← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12796

بيان العلم الأصيل والمزاحم الدخيل

عبد الكريم بن صالح الحميد

Полный текст (165 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وسوف أُرفق مع هذا الكتاب كتاب (العلم الذي يستحق أن يسمى علماً) وهو مطبوع عام ١٤١٩هـ، وبعده كتاب (علماء السلف وأهل الوقت) وهو مطبوع عام ١٤٢٠هـ، وبعده كتاب (دعوى الإصلاح)، وهو مطبوع عام ١٤١٣هـ، ونختمه بقصيدة (المنهج المسدد)، وذلك لحصول الفائدة إن شاء الله وبحوله وقوته ورجائه وله الحمد. كتبه عبد الكريم بن صالح الحميد محرم ١٤٢٣هـ

стр. 72

العلم الذي يستحق أن يسمى علماً بعد ظهور هذه العلوم العصرية التبس الأمر على كثير من الناس في مسمى العلم فصاروا يطلقونه عليها وهذا ضلال حيث يظنون أن مدح العلم والعلماء في الكتاب والسنة يدخل فيه هذا، ولذلك يستدلون عليه بأدلة الكتاب والسنة كما سأذكره فيما بعد إن شاء الله من كلام أهل العصر. وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (العلم الموروث عن النبي ﷺ ؛ فإنه هو الذي يستحق أن يسمى علماً، وما سواه إما أن يكون علماً فلا يكون نافعاً. وإما أن لا يكون علماً وإن سُمّي به، ولئن كان علماً نافعاً فلابد أن يكون في ميراث محمد ﷺ ما يغني عنه مما هو مثله وخير منه). (١) وقال الأوزاعي ﵀: (العلم ماجاء عن أصحاب محمد وما لم يجيء عنهم فليس بعلم). (٢)

стр. 73

إن جُلَّ علوم هذا العصر لم تجيء عن أصحاب محمد ﷺ ورضي الله عنهم فليست بعلم. وقال أبو حاتم على حديث النبي ﷺ : (يتقارب الزمان وينقص العلم) الحديث: (في هذا الخبر كالدليل على أن ما لم ينقص من العلم ليس بعلم الدين في الحقيقة إذْ أخبر المصطفى ﷺ أن العلم ينقص عند تقارب الزمان وفيه دليل على أن ضد العلم يزيد وكل شيء زاد مما لم يكن مرجعه إلى الكتاب والسنة فهو ضد العلم). (١) فانظر قوله: (مما لم يكن مرجعه إلى الكتاب والسنة؛ وأنه ضد العلم). ومما ينبغي تأمله أن مسمى العلم الآن أصبح لا يتناول المطلوب لخاصيته وهو العلم الإلهي بل بالقدر المشترك بينه وبين غيره من العلوم، فلا يُطلب إلا بجامع ما يشترك فيه هو وغيره من العلوم، لأن اسم العلم صار يشمله ويشمل غيره وهذا خلاف ماكان عليه السلف، ثم إن هذا الاسم الشمولي الذي يتناول المطلوب الحق وغيره هو من استعمال اللفظ في غير معناه، أو بعبارة أدق استعمال اللفظ في غير معناه بإدخال ماليس منه فيه، ويأتي زيادة بيان لهذا إن شاء الله.

стр. 74

هل كمال النفس في مجرد العلم ؟ إنه مما لا يحتاج إلى كلام أن أهل الوقت صارت هممهم مصروفة إلى نيل العلوم والإكثار منها مع فساد القصد من إرادة الدنيا والرئاسة، ولذلك يتحاضون على كثرة القراءة والمطالعة واقتناء الكتب مطلقاً وأكثرهم يزعم أن هذا هو الكمال مع أنه طريق الفلاسفة ونهجهم؛ حيث يرون أن كمال النفس بمجرد العلم. قال ابن القيم ﵀ في كلامه عن الفلاسفة: (وجعلوا كمالها العلمي في مجرد العلم وغلطوا في ذلك من وجوه كثيرة وذكر كلاماً ثم قال: ومنها أن كمال النفس في العلم والإرادة لا في مجرد العلم؛ فإن مجرد العلم ليس بكمال للنفس مالم تكن مريدة محبة لمن لا سعادة لها إلا بإرادته ومحبته، فالعلم المجرد لا يعطي النفس كمالاً ما لم تقترن به الإرادة والمحبة). (١) وقال ﵀: (فإذا امتلأ القلب بالشغل بالمخلوق والعلوم التي لا تنفع لم يبق فيه موضع للشغل بالله ومعرفة أسمائه وصفاته وأحكامه، وسِرّ ذلك أن إصغاء القلب كإصغاء الأذن فإذا أصغى إلى غير حديث الله لم يبق فيه إصغاء ولا فهم لحديثه، كما إذا مال لغير محبة الله لم يبق فيه ميل إلى محبته).

стр. 75

العلوم غير الدينية لا تعطي للنفس كمالاً أصبح تقييم الرجال والنساء في هذا الوقت بكثرة علومهم أياً كانت هذه العلوم وهذا منهج الفلاسفة، ولذلك يقول ابن القيم بعد الكلام السابق: (ومنها أن العلم لو كان كمالاً بمجرده لم يكن ماعندهم [يعني الفلاسفة] من العلم كمالاً للنفس؛ فإن غاية ما عندهم علوم رياضية صحيحة مصلحتها من جنس مصالح الصناعات وربما كانت الصناعات أصلح وأنفع من كثير منها وإما علم طبيعي صحيح غايته معرفة العناصر وبعض خواصها وطبائعها ومعرفة بعض ما يتركب منها وما يستحيل من الموجبات إليها وبعض ما يقع في العالم من الآثار بامتزاجها واختلاطها وأي كمال للنفس في هذا وأي سعادة لها فيه؟). (١) انتهى. انظر قوله عن هذه العلوم وهي أكثر علوم أهل الوقت: (وأي كمال للنفس في هذا وأي سعادة لها فيه؟) ثم قال: (ولهذا كان أكمل الأمم علماً اتباع الرسل وإن كان غيرهم أحذق منهم في علم النجوم والهندسة وعلم الكم المتصل والمنفصل وعلم النبض والقارورة والأبوال

