درَاساتٌ في التَصَوُّفْ
تأليف الأستاذ
إحسان إلهي ظهير
١٩٤١م - ١٩٨٧م
إدارة ترجمان السنة
لاهور. باكستان
стр. 2
بين يدي الكتاب
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له بيده الخير وهو على كل شيء قدير , له المر من قبل ومن بعد يفعل ما يشاء ويختار , وهو أعلم حيث يجعل من يشاء من عباده علم هدى وداعية فلاح , لا إله إلا هو الحكيم العليم.
وبعد فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
لقد كان الأستاذ الكاتب المعروف الشيخ إحسان إلهي ظهير ﵀ رغب مني أن أكتب مقدمة لكتابه " دراسات في التصوف " الذي أراد له ﵀ أن يكون القسم الثاني من كشف التصوف والصوفية ولبيان القنطرة التي درج عليها هذا المنهج ومن أي مبدأ ظهر.
وليس بخاف أنه ﵀ قد أسهم بقلمه وخطابته في مجال مكافحة البدع والمبتدعة أيما إسهام , وكان لحماسه واندفاعه في دفاعه عن العقيدة أثره في بلاد الباكستان وغيرها بما لا يجهله أحد من المهتمين برصد نشاط أهل البدع في العشر السنوات الماضية , وقد ألح عليَ بعد سفره الذي لم ألقه بعده إلا على سرير الانتقال إلى الآخرة.
لقد كانت تربطني بالفقيد علاقة وطيدة ترسخت أصولها على مر الأيام , وكنت كثيرا ما ألح عليه بتوخي الحذر وأن لا يفرق نشاطه لئلا يكثر خصومه فيكيدوا له بكيد الشيطان إذ الشيطان للإنسان عدو مبين , وأعوانه في أنفاذ مقاصده وبث فساده ونشر غوايته أنشط من سواهم , ولكن طبعه ﵀ ونفسه المندفعة للحق فيما يظهر لي وحبه في فضح نوايا أهل البغي والفساد واطلاعه على مقاصدهم الخبيثة جعله لا يتأثر بعذل عاذل أو دعوة إلى أناة في كفاح الباطل.
стр. 3
لقد كنت أخشى عليه كيد أعدائه ومكرهم لاسيما بعد تطور وسائل الشر والفتك وتفنن صانعي التدمير بإحداث أفتك الوسائل وأمضاها , غير أن خوفي عليه ونصحي له بالحذر لم تمنع من إنفاذ الله قضاءه , وإنما هي حاجة في النفس قضيتها , وقضاء الله وقدره أسبق من ذلك.
كان ﵀ يظهر لي إحساسه بالمرارة من نشاط أهل التشيع في نشر مذهبهم وشدة تدليسهم على العامة وتجنبهم إثارة المشاعر في بداية أمرهم حتى إذا استحوذوا على النفوس بالخديعة تارة والإغراء تارة أخرى كشروا عن أنيابهم في وجه خصومهم وخرجوا على سجيتهم في عدائهم لمخالفيهم متسترين في بداية الأمر بثوب النفاق , لابسين بعد التمكن ثوب الفاتك الشرس , وكان ينعي على أهل الحق كسلهم في سبيل نشر حقهم والدعوة إليه والدفاع عنه , وكنت أحرص على تعزيته وتسليته بمطالعة سير الدعاة إلى الله وأن العاقبة للمتقين وأن الغفلة والإخلاد إلى الدعة قد لا تطول بإذن الله وإن عليه الصبر ومعالجة الأمور على أساس الواقع وما هو كائن.
لقد كان ﵀ يحدثني كل مرة عن لقاءاته في سفراته وتقبل الناس للحق وحاجتهم إلى تضحية في سبيل توعيتهم , فأبدى له أن ما يراه من استحسان وقبول من أدلة توفيقه وأسباب تسليه , وأحثه على الصبر والأخذ بالحكمة والرفق ﵀ رحمة واسعة.
لقد كان أمله أن تكون كلماتي عن كتابه هذا وبيان ما فيه من حق وما يحذر فيه عن زيغ حيث أحس شدة نفرتي من البدع وأهلها , وما درى ﵀ وما دريت أنا أن كتابتي ستكون بمثابة رثاء له وتألم للمصيبة بموته بأيدي أهل الغدر والحقد.
ناولني ﵀ أو أرسل إلي كتابه هذا وهو صورة لمسودة الكتاب لم تمسه يد المراجعة ولم يعد عليه نظر التعقيب بالتفقد والتعديل , بل فيه التعليقات وشطب الكلمات وخفاء كثير من الصفحات بالنسبة للتصوير مما جعل قراءة كثير من مواضعه متعسرة أو متعذرة , ولكني على كل حال قرأت كثيرا منه وفهمت مقصده ﵀ من إعداده حيث رأى كثرة من انخدع بالتصوف رغم ما في طواياه من البلايا والرزايا
стр. 4
والعقائد الكفرية فأراد أن يجلي للناس بأسلوب عصري يعتمد على النقل لأدلة فضائح هذه المسالك من كتب دعاتها وأولياء زعامتها , وأبان بما نقل عن سفاهة أحلام القوم وطيش عقولهم , وأنا هنا لا أحب أن أتحدث عن الكتاب وما فيه من نقول يذوب القلب أسى لصدورها عمن ينتمي للإسلام فهذا شيء يتحدث عنه الكتاب نفسه , وأحب أن أعتذر عن إصلاح ما في الكتاب الذي قرأت أكثره لضيق وقتي ولأملي أن تكون مبيضة موجودة لدى ورثة الشيخ إحسان ﵀ لأن بين استلامي لصورة المسودة وقتله ﵀ بأيدي أهل الغدر والخيانة عدة أشهر , فعسى أن يكون قلمه قد عدل وبدل وأجال فيه فكره وبصيرته , فأقام الإعوجاج ووصل بين ما قد يكون موجودا من انفصال ولكني أقول أنه كتاب ينبغي أن يقرأ هو وسابقه لما فيهما من إيضاح ولما عرف عن الكاتب ﵀ من حرص على الاعتماد على كتب من يرد عليهم من المبتدعة أنفسهم كما فعل في كتاباته عن التشيع في سلسلة كتبه المعروفة النافعة وكما كتب عن القاديانية والبريولية وسواهم.
إن الفقيد ﵀ قد أضاف إلى المكتبة الإسلامية سلسلة ثمينة ينبغي أن يعتني بنشرها وما قد يوجد فيها من ملاحظات نادرة فهي مغمورة بما حوته من البحور الزاخرة من فيض بيان الحق , وكشف الباطل , وتعرية أهله أمام نظر متطلبي طريق الفلاح.
لا أحب الإطالة في أسلوب إنشائي أو كلام عن الفقيد وآثاره لأني أرجو أن يكون لدى محبيه وذويه ومحبي الدعوة إلى الحق ما يغني عن القول , وإنما كتبت ما كتبت وفاء ببعض حق الفقيد ﵀ وتحقيقا لشيء من رغبته أن يخلو بعض كتبه من كلمة لي تؤيد منحاه وتدعو إلى نصرة منهجه فوعدته بالاستجابة , وما كنت لأرضيه حيا وأتراجع عن ذلك بعد موته فقد رأيت حقا علي إجراء القلم بشيء من مراده , ولا يسعني وأنا أريد إيقاف شباة القلم أن أسأل الله أن يجعله من الشهداء عنده وأن يبارك في آثاره وأن ينفع بها وأن يصلح ذريته ويتولى حفظهم وأن يعطف عليهم قلوب من يستطيعون نفعهم وبث تراث والدهم , فالواجب على القادرين بجاههم أو مالهم أو
стр. 5
أقلامهم وأفكارهم أن ينصروا دين الله ويسعوا في أبعاد كل ما قد يشوه مظهره أو يصد عنه أو قد طمس ضياءه , وإذا كان أهل الحق أو كثير منهم قد أقعدهم حصول الدنيا والانجراف وراء بريقها واغترار الكثيرين بمظاهرها , فينبغي أن تكون للمسلم رجعة إلى الله وتأمل في مصيره واستحضار لسير المجاهدين ومواقفهم وبذلهم أموالهم وأنفسهم في سبيل الله وتركهم أموالهم وأهليهم من أجل دعوة الناس وإرشادهم وبيان الحق لهم رجاء المثوبة من الله واتقاء لعقابه عند الغفلة عن طاعته , والله المسئول أن يوقظ الضمائر وينبه الغافلين لحقهم ويشد عزائمهم وأن ينصر دينه وأن يذل أهل الزيغ والانحراف وان يرزق العلماء القيام بحق العلم وصيانته ونشره ليسير الناس على نور وهدى وأخيرا رحم الله إحسان إلهي ظهير وآنس وحشته وبارك في ذريته وأهل بيته , وأخلف الله على الأمة الإسلامية من يسعى جاهدا لبث الدعوة وفضح الباطل , وأكثر لنا من هذا الصنف المتذرع بالعلم والحكمة والصبر في سبيل قمع كل باطل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن إهتدى بهديهم وسار على نهجهم إلى يوم الدين.
صالح بن محمد اللحيدان
مجلس القضاء الأعلى
المملكة العربية السعودية
الطائف ٢١/ ١٠ / ١٤٠٧هـ
стр. 6
بسم الله ارحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله منزل القرآن وجاعله هدى للمتقين وموعظة وذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد , وشفاء ورحمة للمؤمنين.
