← Акыда

Акыда · id 12798

دراسات في التصوف

إحسان إلهي ظهير

Полный текст (342 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وقال الشعراني: " راضى الصوفية أنفسهم بالجوع حتى صارت تصبر على الطعام أربعين يوما وأكثر , وبعضهم حجّ من مصر بأربعة أرغفة حملها معه أكل في كل ربع من الطريق رغيفا , وبعضهم حجّ برغيفين , رغيف أكله بمكة ورغيف أكله في العقبة , وبعضهم أكل في مصر من يوم خروج الحجاج فلم يأكل شيئا حتى رجع مصر " (١). والصوفي الفارسي الباخرزي المتوفى سنة ٧٣٦ هـ كتب أن المشائخ قالوا: " لا تأكل ما تشتهي , وأن تأكل لا تطلبه , وأن تطلبه لا تتزين به , وقالوا: ما فوق الخبز فهو شهوة ولو كان ملحاً , ولكن البعض يقولون: أن الخبز من كبرى المشتهيات , وأعلاها اللحم والحلوى , وأدناها الملح والخلّ " (٢). ونقل ابن عجيبة الحسنى عن سهل التستري أنه قال: " لأن أترك من عشائي لقمة أحب إليّ من قيام ليلة " (٣). ونقل العطار عن سري السقطي أنه كان يقول: " منذ أربعين سنة تتمنى نفسي شرب العسل ولكني لم أجبها " (٤). وعلى ذلك يتركون التكسب ويرونه من المبغضات بل المنكرات والمحرمات , ويأمرون بالتسول والاستجداء أو الكسل والخمول مع أنه من سنة رسول الله وسنة خلفائه الراشدين المهديين بعده , الذين أمر المؤمنين بإقتدائه وأتباع سنتهم , وهو سنة أصحاب رسول الله ﷺ عامة إلا من أعوز الفقر أو اقعدته الملمات. والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة لا تعد ولا تحصى , نذكر منها ما رواه المقداد بن معد يكرب أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (ما أكل أحد طعاما قط خيراً من أن يأكل من

стр. 37

عمل يديه , وأن نبي الله داود ﵇ كان يأكل من عمل يديه) (١). وروت عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: (إن أطيب ما أكلتم , من كسبكم , وأن أولادكم من كسبكم) (٢). وقال ﷺ : (إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه , وولده من كسبه) (٣). وعن رافع بن خديج أنه قال: قيل يا رسول الله , أي الكسب أطيب؟ قال: (عمل الرجل بيده , وكل بيع مبرور) (٤). وعن أبي سعيد عن النبي ﷺ أنه قال: (التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء) (٥). وأخيرا ما رواه الزبير بن العوام عن رسول الله ﷺ أنه قال: (لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة حطب على ظهره فيبيعها فيكفّ الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس , أعطوه أو منعوه) (٦). وفي هذا المعنى ما رواه أبو داود وابن ماجة أن رجلا من الأنصار أتى النبي ﷺ يسأله , فقال: أما في بيتك شيء؟ فقال: بلى , حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه , وقعب نشرت فيه من الماء , قال: أئتني بهما , فأتاه بهما , فأخذهما رسول الله بيده وقال: من يشتري هذين؟ قال رجل: أنا آخذهما بدرهم , قال: من يزيد على درهم؟ مرتين أو ثلاثا , قال

стр. 38

رجل: أنا آخذهما بدرهمين , فأعطاهما إياه. فأخذ الدرهمين فأعطاهما الأنصاري , وقال: أشتر بأحدهما طعاما فأنبذه إلى أهلك , وأشتر بالآخر قدوما , فأتني به , فأتاه به , فشد فيه رسول الله ﷺ عوداً بيده , ثم قال: أذهب فاحتطب وبع , ولا أرينك خمسة عشر يوماً , فذهب الرجل يحتطب ويبيع , فجاءه وقد أصاب عشرة دراهم فأشترى ببعضها ثوبا وببعضها طعاما. فقال رسول الله ﷺ : (هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة , إن المسألة لاتصلح إلا لثلاثة: لذي فقر مدقع , أو لذي غرم مفظع , أو لذي دم موجع) (١). وعن أبي سعيد أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي) (٢). وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (لا حسد إلا في أثنتين: رجل أعطاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار , ورجل أعطاه الله مالا فهو ينفق منه آناء الليل وآناء النهار) (٣). وعن أبي مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أنفق المسلم نفقة على أهله وهو يحتسبها كانت له صدقة) (٤). وعن أبي هريرة قال: يا رسول الله , أي الصدقة أفضل؟ قال: (جهد المقل وأبدأ بمن تعول) (٥). فهذا ما قاله رسول الله ﷺ وثبت عنه في فضل الكسب والمكتسب , وهو أزهد العالمين وأتقاهم لله , وقد أقر بذلك الطوسي حيث قال:

стр. 39

" إن التكسب من سنة رسول الله ﷺ , نقل عن سهل بن عبد الله أنه قال: من طعن على لاكتساب فقد طعن على السنة , كما نقل عن عبد الله بن المبارك أنه كان يقول: لا خير فيمن لا يذوق ذل المكاسب, وأيضا مكاسبك لا تمنعك عن التفويض والتوكل إذا لم تضيعها في كسبك " (١). ولكن المتصوفة يقولون عكس ما قاله الرسول وما أمر به وما ورد في كتاب الله , فيقولون: " من طلب معاشا فقد ركن إلى الدنيا " (٢). وأبو نصر السراج الطوسي الذي أقر بكون التكسب سنة رسول الله ﷺ هو الذي نقل عن ذي النون المصري أنه قال: " إذا طلب العرف المعاش فهو لاشيء " (٣). كما ذكر أن رسول الله ﷺ لم يأمر أصحابه بطلب المعاش (٤). ظنا منه بأن " الكسب رخصة وأباحه لمن لم يطلق حال التوكل " (٥). وهذا غلط وفاسد لأن التوكل ليس معناه الترك , بل معناه الجد والعزم , ثم الإعتماد على الله بأنه وحده يثمر الجهود ويقللها من النجاح , لا الإنسان , وهذا معنى قوله ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (٦). ولكن ابن محمد الشطا الدمياطي يقول: " أترك الكسب حال كونك متجرداً عن الأهل والأولاد " (٧). وذكروا عن ابن السماك أنه كان يقول: " لا تشتغل بالرزق المضمون عن العمل المفروض , وكن اليوم مشغولا بما أنت

стр. 40

عليه مسئول غدا , وإياك والفضول فإن حسابها يطول. إني علمت وخير العلم أنفعه ... إن الذي هو رزقي سوف يأتيني أسعى إليه فيعييني تطلبه ... ولو قعدت أتاني لا يعديني (١). وحكوا في كتبهم عن أويس القرني أنه لقيه هرم بن حبان على شاطئ الفرات يغسل كسرا وخرقا قد التقطها من المنبوذ , وكان ذلك أكله ولباسه , قال: فسألته عن الزهد أي شيء هو؟ فقال: في أي شيء خرجت؟ قلت: أطلب المعاش , فقال: إذا وقع الطلب ذهب الزهد (٢). وذكر السهروردي عن أبي يزيد البسطامي أنه قيل له: ما نراك تشتغل بالكسب؟ فمن أين معاشك؟ فقال: مولاي يرزق الكلب والخنزير تراه لا يرزق أبا يزيد (٣). ويقول السهروردي أيضا: " إذا كمل شغل الصوفي بالله وكمل زهده لكمال تقواه بحكم الوقت عليه بترك التسبّب (٤). ونقل عبد الرحمن الجامي الصوفي الفارسي الكبير عن إبراهيم بن أدهم أنه قال لشخص أتريد أن تكون وليا من أولياء الله؟ فقال: نعم. فقال له: لا ترغب في شيء من الدنيا والآخرة (٥). وذكر الفيتوري عن فتح الله بوراس القيرواني أنه كان من أهل التوكل ولا يكتسب من الدنيا شيئا , ولا قبضت يده منجلا يحصد به الزرع , ولا جعل محراثا يحرث في أرض