стр. 76

ومعرفة قوامها ونحوها من العلوم التي لما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم بها وآثروها على علوم الرسل وهي كما قال الواقف على نهاياتها ظنون كاذبة وإن بعض الظن إثم وهي علوم غير نافعة فنعوذ بالله من علم لا ينفع وإن نفعت فنفعها بالنسبة إلى علوم الأنبياء؛ كنفع العيش العاجل، بالنسبة إلى الآخرة ودوامها). (١) انتهى. تأمل قوله ﵀: (وإن كان غيرهم أحذق منهم في علوم النجوم والهندسة إلى آخره)، وأن هؤلاء في زماننا يُسمون علماء ويوصفون بالتقدم العلمي ويتنافس المتنافسون على تحصيل علومهم وهم الذين لما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم يعني هذه العلوم؛ وهي التي ليس مرجعها إلى الكتاب والسنة، كما قال ابن حبان ﵀ وقد تقدم كلامه. وقال ابن تيمية في سياق كلام له على علوم الفلاسفة: (فإن علم الحساب الذي هو علم بالكمّ المنفصل والهندسة التي هي علم بالكم المتصل علم يقيني لا يحتمل النقيض البتّة مثل جمع الأعداد وقسمتها وضربها ونسبة بعضها إلى بعض؛ فإنك إذا جمعت مائة إلى مائة علمت أنهما مائتان، وذكر كلاماً ثم قال: والمقصود أن هذا العلم الذي تقوم عليه براهين صادقة لكن لا تكمل بذلك نفس ولا تنجو من عذاب، ولا

стр. 77

تنال به سعادة). ولهذا قال أبو حامد الغزالي وغيره في علوم هؤلاء: (هي بين علوم صادقة لا منفعة فيها ونعوذ بالله علم لا ينفع، وبين ظنون كاذبة لا ثقة بها وإن بعض الظن إثم). قال ابن القيم في كلامه عن الأفكار الرديئة: ومنها الفكر في العلوم التي لو كانت صحيحة لم يعط الفكر فيها النفس كمالاً ولا شرفاً كالفكر في دقائق المنطق والعلم الرياضي والطبيعي وأكثر علوم الفلاسفة التي لو بلغ الإنسان غايتها لم يكمل بذلك ولم يُزَكِّ نفسه. (١) انتهى.

стр. 78

العلم الممدوح في الكتاب والسنة إنما حصل اللبس من جهة اشتراك الألفاظ وإجمالها فكل ما يُنال بالتعليم اليوم يطلق عليه اسم العلم بدون تقييد ويطلق على أربابه أنهم علماء ويظن الجاهل أن هذا كله داخل في مسمى العلم والعلماء الممدوح في الكتاب والسنة وهذا ضلال وتضليل. ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فاللفظ المشتبه المجمل إذا خُصَّ في الاستدلال وقع فيه الضلال والإضلال. وقد قيل: إن أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء. (١) وهذا هو الواقع في زماننا في أشياء كثيرة لكن من أخطرها وأعظمها التباساً مسمى العلم فقد دخل فيه حتى ما يضاده ويناقضه من جهة التسمية المطلقة ومن جهة المدح وكل هذا ضلال حصل بسببه الشيء العظيم من الغرور والاغترار ومن الانحراف عن الصراط المستقيم الذي كان عليه نبي هذه الأمة ﷺ وصحبه الكرام رضوان الله عليهم ومن تبعهم بإحسان.

стр. 79

قال ابن كثير ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾. قال: هذه الآية إنما دلّت على مدح العالِمين العلم الشرعي. انتهى يعني وكل ما كان في معناها من مدح العلم وأهله مطلقاً أما غير علماء الدين فلا يطلق عليهم هذا الاسم ولا ما يتبعه من المدح لكن يقال: علم كذا وعالم كذا بالتقييد، يوضح ذلك ما قرره ابن تيمية ﵀ بقوله: (وهذا كما أن العالم في الحقيقة ذو العلم سواءً كان العِلم علم الشريعة والدين أو غيره من العلوم وإذا أطلق مطلق فقال: رأيت العلماء أوجاءني عالم فلا يُفهم من إطلاقه أصحاب الحرف والصناعات بل لايُفهم منه إلا علماء الشريعة). (١) انتهى. كذلك المدح في الكتاب والسنة؛ إنما هو لهؤلاء ومن هنا يتبين ضلال كثير من أهل الوقت كما سيأتي بيان ذلك من كلامهم إن شاء الله.

стр. 80

قاعدة مهمة قال ابن تيمية بعد كلام سابق: ومن هنا غلِط كثير من الناس؛ فإنهم قد تعوّدوا ما اعتادوه إما من خطاب عامّتهم وإما من خطاب علمائهم؛ باستعمال اللفظ في معنى؛ فإذا سمعوه في القرآن والحديث ظنّوا أنه مستعمل في ذلك المعنى فيحملون كلام الله ورسوله على لغتهم النبطيّة وعاداتهم الحادثة، وهذا مما دخل به الغلط على طوائف؛ بل الواجب أن تُعرف اللغة والعادة والعُرف الذي نزل في القرآن والسنة وما كان الصحابة يفهمون من الرسول عند سماع تلك الألفاظ، فبتلك اللغة والعادة والعُرْف خاطبهم الله ورسوله لا بما حدث بعد ذلك). (١) انتهى. ويقال هنا: هل اللغة والعادة والعرف الذي نزل في الكتاب والسنة أن يُمدح كل عالم ويثنى على كل عالم وعلم أو أن هذا يختص بالعلم الشرعي وعلمائه الذين يعملون به؟ الأمر في غاية الوضوح لا يجادل به إلا جاهل أو مكابر، وقد تبين ذلك مما تقدم ولأهميته سأزيده فيما بعد بإذن الله تعالى.

стр. 81

الإسلام والعلم " الإسلام والعلم ": هذا عنوان نسخة من النسخ، وقبل الكلام على ما فيها؛ أبين خطأ هذا العنوان؛ وأنه بسبب هذه الإطلاقات حصل لبس عظيم، فيقال: إذا كان المراد بالعلم علم الشريعة؛ فالإسلام هو العلم، ولا يُقال: الإسلام والعلم، الدين والعلم، فليس هناك مغايرة ولا ثنائية ولذلك يقال: العلوم الإسلامية، علم الدين، وهكذا بمعنى أن الإسلام هو العلم، والدين هو العلم. فإذا قال المتأخرون: الإسلام والعلم أو الدين والعلم أو الإسلام لا يعارض العلم، أولا يحارب العلم، والدين يحث على العلم ونحو هذه العبارات؛ فإنما يقصدون بالعلم علوم الغربيين فينبغي التنبه لهذا؛ لأنهم إنما أطلقوا هذه العبارات للرد على المعارضين.