والصلاة والسلام على رسول الله مبشر الناس ومنذرهم , وداعيهم إلى الله بإذنه وسراج منير , إمام العالمين وأشرف المرسلين , الذي به ختمت النبوة وكمل به الدين , وآله وصحبه ومتبعيه إلى يوم الدين.
لقد وعدنا عندما كتبنا الكتاب الأول في هذا الموضوع , وهو (التصوف: المنشأ والمصادر) بأننا سنتبعه كتابا آخر في حجمه وضخامته , وها نحن نفي بالعهد , ونصدق الوعد , ونضع بين يدي القراء والباحثين كتابا آخر في موضوع التصوف أيضا مقرين معلنين بأنه لازال البحث جاريا , والتنقيب ماضيا في كتب الصوفية ورسائلهم , مصنفاتهم ومؤلفاتهم , ولم نستطع أن نمسك زمام القلم ونحول بينه وبين ما يسطر , مع حرصنا الشديد بأن لا يطول الكلام , وقلما سلم مكثار , ولكن الموضوع يتطلب المزيد ومع إصدار هذا الكتاب الثاني الذي ربما يزداد حجمه عن الكتاب الأول قليلا , نرى بأننا مطالبون بكتاب آخر , ولعلنا بذلك استطعنا إحاطة معظم جوانب هذه الطائفة وأفكارهم ومعتقداتهم وسلوكهم ومميزاتهم التي يمتازون عن الآخرين , أو يتميزون عما سواهم , ولكننا نعد القارئ بأن موعده لن يكون بعيدا , فإن أراد الله وشاء , ذلل الصعوبات , وسخر العقبات وغلبنا على النوازل والملمات , وأبعدنا عن المصائب والمكروبات - وهو كاشف الغم , فارج الهم , مجيب دعوات المضطرين - لن نأتي على آخر هذه السنة إلا ونكون قد وضعناه لطلبة العلم وقرائنا الأكارم , لأن الكتب موجودة , والنصوص والعبارات منها مأخوذة , وما بقي إلا وضعها في مكانها اللائق ,
стр. 7
وتنظيمها وترتيبها , ثم جمعها وتأليفها , وسيكون ذلك الجزء مشتملا على أهم ما نريد أن يشتمل على طرق التصوف ومنشئيها , أعيانها وأكابرها , ولا يعني هذا بأن هذا الكتاب خال عن ذلك المبحث , لا ولا. ولكننا لم نبحث فيه إلا أهم الطرق وأشهرها بين الناس , وببعض الاختصار والاقتضاب بدون الإفاضة والإطناب , كما لم نرد ذكر المغالين المشهورين من المتصوفة وأفكارهم وعقائدهم , آرائهم وتعاليمهم - ولو أنهم كلهم غلاة ولكن غير المشهورين بالغلو - كالحلاج وابن سبعين ومحيي الدين ابن عربي وعمر بن الفارض وجلال الدين الرومي والسهروردي المقتول والقونوي والبقلي الشيرازي وغيرهم الكثيرين الكثيرين.
وكذلك بعض المواضيع التي لم نستطع التطرق إليها والإلمام بها في كتابينا هذين , ولها أهميتها في جلاء الفكر وتنوير الرأي وبيان الحكم , ونحاول قبل البدء في ذلك القسم من المبحث والكتاب , وأثناء هذه الفترة التي سنشتغل فيها حسب المخطط بفضل الله وتوفيقه في " المسيحية " , و " والبهرة والآغاخانية " , الجزء الثاني من كتابنا " الإسماعيلية " - نحاول أن نحصل على كتب ومصنفات الصوفية ووثائقهم ورسائلهم التي لم نحصل عليها بعد كي يجتمع للمعتنين بهذا الموضوع أكبر عدد ممكن من المراجع والمصادر فيه , وما ذلك على الله بعزيز.
وبعد فإن هذا هو الكتاب الثاني في موضوع التصوف يشتمل على أبواب ثمانية , لكل باب منه جزء مقسوم , ويبحث في أهم الجوانب الفكرية والعقائدية لهذه الطائفة من الناس.
فالباب الأول: " التطرف من لوازم التصوف " يشتمل على تعاليم الصوفية , التي لم تبن إلا على المغالاة والتطرف , وليست من الدين الوسط الذي قيل فيه على لسان من جاء به " إن الدين يسر " و " يسروا ولا تعسروا ".
وإن الله أنزله لهداية البشر وتهذيب النفوس لا لتعذيبها وحملها على ما لا تطيق ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ (١).
стр. 8
ولكن القوم قبلوا الأمور وجعلوها معكوسة , فبالغوا في الإنذار , وتطرفوا في التعسير , ولقد بينا كل هذا في هذا الباب مستندين إلى كتب القوم ورسائلهم , نصوصهم وعباراتهم حسب دأبنا المعهود.
والباب الثاني: فيه زيادة على ما في الباب الأول حيث ذكرنا فيه أمورا خالف القوم فيها نصوص الكتاب والسنة , النصوص الصريحة والواضحة الجلية , والتي لا تحتمل التأويل , وبينا كيف جاوز القوم حدود الشرع , وتركوا العمل به مع ادعائهم الزهد والتقوى , مع الزهد والتقوى يمنع المتلبسين بهما الابتعاد عن الشريعة قيد شبر.
والباب الثالث: وضعنا فيه النقاط على الحروف بأن التصوف ليس إلا مؤامرة ضد الإسلام ودستوره ومنهاجه , حيكت بمهارة , وأحكم نسيجها بالدهاء والمكر.
والباب الرابع: بحثنا فيه عن البدع والمحدثات التي لزمت طريق القوم , وبها عرفوا وميزوا عن الآخرين , فصارت كالشعار لهم واللباس الذي يتزينون به في المجالس والمحافل.
الباب الخامس: " طرق التصوف وأعيانها " فلقد ذكرنا فيه أهم الطرق الصوفية والمشهورة بين العرب , وهي " الشاذلية " و " الرفاعية " و " والقادرية " و " التيجانية " و " النقشبندية " , وأقتصرنا على هذه الخمسة مع وجود الأخرى الكثيرة , ذخرا لكتابنا القادم , وبما أنها ليست بتلك الشهرة والانتشار والقبول بين الناس , ولو أن بعضا منها مشهورة في جهة ومغمورة في جهة أخرى , مثل الجشتية والسهروردية فإن أكثر المتصوفة في شبه القارة الهندية الباكستانية ومنسلكون في إحداهما , خلاف الأخرى فإنها ليست بتلك الشهرة في هذه البلاد , ولعلنا في ترجمتنا هذا الكتاب هاتين السلسلتين إلى اللغة الأردية نضيف إلى هذا الكتاب هاتين السلسلتين.
وسيجد القارئ متعة في هذا الباب ما لايجد في غير هذا الكتاب وهو يقرأ هذه السلاسل والطرق.
والباب السادس: يتضمن مجموعة من المصطلحات الصوفية التي شاع استعمالها وكثر في الكلام الصوفي , وقد ضممنا إلى هذا الباب وهو آخر هذا الكتاب مباحث لم
стр. 9
نستطيع إدراجها في الأبواب السبعة لعدم مناسبتها وعلاقتها المباشرة لتلك الأبواب رغبة منا بأن لا يحس القارئ بالنقص والخلل في هذا الخصوص وهو يبحث عن التصوف , فحرصا منا على ذلك أدرجنا في هذا الباب تحت عنوان " مصطلحات الصوفية " ومثال ذلك قضية وحدة الشهود , ووحدة الوجود , وكذلك مسألة وحدة الأديان , فإننا لم نستطع ذكرها - مع أهميتها - في أحد الأبواب الستة المذكورة لعدم وجود المناسبة والداعي إليها , فذكرناها ههنا.
فهذه هي الأبواب الستة لهذا الكتاب , ولو ضمت إلى الأبواب الثلاثة من الكتاب الأول لكفت القارئ والباحث فهم التصوف ومعرفة المتصوفة , ولا يعني ذلك أن هذا الكتاب متوقف الاستفادة منه على الكتاب الأول , فإن الأمر ليس كذلك لأنه كتاب مستقل , وليس كالجزء الأول منه , وكذلك هذا الكتاب , ولكن يحسن للقارئ أن يقتني هذا وذاك لأننا ذكرنا فذ هذا أشياء لم نذكرها في كتابنا الأول وكذلك العكس.
فإن هذا الكتاب يشتمل على تعاليم الصوفية وعقائدهم , أفكارهم ومعتقداتهم , مميزاتهم وخصائصهم , بدعهم ومستحدثاتهم , طرقهم وأحوالهم زعمائهم , وغيرها من الأمور.
حيث إن الكتاب الأول يخص بذكر منشأ التصوف ومصادره مع ذكر المعتقدات التي تربطه بالمذاهب والأديان القديمة منها والحديثة من المذاهب والحديثة من المذاهب الهندية والفارسية والأفلاطونية الحديثة والمسيحية والغنوصية إلى دين التشيع والشيعة.
فالكتابان بينهما عموم وخصوص من وجه يجتمعان في قضية التصوف والمتصوفة , ويفترقان من حيث المبحث والموضوع.
