← Акыда

Акыда · id 12798

دراسات في التصوف

إحسان إلهي ظهير

Полный текст (342 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

سرى سرّه في الأفاق، وسارت بمناقبه الركبان والرفاق. قضى عمره في العبادة، وقصده للانتفاع أهل السعادة. وكان ﵁ في العلم في الغاية، وفي الزهد في النهاية، جمع الله له الشرفين: الطيني والديني، وأحرز الفضل المحقق اليقيني" (١). ويذكره الشاذلي بنفسه هو ومكانته السامية ودرجته الرفيعة، ومعرفته وعلمه بما يختلج في صدور الناس، وفيضه وفيضانه بقوله: "كنت في سياحتي في مبدأ أمري حصل لي تردد: هل ألزم البراري والقفار للتفرغ للطاعة والأذكار أو ارجع إلى المدائن والديار لصحبة العلماء والأخيار؟ فوصف لي وليّ هنالك، وكان برأس جبل فصعدت إليه، فما وصلت إليه إلى ليلاً، فقلت في نفسي لا أدخل عليه في هذا الوقت، فسمعته يقول من داخل المغارة: اللهم إن قوماً سألوك أن تسخر لهم خلقك، فسخرت لهم خلقك، فرضوا منك بذلك، اللهم وإني أسألك أعوجاج الخلق علي حتى لا يكون ملجئي إلا إليك، قال فالتفت إلى نفسي وقلت: يا نفس انظري من أي بحر يغترق هذا الشيخ، فلما أصبحت دخلت إليه فأعربت من هيبته. فقلت له: يا سيدي كيف حالك؟ فقال: أشكوا إلى الله من برد الرضا والتسليم كما تشكو أنت من حر التدبير والاختيار. فقلت: يا سيدي أما شكواي من حر التدبير والاختيار فقد ذقته وأنا الآن فيه، وأما شكواك من برد الرضا والتسليم فلماذا؟ فقال: أخاف أن تشغلني حلاوتها عن الله. قلت: يا سيدي سمعتك البارحة تقول: اللهم إن قوماً سألوك أن تسخر لهم خلقك، فسخرت لهم خلقك، فرضوا منك بذلك، اللهم وإني أسألك أعوجاج الخلق علي حتى لا يكون ملجئي إلا إليك، فتبسم ثم قال:

стр. 247

يا بني، ما تقول: سخر لي خلقك قل: يا رب كن لي، أترى إذا كان لك أيفوتك شيء؟ فما هذه الجناية " (١). وحتى ابنه الصغير يعلم ما في قلوب الناس كما يذكر الشاذلي أيضاً: "كنت يوماً بين يدي الأستاذ فقلت في نفسي: ليت شعري هل يعلم الشيخ اسم الله الأعظم؟ فقال ولد الشيخ وهو في آخر المكان الذي أنا فيه: يا أبا الحسن ليس الشأن من يعلم الاسم الأعظم، إنما الشأن من يكون هو عين الاسم، فقال الشيخ من صدر المكان: أصاب وتفرس فيك ولدي" (٢). ويقول ابن عطاء الله الاسكندري: إن طريقة الشاذلي تنتسب إلى الشيخ عبد السلام بن مشيش، والشيخ عبد السلام ينتسب إلى الشيخ عبد الرحمن المدني، ثم واحد عن واحد إلى الحسن بن علي بن أبي طالب (٣). وبعد مدة من الزمن وبقائه عند ابن مشيش قال له شيخه ابن مشيش: يا علي، ارتحل إلى أفريقية واسكن بلداً بها تسمى شاذلة، فإن الله يسميك شاذلياً، وبعد ذلك تنتقل إلى مدينة تونس وبعد ذلك تنتقل إلى بلاد المشرق، وترث فيها القطبانية (٤). ولما ورث القطبانية "وظهر بالخلافة الكبرى والولاية الكثرى والقطبية العظمى والغوثية الفردى، وخصّه الله بعلوم الأسماء ومن عليه بأعلى مقامات الأولياء، وخصوصيات الأصفياء، وانفرد في زمانه بالمقام الأكبر والمدد الأكثر والعطاء الأنفع والنوال الأوسع (٥). بدأ يقول كما ذكروا عنه أنه قيل للشيخ أبي الحسن: من هو شيخك؟ فقال: كنت انتسب إلى الشيخ عبد السلام بن مشيش، وأنا الآن لا انتسب لأحد،

стр. 248

بل أعوم في عشرة أبحر: خمسة من الآدميين، النبي ﷺ ، وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وخمسة من الروحانيين، وجبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل والروح الأكبر (١). و"تصرّف في أحكام الأولياء ومددها بالأذن والتمكين، وانفراد بسوددها حق اليقين، وأمدّ الأولياء أجمعين، وكذا الصديقين، ونال مقام الفردانية الذي لا يجوز المشاركة فيه بين اثنين، وأجمع على ذلك من عاصره من العلماء العارفين والأولياء لمقربين وخواص الصديقين، وشهد بقطبانيته وفردانيته الجمّ الكثير" (٢). وبدأ يقول: "والله لقد جئت في هذا الطريق ما لم يأت به أحد" (٣). حتى تعالى وتفاخر: قدمي على جبهة كل ولي لله" (٤). ومن الجدير بالذكر أن الدكتور عبد الحليم محمود الذي تولّى مشيخة الأزهر، وتخرّج من جامعة فرنساوية كتب كتاباً في تمجيد الشاذلي ومدح الشاذلية، ففي ذلك الكتاب يذكر أن الله كلّمه على جبل زغوان، الجبل الذي اعتكف الشاذلي فيه في قمته، وتعبّد وتحنّث، والذي يذكره نقلاً عن صاحب كتاب "درة الأسرار": " قرأ الشيخ على جبل زغوان سورة الأنعام إلى أن بلغ إلى قوله تعالى: ﴿وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها﴾ أصابه حال عظيم، وجعل يكررها ويتحرك، فكلما مال إلى جهة مال الجبل نحوها ... وما كانت حياته على الجبل إلا على نباتات الأرض وأعشابها" (٥).

стр. 249

وعلى هذا الجبل ارتقى منازل، وتخطّى مراتب حيث "نبع له عين تجري بماء عذب. ثم بدأت الملائكة تحفّ بأبي الحسن، بعضها يسأله فيجيبه. وبعضها يسير معه. ثم تأتيه أرواح الأولياء زرافات ووحداناً تحفّ بأبي الحسن وتتبرك به (١). وبعد تجاوز هذه المراتب كلها التي أهّلته لأن يخاطب الرب بدون واسطة ولا ملك، كلّمه الرب ﵎ حسب قول ذلك الدكتور، فقال له: "يا علي، اهبط إلى الناس ينتفعوا بك. فقلت: يا رب أقلني من الناس فلا طاقة لي بمخاطبتهم. فقيل لي: انزل فقد أصحبناك السلامة، ودفعنا عنك الملامة. فقلت: تكلني إلى الناس آكل من دريهماتهم. فقيل لي: انفق علي، وأنا الملي، إن شئت من الجيب وإن شئت من الغيب. ونزل الشاذلي ﵁ من على الجبل ليغادر شاذلة، ويستقبل مرحلة جديدة، فقد انتهت المرحلة الأولى التي رسمها له شيخه. وقبل أن نغادر معه شاذلة إلى رحلته الجديدة نذكر ما حكاه ﵁ فيما يتعلق بنسبه إلى شاذلة، قال: قلت يا رب لم سميتني بالشاذلي، ولست بشاذلي. فقيل لي: يا علي، ما سميتك بالشاذلي وإنما أنت الشَّاذُّلِي بتشديد الذال المعجمة، يعني: المفرد لخدمتي ومحبتي" (٢). وقبله قد تكلّم به رسول الله ﷺ من داخل حجرته الشريفة كما

стр. 250

ذكر ذلك الدكتور عبد الحليم محمود نقلاً عن "درة الأسرار" عن أبي الحسن: "ولما قدم المدينة زادها الله تشريفاً وتعظيماً، وقف على باب الحرم من أول النهار إلى نصفه عريان الرأس حافي القدمين، يستأذن على رسول الله ﷺ تسليماً. فسئل عن ذلك فقال: حتى يؤذن لي، فإن الله يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلاّ أن يؤذن لكم﴾ فسمع النداء من داخل الروضة الشريفة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام: "يا علي ادخل" (١). فمن يكن هذا شأنه ومقامه ومكانته لا يستبعد عنه أن يقول: "لولا لجام الشريعة على لساني لأخبرتكم بما يكون في غد وبعد غد إلى يوم القيامة" (٢). وأيضاً: "أعطيت سجلاً مدّ البصر، فيه أصحابي وأصحاب أصحابي إلى يوم القيامة عتقاء من النار" (٣). وعلى ذلك ينقل عنه الإسكندري عن شيخه أبي العباس المرسي خليفة أبي الحسن الشاذلي وتلميذه الخاص به أنه قال: " قال لي عبد القادر النقاد، وكان من أولياء الله: اطلعت البارحة على مقام الشيخ أبي الحسن. فقلت له: وأين مقام الشيخ؟ فقال: عند العرش. فقلت له: ذاك مقام تنزل لك الشيخ فيه حتى رأيته. وإلا مقامه فهو فوق ذلك، وقد صرّح بذلك حيث يواصل كلامه فيقول: "ثم دخلت أنا وهو على الشيخ، فلما استقربنا المجلس قال الشيخ ﵁: رأيت

стр. 251

البارحة عبد القادر النقاد بالمنام فقال لي: أعرش أنت أم كرسيّ؟ فقلت له: دع عنك ذا. الطينة أرضية. والنفس سماوية. والقلب عرشي. والروح كرسي. والسر مع الله بلا أين. والأمر نزل فيما بين ذلك ويتلوه الشاهد منه (١). وذكروا من جملة كراماته أنه أثناء سفره إلى الإسكندرية مكث بتونس مدة، واشتهر أمره وذاع صيته، والتف حوله خلق كثير فحسده فقيه تونس وقاضي قضاتها ابن البراء فوشاه إلى السلطان، ودسّ له عنده، وتكلّم في نسبه ولكن السلطان لم يمسه بسوء، ووقره في قلبه واحترمه ولكن منعه من الخروج، وما أن منعه إلاّ وماتت جاريته في ذاك الحين، التي أحبها فملكت عليه جميع أقطاره، ثم التهبت النار في البيت فلم يشعروا حتى احترق كل ما في البيت من الفرش والثياب وغير ذلك من الذخائر، فعلم السلطان أنه أصيب من قبل هذا الوليّ (٢). ولكن من الغرائب أنه لم يصب ابن البراء شيئاً مع تصريح عبد الحليم محمود وغيره أنه بقى على عدائه للشاذلي ومخالفته له إلى أن الشاذلي كان يسلّم عليه فلم يكن ابن البراء يردّ ﵇، وكان يطعن في نسبه (٣). ولكن أنّى للمختلقين العقل، ومن أين للقصاصين العقل، والمسامرين الوضاعين الفكر.

