قولُه في "تعجيل المنفعة" (٢): (وإنّما حَدَا على عمل " تهذيب التهذيب" أنّ العلامةَ شيخَ شيوخِنا علاء الدين مُغلطاي وَضَعَ عليه -[أي: "تهذيب الكمال" للمزيّ]- كتابًا سَمَّاه "إكمال تهذيب الكمال". … ، وجاء كتابًا كبيرًا، يقرب حجمُه من حجم "التهذيب". … فعمدتُ أنا إلى "التهذيب"، فلَخَّصْتُه؛ بأن حذفتُ منه الأحاديثَ التي يسوقها المزيُّ بأسانيده من رواية ذلك الشخص المترجم؛ فإنّ ذلك بالمعاجم والمشيخات أشبه، وكذلك ما يُورِدُه من مناقب الصحابة والأئمة، ومن سِيَرِ الملوك الملوك والأُمراء في تراجمهم؛ لأنّ لذلك محلًّا آخر، وموضوعُ الكتاب إنما هو لبيان حال الشخص المترجَم من جرحٍ أو تعديلٍ فاقتصرتُ على ما في كتابِه من ذلك، وأضفتُ إليه ما في كتاب مُغلطاي من هذا الغرض، مُتَجَنِّبًا ما ظهر لي أنّه وَهِمَ فيه غالبًا … ثم تتبعتُ - بمبلغ نظري وتفتيشي - على ما يتعلق بهذا الغرض بعينه، فألحقتُ في كلِّ ترجمة ما عثرتُ عليه من ذلك). _________ (١) "تهذيب التهذيب (١/ ٣؛ ط. الهندية). (٢) (١/ ٢٤٢ - ٢٤٣).

стр. 61

المبحث الثالث: أهمية الكتاب، ومميزاته وثناء العلماء عليه: لقد وَفَّقَ اللهُ ﵎ الحافظَ ابنَ حجر أيّما توفيق في تصنيفه لهذا الكتاب؛ حيث امتاز بجُملةٍ من المميِّزات التي أكسبته أهميةً بالغةً عند العلماء كافَّةً، ولا سيما علماء الحديث. وتتمثّل هذه الأهمية في أوجهٍ عديدةٍ، منها: أوّلًا: غزارة مادته العلمية فيما يتعلّق بأقوال الأئمة في الرواة جرحًا وتعديلًا، بل أصبح هذا الكتابُ أهمَّ الكتب التي أَلَّفَها الحفّاظُ المتأخرون فيما يخص هذا الجانب. وذلك أن مؤلِّفَه الحافظُ ابنَ حَجَر جَمَعَ فيه مقصودَ موسوعتينِ كبيرتينِ في هذا الفنّ هما: "تهذيب الكمال" للحافظ المزيّ، و"إكمال تهذيب الكمال" للعلّامة مُغلطاي وزاد عليهما كثيرًا من الزيادات المهمة التي لا يُستغنى عنها، فصار من أوعب الكتب التي حوت أحكامَ الأئمةِ النُّقَّادِ على الرواة جرحًا وتعديلًا. ثانيًا: كون هذا الكتاب يخدم أصول دواوين السُّنَّة، وأُمَّات كتب الحديث؛ وذلك بخدمتِه لرجال الكتب السِّتة، وبعض المؤلَّفات الأخرى لأصحاب الكتب الستة. ثالثًا: عناية الحافظ بتحريرِ هذا الكتاب ومراجعته، فأضحى من جملة تصانيفِه التي ارتضاها وقد تقدَّم عنه قوله: (لستُ راضيًا عن شيءٍ من تصانيفي؛ لأني عملتُها في ابتداء الأمر، ثم لم يتهيّأ لي من يُحرِّرها معي، سوى "شرح البخاريّ"، و "مُقدِّمته"، و "المشتبه"، و "التهذيب"، و "لسان الميزان" (١). _________ (١) انظر: "الجواهر والدرر" (٢/ ٦٥٩).