стр. 82

الكنيسة تحت العنوان السابق: " الإسلام والعلم ". قال المؤلف: سبب القول بوجود تعارض بين الإسلام والعلم هو: أن الكنيسة في العصور الوسطى كانت تفرض قيوداً على الحياة الأوروبية إلى آخره، حيث ذكر أن الكنيسة تفرض قيوداً على الحياة العلمية، وتصدر قوانين وقرارات تنسبها للدين مما أدّى إلى تضجر الناس وثورتهم على الكنيسة ونشوء العلمانية. ثم قال: بعد ذلك قاسوا على الكنيسة جميع الأديان ومن ضمنها الإسلام دون النظر هل يقف ضد العلم أم أنه يدعو إليه، فقط بمجرد القياس على الكنيسة مع أن الإسلام رفع راية العلم والتعلم في أول آيات نزلت على محمد ﷺ ، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً. انتهى. فهذا الكلام يردده المتأخرون ويتناقلونه وكأنه قرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وتجد كل من بحث في هذه العلوم الغربية وتكلم فيها يُزَوّق كلامه بهذا بِدَعوى الدفاع عن الإسلام وإظهار محاسنه ومدحه إذْ أنه أنه ليس كالكنيسة تعارض العلم، وتأمل الاستدلال على ذلك وهو أول الآيات التي نزلت على محمد ﷺ وكأن هذه الآيات التي في

стр. 83

سورة: " اقرأ " تدعو إلى هذا العلم المزعوم، وبلا شك أن تفسير آيات القرآن العظيم بهذا من أخطر الأمور على الأمة وقد حصل بسببه لبس وضلال ومعاذ الله أن يأمر سبحانه بهذه الآيات أو غيرها من آيات القرآن التي تجرأ عليها المتأخرون بتأويلاتهم الفاسدة الباطلة بغير العلم الديني الشرعي ومن زعم غير ذلك فهو مفترٍ على الله، ومعلوم وعيد من فسّر القرآن برأيه. وقد قال ابن تيمية: من فسّر القرآن والحديث وتأوله على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين فهو مفتر على الله ملحد في آيات الله محرف للكلم عن مواضعه. انتهى. وبلا شك أن هذا تفسير للقرآن على غير المعروف عن الصحابة والتابعين. وتفسير القرآن والأحاديث على غير المعروف عن الصحابة والتابعين في زماننا بحر لا ساحل له وسأذكر نماذج لذلك إن شاء الله. كذلك قال ابن تيمية: لا يجوز استعمال ظواهر الكتاب قبل البحث عما يُفسرها من السنة وأقوال الصحابة والتابعين وغيرهم. (١) وقوله: " وغيرهم "، يعني ممن هو على نهجهم لم يخرج عن طريقهم. يوضح ذلك كلامه السابق: " من فسّر القرآن والحديث" إلى آخره. ولتمام الفائدة هنا؛ فإن السلف فسّروا جميع القرآن، كما قال

стр. 84

مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته أقفه عند كل آية وأسأله عنها، وقد تلقّوا ذلك عن النبي ﷺ . وقد ذكر ابن تيمية. وإذا كانت الحال هكذا فليحذر الناصح لنفسه مما تهوّك به المتأخرون من خوضهم في معاني الكتاب والسنة بآرائهم وأهوائهم وجهالاتهم حتى زعم بعضهم أن آيات الخلق لم يكن يُعرف معناها وقت نزول القرآن؛ وإنما عُرفت بعد انبثاق هذه العلوم. (١) فقوله: (مع أن الإسلام رفع راية العلم والتعلم في أول آيات نزلت) من أبطل الباطل وأكذب الكذب حيث يقصد هذه العلوم والتجارب والأبحاث وإنه ليليق بالمتأخرين هذا التخليط وإنما رفع الإسلام راية العلم بالله ودينه فقط، وذمّ ما سواه من العلوم التي لما جاءت أهلها رسلهم بالبينات فرحوا بها.

стр. 85

القول بأنه لا يوجد تعارض بين الإسلام والعلم قال المؤلف بعد الكلام السابق: لا يوجد تعارض بين الإسلام والعلم فالإسلام أمر بالعلم وأول آية نزلت على الرسول ﷺ ترفع شعار العلم: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾. والأدلة على ذلك كثيرة ومنها: ما ورد في القرآن: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ الآيات. ﴿هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾. ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾. ما ورد في السنة: ومن ذلك: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً) الحديث. (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) في قصة الرجل: (ألا سألوا حينما جهلوا؛ فإن شفاء العي السؤال). التاريخ: ما وُجد في العصور الوسطى في الخلافات الإسلامية من تقدم في جميع الميادين، فالتاريخ يشهد أن المسلمين أمة علمية وتدعو إلى التعلم وحاديهم الدعوة إلى الإسلام وإلى العلم والتعلم.

стр. 86

ثم قال بعد ذلك: هل الأدلة السابقة تدل على العلم الشرعي فقط؟ الجواب: لا بل هي عامة، بدليل قوله تعالى: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق﴾. وقوله تعالى: ﴿إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس﴾ الآية .. انتهى. انظر قوله: " بل هي عامة "، يعني أدلة الكتاب والسنة السابقة الذكر وأنها بزعمه في العلم الشرعي وغيره واستدلاله بقوله تعالى: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق﴾ الآية، وهذه الآية كثيراً ما يذكرونها عند ذكر هذه العلوم والتجارب والبحوث كقولهم في غيرها بغير علم بل بالرأي والهوى وقد رَدَّ شيخ الإسلام دعوى من زعم أن الضمير يعود إلى الله في قوله تعالى في هذه الآية: ﴿أنه الحق﴾، وذكر أن هذا قول طائفة من المتفلسفة ومن تبعهم من المتكلمة والمتصوفة، وقد تبعهم المتأخرون في زماننا فيذكرون هذه الآية، يستدلون بها على طريق معرفة الله بالعلم وذكر ﵀ أن الضمير يعود على القرآن قال: " والثالث العمل بموجب العلم قال تعالى: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق، أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد﴾.

