← Акыда

Акыда · id 12798

دراسات في التصوف

إحسان إلهي ظهير

Полный текст (342 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ذكر هذه الأحزاب: " إخواني , فعليكم بحفظ هذه الأحزاب وتلاوتها على الدوام إن قدرتم. إخواني , والصواب أن تقرؤها جماعة في كل يوم بعد صلاة العصر استحباباً , وقد جرى الأمر والعمل بذلك على أيدي المتصوفة وصالحي الأمة كالشاذلي وتلامذته وغيرهم " (١). ولكل طائفة أذكار وأوراد مختصة بها , ستذكر نبذة منها عند بيان الطرق الصوفية أن شاء الله في كتاب مستقل , ونكتفي بهذا القدر من نماذج الذكر الصوفي ونعرض الجانب عن الكثير الكثير الذي هو منثور في كتبهم ومؤلفاتهم. هذا وإن الصوفية يدّعون أحياناَ أن هذه الأذكار والأوراد والوظائف والأحزاب قد تعلّموها من عليّ ﵁ كما ذكر ذلك الجعلي الفضلي عن حسن بن حسونة أنه قال: " اختليت في باعوضة للذكر والعبادة فجاءني عليّ فلقنني الذكر " (٢). وأحياناً فيي يدّعون تلقّنها من الخضر كما يحكي شهاب الدين الشرجي اليمني عن بعضهم أنه " حصل له عطش شديد في بعض المفاوز , قال: حتى خفت التلف , فقعدت مستعداً للموت فغلبتني عيني وأنا جالس , فقال قائل: قل يا لطيفاً بخلقه , يا عليماً بخلقه! يا خبيراً بخلقه! ألطف بي يا لطيف يا عليم! يا خبير , ثلاث مرات , وهذه تحفة الأبد , فإذا لحقتك ضائقة أو نزلت بك نازلة فقلها تكفي وتشفي , فقلت: من أنت؟ قال: أنا الخضر " (٣). ونقل الهجويري عن إبراهيم بن آدم أنه قال: " كان الحق تعالى يبعث إليّ بالرزق عند الحاجة دون عناء , وأنفق لي في ذلك الوقت صحبة الخضر ﵇ , وعلمني اسم الله الأعظم " (٤). ويحكي الشعراني عن أحمد بن أبي الحواري أنه كان يقول: " علّمني الخضر ﵇ رقية للوجع , فقال: إذا أصابك وجع فضع يدك على

стр. 212

الموضع وقل: " وبالحق أنزلنا وبالحق نزل " , فلم أزل أقولهما على الوجع فيذهب بساعته " (١). والدباغ أيضاً نقل حكاية عن بعض الصوفية أنه قال: " وبقيت عند قبر شيخي إلى الليل وأنا أبكي من حبّه ووحشة فراقه , ثم بتّ على قبره والحال يتزايد إلى أن طلع الفجر , فجاءني سيدنا الخضر ﵇ فلقنني الذكر " (٢). وأحياناً يخرّفون بأنهم أخذوها من رسول الله ﷺ كحزب أبي الحسن الشاذلي , الذي سماه بحزب البحر , وكلماته " رب سهل ويسر ولا تعسر علينا يا ميسر كل عسير بحق أب ت ث ......... هـ ولا ي .... بسم الله بابنا , تبارك حيطاننا , يس سقفنا , كهيعص كفايتنا , حمعسق حمايتنا , ستر العرش مسبول علينا إلخ " (٣). فيقولون في هذا الحزب أنه " لما اعترض الفقهاء على حزب الشاذلي المسمى بحزب البحر , قال الشيخ: " والله لقد أخذته من رسول الله ﷺ حرفاً بحرف " (٤). وأحياناً يهذون أنهم تعلّموها من بعض الطيور كما يحكى الصفوري عن بعضهم أنه قال: " كنت أسيراً في قسطنطينية بلاد الروم فنذرت إذا خلصني الله أن أحج ماشياً فجاءني طائر إلى حائط السجن وقال اللهم إني أسألك يا من لا تراه العيون ولا تخالطه الظنون ولا تصفه الواصفون ولا تغيره الحوادث والدهور يا من يعلم مثاقيل الجبال ومكاييل البحار وما أظلم عليه الليل وأشرق عليه النهار يا من يعلم عدد قطر الأمطار وورق الأشجار ولا تواري عنه سماء سماء ولا أرض أرضاً ولا جبال ما في وعرها ولا بحار ما في قعرها أنت الذي سجد لك سواد الليل وضوء النهار ونور القمر وشعاع الشمس ودوي الماء وحفيف الأشجار وأنت الذي نجيت نوحاً من الغرق وغفرت لداود ذنبه وكشفت الضر عن أيوب ورددت موسى إلى أمه وصرفت

стр. 213

عن يوسف السوء والفحشاء وأنت الذي فلقت البحر لموسى حي ن ضربه لبني إسرائيل بعصاه فكان كل فرق كالطود العظيم حتى مشى عليه موسى وشيعته وأنت الذي جعلت النار على إبراهيم برداً وسلاماً وأنت الذي صرفت قلوب سحرة فرعون إلى الإيمان بنبوة موسى يا شفيق يا رفيق يا جالي الضيق يا ركني الوثيق يا مولاي الحقيق خلصني من كل كرب وضيق ولا تحملني ما لا أطيق أنت منقذ الغرقى ومنجي الهلكى وجليس كل غريب وأنيس كل وحيد ومغيث كل مستغيث فرج عن الساعة الساعة فلا صبر لي على حلمك لا إله إلا أنت ليس كمثلك شيء وأنت على كل شيء قدير فلما دعا به في الليلة الثانية أرسل الله ملكاً فحمله إلى منزله فحج من سنته ما شياً فحدث به رجلاً فقال له من أين لك هذا الدعاء قال حفظته من طائر بقسطنطينية ببلاد الروم فقال حدثني أبي عن جدي عن النبي ﷺ أنه دعاء الفرج " (١). وأما كيفية تلقين الذكر فذكرها أيضاً كثير من الصوفية في كتبهم , ننقلها عن عبد الغني الرافعي , فيقول: " وكيفية تلقين الذكر أن يضع الشيخ يده اليمنى في يد المريد اليمني بعد طهارة كل منهما ويجعل راحة كفه على راحته ويقبض إبهامه ويقول له غمض عينيك وأستغفر الله ثلاثاً ثم يقرأ الشيخ قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً إلى قدير وإن الذين يبايعونك الله عظيماً وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتهم الآية ثم يطرق رأسه ويدعو سراً للمريد بنحو اللهم أعنه وأحفظه وتقبل منه وأفتح عليه باب كل خير كما فتحته على أنبيائك وأوليائك اللهم فرغنا لما خلقتنا له ولا تشغلنا بما تكفلت لنا به ولا تحرمنا ونحن نسألك ولا تعذبنا ونحن نستغفرك برحمتك يا أرحم الراحمين ثم يقول وكل منهما غاض بصره اسمع مني الذكر ثلاث مرات وقله بعدي ثلاثاً وأنا أسمع منك ثم يستأذن الشيخ بقوله دستور يا رسول الله دستور يا أهل الطريق دستور يا أستاذ الأذن لي بتلقين الذكر ويطلب بقلبه المدد من أهل السلسلة وذلك بعد أن يكون قدم قراءة الفاتحة له ﷺ وفاتحة ثانية لأهل السلسلة وفاتحة ثالثة لقطب الكون والأولياء جميعاً عندما

стр. 214

يجلس المريد بين يديه " (١). وأما اللغة السحرية الطلسمية التي يستعملها الصوفية في وضع الأذكار والأوراد , فيدّعي الصوفية عنها أنها لغة الملائكة والأرواح ولغة أهل الجنة , وبهذه اللغة فواتح سور القرآن الكريم (٢). وأما الشعراني فأدعى عن إبراهيم الدسوقي أنه كان له إلمام تام بهذه اللغة , فكان يتكلّم بها ويكتب فيها , نقدّم نموذجاً من هذه اللغة إلى القراء لمعرفة مدى تخريفات القوم وترهاتهم , فينقل الشعراني عنه أنه كتب إلى بعض مريديه: " بع السلام وإنني أحب الولد وباطني خلي من الحقد والحسد ولا بباطني شظا ولا حريق لظى ولا لوى لظى ولا جوى من مضى ولا مضض غضا ولا نكص نصاً ولا سقط نطاً ولا نطب غظاً ولا عطل حظاً ولا شنب سرى ولا سلب سباً ولا عتب فجا ولا بدع رضا ولا شطف جوا ولا عنف سرا ولا خمش خبش ولا حفس عفس ولا خفض خنس ولا حولد كنس ولا عنس كنس ولا عسعس خدس ولا جيقل خندس ولا سطاريس ولا عيطافيس ولا هطامرش ولا سطامريش ولا شوش اريش ولا ركاش قوش ولا " هلا دنوس ولا كنبا " سمطلول الروي ولا بوس عكموس ولا فنفاد أفاد ولا قداد أنكاد ولا بهداد ولا شهداد ولابد من العون وما لنا فعل إلا في الخير والنوال انتهى وكتب إلى بعض مريديه أيضاً سلام على العرائس المحشورة في ظل وابل الرحمة وبعد فإن شجرة القلوب إذا هزت فاح منها شذا يغذي الروح فينتشق من لاعنده زكم وله أنوار وعلوم مختلفة مانعة محجوبة معلومة لا معلومة معروفة لا معروفة غريبة عجيبة سهلة شظة وتفة طعم ورائحة وسم ميم محل جميل جهد راب ملوب نغط نبوط هوبط سهبط حره واغميط عمن عسب غلب عرماد علمود على عروس علماص مسرود قدقد فرصم صباع صبع صبوغ نبوب جهمل جمايد حربوعسس قنبود سماع بناغ مرنوع ختلوف كداف كروب كبنوف شعدا سعندبل ختلولف ختوف رصص ما