стр. 62

ومن شدة عنايتِه بهذا الكتاب أنه كان يُديم النظرَ فيه، ويُضيف ما يراه مُهمًّا من الزيادات والتعقُّبات والاستدراكات ويؤكِّد ذلك: ما كتبه في آخر النسخة الأصل، ونصُّه: (وقد كُتِبَت من هذا الكتاب غيرُ نُسخةٍ، ثم إنني في زمن الاشتغال ألحقتُ فيه أشياء كثيرةً، وظهر من هوامش هذه النُّسخة أنْ هي نسخة الأصل، فمن ظفر بها ممّن له نُسخة من هذا المختصَر فَلْيُلْحِقْها، فإنّي ألحقتُ فيها تراجم كثيرةً جِدًّا في سنة ستٍّ وسبعٍ وأربعين. . .) (١). وكذا مُراسلته لتلميذِه عُمر بن النجم محمّد محمّد محمّد بن فهد المكي، والتي أوصاه فيها باصطحاب كتاب والده لإلحاق جميع ما أضافه الحافظُ - بعدُ - في "تهذيب التهذيب"، وفي هذه المراسلة قال له: (والمسؤولُ من فضله إبلاغ سلام العبد على الوالد، وتعريفه بأنه تَجَدَّدَ في "تهذيب التهذيب" الذي كان اطّلع وضَمَّه إلى أصل "التهذيب"، وتَعِبَ فيه ذلك التَّعَب، وهو محتاجٌ إلى إلحاق ما تَجَدَّد للعبد فيه من الزيادات والتعقُّبات والاستدراكات في هذه المدة، ممّا لَعَلَّه لو جُرِّد لكان قدر مجلِّد، فإن تيسَّر وصولكم فليكن كتابُ الوالدِ صُحبتكم؛ لتُلحقوا فيه المتجدِّدات المذكورات - إن شاء الله تعالى -) (٢). بل بلغ الأمرُ من ذلك أنّه ألحق في ترجمة إبراهيم بن يزيد النخعي (٣) من النسخة الأصل فَرْخَةً تَضَمَّنَت أربعةَ أسطرٍ من إضافاتِه (٤)، وكَتَبَ في آخرها: (أُلحق سنة ٨٥٢)، أي في السَّنَةِ التي تُوفِّي فيها عليه -رحمةُ الله-. _________ (١) (٣/ ق ٣١٤/أ). (٢) انظر: "الجواهر والدرر" (٣/ ١١٢٣). (٣) الترجمة رقم (٢٩١). (٤) (١/ ق ٣٥/ أ).

стр. 63

وقال في ترجمة عبد الرحمن بن فَرُّوخ العَدَويُّ (١): (وزعم الحاكم أن البخاريَّ ومسلمًا إنما تركا إخراج حديث عبد الرحمن بن فَرُّوخ هذا؛ لأنَّه لم يَرو عنه غير عَمرو بن دينار، يعني تركا أحاديثه الموصولةَ، وهو على قاعدته في أنَّ شرط مَن يُخرَّج له في "الصحيح" أن يكون له راويان، وقد تناقَض هو فادَّعى أَنّ هذا شرطهما، ثم استدرك عليهما أشياء مما يُخالِف ذلك، ولا يرد منها شيءٌ؛ لأنَّهما لم يُصرِّحا باشتراط ذلك، بل يقوم مقام الراوي الثاني: الشهرةُ مثلًا. وقد بَدا لي فاستدركتُ كُلّما اطّلعتُ عليه مما هذا سبيله، فإن كان الاسم مُترجَمًا له بغير رقم نَبَّهتُ على أنَّه فاته الرقم؛ وإلا فالترجمة كاملة، وأُعَيِّن الباب الذي وَقَع ذِكْره فيه، والسند كذلك، مع ما أَطّلِع عليه من حال الراوي المذكور إن شاء الله تعالى وكان تَتبُّعي لذلك بعد تَبييض النسخة مِن هذا المختصر بأربعين سنة). رابعًا: إفادة الحافظُ في كتابه هذا من سعة الاطلاع التي حباه الله تعالى إيَّاها؛ ومن مظاهر ذلك: ١ - نقله من مصادر لم يُعثَر عليها حتى الآن؛ ومن ذلك: كتاب "زهْرَة المتعلِّمين" لأحد علماء المغرب، وكتاب "تاريخ مصر" لابن يونس، وكتاب "الألقاب" للشيرازي، و"ذيل الاستيعاب" لابن فتحون، و "التاريخ" لمطيِّن، و "علل حديث الزهري" للذهلي، وغير ذلك ممّا سيأتي عند الكلام عليه من موارد الحافظ. ٢ - ذكره لنقول - تفيد في بيان حال الراوي - من كُتُبٍ لم تشتهر بذكر الرواة وبيان حالهم من حيث الجرح والتعديل؛ ومن أمثلة ذلك: _________ (١) الترجمة رقم (٤١٧٧).