أما بعد فإننا نريد أن نذكر الباحث والقارئ أننا لم نسلك في هذا الكتاب إلا مسلكنا القديم.
أولا: أنا لا نلوم الخصم إلا على ما يقوله ويتفوه به.
ثانيا: ولا ننقل من كتاب ومؤلف غير معتمد وموثوق لدى القوم أنفسهم , بل
стр. 10
نثبت الحجة ونقيم البرهان مستندين إلى كتب القوم ونصوصهم وعباراتهم , فلا ننقل شيئا من كتب المخالفين والمناوئين اللهم إلا للإستشهاد وللاستدلال , وربما يعسر علينا وجود شيء في كتب من نكتب عنه ونرد عليه , فنجده في كتب المخالفين والمعادين نقلا عن أولئك ولكننا لا نعتمد عليه قبل أن نتحقق من وجوده عندهم وثبوته لديهم وإلا فقد أعرضنا الجانب عن إيراده ونقله مهما كانت أهميته وحيثية.
ثالثا: سلكنا في كتبنا كلها أصعب المسالك وأشقها حيث لا نكتفي بإيراد رواية واحدة ولا روايتين لإلزام الخصم كي لا يحكم عليها بالشذوذ والندرة , بل نسرد روايات كثيرة ونوردها واحدة تلو الأخرى , ونضعها في جميع الجوانب كي لا يجد منها مخرجا ويستسلم إما بالاعتراف والإقرار أو التبرئ والاستنكار.
رابعا: لا نجعل المحك والمعيار لمعرفة الصدق عن الكذب , والحق عن الباطل , وتمييز الطيب من الخبيث , والجيد من الرديء إلا الكتاب والسنة , فالقرآن كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد , وق أتفق المسلمون على عدم وقوع أي تحريف وتغيير فيه وأن يأتيه خلل أو نقص فهو محفوظ بحفظ الله ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١).
والسنة سنة رسول الله المعصوم بعصمة الله والمحفوظ بحفظ الله والناطق بوحي الله والمضمون له في كلام الله ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴿٣﴾ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴿٤﴾ (٢).
فكل قول يخالف قول الله , وكل عمل يخالف عمل رسول الله فهو متروك مردود لا يعبأ به ولا يلتفت إليه , صدر عن كبير أو صغير , تقي أو شقي , لأن المؤمنين ليسوا ملزمين بإتباع أحد الرجال وآرائهم بل إنهم أمروا بإتباع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ , وهذا لا يحتاج إلى بيان فإنه واضح جلي , وقد ذكرنا الآيات والأحاديث في هذا المعنى في صميم الكتاب في مختلف المواضيع. فكل قول يوافق
стр. 11
الكتاب والسنة فهو قول حق وصدق وصواب مهما كان مصدره ومنشؤه، صميم مهما كان مصدره ومنشؤه , وكل قول وعمل يعارضه الكتاب أو السنة فهو قول باطل وعمل غير مقبول , من أي مصدر وأينما نشأ.
فالشرع عبارة عن القرآن والسنة وهو الأصل , وعليه يعرض جميع الآراء والأفعال والعقائد والمعتقدات , ويحكم عليها بالصحة والسقم والحق والبطلان , ولا يلتفت إلى شيء غيره.
خامسا: لم ننقل عن كبار الصوفية وأعيانهم , زعمائهم وقادتهم إلا ما نقله المتصوفة عنهم في كتبهم سواء كانت نسبة هذا القول وذلك العمل إلى ذلك الشخص صحيحة أم غير صحيحة لأن العهدة على الناقل والراوي ولو أننا لا نظن بأن من ينسب إليه المتصوفة تلك الأقوال والأعمال المخالفة المعارضة لصريح الكتاب والسنة والعقل كذلك يكون صحيحا نسبتها إليه حيث أننا نحسن الظن فيهم ونبرؤهم مما ينسب إليهم ويتهمون بها كمثل رابعة العدوية والجنيد البغدادي وعبد القادر الجيلاني وغيرهم من الأعيان , فقد ذكروا عنهم أشياء ونقلوا عنهم أقوالا ورووا عنهم أعمالا يأبى القلب قبولها عن أمثالهم ولكن مالنا وللقلب فإننا ننقل ما ننقل عن كتب المتصوفة الموثوقة المعتمدة لديهم , ومؤلفها أيضا من الأعيان والأكابر , لا الأجانب والأصاغر , وزيادة على ذلك لا نكتفي برواية وجدت فيها , بل ونجد لها شواهد ومتابعات , وهذا ما في وسعنا.
ولا بد لنا أن نتكلم ههنا بكلمة ولو للتاريخ بأننا ما وجدنا قوما يكثرون الكذب على أئمتهم ومشائخهم مثل الصوفية والشيعة , فما أكثر ما نسبوه إليهم وهو منه براء والله أعلم.
فالقصد من هذا كله أننا لم نتكلم على أحد إلا ما نقل عنه في كتب القوم أنفسهم , وليس علينا إلا عهدة النقل فإننا ملزمون بإثبات المنقول في كتب القوم ووأما ثبوته عمن ينقلونه فهذا ليس من شأننا لأن الإسناد من خصائص حديث رسول الله ﷺ , وبذلك سلمه الله وحفظه من كذب الكذابين وزور المبطلين المنتحلين , ونريد من قراء هذا الكتاب بالأخص أن لا ينسوا هذه النكتة الحساسة فإنها هامة ومهمة.
ونرجو الله سبحانه وتبارك وتعالى أن ينفع الناس بهذا الكتاب ويجعل له قبولا
стр. 12
ورواجا مثل ما من علينا في الكتب الأخرى السابقة عليه , وأن يغفر لنا خطايانا المقصودة منها وغير المقصودة , ويجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم فإنه ما دعانا إلى كتابة هذا الكتاب والكتب الأخرى عن الفرق الباطلة المنحرفة إلا رغبتنا الصادقة بأن يسلك المؤمنون سبيل رسول الله ﷺ , الخالية من شوائب الشرك وأدران الوثنية والبدع والزيغ والضلال ويتجنب عن السبل الملتوية والمعوجة التي لا تصل ولا توصل إلى الله ونعيمه ومرضاته في الدنيا والآخرة , وإلا ما لنا ولهذه المواضيع التي لا تشكل إلا خطرا , ولا تثير إلا شغبا من أصحاب تلك الفرق وأولئك الطوائف , وخاصة في هذا الزمان الذي قل فيه المخلصون المناصرون لكتاب رب العالمين وسنة أشرف المرسلين , وكثر فيه النفاق والمداهنة والمداراة باسم السياسة والمصلحة , وحبب فيه المتملق والتشدخ اللهم إلا من رحم الرب , وما أقلهم , وإن الجنة حفت بالمكاره , كما أن النار حفت بالشهوات والملذات , فعلى الله توكلنا وهو عمدتنا وملجؤنا ومأوانا ومفزعنا , وهو حسبنا ونعم الوكيل , وصلى الله على رسوله خير الخلائق أجمعين وعلى صحبة ومن تمسك بسنته وأهتدى بهديه إلى يوم الدين.
إحسان إلهي ظهير
ابتسام كاتيج شادمان لاهور
باكستان ٩ - جمادى الأولى - ١٤٠٧هـ
١٠ - يناير - ١٩٨٧م
стр. 13
الباب الأول
التطّرف مِن لَوازم التصَوُّف
لقد ذكرنا فيما سبق في كتابنا " التصوف: المنشأ والمصادر " (١) أن التطرف من لوازم التصوف وخصائصه , وأنه أمر زائد على الزهد المشروع المجب إليه , ولا يوجد صوفي لا يبالغ في التجوع والتعري وترك الحلال , ويفرط في التقشف والتعنت وتعذيب النفس وتكليفها ما لا يطاق , وجلب الأذى , والتجاوز في أوامر الله ونواهيه , والتقدم بين يدي الله ورسوله حتى يصل إلى اجتناب ما أمر الله به وتحريم ما أحل الله , وتحليل ما حرم الله وإتيان ما منع الله عنه ورسوله صلوات الله وسلامه عليه , وأوردنا بعض الأمثلة هناك مناسبة للمقام تاركين التفصيل لهذا الكتاب , ونريد أن نذكر الباحث والقارئ قبل دخولنا في صميم الموضوع أن المشروع ما شرعه الله ورسوله , والمستحب ما استحبه الله ونبيه وصفيه خير الخلائق أجمعين , وكل أمر لم يأمر به الله ولم ينفعه رسول الله ﷺ مهما حسن منظره , وعظم شأنه , وحبب إلى النفوس فهو مقبوح مردود في دين الذي جاء به محمد صلوات الله وسلامه عليه , وشرك بالله وكفر به وبكتابه وبرسوله حيث إنه عبارة بعدم كمال الدين وتمام النعمة وختم نبوة محمد صلوات الله وسلامه عليه بأن الله قال في كتابه المحكم مخاطبا أصحاب رسول الله ﷺ في حياة نبيه وصفيه وفي أيامه الأخيرة ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٢).
وقال: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣).
وقال: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٤).
يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (١).
وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢).
وقال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٣).
هذا وقد قال ﵊:
(تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة رسوله) (٤).
وقال ﵊: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به) (٥).
وقال: (إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) (٦).