стр. 252

فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً. وهل يستعبد هذا من أولئك الناس الذين يفضلن هؤلاء المتصوفة على أنبياء الله ورسله ويزعمون فيهم من القدرة والاختيارات، ومعرفة علم الغيب، والتصرف في أمور الكون، وتدبير أمور الدنيا والآخرة، ومددهم الأحياء منهم والأموات، وإعطائهم الثواب والعقاب، وتقسيمهم الجنة والنار لمن يريدون ويزعمون إعطاءه، ويفونهم بأوصاف لا تليق إلا بالواحد القهار الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، لا لملك مقرب ولا لنبي مرسل، وأمر سيد الخلائق وأفضل المخلوقات وأشرف المرسلين بأن يقول: ﴿قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلاّ ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون﴾ (١). ﴿قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إليّ قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون﴾ (٢). ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً﴾ (٣). وغيرها من الآيات الكثيرة والأحاديث المستفيضة التي ذكرناها فيما سبق في مختلف المباحث والمواضيع ولكن المتصوفة يعتقدون في أوليائهم أوصافاً إلهية ونعوتاً ربانية فيقول الإسكندري: "لو كشف عن حقيقة الولي لعبد، لأن أوصافه من أوصافه، ونعوته من نعوته" (٤). ولقد مرّ بيان عقيدة القوم في متصوفتهم سابقاً ولكن نريد أن نثبت ههنا بمناسبة ذكر الشاذلة والشاذلي ما ذكره قطبهم بعد الشاذلي -وهو المرسي- في شيخه نقلاً عن

стр. 253

بعض مريديه أنه قال: "صليت خلف شيخي صلاة فشهدت ما أبهر العقل وذلك أني شهدت بدن الشيخ والأنوار قد ملأته، وانبثت الأنوار من وجوده حتى أنني لم أستطيع النظر إليه، وقد كشف الحق عن مشرقات أنوار قلوب أوليائه لانطوى نور الشمس والقمر في مشرقات أنوار قلبوهم، وأين نور الشمس والقمر من أنوارهم" (١). هذا ولقد استقر الشاذلي بعدئذ في الإسكندرية بمصر، وتزوج هنالك وولد له أولاد، وحبس عليه السلطان برجاً من أبراج السور في أسفله ما جل كبير ومرابط للبهائم، وفي الوسط مساكن للفقراء وجامع كبير، وفي أعلاه أعلية لسكانه وعياله" (٢). وكان من عادته " إذا ركب تمشى أكابر الفقراء وأكابر الأغنياء حوله، وتنشر الأعلام على رأسه، وتضرب الكاسات بين يديه، ويأمر النقيب أن ينادي أمامه "من أراد القطب فعليه بالشاذلي" (٣). وسنة ٦٥٦هـ سافر للحج، وفي صحراء عيذاب وافته المنية فدفن هناك (٤). ويقول الجامي: "وكان ماء هذا الصحراء ملحاً لا يشرب ولكنهم بعد ما غسلوه بمائه صار ببركته حلواً عذباً" (٥). وفي هذا الصحراء ادّعى بأنه التقى بالخضر وكلّمه، كما نقلوا عنه أنه كان يقول: "لقيت الخضر في صحراء عيذب، فقال لي: "يا أبا الحسن أصحبك الله اللطف الجميل، وكان لك صاحباً في المقام والرحيل" (٦).

стр. 254

وقد نقل عن الشاذلي تفسير بع الآيات القرآنية تفسيراً باطنياً ينهج فيه منهج الباطنية وأهل التأويل البعيد، وقد ذكرنا نماذج منها في كتابنا [التصوف: المنشأ والمصادر]. ثم خلف بعده على الشاذلية أبو العباس المرسي، والذي صار قطباً بعد موته حسب زعمهم كما ينقلون عن زكي الدين الأسواني أنه قال: "قال لي الشيخ أبو الحسن ﵁: يا زكي، عليك بأبي العباس، فو الله أنه ليأتيه البدوي يبول على ساقيه فلا يمسي عليه المساء إلا قد أوصله إلى الله، يا زكي، عليك بأبي العباس، فو الله ما من ولي لله كان أو هو كائن إلا وقد أطلعه الله عليه، يا زكي، أبو العباس هو الرجل الكامل" (١). ويقول أبو العباس هذا عن نفسه: "والله ما سار الأولياء والأبدال من قاف حتى يلقوا واحداً مثلنا، فإذا لقوه كان بغيتهم، ثم قال: وبالله لا إله إلا هو، ما من ولي لله كان أو كائن إلا وقد أطلعني الله عليه وعلى اسمه ونسبه وكم حظه من الله" (٢). وهو الذي قال: "والله لو حجب عني رسول الله ﷺ طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين" (٣). وكان يقول: "لا أعلم أحداً اليوم يتكلّم في هذا العلم غيري على وجه الأرض" وقدم إليه بعضهم طعاماً فيه شبهة يمتحنه فامتنع الشيخ من أكله، وقال: "إنه كان للشيخ المحاسبي عرق في أصبعه يضرب إذا مدّ يده إلى شبهة فأنا في يدي ستون عرقاً تضرب،

стр. 255

فاستغرب الرجل وتاب على يديه" (١). وتكلم يوماً في القطب وأوصافه ثم قال: "وما القطبانية بعيدة من بعض الأولياء وأشار إلى نفسه" (٢). قال: "لقد علمت العراق والشام ما تحت هذه الشعرات لأتوها ولو سعياً على وجوههم" (٣). وكان المرسي هذا أيضاً يدّعي صحبة الخضر واللقاء معه (٤). وكان له تأويل باطني مثلما كان لأستاذه وشيخه، ومثال ما ذكره تلميذه عطاء الله الإسكندري: "سمعت شيخنا ﵁ يقول في قوله : ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾ أي: ما نذهب من وليّ لله إلا ونأت بخير منه أو مثله" (٥). وكان كأستاذه يعتني بكتاب الإحياء لأبي حامد الغزالي، وكتاب "قوت القلوب" لأبي طالب المكي، وكتاب "ختم الأولياء" للحكيم الترمذي، وكتاب "المواقف والمخاطبات" لمحمد عبد الجبار النفري (٦). مات سنة ٦٨٦هـ (٧). ثم خلفه على مشيخة الشاذلية ياقوت العرش وكان حبشياً. "وهو الذي شفع في الشيخ شمس الدين بن اللبان لما أنكر على سيدي أحمد البدوي ﵁ وسلب عمله وحاله بعد أن توسل بجميع الأولياء، ولم يقبل سيدي

стр. 256

أحمد شفاعتهمفيه، فسار من الإسكندرية إلي سيدي أحمد، وسأله أن يطيب خاطره عليه وأن يردّ عليه حاله فأجابه. ثم إن سيدي ياقوت زوّج ابن اللبان ابنته، ولما مات أوصى أن يدفن تحت رجليها أعظاماً لوالدها الشيخ ياقوت. وإنما سمّى العرش لأن قلبه لم يزل تحت العرش، وما في الأرض إلاّ جسده. وقيل: لأنه كان يسمع لأذان حملة العرش. وكان ﵁ يشفع في الحيوانات. وجاءته مرة يمامه فجلست على كتفه وهو جالس ف حلقة الفقراء وأسرّت إليه شيئاً في أذنه، فقال: بسم الله ونرسل معك أحد من الفقراء، فقالت: ما يكفيني إلا أنت، فركب بغلته من الإسكندرية وسافر إلى مصر العتيقة حتى دخل إلى جامع عمرو فقال: أجمعوني على فلان المؤذن، فأرسلوا وراءه، فجاء، فقال له: هذه اليمامة أخبرتني بالإسكندرية أنك تذبح فراخها كلما تفرخ في المنارة، فقال: صدقت، قد ذبحتهم ماراً، فقال: لا تعد، فقال: تبت إلى الله تعالى ورجع الشيخ إلى الإسكندرية ﵁. ومناقبه ﵁ كثيرة مشهورة بين الطائفة الشاذلية بمصر وغيرها (١). ثم خلفه ناس آخرون، فاشتهر من بينهم محمد المغربي الذي يقولون عنه بأنه تنبأ بظهوره الشاذلي، فقال: "يظهر بمصر رجل يعرف بمحمد يكون فاتحاً لهذا البيت، ويشتهر في زمانه ويكون له شأن" (٢). وهو الذي قال: "أعطيت الشاذلية ثلاثاً لم تحصل لمن قبلهم ولا لمن بعدهم: الأول: إنهم مختارون في اللوح المحفوظ.

стр. 257

الثاني: إن المجذوب منهم يرجع إلى الصحو. الثالث: إن القطب منهم إلى يوم القيامة (١). وآخر هذه الثلاث أن يركز عليه، فإن كل طائفة من الطوائف الصوفية تدعي أن القطب منهم، ولا يرضى بهذه المقولة أحد من غير الشاذلية. وآخرون مثل علي بن عمر القرشي وناصر الدين بن محمد عبد الدائم وابن عبد الرحمن بن إبراهيم ومعصوم بن أحمد وغيرهم العديدون (٢). فهذا هو الشاذلي وأولئك الشاذلية ومشائخهم وقد اشتهر عن الشاذلية أوراد عديدة منها حزب البر وحزب البحر والحزب الكبير وغيرها من الأحزاب والأوراد، اختلقوا لها فضائل ومناقب لم ينزل الله بها من برهان، ذكرها كل من عطاء الله الإسكندري في كتابه "لطائف المنن" والدكتور عبد الحلم محمود في كتابه "المدرسة الشاذلية وإمامها أبو الحسن الشاذلي" والآخر في "النفحة العلية في الأوراد الشالية". وبهذا نختم هذا الفصل.