стр. 215

من قمن قرقنبود سعي طبوطا طابرطا كما كهرحه جهدبيد نيلودات كهلودات كلوب فانهم مبرم واقرم منهم وأخبر يهدم سوس سفيوس كلافيد لا تهترعن عتبلا سعد سبح تزبد ولا تتكوكع زند حدام هدام سكهدل وقد سطرنا لك يا ولدي تحفة سنية ودرة مضية ربانية صريانية " (١). هذا ونعود إلى موضوعنا ونقول: إن الصوفية قد أوجدوا صيغاً وألفاظاً في أورادهم ووظائفهم لم يعلّمها رسول الله ﷺ أصحابه , ولم يدع واحد من السلف الصالح بتلك الكلمات والألفاظ , وزعموا لها فضائل ومناقب , وفضّلوها على تلاوة القرآن الكريم وعلى التسبيح والتهليل والتحميد , وحملوا الناس على الإشتعال بترديد كلمات السحر والكهانة والتنجّم على ألسنتهم , ثم اختلقوا لها آداباً وتجليات وأحوالاً ودرجات لم يأت بها كتاب الله ولا سنة رسول الله ﷺ كما يقول القشيري: " إذا قبل المريد طريق التصوف يقول له الأستاذ: قبلتك لأوصلك إلى طريق الله بقدر ما أعرف أني لا أبخل عليك بقدرها ما عرفته ثم يعرفه ويوصيه أن لا يسمعه من الأستاذ ويرى جميع أحواله من الله ويرى التوفيق منه ويقول له: قل: الله الله الله ثم يوصيه أن يواظب على قول هذا الذكر وأن لايشهد غيره وأن لا يفكر في غيره وإن أشغله عن هذا الذكر أمر من الأمور فطرح ذلك الأمور وإن كان موت والديه ولا يفعل من الطاعات إلا الفرائض والسنن وركعتي الضحى وبعد كل وضوء ركعتين فأما سواه من النوافل وقراءة القرآن فلا يشتغل إلا بهذا الذكر إلى أن يغيب بالذكر عن جميع ألأشياء بتوفيق الله لقوة إراداته ثم يغيب بالذكر وبين حضور الذكر ثم لا يزال يرتقي في الذكر يردد مدة طويلة بين غيبة عن الذكر بالذكر وبين حضور الذكر ثم لا يزال يرتقي في كل غيبة وحضور إلى رتبة أخرى ثم يرد ورود آخر عليه أعلى من هذا فيفنى العبد عن الذكر وعن هذه الأحوال فإذا رد إلى حال البقاء بعد هذه الغيبة يسلب عنه لسانه وسمعه وبصره إلا شهادة القلب ولا يمكنه أن يقول باللسان

стр. 216

ويقول بالقلب نطقاً لا علماً ومشاهدة بل كما كان ينطق بلسانه قبله يذكر بقلبه حتى يرد ورود آخر عليه بعد مدة ما شاء الله أعلى من ذلك من حيث الهيبة فيبدو على العبد من الهيبة ورود يظن أنه قريب من الحق فيفنى العبد فيه ثم يتردد بين البقاء والفناء وكل مرة يرد إلى البقاء تزداد عبارات قلبه حتى ينتهي إلى أذكار يجدها مرة قلبه بألسنة مختلفة وعبارات لم يسمعها قبله ولا خطرت بباله قبله يجد ذلك " الله " في قلبه حتى يتوهم إن جملة الكون يذكر الله بعبارات مختلفة أحياناً ويصير بحيث لا يميز بين ذكره الذي يبدو قلبه وذكر الكون من غلبات الذكر عليه فليستمع جميع هذه الأذكار ثم بعده يرد ورود آخر بحيث لو ذاق هذا الورود غير من سلك هذه الطريقة على سبيل الوهلة لمات من هيبة الله سبحانه حتى يفنى هذا العبد ولا يبقى منه شيء ". ثم يرد إلى حالة البقاء فيسلب عنه أحوال القلب من الشهادة وغيرها فيبدو له سر الغيب يبقى للعبد شيء وليس إلا الله " (١). ويقول: " إذا تحقق الذاكر في ذكر اللسان رجع ذكر لسانه إلى ذكر القلب فإذا ذكر القلب يرد عليه في الذكر أحوال يجد من نفسه بل يسمع من قلبه " الله " سبحانه اسماً وأذكاراً لم يسمعها قط ولا قرأها في كتاب بعبارات مختلفة والسنة متباينة لم يسمعها ملك ولا آدمي فإن لازم همته ولم يلتفت ولم يلاحظ هذه الواردات نال المريد الزيادة إلى أن ينتهي إلى ذكر السر وإن التفت إلى ما يجري عليه من هذه الأحوال ولاحظ هذه التسميات وهذه الأذكار ونظر إليها واشتغل بها فقد أساء الأدب فيعاقب في الوقت وعقوبته انقطاع المزيد عنه ثم يعاقب ثانياً إن صبر عليه بأن يرد إلى حال العلم هذه الأحوال ويرد عليه علوم حتى يظن أنه فتح عليه علوم الأولين والآخرين. في ابتداء الذكر في الجوارح أن يجد حركة في جوارحه حتى لا يبقى عليه جزء من لحمه وعظمه إلا يجد فيه حركة واختلاجاً ثم تقوى تلك الحركات وتلك الاختلاجات.

стр. 217

حتى تصير أصواتاً وكلاماً حتى يسمع من جميع جوارحه وأجزائه أصواتاً إلا من لسانه فإن اللسان لا ينطق في هذه الأحوال والعبد ملازم لهمته لأنه يتيقن أنه لولا حظ وطلب علم هذه الأذكار نفى عنها إلى غيرها وهذا بعد أن وقع الذكر على القلب فأما في حال ذكر اللسان فيكون هذه الحركات والاختلاجات للجوارح لكن لا بهذه القوة " (١). ثم يبيّن الخواطر والأحوال التي ترد على البعد يسمع العبد أصواتاً أحلى ما يكون , وأحسن ما يكون حتى كأنها ألذ وأطرب وأشهى من أصوات الأوتار والمزامير والرابط , وكل صوت حلو حسن. ثم هذا الخاطر من الشيطان يكون بهذه الحالة , وربما يكون أتمّ حلاوة من هذا الذي من الحق في الصورة (٢). ومن تلك الآداب " أن يستمدّ عند شروعه في الذكر بهمة شيخه بأن يشخصه بين عينيه , ويستمدّ من همته ليكون رفيقه في السير. ومنها أن يرى استمداده من شيخه هو استمداده حقيقة من رسول الله ﷺ لأنه واسطة بينه وبينه. . . ومنها اختيار الموضع المظلم من خلوة أو سرداب. . . ومنها أن يخيل شخص شيخه بين عينيه ما دام ذاكراً , وهذا عندهم ما آكد الآداب. . . وأجمعوا على أنه يجب على المريد الجهر بالذكر بقوة تامة وأن ذكر السر والهوينا لا يفيده رقياً (٣). هذا وإن الله تعالى يقول: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ (٤).

стр. 218

ويروي با يزيد الأنصاري الصوفي المشهور عن رسول الله ﷺ أنه قال: (أفضل الذكر الذكر الخفي) (١). والشعراني يذكر من جملة آداب الذكر " محلّة في الذاكر الواعي المختار , أما المسلوب الاختيار فهو ما يرد عليه من الأسرار , فقد يجري على لسانه الله الله الله الله أو هو هو هو , أو لا لا لا أو عا عا عا أو آآ آأو هـ هـ هـ أو ها ها ها أو صوت بغير حرف أو تخبيط , وأدبه عند ذلك التسليم للوارد , فإذا أنقضى الوارد فأدبه السكون من غير تقوّل " (٢). ومن جملتها ما ذكرها أحمد محمود زين الدين الحسيني حيث كتب: " ويجب على الذاكر أن يستعد للذكر استعداده للصلاة , فيجلس جلوس المتأدب المتواضع , والمتذلل الخاشع , جامعا حواسه , مسبلاً عينيه كأن على رأسه الطير , ماحياً من قلبه الغير , متابعاً شيخه في حركاته وسكناته , موافقاً له ولإخوانه في ذكر الجماعة , عاملاً على مساواتهم في أصواتهم بطريقة موزونة تجمع القلوب حتى كأنهم صوت واحد , والجهر في حقهم أنفع , ولقولبهم أجمع , وأشد في التأثير , وأعظم في التذكير , لاسيما في القلوب القاسية , وإن من القلوب ما هو كالحجارة أو أشد قسوة ولا ينكسر إلا بالذكر القوي , أما الكل والخواص فالأولى لهم الإسرار. وعليه أن يعمل بكل ما يأمره به شيخه , وليعلم أن شيخه كالطبيب فلا يقال له لم وليفهم عبارته وإشارته , وليتمسك بعلمه وعمله وطريقته , وليراقبه عند كل إرادة وعمل لأن شيخه يطالبه بما أمر الله وينهاه عن كل مانهاه , فيجب عليه أن يعرض كل أموره على شيخه في القرب والبعد لألا يكون للشيطان عليه سبيل , ولذلك قيل: من لا شيخ له فشيخه الشيطان. وليرتبط بشيخه ارتباط الحلقة بسلسلتها حتى تبدل أو صافه بأوصافه , وأخلاقه بأخلاقه ويفوز بالوراثة التي جازها شيخه بسر المتابعة , وليتغلغل في مذهبه , قال الإمام

стр. 219

أبو الحسن الشاذلي ﵁ من لم يتغلغل في مذهبنا مات مصراً على الكبائر وهو لم يشعر " (١). ومنها استيذان الشيخ كما يقول الرافعي: " لا ينبغي للمريد الذي هو تحت تربية المرشد أن يشتغل بشيء من الأوراد والأدعية إلاّ إذا أمره به أستاذه " (٢). وبمناسبة المقام ننقل هنا من الأفلاكي أنه قال: " أنه لا يجوز الاستماع إلى كلام الإمام غير أمامه وإن كان كلاماً واضحاً " (٣). وأما الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الأزهر سابقاً فيقول: " ومن آداب الذكر ألا يتلو ورداً إلا بإذن من شيخه , أو يلقنه إياه , وأن يجلس في الذكر على هيئة المتشهد , متوضئاً مستقبل القبلة ما أمكن مغمضاً عينيه , وألا يشغل قلبه حال الذكر إلا بالمذكور , وأن يراقب صورة شيخه في جميع عباداته , وأن يستمد بقلبه من شيخه وأن يلاحظ أن استمداده من شيخه هو الاستمداد من النبي ﷺ , لأن الشيخ الصادق نائب عنه. وألا يشرب عقب الذكر مباشرة , ولينتظر قليلاً في مكانه بعد الذكر الذكر صامتاً مستحضراً لتلقي ما يرد عليه من وارد الذكر , وليؤد أوراده كاملة في أوقاتها وإلا حرم المدد وينبغي ألا يتقدم أحد للمريدين في بدء ذكر ولا حزب ولا ورد على من قدمه شيخهم مادام حاضراً " (٤). ويذكر القشيري في بيان آداب الذكر: " المبتدئ في الأحوال يجب أن يسكن حواسه ولا يحرّك جزءاً منه ولا يردد طرفه ولا شيئاً ويكون مراعياً لهمته ولا يحرك البتة جزءاً من نفسه ولا من بدنه ولا من باطنه - إلى أن قال -: كنت أحياناً في بدو المجاهدة وأحوال الذكر لو استتر مني من في السماء لكان الستر عليّ أهون من أن أقوم للأكل وأتحرك للوضوء

