مضى إذا بعث الأمراء إلى العلماء لم يأتوهم، وإذا أعطوهم لم يقبلوا منهم، وإذا سألوهم لم يرخصوا لهم، وكان الأمراء يأتون العلماء في بيوتهم فيسألونهم فكان في ذلك صلاح للأمراء وصلاح للعلماء فلما رأى ذلك ناس من الناس قالوا: مالنا لا نطلب العلم حتى نكون مثل هؤلاء فطلبوا العلم فأتوا الأمراء فحدثوهم فرخصوا لهم وأعطوهم فقبلوا منهم فجرئت الأمراء على العلماء وجرئت العلماء على الأمراء. (١)
قال وهب بن منبه لعطاء الخُراساني: كان العلماء قبلنا قد استغنوا بعلمهم عن دنيا غيرهم فكانوا لا يلتفتون إليها وكان أهل الدنيا يبذلون دنياهم في علمهم فأصبح أهل العلم يبذلون لأهل الدنيا علمهم رغبة في دنياهم وأصبح أهل الدنيا قد زهدوا في علْمهم لما رأوا من سوء موضعه عندهم. (٢)
стр. 37
بعض كلام المتأخرين في العلم والتعليم الحادث
قال بعض الهنود: يا لِغَباء فرعون كان بإمكانه أن يفتح المدارس ويخرّب عقول شباب بني إسرائيل عوضاً أن يذبحهم. إنتهى
معناه أن المدارس تُكَيِّف النشء حسب المناهج المقررة التي يريدها أهلها.
ألّفَ غربي إسمه (شاتليه) كتاباً يتهجم به على المسلمين وسمّاه ... (الغارة على العالَم الإسلامي) يقول في مقدمته: ولا ينبغي أن نتوقع من جمهور العالَم الإسلامي أن يتخذ له أوْضاعاً وخصائص أخرى إذا هو تنازل عن أوْضاعه وخصائصه الإجتماعية إذْ الضعف التدريجي في الاعتقاد بالفكرة الإسلامية وما يتبع هذا الضعف من الانتقاض والإضمحلال الملازم له سوف يُفْضي بعد انتشاره في كل الجهات إلى انحلال الروح الدينية من أساسها لا إلى نشأتها بشكل آخر. انتهى
تأمل قوله: (إذا هو تنازل عن أوْضاعه وخصائصه الاجتماعية) تعلم أن للمسلم أوضاعاً وخصائصاً هو متميز بها متفرّد بها منوط بتفرده بها عزه وقوته فإذا تنازل عنها استحال عليه أن يجد في غيرها ما يُعَوِّض عنها وأعظم مافي ذلك العلم إذْ تتفرّع منه الأعمال، فإذا خولف به نهج
стр. 38
السلف كما هو حاصل اليوم فلا ينبغي أن نستنكر ثمار هذا التنازل والتحوّل المرّة، وانظر كلام شيخ الإسلام الذي بعد هذا عن العلم فإنه يُفسِّر كلام هذا الغربي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
لكن المقصود أن يُعرف أن الصحابة خير القرون وأفضل الخلق بعد الأنبياء.
فما ظهر فيمن بعدهم مما يُظن أنها فضيلة للمتأخرين ولم تكن فيهم فإنها من الشيطان وهي نقيصة لا فضيلة سواء كانت من جنس العلوم أومن جنس العبادات أو من جنس الخوارق والآيات أو من جنس السياسة والملك، بل خير الناس بعدهم أتْبَعهم لهم. (١) انتهى
أنظر التعاليم في هذا الوقت وهي على غير النهج المحمدي يعتبرها المتأخرون فضيلة وهي نقيصه ومن الشيطان لأنها ظهرت بعد خير القرون وهي على غير هَدْيهم، وكذلك الخوارق والسياسة، وهذا الذي وَقَع هو الذي قال عنه (شاتليه): (إذا هو تنازل عن أوْضاعه وخصائصه).
أعداء الإسلام يبحثون في شأن هذه الأمة وأمرها، ولذلك نتيجة لدراساتهم الدقيقة يُصرّحون أنها عصيّة على الهزيمة، بمحافظتها على كيانها المتفرّد المستمد من شريعتها.
стр. 39
ولتسْتيقن من هذه الحقيقة فانظر ماقاله شيخ الإسلام ابن تيمية بعد كلام له في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم) قال: فإذاً المخالفة لهم فيها منفعة وصلاح لنا في كل أمورنا حتى ماهم عليه من إتقان أمور دنياهم قد يكون مُضراً بآخرتنا أوبما هو أهم من أمر ديننا فالمخالفة فيه صلاح لنا. إنتهى.
فكيف الشأن إذا في التعليم الذي هو أصل ديننا ودنيانا.
وقال أحد علماء السوفييت: إن التعليم هو الحامض الذي يذيب شخصية الكائن الحي ثم يُكَوِّنها كيف يشاء، إن هذا الحامض هو أشد قوّة وتأثيراً من أي مادة كيمائية هو الذي يستطيع أن يُحوّل جبلاً شامخاً إلى تراب.
وقال: إياك أن تكون آمناً من العلم الذي تدرسه فإنه يستطيع أن يقتل روح أمة بأسْرِها. انتهى
تأمل آثار التعليم الحادث وآثاره على النشء وأنه يُربّيهم على النماذج المطلوبة.
قال (كرومر) مندوب بريطانيا في مصر: إن الحقيقة أن الشباب المصري الذي قد دخل في طاحونة التعليم الغربي ومَرّ بعملية الطحن يفقد إسلاميته، وعلى الأقل أقوى عناصرها وأفضل أجزائها، إنه يتجرد عن عقيدة دينه الأساسية. انتهى
стр. 40
ليُعلم أن طاحونة التعليم الغربي كما وصفها هذا لم تقتصر على مكان دون مكان بل طبّقت العالَم فعلوم الغربيين ولغاتهم شملت الأرض كلها، وقد مَرَّ بعملية الطحن وانْطحن من أخذ بُنَيّات الطريق عن منهج نبيّه وخلفائه الراشدين، وإنما (لا يُشعر تائه بمصابه).
يقول الدكتور (هوكر) الأمريكي: إنه لا تزال تحدث في المدارس والكليات حوادث تسافح الوِلْدان من الجنس الواحد فيما بينهما وقد تلاشى أوكاد ميلهم إلى الجنس المخالف. (١) انتهى
وقد دَبَّتْ العدوى وعمّت البلوى، وإنه لا يجنى من الشوك العنب، فالتحوّل بطريقة التعليم والمراد منه لايؤول إلى خير.