стр. 87

والضمير عائد على القرآن كما قال تعالى: ﴿قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد، سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق﴾. الآية. وأما قول طائفة من المتفلسفة ومن تبعهم من المتكلمة والمتصوفة أن الضمير عائد إلى الله وأن المراد ذكر طريق من عرفه بالاستدلال بالعلم فتفسير الآية بذلك خطأ من وجوه كثيرة وهو مخالف لما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها. (١) ولزيادة الوضوح فقد قال قبل الكلام السابق: وأما كيف يحصل اليقين فبثلاثة أشياء: أحدها: تدبر القرآن. والثاني: تدبر الآيات التي يحدثها الله في الأنفس والآفاق التي تبين أنه حق. والثالث: العمل بموجب العلم، ثم ذكر الكلام السابق. وقال بعد ذلك: فبيّن سبحانه أنه يُرى الآيات المشهودة ليبين صدق الآيات المسموعة. ثم قال: وأما الآيات المشهودة؛ فإن ما يُشهد وما يُعلم بالتواتر من عقوبات مُكذبي الرسل ومن عصاهم ومن نصر الرسل وأتباعهم على

стр. 88

الوجه الذي وقع وما عُلم من إكرام الله تعالى لأهل طاعته وجَعْل العاقبة لهم وانتقامه من أهل معصيته وجَعْل الدائرة عليهم: فيه عبرة تبين أمره ونهيه ووعده ووعيده وغيره ذلك مما يوافق القرآن. إلى آخره. اعلم أن هذه الآية يستدل بها المتأخرون على علومهم وتجاربهم خلاف ما ذكر الشيخ وخلاف ما كان عليه السلف ويجعلون الضمير فيها يعود إلى الله وهو يعود على القرآن كما بيّن الشيخ، وهذه الآية تشبه قوله تعالى: ﴿قل سيروا في الأرض﴾ الآية. حيث يستدل بها المتأخرون على الأبحاث والتنقيب في الأرض وقد بيّنت بطلان ذلك ولله الحمد من كلام علمائنا في: [هداية الحيران] وذكرت معناها الصحيح. وكم وكم من آية فسروها بآرائهم وأهوائهم كذلك الأحاديث، ثم قد يظن هؤلاء أن السلف ينكرون النظر والاعتبار والتفكر وليس كذلك. قال ابن تيمية: " فإن أهل السنة والحديث لا ينكرون ما جاء به القرآن "، هذا أصل متفق عليه بينهم، والله قد أمر بالنظر والاعتبار والتفكر والتدبر في غير آية، ولا يُعرف عن أحد من سلف الأمة ولا ائمة السنة وعلمائها أنه أنكر ذلك. وذكر كلاماً ثم قال: فإنهم أنكروا ما ابتدعه المتكلمون من باطل نظرهم وكلامهم واستدلالهم. (١)

стр. 89

كذلك هؤلاء يستدلون بالآيات التي فيها الأمر بالنظر والتفكر والاعتبار على علومهم المحدثة ولو أنكر عليهم أحد لقالوا: (إن الله أمر بالقرآن بذلك)، فتأمل كلام الشيخ أن أهل السنة ينكرون ما ابتدعه المتكلمون من الطريقة التي يثبتون بها وجود الله مع أنها فطريّة كذلك المتأخرون أشبهوهم في ذلك، وقد يطول علينا نقل تفاسير السلف للآيات المذكورة وغيرها وكذلك الأحاديث وإنما أحيل على كلام السلف في ذلك. ثم ذكر المؤلف عنواناً هو: [تشريف الكتاب والسنة للعلم]. واستدل بآيات من القرآن وأحاديث من السنة فيها فضل وشرف العلم والعلماء ومعلوم أنه لا يرى تخصيص ذلك بالعلم الشرعي والعلماء الشرعيين كما تقدم من كلامه وكما هو منتشر ومشهور من كلام المتأخرين، ولذلك قال: فقد نهج الإسلام منهجاً مخالفاً لغيره من الأديان بل دعا إلى العلم ونهج هذا المنهج. وهذا المنهج الإسلامي في الدعوة إلى العلم يقوم على دعامتين: أ- في نقل الاستفادة من خبرة غيرنا فقد قال الله تعالى: ﴿إن في ذلك لذكرى من لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد﴾.

стр. 90

﴿لمن كان له قلب﴾ أي: يصل إلى المعلومة بنفسه سواءً سُبق أو لم يُسبق إليها. ﴿ألقى السمع﴾ أي: سمع المعلومة من غيره ولم يصل إليها بنفسه، وهذا هو الشاهد،. انتهى. تأمل هذه التأويلات الباطلة لكلام الله وعدم رجوع كثير من المتأخرين في معاني الكتاب والسنة إلى كلام النبي ﷺ والصحابة والتابعين وإن هذا والله لهو الافتراء على الله والإلحاد في كلامه وتحريف الكلم عن مواضعه كما فعل هذا الضال المضل وغيره كثير لا كثرّهم الله وهم لو أنهم لما فُتنوا بهذه العلوم والحوادث التي فُتنوا بها لم يتعرضوا لكلام الله وكلام رسوله لصار الأمر أهون، كيف تجرأ هذا الضال بأن قال على الله الكذب: ﴿لمن كان له قلب﴾ أي: يصل إلى المعلومة بنفسه يعني هذه المعلومات المستحدثة المبنية بزعمهم على التجارب ووالله ما أراد الله هذا بكلامه وإنما المراد من له قلب حي حاضر يعي عن الله لا عن أعداء الله، ومعلوم أن كل إنسان له قلب؛ المسلم والكافرن وقلب الكافر ميت ولو وصل إلى كل معلومة، ولايمدح على ذلك ولا يثنى عليه بل يذم غاية الذم حيث لم ينتفع بقلبه الذي وهبه الله إياه ليعرفه فيه ويحبه ويعمل بطاعته فاستعمله في غير ماخلق له وقد تقدم كلام ابن القيم ﵀ عن الكفار من الفلاسفة ونحوهم وعلومهم من الرياضيات والطبيعيات والهندسة ونحو ذلك، وقوله ﵀: وأي كمال للنفس في