وقال: (من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام) (٧).
وقال ﷺ : (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى) قيل: ومن أبى؟ قال: (من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى) (٨).
هذا ولقد روى عن أنس بن مالك ﵁ قال:
جاء ثلاثة رهط إلى أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما أخبروا بها كأنهم تقالوها , فقالوا: أين نحن من رسول الله ﷺ , إن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟
فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدا.
стр. 16
وقال الآخر: أنا أصوم النهار أبدا ولا أفطر.
وقال الآخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا.
فجاء النبي ﷺ إليهم فقال: (أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله , وأتقاكم له , لكني أصوم وأفطر , وأصلي وأرقد , وأتزوج النساء , فمن رغب عن سنتي فليس مني) (١)
وقال النبي ﷺ : (ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه؟ فو الله أني أعلمهم بالله وأشدهم له خشية) (٢).
وقال الداودي شارحا هذا الحديث:
" إن التنزه عما رخص فيه النبي ﷺ من أعظم الذنوب لأنه يرى نفسه أتقى لله من رسوله وهذا إلحاد ".
وعلق عليه ابن حجر بقوله: " لا شك في إلحاد من أعتقد ذلك " (٣).
وروى عن العرباض بن سارية ﵁ أنه قال:
(وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصينا.
قال:
(أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد.
وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا. فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين , عضوا عليها النواجذ. وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة) (٤).
وعن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال:
(ما من نبي بعثه الله في أمته قبلي إلا كان له في أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره , ثم أنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون , ويفعلون ما
стр. 17
لا يؤمرون. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن , ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن , ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن , وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) (١).
وعنه ﵁ أيضا أنه قال:
خط لنا رسول الله ﷺ خطا ثم قال: (هذا سبيل الله).
ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله , وقال: (هذه سبل , على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه , وقرأ ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فأتبعوه﴾ الآية (٢).
ومثل ذلك ما رواه أبو داود في سننه عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول:
(لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم , فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم , فتلك بقاياهم في الصوامع والديار رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم) (٣).
وأخيرا ما ثبت في الصحيح الثابت عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) (٤).
فالدين والشريعة عبارة عن كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ , وما لم يرد ذكره فيهما فليس له من الأمر من شيء , فإن أسلاف هذه الأمة وعلى رأسهم أصحاب رسول الله ﷺ فهموا الدين هكذا , ولم يكونوا يحيدون عنهما قيد شبر , وكل ما لم يثبت ولم يرد ذكره في كتاب ربهم وسنة نبيهم عدوه زيادة على الشرع وحدثا في الدين وبدعة مرفوضة وعملا مردودا , صغيرا كان أم كبيرا.
وعلى ذلك قال صاحب رسول الله ﷺ عبد الله بن مسعود لمن رآهم يسبحون بالحصا:
" على الله تحصون؟ لقد سبقتم أصحاب رسول الله ﷺ علما , وقد
стр. 18
أحدثتم بدعة ظلما " (١).
وروى أن عبد الله بن مسعود بلغة أن الناس يجتمعون في ناحية من مسجد الكوفة يسبحون تسبيحا معلوما ويهللون ويكبرون.
قال: فلبس برنسا ثم أنطلق فجلس إليهم فلما عرف ما يقولون رفع البرنس عن رأسه ثم قال ك (أنا أبو عبد الرحمن) ثم قال:
(لقد فضلتم أصحاب محمد ﷺ علما , أو لقد جئتم ببدعة ظلما).
قال: فقال عمر بن عتبة: نستغفر الله ثلاث مرات , ثم قال رجل من بني تميم: والله ما فضلنا أصحاب محمد علما ولا جئنا ببدعة ظلما ولكنا ربنا , فقال: (بلى والذي نفس ابن مسعود بيده , لقد فضلتم أصحاب محمد علما أو جئتم ببدعة ظلما , والذي نفس ابن مسعود بيده لئن أخذتم آثار القوم ليسبقنكم سبقا بعيدا , ولئن حرتم يمينا وشمالا لتضلن ضلالا بعيدا) (٢)
وعن أنس بن مالك ﵁ أنه قال:
(كنا عند عمر فقال: نهينا عن التكلف) (٣).
وعنه نقل يعلى بن أميه أنه قال:
" طفت مع عمر بن الخطاب , فلما كنت عند الركن الذي يلي الباب مما يلي الحجر أخذت بيده ليستلم , فقال: أما طفت مع رسول الله ﷺ ؟
قلت: بلى ... قال: فهل رأيته يستلمه؟
قلت: لا , قال: فأبعد عنه , فإن لك في رسول الله ﷺ أسوة حسنة " (٤).
وقال ابن مسعود ﵁:
(الإقتصاد في السنة أحسن من الاجتهاد في البدعة) (٥).
стр. 19
وروى أبو داود عن حذيفة بن اليمان ﵁ أنه قال:
" كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله ﷺ فلا تعبدوها فإن الأول لم يدع للآخر مقالا , فاتقوا الله يا معشر القراء , وخذوا طريق من كان قبلكم " (١).
ولقد نقل عن إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله تعالى أنه قال: " من أبتدع بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدا ﷺ خان الرسالة لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ , فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا " (٢).
وكان يردد أيضا:
وخير أمور الدين ما كان سنة ... وشر الأمور المحدثات البدائع (٣)
وذكر الشاطبي عن ابن رواح عن الحسن أنه قال:
" صاحب البدعة لا يزداد اجتهادا , صياما وصلاة إلا ازداد من الله بعداً " (٤).
ومثل ذلك روى عن هشام بن حسان أنه قال:
" لا يقبل الله من صاحب بدعة صياما ولا صلاة ولا حجا ولا جهادا ولا عمرة ولا صدقة ولا عتقا ولا صرفا ولا عدلا " (٥).
وأخيرا نذكر ما ذكره الشاطبي في اعتصامه تعريفا للبدعة , فيقول: " البدعة عبارة عن طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله ".
ثم فصل قوله " تضاهي الشرعية " يعني أنها تشابه الطريقة الشرعية من غير أن تكون في الحقيقة كذلك , بل هي مضادة لها من أوجه متعددة.
стр. 20
منها وضع الحدود كالناذر للصيام قائما لا يقعد , صاحيا لا يستظل , والاختصاص في الانقطاع للعبادة , والاقتصار في المأكل والملبس على صنف من غير علة.
ومنها إلتزام الكيفيات والهيئات المعينة , كالذكر بهيئة الاجتماع على صوت واحد , واتخاذ يوم ولادة النبي ﷺ عيدا , وما أشبه ذلك.
ومنها التزام العبادات المعينة في أوقات معينة لم يوجد لها ذلك التعيين في الشريعة , كالتزام صيام يوم النصف من شعبان وقيام ليلته.
وثم أوجه تضاهي بها البدعة الأمور المشروعة , فلو كانت لا تضاهي الأمور المشروعة لم تكن بدعة , لأنها من باب الأفعال العادية (١).
أما بعد فبعد هذا التمهيد والتوطئة المختصرة وذكر قول الله حيث خاطب أهل الكتاب: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ (٢).
نقول: أن أمور التصوف وأعمال المتصوفة كلها مبنية على مخالفة تلك الأسس والقواعد , وليس فيها إتباع ولا اعتدال بل كلها ابتداع وغلو وتطرف ورهبانية ابتدعوها , ما كتبها الله عليهم , ولا أوجبها رسول الله ﷺ , ولا عمل بها أصحابه ورفاقه , تلامذته الراشدون ومبلغوا تعاليمه إلى العالمين , الذين اقتفوا آثاره ,واهتدوا بهديه , واتبعوا سننه , وحملوا رايته , وجاهدوا في الله حق جهاده , ولم يكن واحد منهم معطلا نفسه , منزويا في الأربطة والتكايا , منعزلا في الخانقاوات والزوايا , متعطلا عن العمل , تاركا للجمعة والجماعة , مخترعا الطرق المخصوصة للوصول إلى الله , ومتخذا التعنت والتطرف تقربا وتزلفا إليه , ولم يكن يعد التجوع والتعري سببا للنجاة , ولا التسول والاستجداء وسيلة للنجاح , وكانوا تجارا زراعيا صناعا ورعاء للإبل والماشية , يكسبون الحلال ويرزقون به أولادهم , أهلهم وذويهم , ويطعمون الطعام على
стр. 21
حبه مسكينا ويتيما وأسيرا , أصحاب الأهل والعيال , وأرباب البيوت والأموال , يبتغون فضلا من الله ورضوانا , اللهم إلا من لم يجد إليها سبيلا , مغلوبا على أمره مقهورا مجبورا , وكان يكد ويجد ويجتهد صابرا شكورا إلى أن يغنيه الرزاق ذو القوة المتين.
خلافا للمتصوفة الذين جعلوا مسلكهم مبنيا على الغلو والتطرف , ومسلكهم على التعنت والتقشف , الذي لم ينزل الله به من سلطان , ولم يأت به في السنة من برهان , مخالفين طريقة نبي الله وصفيه وطريقة أصحابه خيار خلق الله وأوليائه , مخترعين مبتدعين غير مقتدين ولا متبعين , فقالوا: ما أخذنا التصوف عن القيل والقال لكن عن الجوع وترك الدنيا وقطع المألوفات والمستحسنات (١).