стр. 41

بادية ولا حاضرة ولا وجبت عليه زكاة الفطر قط (١). وقال ابن عجيبة الحسني: " التصوف مبني على ثلاث خصال: التمسك بالفقر والافتقار , والتحقق بالبذل والإيثار , وترك التدبير والاختيار .... والصوفي الصادق علامته أن يفتقر بعد الغنى , ويذل بعد العز , ويخفى بعد شهرة " (٢). ونقل الجامي عن إبراهيم الهروي أنه قال: " من أراد أن يبلغ كل الشرف فليختر سبعا على سبع: الفقر على الغنى , والجوع على الشبع , والدون على المرتفع , والذل على العز , والتواضع على الكبر , والحزن على الفرح , والموت على الحياة " (٣). ومثله في غيث المواهب (٤). وكتب فريد الدين عطار حكاية عن إبراهيم بن أدهم أنه قال لأحد أثناء طوافه حول الكعبة لا تصلح أن تعد الصالحين ما لم تغلق على نفسك باب العز والغنى , وتفتح باب الذل والفقر (٥). فهكذا أعرض الصوفية عن التكسب والأشغال بطلب الرزق بظن منهم أن هذه هي تعاليم الإسلام - وحاشاه من ذلك - وهكذا حثوا الناس على التمسك بالفقر والذل , واختيار الخمول والكسل. هذا , ومن تطرفات المتصوفة التعري وتعذيب النفس والجسم , ولقد ذكرنا منها روايات وحكايات عديدة في كتابنا " التصوف: المنشأ والمصادر " (٦). ونورد ههنا في بيان تقشفهم وتعنتهم وغلوهم في ترك الطيبات التي أحلها الله لعباده ,

стр. 42

وأخرجها للمؤمنين , وتزين بها رسول الله ﷺ وأصحابه وتلامذته الراشدون فيذكر ابن الملقن: قال بعض المتصوفة: " دخلت على بشر في علته , فقلت: عظني. فقال: إن في هذه الدار نملة , تجمع الحبّ في الصيف لتأكله في الشتاء , فلما كان يوما أخذت حبة في فمها , فجاء عصفور فأخذها , فلا ما جمعت أكلت , ولا ما أملت نالت " (١). ونقل الكلاباذي عن أبي المغيث وهو يذكر مجاهدته , فيقول: " كان لا يستند ولا ينام على جنبه , وكان يقوم الليل , وإذا غلبته عينه قعد , ووضع جبينه على ركبتيه فيغفو غفوة " (٢). وهذا مع ذكر الرب تعالى المؤمنين في قوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ (٣). وأما نجم الدين الكبري المتوفى ٦١٨هـ فقد كذب على عيسى ﵇ حيث قال: " أنه كان نائما متوسداً بلبنة , فهبّ من منامه فإذا اللعين عن رأسه , فقال له: ما جاء بك إليّ؟ فقال طمعت فيك , فقال: يا ملعون أنا روح الله كيف تطمع فيّ؟ قال: أنك أخذت قماشي فطمعت فيك , قال: وما ذاك القماش؟ قال: هذه اللبنة تحت رأسك , فرماها عيسى ﵇ حتى فارقه " (٤). وذكر الطوسي عن ابن الكريني - وكان أستاذ الجنيد - أنه أصابته جنابة ليلة من الليالي , وكانت عليه مرقعة ثخينة غليظة , فجاء إلى الشط ليلة , وكان برد شديد , فخزنت نفسه على الدخول في الماء لشدة البرد , قال: فطرح نفسه في الماء مع المرقعة , ولم

стр. 43

يزل يغوص في الماء مع مرقعته ثم خرج من الماء , وقال: أعتقدت أن لا أنزعها من بدني حتى تجفّ عليّ , قال فلم تجف عليه شهرا كاملا , وأراد بذلك تأييدا لنفسه (١). وهل هذا تأديب أو تعذيب؟. وذكر الصوفي الهندي اللاهوري عن يوسف الأسباط أنه كان من أولياء الله الكبار , قد مكث عريانا أربعين سنة لم يكن يضع على جسمه شيئا إلا قطعة من المسوح ما يستر بها عورته (٢). ومنها ما ذكروه عن الشيخ الشرياني القصوري أنه تعرّى وتجرد عن الثياب ومكث متعريا صيفا وشتاء إلى أن أدركه الموت , وكان مع ذلك يصطلي نارا ليلا ونهارا في الصيف المحرق والشتاء المبرد (٣). ومثله الآخر ذكره كل حسن القادري في التذكرة الغوثية (٤). ونقل العطار عن الجنيد أن رجلا شكى إليه الجوع والتعري , فقال: أجاعك الله وعرّاك , لأن الجوع والتعري من نعم الله , لا يرزقها إلا لبعاده المقربين (٥). وذكر الطوسي عن حسن القزاز الدينوري أنه حج إثنتي عشرة حجة حافيا , مكشوف الرأس , فكان إذا دخل في رجله شوك يمسح رجله بالأرض ويمشي (٦). مع ورود النهي عن النبي ﷺ في مثل ذلك حيث روى ابن عباس أنه: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله , إن أختي نذرت أن تحج ماشية. فقال النبي ﷺ : (إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئا , فلتحج راكبة , وتكفّر عن يمينها) (٧).