стр. 64

أنه قال في ترجمة عبد الله بن عُمر بن حفص العُمري (١): (وأورد له يعقوب بن شيبة في "مسنده" حديثًا؛ فقال: هذا حديث حسن الإسناد مدنيٌّ). وقال في ترجمة عبد الرحمن بن طلحة الخزاعي (٢): (قال أبو عبد الله بن القيم في كتاب فضل الصلاة على النبي ﷺ : مجهول لا يُعرَف في غير هذا الحديث، ولم يذكره أحدٌ من المتقدِّمين. انتهى). خامسًا: حرص الحافظ على عدم خُلُوِّ هذا الكتاب من الأسانيد، التي اختصّ الله ﵎ بها هذه الأُمّة؛ ومن ذلك: قولُه في ترجمة أبان بن أبي عياش (٣): (قرأتُ على إبراهيم بن محمّد بمكة: أخبركم أحمدُ بنُ أبي طالب، عن أبي المنَجَّا بن اللَّتِّي، أنّ أبا الوقت أخبره، أخبرنا عبد الرحمن بنُ عَفيف أخبرنا ابن أبي شُريح، أخبرنا أبو القاسم البغويّ، حدّثنا سويدُ بنُ سعيد، سمعتُ عليَّ بن مسهر قال: كَتَبْتُ أنا وحمزة الزيّات عن أبان سماعًا نحو خمسمائة حديث، فلَقِيتُ حمزةَ، فأخبرني أنّه رأى النبيَّ ﷺ في المنامِ، قال: فعَرَضْتُها عليه، فما عَرَفَ منها إلّا اليسير - خمسة أو ستة، فتركْنا الحديثَ عنه. رواها مسلمٌ في مقدّمةِ كتابه عن سويد، فوَافَقْناه بعُلُوّ درجتين، ورواها ابن أبي حاتم عن أبيه عن سويد) اهـ. وقولُه في ترجمة سعيد بن المسَيّب (٤): (قلت: وقد وقع لي حديثٌ بإسنادٍ صحيحٍ لا مَطعن فيه، فيه تَصريحُ سعيدٍ بسَماعِه من عُمر، قرأتُه على خديجة بنت سلطان، أنبأكم القاسم بن مُظَفَّر شَفاهًا، عن عبد العزيز بن _________ (١) الترجمة رقم (٣٦٥٣). (٢) الترجمة رقم (٤١٠١). (٣) الترجمة رقم (١٤٧). (٤) الترجمة رقم (٢٥١٣).

стр. 65

دُلَف، أنَّ علي بن المبارك بن نغوبا، أخبرهم، أخبرنا أبو نُعَيم مُحمَّد بن أبي البركات الجُمَّاري أخبرنا أحمد بن المظَفَّر بن يَزداد، أخبرنا الحافظ أبو محمّد عبد الله بن محمّد بن عُثمان السَّقاء، حدَّثنا أبو خليفة، حدَّثنا مُسَدَّد في "مسنده"، عن ابن أبي عَدِيٍّ، حدَّثنا داود - وهو ابن أبي هند، عن سعيد بن المسَيَّب قال: سمعتُ عُمَر بن الخَطَّاب على هذا المنبر يقول: عسى أن يكون بعدي أقوامٌ يُكَذِّبُون بالرَّجم، يقولون لا نَجدُه في كتاب الله، لولا أن أَزِيد في كتاب الله ما ليس فيه لكَتَبتُ أنَّه حقَّ؛ قد رَجَم رسولُ الله ﷺ ، وَرَجَم أبو بكر، ورجمتُ هذا الإسناد على شرط مُسلم). سادسًا: كثرة الفوائد التي أودعها الحافظُ كتابه هذا، وتنوُّعها؛ ومن ذلك: [عنايته ببيان كيفية رواية الأئمة لصاحب الترجمة] ومن أمثلة ذلك: قوله في ترجمة عبد الله بن عيّاش القتباني (١): (حديث مسلم في الشواهد، لا في الأصول). وقال في ترجمة عبد الله بن المسيب بن أبي السائب (٢) عن حديثه: (هو في البُخاريِّ ضِمْنًا). وقال في ترجمة عبد الله بن هانئ بن عبد الله (٣) عن حديثه الذي عند مسلم: (في المتابعات). _________ (١) الترجمة رقم (٣٦٨٨). (٢) الترجمة رقم (٣٧٩٦). (٣) الترجمة رقم (٣٨٥٣).