وذكروا أن الجوع هو ركن من أركان التصوف وأساس من أسسه فقال قائلهم: " شأن المزيد كثرة الجوع بطريقة الشرعي , وهو معظم أركان الطريق , فكما أن الشارع جعل معظم الحج عرفة , كذلك أهل الله جعلوا الجوع هو الطريق " (٢).
ونقل النفزي الرندي أن الجوع أحد الأركان الأربعة للتصوف , والبقية هي:
الصمت والخلوة والسهر , ومن حصل عليها فقد حصل على كلية الدواء والتحقق بزمرة الأولياء والبدلاء " (٣).
وقال الشعراني: " كل فقير لا يحصل له جوع ولا عري فهو من أبناء الدنيا , ليس له في طريق الفقراء نصيب " (٤).
وعلى ذلك نقل القشيري عن أبي علي الروذباري أنه قال:
" إذا قال الصوفي بعد خمسة أيام: أن جائع فألزموه السوق وأمروه بالكسب " (٥).
وذكر الكمشخانوي عن الجوع أنه أحد أركان المجاهدة , وبسببه تنفجر ينابيع
стр. 22
الحكمة لأهل السلوك , وهو من صفات أهل الحقيقة.
كما نقل عن سهل بن عبد الله التستري أنه كان يقول:
جعل الله في الشبع الجهل والمعصية , وفي الجوع العلم والحكمة , قال أبو سليمان الداراني:
" مفتاح الدنيا الشبع , ومفتاح الآخرة الجوع , وقال يحيى بن معاذ الرازي: الجوع نور والشبع نار " (١).
والصفوري يمدح الجوع الصوفي بقول قائلهم:
لأن أترك لقمة من عشائي أحب إلي من قيام ليل , والجوع في خزائن الله لا يعطيه إلا لمن أحبه (٢).
وحكى ابن الملقن عن يحيى بن معاذ الرازي المتوفي ٢٥٨ هـ أنه قال:
الزهد ثلاثة أشياء: الخلوة , والقلة , والجوع (٣).
وذكر صوفي قديم أبو عثمان الهجويري في شرف الجوع كلاما كثيرا مع ما ذكر فيه أحاديث واهية موضوعة , فيقول:
" وقوله ﵇: بطن جائع أحب إلى الله من سبعين عابدا غافلا.
أعلم أن للجوع شرفا كبيرا , وهو محمود عند الأمم والملل , لأن خاطر الجائع يكون أحدّ من وجهة الظاهر , وتكون قريحته أكثر تهذيبا , وجسده أصح ومن هيأوا أنفسهم بالرياضة لا يكون لهم شره كبير , لأن الجوع للنفس خضوع , وللقلب خشوع , فجسد الجائع خاضع وقلبه جائع لأن القوة النفسانية تتلاشى به.
وقال رسول الله ﷺ : " أجيعوا بطونكم , واظمئوا أكبادكم , وأعروا أجسادكم , لعل قلوبكم ترى الله عيانا في الدنيا ".
стр. 23
وإذا كان للجسد من الجوع بلاء , فإن للقلب به ضياء , وللروح به صفاء , وللسر لقاء. وحين يدرك السر اللقاء , وتجد الروح الصفاء , ويجد القلب الضياء , فأي ضير إذا لقي الجسد البلاء " (١).
ونقل الشعراني عن الخراز أنه كان يقول:
" الجوع طعام الزاهدين " (٢).
ونقل عن أحمد الرفاعي أنه قال:
" أنا أحب للمريد الجوع والعري والفقر والذل " (٣).
وعلى هذا الأساس نقلوا حكايات وأكاذيب عديدة لتمجيد الجوع وتمجيد المتجوعين والثناء عليهم , أكاذيب واضحة صريحة. فقالوا:
" إن سهل بن عبد الله التستري كان لا يأكل الطعام نيفا وعشرين يوما " (٤).
ومرة قالوا عنه أيضا أنه كان يأكل كل خمسة عشر يوما مرة , فإذا دخل رمضان لم يكن يأكل شيئا إلى يوم العيد (٥).
ومثل ذلك نقلوا عن إبراهيم بن أدهم أيضا (٦).
وروى الطوسي أكثر من ذلك عن أبي عبيد البسري أنه " كان إذا دخل رمضان دخل البيت وسد عليه الباب ويقول لامرأته: " أطرحي كل ليلة رغيفا من كوة في البيت ولا يخرج منه حتى يخرج رمضان , فتدخل امرأته البيت فإذا الثلاثون رغيفا موضوعة في ناحية البيت " (٧).
وأغرب من ذلك أن الهجويري نقل هذه الحكاية عن الطوسي نفسه , وهذه هي ألفاضها:
" إن الشيخ أبا نصر السراج الملقب بطاووس الفقراء وصاحب كتاب " اللمع " ورد
стр. 24
بغداد في شهر رمضان , فأعطوه في مسجد الشونيزية وأسلموا إليه إمامه الدراويش , فأمهم حتى العيد , وكان يختم القرآن خمس مرات في التراويح , وكان الخادم كل ليلة يضع قرصا في الخلوة , فلما كان يوم العيد رحل ﵁ , ونظر الخادم فكانت الثلاثون قرصا في مكانها " (١).
ومن الغرائب أن هذه القصة البسرى بعينها بألفاظها ومدلولاتها , ولو كانت للطوسي نفسه لم يكن ليسردها للآخر.
أو أن الحكايات واحدة من الأولين والآخرين.
وعلى كل فإن المكي أبا طالب زاد عليهما حيث حكى عن أحد المتصوفة أنه وقف على راهب فذاكره بحاله وطمع في إسلامه وترك ما هو عليه من الغرور , فكلمه في ذلك بكلام كثير إلى أن قال له الراهب: فإن المسيح كان يطوي أربعين يوما وأنا معتقد إعجاز هذا , وأنه لا يكون إلا لنبي.
فقال له الصوفي: فإن طويت خمسين يوما ما تترك ما أنت عليه وتدخل في دين الإسلام , وتعلم أن ما نحن عليه حق وأنك على باطل؟
قال: نعم. فقعد عنده لا يبرح ولا يذهب إلا من حيث يراه الراهب إلى أن طوى خمسين يوما. فقال: أزيدك أيضا , فطوى إلى تمام الستين فعجب الراهب منه وأعتقد فضله وفضل دينه وقال: ما كنت أظن أن أحدا يجاوز فعل المسيح ﵇ ولكن هذه أمة تشبه بالأنبياء في العلم والفضل (٢).
وروى ابن الملقن عن أبي بكر الفرغاني:
أنه دخل مصر على هذا الزي , فعرف بها , وأجتمع إليه الصوفية , فتكلم عليهم , فعرض له السفر , فقام من مجلسه , وخرج معه نحو من سبعين منهم , فمشى في يومه فراسخ , لا يعرج على أحد , فأنقطع من كان خلفه , وبقي منهم قليل , فألتفت إليهم وقال: " كأني بكم قد جعتم وعطشتم؟ " , فقالوا: " نعم! " فعدل بهم إلى دير فيه صومعة
стр. 25
راهب , فلما دخلوا أشرف الراهب على أصحابه , وناداهم: " أطعموا رهبان المسلمين! , فإن بهم قلة صبر على الجوع " فغضب من ذلك , ورفع رأسه إليه , وقال: " أيها الراهب هل لك إلى خصلة نتبين بها الصابر والجازع؟ " , قال: " وما ذاك؟ " قال: " تنزل من صومعتك , فتتناول من الطعام ما أحببت , ثم تدخل معي بيتا , ونغلق علينا الباب , ويُدَلّى لنا من الماء قدر ما نتطهر به , فأول من يظهر جزعه , ويستغيث من جوعه , ويستفتح الباب , يدخل في دين صاحبه كائنا من كان , على أنني منذ ثلاث لم أذق ذواقا ". قال الراهب: " لك ذلك ". فنزل من صومعته , وأكل ما أحب وشرب , ثم دخل مع أبي بكر بيتا , وغُلِّق الباب عليهما , والصوفية والرهبان يرصدونهما , لا يسمع لهما حس أربعين يوما. فلما كان في اليوم الحادي والأربعين سمعوا حسحسة الباب , وقد تعلق أحد به , ففتحوا , فإذا الراهب قد تلف جوعا وعطشا , وإذا هو يستغيث بهم إشارة , فأسقوه , وأتخذوا له حريرة , فصبوها في حلقه , والفرغاني ينظر إليهم (١).
وروى أحدهم عن أبي محمد الباثغري أنه مضى عليه ثمانون يوما لم يطعم فيها شيئاً (٢).
وذكر أصحاب الطبقات الصوفية عن أحد المتصوفة في الهند شاه ميان جي بيغ أنه كان يعتكف من غرة رجب إلى العاشور من محرم مغلقا عليه أبواب الحجرة , وكان يمكث فيها ستة أشهر بلا ماء ولا طعام , وقد مات سنة ٨٨٩هـ (٣).
ونقلوا مثل ذلك عن شاه كمال البغدادي الهندي المتوفى سنة ٩٢١ هـ (٤).
وحكى ابن الملقن عن مفرج الدماميني أنه لما أشترى - وكان عبدا - مكث ستة أشهر لا يأكل ولا يشرب (٥).