стр. 220

والفرض لأنه كان يغيب عن الذكر " (١). فهذه شعبذات الذكر الصوفي ما يدّعون أن السيف لا يؤثر في الذاكر الواجد كما يقول القشيري والسهروردي: " يبلغ العبد إلى حدّ لو ضرب وجهة بالسيف لم يشعر ". ومن بعدهم في الذكر ما نقله الشعراني عن محمد الحنفي أنه كان يأمر أصحابه برفع الصوت بالذكر في الأسواق والشوراع. . . وكان إذا ركب يذكر الله تعالى بين يديه جماعة كطريقة مشائخ العجم , وكان يجعل من خلفه جماعة كذلك يذكرون الله تعالى بالنوبة , فكان الناس إذا سمعوا حسهم من المساجد أو الدور يخرجون ينظرون إليه ". وأحياناً يذهب الصوفية للذكر إلى مساكن الحيات والعقارب كما يحكي اليافعي عن حامد الأسود أنه قال: " كنت مع إبراهيم الخواص رضي الله تعالى عنه في سفر فجئنا إلى موضع به حيات كثيرة فوضع ركوته وجلس , وجلست , فلما برد الليل وبرد الهواء خرجت الحيات فصحت بالشيخ , فقال: أذكر الله , فذكرت فرجعت , ثم عادت فصحت به , فقال مثل ذلك , فلم أزل إلى الصباح في مثل تلك الحالة , فلما أصبحنا قام ومشى ومشيت معه , فسقطت من وطائه حية عظيمة قد تطوقت , فقلت: ما أحسست بها؟ قال: لا , منذ زمان ما بتّ أطيب من البارحة. فهذه هي طرق الذكر وكيفيات تلقينه وآدابه وشروطه وثمراته وبدعه الأخرى التي لا نجد ذكر شيء منها في كتاب الله المنزل من السماء ولا في سنة أفضل الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه , إنها عادات وتقاليد وسنن تسرّبت من الحضارة الهندية الغريبة على الشريعة الإسلامية إلى الملّة الصوفية , وقد تلقاها زعماء الصوفية وكبراؤها

стр. 221

وتغلغلوا فيها واستنّوا بها معرضين عما أنزل الله على رسوله ﷺ , نسأل الله الرشد والهدى ونعوذ بالله من أن نضِلّ ونُضِلّ والله الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 222

الباب الخامس طُرق التصَوُّف وَأعيَانها الطريقة الرفاعية من السلاسل المنتشرة في العراق وبلاد الشام وغيرها الرفاعية، نسبة إلى أبي العباس أحمد بن الحسين الرفاعي، منسوب إلى بني رفاعة قبيلة من العرب، كما صرح بذلك الشعراني في طبقاته (١). ولو أن الرفاعية يدعون نسبته إلى بني فاطمة كعادة الصوفية الآخرين بأن كل جماعة وحزب منهم يريد نسبة شيخهم إلى الإشراف والسادات، فقالوا كما قاله الآخرون: "أنه سيد حسيني" (٢). وعد مقدم كتابه (المجالس الرفاعية) السيد خاشع الراوي الرفاعي أنه: " الإمام الثالث عشر من أئمة آل البيت سلام الله عليه وعليهم أجمعين (٣). ولكن المحققين أنكروا عليهم نسبته هذه، ونسبه ذاك. ولأهل الطريقة القادرية من الصوفية رسائل وكتب، كتبت لبيان أن نسبه إلى الأشراف ليس بصحيح، ولقد ذكر ظهير الدين القادري الحسني الحسيني فصلاً مستقلاً وباباً خاصاً في كتابه (الفتح المبين في ما يتعلق بترياق المحبين) لبيان هذا (٤). كما أن الرفاعيين ألّفوا عديداً من الرسائل والكتب لإثبات نسبته إلى السادات ولكنهم اختلفوا فيما بينهم في أسماء آبائه، وعددهم إلى موسى بن جعفر بن محمد الباقر، وهذا أحد الأدلّة لعدم ثبوت النسب، وقد صرح ابن عنبة نسابة الأشراف المشهور في

стр. 223

عمدته أن الذي ينسبون إليه الرفاعي ليس بثابت، وإن الرفاعي نفسه لم يدّع ذلك، وهذا نصه: " وقد نسب بعضهم الشيخ الجليل سيدي أحمد الرفاعي إلى حسين بن أحمد الأكبر فقال: هو أحمد بن يحيى بن ثابت بن حازم بن علي بن الحسين بن المهدي بن القاسم بن محمد بن الحسين المذكور، ولم يذكر أحد من علماء النسب للحسين ولداً اسمه محمد، وحكى لي الشيخ النقيب تاج الدين أن سيدي أحمد بن الرفاعي لم يدّع هذا النسب، وإنما أدعاه أولاد أولاده" (١). وقد ذكر ظهير الدين القادري نقلاً عن العلامة شمس الدين ناصر الدمشقي أنه قال: " إن الرفاعي لم يبلغنا أنه أعقب كما جزم غير واحد من الأئمة المرضية، ولم أعلم له نسباً صحيحاً إلى علي بن أبي طالب ولا إلى أحد ذريته الأطياب، وإنما الذي وصل إلينا وساقه الحافظ وصح لدينا أن أبو العباس أحمد بن الشيخ أبي الحسن علي بن يحيى بن حازم بن علي بن رفاعة المغربي الأصل البطائحي الرفاعي نسبة إلى جده الأعلى رفاعة، قدم والده أبو الحسن رحمة الله عليه من بلاد المغرب، فسكن بطائح" (٢). فلم يكن عند الرفاعيين شيء لحل هذه المعضلة، ورفع هذه المشكلة إلى أن يلتجؤا إلى ما التجأ إليه الآخرون من بني جلدتهم وأهل مشربهم، فقالوا: إن رسول الله ﷺ هو الذي أخبره بصحة نسبه إليه كما يذكر ذلك صاحب القلادة " كيف لا، وقد شهد له نبينا سيد العرب والعجم بصحة الوصلة والنسب، وذلك عام حجه ﵁ حين وقف تجاه الحجرة العطرة النبوية قال: السلام عليك يا جدي، فقال له عليه أفضل صلوات الله: وعليك السلام يا ولدي" (٣).

стр. 224

وإنني لأرى بأن هذا دليل آخر على عدم ثبوت النسب وإلا لما احتيج لإثباته إلى مثل هذه الحكايات الباردة والروايات المختلفة المخترعة التي هي في احتياج إلى ثبوتها وإثباتها وإقامة البرهان على تحققها ووقوعها، فالمتشابهات والمظنونات لا يحصل بها اليقين والله أعلم. وأما عندنا فإن النسب لا يرفع الوضيع ولا يضع الرفيع، فقد قال جل وعلا: ﴿يا أيها الناس إن خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ (١). وقال عز من قائل: ﴿يا أيها الناس اتقوا الله ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة﴾ (٢). وقال ﵊: (الناس بنو آدم وآدم من تراب) (٣). وقال في خطبته- أيام التشريق-: (يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا أعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى، أبلغت؟ قالوا: بلغ رسول الله ﷺ .. الحديث) (٤). ومن المعلوم أن ولد نوح ووالد إبراهيم وزوجي نوح ولوط وعمّ رسول الله الكريم لم ينفعهم حسبهم ونسبهم من عذاب الله وبطشه، وقد نفع بلال الحبشي وسلمان الفارسي وصهيب الرومي إيمانهم وعملهم، ما لم ينفع أبا لهب وزوجته وهو عم رسول الله أخو والده، وهو الذي قال ﵊ مخاطباً عمته صفية وابنته الزهراء زوج علي بن أبي طالب وأمّ الحسنين: (يا صفية، عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئاً وفي رواية: يا فاطمة بنت

стр. 225

محمد سليني من مالي ما شئت، لا أغنى من الله شيئاً) (١). فإن الأحساب والأنساب المجردة، لا قيمة لها عند الله، فمدار النجاة ليس إلا على الإيمان والعمل الصالح ولكننا ذكرنا هذا كله عند ذكر الرفاعي والآخرين لما له أهمية عند القوم، وعلى ذلك يحاولون أن يثبتوا لكل كبير لهم نسبه إلى السادة والأشراف، مع تصريح أبي العباس المرسي وهو من كبار المتصوفة والحائز عندهم على مقام القطبية: " لا يلزم أن يكون القطب شريفاً حسينياً؛ بل قد يكون من غير هذا القبيل" (٢). وآخر ما يزيد أن نثبته في مسألة نسب الرفاعي لطرافته ما ذكره محمد أبو الهدى الرفاعي، فيقول: " وقال رجل موصلي لشيخنا الشيخ عبد الرحمن جمال الدين الحدادي يا سيدي إن رأيت بعضاً من كتب التاريخ ذكر نسبة الشيخ عبد القادر الجيلاني وسكت عن نسبة السيد أحمد الرفاعي مع أنه عربي الأصل وأشهر منه بالسيادة وقد قال بعض علماء فارس أن الشيخ عبد القادر بشتبري النسب وهكذا يقول بعض أهل بيته فقال شيخنا قدس الله سره أكفف يا ولدي عن الخوض وأعلم أن من كتب التاريخ سكت عن نسبة الاثنين إلا أن بعض لصوفية ذكر نسبه الشيخ عبد القادر حرصاً عليه حتى لا يطعن في نسبه من لا علم له لما أشتهر أنه من العجم، ولما قيل أنه بشتبري النسب والأصل الصحيح أنما هو رجل فاطمي لا ريب في نسبته إلى الجد الأعظم ﷺ سكن أجداده فارس إلى زمانه قدس سره ورضي الله عنه. وهكذا ما يجب علينا اعتقاده فإن الأولياء أعلم منا بالأدب الديني والوجه الشرعي ولو لم تكن نسبته ثابتة الوصول إلى الرسول لما أدعاه قط. وأما ما ذكرته من شهرة السيد أحمد الرفاعي ﵁ بالسيادة وكونه غربي الأصل والمنشأ فهو السبب الذي اعتمد عليه الصوفية وسكت عن ذكر سلسلته نسبه" (٣).