стр. 66

[تنبيهه على اختلاف روايات الكتب الحديثية ونُسَخها] ومن أمثلة ذلك: قوله في ترجمة عبد الله بن عَتيك (١): (الصواب: ابن عُبَيد. .. وهكذا وقع في "السنن الكبرى" رواية ابن الأحمر عن النسائي في جميع طرقه). وقال في ترجمة عبد الله بن مضارِب (٢): (وهو عُبيد الله؛ كذا وقع في بعض نُسَخ كتاب "الأدب" مُصَغَّرًا، وفي بعضها وقع مُكَبَّرًا، وهو تصحيفٌ من الناسخ). وقال في ترجمة عبد الله بن هرمز اليماني (٣): (ووقع في بعض نسخ "الترمذي": عبد الله بن مسلم بن هُرْمُز، وعليه اعتمد ابن عساكر في "الأطراف"). وقال في ترجمة عبد الرحمن بن محمّد بن أبي بكر الصديق (٤): (كذا وقع في بعض نُسخ "الترمذي"، وفي سائر الأصول الصحيحة: عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمّد بن أبي بكر، عن أبيه، عن عائشة؛ وهو الصواب). [اعتذاره لبعض الرواة، وانتقاد من تكلَّم فيهم] ومن أمثلة ذلك: قوله في ترجمة أبان بن يزيد العطّار (٥): (وقد ذَكَرَه ابن الجوزي في _________ (١) الترجمة رقم (٣٦٢٦). (٢) الترجمة رقم (٣٧٩٨). (٣) الترجمة رقم (٣٨٥٧). (٤) ترجمة عقب الترجمة رقم (٤١٩٨). (٥) الترجمة رقم (١٤٨).

стр. 67

"الضُّعفاءِ"، وحَكَى مِن طريقِ الكُدَيْميّ، عن ابن المديني، عن القطّانِ، قال: أنا لا أروي عنه. ولمْ يَذكُرُ مَن وَثَّقَه! وهذا مِن عُيوبِ كتابِه؛ يَذكرُ مَن طَعَنَ في الراوي، ولا يُذكرُ مَن وَثَّقَه والكُدَيْميُّ ليس بمُعْتَمَدٍ). وقال في ترجمة إبراهيم بن سعيد الجوهريّ (١): (وفي "تاريخ الخطيب" عن ابن خراش قال: سمعتُ حجّاج بنَ الشاعر يقول: رأيتُ إبراهيمَ بنَ سعيد عند أبي أبي نُعيم، وأبو نُعيم يقرأ، وهو نائم. وكان الحجّاجُ يَقَعُ فيه. قلت: وابنُ خِراش رافضيٌّ، ولَعَلَّ الجوهريَّ كان قد سَمِعَ ذلك الجزءَ من أبي نُعيم قبل ذلك). وقال في ترجمة سعيد بن محمّد الجرمي (٢): (وقال إبراهيم بن عبد الله بن أيُّوب المخَرِّميُّ: كان إذا جاءَ ذِكْرُ علي بن أبي طالبٍ، قال له ﷺ . قلتُ: أُخِذ من هذا أنَّه شِيْعيُّ، وفي ذلك نَظَرٌ). [تعريفه ببعض المذاهب العقدية المنحرفة] ومن أمثلة ذلك: قوله في ترجمة أبان بن تَغْلِب الكوفيّ (٣) مُعلِّقًا على قولِ الجُوزجاني فيه: (زائغٌ، مذمومُ المذهبِ (مجاهِرٌ) وقول ابن عَدِي: (له نُسَخٌ عامّتُها مستقيمةٌ - إذا روى عنه ثقةٌ، وهو مِن أهلِ الصّدقِ في الروايات، وإنْ كان مذهبُه مذهبَ الشيعةِ، وهو في الروايةِ صالحٌ لا بأسَ به) - قال الحافظُ: (قلتُ: هذا _________ (١) الترجمة رقم (١٨٨). (٢) الترجمة رقم (٢٥٠٣). (٣) الترجمة رقم (١٤٠).