فاستقلوا هذه المدة أيضا فنقلوا عن البسطامي أنه قال:
стр. 26
" دعوت نفسي إلى شيء من الطاعات فلم تجبني , فمنعتها عن الماء سنة " (١).
أين هذا من إبراهيم بن أدهم حيث ذكروا عنه أنه " أول دخوله الطريق سنة لا أكل ولا شرب ولا نام " (٢).
ومن الشيخ الجيلاني حيث نقل عنه الشعراني أنه " مكث بداية أمره سنة لا يأكل ولا يشرب ولا ينام " (٣).
ولم يكتفوا بهذه المدة أيضا حتى قال كبير القوم أبو القاسم القشيري رواية عن السلمي أنه قال بإسناده عن أبي عقال المغربي أنه أقام بمكة أربع سنين لم يأكل ولم يشرب إلى أن مات (٤).
فهل هذا معقول يا عباد الله؟
وهل هذا من الدين؟
وهل أمرنا رسول الله ﷺ بأن نأتي مثل هذه الشعبذات؟ أو كان أحد من أصحابه يأتي بمثل هذه النيرنجيات والطلمسات والمخاريق؟ ولكن القوم يعدونها من لوازم الولاية والكرامة , فيخترعون القصص ويبدعون في اختلاقها , وينسجون الأساطير ويسردون الأباطيل , ويحشونها بالكذب المحض ويغلون ويبالغون فيه.
فمن الغرائب أن أبا النصر السراج الطوسي جاوز الحدود فقال:
" رأيت إنسانا من الصوفية مكث سبع سنين لم يشرب الماء " (٥).
وقال واحد من هؤلاء:
" إن الشيخ بديع المتوفى سنة ٨٤٠ هـ الذي يعد من كبار المشائخ وأولياء الهند
стр. 27
وحائزا على مقام الصمدية لم يذق طعاما مدة إثني عشر عاما " (١).
وكتب الآخر وهو فريد الدين مسعود المتوفى ٦٦٤هـ بأنه وقف على رجليه في عالم الاستغراق عشرين سنة لم يجلس فيها ولم يأكل شيئا (٢).
وأما عبد العزيز الدريني المتوفى ٦٩٧هـ فلم يستكثر هذا , بل نقل عن أبي هند أنه صام أربعين سنة ولم يعلم الناس ولا أهل بيته , كان يأخذ الخبز ويخرج فيتصدق به فيظن الناس أنه يأكل في البيت , ويظن أهل بيته أنه يأكل مع الناس (٣)
هذا ورووا في فضل التجوع روايات كتلك الحكايات واهية باطلة , مختلقة مصطنعة , مثل ما ذكر الكمشخانوي أن عمر بن عبد العزيز أجاع صنفا من الطير أربعين صباحا ثم طاروا في الهواء ورجعوا رائحة المسك تفوح منها.
قال القشيري: لا يبعد أنها وصلت إلى الجنة.
وروى عن النبي ﷺ أنه قال: من عرف الله وعظمه منع فاه من الكلام وبطنه من الطعام (٤).
كما روى الآخر عنه ﵊ أنه قال:
" بطن جائع أحب إلى الله من سبعين عابدا غافلا " (٥).
وروى الصفوري الشافعي عنه ﷺ " أفضلكم عند الله منزلة أطولكم جوعا " (٦).
وأيضاً " من أجاع بطنه عظمت فكرته وفطن قلبه " (٧).
و" نوَروا قلوبكم بالجوع وخشن الثياب " (٨).
стр. 28
ونقل ابن عجيبة الحسني عن أبي سليمان الداراني أنه قال:
" أحلى ما تكون العبادة إذا لصق ظهري ببطني " (١).
ومثل هذا ورد عن القوم في ترك الماء البارد والعذب , واجتناب اللحم , والتحرز عن الطيبات , فيقولون:
" من شرب الماء لم يشتق إلى الجنة " (٢).
وروى الكلاباذي والقشيري عن الجنيد أنه قال:
" دخلت يوما على السري السقطي وهو يبكي فقلت له: ما يبكيك؟
فقال: جاءتني البارحة الصبية فقالت:
يا أبتي , هذه ليلة حارة , وهذا الكوز أعلقه ها هنا.
ثم أني حملتني عيناي فنمت , فرأيت جارية من أحسن الخلق الخلق قد نزلت من السماء , فقلت: لمن أنت؟
فقالت: لمن لا أشرب الماء المبرد في الكيزان.
فتناولت الكوز فضربت به الأرض فكسرته.
قال الجنيد: فرأيت الخزف لم يرفعه ولم يمسه , حتى عفا عليه التراب (٣).
وأما الشعراني فروى عن بعض مشايخ الصوفية أنه كان يقول:
" مثقال ذرة من لحم تقسي القلب أربعين صباحا " (٤).
وهناك حكايات أخرى سردها النفزي الرندي المتوفى ٧٩٢ هـ , منها ما نقله عن إبراهيم الخواص أنه قال:
" كنت في جبل " لكام " فرأيت رمانا (فاشتهيته , فدنوت منه فأخذت واحدة
стр. 29
فشققتها , فوجدتها حامضة قضيت وتركت الرمان , فرأيت رجلا مطروحا قد أجتمعت عليه الزنانير فقلت: السلام عليك , فقال: وعليك السلام يا إبراهيم , فقلت: كيف عرفتني؟ فقال: من عرف الله لم يخف عليه شيء وفقلت: أرى لك حالا مع الله تعالى , فلو سألته أن يحميك ويقيك من هذه الزنانير!! فقال: وأرى لك حالا مع الله تعالى , فلو سألته أن يحميك ويقيك من شهوة الرمان , فإن لذع (شهوة) الرمان يجد الإنسان ألمه في الآخرة. ولدغ عن الزنانير يجد ألمه في الدنيا ".
وقال السري رضي الله تعالى عنه: " إن نفسي تطالبني منذ ثلاثين سنة أو أربعين سنة أن أغمس جزرة في دبس فما أطعمتها " , فلما كان ترك الشهوات والتنعمات من شأن المريد ومن مقتضى حاله لزمه الوفاء به وكان عمله على خلافه نقضا وفسخا , كما تقدم.
قال جعفر بن نصير , رضي الله تعالى عنه: " دفع إليَّ الجنيد درهما وقال أشتر به التين الوزيري فاشتريته , فلما أفطر أخذ واحدة ووضعها في فمه ثم ألقاها , وبكى , وقال: أحمله!! فقلت له في ذلك , فقال: هتف بي هاتف أما أستحي شهوة تركتها من أجله ثم تعود إليها!
وقال عتبة الغلام لعبد الواحد بن زيد ﵄: إن فلانا يصف من قلبه منزلة ما أعرفها. قال: لأنك تأكل مع خبزك تمرا وهو لا يزيد على الخبز شيئا. فقلت: إن كنتُ تركتُ أكل التمر عرفتُ تلك المنزلة؟ قال: نعم وغيرها. فأخذ يبكي , فقال له بعض أصحابه: لا أبكى الله عينيك , أعلى التمر تبكي؟ فقال عبد الواحد: دعه فإن نفسه قد عرفت صدق عزمه في الترك , هو إذا ترك شيئا لم يعاود فيه أبداً ".
وقال أحمد بن الجواري: " أشتهى أبو سليمان الداراني , رضي الله تعالى عنه , رغيفا حاراً بملح فجئت به إليه , فعض منه عضةً , ثم طرح الرغيف , وقال: عَجِلَت إلى شهوتي بعد إطالة جهدي وشقوتي , قد عزمت على التوبة فأقبلني , قال أحمد: " فما رأيته أكل الملح حتى لقي الله تعالى ".
قال أبو تراب النخشبي , ﵁: " ما تمنت نفسي شهوة من الشهوات إلا مرة واحدة تمنت خبزا وبيضا وأنا على سفر , فعدلت إلى قرية , فقام واحد وتعلق بي وقال: هذا كان مع اللصوص , فضربوني سبعين دِرِّة , ثم عرفني رجل منهم , فقال:
стр. 30
هذا أبو تراب النخشبي , فأعتذروا إليَّ , فحملني رجل منهم منزله , وقدم إليَّ خبزا وبيضا , فقلت في نفسي: كلي بعد سبعين درة ".
وقال بعضهم: أشتهى أبو الخير العسقلاني , رضي الله تعالى عنه , السمك سنين ثم ظهر له ذلك من موضع حلال , فلما مدّ يده إليه ليأكل دخلت شوكة من عظامه أصبعه , فذهبت في ذلك يده , فقال ك " يا رب , هذا لمن مد يده بشهوة إلى حلال فكيف بمن مد يده بشهوة إلى حرام؟ ".