وقد ذكر ابن القيم ﵀ في كتابه (إغاثة اللهفان) ٢/ ٢٦٩ أنه بعد ماتوفي موسى ﵇ دخل الداخل على بني إسرائيل ورفع التعطيل رأسه بينهم وأقبلوا على علوم المعطلة أعداء موسى ﵇ وقدّموها على نصوص التوراة فسلّط الله تعالى عليهم من أزال مُلكهم وشردهم من أوطانهم وسبى ذراريهم كما هي عادته سبحانه وسنته في عباده إذا أعرضوا عن الوحي وتعوّضوا عنه بكلام الملاحدة والمعطلة من الفلاسفة وغيرهم كما سلّط النصارى على بلاد المغرب لما ظهرت فيها الفلسفة والمنطق واشتغلوا بها فاستولت النصارى على أكثر بلادهم
стр. 41
وأصَارُوهُمْ رعية لهم، وكذلك لما ظهر ذلك ببلاد المشرق سلّط عليهم عساكر التتار فأبادوا أكثر البلاد الشرقية واستولوا عليها، وكذلك في أواخر المائة الثالثة وأول الرابعة لما اشتغل أهل العراق بالفلسفة وعلوم أهل الإلحاد سلط عليهم القرامطه الباطنية فكسروا عسكر الخليفة عدة مرات واستولوا على الحاج واستعرضوهم قتلاً وأسرا واشتدت شوكتهم .. إلى آخره.
وما أشبه الليلة بالبارحة ولا يحتاج هذا إلى زيادة فهو واضح فاتقوا الله فإن في علم نبيكم ﷺ ضمان صلاح وفلاح وسعادة الدنيا والآخرة لمن عمل به وفيه الكفاية والشفاء من كل داء، وعلوم الفلاسفة والملاحدة هي اليوم ما أرهق النشئ وأفسد عقولهم مع أديانهم.
ولو ما يأتينا من العقوبات إلا تسليط الأعداء علينا لأجل تعلّم لغاتهم فقط كيف بغير ذلك من علومهم الفاسدة، ومما يوضح كلام ابن القيم السابق ما قاله شيخه ابن تيمية ﵀ في الفتاوى ٢/ ٩٤ قال: فطائفة من الفلاسفة ونحوهم يظنون أن كمال النفس في مجرّد العلم.
وهذا هو الحاصل في تعاليم هذا الزمان ولذلك يحثون على اقتناء الكتب مطلقاً والمطالعة والقراءة مطلقاً، وهذا تشبه بالفلاسفة، فإن النفوس لا تزكوا بمجرد طلب العلم وكثرة العلوم وإنما تزكوا بالعلوم الشرعية إذا أرادت بذلك وجه الله، كما كان سلف هذه الأمة كذلك.
стр. 42
ويبين ذلك أيضاً ماذكره شيخ الإسلام في الفتاوى ٢/ ٨٤ قال: وأظهر الله من نور النبوّة شمساً طمستْ ضوء الكواكب وعاش السلف فيها برهة طويلة ثم خفي بعض نور النبوة فعُرّب بعض كتب الأعاجم الفلاسفة من الروم والفرس والهند في أثناء الدولة العباسية ثم طُلبت كتبهم في دولة المأمون من بلاد الروم فعُرّبت ودَرَسها الناس وظهر بسبب ذلك من البدع ماظهر وكان أكثر ماظهر من علومهم الرياضية كالحساب والهَيْئة (١)، أو الطبيعية كالطب أو المنطقية إلى آخره.
العجيب أن عصر المأمون هذا يسمى: عصر ازدهار العلم قال تعالى: (تشابهت قلوبهم).
تأمل كلام الشيخ وكيف أن الأمة كانت مُكْتفية بعلم النبوّة وأن دخول علوم العجم عليها كان بسبب خفاء بعض ذلك النور حيث عُرِّبَتْ تلك العلوم، وأنه ظهر بسبب ذلك ماظهر وتأمل ما نحن فيه.
ذكر السفاريني في كتابه: (لوامع الأنوار البهية) عن الصلاح الصفدي أنه قال: حدثني من أثق به أن شيخ الإسلام ابن تيمية روّح الله روحه كان يقول: ما أظن ان الله يغفل عن المأمون ولابد أن يقابله على ما اعتمده مع هذه الأمة من إدخال العلوم الفلسفية بين أهلها. انتهى
стр. 43
وقال الحافظ أبو عبد الله الذهبي في (تذكرة الحفاظ) في ترجمة شجاع بن الوليد بن قيس: لما قتل الأمين واستخلف المأمون على رأس المائتين نجَم التشيّع وأبدى صفحته وبزع فجر الكلام وعُرّبت كتب الأوائل ومنطق اليونان، وعمل رصد الكوكب ونشأ للناس علم جديد مُرْدٍ مهلك لا يُلائم علم النبوة ولا يوافق توحيد المؤمنين قد كانت الأمة منه في عافيه .. إلى أن قال: إن من البلاء أن تعرف ماكنت تنكر وتنكر ما كنت تعرف وتُقدّم عقول الفلاسفة ويُعزل منقول أتباع الرسل ويُمارى في القرآن ويُتبرم بالسنن والآثار وتقع الحيرة، فالفرار قبل حلول الدمار، وإياك ومضلات الأهواء ومحارات العقول ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم. انتهى
وقال المقريزي في كتاب (الخطط): وقد كان المأمون لما شُغِف بالعلوم القديمة بعث إلى بلاد الروم من عَرّب له كتب الفلاسفة وأتاه بها في أعوام بضع عشرة ومائتين من الهجرة فانتشرت مذاهب الفلاسفة في الناس واشتهرت كتبهم بعامة الأمصار وأقبلت المعتزلة والقرامطة والجهمية وغيرهم عليها وأكثروا من النظر فيها والتصفح لها فانجرّ على الإسلام وأهله من علوم الفلاسفة مالا يوصف من البلاء والمحنة في الدين وعَظُم بالفلسفة ضلال أهل البدع وزادتهم كفراً إلى كفرهم. انتهى
هذا قليل من كلام العلماء على آثار العلوم الدخيلة على علم النبوّة
стр. 44
الذي هو علم الأمة.
قال الشعبي: ماحدثوك عن أصحاب محمد فَشُدَّ عليه يديك وما حدثوك به من رأيهم فَبُلْ عليه. (١)
وفي دولة أبي العباس المأمون ظهر الخرمية ونحوهم من المنافقين وعرب من كتب الأوائل المجلوبه من بلاد الروم فانتشر بسببه مقالات الصائبين وراسل ملوك المشركين من الهند ونحوهم حتى صار بينه وبينهم مودة.