стр. 68

قولُ مُنصف، وأمّا الجُوزجانيُّ فلا عبرةَ بِحَطِّه على الكوفيين، فالتشيُّعُ في عُرْفِ المتقدّمينَ هو اعتقاد تفضيلِ عليٍّ على عثمان، وأنّ عليًّا كان مصيبًا في حروبِه، وأنّ مخالفَه مخطئٌ، مع تقديمِ الشيخينِ وتفضيلِهما، وربّما اعتقدَ بعضُهم أنّ عليًّا أفضلُ الخَلْقِ بعد رسولِ اللهِ ﷺ ، فإذا كان مُعْتَقِدُ ذلك وَرِعًا دَيِّنًا صادِقًا مجتهِدًا فلا تُرَدّ روايته بهذا، لاسيّما إنْ كان غيرَ داعيةٍ. وأمّا التشيُّعُ في عُرْفِ المتأخرين فهو الرَّفْضُ المحضُ، فلا تُقبَلُ روايةُ الرافضيِّ الغالي، ولا كرامة). وقال في ترجمة إسماعيل بن سُميع الحنفيّ البَيْهَسيّ (١): (البَيْهَسيَّةُ طائفةٌ من الخوارجِ، يُنسَبُونَ إلى أبي بَيْهَس - بموحدةٍ مفتوحةٍ، بعدها مثنّاةٌ مِن تحت ساكنةٌ، وهاءٌ مفتوحةٌ، وسين مهملةٌ، وهو رأسُ فرقةٍ مِن طوائفِ الخوارج من الصُّفْرية، وهو ية، وهو موافِقٌ لهم في وجوبِ الخروجِ على أئمةِ الجورِ، وكلُّ مَنْ لا يَعتقِدُ معتقدَهم عندهم كافرٌ، لكنْ خالفَهم بأنّه يقول: إنّ صاحبَ الكبيرةِ لا يَكفر، إلّا إذا رُفِعَ إلى الإمام، فأُقيمَ عليه الحدُّ، فإنّه حينئذٍ يحكم بكُفْرِه. [بيانه لبعض الرواة المهملين في الأسانيد] ومن أمثلة ذلك: قوله في ترجمة إسحاق غير منسوب (٢): (وفي "الصَّحِيحِ" أيضًا عن إسحاق - غير منسوب -، عن جرير، وجعفر بن عون، وحَبَّان بن هلال، وأبي أسامة، وروح بن عُبادة، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وعبد الرّزّاق، وعبد القدّوس بن الحجاج أبي المغيرة، وعُبيد الله بن موسى وعيسى بن يونس، والفضل بن موسى، وأبي عامر _________ (١) الترجمة رقم (٤٩٢). (٢) الترجمة رقم (٤٣٣).

стр. 69

العَقَدي، وعبدة بن سليمان ومعتمر بن سليمان ومحمّد بن المبارك الصّوري والنّضر بن شُميل ووهب بن جرير بن حازم، ويزيد بن هارون، ويعقوب بن إبراهيم. وهو في هذه المواضعِ كُلِّها إما إسحاق بن إبراهيم المعروف بابنِ راهُويه، أو إسحاق بن منصور. ويمكن أنْ يتميّزَ بالصّيغةِ، فإن كانت بلفظِ "أخبرنا" فهو ابن راهويه؛ لأنّ ذلك دَيْدَنُه، فيخفّ التّردُّدُ). وقال في ترجمة كَعْب بن عاصم الأَشعَريّ (١): (وأطالَ القولَ فيه أبو أحمد الحاكم، ثم قال: واعتمدتُ في كنيته على حكاية إسماعيل بن أبي أُوَيس، قال: حدَّثني إسماعيل بن عبد الله خالد، عن أبيه، عن جدِّه، قال: سمعتُ أبا مالك الأَشعَري كَعب بن عاصم، انتهى. وخالد هذا هو: خالد بن سعيد مولي ابن جُدْعَان، فعلى هذا فأبو مالك الأَشعَري الذي يروي عنه عبد الرحمن بن غَنْم وغيره - وقيل إِنَّ اسمه الحارث بن الحارث، وقيل غير ذلك هو آخر غير هذا، وإن كانا اشتركا في الكُنية، والله أعلم. [تنبيهه على الأوهام الواقعة في جمع الرواة أو تفريقهم] ومن أمثلة ذلك: قوله في ترجمة إبراهيم بن يزيد بن مَرْدَانبه المخزوميّ (٢): (قلتُ: جَعَلَه صاحبُ "الكمالِ" هو الخُوزيّ، فَخَلَطَ التّرجمتيْنِ، فقال: إبراهيمُ بنُ يزيد بن _________ (١) الترجمة رقم (٥٩٤٦). (٢) الترجمة رقم (٢٩٢).