стр. 258

القادرية ومن الطرق المشهورة في بلاد أفريقيا والبلدان العربية وشبه القارة الهندية الباكستانية , نسبة إلى عبد القادر الجيلي أو الجيلاني " نسبة إلى جيل " وهي بلاد متفرقة وراء طبرستان , ويقال لها أيضاً جيلان وكيلان (١). والنسبة إليه جيلي وجيلاني وكيلاني (٢). ولد سنة ٤٧١ هـ (٣). وقيل: سنة ٤٧٠ هـ (٤). في بيت أبي صالح عبد الله بن جنكي دوست , وأمّه أم الخير فاطمة بنت الشيخ عبد الله الصومعي الزاهد حملت به هي بنت ستين سنة (٥). ويحكون عنها أنها قالت: " لما وضعت إبني عبد القادر كان لا يرضع ثديي في نهار رمضان , وغمّ على الناس هلال رمضان , فأتوني وسألوني عنه فقلت: لم يلتقم اليوم ثدياً , ثم اتضح أن ذلك اليوم كان رمضان , واشتهر في بلدنا ذلك الوقت أنه ولد للأشراف ولد لا يرضع في نهار رمضان " (٦). ويحكون عن عمته بأنها أيضاً كانت ولية من كبار الأولياء حيث أن جيلان أجدبت مرة واستسقى أهلها فلم يسقوا , " فأتى المشائخ إلى دار الشيخة أم محمد عائشة عمة الشيخ عبد القادر ﵁ , وسألوها الإستسقاء , فقامت إلى رحبة بيتها وكنست الأرض وقالت: يا رب , أنا كنست فرشّ أنت. وقال: فلم يلبثوا أن أمطرت السماء

стр. 259

كأفواه القرب , ورجعوا إلى بيوتهم يخوضون في الماء " (١). ويقولون: إن الشيخ من أولاد الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁ , وصاحب " فوات الوفيات " ينهي نسبه إلى الحسين بن علي بن أبي طالب ﵄ , كما هنالك اختلاف في أسماء آبائه إلى علي ﵁ وعددهم. وقد أنكر قوم انتسابه إلى الأشراف والعرب أيضاً , ونسبوه إلى قبيلة من قبائل العجم , وقد حرر في هذه القضية مباحث وكلام كثير , وألّفت فيها كتب ورسائل منها " ترياق المحبين " لتقي الدين الواسطي وغيره من الكتب , كما رفعت حول نسب الشيخ نزاعات إلى قضاء بغداد , والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. ويذكر الصوفية أنه قدم بغداد في الثامن عشرة من عمره " فلما دخل إلى بغداد وقف له الخضر ﵇ ومنعه الدخول وقال له: ما معي أمر بأن تدخل إلى سبع سنين , فأقام على الشط سبع سنين يلتقط من البقالة من المباح حتى صارت الخضرة تبين من عنقه , ثم قام ذات ليلة فسمع الخطاب: يا عبد القادر , أدخل بغداد , فدخل وكانت ليلة مطيرة باردة فجاء إلى زاوية الشيخ حماد بن مسلم الدباس فقال الشيخ: أغلقوا باب الزاوية وأطفئوا الضوء , فجلس الشيخ عبد القادر على الباب فألقى الله تعالى عليه النوم فنام فأجنب , ثم قام فاغتسل فألقى الله تعالى عليه النوم فأجنب , ولم يزل كذلك سبع عشرة مرة وهو يغتسل عقب كل مرة , فلما كان عند الصبح فتح الباب فدخل الشيخ عبد القادر , فقام إليه الشيخ حماد فاعتنقه وضمه إليه وبكى , وقال له: يا ولدي عبد القادر , الدولة اليوم لنا , وغداً لك , فإذا وليت فاعدل بهذه الشيبة " (٢). وأما النبهاني فقال: " إنه احتلم في ليلته تلك أربعين مرة " (٣). وقال صاحب " الفتح المبين ": سبعين مرة (٤).

стр. 260

ويعلم الأذكياء ما الذي يدل عليه هذا الإختلاف. وبدأ يدرس في بغداد " وقصد الأشياخ الأئمة أعلام الهدى وعلماء الأمة , فاشتغل بالقرآن العظيم حتى أتقنه وعم بدرايته سرّه وعلنه , وتفقه على أبي الواء بن عقيل. . . وسمع الحديث من جماعة , منهم: أبو غالب محمد بن الحسن الباقلاني. . . وقرأ الأدب على أبي زكريا التبريزي , وصحب الشيخ العارف قدوة المحققين , أبا الخير حماد بن مسلم الدباغ , وأخذ عنه علم الطريقة وتأدب به , وأخذ الخرقة الشريفة من يد القاضي أبي سعد المبارك المخزومي " (١). " وكان شافعي المذهب , فرأى الإمام أحمد بن حنبل يقول له: أدرك المذهب يا عبد القادر , وكان المذهب الحنبلي قد ضعف في العراق , وكاد يمحى , فانبرى إلى الاشتغال به تعليماً وتأليفاً حتى صار إمام الحنابلة " (٢). " ثم تصدر للتدريس والفتوى في مدرسة أستاذه أبي سعد المخزومي " (٣). ثم جلس للوعظ سنة ٥٢١ هـ (٤). ويذكر ظهير الدين القادري عن عبد الرزاق وعبد الوهاب وغيرهما أنهم قالوا: " سمعنا الشيخ عبد القادر يقول: رأيت رسول الله ﷺ قبل الظهر من يوم الثلاثاء السادس عشر من شوال سنة إحدى وعشرين وخمسمائة , فقال: يا بني لم لا تتكلم؟ فقلت: يا أبتاه أنا رجل أعجمي كيف أتكلّم على فصحاء بغداد , فقال: افتح فاك , ففتحته فتفل فيه سبعاً ثم قال لي: تكلّم على الناس وادع في سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة , فصليت الظهر وجلست وحضرني خلق كثير , فارتجّ عليّ فرأيت علي بن طالب كرّم الله وجهه قائماً بإزائي في المجلس فقال له: يا بنيّ لا تتكلّم.

стр. 261

قلت: يا أبتاه قد أرتجّ عليّ فقال: افتح فاك ففتحته فتفل فيه ستاً , فقلت له: لم لا تكملها سبعاً؟ فقال: أدباً مع رسول الله ﷺ , ثم توارى عني , فقلت: غواص الفكر يغوص في بحر القلب على دور المعارف فيستخرجها على ساحل الصدر فينادي عليها سمسار ترجمان اللسان فتشتري بنفائس أثمان الطاعة في بيوت أذن الله أن ترفع , قالوا: فهذا أول كلام تكلّم به على الناس على الكرسي ﵁ " (١). ويقول الشعراني وغيره: " وكان يلبس لباس العلماء ويتطيلس , ويركب البغل , وترفع الغاشية على يديه , ويتكلم على كرسيّ عال , وربما خطى في الهواء خطوات على رؤوس الناس ثم يرجع إلى الكرسي " (٢). ويقولون: كان يحضر مجالسه خلق كثير , وربما حضر المجلس نحو من سبعين ألفاً (٣). حتى الأولياء والملائكة كما نقلوا أنه إذا صعد الكرسي فقال: الحمد لله أنصت له كل وليّ في الأرض سواء كان حاضراً بمجلسه أو غائباً عنه , وكذلك يكررها ويسكت بعدها. وإن الأولياء والملائكة ليزدحمون في مجلسه , وإن الرحمة لتصبّ على حاضريه صبّا " (٤). والخضر أيضاً كما رووا: " وكان الشيخ يتكلّم يوماً على الناس , فخطا في الهواء خطوات , وقال: يا إسرائيلي قف , فاسمع كلام المحمدي , ثم رجع إلى مكانه فقيل له في ذلك , فقال: مرّ أبو العباس

стр. 262

الخضر ﵇ فخطوت إليه وقلت له ماسمعتم , فوقف " (١). وليس الخضر والملائكة فحسب , بل ورسول الله ﷺ كذلك - عياذاً بالله - كما ذكر ذلك الشطنوفي عن أبي سعيد القيلوي أنه قال: " رأيت رسول الله ﷺ وغيره من الأنبياء صلوات الله عليهم في مجلس الشيخ عبد القادر غير مرة. . . وأن أرواح الأنبياء لتجول في السموات والأرض جولان الرياح في الأفاق , ورأيت الملائكة ﵈ يحضرونه طوائف بعد طوائف , ورأيت رجال الغيب والجان يتسابقون إلى مجلسه , ورأيت أبا العباس الخضر يكثر من حضوره , فسألته , فقال: من أراد الفلاح فعليه بملازمة هذا المجلس " (٢). وفي مثل هذه المجالس قال مرة: " قدمي هذه على رقبة كل وليّ لله , فقام الجميع وأخذوا قدم الشيخ وجعلوها على أعناقهم , ومدّ عنقه من كان غائباً " (٣). ويقول اليافعي: " لم يبقى أحد من الأولياء في ذلك الوقت من الحاضرين والغائبين في جميع أقطار الأرض إلا حنا له رقبته إلا رجل بأصبهان فإنه لم يفعل , فسلب حاله. وروي أن الشيخ أبا لنجيب السهروردي ﵁ طأطأ رأسه حتى كاد يبلغ الأرض , وقال: على رأسي , على رأسي , على رأسي , قالها ثلاثاً. ومن جملة من حنا له رقبته من الغائبين الكبار المشهورين الشيخ أبو مدين والشيخ عبد الرحيم القناوي , والشيخ أحمد بن أبي الحسين الرفاعي ﵃. فأما سيدي أحمد فرووا عنه أنه كان جالساً يوماً برواقه بأم عبيدة , فمدّ عنقه وقال: على رقبتي , فسئل عن ذلك , فقال: قد قال الشيخ عبد القادر الآن ببغداد: قدمي على رقبة كل وليّ لله.