كما رووا عن أبي الخير الأقطع أنه " عقد مع الله عقداً أن لا يمد يده إلى شيء مما تنبت الأرض بشهوة , فنسي وتناول عنقودا من شجرة البطم , فبينما هو يلوكه إذ تذكر العقد فرمى بالعنقود وبقي ما في فمه , فبصقه وجلس نادما , قال: فما أستقر بي الجلوس حتى دار بي فرسان ورجال وقالوا: قم. فساقوني إلى أن أخرجوني إلى ساحل بحر إسكندرية! فرأيت هناك أميرا وبين يديه سودان قد قطعوا الطريق فوجدوني أسود اللون ومعي ترس وحربة فقالوا: هذا منهم بلا شك , فقطع أيديهم وأرجلهم إلى أن وصل إليّ فقال لي: قدّم يدك , فمددتها ثم رفعت رأسي وقلت: إلهي وسيدي ومولاي , يدي جنت فرجلي ماذا صنعت؟
فدخل عليه فارس ورمى بنفسه على الأمير وقال: هذا رجل صالح يعرف بأبي الخير التبناتي , فرمى الأمير نفسه إلى الأرض وأخذ يدي المقطوعة من الأرض يقبلها , وتعلق بي يبكي ويعتذر إلي , فقلت له: جعلتك في حل من أول ما قطعتها , وقلت: يد جنت فقطعت (١).
فهكذا حرّم الصوفية على أنفسهم أكل الطيبات وابتعدوا عنها زعماً منهم أن هذا الصنيع سيرقبهم إلى الله تعالى , وأنى لهم ذلك.
هذا وكتب السهروردي أن الصوفية عودوا أنفسهم بتقليل المطعم حتى رد بعضهم نفسه إلى أقلّ قوتها , فيقول:
стр. 31
" ومن الصالحين من كان يعير القوت بنوى التمر وينقص كل ليلة نواة.
ومنهم من كان يعير بعود رطب , وينقص كل ليلة نواة.
ومنهم من كان يعير بعود رطب وينقص كل ليلة بقدر نشاف العود.
ومنهم من كان ينقص كل ليلة ربع سبع الرغيف حتى يفنى الرغيف في شهر (١).
ونقل كذلك عن الزاهد خليفة أنه كان يأكل في كل شهر لوزة (٢)
وروى النفزي الرندي عن بعضهم أنه مكث خمسين سنة , لم يزد على زبيبة كل يوم (٣).
وحكى النبهاني في كتابه عن سهل أنه كان قوته في السنة بدرهم شعير بغير ملح ولا أدم (٤).
وهذا كله رغم ما ورد في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ما يخالف صنيعهم ويعارض طريقهم حيث قال الرب ﵎ في كلامه:
﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (٥).
وإن رسول الله ﷺ كان يحب الحلواء والعسل (٦).
وعن عبد الله بن جعفر أنه قال: (رأيت النبي ﷺ يأكل الرطب بالقثاء) (٧).
وعن عمرو بن أمية أنه رأى النبي ﷺ يحتز من كتف شاة في يده , فدعى إلى الصلاة فألقاها والسكين التي يحتز بها , ثم قام فصلى , ولم يتوضأ (٨).
وعن أنس , أن خياطا دعا النبي ﷺ لطعام صنعه , فذهبت مع
стр. 32
النبي ﷺ فقرب خبز شعير ومرقا فيه دباء وقديد , فرأيت النبي ﷺ يتتبع الدباء من حوالي القصعة , فلم أزل أحب الدباء بعد يومئذ (١).
وعن جابر , أن النبي ﷺ سأل أهله الأدم فقالوا: ما عندنا إلا خل , فدعا به , فجعل يأكل به ويقول:
﴿نعم الإدام الخل , نعم الأدام الخل﴾ (٢).
وعن أبي أيوب قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتى بطعام أكل منه وبعث بفضله إلي ّ (٣).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: " أتى رسول الله بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهس منها " (٤).
وعن ابن عباس , قال: " كان أحبّ الطعام إلى رسول الله ﷺ الثريد من الخبز , والثريد من الحيس " (٥).
وعن أبي أسيد الأنصاري , قال: قال رسول الله ﷺ ﴿كلوا الزيت وأدهنوا به , فإنه من شجرة مباركة﴾ (٦).
وعن عائشة , أن النبي ﷺ كان يأكل البطيخ بالرطب (٧).
وعن ابني بسر السلميين , قالا: دخل علينا رسول الله ﷺ فقدمنا زبدا وتمرا , وكان يحب الزبد والتمر (٨).
وعن عكراش بن ذؤيب , قال: أتينا بجفنة كثيرة الثريد والوذر , فخبطت بيدي في نواحيها , وأكل رسول الله ﷺ من بين يديه , فقبض بيده اليسرى على يدي اليمنى ثم قال: يا عكراش , كل من موضع واحد فإنه طعام واحد , ثم أتينا بطبق
стр. 33
فيه ألوان التمر , فجعلت آكل من بين يديّ , وجالت يد رسول الله ﷺ في الطبق , فقال يا عكراش: كل من حيث شئت , فإنه غير لون واحد (١).
وعن جابر أن النبي ﷺ دخل على رجل من الأنصار , ومعه صاحب له , فسلّم فردّ الرجل وهو يحوّل الماء في حائط , فقال النبي ﷺ : (إن كان عندك ماء بات في شنّة وإلا كرعنا؟)
فقال: عندي ماء بات في شنّ , فانطلق إلى العريش فسكب في قدح ماء , ثم حلب عليه من داجن , فشرب النبي ﷺ ثم أعاد فشرب الرجل الذي جاء معه (٢).
وعن الزهري عن عروة عن عائشة , قالت: كان أحب الشراب إلى رسول الله ﷺ الحلو البارد (٣).
وعن عائشة , قالت: كان النبي ﷺ يستعذب له الماء من السقيا , قيل هي عين بينها وبين المدينة يومان (٤).
وعن أنس , قال: لقد سقيت رسول الله ﷺ بقدحي هذا الشراب كله العسل والنبيذ والماء واللبن (٥).
وعن عائشة , قالت: كنا نبيذ لرسول الله ﷺ في سقاء يوكأ أعلاه , وله عزلاه, ننبذ غدوة فيشربه عشاء , وننبذ عشاء فيشربه غدوة (٦).
وأخيرا ما قاله رسول الله ﷺ :
(المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف) (٧).
стр. 34
وخير ما ورد في هذا أن رسول الله ﷺ إذا وجد أكل وشرب وشكر , وإذا لم يجد ما يأكله ويشربه فصبر , ولم يكن يرد موجودا كما لم يكن يتكلف مفقودا , وما أحسن ما كتبه الحافظ ابن قيم الجوزية ﵀ عن هدية ﷺ وسيرته في الطعام فقال:
" كان هديه وسيرته في الطعام لا يرد موجودا ولا يتكلف مفقودا فما قرب إليه شيء من الطيبات إلا أكله إلا أن تعافه نفسه فيتركه من غير تحريم وما عاب طعاما قط إن أشتهاه أكله وإلا تركه كما ترك أكل الضب لما لم يعتده ولم يحرمه على الأمة بل أكل على مائدته وهو ينظر وأكل الحلوى والعسل وكان يحبهما وأكل لحم الجزور والضأن والدجاج ولحم الحبارى ولحم الوحش والأرنب وطعام البحر وأكل الشوي وأكل الرطب والتمر وشرب اللبن خالصا ومشوبا والسويق والعسل بالماء وشرب نقيع التمر وأكل الخزيرة وهي حساء يتخذ من اللبن والدقيق وأكل القثاء بالرطب وأكل الإقط وأكل التمر بالخبز وأكل الخبز بالخل وأكل الثريد وهو الخبز باللحم وأكل الخبز بالأهالة وهي الودك وهو الشحم المذاب وأكل من الكبد المشوبة وأكل القديد وأكل الدباء المطبوخة وكان يحبها وأكل المسلوقة وأكل الثريد بالسمن وأكل الجبن وأكل الخبز بالزيت وأكل البطيخ بالرطب وأكل التمر بالزبد وكان يحبه ولم يكن يد طيبا ولا يتكلفه بل كان هديه أكل أكل ما تيسر فإن أعوزه صبر حتى أنه ليربط على بطنه الحجر من الجوع ويرى الهلال والهلال والهلال ولا يوقد في بيته نار وكان معظم مطعمه يوضع على الأرض في السفر وهي كانت مائدته وكان يأكل بأصبعه الثلاث ويلعقها إذا فرغ , وهو أشرف ما يكون من الأكلة , فإن المتكبر يأكل بإصبع واحد , والجشع الحريص يأكل بالخمس ويدفع بالراحة , وكان لا يأكل متكئاً " (١).
ولكن القوم عكسوا الموضوع فحرموا ما أحل الله , وتعنتوا وتطرفوا في ترك الطعام والشراب , وأسسوا أسسا وأصلوا قواعد لا وجود لها في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ولا في سيرة أصحابه خيار خلق الله وأبرار هذه الأمة المغفورة لها
стр. 35
, لم يأخذوها إلا من البراهمة ورهبنة النصارى (١).
ومن تطرفات القوم وتعنتهم في هذا أيضا ما رواه الغزالي أن مالك بن دينار مرض مرضه الذي مات فيه , فأشتهى قدحاً من العسل واللبن ليثرد فيه رغيفا حارا , فمضى الخادم وحمل إليه , فأخذه مالك بن دينار ونظر فيه ساعة وقال: " يا نفس قد صبرت ثلاثين سنة , وقد بقي من عمرك ساعة , ورمى القدح من يديه , وصبر نفسه ومات " (٢).