стр. 70

مردانبه القرشيّ المكيّ الخوزي، سَكَنَ شعب الخوز بمكّة، وقال في آخرِ التّرجمةِ: روى له التّرمذيُّ والنّسائيُّ وابنُ ماجه. والصّوابُ مع المزيِّ، لكنه لم يُنَبِّهْ هو ولا الذّهبيّ على أنّ الحافظَ عبدَ الغنيّ خَلَطهما. وقد فَرَّقَ بينهما: البخاريُّ في "التّاريخِ"، والخطيبُ في "المفترقِ"، وغيرُهما. وطبقةُ الرّواةِ عن الخُوزي - كوكيعٍ - مِن طبقةِ شيوخِ الرّواةِ عن هذا - كأبي كريب -. ويُفَرَّقُ بينهما أيضًا بأنّ هذا كوفيٌّ - كما صَرَّحَ به البخاريُّ وابنُ حبّان وغيرهما، والحوزي مكيٌّ. ويُفَرَّقُ بينهما بأنّ النّسائيَّ لا يخرج للخُوزي، وكيف يُظَنُّ ذلك وقد تَرَكَ الرّوايةَ عمَّن هو أصلحُ حالًا من الخوزي؟!). وقال في ترجمة الخليل بن أحمد المزني (١): (وذكر شيخنا أنّ أبا الفضل الهروي ذُكِرَ فيمن اسمه الخليل بن أحمد: بصري روى عن عكرمة. قال شيخنا: وذكره ابن الجوزي في "التلقيح" أيضًا. قلتُ: وأخلق به أن يكون غلطًا؛ فإن أقدم من يقال له: الخليل بن أحمد هو صاحب "العروض"، ولم يذكر أحد في ترجمته أنه لقي عكرمة، بل ذكروا أنه لقي أصحاب عكرمة؛ كأيوب السختياني، فلعل الراوي عنه أسقط الواسطة بينه وبين عكرمة فظنَّه أبو الفضل آخر غير العروضي، وليس كما ظنّ؛ لأن أصحاب الحديث أجمعوا واتفقوا على أنه لم يوجد أحد يُسَمَّى _________ (١) الترجمة رقم (١٨٤٥).

стр. 71

أحمد من بعد موت النبي ﷺ إلا أحمد والد الخليل، كما حكاه أبو العباس المبرد وغيره). وقال في ترجمة صالح بن حيان القرشي (١): (قلتُ: روى البُخَارِيُّ في "كتاب العلم" حَدِيثًا من طريق المحَارِبيِّ، عن صالح بن حَيَّان، الشَّعْبيِّ. فذَكَر الدَّارقُطنيُّ وغيرُه: أَنَّه، هذا، وعاب غيرُ واحدٍ على البُخَارِيِّ إخراجَ حَدِيثِهِ، فما أصابوا؛ وإِنَّما هو صالحُ بن صالحٍ بن حَيَّان المذكورُ بعد هذا، نَسَبَه إِلى جَدِّ أبيه؛ فإنَّه صالحُ بن صالحِ بن مُسْلم بن حَيَّان، وهو مَعْرُوف بالرِّواية عن الشَّعبيِّ دون هذا). وقال في ترجمة نفيع بن الحارث (٢): (وقال ابن حبان في "الضعفاء": نفيع أبو داود الأعمى يروي عن الثِّقات الموضوعات توهمًا، لا يجوز الاحتجاج به. وقال في "الثِّقات": نفيع بن الحارث عن أنس، وعنه إسماعيل بن أبي خالد. فكأنه جعله اثنين قلت هو وهم منه بلا ريب، وهو هو). [تنبيهه على الأوهام الواقعة في سني الولادة والوفاة] ومن أمثلة ذلك: قوله في ترجمة إسحاق بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (٣) مُتعقِّبًا تقي الدين المقريزيّ - الذّي أَبْهَمَه -: (وقال _________ (١) الترجمة رقم (٢٩٧٥). (٢) الترجمة رقم (٧٦٢٦). (٣) الترجمة رقم (٣٧٨).