فلما ظهر ماظهر من الكفر والنفاق في المسلمين وقوي ماقوي من حال المشركين وأهل الكتاب كان من أثر ذلك ماظهر من استيلاء الجهمية والرافضة وغيرهم من أهل الضلال وتقريب الصائبين ونحوهم من المتفلسفة وذلك نوع رأي يحسبه صاحبه عقلاً وعدلاً وإنما هو جهل وظلم، إذا التسوية بين المؤمن والمنافق والمسلم والكافر أعظم الظلم وطلب الهدى عند أهل الضلال أعظم الجهل. (٢)
إلى آخر كلامه، فهذا من آثار إدخال علوم غير المسلمين عليهم وأنه مع إفساده لهم يسبب مودتهم المنهي عنها.
стр. 45
الاحتجاج بالوالدين
بعض الناس يحتج بالوالدين في أمور لا تحل له بالشرع، وهذه حجة باطلة معلوم بطلانها فإنه لا طاعة لمخلوق بمعصية الخالق وليس في هذا اسْتثناء، وبعض الناس يخادع الله بذلك بحيث أنه هو يريد فعل هذا الشيء حتى ولوْ نهياه عنه لم يطعهما، وهذا عظيم وانكشافه ﴿يوم تبلى السرائر﴾.
وساذكر هنا بعض أقوال العلماء في ذلك حتى في الشبْهة البسيطة وأنه لا طاعة للوالدين فيها.
سئل الإمام أحمد ﵀: هل للوالدين طاعة في الشبهة؟
فقال: في مثل الأكل؟ فقلت (١): نعم، قال: ما أحب أن يُقيم معهما وما أحب أن يعصيهما، يُداريهما ولا ينبغي للرجل أن يقيم على الشبهة مع والديه لأن النبي ﷺ قال: (من ترك الشبهة فقد استبرأ لدينه وعرضه) ولكن يُداري بالشيء بعد الشيء فأمّا أن يقيم معهما عليها فلا. (٢)
стр. 46
وقيل لأبي عبد الله: (١) إن عيسى الفتاح قال: سألت بشر بن الحارث، هل للوالدين طاعة في الشبهة؟ قال: لا، فقال أبو عبد الله: هذا سديد. (٢)
قال ابن تيمية يلزم الإنسان طاعة والديه وإن كانا فاسقيْن في غير معصية. (٣)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ليس للأبوين إلزام الولد بنكاح من لا يُريد فلا يكون عاقاً كأكل مالا يريد. (٤) انتهى.
стр. 47
تأثير اللغة
يقول: (شاتليه) في كتابه: (الغارة على العالَم الإسلامي): ولاشك أن إرساليات التبشير من بروتستانية وكاثوليكية تعجز أن تزحزح العقيدة الإسلامية من نفوس مُنْتحليها ولا يتم لها ذلك إلا بِبَثّ الأفكار التي تتسرّب مع اللغات الأوروبية فيحتك الإسلام بصحف أوروبا وتتمهد السبل لِتَقَدّم إسلامي مادي وتقضي إرساليات التبشير لبانتها من هدم الفكرة الدينية الإسلامية التي لم تحفظ كيانها وقوتها إلا بعزلتها وانفرادها. انتهى.
تأمل كيف أن ضلال الكفار تَسَرّب إلى المسلمين مع لغاتهم وأن ذلك يُمهّد السّبل لتلقيح الإسلام بماديات الكفار.
وتأمل شهادة الأعداء في كوْن أهل الإسلام مُتَميّزين متفردين عن غيرهم وأنهم بذلك يحفظون كيانهم بخلاف ما إذا ذابوا في غيرهم كاليوم لاسيما بالعلم الذي هو الأصل، وقد نهى عمر بن الخطاب ﵁ عن تعلم رطانة العجم.
ذكر ذلك ابن تيمية في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم) ص١٢٨ وقال في ص١٣٥: ونهى عمر ﵁ عن رطانة الأعاجم وقال:
стр. 48
إنها خِبٌّ. (١)
وقال عمر ﵁: إياكم ورطانة الأعاجم وأن تدخلوا على المشركين يوم عيدهم في كنائسهم. ص١٩٩
وروى البيهقي بإسناد صحيح قول عمر: لا تعلموا رطانة الأعاجم. (٢)
وروى أبو بكر بن أبي شيبة في المصنف قول عمر ﵁: ما تعلم الرجل الفارسية إلا خَبّ ولا خَبّ رجل إلا نقصت مروءته. (٣)
وذكر ابن تيمية أيضاً أن محمد بن سعد بن أبي وقاص سمع قوماً يتكلمون بالفارسية فقال: مابال المجوسية بعد الحنيفية. ص٢٠٥
وقال ابن تيمية: واعلم أن اعْتياد اللغة يؤثر في العقل والخُلُق والدين تأثيراً قوياً بيّناً، ويؤثر أيضاً في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقل والدين. ص٢٠٧
قال الإمام مالك ﵀: من تكلم في مسجدنا بغير العربية أُخرج منه. (٤)
стр. 49
قال بعض الغربيين:
إن المسلمين يمكنهم أن ينشروا حضارتهم في العالم الآن بنفس السرعة التي نشروها بها سابقاً بشرط أن يرجعوا إلى الأخلاق التي كانوا عليها حين قاموا بِدَوْرهم الأول لأن هذا العالم الخاوي لا يستطيع الصمود أمام روح حضارتهم.
تأمل قوله: بشرط أن يرجعوا إلى آخره تعرف العِزّ المضاع، وانظر مشابهة كلامه لكلام (شاتليه) السابق.
стр. 50
خوف الكفار من رجوع الأمة
إلى نهج نبيها الصافي
يقول رئيس وزراء اليهود السابق بن غوريون: إن أخشى مانخشاه أن يظهر في العالم العربي محمد جديد. انتهى
هو يعلم أن محمداً خاتم النبيين ولا نبي بعده فهم يدرسون الإسلام للكيد له ولأهله وإنما خاف مما لا قِبَل له به وهو رجوع الأمة إلى هَدْي نبيها ﷺ ، فهذا الذي لا تطيقه يهود ولا غيرها، وهذا الذي تعمل دول الكفر الأعمال العظيمة للصّد عنه والحيْلولة دون الأمة ودونه.
ويقول اللورد كرومر المندوب البريطاني في مصر:
(إن التعليم الوطني عندما قدم الإنجليز إلى مصر كان في قبضة الجامعة الأزهرية الشديدة التمسك بالدين! والتي كانت أساليبها الجافة القديمة تقف حاجزا في طريق أي إصلاح تعليمي، وكان الطلبة الذين يتخرجون في هذه الجامعة يحملون معهم قدراً عظيماً من غرور التعصب الديني ولا يصيبون إلا قدراً ضئيلاً من مرونة التفكير والتقدير، فلو أمكن تطوير الأزهر عن طريق حركة تنبعث من داخله لكانت هذه خطوة جليلة الخطر.