стр. 226

فولد أحمد الرفاعي هذا في " قرية من قرى البطائح، يقال لها أم عبيدة بفتح العين" (١). والبطائح قرى متجمعة في الماء بين واسطة والبصرة مشهورة بالعراق (٢). وعليه الأكثر. وقيل: كانت ولادته في قرية من أعمال البصرة وولد سنة ٥٠٠ من الهجرة على قول الأكثر (٣). وقيل: كانت ولادته سنة ٥١٢ في شهر رجب (٤). وكان أبوه علي بن أحمد قد نزل البطائح من المغرب، وتزوج بأخت الشيخ منصور الزاهد وعلى ذلك كان يقال له المغربي أيضاً (٥). وقيل: إن الرفاعي هذا ولد بعد وفاة أبيه بأشهر (٦). وقيل: بل ولد في حياته في بغداد سنة ٥١٩هـ وكان عمر أحمد الرفاعي آنذاك سبع سنين، وبعدئذ نقله خاله الشيخ المنصور البطائحي هو وإخوته وأمه فاطمة إلى قريته (٧). فنشأ هناك وتربى في بيت خاله الذي كان يعد من كبار المتصوفة وصاحب المشيخة هناك، فبعد وفاته سنة ٥٤٠هـ أخذ مشيخته وقام بمقامه.

стр. 227

ولقد حكى الرفاعيون حكايات عديدة، وأحاطوه بأساطير طريفة منذ ولادته؛ بل وما قبل الولادة وبعدها كعادتهم والآخرين منهم، وحكايات تنبأ وتخبر بأصالة الاختلاق والاختراع والزور والكذب حيث أنها واحدة في معناها ومغزاها لكل واحد من كبارهم مع تعدد الأشخاص وتنوع البيئات واختلاف الزمان والمكان. فمثلاً يقول محمد أبو الهدى الرفاعي في قلادته: " ولد [أحمد الرفاعي] في شهر رجب ... وكان يشرب اللبن إلى أن قدم رمضان فتقيد عن شرب اللبن نهاراً إلى أن جاء العيد فشرب اللبن" (١). وهذا عين ما يحكيه القادريون عن الشيخ عبد القادر الجيلاني، وغيرهم عن غيره (٢). وأيضاً ما يروون عنه أنه كان يتكلم وهو في المهد صبياً، وقد تكلم يوم ولدته (٣). وكذلك ما يروون عن البشائر التي سبقت ولادته منها ما اختلقه منصور البطائحي حيث قال: " رأيت رسول الله ﷺ في المنام وهو يقول: يا منصور أبشرك أن الله تعالى يعطي إلى أختك بعد أربعين يوماً يكون اسمه أحمد الرفاعي، مثل ما أنا رأس الأنبياء كذلك هو رأس الأولياء" (٤). وأيضاً " هو ذا يظهر في أم عبيدة وتشد إليه الرحال، وتتحير فيه أهل الأحوال، وتذل له رقاب الرجال، يتعجب من طريقته وإنه صاحب شأن عظيم ومحل جسيم، وهو آخر القوم مشرباً وأولهم قدماً ... وهو رجل عظيم المنزلة عند الله، فإذا هو ظهر غلق أبواب جميع المشايخ والصالحين، يظهر عن قريب، وله سر عجيب، وسير غريب، ويصير الوقت له ولأهله وتهكمه وتصرفه، يصل إلى مرتبة عظيمة، يضرب دأبه إلى

стр. 228

الذراري في ظهور الرجال، يسلك طريقاً لم يسلكها أحد قبله ولا بعده" (١). ولما ولد هذا واطلع على مقامه وشأنه الشيخ منصور البطائحي أخذته الغيرة، فأنب أنّب من قبل الله ﵎ " عياذاً بالله من نقل مثل هذه الخرافات ولا يؤاخذنا الله عليها- كما ذكر قاسم بن الحاج في كتابه (أم البراهين): إن الشيخ منصور البطايحي الرباني ﵁ لما أخذته الغيرة حالة اطلاعه على مقام سيدنا السيد أحمد الكبير ﵁ نودي من العلى أي منصور تأدب هذا السيد أحمد حبيبنا نظهره على غوامض غيوبنا أي منصور هذا السيد أحمد نائب الدولة المحمدية وعروس المملكة المصطفوية وهو شيخ جميع الأمة الأحمدية وشيخك فقل نعم قلت نعم فقال نحن نتصرف في ملكنا كما نشاء فقلت نعم نعم ثم أتى حملة الغاشبة يديه وأخذت العهد على يديه فأنا شيخه بالخرقة وهو شيخي بالخلق والخلقة كان سيدي منصور قدس الله روحه ذات يوم جالساً والفقراء حوله وهو يحدثهم ويرغبهم بمواهب الله وإذا به قد نهض قائماً وإذا به قد نهض قائماً على قدميه وصاح بأعلى صوته وأشار بيده إلى جهة الأرض ووقع مغشياً عليه فيقع ما شاء الله فلما أفاق لزمه الفقراء وأقسموا عليه بالعزيز وسألوه أن يخبرهم ما سبب صراخه وقيامه ونداه فقال لهم: سألتموني عن أمر عظيم. اعلموا أن الله تعالى قد ألحق بالشيخ الكبير السيد أحمد بن ابن خالي مشارق الأرض ومغاربها من أربع جهاتها، وإن الأمر يصير إليه، وحكم الخلق كلهم بيديه، ويكون هو الشيخ المعول عليه (٢). فهذه هي حكايات القوم عن طفولته وصغره قبل ولادته، تشبه حكايات الآخرين تماماً ولو حذفت الأسماء فإنما هي بعينها بدون أدنى فارق. فهذه هي حكايات القوم عن طفولته وصغره قبل ولادته، تشبه حكايات الآخرين تماماً ولو حذفت الأسماء فإنما هي بعينها بدون أدنى فارق. ولما كبر كان ما كان: " كان قطب الأقطاب في الأرض، ثم أنتقل إلى قطبية السماوات، ثم صارت

стр. 229

السماوات السبع في رجله كالخلخال (١). و"ختم الله به الولاية كما ختم بمحمد النبوة" (٢). ويروون عنه أنه كان يعض " وكان يسمع صوته البعيد من مجلسه كالقريب ويحظر مجلسه الأصم الذي لا يسمع فيفتح الله سمعه بكلامه" (٣). وحتى أن أهل القرى التي حول أم عبيدة كانوا يجلسون على سطوحهم فيسمعون صوته، ويعرفون جميع ما يتحدث به (٤). "وكان أشياخ الطريقة يحضرونه ويسمعون كلامه، وكأن أحدهم يبسط حجره، فإذا فرغ سيدي أحمد ﵁ ضموا حجورهم إلى صدورهم وقصوا الحديث إذا رجعوا إلى أصحابهم على جليته" (٥). و"كان إذا طلب منه أحد أن يكتب له عوذه ولم يكن عنده مداد يأخذ الورقة ويكتب عليها بغير مداد" (٦). ومن أكاذيب الرفاعية في الرفاعي ما نقلوه عن أحد أصحاب الرفاعي أنه قال: " كنت في بيتي ليلة من الليالي إذ ناداني السيد أحمد الرفاعي، فقمت مبادراً إليه وقبلت يديه وسألته عن حاجته فأخذ بيدي وخرجنا من الرواق حتى وصلنا إلى بستان يعرف بالقثوري وهو مكان خالي فوق أم عبيدة ما فيه شيء يستظل به قال: أي سعيد قف هنا حتى أرجع فوقفت مكاني حتى مضى من الليل شطره وهو لم يرجع فمشيت على أثره لأعرف خبره فإذا أنا بثيابه ملقاة على الأرض وعلى جانبه ماء يبرق كالنجم فجعلت أطوف يميناً وشمالاً فلم أجده فرجعت إلى موضعي وأنا مرعوب من ذلك إذ هو أقبل عليّ وأنواره تشرق. فقلت له ما رأيت وأقسمت عليه بالعزيز سبحانه

стр. 230

وبالمصطفى ﷺ فاستخبرته عن ذلك فقال: أي ولدي أنا كنت ذلك الماء الذي رأيته نظري سبحانه بعين القدر فذبت كما يذوب الرصاص فصرت كما رأيت ماء، ثم نظرني بعين اللطف فصيرني كما ترى بشراً سوياً" (١). وكان يقول: " صحبت ثلاثمائة ألف أمة ممن يأكل ويشرب ويروث وينكح ولا يكمل الرجل عندنا حتى يصحب هذا العدد ويعرف كلامهم وصفاتهم وأسمائهم وأرزاقهم وآجالهم، قال يعقوب الخادم، فقلت له: يا سيدي إن المفسرين ذكروا إن عدد الأمم ثمانون ألف أمة فقط، فقال ذلك مبلغهم من العلم، فقلت له: هذا عجب. فقال: واز يدك أنه ى نستقر فطفة في فرج أنثى إلا ينظر ذلك الرجل إليها ويعلم بها. قال يعقوب الخادم فقلت له: يا سيدي هذه صفات الرب جل وعلا، فقال: يا يعقوب أستغفر الله تعالى فإن الله تعالى إذا أحب عبداً صرفه في جميع مملكته وأطلعه على ما شاء من علوم الغيب" (٢). وكان يعقوب الخادم على حق حيث عدّ هذه الأوصاف من صفات الرب وهو الذي قال جلّ في كتابه المحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، قال فيه: ﴿إن الله عنده علم الساعة وينزّل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأيّ أرض تموت﴾ (٣). وكان يملك الموت والحياة كما ذكر ذلك عنه ابن الملقن: " ورآه ابن أخته عبد الرحيم أبو الفرج، ورجل قد نزل عليه، فقال له: مرحباً بوتد المشرق، فقال له: إن لي عشرين يوماً لم آكل ولم أشرب، وأريد أن آمر هذا الأوز الذي في السماء، فتنزل واحدة مشوية، ففعل، فنزلت كذلك، ثم أخذ حجرين من جانبه فصارا