стр. 72

غيرُه: قَدِمَ، مصرَ، وماتَ بها، وهو زوجُ السيّدةِ نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي، وولدتْ منه وَلَدَيْنِ لمْ يُعقِبا، وماتَ سنةَ ثمانٍ وستّين، عن خمسٍ وثمانين سنة. كذا قرأتُ بخَطِّ بعض المؤرِّخين في عصرِنا. وهو غلطٌ محضٌ في العُمرِ والوفاةِ؛ لأنّه يقتضي أنْ يكونَ مولدُه سنة ثلاثٍ وثمانين مِن الهجرة، والواقعُ أنّ مولدَ والدِه جعفر كانَ سنة ثمانين، فهل يُولد لابن ثلاثٍ؟!!). وجاء في ترجمة عبد الرحمن بن سليمان الأنصاريّ المعروف بابن الغسيل (١): (وقال إسماعيل بن أبان حدثنا عبد الرحمن بن الغسيل، وقد أتى عليه مئة وستون سنة، أخرجه ابن عدي. قلتُ: ومقتضاه أن يكون وُلِد في خلافة أبي بكر، وهو باطل؛ فإن أباه لم يكن وُلِد بعد، فلعلَّه كان: "مئة وست سنين" فتصحَّفتْ. وجاء في ترجمة عبد الرحمن بن عُمر بن يزيد الأصبهاني (٢) أنّ محمد بن عبد الله بن عمر بن يزيد - ابنَ أخيه - قال: وُلد عَمِّي عبد الرحمن سنة ثمان وثمانين ومئة ومات سنة خمسين ومئتين. فقال الحافظُ مُتَعَقِّبًا: (في مولده نظر؛ فإنَّ أبا نُعيم في "تاريخ أصبهان" وصفه بأنه راويةُ يحيى القطَّان وابن مهدي، وتقدَّم كلامُ أبي الشيخ في عدّة ما كان عنده عن ابن مهدي، وابنُ مهدي مات سنة ثمان وتسعين، ويَبعُد مِن ابن عشر سنين أن يُوصَف بذلك، ويحيى القطَّان مات أيضًا في أوائل سنة ثمان وتسعين). _________ (١) الترجمة رقم (٤٠٨١). (٢) الترجمة رقم (٤١٦١).

стр. 73

وجاء في ترجمة الهَيْثَم بن خالد البَجَلِي (١): (قال مُطَيَّنٌ في "تاريخه": مات في ذي القَعْدَة، سنة سبعٍ وثلاثين ومائتين، وكان غير ثقة. وذكره أبو علي الجَيَّاني في "شيوخ أبي داود"، وقال: توفِّيَ بالكوفة، سنة ثمانٍ وخمسينَ ومائتين. قلتُ: فوَهِمَ فيه في مَوْضِعَين؛ الأول: كونه جعله شيخَ أبي داود، وإنما شيخُ أبي داود هو الجُهَني، كما نُصّ عليه في رواية الآجريّ عنه. والثاني: في تاريخ مَوْتِهِ، وَتَبِعَ فيه مَسْلَمة بن قاسم، فإنه كذلك قال في "الصلة"، وهو خطأٌ. ومُطَيَّنٌ أعلم منه بشيخِهِ، فإنّه روى عنه عن مالك بسند الصَّحِيح حديثًا في فضل سورة ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. [تنبيهه على الأوهام التي وقعت لبعض الأئمة في عدّ من ليس صحابيًّا في جملة الصحابة] ومن أمثلة ذلك: قوله في ترجمة كَثير بن السَّائب (٢): (وذكر ابن منده في "معرفة الصَّحابة" كَثير بن السَّائب، وساق بإسنادِهِ من طريق محمّد بن كَعْب عن عُمَارة بن خُزَيمة، عن كَثير بن السَّائب، قال: "عُرضنا على رسول الله ﷺ يوم حُنين، فمن كان مُحتلمًا، أو نبَتَتْ عانتُه قُتل، الحديث". وقد وَقَع الخطأُ عنده في موضعين: الأول: في إسقاطِهِ الصَّحابي الذي حدَّثَ به كَثيرَ بنَ السَّائب، حتى صار كثيرٌ بذلك صحابيًا. _________ (١) الترجمة رقم (٧٨٢٠). (٢) الترجمة رقم (٥٩١٣).