стр. 51
ولكن إذا بدا أن مثل هذا الأمل غير متيسر تحقيقه فحينئذ يصبح الأمل محصوراً في إصلاح التعليم اللاديني الذي ينافس الأزهر حتى يتاح له الانتشار والنجاح، وعندئذٍ فسوف يجد الأزهر نفسه أمام أحد أمرين: فإما أن يتطور، وإما أن يموت ويختفي) (١).
هذا الكلام الذي قاله (كرومر) يبين أن انحراف الأمة في التعليم هدف مقصود من قِبَل الأعداء لِعلمهم أنهم لا يقدرون على الأمة إذا لم تُدخل علومهم ولغاتهم وتتخلى عن الطريقة السلفية وقد مكروا مكرهم وحصل لهم مرادهم.
وإذا كان أهل الإسلام ضاعوا من هذا الوجه وهو الإندماج في علوم الأمم الكافرة فإن الكفار أنفسهم لا يرضون بهذا التخليط رغم كفرهم وانظر مايقوله بعضهم: يقول البروفسور كلارك: مهما قيل في تفسير المعارف فمما لا محيص عنه أنه سعي للاحتفاظ بنظرية سبق الإيمان بها، وعليها تقوم حياة الأمة وجهادها في سبيل تخليدها، ونقلها إلى الأجيال القادمة لذلك ليس من المعقول وليس من الجائز أن تستورد أمة شخصيتها ورسالتها، ولها عقائدها ومناهج حياتها، ولها طبيعتها ونفسيتها، ولها تاريخها وماضيها، ولها محيطها الخاص وظروفها الخاصة، ليس من المعقول أن نستورد نظاما تعليميا من الخارج، ولا أن نكل وظيفة التعليم والتربية
стр. 52
وتنشئة الأجيال وصياغة العقول إلى أناس مهما بلغوا من البراعة في تدريس مواد تعليمية، وإتقان اللغات والفنون لا يؤمنون بهذه الأسس والعقائد ولا يتحمسون لشرحها وتعضيدها.
يقول الأستاذ الأمريكي كوننر: إن عملية التعليم ليست عملية تعاط وبيع وشراء وليست بضاعة تصدر إلى الخارج أو تستورد إلى الداخل، إننا في فترات من التاريخ خسرنا أكثر مما ربحنا باستيراد نظرية التعليم الإنجليزية أو الأوروبية إلى بلادنا.
(هذا مع ملاحظة تقارب البلدين: دينا ولغة وحضارة!!).
ويقول عالم سوفيتي كبير (في نظرهم): (إن العلم الروسي ليس قسما من أقسام العلم العالمي، يشغل في البلاد السوفيتية إنه قسم منفصل بذاته يختلف عن سائر الأقسام كل الاختلاف فإن سمة العلم السوفيتي أنه قام على فلسفة واضحة متميزة، إن التحقيقات العلمية لا تزال في حاجة إلى أساس، وإن أساس علومنا الطبيعية الفلسفة المثالية التي قدمها مركس وانجلز ولينين وستالين، إننا نريد أن نخوض (وفي أيدينا هذه الفلسفة) في معترِك العلم الطبيعي ونصارع جميع التصورات الأجنبية التي تناهض فلسفتنا الماركسية بكل عزم وقوة. إنتهى.
стр. 53
وإذا كان هذا كلام الكفار في الغيْرة على ضلالهم فكيف نرضى نحن بخلط علومهم مع علم نبينا ورفعها إلى مستواه وأعظم ونسير على هَدْيهم في التعليم حذوا القذة بالقذة؟
وبما أن علوم الغرب قامت على الإلحاد فلا شك أن تأثيرها في الدين بليغ.
стр. 54
حقيقة العلوم الغربية
وقد قال بعض من عرف حقيقة هذه العلوم: إن هذه الثقافة الغربية على اختلاف ألوانها تسير في المسالك الفكرية التي وضعناها وتتحدد بالمعالم التي حدّدناها، فهي تُنكر الإله الخالق أوْ تغْفِله، وتنكر النبوات وتجحدها، وتنكر الحياة الخالدة الأخرى وجزاءها، وتحذفها من حسابها، وبالتالي لا تعتبر الفضائل ولا القِيَم الأخلاقية إلا في حدود تصوّرها.
فالفضائل وقائع وحوادث ومصالح ومنافع، وبذلك تنسف الثقافة الغربية الحديثة ولأول مرة في التاريخ صعيداً الْتَقَتْ عليه الإنسانية خلال قرون وأجيال ورصيداً تَوَارثته خلال العصور وهو صعيد الإيمان بالله الخالق الذي يلتقي عليه عباده وصعيد الفضائل والأخلاق وتراث النبوات المتعاقبة وتعاليمها الأخلاقية.
ولوْ أن الأمر كان مقصوراً على مجرد نظريات فلسفية لكانت الكارثة أخف وأهْون، ولكن النتيجة الخطيرة في عَوَاقبها هي أنه من هذه الأسس الفلسفية المشتركة للثقافة الغربية انطلقت جميع العلوم النظرية الإنسانية وانْبَعَثَتْ جميع الأنظمة الإجتماعية من أُسَرّية واقتصادية وسياسية وغيرها وإليكم بيان ذلك:
стр. 55
١ - إن العلوم المتعلقة بحياة الإنسان المادية والمعنوية الفردية والاجتماعية لِعلم النفس والاجتماع والتربية وسائر فروع الفلسفة والآداب والفنون والأخلاق إنما بُنيت على مفاهيم هذه الفلسفة واتجاهاتها.
[يعني فلسفة إنكار الإله الخالق أو إغفاله كما تقدم فتأمل].
قال: فعلم النفس إنما بُني على تصوّر الإنسان الحيوان ذي الغرائز والميول المادية.
وعلم الاجتماع إنما بُني على أساس أن الدين ظاهرة اجتماعية حِسّية كغيرها وأن الإله فكرة تعلّلها كل نظرية اجتماعية على طريقتها على أساس أنها فكرة طارئة في حياة البشر الاجتماعية لا على أساس أنها تتضمن حقيقة خارجية.
والتاريخ يُصَوّر في الدرجة الأولى تاريخ الحضارة المادية للإنسان ويضع في الدرجة الثانية الأديان وتاريخها وينظر إليها على أنها ظاهرات إنسانية اجتماعية يُعلل نشوؤها بعلل وأسباب طبيعية والحقوق والقانون مبنية على الواقع الذي تصطلح عليه الشعوب.