стр. 231

رغيفين، ثم مدّ يده إلى الهواء فأخذ كوز ماء، فأكل ذلك وشرب ثم طار، فقال الشيخ لتلك العظام: اذهبي باسم الله، فذهبت سوية وطارت" (١). ورواية أخرى رواها محمد أبو الهدى في قلادته نقلاً عن أمّ البراهين: " ذكر الشيخ شمس الدين محمد بن عثمان أنه خرج مع الشيخ الكبير السيد أحمد ذات يوم إلى الصحراء فبينما هما سائران في الصحراء إذ رأوا أسداً كاسراً مفترساً لشاب، وقد خلع كتفه من جسده ومكث يأكله فزجره الشيخ الكبير السيد أحمد زجراً شديداً وقال له: أي خلق الله ما نهيتكم عن أذية الخلق الذين يمرون ببلادنا فنطق السبع وأتى إلى حضرة الشيخ مسلماً عليه بلسان عربي فصيح فقال له: أي سيد السادات وصاحب الجود والكرامات لي سبع أيام ما أكلت شيئاً وأنا دائر على ولدي فما وجدته، وهذا الشاب قد أرسله الله إليّ رزقاً مقسوماً بسبب غضب والدته عليه، فأنتم تريدون قطع نصيبي من ذلك الأمر إلى الله ثم إليكم. فلما سمع كلامه لم يعبأ به؛ بل التفت إليه بنظر الغضب والجلال فوقع السبع ميتاً ومسح عليه بيده المباركة فعاد كما كان أولاً؛ بل أسدّ وأقوى. وقال الشيخ للشاب ما اسمك؟ قال: اسمي داود بن إبراهيم. فقال به الشيخ: أي داود أسلخ غريمك فسلخه وأخذ الجلد ومضى إلى والدته وخبرها بالقصة" (٢). وابن الملقن كذلك ذكر عن أبي عبد الله محمد البطائحي: " انحدرت في أيام سيدي عبد القادر إلى أم عبيدة، فقال لي الشيخ أحمد: أذكر لي شيئاً من مناقب الشيخ عبد القادر وصفاته، فذكرت منها شيئاً، فجاء رجل في أثناء حديثي فقال: مه، لا يذكر عندنا مناقب مناقب غير هذا، فنظر الشيخ إليه مغضباً، فرفع الرجل من بين يديه ميتاً" (٣). هذا وكان يملك الجنة والنار أيضاً كما يذكرون عنه أن شخصاً من أصحابه تمنّى عتق من النار ينزل من السماء "فسقط منها ورقة بيضاء، فلم ير فيها كتابه فأتى إلى

стр. 232

الرفاعي فلم يخبره بالقصة، فنظر إليها ثم خرّ ساجداً وقال: الحمد لله الذي أراني عتق أصحابي من النار في الدنيا قبل الآخرة، فقيل له: هذه بيضاء، فقال: أي أولادي، يد القدرة لا تكتب بسواد، وهذه مكتوبة بالنور" (١). هذا ولقد باع على واحد من مريديه، واسمه: إسماعيل بن عبد المنعم، قصراً في الجنة تجمعه حدود أربعة: الأولى إلى جنة عدن، والثاني إلى جنة المأوى، والثالث إلى جنة الخلد، والرابع إلى جنة الفردوس بجميع صوره وولدانه وفرشه وستره وأنهاره وأحجاره عوض بستانه" (٢). ولقد ذكرنا هذه الحكاية مفصلاً في باب (أولياء أم آلهة) فليراجع إليه للتفصيل. وكان يقول كما ينقلون عنه: "وأحمى مريديّ على كل حالة ... وأدخلهم دار النعيم أمامي فمن كان منّا أو يلوذ ببابنا ... غداً يوم القرب تحت خيامي وأحميهم مما يختشى يوم خوفه ... وفي معظم الحالات عنه أحامي" (٣). وقال أحد أصحابه: " ولا يكون الرجل ممكناً في سائر أحواله حتى يعرض عليه عند غروب الشمس جميع أعمال أحابه وأتباعه وتلامذته بالقرب والبعد، فيمحو منها ما يشاء، ويثبت ما يشاء ... لا يكون الشيخ كاملاً في سائر أموره وأحواله وأقواله وأفعاله، ولا يصلح له الجلوس في المخدة حتى يحضر عند تلميذه في أربع مواضع: عند خروج روحه من جسده. وعند مسألة منكر ونكير له. وعند جوازه على الصراط. وعند الميزان" (٤). وكان يقول: " خذ من مجلسي حصة من الفضل الإلهي، والمنح النبوي، كلّ من

стр. 233

أظلّته الخضراء، وأقلته الغبراء، اليوم محتاج لأخذ هذه الحصة من هذا المجلس، سل أهل الذوق، سل أهل الشوق، سل الأقطاب، سل الأفراد، سل الأوتاد، ختمت بي هذه التوبة الجامعة المحمدية" (١). ونقلوا عنه هذه الأبيات: " وطاولت أعلام الرجال ولم أزل ... أطول إلى أن جزت من حضرة الرب وفقت كبار القوم في كل مذهب **** وسرت بلاثان إلى مذهب الحبّ وصرت فريداً في بني الحب كلهم ... وجاؤا الحاني يطلبوا السكر من شربي وهاموا بكأسي قبل شرب الذي به ... ونالوا الشفاء من صرعه الهجر في طبي أنا القطب والغوث الكبير الذي على ** قباب زوياتي بدا النور من ربي أشاهد معنى الكل في كلّ مشهد **** وانظر من معنى حقيقتها سلبي فمن عينها عيني ومن سرّ رمزها ... عرفت بأن الكلّ من سرها وهبي" (٢). وأيضاً: "رفعت رايتي على الأعلام ... وصفا الوقت بل وراق مدامي وخيولي تدور في كل أرض ... ثم في كل بلدة ومقام وطبولي دقت وموكب عزّي ... في سرور على مدى الأيام أنا قطب في مركز الفصل قدري ** وعلى هامة الهلال خيامي فجميع الرجال في باب عزّي ... يطلبون العطاء من إكرامي شهرتي في السماء والأرض دارت ** وافتخاري يزيد في كل عام" (٣). وكان يقول: " كل شيخ لم يحضر تلميذه عند الموت فليس هو عندنا برجل، وكل شيخ ينكشف تلميذه خلف القاف في ظلمة الليل ولا يمدّ يده يغطيه فما هو عندنا برجل، وكل شيخ

стр. 234

لا يغيّر صفات تلميذه ويكتب الشقي سعيداً فما هو عندنا برجل، وكل شيخ لا يراعي تلميذه في القرب والبعد في حال حياته وبعد مماته فليس هو عندنا برجل" (١). وكان يقول: " وحق العزيز ، قبض العزيز جل وجلاله من نولا وجهه قبضة، فخلق منها سيدنا المصطفى صلى الله عله وسلم فرسحت، فخلقني منها ... وإني لما دعيت إلى هذا الأمر حملت إلى قبلة هذا البلد، وشق صدري ملك من الملائكة المقربين فأخرج منه شيئاً مظلماً وغسّله بماء الحيوان من الرياء وسوء الخلق وكل ما كان للشيطان فيه نصيب، كل ذلك وأنا أنظر بعيني كما فعل برسول الله ﷺ " (٢). انظر الجرأة وسوء الأدب في حضرة النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه كيف يشبّهون متصوفهم مع الذي يصدق فيه قول الشاعر: مضت الدهور وما أتن بمثله ... ولقد أتى فعجزن عن نظرائه لكن هو الذي ينقلون عنه أنه قال: " الشيخ في قومه كالنبي في أمته" (٣). ولذلك كانوا يجتزون على هذه المقولة: " وكان حاله طبق حال رسول الله. وأوصافه موافقة في كل الشؤونات لأوصاف حبيب الله. وقد جرت عليه أحكام المطابقة الاضطرارية كموت أبيه قبل أمه وهو حمل. وبعضهم قال: وهو في المهد. وكتسميته بلا سعي منه أحمد وكشأنه في البطاح العربية وكولادته في قرية حسن وإقامته بأم عبيدة بلده جده وموته فيها وبينهما كما بين مكة والمدينة وكظهوره بين عرب جفاة وكبروزه في حالة مظهريته فقيراً وكموت أولاده الذكور قبله وكحصول الذرية له من بنتيه الكريمتين ومن صلبي ولدي بان عمه سيف الدين وعثمان كما سيأتي ذكره مفصلاً وغير ذلك. وكإقبال العامة الفقراء عليه وكتحمله

стр. 235

وحلمه وسعة صدرته وسخاوته وكقوة عزمه في الله وكعلوية همته على الملوك والخلفاء وعدم التردد إليهم وكتواضعه للفقراء واشتغاله بخدمة الأرامل والأيتام وضعاف الناس وفقراء النصارى واليهود ومحتاجيهم وبذاك أسلم على يديه منهم خلق لا يحصى عددهم وككثرة وقوع الإرشاد على يديه وكتمكنه في مرتبة عبادته وعبوديته من غير ملل ولا كسل ولا استفزه حال ظهوره قط وكعدم جلوسه على سجادة وجلوسه مع إخوانه كأحدهم وكثرة صبره على أذية قومه وعشيرته حتى أرشدهم الله على يديه وكحسن معاشرته ولطف طبعه وصفاء سريرته وعذوبة لفظه" (١). وعلى ذلك يقولون بأنه لما ذهب إلى الحج عام ٥٥٥هـ ووصل مدينة الرسول ﷺ : " وقف تجاه حجرة النبي ﵊ وقال على رؤوس الأشهاد السلام عليك يا جدي. فقال له ﵊: عليك السلام يا ولدي. سمع ذلك كل من في المسجد النبوي. فتواجد سيدنا السيد أحمد وأرعد واصفر لونه , وجثا على ركبتيه ثم قام وبكى وأنّ طويلاً وقال يا جداه: في حالة البعد روحي كنت أرسلها ... تقبل الأرض عني وهي نائبتي وهذه دولة الأشباح قد حضرت ... فامدد يمينك كي تحظى بها شفتي فمد له رسول الله ﷺ يده الشريفة العطرة من قبره الأزهر المكرم فقلبها في ملأ يقرب من تسعين ألف رجل. والناس ينظرون اليد الشريفة. وكان في المسجد مع الحجاج الشيخ حياة بن قيس الحرابي والشيخ عبد القادر الجيلي المقيم ببغداد والشيخ خميس والشيخ علي بن مسافر الشامي وغيرهم" (٢). ثم قالوا: " وإنكار هذه الكرامة كفر" (٣).