стр. 91

هذا؟ وأي سعادة لها فيه ". وقوله عن هؤلاء: أنهم لما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم بهذه المعلومات وهي ظنون كاذبة وعلم لا ينفع إلى آخر ما قال، وما أشبه الليلة بالبارحة، وقد تكلم شيخ الإسلام عن الفلاسفة وهؤلاء الملاحدة يشبهونهم من بعض الوجوه. فقد قال عنهم ﵀: لكن لهم معرفة جيدة بالأمور الطبيعية وهذا بحر علمهم وله تفرغوا وفيه ضيّعوا زمانهم. وأما معرفة الله تعالى فحظهم منها مبخوس جداً وأما ملائكته وأنبياؤه وكتبه ورسله والمعاد فلا يعرفون ذلك البتة، ولم يتكلموا فيه لا بنفي ولا إثبات؛ وإنما تكلم في ذلك متأخروهم الداخلون في الملل. (١) وهكذا أهل هذه العلوم: الأمور الطبيعية بحر علمهم ولها تفرّغوا وضيّعوا زمانهم، فهل يليق بالمسلم أن يتشبه بهم ويتبع آثارهم؟!. ثم قال المؤلف: ب: الابتكار واستعمال العقل والتجارب من أجل الوصول إلى ما لم يصل إليه غيرنا من العلوم قال تعالى: ﴿إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون﴾. إلى آخره.

стр. 92

فانظر كيف يستدل بهذه الآية على الابتكار وأن نصل إلى ما لم يصل إليه غيرنا من العلوم، ومعلوم أنه يقصد مجاراة الملاحدة في علومهم التي فرحوا بها، وبها ضلوا وأضلوا من تبعهم وأين هذا مما أراد الله بكلامه؟ وفي الآخر يقول عن أهمية البحث العلمي وأنه كل ما وصل إليه الإنسان من تقدم مادي أو فكري أو حضاري أو غيرها. فانظر كيف يُدخلون في العلم الممدوح ما ليس منه وقد يكون يعارضه ويجعلون المدح للكل والتشريف للكل. وقد ذكر شيخ الإسلام أن دلالة اللفظ على المعنى سمعية فلابد أن يكون اللفظ مستعملاً في ذلك المعنى يعني حين نزول القرآن فهل كان اسم العلم يستعمل في هذا المعنى المحدث أو أنه يخص الوحي فقط؟ هذا بيّن، كذلك معاني الآيات. قال ﵀: لا يُكتفى في ذلك بمجرد أن يصلح وضع اللفظ لذلك المعنى إذْ الألفاظ التي يصلح وضعها للمعاني ولم توضع لها لا يحصي عددها إلا الله. ثم قال: لا سيما إذا عُلم أن اللفظ موضوع لمعنى هو مستعمل فيه فحمله على غير ذلك لمجرد المناسبة كذب على الله، كذلك المتأخرون يستعملون كثيراً من معاني الكتاب والسنة لمجرد المناسبة مثل الاشتراك في مسمى العلم فيدخلون هذه العلوم ويستدلون عليها بما ورد في الكتاب والسنة من الأمر بطلب العلم والمدح له ولأهله ويفسرون الآيات والأحاديث لمجرد المناسبة وليس هذا هو المعنى المراد قطعاً.

стр. 93

هل أصل العلوم التجريبية مأخوذ من المسلمين ؟ يقولون: الواقع أننا حين نقتبس الجانب العلمي من الغرب لا نفعل شيئاً إلا أننا نسترد بضاعتنا فنحن أصحاب هذا العلم وأولى الناس به، فقد أخذ الغرب أصول هذا العلم ومنهجه منا كما اعترف بذلك بريفولت ودوهرنج ولوبون وسارتون وغيرهم من الدارسين الغربيين المنصفين. ويقولون: ولا شك أن المنهجية الاستقرائية من ابتداع المسلمين وليس من المبالغة القول: بأن المسلمين هم أول من أرسى قواعد المنهجية الاستقرائية في العلوم التجريبية. هذا الكلام ونحوه يوجد بكثرة في علوم أهل الوقت وقد ضل به من ضل، ودعوى أن المسلمين هم أهل العلوم التجريبية وهم الذين أصّلوها وأخذها الغربيون منهم فيما بعد، دعوى كاذبة، والعجيب أنهم يريدون بذلك مدح الإسلام وأهله بزعمهم ولتعلم بطلان هذه الدعوى وزيْفها، اسألهم عن المسلمين الذين يصولون بهم ويجولون. يأتيك الجواب: ابن سينا ومحمد بن زكريا الرازي الطبيب وابن الهيثم وأبو حيان ونحوهم. أما ابن سينا فهو إمام الملحدين، ذكر ذلك

стр. 94

ابن القيم ونقل كفره ابن تيمية والشيخ محمد بن عبد الوهاب وغيرهم من العلماء. ومحمد بن زكريا الرازي كافر أيضاً ذكر ذلك ابن تيمية وغيره من العلماء، وابن الهيثم من جنس هؤلاء وأبو حيان يقول ابن تيمية: ليس له ذكر بين أهل العلم والدين إلى آخر القائمة وعلى هذا فقس. كذلك يقال: نتحدى أهل هذه الدعوة أن يأتونا بشيء من ذلك عن النبي ﷺ أو الصحابة والتابعين أو أئمة المسلمين وعلمائهم من السلف وهذه سيرهم وتراجمهم وعلومهم بين يدي الناس لا يوجد فيها غير ميراث محمد ﷺ . أما ذمهم لمن ينتحل من العلوم غير علم الكتاب والسنة فأكثر من أن يحصر.