والتربية وجميع نظرياتها في الثقافة الحديثة مبنية على التصور المادي للإنسان إجمالاً وعلى تحقيق أهداف المجتمع المادي المعاصر، وليست الأخلاق فيه إلا تنظيماً اجتماعياً آلياً، وليس العقل والذكاء إلا خادميْن
стр. 56
لأغراض المجتمع المادي، زِدْ على ذلك أن المذاهب الجماعية الكلية القائمة على فكرة الجماهير كالشيوعية تُرَوّض الفرد وتُربيه ليكون آلة بيد الدولة الممثلة في زعمها للشعب والجمهور.
وأما الجانب الخلقي الروحي من الإنسان فلا مكان له في التربية في إطار الثقافة الغربية.
والدين أخيراً لايُعرض إلا على أنه دراسة لظاهرة تاريخية مضت لا كحقيقة حَيّة لأنهم بين مُنكر له أصلاً وقائل بفصله عن الحياة العامة الاجتماعية. انتهى
لقد آتت تعاليم الغرب ثمارها واذكر ماتقدم من قول السوفيتي: إن التعليم هو الحامض الذي يُذيب شخصية الكائن الحي ثم يُكوّنها كيف يشاء، إن هذا الحامض هو أشد قوة وتأثيراً من أي مادة كيماوية هو الذي يستطيع أن يُحَوّل جبلاً شامخاً إلى تراب.
وقوله: إياك أن تكون آمناً من العلم الذي تدرسه فإنه يستطيع أن يقتل روح أمة بأسْرها.
قال ابن تيمية في قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً﴾. الآية.
قال: فأخبر أن جميع الأنبياء لهم أعداء وهم شياطين الإنسن والجن
стр. 57
يوحي بعضهم إلى بعض القول المزخرف وهو المزيّن المحسّن يغرون به، والغُرور هو التلبيس والتمويه وهذا شأن كل كلام وكل عمل يخالف ماجاءت به الرسل من أمر المتفلسفة والمتكلمة وغيرهم من الأولين والآخرين ثم قال: ﴿ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه﴾ فأخبر أن كلام أعداء الرسل تصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة. (١)
وإذا كان الأمر هكذا فلا عجب أن يُصبغ الباطل في زماننا بزاهي الألوان وتُختار له زخارف الأقوال.
ذكر ابن القيم ﵀ أن العبد إذا اعتاد سماع الباطل وقبوله أكْسبه ذلك تحريفاً للحق عن مواضعه فإنه إذا قَبِل الباطل أحبّه ورضيه فإذا جاء الحق بخلافه ردّه وكذّبه إنْ قدِر على ذلك وإلا حرّفه، وقال بعد كلام: فهؤلاء وإخوانهم من الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم فإنها لو طهرت لما أعرضت عن الحق وتعوضت بالباطل عن كلام الله تعالى ورسوله (٢). انتهى.
ولذا فإن التعاليم في هذا الزمان والأعمال النظامية المستوردة تُعَوِّد الإنسان على سماع الباطل وقبوله بل وفعله، ونتائج ذلك ظاهرة واضحة.
стр. 58
قال ابن القيم في كلامه عن العلم:
نوع تكمل النفس بإدراكه والعلم به وهو العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله وكتبه وأمره ونهيه.
ونوع لا يحصل للنفس به كمال: وهو كل علم لا يضر الجهل به فإنه لا ينفع العلم به.
وكان النبي ﷺ يستعيذ بالله من علم لا ينفع، وهذا حال أكثر العلوم الصحيحة المطابقة التي لا يضر الجهل بها شيئاً كالعلم بالفلك ودقائقه ودرجاته وعدد الكواكب ومقاديرها والعلم بعدد الجبال وألوانها ومساحتها ونحو ذلك فشرف العلم بحسب شرف معلومه وشدة الحاجة إليه وليس ذاك إلا العلم بالله وتوابع ذلك. انتهى
وإذا كان النبي ﷺ يستعيذ بالله من العلم الذي لا ينفع فكيف بعلوم باطلة مضرّة.
قال تعالى: ﴿وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم﴾ القرناء شياطين الإنس والجن.
قال ابن كثير: أي حَسّنوا لهم أعمالهم في الماضي وبالنسبة للمستقبل فلم يروْا أنفسهم إلا محسنين. انتهى
لقد حصل هذا في وقتنا فقد قُيّضت القرناء وزينوا الباطل وحسّنوه بزخارفهم وغرورهم.
стр. 59
ولقد كان نقمة سلمان العودة شديدة على بقايا أهل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ لإنكارهم هذه التعاليم الحادثة وإنكارهم دوران الأرض وطلب العلم للدنيا والرئاسة وغير ذلك من المنكرات فقد صَبّ جام غضبه عليهم في كتابه المشئوم: (المسلمون بين التشديد والتيسير) فوصفهم بالغلو والتشديد والتنطع وغير ذلك، والذي يُقارنه مع بيانه التعايشي مع الأمريكيين يعلم كيف يكون الزيْغ.
ومن يجالس ردي الطبع يَرْدَ به
كصاحب الكير إن يَسلم مجالسه
والمرء يخبث بالأشرار يصحبهم
فالماء صَفْوٌ طهورٌ في إصالته ... ونالَهُ دنس من عرضه الكدرِ
من نَتْنِهِ لم يُوَقَّ الحرق والشرر
ولو غدى أحسن الأخلاق والسِّيَر
حتى يُجاوِرُه شيء من الكدر
الجليس يؤثر تأثيراً ظاهراً بجليسه، والناس يُعتبرون بأقرانهم، وكم من صبي كانت نشأته في صلاح فخالط من لم يتربّ تربيته بل هو شِرير نشأ في بيت أشرار فأصابته منه العدْوى، وهذا في زماننا صار من أخطر الأمور لكثرة الأشرار والمخالطة في التعليم.
стр. 60
حب الرئاسة والشهرة
هذا الداء قَلّ من يتفطّن له أوْ قُلْ يتخلص منه لأنه مُغْري وفي الغالب خفاؤه على صاحبه.
وحب الرئاسة والشهرة بينما هو داء يخافه السلف على نفوسهم غاية الخوف لعلمهم بأنه قاطع عن مطلوبهم إذا هو في زماننا مجال منافسة ومطلب مرغوب فيه أشدّ الرغبة، أما ترى هذه الشارات والتسابق إليها.
قال علي ﵁: خفْق النعال مفسدة لقلوب نَوْكى الرجال. انتهى
وقال: وأيّ قلب يصلح على هذا؟
وهذا كناية عن اتباع الناس للرجل وسيْرهم خلفه تعظيماً له.
قال سفيان الثوري في كتابه إلى عباد بن عباد: وإياك وحب الرياسة فإن الرجل يكون حب الرياسة أحب إليه من الذهب والفضة، وهو باب غامض لا يبصره إلا البصير من العلماء السماسرة، فَتَفَقَّدْ بقلب واعمل بِنِيِّة، واعلم أنه قدْ دنا من الناس أمر يشتهي الرجل أن يموت، والسلام.