стр. 236

فانظر جرأة هؤلاء القوم على الكذب، ثم الإصرار عليه ونسج هذه العبارة وذكر العدد الخم أي تسعين ألفاً من الناس: مع العلم بالبداهة بأن هذا العدد الضخم لا يمكن وقوفهم أمام الحجرة الشريفة، ولا يسعهم المكان في وقت واحد، ورؤيتهم وسماعهم لو وقع في تلك الجهة وفي ذلك المكان، ثم سردهم هذه الأسماء بكل وقاحة مع أنه لو وقع هذا كله أمامهم لملؤا الدنيا بذكره، وكتبهم بحكايته. وأيضاً ذلكم الجمع الحاشد لو رأوا هذا الأمر وسمعوه لساروا بذكره ومشوا بروايته، وكل هذا لم يحدث ولم يذكر في كتاب من كتب ذلك المكان في التاريخ والسير والطبقات اللهم إلا كتب المتصوفة، والمتصوفة الرفاعيين بالذات، حتى كتب الطبقات الصوفية أيضاً خالية بذكرها أيضاً، وكذلك الكتب التي تذكر الرفاعية بالخير والثناء والمدح فيهم، كما لا يوجد في كتب الجيلاني إشارة إلى هذا ولا اسم ولا رسم، وقد قيل قديماً: " إذا لم تستحي فاصنع ما شئت" (١). ولم يكتفوا بهذه الأكذوبة إلا وأضافوا إليها أخرى حيث قالوا: "أنه حجّ مرة ثانية وذلك في العام الذي توفّي فيه وزار قبره ﷺ الذي هو أفضل من الجنة؛ بل العرش والكرسي. ولما وقف تجاه القبر الشريف يريد الوداع أنشد قائلاً: إن قيل زرتم بما رجعتم ... يا أشرف الرسل ما نقول فخرج صوت من القبر الشريف، سمعه كل من حضر في ذلك الروض المعطر وهو يقول: قولوا رجعنا بكل خير ... واجتمع الفرع والأصول" (٢). هذا من ناحية.

стр. 237

ومن ناحية أخرى يذكرون عنه بأنه دخل المطبخ في ليلة من الليالي، فرأى كلاباً يأكلون من القوصرة وهم يتخاشرون، فوقف ﵁ على الباب يحفظهم لئلا يدخل عليهم أحد يؤذيهم وهو يقول لهم: أي مباركين، كلوا واسكتوا ولا تتخاشروا لئلا يعلم بكم أحد فتمنعون ... وكان يدور وراء الكلاب المدودين ليداويهم، فربما هرب منه الكلب يمشي ورائه ويتعطف بخاطره ويقول: "أي مبارك، إنما أريد مداواتك" (١). هذا وقد ذكرنا فيما سبق أنه كان يسلّم على الكلاب وغيرها من الحيوانات وإذا رأى خنزيراً يقول له: أنعم صباحاً" (٢). وذكروا عنه أشياء أخرى في تلك التفاهة، منها " كان إذا نام على كمّه هرة وجاء وقت الصلاة كمّه من تحتها ولا يوقظها، فإذا جاء من الصلاة أخذ كمّه وخاطه ببعضه" (٣). ومنها أن زوجته أعدت له يوماً هريسة وقدّمته إليه، فقام يصلي ركعتين شكراً لله تعالى، فبينما هو قائم يصلي إذا جاءت فأرة تدور حول الهريسة وتشتهي، فنهضت عليها هرة وقطعت رأسها، فلما فرغ من صلاته بكى، ثم نحى الهريسة عنه، فقالت له زوجته: أي سيدي لم نحيته عنك؟ فقال: أي بنت الصالح، ما تقطع فيه الرؤوس لا تشتهيه النفوس" (٤). إلى مثل ذلك من القصص التافهة الكثيرة، نعرض عن ذكرها تجنباً عن الإطالة. وينقلون عنه أن بعض أصحابه رآه في المنام في مقعد صدق مراراً ولم يخبره، وكان للشيخ امرأة بذيّة اللسان تسفّه عليه وتؤذيه، فدخل عليه الذي رآه في مقعد صدق يوماً، فوجد بيد امرأته محراك التنور وهي تضربه على أكتافه، فاسودّ ثوبه وهو ساكت،

стр. 238

فانزعج الرجل وخرج من عنده، فاجتمع مع أصحاب الشيخ وقال لهم: يا قوم، يجري على الشيخ من هذه المرأة وأنتم سكوت؟ فقال بعضهم: مهرها خمسمائة دينار وهو فقير، فمضى الرجل وجمع الخمسمائة دينار وجاء بها إلى الشيخ في صينية فوضعها بين يديه، فقال له: ما هذا؟ فقال: مهر الشقيقة التي فعلت بك كذا وكذا، فتبسم وقال: لولا صبري على ضربها ولسانها ما رأيتني في مقعد صدق (١). ومات بمرض بالبطن فكان يخرج منه كل يوم ما شاء الله، فمات سنة ٥٧٠هـ على قول الشعراني في طبقاته (٢). وسنة ٥٧٨هـ على قول الأكثر (٣). وكان يردد قبل وفاته هذه الأبيات: إذا جنّ ليل هام قلبي بذكركم ... أنوح كما ناح الحمام المطوّق وقوفي سحاب يمطر الهمّ والأسى ** وتحتي بحار بالأسى تتدفّق سلوا أمّ عمر وكيف بات أسيرها ** تفُكُّ الأسارى دونه وهو موثق فلا هو مقتول ففي القتل راحة ... ولا هو ممنون عليه فيطلق (٤). تزوج الرفاعي بعديد من النساء ولم يعقب. فخلفه على المشيخة الرفاعية علي بن عثمان الذي كان يقول: " من كان له منكم حاجة فليزمني بها، ومن شكى من سلطانه أو من شيطانه أو زوجته أو دابته أو أرضه إن كانت لا تنبت أو نخلة لا تثمر فليزمني بها فإني مجيب له، ودركه عليّ" (٥).

стр. 239

ونقل منه تفسير باطني مثل تفسيره قوله : ﴿إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة﴾ فقال: الملك هو الله ، والقرية قلبك، فسد المنزل على المتوطن وأزعجهم، والمراد بالمتوطن الريا والنفاق وسوء الخلق والتزوير والبهتان والفساد والطغيان وكل ما هو خلاف رضا الرحمن، والمراد بأعزّة تلك الشياطين فيذلّهم ويهينهم" (١). ومات سنة ٥٨٤هـ. فخلف من بعده عبد الرحيم بن عثمان ومات سنة ٦٠٤هـ. ثم خلفهم إبراهيم الأعظم، والذي يقولون فيه: " هو أحد من أظهره الله تعالى إلى الوجود، وصرفه في الكون، وخرق له العادات، وأظهر على يديه الخارقات، وأنطقه بالمغيبات، وأجرى على لسانه الحكم، ومكنه من أحوال النهاية وملكه أسرار الولاية، ونصبه قدوة وحجة، وهو أحد أركان هذا الشأن، وإمام أئمة ساداته، وأعلم العلماء بأحكامه وأولى الأيدي والأبصار بمناهجه علماً وعملاً وزهداً وتحقيقاً ورياسه وجلالة" (٢) ثم الآخرون، وقد ذكر معظمهم محمد أبو الهدي الرفاعي (٣). وبعدئذ تعلموا السحر كما قال الإمام الذهبي: "ولكن أصحابه فيهم الجيد والرديء، وقد كثر الزغل فيهم وتجددت لهم أحوال شيطانية منذ أخذت التتار العراق من دخول النيران وركوب السباع واللعب بالحيات" (٤). وقال ابن خلكان: "ولأتباعه أحوال عجيبة من أكل الحيات وهي حية، والنزول إلى التنانير وهي

стр. 240

تضطرم من النار فيطفؤونها ويقال: إن في بلادهم يركبون الأسود" (١). ولقد أقرّ بذلك محمد أبو الهدى من الرفاعية، والنبهاني من الصوفية وغيرهم. كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاواه، واستنكر عليهم أعمالهم هذه، ونسبها إلى الشيطان، لا إلى الرحمن، كما ذكر مناظرته معهم، وتحدّيه بدخوله النار معهم ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيى على بينه (٢). وقد حدث لنا شخصياً سنة ١٩٦٥هـ في مدينة سامراء المليئة بالرفاعيين في بيت أحد السادة الأشراف مثل ما حدث لشيخ الإسلام بعد ما كان سؤالي على أحد زعمائهم في تلك المدينة "إن كان السلاح والرماح والسكاكين لا تؤثر فيكم فلماذا لا تذهبون إلى جبهة القتال، والعراق في أشد الحاجة وأمسها إلى أمثال هؤلاء الذين لا يؤثر فيهم الرصاص وغيرها من الأشياء"، كما نازلته وتحدّيته بأنه لو أعطى المسدّس في يدي وأطلق الرصاص بنفس فآنذاك أرى بأنه يؤثر أو لا يؤثر، فلم يسعه إلا الفرار والإنكار، وذلك القول الذي قالوه أمام شيح الإسلام بأن هذه الكرامات لا تظهر أمام المنكرين، وعبارة صحيحة وصريحة منقولة بالأمانة العلمية التي اقلها آنذاك "إمام الوهابيين". ونريد أن نذكر أخيراً أن الإتيان بمثل هذه الأمور ليست خاصة بالرفاعية؛ بل رأينا مثلها وشاهدناها بأنفسنا في بلادنا من الآخرين، وساء من الذين ينتمون إلى الإسلام انتماء محضاً، ومن الهنادكة والمشركين أيضاً. وأما ما ذكر محمد فريد وجدي في دائرته تحت ذكر الرفاعي فهو عدل وصدق، فنريد أن نثبته هنا، فيقول: " أما ما يروى عن أتباعه من أكل النار والجلوس عليها وغير ذلك فيظهر أنه صحيح وهو أثر سلطة الروح على الجسم وإشراقها عليه بسلطانها حين يدخل الإنسان في حالة غير اعتيادية سواء أكانت بالذكر أم بالتنويم المغناطيسي. وقد روت