стр. 263

وأما الشيخ أبو مدين فرووا أنه حنا رأسه يوماً وهو بين أصحابه وقال: أنا منهم , اللهم إني أشهدك وأشهد ملائكتك بأني سمعت وأطعت , فسأله أصحابه عن ذلك , فقال: قد قال الشيخ عبد القادر الآن ببغداد: قدمي هذه على رقبة كل وليّ لله , فأرّخوا ذلك وهم في المغرب , ثم جاء المسافرون من العراق فأخبروا أن الشيخ عبد القادر قال ذلك في ذلك الوقت الذي أرخوه. وأما الشيخ عبد الرحيم فرووا عنه أنه مدّ عنقه يوماً بقناء وقال: صدق الصادق الصدوق , فقيل له: من هو؟ فقال: الشيخ عبد القادر قال: قدمي هذه على رقبة كل وليّ لله , وتواضع له رجال المشرق والمغرب , فأرّخوا ذلك الوقت , ثم جاء الخبر بذلك في ذلك الوقت " (١). وروى عن شيخه أبي محمد القاسم أنه قال: " لما أمر الشيخ أن يقول: قدمي هذه على رقبة كل وليّ لله رأيت الأولياء بالمشرق والمغرب واضعين رؤوسهم تواضعاً إلا رجلاً بأرض العجم فإنه لم يفعل , فتوارى عنه حاله " (٢). ويقول ظهير الدين القادري: أسمه الشيخ صنعان , وكان سبب كبره وعدم تواضعه أمام قول الشيخ الجيلاني ابتلي بعشق بنت تصرانية , ورعى الخنازير لها , حتى أنه رأى يوماً في المنام أن الخنزير وضع قدمه على عنقه فاستيقظ فرأى الخنزير يدوس رقبة بقدمه , فسمع صوتاً: ما رضيت بقدم محي الدين على رقبتك , فصارت موطأ لما هو نجس العين , فتاب واستغفر " (٣). هذا وإن السهروردي قال: " إن قوله هذا من شطحات الشيوخ التي لا يقتدي بهم فيها " (٤).

стр. 264

وكان يقول: " كانت ترد عليّ الأثقال الكثيرة لو وضعت على الجبال تفسخت , فإذا كثرت عليّ وضعت جنبي على الأرض وقلت: فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا , ثم أرفع رأسي وقد انفرجت عني تلك الأثقال , قال: وقال لي: كنت أشتغل بالفقه على المشايخ وأخرج الصحراء ولا آوى بغداد وأجلس في الخراب بالليل والنهار , وكنت ألبس جبة صوف وعلى رأسي خريقة , وكنت أمشي حافياً في الشوك وغيره وأقتات بخرنوب الشوك وقمامة البقل وورق الخس من جانب النهر والشط , وما هالني شيء إلا سلكته , وكنت آخذ نفسي بالمجاهدة حتى طرقني من الله طارق وكان يطرقني بالليل والنهار. وآتى الصحراء فأصرخ وأهج على وجهي , وما كنت أعرف إلا بالتخارس والجنون وحملت إلى البيمارستان , وطرقتني الأحوال حتى متّ , وجاءوا بالكفن والغاسل وجعلوني على المغتسل ليغسلوني ثم سرى عني " (١). وكذلك " أقمت في صحراء العراق وخرائبه خمساً وعشرين سنة مجرداً سائحاً لا أعرف الخلق ولا يعرفونني , يأتيني طوائف من رجال الغيب والجان , أعلّمهم الطريق إلى الله " (٢). ويقولون: أنه بلغ درجة الولاية وهو ابن عشر سنين كم نقلوا عنه ذلك أنه سئل: متى علمت أنك ولي لله تعالى؟ قال: كنت وأنا ابن عشر سنين في بلدنا أخرج من داري وأذهب إلى المكتب فأرى الملائكة ﵈ تمشي حولي , فإذا وصلت إلى المكتب سمعت الملائكة يقولون: أفسحوا الطريق لولي الله حتى يجلس " (٣).

стр. 265

ولما كبر قال: " رأيت رسول الله ﷺ ببغداد وأنا على الكرسي وهو ﷺ راكب وموسى ﵇ إلى جانبه , فقال: يا موسى , أفي أمتك رجل هكذا؟ قال: لا , فقال لي: يا عبد القادر وهو في الهواء فعانقني وألبسني خلعة كانت عليه , وقال: هذه خلعة القطبية على الرجال والأبدال , ثم تفل في فمي ثلاثاً وردّني إلى المنبر , فترنمت هذه الأبيات: سأشربها في كل دير وبيعه وأظهر للعشاق ديني ومذهبي وأضرب فوق السطح بالدف جلوة لكاساتها لا في الزوايات مختبي " (١). وأما معرفته بعلم الغيب وما يختلج في الصدور فروايات وروايات , وحكايات وحكايات , وكتب القوم مليئة منها , وواحدة من ذلك البحر الخضم هي: " لما أشتهر أمره في الآفاق اجتمع مائة فقيه من أذكياء بغداد يمتحنونه في العلم , فجمع كل واحد له مسائل وجاء إليه , فلما استقر بهم المجلس أطرق الشيخ فظهرت من صدره بارقة من نور فمرت على صدور المائة فمحت ما في قلوبهم فبهتوا واضطربوا وصاحوا صيحة واحدة ومزّقوا ثيابهم وكشفوا رؤوسهم , ثم صعد الكرسي وأجاب الجميع عما كان عندهم , فاعترفوا بفضله " (٢). وأخرى ما ذكره الشنطوفي عن محمد بن سهل أنه قال: " حضرت مجلس الشيخ عبد القادر ﵁ في سنة تسع وعشرين وخمسمائة وكنت في أخيريات الناس , وكان يتكلم في الزهد , قلت في نفسي: أريد أن يتكلم في المعرفة فقطع كلامه من الزهد وتكلم في المعرفة كلاماً ما سمعت مثله , فقلت في نفسي: أريد أن يتكلم في علم الغيبة والحضور فقطع كلامه من المعرفة وتكلم في الغيبة والحضور كلاماً ما سمعت مثله , فقلت في نفسي: أريد أن يتكلم في الشوق فقطع كلامه من الغيبة والحضور وتكلم كلاماً في الشوق ما سمعت مثله , فقلت في نفسي: أريد أن يتكلم في

стр. 266

الفناء والبقاء فتكلم في الفناء والبقاء كلاماً ما سمعت مثله , ثم قال: حسبك يا أبا الحسن , فلم أتمالك أن مزقت ثيابي " (١). وأما تصرفه حياً وميتاً , وملكه المغفرة لمريديه فذكر كل من الشنطوفي وابن التادفي وعبد الحق الدهلوي وغيرهم من المتصوفة أنه: ضمن لمريديه إلى يوم القيامة أن لا يموت أحد منهم إلاّ على توبة , وأعطى أن مريديه ومريدي مريديه إلى سبعة يدخلون الجنة. وقال: أنا كافل لمريد المريد إلى سبعة كل أموره , ولو انكشفت عورة مريدي بالمشرق وأنا بالمغرب لسترتها , وأمرنا من حيث الحال والقدر أن نحفظ بهممنا (أي بقدراتنا) أصحابنا. وطوبى لمن رآني ورأى من رآني , ورأى من رأى من رآني , وأنا حسرة على من لم يرني " (٢). وقال: أعطيت سجلاً مدّ البصر فيه أسماء أصحابي ومريدي إلى يوم القيامة , وقيل لي: قد وهبوا لك , وسألت مالكاً خازن النار: هل عندك من أصحابي أحد؟ فقال: لا وعزة ربي وجلاله , إن يدي على مريدي كالسماء على الأرض أن لم يكن مريدي جيداً فأنا جيد. وعزة ربي وجلاله , لا برحت قدماي من بين يدي ربي حتى ينطلق بي وبكم إلى الجنة " (٣). وذكر الشعراني وغيره أنه كان يقول: " أيما امرئ مسلم عبر على باب مدرستي خفف الله عنه العذاب إلى يوم القيامة. وكان رجل يصرخ في قبره ويصيح حتى آذى الناس فأخبروه به , فقال: أنه رآني مرة ولا بدّ أن الله تعالى يرحمه لأجل ذلك. فمن ذلك الوقت ما سمع له أحد صراخاً " (٤).

стр. 267

وكان يقول: " عثر الحلاج فلم يكن في زمانه من يأخذ بيده , ولو كنت في زمنه لأخذته بيده , وأنا لكل من عثر مركوبة من أصحابي ومريدي ومحيي إلى يوم القيامة , آخذ بيده. . . هذا فرسي مسرج , وسيفي شاهر , ورمحي منصوب وقوسي موتد , أحفظك وأنت غافل " (١). وكان يقول: " من استغاث بي في كربة كشفت عنه. ومن ناداني باسمي في شدة فرجت عنه. ومن توسل بي حاجة قضيت له. ومن صلى ركعتين يقرأ في كل ركعة بعد الفاتحة سورة الإخلاص إحدى عشرة مرة ثم يصلي على رسول الله ﷺ بعد السلام ويسلم عليه ويذكرني , ثم يخطو إلى جهة العراق إحدى عشرة خطوة ويذكر اسمي ويذكر حاجته فإنها تقضي بإذن الله " (٢). هذا وإن الصوفية رووا عنه أنه: قيل له: إننا مثل ما تصوم , ونصلي مثل ما تصلي , ونجتهد مثل ما تجتهد , وما نرى من أحوالك شيئاً؟ فقال ﵁: زاحمتمونا في الأعمال , أتزاحمونا في المواهب؟ والله ما أكلت حتى قيل لي: بحقي عليك كل , ولا شربت حتى قيل لي: بحقي عليك أشرب , وما فعلت شيئاً حتى أمرت بفعله. إلى أن قال فيها أيضاً: وقال ﵁: رأيت في المنام كأني في حجر عائشة أم المؤمنين ﵂ وأنا أرضع ثديها الأيمن , ثم أخرجت لي ثديها الأيسر فرضعته - عياذاً بالله على نقل هذه الإهانة - فدخل رسول الله ﷺ , فقال: يا عائشة , هذا ولدنا حقاً " (٣). فهؤلاء القادرية أحياناً أتصفو بصفات الرب جلّ وعلا , وأحياناً جعلوه نبياً لا

стр. 268

يفعل شيئاً إلا إذا أمر , وأحياناً ذكروا عنه وقائع , ونسبوا إليه مناقب وفضائل فيها إهانة للنبي الطاهر المطهر وأهله صلوات الله وسلامه عليه. ثم وإنهم قالوا: قال الشيخ أبو سلمان داود المنبجي: " كنت يوماً عند الشيخ عقيل المنبجي ﵁ , فقيل له: قد أشتهر ببغداد شاب أعجمي شريف أسمه عبد القادر فقال الشيخ عقيل: وإن أمره في السماء أشهر منه في الأرض " (١). وأما كراماته التي يروي عنه المتصوفة فإنها لا تعدّ ولا تحصى , فإنها تنبئ وتخبر بأن جميع اختيارات الرب وقدراته بيده , إن لم يزد عليها فلم ينقص عنها. وهذه بعض المختطفات منها " أنه توضأ يوماً فبال عليه عصفور فرفع رأسه إليه فإذا هو ميت " (٢). وأكثر منها أنه مرّ على مجلسه حدأة فصاحت , فشوّشت على الحاضرين , فقال: يا ريح , خذي رأس هذه الحدأة فوقعت لوقتها في ناحية ورأسها في ناحية , فنزل الشيخ عن الكرسي وأخذها بيده وأمرّ يده الأخرى وقال: بسم الله الرحمن الرحيم , فحييت وطارت " (٣). ومثل هذه كثيرة جداً نقلنا بعضاً منها في باب " أولياء أم آلهة ". وقد نسبت إليه كذلك منظومات تدلّ على أن الجيلاني كان يقدّم نفسه كإله مالك الاختيارات والقدرات. وعن تلك المنظومات قال المستشرق براؤن: إن الأشعار التي نسبت إلى الشيخ عبد القادر تدلّ إليه , يبدو أنها ليست من كلامه " (٤). وقال العلامة رشيد رضا: بنقل عن الشيخ الجيلاني من الكرامات من الكرامات وخوارق العادات ما لم ينقل عن غيره أو النقاد من أهل الرواية لا يحفلون بهذه النقول إذ لا أسانيد لها يحتج بها (دائرة المعارف ج ١١ ص ٦٢٣) (٥).