وقال سفيان: من أحب الرياسة فَلْيُعِدّ راسه للنطاح. انتهى
يريد ﵀ أنه يُبتلى بمن يُنافسه عليها فيكون بينه وبينه ما يكون
стр. 61
بين المتنافسين غالباً من المنازعات والصراع لأنها مطلب قاطع عند أرباب السلوك.
قال إسحاق بن خلف: والله الذي لا إله إلا هو لإزلة الجبال الرواسي أيْسر من إزالة الرياسة. انتهى
المراد هنا أنها في الغالب تخفى على صاحبها، وقد يعلم في نفسه ذلك لكن حبها متمكّن من قلبه، لكن من وفقه للإخلاص زال عنه ذلك.
قال ابن عبدوس: كلما توقّر العالِم وارتفع كان العُجب إليه أسرع إلا من عصمه الله بتوفيقه وطرَحَ حب الرياسة من نفسه.
قال أبو نعيم: والله ما هلك من هلك إلا بحب الرياسة.
قال الفضيل بن عياض: ما من أحد أحب الرياسة إلا حَسَد وبغى وتتبّع عيوب الناس وكره أن يذكر أحد بخير.
قال عمر بن عبد العزيز: وليس هذا الأمر لمن وَدّ أن الناس احتاجوا إليه إنما هذا الأمر لمن وَدّ أنه وجد من يكفيه.
قال ابن القيم ﵀: إذا عزم العبد على السفر إلى الله تعالى وإرادته عرضت له الخوادع والقواطع فينخدع أولاً بالشهوات والرياسات والملاذ والمناكح والملابس فإن وقف معها انقطع وإن رفضها ولم يقف معها وصدق في طلبه ابتلي بوطء عقبه وتقبيل يده والتوسعه له في المجلس
стр. 62
والإشارة إليه بالدعاء ورجاء بركته ونحو ذلك فإن وقف معه انقطع به عن الله وكان حظه منه وإن قطعه ولم يقف معه ابتلي بالكرامات والكشوفات فإن وقف معها انقطع بها عن الله وكانت حظه وإن لم يقف معها ابتلي بالتجريد والتخلي ولذة الجمعيه وعزة الوحدة والفراغ من الدنيا فإن وقف مع ذلك انقطع به عن المقصود وإن لم يقف معه وسار ناظراً إلى مراد الله منه وما يحبه منه بحيث يكون عبده الموقوف على محابه ومراضيه أين كانت وكيف كانت تعب بها أو استراح تنعم أوتألم أخرجته إلى الناس أو عزلته عنهم لا يختار لنفسه غير ما يختاره له وليه وسيده واقف مع أمره ينفذه بحسب الإمكان ونفسه عنده أهون عليه أن يقدم راحتها ولذتها على مرضاة سيده وأمره فهذا هو العبد الذي قد وصل ونفذ ولم يقطعه عن سيده شيء البتة وبالله التوفيق.
قال يوسف بن أسباط: الزهد في الرئاسة أشد منه في الدنيا. انتهى
يوضحه أن الإنسان يزهد في الدنيا لأجل الرياسة.
قال بعضهم:
أمرانِ مفترقان لستَ تراهما
طلب المعاد مع الرياسة والعلى ... يتشوّفان لِخُلطة وتلاقي
فدَع الذي يفنى لما هو باقي
قال إبراهيم بن أدهم: ما صَدَقَ الله من أحب الشهرة.
قال القاسم بن عثمان: حب الرياسة أصل كل مُوبقة.
стр. 63
قال أبو سليمان الداراني: ما أفلح من شُمَّتْ منه رائحة الرياسة.
قال سفيان الثوري: ما رأيت الزهد في شيء أقلّ منه في الرياسة ترى الرجل يزهد في المطعم والمشرب والمال والثياب.
فإذا نُوزِعَ في الرياسة حامى عليها وعادى. انتهى
وذكر العلماء أن طالب الرياسة تُرضيه الكلمة التي فيها مدحه وإن كانت بالباطل، وكذلك طالب المال، وتغضبه الكلمة التي فيها انتقاده ولوْ كانت بالحق.
وسُئل سفيان الثوري: ما الزهد في الدنيا؟ قال: سقوط المنزلة. انتهى
يريد ﵀ أن الإنسان بعلمه وعمله لا تتشوّف نفسه بلوغ مقام يمدحه الناس وُيثنون عليه من أجله بل هِمّته متعلّقة برضى ربه وإرادة وجهه ولوْ سقطت منزلته عند الناس.
قال بشر بن الحارث: (حب لقاء الناس حب الدنيا وترك لقاء الناس ترك الدنيا).
وقال: لا أعلم رجلاً أحب أن يُعرف إلا ذهب دينه وافتضح.
وقال: لا يجد حلاوة الآخرة رجل يحب أن يعرفه الناس. (١)
стр. 64
وقال بشر: سكون النفس إلى المدح وقبول المدح لها أشد عليها من المعاصي. (١)
قال بشر: ما أتقى الله من أحب الشهره. (٢)
وقال أيضاً: لو سقطت قلنسوة من السماء ما سقطت إلا على رأس من لا يريدها. (٣) انتهى
القلنسوة كان يتميز بها بعض العلماء.
قال إبراهيم بن أدهم: ما صَدَق الله عبد يحب الشهرة بعلم أو عمل أو كرم.
قال إبراهيم بن أدهم:
تَوَقَّ لِمحظورٍ صُدور المجالسِ ... فإن عُضول الداء حُبَ القلانسِ
القلانس هي ما يتميز بها بعض العلماء أو القضاة خاصة، فطلبها علامة حب الرياسة.
قال ابن تيمية: أصل البغي والظلم حب الرياسة.
قال الفضيل بن عياض: من أحب أن يُذكر لم يُذكر ومن كَرِه أن يُذكر ذُكِر.
قال الإمام أحمد: إنما عُرِفوا لأنهم أحبوا ألا يُعرفوا. انتهى
стр. 65
تأمل ولا تتعجل فكم ممن يُعظَّم ويبجَّل اغترّ بالمدح والثناء وهو لا هناك ولا هنا.
إن مدار كلام القوم على الإخلاص في العلم والعمل وقد ظهر في زماننا من الشّارات والرموز والمناصب ما عليه يتنافس المتنافسون فالتفكر في هذا يبين بعض الفروق بيننا وبين ما عليه السلف.
стр. 66
متفرقات
قال تعالى: ﴿قل هل يستوي الذين يعملون والذين لا يعملون﴾.