стр. 44

وفي هذا المعنى روى عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ رأى رجلا يهادي بين ابنيه , فسأل عنه؟ فقالوا: نذر أن يمشي , فقال: (إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه) وأمره أن يركب (١). هذا ويذكر الدريني عن صوفي مشهور ملقب بمسروق أنه حج فما نام قط إلا ساجدا (٢). أهذه مفخرة أم زيادة على اكتاب والسنة؟ وأين هذا من حديث الرسول ﷺ كما ذكره النفزي أيضا في كتابه حيث روى عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن الدين يسر , ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه) رواه البخاري (٣). وأما تطرفهم في سهر الليالي وقلة النوم فيذكر الهجويري عن أبي الفوارس شاء بن شجاع الكرماني أنه ورد في آثاره أنه لم ينم لأربعين عاما , وعندما نام رأى الله في النوم , فقال: يا إلهي , كنت أطلبك بسهر الليالي فرأيتك في النوم. فقال: يا شاه , لقد أدركت في النوم بغيتك بسهرك الليل , ولو كنت نمت هناك لما رأيت هنا (٤). وحكى مثل ذلك الغزالي عن وهب بن منبه أنه دعا الله أن يرفع عنه النوم بالليل , فذهب عنه النوم أربعين سنة (٥). مع أن رسول الله ﷺ كان ينام ويسهر , ويعمل ويستريح , وأصحابه كذلك , وأن الله قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾ (٦).

стр. 45

ولكن الصوفية يروون عن مشائخهم أنهم لم يكونوا ينامون الليل ويقطعونه في الذكر والتلاوة كما ذكر أبن عجيبة الحسني: " وقد كان منهم من يقطع الليل كله في ركعة , ويختم القرآن في كل ليلة " (١). ويحكي عبد السلام الفيتوري عن نفسه أنه يسبح سبعين ألفا وباسم الجلالة خمسمائة ألف في كل يوم وليلة , ويختم القرآن قبل أن يستقر الضيا " (٢). وقطع النظر عن عدم وقوع هذا عقلا كره الرسول ﷺ ختم القرآن في أقل من ثلاث حيث قال: (لم يفقه من قرأ في أقل من ثلاث) (٣). ولكن القوم جعلوا الغلو والمغالاة من أصول الولاية والكرامة مسفهين العقل ومخالفين النقل , فينقل المنوفي الحسيني عن عبد الفتاح الشبلنجي الشاذلي أنه كان يصلي مائة وثمانين ركعة تهجدا كل ليلة , ويقرأ نصف القرآن كل نهار مع سبعين ألفا على المسبحة من أوراد وأذكار شتى (٤). ونقل عن بعضهم أنه أدعى: " أنا منذ ثلاثين سنة أصوم وأقوم الليل " (٥). ونقل الجامي عن الجنيد أنه قال: " ما رأيت أعبد من السري أتت عليه سبعون سنة ما رؤى مضطجعا إلا في علة الموت " (٦). ونقل القوم عن عطاء السلمي أنه كان إذا جنّه الليل يخرج إلى المقابر فلا يزال

стр. 46

يناجيهم إلى الفجر (١). وذكر الشعراني عن الربيع أنه كان يخرج إلى المقابر ويحي الليل كله هناك (٢). ونقل الهجويري عن النوري أنه ظل يصرخ لمدة ثلاثة أيام وليال في بيته واقفا في مكان واحد (٣). ولم يستحي الشعراني فيما نقل عن رابعة البصرية كانت تتوضأ كل ليلة وتتطيب وتقول لزوجها: ألك حاجة؟ فإن قال: لا , قامت إلى الصباح (٤) وقال الدريني: " كان السلف الصالحون إذا بلغ أحدهم أربعين سنة طوى فراشة " (٥). والحاصل أن الصوفية يفتخرون بكثرة التعبد وقيام الليل كله مع ورود النهي في محكم التنزيل لصفي الله ونجيّه ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ﴿١﴾ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿٢﴾ نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ﴿٣﴾ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا ﴿٤﴾ (٦). وروى عبد الله بن عباس ﵁ ابن عم رسول الله صلى الله ﷺ وحبر الأمة وترجمان القرآن , قال: (بت عند خالتي ميمونة ليلة , والنبي ﷺ عندها , فتحدث رسول الله ﷺ مع أهله ساعة , ثم رقد , فلما كان ثلث الليل الآخر أو بعضه قعد , فنظر إلى السماء فقرأ ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ حتى ختم السورة , ثم قام إلى القربة فأطلق شناقها , ثم صب في الجفنة , ثم توضأ وضوءا حسنا بين الوضوءين , لم يكثر وقد أبلغ , فقام فصلى ,