стр. 269

وما أحسن ما قاله الإمام الذهبي في الشيخ عبد القادر الجيلاني. " ليس في كبار المشايخ من له أحوال وكرامات أكثركم الشيخ عبد القادر لكن كثيراً منها لا يصح , وفي بعض ذلك أشياء مستحيلة. . . وفي الجملة الشيخ عبد القادر كبير الشأن وعليه مآخذ في بعض أقواله ودعاويه والله الموعد , وبعض ذلك مكذوب عليه " (١). وما قاله الذهبي نقل مثله عن شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً , وهو صحيح , لا يظن أن مثل الشيخ عبد القادر الجيلي يتكلم بمثل ما نقلوا عنه ورووه ولا يقول بمثل ما حكوا عنه والله اعلم. وعلى كل فإن الشيخ توفي بعد عمر طويل ناهزت تسعين سنة ٥٦١ هـ , ودفن ببغداد في مدرسته. وهناك أوراد ووظائف ينقلونها عن الشيخ وعن خلفائه تسمى بأذكار القادرية وأورادها. وسنده في التصوف والخرقة إلى الحسن البصري حسب ما يزعمون , وأنه لبس الخرقة من الحسن ﵁ مع أن لقاء الحسن البصري لم يثبت في القول الصحيح فهؤلاء هم القادرية وعقائدهم. وبقيت هناك قضية كنا وعدنا بذكرها في ترجمة الجيلي , وهو علاقة الجيلي مع متصوفة عصره وزمانه , وعلى رأسهم معاصرة المشهور أبو العباس أحمد الرفاعي الذي ينازعه في الولاية والقطبية والغوثية وعلى رئاسة متصوفة ذلك الزمان. فإن الرفاعية يقولون: إن الشيخ عبد القادر الجيلاني كان تحت رعاية وسيادة الرفاعي. والقادرية يدّعون أن الأمر معكوس , وإن الرفاعي هو الذي كان تابعاً للجيلاني , والجيلاني كان متبوعاً , ثم يختلق كل واحد من هذه الطوائف روايات وحكايات فزّوره مكذوبة لترجيح وتفضيل سيدهم على الآخر. فالرفاعية يحكون عن حسن النقيب أنه قال: " حضرنا في مجلس الشيخ الكبير السيد أحمد مع جماعة من المشائخ الكبار ذوي القدر والافتخار أصحاب الكرامات والأسرار

стр. 270

منهم سيدي بنائن بطو ومنهم سيدي حماد الدباس ومنهم سيدي أبو سعيد الخراز علي المخزومي ومنهم سيدي أحمد بن تاج الدين أبو الوفا. ومنهم سيدي عبد الرزاق الواسطي. ومنهم منصور بن الحسين الواسطي. ومنهم عقيل المنجي. ومنهم سيدي حباب بن قيس الحراني. ومنهم سيدي عبد القادر الكيلاني. ومنهم سيدي أحمد الأزرق. ومنهم سيدي محمد بن عبدو. ومنهم سيدي عدي بن مسافر الشامي. وغيرهم من بقية الأولياء العظام. وهم ببلاد الشط على شاطئ الفرات يتحادثون في علوم وأسرار عجيبة وأحوال غريبة أطلعهم الله تعالى عليها. فبينما هم كذلك إذ قام من الله بصدق الكلام والسعادة. ما منا إلا ومن هو تحدثه نفسه بأنه شيخ الشيوخ وسلطان العارفين وهذه دعوة لا دليل لها إلا ببرهان قوي مبين. فأطرق الحاضرون رؤوسهم ولم يرد أحد جوابه فعاد القول ثانياً وثالثاً فالتفت إليه الشيخ الكبير السيد أحمد بن أبي الحسن الرفاعي وقال حشرت مع فرعون وهامان وقارون إن خطر ببالي إنني شيخ على أحد من خلق الله تعالى مطلقاً إلا أن يتغمدني الله برحمته فأكون كأحد المؤمنين لكن أي سادة انظروا إلى أمامكم من ذلك الشاطئ ماذا ترون. فقالوا أي سيدنا نرى شجرة كبيرة ممتدة الأغصان طويلة الأفنان فقال لهم أي سادة من كان منكم يريد مشيخة الشيوخ إليه فيدعوها بأن تأتي إليه إلى هذا الجانب فنقوم كلنا نبايعه ونكون في خدمته ونرعى حق حرمته فلما سمعوا كلامه قاموا كلهم ودعوها واحد بعد واحد فلم تتحرك بحركة. فلم قام قطب الوجود سيدي تاج العارفين أبو الوفا ودعاها تمايلت وأضطربت اضطرابا شديداً حتى كادت أن تنكسر ولم تنم من مقامها. فقام قطب السادات السيد عبد القادر الكيلاني ودعاها فقامت من مكانها وسعت إلى عند كنار البحر ووقفت هناك فلما جاءت نوبة الشيخ الكبير السيد أحمد جاؤوا إليه وقالوا له نريد نوبتك أي سيدي. فقال لهم ومن هو حميد اللاش حتى يكون له نوبة. فقالوا نقسم عليك بالعزيز سبحانه أن نقوم في نوبتك وندعوها حتى نرى مقام عزتك فقال لهم: أي سادة أقسمتم عليّ بعزيز لا يمكنني المخالفة. وقام قائماً على قدميه وقال أي خلق الله

стр. 271

أقسم عليك بالعزيز سبحانه إلا ما أجبت دعوتي. وأتيتني طائعة مقرة بما ألهمك الله تعالى به. فشقت الأرض والبحر وأتت طائعة مقرة شاهدة بلسان عربي فصيح قائلة أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد إن محمداً رسول الله وإنك شيخ الشيوخ على الإطلاق وشيخ أهل الأرض والسماء بالوفاق فلما شاهدوا من كراماته ما شاهدوه عياناً قاموا على أقدامهم وكشفوا رؤوسهم وبايعوه أن يكون شيخاً عليهم وعلى كل من يلوذ بهم. هو وذريته إلى يوم القيامة " (١). والقادرية يروون أنه لما قال الجيلاني في بغداد " رقبتي هذه على كل ولي ّلله طأطأت رؤوسها له , ونقل أن السيد أحمد الرفاعي كان آنذاك في بلدته أم عبيدة: وعلى رقبتي أيضاً (٢). وقد مر بعض تفصيله فيما سبق. وأيضاً " قال نقيب الأولياء أبو العباس الخضر ومثله ممن أطلعه الله على مقامات الأولياء كلهم ما هو نص في عموم فضله وشرفه على المتقدمين والمتأخرين (٣). وروى ابن الملقن ما يؤيّد القادرية , عند ذكر الرفاعي حيث نقل عن أبي العباس الخضر بن عبد الله الحسني الموصلي أنه قال: " كنت يوماً جالساً بين يدي الشيخ عبد القادر الجيلاني , فخطر في نفسي زيارة الشيخ أحمد , فقال الشيخ: أتحب رؤيته؟ فقلت: نعم , فأطرق وقال: حضر , فقمت إليه وسلمت عليه , فقال: يا خضر! ومن يرى مثل الشيخ عبد القادر سيد الأولياء يتمنى رؤية مثلي؟ وهل أنا إلا من رعيته! ثم غاب , فبعد وفاة الشيخ زرته , فقال لي: يا خضر! ألم تكفك الأولى " (٤).

стр. 272

التيجانية ومن طرق التصوف المشهورة في بلاد أفريقيا والمغرب العربي " التيجانية " نسبة إلى أبي العباس أحمد بن محمد المختار المولود بقرية عين ماضي سنة ١٥٠ هـ (١). والمدعي انتسابه إلى رسول الله صلى اله عليه وسلم , لا بطريقة علمية بإثبات نسبه وأسرته إلى الأشراف السادة , بل بدعوى الكشف والإلهام حيث قال: أنه سأل النبي ﷺ عن نسبه يقظة فردّ عليه أن نسبه إلى الحسن بن علي صحيح (٢). والمنتقل من طريقة إلى طريقة , ومن صوفي إلى صوفي إلى أن أدّعى بأنه " رأى بعيني رأسه ووجهه سيد الأكوان يقظة لا في المنام , وتشرف بمشاهدة الطلعة البدرية البهية النورانية المصطفوية , فصرح له ﵊ بأنه شيخه ومربيه وكافله , وأنه لا منة لمخلوق عليه سوى سيد الأنام , وأمر بترك جميع ما أخذه من مشايخ الطرق وسادة الصوفية , لأنه إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل على التحقيق وأنه لا مزية للانفصال إذا وجد الاتصال بصاحب الشفاعة العظمى يوم الزحام " (٣). إلى أن بلغ درجة لم يبلغها الأولون ولا الآخرون , فقال: " إن الفيوض التي تفيض من ذات سيد الوجود ﷺ تتلقاها ذوات الأنبياء , وكل ما فاض وبرز من ذوات الأنبياء تتلقاها ذاتي , ومني تتفرّق على جميع الخلائق من نشأة العالم إلى النفخ في الصور , وخصصت بعلوم بيني وبينه منه إليّ مشافهة لا يعلمها مشافهة لا يعلمها لا الله بلا واسطة وتحاور بعض أصحابه ﵁ مع بعض الناس في قوله ﵁ " كل الشيوخ أخذوا عني في الغيب " فحكي له ذلك فقال ﵁ مشيراً بأصبعيه السبابة والوسطى: روحي وروحه ﷺ , هكذا روحه ﷺ تمدّ