قال ابن كثير: هذه الآية إنما دلّت على مدح العالمين العلم الشرعي. انتهى.
لم يكن السلف يطلقون اسم العلم إلا على العلم الشرعي ولا اسم العلماء إلا على العلماء الشرعيين، واليوم لما حصل الخلط في العلم حصل اللبس في الاسم.
وانظر ما قاله ابن القيم في كتابه: (الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة).
الرابع: ما لم يؤلف استعماله في ذلك المعنى في لغة المخاطب وإن ألِفَ في الاصطلاح الحادث، وهذا موضع زلّت فيه أقدام كثير من الناس حيث تأوْلوا كثيراً من ألفاظ النصوص بما لم يُؤْلف استعمال اللفظ له في لغة العرب البتة، وإن كان معهوداً في اصطلاح المتأخرين، وهذا مما ينبغي التنبه له فإنه حصل بسببه من الكذب على الله ورسوله ما حصل، انتهى
لقد أُلِف في الاصطلاح الحادث استعمال اسم العلم والعلماء على غير ما كان عليه السلف، ولذلك يُطلق أهل الوقت اسم النجاح
стр. 67
والسقوط والفوز والنصر على أمور مخالفة مع أن الذم والمدح أحكام شرعية.
قال ابن تيمية: الذم والمدح من الأحكام الشرعية.
وقال: الحمد والذم والحب والبغض والوعد والوعيد والموالاة والمعاداة ونحو ذلك من أحكام الدين لا يصلح إلا بالأسماء التي أنزل الله بها سلطانه، فأما تعليق ذلك بأسماء مُبْتَدَعَه فلا يجوز، بل ذلك من باب شرع دين لم يأذن به الله، وأنه لابد من معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله. (١) انتهى
يقول اليهود في مخطّطاتهم: سوف نشْغل العالَم بالرياضة ونُوجِد النزاع بين الدول حتى نتمكن من السيطرة على العالَم. انتهى
هذا لا يحتاج إلى بيان لكن المراد صلته بالتعليم.
قال المروزي: قلت لأحمد: إسْتعرت كتاباً فيه أشياء رديئة ترى أن أخرقه أو أحرقه؟ قال: نعم، فأحرقه.
قال ابن القيم: والمقصود أن هذه الكتب المشتملة على الكذب والبدعة يجب إتلافها وإعدامها، وهي أوْلى بذلك من إتلاف آلات اللهو والمعازف وإتلاف آنية الخمر، فإن ضررها أعظم من ضرر هذه ولا ضمان فيها كما لا ضمان في كسر أواني الخمر وشق زقاقها.
стр. 68
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمة أبي حامد الغزالي: وقال أبو عامر العذري: سمعت أبا نصر أحمد بن محمد بن عبد القادر الطوسي يحلف بالله أنه أبصر في نومه كأنه ينظر في كتب الغزالي ﵀ فإذا هي كلها تصاوير. (١)
تأمل كيف تخلط التصاوير مع الآيات والأحاديث في وقتنا، أما المراد في الرؤيا ومعناها فهو أن كتب الغزالي فيها الدواهي لِما دَخله من تصوّف منحرف وفلسفة حيث خلط ذلك بعلم الشريعة فجاءت الرؤيا للتحذير من كتبه، أما نحن فالخلط والإهانة كل ذلك حاصل باليقظة.
وهذه قصة حاتم الأصم لما دخل وجماعة معه على ابن مقاتل فرأى داراً قوْراء يعني واسعة وبَزّة وستوراً وفُرُشاً وطيئة فكان فيما قال له حاتم: فأنت بمن اقتديت بالنبي ﷺ وأصحابه والصالحين أم يفرعون ونمرود أول من بنى بالجص والآجر. (٢)
ياعلماء السوء مثلكم يراه الجاهل الطالب الدنيا الراغب فيها فيقول: العالم على هذه الحالة أفلا أكون أنا شَرّ منه؟.
[يعني إذا كان هذا فعل العالم فلا علي أنا أن أفعل أعظم منه لأن للعالِم تعظيم في القلوب وهو موضع الاقتداء].
стр. 69
ثم خرج حاتم من عند ابن مقاتل ودخل وجماعته على الطنافسي فقال له: رحمك الله أنا رجل أعجمي أحب أن تعلمني أول مبتدأ ديني ومفتاح صلاتي كيف أتوضأ للصلاة؟ قال: نعم وكرامة، ياغلام هات إناء فيه ماء، فقعد الطنافسي وتوضأ ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: هكذا فتوضأ، قال حاتم: مكانك حتى أتوضأ بين يديك فيكون أوْكد لِما أريد، وقام الطنافسي وقعد حاتم فتوضأ ثم غسل الذراعين أربعاً، قال الطنافسي له: يا هذا أسرفت، قال له حاتم: فيماذا؟ قال: غسلت ذراعك أربعاً، قال حاتم: يا سبحان الله أنا في كَفٍّ من ماء أسرفت وأنت في هذا الجمع كله لم تسرف، فعلم الطنافسي أنه أراده بذلك ولم يُرد منه التعلم.
قال ابن النحاس بعد إيراد القصة وقد اختصرتها قال: فالعالم إذا خالف عمله علمه وكَذّب فعله قوله كان ممقوتاً في الأرض والسماء، مضلّة لمن رام به الاقتداء، وإذا أمر غيره بغير مايعمل مَجَّتْ الأسماع كلامه، وقَلّت في الأعين مهابته، وزالت من القلوب المؤمنة مكانته، كما قال مالك بن دينار: إن العالِم إذا لم يعمل بعلمه تزل موعظته عن القلوب كما يزل القطر عن الصفا.