стр. 95

فرض الكفاية بعض أهل الوقت يجعل بعض العلوم التي ما أنزل الله به من سلطان من فروض الكفاية وقد تكون هذه العلوم مضادة لعلوم الدين أو مشغلة عنها أو مضعفة لها وهذا كله ضرره ونقصه بيّن والآن تأمل ما قاله ابن القيم ﵀ في ذلك لئلا تغتر فتظن أن كل من تكلم بالدين على صراط مستقيم في كل ما يقول فكل أحد اليوم يتكلم بالدين وأصبح الكل دُعاة ولو علم المغرور شدة حاجته إلى من يدعوه ليرده إلى الصراط المستقيم حقيقة لما تمادى في غروره، ما أكثر من يتكلم اليوم باسم الدين وهو بعيد عنه. والمقصود أن ابن القيم ﵀ يقول في فرض الكفاية: وأما فرض الكفاية فلا أعلم فيه ضابطاً صحيحاً؛ فإن كل أحد يُدخل في ذلك ما يظنه فرضاً فيدخل بعض الناس في ذلك علم الطب وعلم الحساب وعلم الهندسة والمساحة وبعضهم يزيد على ذلك علم أصول الصناعة كالفلاحة والحياكة والحدادة والخياطة ونحوها، وبعضهم يزيد على ذلك علم المنطق وربما جعله فرض عين وبناه على عدم صحة إيمان المقلد وكل

стр. 96

هذا هوس وخبط فلا فرض إلا ما فرضه الله ورسوله. إلى آخر كلامه. (١) انظر قوله: وكل هذا هَوَس وخبط فلا فرض إلا ما فرضه الله ورسوله.

стр. 97

شرف العلم تابع لشرف معلومه إني أنصح من أراد السلوك إلى الله وهو صادق ألاّ يغتر بكثير من المتأخرين وما يكتبونه وما يقولونه ففي ذلك والله من الآفات والبليات والقواطع عن الطريق مالا يحيط بعلمه إلا الله ، وأن تكون له عناية خاصة بكتب السلف ومعلوم أن الوصية بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ لكن لابد في معرفة ذلك من الاستضاءة بنور العلماء وتأمل الآن هذا الكلام لابن القيم الذي يعرف العلم ويعرف شرفه وقدره ويدلّك عليه لتميز بين العلم الشريف الممدوح وبين ما يُسمى به كذباً وزرواً ويجعل أهل الوقت له نصيباً من الشرف والمدح جهالة وضلالة. قال ﵀: ولما كان كمال الإرادة بحسب كمال مرادها وشرف العلم تابع لشرف معلومه كانت نهاية سعادة العبد الذي لا سعادة له بدونها ولا حياة له إلا بها أن تكون إرادته متعلقة بالمراد الذي لا يبلى ولا يفوت، وعزمات هِمته مسافرة إلى حضرة الحي الذي لا يموت، ولا سبيل له إلى هذا المطلب الأسنى والحظ الأوفى إلا بالعلم الموروث عن عبده ورسوله وخليله وحبيبه الذي بعثه لذلك داعياً وأقامه على هذا الطريق هادياً، وجعله واسطة بينه وبين الأنام، وداعياً له بإذنه

стр. 98

إلى دار السلام، وأبى سبحانه أن يفتح لأحد منهم إلا على يديه، أو يقبل من أحد منهم سبباً إلا أن يكون مبتدأ منه ومنتهياً إليه، فالطرق كلها إلا طريقه ﷺ مسدودة، والقلوب بأسرها إلا قلوب أتباعه المنقادة إليه عن الله محبوسة مصدودة، فحق على من كان في سعادة نفسه ساعياً، وكان قلبه حياً عن الله واعياً، أن يجعل على هذين الأَصْلَيْنِ يعني: [العلم والإرادة] مدار أقواله وأعماله وأن يصيرهما آخيّته التي إليها مفزعه في حياته. (١) انظر كيف جعل شرف العلم تابعاً لشرف معلومه ثم بين لك هذا المعلوم وهو الحي الذي لايموت ثم دلّك على الوسيلة إليه وهو العلم الموروث عن عبده ورسوله فهذا غاية المطالب ونهاية المآرب وهو العلم الذي شمّر له الصادقون وَأَمّهُ المحبون. وقد ذكر ابن القيم: أنه لابد للنفس من مراد محبوب لذاته لا تصلح إلا به ولا تكمل إلا بحبه وإيثاره وقطع العلائق عن غيره وأن ذلك هو النهاية وغاية مطلوبها ومرادها الذي إليه ينتهي الطلب فليس ذلك إلا الله الذي لا إله إلا هو. ثم قال عن طريق أهل الإيمان الذين عقلوا عن الله أمره ودينه وعرفوا مراده بما أمرهم ونهاهم عنه وهي أن نفس معرفة الله ومحبته وطاعته والتقرب إليه وابتغاء الوسيلة إليه أمر مقصود لذاته وأن الله

стр. 99

سبحانه يستحقه لذاته وهو سبحانه المحبوب لذاته الذي لا تصلح العبادة والمحبة والذل والخضوع والتألّه إلا له فهو يستحق ذلك لأنه أهل أن يُعبد ولو لم يخلق جنة ولا ناراً ولو لم يضع ثواباً ولا عقاباً كما جاء في بعض الآثار: (لو لم أخلق جنة ولا ناراً أما كنت أهلاً أن أعبد) فهو سبحانه يستحق غاية الحب والطاعة والثناء والمجد والتعظيم لذاته ولما له من أوصاف الكمال ونعوت الجلال، وحبه الرضى به وعنه والذل له والخضوع والتعبد هو غاية سعادة النفس وكمالها، والنفس إذا فقدت ذلك كانت بمنزلة الجسد الذي فقد روحه وحياته والعين التي فقدت ضوءها ونورها بل أسوأ حالاً من ذلك من وجهين: أحدهما: أن غاية الجسد إذا فقد روحه أن يصير معطلاً ميتاً وكذلك العين تصير معطلة. وأما النفس إذا فقدت كمالها المذكور فإنها تبقى معذبة متألمة وكلما اشتد حجابها اشتد عذابها وألمها، وشاهدِ هذا ما يجده المحب الصادق المحبة من العذاب والألم عند احتجاب محبوبة عنه ولا سيما إذا يئس من قربه وحظي غيره بحبه وَوَصْله، هذا مع إمكان التعوّض عنه بمحبوب آخر نظيره أو خير منه فكيف بروح فقدت محبوبها الحق الذي لم تخلق إلا لمحبته ولا كمال لها ولا صلاح أصلاً إلا بأن يكون أحب إليها من كل ما سواه وهو محبوبها الذي لا تعوّض منه سواه بوجه كما قال القائل:

стр. 100

من كل شيء إذا ضيّعته عوضُ ... وما من الله إن ضيّعته عِوَضُ إلى آخره. (١) هل تحتاج الأمة إلى علم نفس ومثل هذا الكلام النفيس من ذخائرها؟ يقال: إذا أعطيت أخاك تمرة فلم يقبلها فأعطه جمرة. ﴿وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون﴾.