стр. 273

الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام , وروحي تمدّ الأقطاب والعارفين والأولياء من الأزل إلى الأبد (١). وإنه هو خاتم الأولياء كما نقل عنه محمد العربي السائح التيجاني أنه أخبر تصريحاً على الوجه الذي لا يحتمل التأويل " أن سيد الوجود أخبره يقظة بأنه هو الخاتم المحمدي المعروف عند جميع الأقطاب والصديقين وبأن مقامه لا مقام فوقه في بساط المعرفة بالله (٢). ويقولون فيه: " إذا جمع الله خلقه في الموقف ينادي بأعلى صوته حتى يسمعه كل من في الموقف يا أهل المحشر , هذا أمامك الذي كان مددكم منه. قال في منية المريد: يصعد منبراً من النور غداً ... يسمو به الكل سني وسؤدداً ثم ينادي عند ذا منادي ... يا أهل ذا المحشر وهذا النادي هذا أمامكم وذا ممدّكم ... في دار دنياكم بغير علمكم قلت: وفي هذا اليوم يظهر تفاضل الأولياء والعارفين والأغواث والصديقين , وتفاوت درجاتهم ومراتبهم بإظهار الله الفاضل وتمييزه من المفضول , ويظهر ذلك لكل من في الموقف بالعيان , ولذلك يسمى يوم التغابن , وفيه يظهر لكل موقف سعيد ولكل شقي طريد أن شيخنا وسيدنا وأستاذنا أبا العباس , سيدي الشيخ أحمد التيجاني الحسني ﵁ وعنا به آمين. وهو الختم المحمدي المعلوم , والقطب المكتوم , والبرزخ المختوم , فيغنم الموقف السعيد , ويندم الشقي الطريد , قال تعالى ﴿ذلك يوم التغابن﴾ (٣). وبالغوا في تمجيده وتعظيمه حيث نقلوا عنه أنه قال للنبي ﷺ : " أطلعت على ما رسمه وخطه ونصه. . . أسأل من فضل سيدنا رسول الله ﷺ أن يضمن لي دخول الجنة بلا حساب ولا عقاب في أول الزمرة الأولى , أنا وكل

стр. 274

أب وأم ولدوني من أبوي إلى أول أب وأم لي في الإسلام من جهة أبي ومن جهة أمي , من كل ما تناسل منهم من وقتهم إلى أن يموت سيدنا عيسى بن مريم من جميع الذكور والإناث ... وكل من أحسن إليّ بإحسان حسي أو معنوي من مثقال ذرة فأكثر. . . وكل من لم يعاديني من جميع هؤلاء أما من عاداني أو أبغضني فلا , وكل من والاني واتخذني شيخاً أو أخذ عني ذكراً , وكل من خدمني أو قضى لي حاجة. . . وآبائهم وأمهاتهم وأولادهم وبناتهم وأزواجهم. . . يضمن لي سيدنا رسول الله ﷺ ولجميع هؤلاء أن نموت وكل حي منهم على الإيمان والإسلام. . . ثم قال: كل ما في هذا الكتاب ضمنته لك ضمانة لا تتخلف عنك وعنهم أبداً , إلى أن تكون أنت وجميع من ذكرت في جواري في عليين , وضمنت لك جميع ما طلبته منا ضماناً لا يختلف عليك الوعد فيها والسلام. . . ثم قال: وكل هذا واقع يقظة لا مناماً " (١). وتطاول التيجاني على أنبياء الله ورسله , ونصب نفسه على درجة الربوبية والألوهية المطلقة حيث قال: " وليس لأحد من الرجال أن يدخل كافة أصحابه الجنة بغير حساب ولا عقاب ولو عملوا من الذنوب ما عملوا وبلغوا من المعاصي ما بلغوا إلاّ أنا وحدي " (٢). وكيف لا يكون هذا وإنه قطب؟ وما أدراك ما القطب؟ وقد عرّف حقيقة القطبانية حيث قال علي بن حرزام: " أعلم أن حقيقة القطبانية هي الخلافة العظمى عن الحق مطلقاً في جميع الوجود جملة وتفصيلاً , حيثما كان الرب إلها كان هو خليفة في تصريف الحكم وتنفيذه في كل من عليه ألوهية الله تعالى , ثم قيامه بالبرزخية العظمى بين الحق والخلق فلا يصل إلى الخلق شيء كائناً ما كان من الحق إلا بحكم القطب وتوليه ونيابته عن الحق في ذلك , وتوصيله كل قسمة إلى محلها , ثم قيامه في الوجود بروحانية في كل ذرة من ذرات الوجود وجملة وتفصيلاً , فترى الكون كله أشباحاً لا حركة لها وإنما هو الروح القائم

стр. 275

فيها جملة وتفصيلاً , وقيامه في أرواحها وأشباحاً , ثم تصرفه في مراتب الأولياء فيذوق مختلفات أذواقهم فلا تكون مرتبة في الوجود للعارفين والأولياء خارجة عن ذوقه , فهو المتصرف فيها جميعها , والمعد لأربابها , وله الاختصاص بالسر المكتوم الذي لا مطمع لأحد في دركه والسلام " (١). وعنه يقول صاحب الرماح: أنه خاتم الأولياء وسيد العارفين وأمام الصديقين وممدّ الأقطاب والأغواث , وأنه هو القطب المكتوم , والبرزخ المختوم الذي هو الواسطة بين الأنبياء بحيث يتلقى واحد من الأولياء من كبر شأنه ومن صغره فيضاً من حضرة نبيّ إلا بواسطته ﵁ من حيث لا يشعر بذلك (٢). وهذا ولقد أدعى التيجاني كذباَ وزوراً , ظلماً وبهتاناً , تعالياً وتكبراً: " من حصل له النظر فينا يوم الجمعة أو الإثنين يدخل الجنة بغير حساب ولا عقاب إن لم يصدر منه سبّ في جانبنا ولا بغض " (٣). ويقول محمد العمري التيجاني صاحب " البغية " متعمداً الكذب على النبي ﷺ أنه هو الذي قال له بذلك: " وأما الكرامة الثالثة وهي دخول الجنة لمن رآه ﵁ في اليومين الإثنين والجمعة فهي من كراماته ﵁ التي طارت بها الركبان وتوارت بها الأخبار في سائر الأقطار والبلدان , بأخبار من النبي ﷺ ولفظه الشريف فيما أخبر به سيدنا ﵁ بعزة ربي: يوم الإثنين والجمعة لا أفارقك فيهما من الفجر إلى الغروب ومعي سبة أملاك , وكل من يراك في اليومين يكتبون - يعني الأملاك السبعة - أسمه في رقعة من ذهب , ويكتبونه من أهل الجنة وأنا شاهد على ذلك " (٤). ويفوق هذ الدعي على النبي الصادق المصدوق , ويرجح نفسه عليه حيث يقولون:

стр. 276

" فيدخل الكفار في هذا الخطاب وينسحب عليه الحكم في هذا المقام بفضل الملك الوهاب. . . فتختص الرؤية المطلقة في كل يوم بمن كان مسلماً سواء كان من الأصحاب أم لا حسب ما هو به في الجواهر , وهذه المقيدة باليومين بما يشمل كل من رآه ولو كان ويقول صاحب " الفتح الرباني ": " من رآه ﵁ يوم الإثنين أو يوم الجمعة يدخل الجنة بغير حساب ولا عقاب بضمانته ﷺ , وكذلك من رآه في بقية أيام الجمعة , ولكن يختص رائيه اليومين المذكورين بأن يسعد سعادة لا شقاوة بعدها , يعني أنه لا يراه في هذين اليومين إلا من سبق في علمه تعالى أنه يكون سعيداً ويدخل في ذلك الكافر " (١). ليست الجنة لمن رآه فحسب من المسلمين والكفار , بل لكل من رأى حلّته أيضاً حسب ذكر عمر بن سعيد الفوطي أنه قال: " قال شيخنا التيجاني: من رأى هذه الحلّة دخل الجنة , ثم ألبسني إياها " (٢). ونقلوا عن التيجاني هذا أنه كان يسكن فارس , ومرة أراد الانتقال منها إلى الشام فمنعه عن ذلك رسول الله ﷺ ملبياً طلب أولياء الغرب كما يذكر سكيرج وغيره من التجانيين أن التيجاني: " أزمع على الانتقال من فارس وعزم على الارتحال إلى القطر الشامي بجميع ما معه من الأهل والعيال بقصد الاستطيان به. . . فبينما هو ﵁ قد أخذ أهبة السفر ولم يبق له إلا الخروج لهذا الوطن وقد نزل بأصحابه بسبب هذا الأمر من الحيرة والنكد ما يذهل الوالد عن الولد حتى كادت أن تتفتت أكبادهم إذ أشرق عليهم نور غرته , وطلع عليهم بهاء محياه الكريم فبشرهم بما هو الشفاء مما دهاهم , وذلك بأن قال لهم: إن أولياء الغرب أبو أن يفقدوا من بين ظهرانيهم نوره وسناه فطلبوا سيد الوجود ورغبوا إليه ﷺ في بقاء وجوده العيني وشخصه المشهود