стр. 241

مجلة المجلات الفرنسية عن الأستاذ الإنجليزي الكيماوي كروكس رئيس الجمعية الملكية العلمية الإنجليزية سابقاً أنه وضع جذوة نار في يد فتاة نومها مغناطيسياً فلم تتأثر به مطلقاً فأعلن الأستاذ الموما إليه عن هذه الحادثة وأعقب إعلانه بقوله أنه باعتباره كيماوياً ولا يعرف أي مادة كيماوية تحمي الجلد من الاحتراق مطلقاً. وقد كتبت مجلة المجلات الفرنسية سنة (١٩٨٦م) فصلاً تحت عنوان [الكهان الذين لا يحترقون] أثبتت فيه أن لدى الوثنيين من سكان جزائر فيجي وغيرها حوادث من هذا القبيل فيدخل كهانهم إلى النيران المستعرة بدون أن يمسهم ضرر وقد حصل ذلك بمرأى من بعض علماء أوربا. وقد جاء في المجلة الروحية في عدد يونيو من سنة (١٩٠٠م) أن الكاتب أندرولنج قام في جمعية العلوم النفسية بلوندرة وتلا فصلاً أثبت فيه هذه المسألة بكل وضوح وأبان أنها حصلت في كل زمان ومكان. وقد كتبت مجلة (جورنال الجمعية البولينزية) تحت إمضاء أحد الضباط الإنجليز حادثة رآها بنفسه قال ما ملخصه: أشعلوا التنور في الصباح وفي الساعة الثانية بعد الظهر سرنا إليه وانتظمنا حوله فجاء الكاهن وتلامذته فتلا ألفاظاً طسمية ثم مشوا بأرجلهم حفاة على أحجار قد سخنوها لدرجة البياض ثم جاء الكاهن إلى المستر (جودين) وقال له: قد وهبتك المقدرة على اقتحام النار فاقتحمناها جميعاً وكنا أربعة أوربيين. أنا والدكتور (وجريج) والدكتور (جورج جريج) والمستر (جودين) فلم تؤثر النار على أقدامنا أصلاً لكن عصى أحدنا أمر الكاهن فنظر خلفه فاحترقت قدماه احتراقاً مراً. ونقل المستر اندرولنج المتقدم ذكره في الجلسة ذاتها أن الدكتور (هوكن) العضو في جمعية النباتات قد رأى مثل ذلك في جزيرة فيجي، قال ما ملخصه: (أنه رأى أنهم قد أوقدوا تنوراً لدرجة ٢٨٢) من مقياس فرانهيت فجاء سبعة كهان بين لغط شديد وهموا بدخول النار فاستأذن الدكتور من رئيسهم أن يفحصوا فحصاً علمياً فأذن لهم فعلاً في تدقيق حتى أنه لحس أجسامهم ليتحقق من عدم وجود شيء. قال ثم دخلوا النار فلم تصبهم بأدنى أذى. ثم خرجوا ففحصتهم ثانياً فلم أجد أثر للحرق" (١).

стр. 242

وبقيت هناك قضية علاقة الرفاعي مع معاصره الشيخ عبد القادر الجيلاني سنذكرها عند ذكر القادرية. وللرفاعية أوراد مخصوصة كثيرة نذكر نبذة منها، فيقولون: "ومن أحزابه الشريفة هذا الحزب واسمه الحزب الصغير، وهو: (بسم الله الرحمن الرحيم اللهمّ إني أسألك بعظيم قديم كريم مكنون مخزون أسمائك وبأنواع أجناس أنفاس رقوم نقوش أنوارك وبعزيز أعزاز أعزّ عزتك ويحول طول حول شديد قوتك وبقدر مقدار اقتدار قدرتك وبتأييد تحميد تمجيد عظمتك وبسمو نموّ علوّ رفعتك وبحيوم قيوم بنوم دوام أبديتك رضوان غفران أمان رفعتك وبرفيع بديع منيع سلطانك وبصلاة سعاة بساط رحمتك وبلوامع بوارق صواعق صحيح وهيج بهيج وهيج نور ذاتك وببهر قهر جهر ميمون ارتباط وحدانيتك وبهدير تيار أمواج بحرك المحيط بملكوتك وباتساع انفساخ ميادن بواذخ كرسيك وبهيكليات علويات روحانيات أملاك عرشك وبالأملاك الروحانيين المديرين الكواكب أفلاكك وبحنين أنين تسكين المريدين لقربك وبحرقات زفرات جمعات الخائفين من سطوتك وبأمال نوال أقوال المجتهدين في مرضاتك وبتحمد تمسجد تجلد العابدين على طاعتك وتخضع تخشع تقطع مرائر الصابرين على بلوائك يا أوّل يا آخر يا ظاهر يا باطن يا قديم يا مقيم اطمس بطلسم) (١). ومن أحزابه الغريبة العجيبة " المص الرالر الر المر المر المر كهيعص ط طسم طس طسم طسم الم الم الم الم يس ص حم حم حمعسق حم حم حمعسق حم حم ق ن ... محمد رسول الله حصني مكملاً وأبو بكر يميني حرزاً ووكيلاً وعمر بن الخطاب يساري عزاً وتجملاً وعثمان بن عفان من خلفي قوة وحولا وعلي بن أبي طالب أمامي مهابة ... لا إله إلا أنت أحون قاف آدم حم هاء آمين ... شتوش هموش أطوش شرح خمدت النار من مخافته" (٢).

стр. 243

فهذه هي الأوراد وأمثالها التي قال فيها بعض الرفاعية: " عليك بأوراد الرفاعي إنها ... إلى شيخ أشياخ الطريقة تنسب وداوم عليها فهي حصن وجنة ** ودرع لدفع النائبات مجرّب وباب بوصل العبد بالله عامر ... ونهج به للمصطفى يتقرّب" (١). وأحياناً كانوا يرددون مثل هذه الأوراد لنيل المآرب وحصول المطالب، فيذكر أحد الرفاعيين "كنت أمشي تحت جبل قاف، فجاء وقت الصلاة فتوضأت وصليت وقرأت الورد الشريف ثم ذكرت اسم سيدي أحمد (الرفاعي) فلما أتممت جاءت حية عظيمة وفي فمها درة فألقتها أمامي، ثم أنطقها الله فقالت: خذ هذه الهدية مني لحضرة سيدي أحمد، فتعجبت وقلت: أتعريفين سيدي أحمد؟ فقالت: عجيب هذا، هل على بساط الأرض من رطب ويابس من يجهل سيدي أحمد الرفاعي، بلغّه سلامي، فأنا من مردائه" (٢). وعلى كل فهذا هو الرفاعي الذي يعرفه كل رطب ويابس على بساط الأرض، وكانت الحيوانات أيضاً من مريديه. وهؤلاء هم الرفاعيون.

стр. 244

الطريقة الشاذلية سلسلة صوفية مشهورة وطريقة صوفية منتشرة في مصر وتونس والجزائر وغيرها من البلدان، والشاذلية نسبة إلى أبي الحسن علي بن عبد الله المولود بغمارة من قرى سبته سنة ٥٩٣هـ (١). وقال الكمشخانوي: "بل ولد بقرية عمان من قرى أفريقية قرب مرسية، وهي من المغرب الأقصى أيضاً" (٢). ولكن عطاء الله الاسكندراني وهو تلميذ أبي العباس المرسي يذكر أن مبدأ ظهوره بشاذلة ولكن منشأه بالمغرب الأقصى فلم يعرف بالمنشأ والمولد، بل نسب إلى مبدأ ظهوره (٣). واختلفوا في نسبه أيضاً، فمريدوه والمتعلّقون به ينسبونه إلى الأشراف ويصلون بنسبه إلى الحسن بن علي بن أبي طالب، كعادة أهل كل طريقة صوفية ولو أنهم يختلفون فيما بينهم في أسماء آبائه، فالبعض ينسبونه إلى إدريس بن عبد الله المبايع له ببلاد المغرب (٤). وبعضهم إلى غيره (٥). وأما الجامي فينسبه في نفحاته إلى الحسين، لا إلى الحسن (٦). وكان ضريراً كما سماه ابن الملقن والشعراني بالضرير الزاهد (٧).

стр. 245

ولكن لم يتضرر عيناه إلا بعد مدة من تحصيل العلم كما يظهر من ترجمته في مختلف الكتب (١). وانتقل في صغره إلى مدينة تونس، فبدأ ينتقل من مدينة إلى مدينة وبلدة إلى بلدة حتى حجّ ثم دخل العراق وبدأ يفتش عن القطب الصوفي - حسب زعمه - وقال له أحد الأولياء هناك: " إنك تبحث عن القطب بالعراق، مع أن القطب ببلادك، ارجع إلى بلادك تجده " (٢). فرجع إلى بلاده باحثاً ومفتشاً عن القطب، يسأل عن المقبل والمدبر والراحل والمقيم إلى أن اجتمع به، وهو أبو محمد عبد السلام بن مشيش، فيقول الشاذلي: أتيت إليه "وهو ساكن مغارة برباط رأس جبل، فاغتسلت في عين أسفل الجبل وخرجت عن علمي وعملي، وطلعت إليه فقيراً، وإذا به هابط إليّ، فقال: مرحباً يا علي، وذكر نسبي إلى رسول الله" (٣). "ثم قال لي: يا علي، طلعت إلينا فقيراً من علمك وعملك، وأخذت منا غنى الدنيا والآخرة، فأخذني من الدهش فأقمت عنده أياماً إلى أن فتح الله عليّ بصيرتي" (٤). وعبد السلام هذا ينقل فيه الشيخ الأكبر للأزهر سابقاً عبد الحليم محمود عن صاحب " الدرة البهية ": "هو القطب الأكبر، والعلم الأشهر، والطود الأظهر العالي السنام. هو البدر الطالع الواضح البرهان، الغنيّ عن التعريف والبيان، المشتهر في الدنيا قدره، والذي لا يختلف في غوثيته اثنان. وطريه ترياق شاف لأدواء العباد، وذكره رحمة نازلة في كل ناد.