فهل هذا من الدين يا ترى , وهل هذا هو الزهد الذي يدندنون حوله ويطبلون؟
ولقد روى القشيري مثل هذا عن بشر بن الحارث " أنه أشتهى الباقلاء سنين فلم يأكله فرؤي في المنام بعد وفاته فقيل له: ما فعل الله بك؟
قال: فغفر لي , وقال (أي الرب): كل يا من لم يأكل , وأشرب يا من لم يشرب (٣).
وقبله السلمي روى طبقاته عن بشر هذا أنه قال:
" إني لأشتهي الشواء منذ أربعين سنة , فما صفا لي درهمه.
وقال له رجل: لا أدري بأي شيء آكل خبزي؟
فقال له: أذكر العافية وأجعلها أدامك " (٤).
وروى ابن الملقن ابن أبي عبد الله المغربي المتوفي ٢٩٩هـ أنه مكث سنين كثيرة لا يأكل ما وصلت إليه أيدي بني آدم (٥).
وذكر الكمشخانوي أن أبا تراب النخشبي كان يأكل من البصرة إلى مكة أكلة واحدة (٦).
стр. 36
وقال الشعراني:
" راضى الصوفية أنفسهم بالجوع حتى صارت تصبر على الطعام أربعين يوما وأكثر , وبعضهم حجّ من مصر بأربعة أرغفة حملها معه أكل في كل ربع من الطريق رغيفا , وبعضهم حجّ برغيفين , رغيف أكله بمكة ورغيف أكله في العقبة , وبعضهم أكل في مصر من يوم خروج الحجاج فلم يأكل شيئا حتى رجع مصر " (١).
والصوفي الفارسي الباخرزي المتوفى سنة ٧٣٦ هـ كتب أن المشائخ قالوا:
" لا تأكل ما تشتهي , وأن تأكل لا تطلبه , وأن تطلبه لا تتزين به , وقالوا: ما فوق الخبز فهو شهوة ولو كان ملحاً , ولكن البعض يقولون: أن الخبز من كبرى المشتهيات , وأعلاها اللحم والحلوى , وأدناها الملح والخلّ " (٢).
ونقل ابن عجيبة الحسنى عن سهل التستري أنه قال:
" لأن أترك من عشائي لقمة أحب إليّ من قيام ليلة " (٣).
ونقل العطار عن سري السقطي أنه كان يقول:
" منذ أربعين سنة تتمنى نفسي شرب العسل ولكني لم أجبها " (٤).
وعلى ذلك يتركون التكسب ويرونه من المبغضات بل المنكرات والمحرمات , ويأمرون بالتسول والاستجداء أو الكسل والخمول مع أنه من سنة رسول الله وسنة خلفائه الراشدين المهديين بعده , الذين أمر المؤمنين بإقتدائه وأتباع سنتهم , وهو سنة أصحاب رسول الله ﷺ عامة إلا من أعوز الفقر أو اقعدته الملمات.
والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة لا تعد ولا تحصى , نذكر منها ما رواه المقداد بن معد يكرب أنه قال:
قال رسول الله ﷺ : (ما أكل أحد طعاما قط خيراً من أن يأكل من
стр. 37
عمل يديه , وأن نبي الله داود ﵇ كان يأكل من عمل يديه) (١).
وروت عائشة عن النبي ﷺ أنه قال:
(إن أطيب ما أكلتم , من كسبكم , وأن أولادكم من كسبكم) (٢).
وقال ﷺ :
(إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه , وولده من كسبه) (٣).
وعن رافع بن خديج أنه قال:
قيل يا رسول الله , أي الكسب أطيب؟
قال: (عمل الرجل بيده , وكل بيع مبرور) (٤).
وعن أبي سعيد عن النبي ﷺ أنه قال:
(التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء) (٥).
وأخيرا ما رواه الزبير بن العوام عن رسول الله ﷺ أنه قال:
(لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة حطب على ظهره فيبيعها فيكفّ الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس , أعطوه أو منعوه) (٦).
وفي هذا المعنى ما رواه أبو داود وابن ماجة أن رجلا من الأنصار أتى النبي ﷺ يسأله , فقال: أما في بيتك شيء؟
فقال: بلى , حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه , وقعب نشرت فيه من الماء , قال: أئتني بهما , فأتاه بهما , فأخذهما رسول الله بيده وقال: من يشتري هذين؟
قال رجل: أنا آخذهما بدرهم , قال: من يزيد على درهم؟ مرتين أو ثلاثا , قال
стр. 38
رجل: أنا آخذهما بدرهمين , فأعطاهما إياه. فأخذ الدرهمين فأعطاهما الأنصاري , وقال: أشتر بأحدهما طعاما فأنبذه إلى أهلك , وأشتر بالآخر قدوما , فأتني به , فأتاه به , فشد فيه رسول الله ﷺ عوداً بيده , ثم قال: أذهب فاحتطب وبع , ولا أرينك خمسة عشر يوماً , فذهب الرجل يحتطب ويبيع , فجاءه وقد أصاب عشرة دراهم فأشترى ببعضها ثوبا وببعضها طعاما.
فقال رسول الله ﷺ : (هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة , إن المسألة لاتصلح إلا لثلاثة: لذي فقر مدقع , أو لذي غرم مفظع , أو لذي دم موجع) (١).
وعن أبي سعيد أنه قال: قال رسول الله ﷺ :
(إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي) (٢).
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ :
(لا حسد إلا في أثنتين: رجل أعطاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار , ورجل أعطاه الله مالا فهو ينفق منه آناء الليل وآناء النهار) (٣).
وعن أبي مسعود قال: قال رسول الله ﷺ :
(إذا أنفق المسلم نفقة على أهله وهو يحتسبها كانت له صدقة) (٤).
وعن أبي هريرة قال: يا رسول الله , أي الصدقة أفضل؟
قال: (جهد المقل وأبدأ بمن تعول) (٥).
فهذا ما قاله رسول الله ﷺ وثبت عنه في فضل الكسب والمكتسب , وهو أزهد العالمين وأتقاهم لله , وقد أقر بذلك الطوسي حيث قال:
стр. 39
" إن التكسب من سنة رسول الله ﷺ , نقل عن سهل بن عبد الله أنه قال: من طعن على لاكتساب فقد طعن على السنة , كما نقل عن عبد الله بن المبارك أنه كان يقول: لا خير فيمن لا يذوق ذل المكاسب, وأيضا مكاسبك لا تمنعك عن التفويض والتوكل إذا لم تضيعها في كسبك " (١).
ولكن المتصوفة يقولون عكس ما قاله الرسول وما أمر به وما ورد في كتاب الله , فيقولون: " من طلب معاشا فقد ركن إلى الدنيا " (٢).
وأبو نصر السراج الطوسي الذي أقر بكون التكسب سنة رسول الله ﷺ هو الذي نقل عن ذي النون المصري أنه قال:
" إذا طلب العرف المعاش فهو لاشيء " (٣).
كما ذكر أن رسول الله ﷺ لم يأمر أصحابه بطلب المعاش (٤).
ظنا منه بأن " الكسب رخصة وأباحه لمن لم يطلق حال التوكل " (٥).
وهذا غلط وفاسد لأن التوكل ليس معناه الترك , بل معناه الجد والعزم , ثم الإعتماد على الله بأنه وحده يثمر الجهود ويقللها من النجاح , لا الإنسان , وهذا معنى قوله ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (٦).
ولكن ابن محمد الشطا الدمياطي يقول:
" أترك الكسب حال كونك متجرداً عن الأهل والأولاد " (٧).
وذكروا عن ابن السماك أنه كان يقول:
" لا تشتغل بالرزق المضمون عن العمل المفروض , وكن اليوم مشغولا بما أنت
стр. 40
عليه مسئول غدا , وإياك والفضول فإن حسابها يطول.
إني علمت وخير العلم أنفعه ... إن الذي هو رزقي سوف يأتيني
أسعى إليه فيعييني تطلبه ... ولو قعدت أتاني لا يعديني (١).
وحكوا في كتبهم عن أويس القرني أنه لقيه هرم بن حبان على شاطئ الفرات يغسل كسرا وخرقا قد التقطها من المنبوذ , وكان ذلك أكله ولباسه , قال: فسألته عن الزهد أي شيء هو؟
فقال: في أي شيء خرجت؟
قلت: أطلب المعاش , فقال: إذا وقع الطلب ذهب الزهد (٢).
وذكر السهروردي عن أبي يزيد البسطامي أنه قيل له: ما نراك تشتغل بالكسب؟
فمن أين معاشك؟
فقال: مولاي يرزق الكلب والخنزير تراه لا يرزق أبا يزيد (٣).
ويقول السهروردي أيضا:
" إذا كمل شغل الصوفي بالله وكمل زهده لكمال تقواه بحكم الوقت عليه بترك التسبّب (٤).
ونقل عبد الرحمن الجامي الصوفي الفارسي الكبير عن إبراهيم بن أدهم أنه قال لشخص أتريد أن تكون وليا من أولياء الله؟
فقال: نعم.
فقال له: لا ترغب في شيء من الدنيا والآخرة (٥).
وذكر الفيتوري عن فتح الله بوراس القيرواني أنه كان من أهل التوكل ولا يكتسب من الدنيا شيئا , ولا قبضت يده منجلا يحصد به الزرع , ولا جعل محراثا يحرث في أرض