стр. 277

بين الأغوار من قطرهم المبارك لأنه ﷺ مربيه وكفيله فأجابهم ﷺ لمطلبهم , وأسعفهم بمرغبهم. فأذن له في المقام وعدم الترحال فلم يمكنه إلا الانقياد والامتثال , فعند ذلك قرت به الحضرة الفاسية. وكان ﵁ يقول حين يضيق خاطره من أمور الخلق ويرى إعراضهم عن الحق: والله لولا خوف الله ندعو على أولياء المغرب لأنهم تسبوا له في سكني فاس بعد أن قصده أن يسكن الشام " (١). ويكذب التيجانيون حيث يقولون: " إن من كرامات التيجاني رؤية النبي ﷺ يقظة دائماً أبداً بحيث لا يغيب عنه طرفه عين , وسؤاله له عن كل أمر , ومشاورته في كل شيء دقّ أو جلّ , والتربية على يديه " (٢). وبنى التيجاني زاويته هنالك بحومة درداس المعروفة اليوم بالبليدة سنة ١٢١٥هـ. وقالوا فيها: إن هذه الزاوية المباركة لها من المزايا ما افتخرت به على جميع الزوايا , حتى أن سيدنا ﵁ كان يتكلم يومأً في فضلها فقال: لو علم أكابر العارفين ما في الزاوية من الفضل لضربوا عليها خيامهم. وكان ﵁ كثيراً ما ينوه بقدرها , ويحضّ على الصلاة فيها ويقول: الصلاة في الزاوية مقبولة قطعاً , وإلى هذا أشار صاحب المنية بقوله: وما ... بزاويته يصلي ... قطعاً يكون للقبول أهلاً (٣). فهذا هو التيجاني شيخ الطريقة التيجانية. وللتيجانية أوراد ووظائف مثل الطرق الصوفية الأخرى وهم يبالغون ويغلون في بيان فضائلها وثوابها مبالغة قلّما يبلغ أحد مبلغهم في ذلك , ومن أورادهم " صلاة الفاتح لما أغلق " , وهذا هو نصها: " اللهم صلّ على محمد الفاتح لما أغلق , والخاتم لما سبق , ناصر الحق بالحق , الهادي

стр. 278

إلى صراطك المستقيم , وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم " (١). ثم سردوا فضائلها ومناقبها فقالوا: " أخبر شيخنا ﵁ أنه سأل سيد الوجود ﷺ عنها , فأخبره بأن المرة الواحدة منها تعدل من كل تسبيح وقع في الكون ومن كل ذكر , ومن كل دعاء صغير أو كبير ستة آلاف مرة , ثم قال: وخاصية الفاتح لما أغلق أمر إلهي لا مدخل للعقول فيه , فلا يلتفت إلى تكذيب مكذب , ولا قدح قادح , فإن لله فضلاً خارجاً عن دائرة القياس , ويكفيك قوله تعالى (ويخلق ما لا تعلمون) فما توجه متوجه إلى الله تعالى بعمل يبلغها وإن كان ما كان , ولا توجه متوجه إلى الله تعالى بأحب إليه منها , ولا أعظم عند الله حظوة إلا مرتبة واحدة , وهي من توجه إلى الله باسمه العظيم الأعظم لا غير , وتليه في الرتبة صلاة الفاتح لما أغلق , ولا يحصل هذا الخير إلا لمن صدق بما سمع وسلم لفضل الله , وأنه لا يأخذه الحد والقياس. ثم قال: وأعلم أن كل ما تذكره من الأذكار والصلاة على النبي ﷺ والأدعية لو توجهت بجميعها مائة ألف عام كل يوم تذكرها مائة ألف مرة وجمع ثواب ذلك ما بلغ مرة واحدة من صلاة الفاتح لما أغلق " (٢). وأما صاحب الفتح فيقول: أما صلاة الفاتح فلها من الفضل ثمان مراتب , والمذكور من فضلها جزء من المرتبة الأولى فقط , وغير ذلك كله مكتوم. ومما ذكر من فضلها غير المكتوم: أن من قرأها مرة واحدة في اليوم تضمن له سعادة الدارين , ومنه أن المرة الواحدة منها تكفر جميع الذنوب وتعدل من كل تسبيح وذكر ودعاء صغيراً أو كبيراً وقع في الكون ستة آلاف مرة , ومنه أن من يصلي بها عشر مرات يحصل ثواباً أكبر من ثواب وليّ عاش ألف سنة دون أن يذكرها , ومنه أن المرة الأولى منها بستمائة ألف صلاة من صلاة كل ملك وإنس وجنّ من أول خلقهم إلى وقت تلفظ الذاكر بها , والمرة الثانية مثلها , ويضاف عليها ثواب الأول , والمرة الثالثة مثلها ,

стр. 279

ويضاف عليها ثواب الأولى والثانية وهكذا , ومنه أن من يواظب على قراءتها كل يوم مرة يموت على الإيمان , ومنه أنه إذا حصل للمصلي بها شيء يحبط عمله فإنها لا تحبط في جملة ما يحبط , ومنه أن من قرأها ليلة الجمعة مائة مرة تكفر عنه ذنوب أربعمائة سنة , ومنه غير ذلك مما لا يسعه هذا الكتاب المختصر. وفضلها الخاص يحصل بشرطين: الأول إذن الشيخ ﵁ ولو بوسائط , الثاني اعتقاد أنها ليست من تأليف البشر , بل وردت لسيدي محمد البكري من حضرة الغيب , ومن فضلها العام أن المرة الواحدة منها فدية من النار. قال سيدي محمد البكري ﵁: من قرأ هذه الصلاة مرة ولم يدخل الجنة يقبض بين يدي الله تعالى , وقد ذكر الهاروشي في (شرح كنوز الأسرار) أن المرة الواحدة من هذه الصلاة بستمائة ألف صلاة , وهاتان الفضيلتان يحصلان بلا اشتراط ما تقدم لأنهما من الفضل العام. وبالجملة فصلاة الفاتح لما أغلق أشرف الصلوات , ولم يصلّ أحد على النبي ﷺ بمثلها , لأن لها من الفضل ما يبهر العقول: قال شيخنا ﵁: وخاصية الفتح لما أغلق أمر إلهي لا مدخل فيه للعقول , فلو قدرت مائة ألف أمة في كل أمة ألف قبيلة في كل قبيلة مائة ألف رجل وعاش كل واحد منهم مائة ألف عام يذكر كل واحد منهم في كل يوم مائة ألف صلاة على النبي ﷺ من غير الفاتح وجمعت ثواب هذه الأمم كلها في مدة هذه السنين كلها في هذه الأذكار كلها ما لحقوا كلهم ثواب مرة واحدة من صلاة الفاتح لما أغلق " (١). وقال صاحب الجواهر نقلاً عن التيجاني أنه قال: " سألته ﷺ عن فضلها فأخبرني أولاً بأن المرة الواحدة منها تعدل من القرآن ستّ مرات , ثم أخبرني ثانياً أن المرة الواحدة منها تعدل من كل تسبيح وقع في الكون , ومن كل ذكر , ومن كل دعاء كبير أو صغير , ومن القرآن ستة آلاف مرة لأنه من الأذكار " (٢).

стр. 280

ونقل الرباطي عن الهاروشي أنه قال: " إن صلاة الفاتح لما أغلق تعدل ستمائة ألف صلاة فأنظره وأقدرْ قدر ما ينال المصلي من صلاة الله تعالى عشرا عشراً , وقال في شرحه أيضاً: قال شيخنا العياش ﵁: من قرأ هذه الصلاة مرة ولم يدخل الجنة يقبضني بين يدي الله تعالى (١). فانظر إلى تلك الأكاذيب والأباطيل كيف يروون تلك الفضائل ومن الثواب ذلك المقدار على ورد اخترعوه , وذكر اختلقوه , وصلاة ابتدعوها ويفضلونها على أوراد الأنبياء وأذكار الرسل والصلاة التي علّمها رسول الله ﷺ , مع أن هذه الصلاة خالية عن السلام , وان صيغته لا تضاهي تلك الصيغة النبوية عليها مسحة إلهية وفيها نفحة ربانية. وبذلك يلهون الناس عن قراءة القرآن والتمسك بألفاظ وردت عن رسول الله ﷺ بحجة أن التيجاني أيضاً تلقاها عن النبي ﷺ لم يلقنها أفضل الخلائق بعد الأنبياء والرسل أبا بكر الصديق ومن تلاه في المرتبة والمنزلة عمر الفاروق ومن يليهما عثمان بن عفان صهر رسول الله وزوج كريمته الملقب بذي النورين والخليفة الراشد الرابع ابن عم رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين , مع ما في أقوالهم من الحث على ترك العلم , والترغيب والتحريض على الاعتناء بهذه المجازفات والمبالغات. وهناك أوراد أخرى منها ما يسمونها جوهرة الكمال , ولفظها: " اللهم صل وسلم على عين الرحمة الربانية والياقوتة المتحققة الحائطة بمركز الفهوم والمعاني ونور الأكوان المتكونة الأدمي صاحب الحق الرباني البرق الأسطع بمزون الأرياح المائلة لكل معترض من البحور والأواني ونورك اللامع الذي ملأت به كونك الحائط بأمكنة المكاني اللهم صل وسلم على عين الحق تتجلى منها عروش الحقائق عين المعارف الأقوم صراطك التام الأسقم اللهم صل وسلم على طلعة الحق الكنز الأعظم أفاضتك منك إليك إحاطة النور المطلسم صلى إليه عليه وعلى آله صلاة

стр. 281

تعرفنا بها إياه , اثني عشرة , ذكر الجمعة قبل الغروب بساعة ونصفها يأتي الوجوب لا إله إلا الله ألفاً ومائتين أو الاسم المفرد الله الله الله حتى يتم العدد وبعضهم يجعلها ألفاً وستمائة وقال بعضهم أقل العدد للذكر بها ألف مرة إلى غروب الشمس بعدد وبدون عدد ومن كان عنده ضرورة شرعية يقرأ العدد ثم يمضي لضرورته بعد انتهائه " (١). وأما جوهرة الكمال فهي إملاء رسول الله ﷺ لسيدنا الشيخ ﵁ يقظة لا مناماً فمن فضلها الذي ذكره الشيخ ﵁ أن المرة منها تعدل تسبيح العالم ثلاث مرات بشرط الطهارة المائية وأن من لازمها كل يوم سبع مرات يحبه النبي ﷺ وأن النبي ﷺ والخلفاء الأربعة يحضرون مع الذاكر عند السابعة منها ولا يفارقونه حتى يفرغ من ذكرها وهذا من باب خرق العادة , ومنها أن من قرأها عشرة مرة وقال هذه هدية مني إليك يا رسول الله فكأنما زار النبي ﷺ والأولياء والصالحين من أول الوجود إلى وقته ومنها أن من نزلت به شدة أو ضيق وقرأها خمساً وستين مرة فرج الله عنه في الحين وفضل الله أوسع ويختص به من يشاء والله ذو الفضل العظيم ومن أراد زيادة فعليه بكتب هذه الطريقة كجواهر المعاني والرماح وأما الفضل ذكر يوم الجمعة بعد صلاة العصر يكفي في فضله حضور النبي ﷺ من أول الذكر إلى آخره , قال صاحب المنية. يكفيك في الفضل حضور المصطفى ... صلى عليه ربنا وشرفا " (٢). وغيرها من الخرافات. ثم بينوا لها شروطاً وآداباً يطول ذكرها لكن نذكر الأهم لكي يعرف خبث القوم