стр. 101

القوّة يقال في هذه العلوم الحديثة: إعداد القوة ويُستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة﴾، والذي لا شك فيه أن الأصل الأصيل الذي يُبدأ به ويُصان ويحافظ عليه هو قوة الإيمان التي مع فقدها لا يغني شيء ومع ضعفها تحفّ الأخطار وليس المراد بقاء المسلم أعزلاً ولا أيضاً اعتماده على مالا يصلح وليس فيه نكاية بالعدو بدعوى التمسك بالقديم. فكل هذا غير مراد، وإنما المراد النظر في الأساليب المتخذة في هذا الزمان وأنه من أعظم أسباب التخلف والانقطاع عن الله الانشغال بهذه الطريقة الشمولية في قشور ملهية وشاغلة بل ومؤذية بل ومذهبه للإيمان أو أحسن أحوالها أنها مضعفه له. هل يلزم كل فرد أن يعرف عناصر المواد وتركيبها وتغيراتها واستحالاتها وأصولها وفروعها وكيف نشأت وتكوّنت وبلدانها وكمياتها وكيفياتها إلى غير ذلك مما هو مفسدة ومشغلة، ألا يكفي معرفة اسم الأداة وكيفية تصريفها لغرضها الذي هُيِّئت له بشرط أن يكون المراد أن تكون كلمة الله هي العليا؟ فتفرغ القلوب لما خلقت له وتكون أواني نظيفة لتستقبل ما هيئت وأُعدت له.

стр. 102

هل يحتاج المسلم إلى غير علم النبي ﷺ - قال ابن تيمية ﵀ بعد كلام سبق في الدور الحسابي والعلوم قال: وقد بيّنا أنه يمكن الجواب عن كل مسألة شرعية جاء بها الرسول ﷺ بدون حساب الجبر والمقابلة وإن كان حساب الجبر والمقابلة صحيحاً فنحن قد بيّنا أن شريعة الإسلام ومعرفتها ليست موقوفة على شيء يُتعلم من غير المسلمين أصلاً وإن كان طريقاً صحيحاً. ثم قال: وهكذا كل ما بعث الله به النبي ﷺ مثل العلم بجهة القبلة والعلم بمواقيت الصلاة والعلم بطلوع الفجر والعلم بالهلال فكل هذا يمكن العلم به بالطرق التي كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان يسلكونها ولا يحتاجون معها إلى شيء آخر، وإن كان كثير من الناس قد أحدثوا طرقاً أخر، وكثير منهم يظن أنه لا يمكن معرفة الشريعة إلا بها وهذا من جهلهم كما يظن طائفة من الناس أن العلم بالقبلة لا يمكن إلا بمعرفة أطوال البلاد وعروضها، وهو وإن كان علماً صحيحاً حسابياً يعرف بالعقل لكن معرفة المسلمين بقبلتهم ليست موقوفة على هذا بل قد ثبت عن صاحب الشرع ﷺ أنه قال: (ما بين المشرق والمغرب قبله). (١)

стр. 103

ولهذا كان جماهير العلماء أن المصلي ليس عليه أن يستدل بالقطب ولا بالجدي ولا غير ذلك. (١) انظر قوله: شريعة الإسلام ومعرفتها ليست موقوفه على شيء يُتعلم من غير المسلمين أصلاً وإن كان طريقاً صحيحاً. إذا كان الحال هكذا فكيف بطرق ملاحدة زماننا حيث بنوْا علومهم على التعطيل، فهذا يبيّن ما كان عليه أهل العلم من الاكتفاء بعلم ... محمد ﷺ . ولذلك يقول شيخ الإسلام: إن العلوم المفضولة إذا زاحمت العلوم الفاضلة وأضعفتها فإنها تحرم. إذا كان هذا في علوم صحيحة غير علم الدين فكيف بالعلوم الباطلة الفاسدة؟ وذكر ابن القيم ﵀: وفاء رسالته ﷺ في كل ما يحتاج إليه العباد في معارفهم وعلومهم وأعمالهم التي بها صلاحهم في معاشهم ومعادهم وأنه لا حاجة إلى أحد سواه البتة وإنما حاجتنا إلى من يبلغنا عنه ما جاء به فمن لم يستقر هذا في قلبه لم يرسخ قدمه في الإيمان بالرسول بل يجب الإيمان بعموم رسالته في ذلك كما يجب الإيمان بعموم رسالته بالنسبة إلى المكلّفين، فكما لا يخرج أحد من الناس عن رسالته البتة

стр. 104

فكذلك لا يخرج حق من العلم به والعمل بما جاء به، فما جاء به هو الكافي الذي لا حاجة بالأمة إلى سواه، وإنما يحتاج إلى غيره من قلّ نصيبه من معرفته وفهمه، فبحسب قلة نصيبه من ذلك تكون حاجته وإلا فقد توفي رسول الله ﷺ وما من طائر يقلب جناحيه في السماء إلا وقد ذكر للأمة منه علماً وعلمهم كل شيء حتى آداب التخلي وآداب الجماع والنوم والقيام والقعود والأكل والشرب والركوب والنزول ووصف لهم العرش والكرسي والملائكة والجنة والنار ويوم القيامة وما فيه حتى كأنه رأي عين، وعرّفهم بربهم ومعبودهم أتم تعريف حتى كأنهم يرونه بما وصفه لهم به من صفات كماله ونعوت جلاله، وعرّفهم الأنبياء وأممهم وما جرى لهم معهم حتى كأنهم كانوا بينهم، وعرّفهم من طرق الخير والشر دقيقها وجليلها ما لم يُعَرّفه نبي لأمته قبله وعرّفهم من أحوال الموت وما يكون بعده في البرزخ وما يحصل فيه من النعيم والعذاب للروح والبدن ما جلّى لهم ذلك حتى كأنهم يعاينوه. وكذلك عرّفهم من أدلة التوحيد والنبوة والمعاد والرد على جميع طوائف أهل الكفر والضلال ما ليس لمن عرفه حاجة إلى كلام أحد من الناس البتة، وكذلك عرّفهم من مكايد الحروب ولقاء العدو وطرق الظفر به مالو علموه وفعلوه لم يقم له عدو أبداً.