стр. 246

سرى سرّه في الأفاق، وسارت بمناقبه الركبان والرفاق. قضى عمره في العبادة، وقصده للانتفاع أهل السعادة. وكان ﵁ في العلم في الغاية، وفي الزهد في النهاية، جمع الله له الشرفين: الطيني والديني، وأحرز الفضل المحقق اليقيني" (١). ويذكره الشاذلي بنفسه هو ومكانته السامية ودرجته الرفيعة، ومعرفته وعلمه بما يختلج في صدور الناس، وفيضه وفيضانه بقوله: "كنت في سياحتي في مبدأ أمري حصل لي تردد: هل ألزم البراري والقفار للتفرغ للطاعة والأذكار أو ارجع إلى المدائن والديار لصحبة العلماء والأخيار؟ فوصف لي وليّ هنالك، وكان برأس جبل فصعدت إليه، فما وصلت إليه إلى ليلاً، فقلت في نفسي لا أدخل عليه في هذا الوقت، فسمعته يقول من داخل المغارة: اللهم إن قوماً سألوك أن تسخر لهم خلقك، فسخرت لهم خلقك، فرضوا منك بذلك، اللهم وإني أسألك أعوجاج الخلق علي حتى لا يكون ملجئي إلا إليك، قال فالتفت إلى نفسي وقلت: يا نفس انظري من أي بحر يغترق هذا الشيخ، فلما أصبحت دخلت إليه فأعربت من هيبته. فقلت له: يا سيدي كيف حالك؟ فقال: أشكوا إلى الله من برد الرضا والتسليم كما تشكو أنت من حر التدبير والاختيار. فقلت: يا سيدي أما شكواي من حر التدبير والاختيار فقد ذقته وأنا الآن فيه، وأما شكواك من برد الرضا والتسليم فلماذا؟ فقال: أخاف أن تشغلني حلاوتها عن الله. قلت: يا سيدي سمعتك البارحة تقول: اللهم إن قوماً سألوك أن تسخر لهم خلقك، فسخرت لهم خلقك، فرضوا منك بذلك، اللهم وإني أسألك أعوجاج الخلق علي حتى لا يكون ملجئي إلا إليك، فتبسم ثم قال:

стр. 247

يا بني، ما تقول: سخر لي خلقك قل: يا رب كن لي، أترى إذا كان لك أيفوتك شيء؟ فما هذه الجناية " (١). وحتى ابنه الصغير يعلم ما في قلوب الناس كما يذكر الشاذلي أيضاً: "كنت يوماً بين يدي الأستاذ فقلت في نفسي: ليت شعري هل يعلم الشيخ اسم الله الأعظم؟ فقال ولد الشيخ وهو في آخر المكان الذي أنا فيه: يا أبا الحسن ليس الشأن من يعلم الاسم الأعظم، إنما الشأن من يكون هو عين الاسم، فقال الشيخ من صدر المكان: أصاب وتفرس فيك ولدي" (٢). ويقول ابن عطاء الله الاسكندري: إن طريقة الشاذلي تنتسب إلى الشيخ عبد السلام بن مشيش، والشيخ عبد السلام ينتسب إلى الشيخ عبد الرحمن المدني، ثم واحد عن واحد إلى الحسن بن علي بن أبي طالب (٣). وبعد مدة من الزمن وبقائه عند ابن مشيش قال له شيخه ابن مشيش: يا علي، ارتحل إلى أفريقية واسكن بلداً بها تسمى شاذلة، فإن الله يسميك شاذلياً، وبعد ذلك تنتقل إلى مدينة تونس وبعد ذلك تنتقل إلى بلاد المشرق، وترث فيها القطبانية (٤). ولما ورث القطبانية "وظهر بالخلافة الكبرى والولاية الكثرى والقطبية العظمى والغوثية الفردى، وخصّه الله بعلوم الأسماء ومن عليه بأعلى مقامات الأولياء، وخصوصيات الأصفياء، وانفرد في زمانه بالمقام الأكبر والمدد الأكثر والعطاء الأنفع والنوال الأوسع (٥). بدأ يقول كما ذكروا عنه أنه قيل للشيخ أبي الحسن: من هو شيخك؟ فقال: كنت انتسب إلى الشيخ عبد السلام بن مشيش، وأنا الآن لا انتسب لأحد،

стр. 248

بل أعوم في عشرة أبحر: خمسة من الآدميين، النبي ﷺ ، وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وخمسة من الروحانيين، وجبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل والروح الأكبر (١). و"تصرّف في أحكام الأولياء ومددها بالأذن والتمكين، وانفراد بسوددها حق اليقين، وأمدّ الأولياء أجمعين، وكذا الصديقين، ونال مقام الفردانية الذي لا يجوز المشاركة فيه بين اثنين، وأجمع على ذلك من عاصره من العلماء العارفين والأولياء لمقربين وخواص الصديقين، وشهد بقطبانيته وفردانيته الجمّ الكثير" (٢). وبدأ يقول: "والله لقد جئت في هذا الطريق ما لم يأت به أحد" (٣). حتى تعالى وتفاخر: قدمي على جبهة كل ولي لله" (٤). ومن الجدير بالذكر أن الدكتور عبد الحليم محمود الذي تولّى مشيخة الأزهر، وتخرّج من جامعة فرنساوية كتب كتاباً في تمجيد الشاذلي ومدح الشاذلية، ففي ذلك الكتاب يذكر أن الله كلّمه على جبل زغوان، الجبل الذي اعتكف الشاذلي فيه في قمته، وتعبّد وتحنّث، والذي يذكره نقلاً عن صاحب كتاب "درة الأسرار": " قرأ الشيخ على جبل زغوان سورة الأنعام إلى أن بلغ إلى قوله تعالى: ﴿وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها﴾ أصابه حال عظيم، وجعل يكررها ويتحرك، فكلما مال إلى جهة مال الجبل نحوها ... وما كانت حياته على الجبل إلا على نباتات الأرض وأعشابها" (٥).

стр. 249

وعلى هذا الجبل ارتقى منازل، وتخطّى مراتب حيث "نبع له عين تجري بماء عذب. ثم بدأت الملائكة تحفّ بأبي الحسن، بعضها يسأله فيجيبه. وبعضها يسير معه. ثم تأتيه أرواح الأولياء زرافات ووحداناً تحفّ بأبي الحسن وتتبرك به (١). وبعد تجاوز هذه المراتب كلها التي أهّلته لأن يخاطب الرب بدون واسطة ولا ملك، كلّمه الرب ﵎ حسب قول ذلك الدكتور، فقال له: "يا علي، اهبط إلى الناس ينتفعوا بك. فقلت: يا رب أقلني من الناس فلا طاقة لي بمخاطبتهم. فقيل لي: انزل فقد أصحبناك السلامة، ودفعنا عنك الملامة. فقلت: تكلني إلى الناس آكل من دريهماتهم. فقيل لي: انفق علي، وأنا الملي، إن شئت من الجيب وإن شئت من الغيب. ونزل الشاذلي ﵁ من على الجبل ليغادر شاذلة، ويستقبل مرحلة جديدة، فقد انتهت المرحلة الأولى التي رسمها له شيخه. وقبل أن نغادر معه شاذلة إلى رحلته الجديدة نذكر ما حكاه ﵁ فيما يتعلق بنسبه إلى شاذلة، قال: قلت يا رب لم سميتني بالشاذلي، ولست بشاذلي. فقيل لي: يا علي، ما سميتك بالشاذلي وإنما أنت الشَّاذُّلِي بتشديد الذال المعجمة، يعني: المفرد لخدمتي ومحبتي" (٢). وقبله قد تكلّم به رسول الله ﷺ من داخل حجرته الشريفة كما

стр. 250

ذكر ذلك الدكتور عبد الحليم محمود نقلاً عن "درة الأسرار" عن أبي الحسن: "ولما قدم المدينة زادها الله تشريفاً وتعظيماً، وقف على باب الحرم من أول النهار إلى نصفه عريان الرأس حافي القدمين، يستأذن على رسول الله ﷺ تسليماً. فسئل عن ذلك فقال: حتى يؤذن لي، فإن الله يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلاّ أن يؤذن لكم﴾ فسمع النداء من داخل الروضة الشريفة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام: "يا علي ادخل" (١). فمن يكن هذا شأنه ومقامه ومكانته لا يستبعد عنه أن يقول: "لولا لجام الشريعة على لساني لأخبرتكم بما يكون في غد وبعد غد إلى يوم القيامة" (٢). وأيضاً: "أعطيت سجلاً مدّ البصر، فيه أصحابي وأصحاب أصحابي إلى يوم القيامة عتقاء من النار" (٣). وعلى ذلك ينقل عنه الإسكندري عن شيخه أبي العباس المرسي خليفة أبي الحسن الشاذلي وتلميذه الخاص به أنه قال: " قال لي عبد القادر النقاد، وكان من أولياء الله: اطلعت البارحة على مقام الشيخ أبي الحسن. فقلت له: وأين مقام الشيخ؟ فقال: عند العرش. فقلت له: ذاك مقام تنزل لك الشيخ فيه حتى رأيته. وإلا مقامه فهو فوق ذلك، وقد صرّح بذلك حيث يواصل كلامه فيقول: "ثم دخلت أنا وهو على الشيخ، فلما استقربنا المجلس قال الشيخ ﵁: رأيت
следующие страницы →