стр. 282

وحقيقتهم , فيقول الرباطابي: " من الشروط أن يكون الشيخ الذي يلقن الأوراد اللازمة والاختيارية مأذونا إذناً صحيحاً من القدوة أو من أذن له. الثاني أن يكون طالب التلقين خالياً من أوراد المشايخ أو ينسلخ عنها ولا يعود لها أبداً لأن مريد السير إلى الله تعالى لا يصلح أن يكون بين شيخين كما لا يصلح أن تكون زوجة زوجين. الثالث: عدم زيادة الأولياء الأحياء والأموات وله زيادة الأنبياء والصحابة ﵃ وأصحاب سيدي أحمد التيجاني ﵁ الأحياء والأموات قال سيدنا الشيخ ﵁: ثلاثة تقطع المريد عن أخذ ورد على وردنا وزيارة الأولياء الأحياء والأموات وترك الورد , أي تركاً كليا , ولا يتهاون به وأما تركه كسلاً فلا يخرجه عن الطريقة لأنه لم يتركه تركاً قلبياً ولا أعرض عنه إعراضاً كلياً إلا أنه عرّ ض نفسه للمصائب بسبب تركه , وفي الإفادة الأحمدية من ترك الورد بعد أخذه له حل به الهلاك في الدنيا والآخرة , وليس منع الزيادة في طريقتنا هذه الأحمدية التيجانية تكبراً على ساداتنا الأولياء الكرام ومعاذ أن يصدر ذلك منا في جانبهم الأعز الرفيع وجنابهم عندنا محترم غاية الإحترام قال سيدنا أحمد التيجاني ﵁ عظموا حرمة الأولياء والأحياء والأموات فإن من عظم حرمتهم عظم الله حرمته ومن أهانهم أذله الله وغضب عليه فلا تستهينوا بحرمة الأولياء , ومحبة أولياء الله ﵃ شرط من شرط طريقتنا ". السابع: أن لا يصدر منه سبّ ولا بغض ولا عداوة في جانب الشيخ ﵁. . . العاشر: السلامة من الانتقاد على الشيخ سيدي أحمد التيجاني ﵁ لأن طريق السادة الصوفية مبني على التسليم لأرباب التربية فيما يأمرون به أو ينهون عنه لأنهم أمناء على الشريعة. . . السادس عشر: احترام كل من انتسب للشيخ ﵁ من الأخوان لا سيّما كبار أهل الخصوصية من أهل الطريقة , قد جاء عن سيدنا الشيخ أحمد التيجاني ﵁ أن إذاية أهل هذه الطريقة إذاية للنبي ﷺ . . .

стр. 283

الثاني والعشرون: مجانبة المنتقدين على الشيخ سيدنا أحمد التيجاني ﵁ , وكان ﵁ يحذر أصحابه من مجالسة المنتقدين عليه ويقول: إن بعضهم يسري في قلب من يجالسهم كالسم , قال صاحب المنية: ومن يجالس مبغض الشيخ هلك ... وضلّ في مهامه وفي حلك. . . الثالث والعشرون: يستحضر صورة الشيخ ﵁ في حال قراءة الورد , ويستمدّ منه , وأعظم من ذلك أن يستحضر صورة النبي ﷺ على ما رويت في الشمائل الترمذية ويستمد منه , وهذا الاستحضار يكون من أول قراءة الورد إلى آخره إن أمكن ذلك , وإلا فليستحضر في أول الذكر ثم يعاود الاستحضار مرة أخرى. . . ولا يلتفت عن الشيخ , والالتفات عن الشيخ سيدي أحمد التيجاني ﵁ بزيارة الأولياء الأحياء والأموات أو طلب الدعاء منهم أو إهداء ثواب العبادات من قرآن وصلوات وأذكار ونذر وصدقة ونحو ذلك لهم (١). وهناك عقائد ومعتقدات وأفكار وآراء أخرى كثيرة مجانية للحق ومخالفة للقرآن والسنة في الطريقة التيجانية من التمسح بالقبور والاستمداد من غير الله والشرك الجليّ والخفيّ والاعتقاد في الأولياء والمتصوفة وخاصة الشيخ التيجاني ومشايخ هذه الطريقة بأنهم يعلمون الغيب , ويملكون الضر والنفع , ويدفعون البلاء , ويميطون الأذى , ويحيون الأموات ويرزقون , ويكسون ويعطون ويمنعون , أحياء وأمواتا وغير ذلك من الخرافات والترهات التي لا تخلو طريقة من الطرق الصوفية منها , بل أنها مبنية على تلك السخافات والخرافات , وإنها من لوازم التصوف ذكرناها في ضمن المباحث في هذا الكتاب الأول. ونريد أن نذكر في آخر هذا المبحث الخدمات الجليلة التي أداها التيجانيون لدعم الاستعمار الفرنساوي الصليبي الكافر الغاشم , الغازي لتلك البلاد المسلمة التي يقطنها التيجانيون , فلقد ذكر المؤلف التيجاني صاحب الفتح في الباب السابع تحت عنوان " ذكر

стр. 284

كرامات شيخنا ﵁ " منها: أخباره باستيلاء فرنسا على بلاد الجزائر , وكان كثيراً ما يشير إلى ذلك بما يفيد التحقق بوقوعه تصريحاً وتلويحاً (١). وعلى ذلك قام التيجانيون في الجزائر والمغرب بالدفاع عن الاستعمار الفرنسي , وتحريض المسلمين على الخنوع والخضوع أمامهم وتسليم البلاد بأيديهم بدون قتال ولا جدال , ومنعهم عن المحاربة والوقوف أمامهم ففي خطبة ألقاها محمد الكبير شيخ التيجانية في وقته يذكر فيها بعض تلك الخدمات بكل اعتزاز وافتخار , فيقول كما نشرها مجلّة الفتح العدد ٢٥٧ القاهرة يوم الخميس ١٦ صفر سنة ١٣٥٠ هـ السنة السادسة بعنوان " صاحب السجادة الكبرى يلقي بين يدي فرنسا خطبة الإخلاص " , وهذا نصه: اعترافات خطيرة صاحب السجادة الكبرى يلقي بين يدي فرنسا " خطبة الإخلاص " الجزائر في ٢٣ - ١ - ١٣٥٠ لمراسل الفتح. نشرت جريدة " لا بريس ليبر La Presselibre وهي جريدة فرنسية استعمارية يومية كبرى تصدر في عاصمة الجزائر في عددها الصادر يوم السبت ١٦ مايو (٢٨ ذي الحجة: خطبة طويلة ألقاها الشيخ " سيدي " محمد الكبير صاحب " السجادة الكبرى " - أي: رئيس الطريقة الصوفية المسماة بالطريقة التيجانية - بين يدي الكولونيل سيكوني " الفرنسي " الذي ترأس بعثة من الضباط قامت بنزهة استطلاعية في الجنوب الجزائري , ومهدت " لا بريس ليبر " للخطبة بكلمة جاء فيها. وبعد ما طافت هذه البعثة العسكرية في مدينة الأغواط , سافرت إلى عين ماضي المركز الأساسي للطريقة الصوفية الكبرى " التيجانية " , ملبين دعوى رئيس هذه الطريقة المحترمة المبجلة الشيخ سيدي محمد الكبير , وبعدما تفرجوا على المدينة - يعني: قرية عين ماضي - وعلى الزاوية ذهبوا إلى القصر العظيم الذي شيّد بإيعاز من السيدة

стр. 285

الفرنسية مدام أوريلي التيجاني (أيّم التيجاني) , وفي ردهات هذا القصر الرائعة الجميلة أقيمت مأدبة فخمة فاخرة كبرى لهؤلاء الضباط ولنواب الحكومة العسكرية المحلية بالأغواط وعين ماضي , وفي أثناء شرب الشاي قام حبيبنا حسني سي أحمد بن الطالب , وتلا باسم المرابط سيدي محمد الكبير صاحب السجادة التيجانية الكبرى خطبة عميقة مستوعبة للخدمات الجليلة الصالحة التي قامت بها الطائفة التيجانية لفرنسا وفي سبيل فرنسا في توطيد الاستعمار الفرنسي , وفي تسهيل مهمة الاحتلال على الفرنسيين , وفي إشارات التعقل كانت تسديها هذه الطريقة لمريديها من " الأحباب ". . . ثم قالت الجريدة: وحيث طلب منا نشر هذه الخطبة القيمة فإننا ننشرها فيما يلي: وهنا أوردت الجريدة جانباً كبيراً من الخطبة - نصفها أو ثلثيها - كله ثناء لا يحصى ولا يعد على فرنسا المستعمرة , فو صفها الخطيب بأنها " أم الوطن الكبرى " , وانهال عليها مدحاً مدحاً وشكراً بما لا يخرج عن معنى ما نسمعه دائماً من دعاتها المأجورين , إلا أنه قال: " حتى الأرذال الأوباش أعداء فرنسا الذين ينكرون الجميل , ولا يعترفون لفاضل بفضل , قد اعترفوا لفرنسا بالمدنية والاستعمار , وبأنها حملت عنا ما كان يثقل كواهلنا من أعباء الملك والسيادة , وحملت الأمن والثروة والرخاء والسعادة والهناء. . . ولكن المهم من الخطبة هو الجانب الأخير منها , لأنه يحوي اعترافات خطيرة مثبتة بتواريخها , ونحن ننقل هذه الاعترافات حرفياً , ونعرضها على صفحات الفتح المجلة التي يثق بها المسلمون جميعاً , ولكل مسلم أن يحكم على هذه الاعترافات بما شاء. قال الشيخ سيدي محمد الكبير صاحب السجادة الكبرى " التيجانية " , وهو " خليفة " الشيخ أحمد التيجاني الأكبر مؤسس هذه الطريقة , وهذا " الخليفة " يسيطر على جميع أرواح " الأحباب " المريدين التيجانيين في مشارق الأرض ومغاربها: . . إنه من الواجب علينا إعانة حبيبة قلوبنا مادياً وأدبياً وسياسياً , ولهذا فاني أقول لا على سبيل المنّ والافتخار , ولكن على سبيل الاحتساب والتشرف بالقيام بالواجب. . . أن تصل بلادنا , وقبل أن تحتل جيوشها الكرام - كذا - ديارنا. ففي سنة ١٨٣٨ كان جدي سيدي محمد الصغير - رئيس التيجانية يومئذ - أظهر
следующие страницы →