стр. 74

والثَّاني: في قوله "يوم حُنين"، وإنَّما هو "يوم قُرَيظة"، وإِنَّما نبَّهتُ عليه للفائدة). وقال في ترجمة كَثير بن قَيس (١): (ووقع لابن قَانع وهمٌ عجيبٌ في "معجم الصَّحابة"، فإنَّ الحديثَ وَقعَ له بدون ذِكرِ أبي الدَّردَاء فيه، فذكر كَثِيرًا بسبب ذلك في الصَّحابة، فأخطأَ). [تعقُّباته الدقيقة في باب الجرح والتعديل] ومن أمثلة ذلك: ما جاء في ترجمة سعيد بن المَرْزُبان العَبْسيِّ (٢): (وقال العُقَيليُّ: وثَّقَه وَكِيع، وضَعَّفه ابن عُيَيْنَة. قلتُ: الحكاية الّتِي حُكِيت عن وَكِيع لا تَدلُّ على أنَّه وثَّقه، وقد ذكرها السَّاجِيُّ عن محمود بن غَيْلان، قال: سُئِل وَكِيع عن أبي سَعْد البَقَّال، فقال: أحمدُ الله، كان يَرْوِي عن أبي وائل، وأبو وائل ثقة). وجاء في ترجمة سُلَيمان بن عبد الرَّحمن بن عيسى التَّميميِّ (٣): (قال أبو حاتمٍ: سُلَيمان صَدُوقٌ، مُسْتَقيم الحديث، ولكنَّه أروى النَّاس عن الضُّعفاء والمجهولين، وكان عندي في حدِّ لو أنَّ رجلًا وضع له حديثًا لم يَفْهم، وكان لا يُمَيِّز. قلتُ: ردَّ الذَّهبيُّ قول أبي حاتمٍ "وكان لا يُمَيِّز" بقوله: بلى والله كان يُمَيِّز، ويدري هذا الشَّأن، ولم يأت على دعواه بمُسْتَند. _________ (١) الترجمة رقم (٥٩٢٦). (٢) الترجمة رقم (٢٥٠٦). (٣) الترجمة رقم (٢٧٠٨).

стр. 75

قلتُ: ذكر في أثناء ترجمته ما يُصَدِّق مقالة أبي حاتمٍ، وأبو حاتمٍ أعلمُ به ممَّن تَأخَّرَ عنه الدَّهرَ الطَّويلَ). وجاء في ترجمة شُعبة بن دينار الهاشميِّ (١): (وقال بِشْر بن عُمَر الزَّهْرَانيُّ: سألتُ عنه مالكًا؟ فقال: ليس بثقةٍ. قال أبو الحسن بن القَطَّان الفاسيُّ: ومالكٌ لم يُضَعِّفه؛ وإِنَّما شَحَّ عليه بلفظة: ثقة. قلتُ: هذا التَّأويل غيرُ سائغٍ، بل لَفْظَة (لَيس بثقةٍ) في الاصطلاحِ تُوجِب الضَّعْف الشَّديد، وقد قال ابن حِبَّان: روى عن ابن عبَّاس ما لا أصلَ له، حتَّى كأَنَّه ابن عَبَّاس آخر). وجاء في ترجمة عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي (٢) أن ابن عدي قال: إذا لم يَعرف ابن معين الرَّجلَ فهو مجهول، ولا يُعتمد على معرفة غيره. فقال الحافظُ مُنَبِّهًا: (هذا الذي ذكر ابن عدي قاله في ترجمة عبد الرحمن بن آدم عقب قول ابن معين في كل منهما: لا أعرفه، وأَقرّه المؤلفُ عليه، وهو لا يتمشّى في كل الأحوال، فرُبّ رجلٍ لم يَعرفه ابن معين بالثقة والعدالة وعَرَفه غيرُه، فضلًا عن معرفة العين، لا مانع من هذا، وهذا الرجل قد عَرَفه ابن يونس وإليه المرجع في معرفة أهل مِصر والمغرب، وقد ذكره ابن خَلَفون في "الثقات"؛ وقال: كان رجلًا صالحًا جميل السيرة، استُشهد في قتال الفِرَنج في شهر رمضان). وقال الحافظُ في ترجمة النضر بن شيبان الحُدَّاني (٣): (ذكره ابن حِبَّان "الثِّقات"؛ وقال: كان ممَّن يخطئ. _________ (١) الترجمة رقم (٢٩١٤). (٢) الترجمة رقم (٤١٢٤). (٣) الترجمة رقم (٧٥٧٨).
следующие страницы →