стр. 47

فقمت وتوضأت , فقمت عن يساره , فأخذ بأذني فأدراني عن يمينه , فتتامت صلاته ثلاث عشرة ركعة , ثم أضطجع فنام حتى نفخ , وكان إذا نام نفخ , فآذنه بلال بالصلاة فصلى) (١). وعن عبد الله بن عمرو , قال: قال رسول الله ﷺ : (أحب الصلاة إلى الله صلاة داود , كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه , وينام سدسه) (٢). وهذا ومن تطرفات الصوفية وغلوهم في التعبد والتحنث ما نقلوه عن الجنيد أنه " كان يدخل كل يوم حانوته ويسبل الستر ويصلي أربعمائة ركعة ثم يعود " (٣). وحكوا عن الآخر أنه كان يصلي كل يوم ألف ركعة (٤). ونسب الشعراني إلى أويس القرني أنه قد فرض على نفسه كل يوم ألف ركعة (٥). وحكى العطار عن أبي يزيد البسطامي أنه كان يصلي أربع ركعات للعشاء , وكان إذا فرغ قال: إن هذه الصلاة غير مقبولة عند الله , وكان يعيدها , ثم إذا فرغ يعيدها , وهكذا يفعل حتى ينقضي الليل كله (٦). فهل يا ترى ألا يعد ذلك تجاوزا عما أمر الله به في كتابه وثبت عن رسول الله في سنته , أليس هذا هو معنى التقدم بين يدي الله ورسوله المنهي عنه في كتاب الله العظيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٧). وأليست هذه الفروض والواجبات التي فرضوها وأوجبوها على أنفسهم حسب ما ينقل القوم - والعهدة على من نقل , والكلام على ما نقل - مضاهاة للشارع والشرع أفلا يندرج كل هذا تحت وعيد الله : ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ

стр. 48

الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (١). أو تحت قول رسول الله ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ّ) (٢). فالحاصل من الحكايات والأدعاءات التي سردناها آنفا أن الصوفية يريدون أن يثبتوا منها أن مشائخهم وأوليائهم ورؤسائهم كانوا قد وقفوا أنفسهم , ونذروا حياتهم للتعبد والتطوع ولم يكونوا يشتغلون بشيء من أمور الدنيا بل كان كل همهم الصيام والقيام , والذكر والسهر , والتسبيح والتهليل , والمجاهدات والرياضات , وأنها لرغبة عن سنة الرسول ﷺ , وأعراض عن أسوته وقدوته وأتباع سيرته كما روى ذلك عن أبي بردة أنه قال: (دخلت امرأة عثمان بن مظعون على نساء النبي ﷺ فرأيتها سيئة الهيئة فقلن لها: مالك؟ فما في قريش رجل أغنى من بعلك , قالت: ما لنا منه شيء , أما ليله فقائم , وأما نهاره فصائم فدخلن إلى النبي ﷺ فذكرن ذلك له فلقيه فقال: يا عثمان , أما لك بي أسوة؟ فقال: بأبي وأمي أنت وما ذاك؟ قال: تصوم النهار وتقوم الليل , قال: إني لأفعل , قال: لا تفعل , إن لعينك عليك حقا , وإن لجسدك عليك حقا , وإن لأهلك عليك حقا , فصل ونم , وصم وأفطر) (٣). وعن أبي قلابة بلغ به ﷺ أن ناسا من أصحابه أحتموا النساء واللحم اجتمعوا , فذكرنا ترك النساء واللحم فأوعد فيه وعداً شديداً , وقال: (لو كنت تقدمت فيه لفعلت) , ثم قال: (إني لم أرسل بالرهبانية , إن خير الدين الحنيفية السمحة) (٤).