قال ابن تيمية في سياق كلام له في الثناء على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: وحتى رُوي عنه أنه حَرّق الكتب العجمية
стр. 70
وغيرها وأنه نهى عن تعلم رطانة الأعاجم. (١)
وقال ابن تيمية في كلام على عمر ﵁ أنه لما فُتحت الإسكندرية وُجِد فيها كتب كثيرة من كتب الروم فكتبوا فيها إلى عمر فأمر بها أن تحرق وقال: حسبنا كتاب الله. (٢)
كذلك فقد كتب إليه سعد بن أبي وقاص أنهم وجدوا في فارس لما فتحوها كتباً من كتب العجم فأمر أن تحرق.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مصطلحات المتأخرين التي يتغير بها المعنى المراد من كلام الله وكلام رسوله ﷺ فيحصل اللبس قال: ومثل هذه البدع كثير جداً يُعَبّر بألفاظ الكتاب والسنة عن معان مخالفة لما أراده الله ورسوله بتلك الألفاظ [مثل تسمية هذه العلوم المخلوطة علماً وأهلها علماء] ولا يكون أصحاب تلك الأقوال تلقوها ابتداء عن الله ورسوله ﷺ [يعني أن المتلقى عن الله ورسوله في اسم العلم هو الوحي] بل عن شُبه حصلت لهم وأئمة لهم، وجعلوا التعبير عنها بألفاظ الكتاب والسنة حجة لهم وعمدة لهم [يعني أنهم يذكرون الآيات والأحاديث الواردة في مدح العلم والعلماء يحتجون بذلك على ما أحدثوا، وهذا هو واقع زماننا] ليظهر بذلك أنهم متابعون للرسول ﷺ لا مخالفون. (٣)
стр. 71
وسوف أُرفق مع هذا الكتاب كتاب (العلم الذي يستحق أن يسمى علماً) وهو مطبوع عام ١٤١٩هـ، وبعده كتاب (علماء السلف وأهل الوقت) وهو مطبوع عام ١٤٢٠هـ، وبعده كتاب (دعوى الإصلاح)، وهو مطبوع عام ١٤١٣هـ، ونختمه بقصيدة (المنهج المسدد)، وذلك لحصول الفائدة إن شاء الله وبحوله وقوته ورجائه وله الحمد.
كتبه
عبد الكريم بن صالح الحميد
محرم ١٤٢٣هـ
стр. 72
العلم الذي يستحق أن يسمى علماً
بعد ظهور هذه العلوم العصرية التبس الأمر على كثير من الناس في مسمى العلم فصاروا يطلقونه عليها وهذا ضلال حيث يظنون أن مدح العلم والعلماء في الكتاب والسنة يدخل فيه هذا، ولذلك يستدلون عليه بأدلة الكتاب والسنة كما سأذكره فيما بعد إن شاء الله من كلام أهل العصر.
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (العلم الموروث عن النبي ﷺ ؛ فإنه هو الذي يستحق أن يسمى علماً، وما سواه إما أن يكون علماً فلا يكون نافعاً.
وإما أن لا يكون علماً وإن سُمّي به، ولئن كان علماً نافعاً فلابد أن يكون في ميراث محمد ﷺ ما يغني عنه مما هو مثله وخير منه). (١)
وقال الأوزاعي ﵀: (العلم ماجاء عن أصحاب محمد وما لم يجيء عنهم فليس بعلم). (٢)
стр. 73
إن جُلَّ علوم هذا العصر لم تجيء عن أصحاب محمد ﷺ ورضي الله عنهم فليست بعلم.
وقال أبو حاتم على حديث النبي ﷺ : (يتقارب الزمان وينقص العلم) الحديث: (في هذا الخبر كالدليل على أن ما لم ينقص من العلم ليس بعلم الدين في الحقيقة إذْ أخبر المصطفى ﷺ أن العلم ينقص عند تقارب الزمان وفيه دليل على أن ضد العلم يزيد وكل شيء زاد مما لم يكن مرجعه إلى الكتاب والسنة فهو ضد العلم). (١)
فانظر قوله: (مما لم يكن مرجعه إلى الكتاب والسنة؛ وأنه ضد العلم).
ومما ينبغي تأمله أن مسمى العلم الآن أصبح لا يتناول المطلوب لخاصيته وهو العلم الإلهي بل بالقدر المشترك بينه وبين غيره من العلوم، فلا يُطلب إلا بجامع ما يشترك فيه هو وغيره من العلوم، لأن اسم العلم صار يشمله ويشمل غيره وهذا خلاف ماكان عليه السلف، ثم إن هذا الاسم الشمولي الذي يتناول المطلوب الحق وغيره هو من استعمال اللفظ في غير معناه، أو بعبارة أدق استعمال اللفظ في غير معناه بإدخال ماليس منه فيه، ويأتي زيادة بيان لهذا إن شاء الله.
стр. 74
هل كمال النفس في مجرد العلم ؟
إنه مما لا يحتاج إلى كلام أن أهل الوقت صارت هممهم مصروفة إلى نيل العلوم والإكثار منها مع فساد القصد من إرادة الدنيا والرئاسة، ولذلك يتحاضون على كثرة القراءة والمطالعة واقتناء الكتب مطلقاً وأكثرهم يزعم أن هذا هو الكمال مع أنه طريق الفلاسفة ونهجهم؛ حيث يرون أن كمال النفس بمجرد العلم.
قال ابن القيم ﵀ في كلامه عن الفلاسفة: (وجعلوا كمالها العلمي في مجرد العلم وغلطوا في ذلك من وجوه كثيرة وذكر كلاماً ثم قال: ومنها أن كمال النفس في العلم والإرادة لا في مجرد العلم؛ فإن مجرد العلم ليس بكمال للنفس مالم تكن مريدة محبة لمن لا سعادة لها إلا بإرادته ومحبته، فالعلم المجرد لا يعطي النفس كمالاً ما لم تقترن به الإرادة والمحبة). (١)
وقال ﵀: (فإذا امتلأ القلب بالشغل بالمخلوق والعلوم التي لا تنفع لم يبق فيه موضع للشغل بالله ومعرفة أسمائه وصفاته وأحكامه، وسِرّ ذلك أن إصغاء القلب كإصغاء الأذن فإذا أصغى إلى غير حديث الله لم يبق فيه إصغاء ولا فهم لحديثه، كما إذا مال لغير محبة الله لم يبق فيه ميل إلى محبته).
стр. 75
العلوم غير الدينية
لا تعطي للنفس كمالاً
أصبح تقييم الرجال والنساء في هذا الوقت بكثرة علومهم أياً كانت هذه العلوم وهذا منهج الفلاسفة، ولذلك يقول ابن القيم بعد الكلام السابق: (ومنها أن العلم لو كان كمالاً بمجرده لم يكن ماعندهم [يعني الفلاسفة] من العلم كمالاً للنفس؛ فإن غاية ما عندهم علوم رياضية صحيحة مصلحتها من جنس مصالح الصناعات وربما كانت الصناعات أصلح وأنفع من كثير منها وإما علم طبيعي صحيح غايته معرفة العناصر وبعض خواصها وطبائعها ومعرفة بعض ما يتركب منها وما يستحيل من الموجبات إليها وبعض ما يقع في العالم من الآثار بامتزاجها واختلاطها وأي كمال للنفس في هذا وأي سعادة لها فيه؟). (١) انتهى.
انظر قوله عن هذه العلوم وهي أكثر علوم أهل الوقت: (وأي كمال للنفس في هذا وأي سعادة لها فيه؟) ثم قال: (ولهذا كان أكمل الأمم علماً اتباع الرسل وإن كان غيرهم أحذق منهم في علم النجوم والهندسة وعلم الكم المتصل والمنفصل وعلم النبض والقارورة والأبوال