стр. 105

وكذلك عرّفهم من مكايد إبليس وطرقه التي يأتيهم منها ويحترزون به من كيده ومكره وما يدفعون به شره مالا مزيد عليه. وبذلك أرشدهم في معاشهم إلى ما لو فعلوه لاستقامت لهم دنياهم أعظم استقامة، وبالجملة فقد جاءهم رسول الله ﷺ بخير الدنيا والآخرة بحذافيره ولم يجعل الله بهم حاجة إلى أحد سواه، ولهذا ختم الله به ديوان النبوة فلم يجعل بعده رسولاً لاستغناء الأمة به عمن سواه، إلى آخره. (١) وياله من كلام نفيس ما أحسنه وأكمله، لكن قد يقول بعض الناس أو أكثر الناس اليوم في قول ابن القيم: وكذلك عرّفهم من مكايد الحروب ولقاء العدو وطرق الظفر به مالو عملوه وفعلوه لم يقم لهم عدو أبداً. قد يقال: هذا يُشكل في زماننا وليس بالبيّن لتغير الأحوال لا سيما في هذا المجال فالجواب سهل ولله الحمد. فأولاً: لو استمرت أحوال الأمة على ماتركهم عليه نبيهم ﷺ لما قام لأعدائهم قائمة بمعنى أن تكون الأعداء على ماهي عليه اليوم من حالٍ بهرت عقول من لم يرفعوا بما جاء به نبيهم ﷺ رأساً لأن هذا إنما جاء عقوبة التغيير والتبديل والانحراف عن سواء السبيل كما في الأثر: (إذا

стр. 106

عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني)، وقد قال تعالى: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾. ثانياً: لو عادت الأمة اليوم إلى طريق نبيهم ﷺ لرأوا من تغيير الله لهم الأحوال ما لا يوصف فالأمر كله له سبحانه هو المدبر لأمر الخلائق وبهذا الجواب يَنْحلّ الإشكال لكن إنما ينتفع بهذا أهل الإيمان الذين يؤمنون بقوله تعالى: ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل﴾. يعني يؤمنون بذلك على الحقيقة ومثل قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين﴾. أي: هو كافيك وكافي أتباعك من المؤمنين وهذا مستمر إلى يوم القيامة لكن الشأن بالإيمان الموجب لمعية الله ونصره وكفايته، فالمصيبة أننا نهرب عن الدين ونلّوح له ونناديه: اتبعنا وانصرنا.

стр. 107

علم المنطق قال شيخ الإسلام ﵀ في الرد على من قال: إنه فرض كفاية، قال: فمن قال: إنه فرض كفاية وأن من ليس له به خبرة فليس له ثقة بشيء من علومه، فهذا القول في غاية الفساد من وجوه كثيرة التعداد مشتمل على أمور فاسدة ودعاوٍ باطلة كثيرة لا يتسع هذا الموضع لاستقصائها. ثم قال: مما يبيّن حرص العلماء على عدم إدخال شيء من علوم غير المسلمين على المسلمين، قال: ولهذا مازال علماء المسلمين وأئمة الدين يذمونه ويذمون أهله وينهون عنه وعن أهله حتى رأيت للمتأخرين فُتيا فيها خطوط جماعة من أعيان زمانهم من أئمة الشافعية والحنفية وغيرهم فيها كلام عظيم في تحريمه وعقوبة أهله حتى أن من الحكايات المشهورة التي بلغتنا أن الشيخ أبا عمرو بن الصلاح أمر بانتزاع مدرسة معروفة من أبي الحسن الآمدي.

стр. 108

وقال: (أخذها منه أفضل من أخذ عكا، مع أن الآمدي لم يكن أحد في وقته أكثر تبحراً في العلوم الكلامية والفلسفية منه، وكان أحسنهم إسلاماً وأمثلهم اعتقاداً ... ). (١) وكلام شيخ الإسلام وابن القيم والذهبي والمقريزي وغيرهم من العلماء في ذم العلوم التي أدخل المأمون على المسلمين مشهور وقد تقدم.

стр. 109

قوله تعالى: ﴿تشابهت قلوبهم﴾ كثير من أهل الوقت يستجهلون من لم يشركهم في علومهم ولو كان إيمانه أحسن من إيمانهم. قال ابن تيمية: ومن المعلوم أن الأمور الدقيقة سواء كانت حقاً أو باطلاً إيماناً أو كفراً لا تُعلم إلا بذكاء وفطنة، فكذلك أهله [يعني المنطق] قد يستجهلون من لم يشركهم في علمهم وإن كان إيمانه أحسن من إيمانهم إذا كان فيه قصور في الذكاء والبيان وهم كما قال الله تعالى: ﴿إن الذين أجرموا كانوا من الذين ءامنوا يضحكون. وإذا مروا بهم يتغامزون. وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين. وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون. وما أرسلوا عليهم حافظين. فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون. على الآرائك ينظرون. هل ثُوّب الكفار ما كانوا يفعلون﴾. (١) ما أكثر وقوع هذا في زماننا حيث صار التقييم بكثرة العلوم مهماً كانت وهذا خلاف ما كان عليه السلف وقد ذكر ابن القيم على قوله تعالى: ﴿ألهاكم التكاثر﴾ أن من ذلك التكاثر في العلم الذي لا يُبتغى به

стр. 110

وجه الله، وقد أخبر ﷺ أن أمته تتبع سنن من كان قبلها حذو القذة بالقذة وشبراً بشبر وذراعاً بذراع وهي أخبار خرجت مخرج الذم لفاعل ذلك. وقد وقع من ذلك في زماننا ما يطول الكلام فيه ولست بصدده عموماً لكن وجدت في مذكرة اسمها [مناهج البحث] كلاماً أنقله هنا، قال المؤلف: (ومن الجدير بالذكر أن لقب دكتور لاتيني في أصله يهودي في نشأته، أطلقه اليهود على حاخام الشريعة اليهودية وأخذه عنهم المسيحيون وأطلقوه على قسيس علم اللاهوت [الشريعة المسيحية]. فصلى الله على نبينا محمد الذي بلغ البلاغ المبين، فتأمل (حذو القذة بالقذة) ويلي هذا الكتاب: كتاب (دعوى الإصلاح).
следующие страницы →