стр. 49

وأعترف بذلك أبن زروق أيضا حيث قال: " الأجر على قدر الإتباع , لا على أجر المشقة ... والتشديد في العبادة منهي عنه كالتراخي عنها " (١). ومن تطرفات الصوفية , وزيادتهم , وغلوهم وتعنتهم , ومبالغتهم في الخوف من الله تعالى كما ذكر صاحب " الأخلاق المتبولية " عن مشايخه أن كل واحد منهم يغلب عليه البكاء والخوف , فيصير يتمرغ في الأرض كالطير المذبوح (٢). وأيضا " الصوفية دائما يخافون أن يمسخ الله صورهم صورة كلب أو خنزير " (٣). وقالوا: " ومن أخلاق الصوفية خوفهم أن الله تعالى يخسف بهم الأرض " (٤). وذكر الكلاباذي والنفزي الرندي والشعراني وغيرهم عن السري السقطي أنه قال: " إني لأنظر في المرآة كل يوم مراراً مخافة أن يكون قد أسود ّ وجهي " (٥). ونقولوا عن الكرخي أنه قال: " خاف أن لا يقبلني فأفتضح " (٦). وروى اليافعي عن أبي بكر الوراق أنه قال: " ربما أصلي لله تعالى ركعتين فأنصرف عنهما وأنا بمنزلة من ينصرف عن السرقة من الحياء " (٧). والكلاباذي نقل عن الفضيل أنه قال: " الناس مغفورون كلهم لولا مكاني فيهم " (٨).

стр. 50

وحكى العطار عن فتح الموصلي أنه كان يبكي كثيرا حتى جرى الدم من عينيه , فسئل: لماذا هذا البكاء الشديد؟ قال: خوفا من الله (١). ومثل ذلك نقل عنه ابن الملقن أيضا حكاية عن أبي إسماعيل أنه قال: " دخلت عليه يوما , وقد مدّ كفّه يبكي , حتى رأيت الدموع من بين أصحابه تتحدر , فدنوت منه لأنظر إليه , فإذا دموعه قد خالطها صفرة , فقلت: بالله يا فتح , بكيت الدم؟ فقال: نعم , ولولا أنك حلفتني بالله ما أخبرتك , فقلت: على ماذا بكيت الدموع ثم الدم؟ فقال: بكيت الدموع على تخلفي عن واجب حق الله , وبكيت الدم بعد الدموع حزنا ألا تكون قد صحت لي توبتي (٢). وقال عماد الدين الأموي: " حكي أن الحسن البصري أقام ثلاثين سنة لم يضحك ". وقيل: " إن عطاء السلمي لم يضحك أربعين سنة , وهذا كان حال سائر عباد البصرة غلبت عليهم المخاوف فكان حالهم الحزن " (٣). وقد عدّ المتصوفة الحزن الدائم وعدم الضحك من علائم الخشية والتقوى مع أن رسول الله ﷺ وهو أتقى العالمين وأخشاهم لله - كان يضحك ويبستم , وقد روى عن عبد الله بن الحارث أنه قال: " ما رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول الله ﷺ " (٤).

стр. 51

وقد ذكر أنس بن مالك ﵁ قال: " كان رسول الله ﷺ من أحسن الناس خلقا , فأرسلني يوما لحاجة , فقلت: والله لا أذهب , وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به رسول الله ﷺ , فخرجت حتى أمرّ على صبيان وهم يلعبون في السوق , فإذا رسول الله ﷺ وقد قبض بقفاي من ورائي , قال: فنظرت إليه وهو يضحك , فقال: (يا أنيس , ذهبت حيث أمرتك؟) قلت: نعم , أنا أذهب يا رسول الله (١). وعنه أيضا , قال: " كنت أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه برد نجراني غليظ الحاشية , فأدركه أعرابي , فحبذه بردائه جبذة شديدة , ورجع نبي الله ﷺ في نحر الأعرابي حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله ﷺ قد أثرت بها حاشية البرد من شدّة جبذته , ثم قال: يا محمد , مر لي من مال الله الذي عندك , فألتفت إليه رسول الله ﷺ , ثم ضحك , ثم أمر له بعطاء " (٢). هذا ولقد حكى الصوفية عن أبي حفص أنه قال: " منذ أربعين سنة أعتقد في نفسي أن الله ينظر إليّ نظر السخط " (٣). ومن أطرف وأعجب ما نقلوا في ذلك هو ما حكاه الشعراني عن العلاء بن زياد أنه ربما بكى سبعة أيام متوالية لا يذوق فيها طعاما ولا شرابا (٤). فهذه هي شدة الصوفية وزيادتهم , تطرفهم ومغالاتهم في الخوف من الله تعالى , وما أحسن ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الخصوص: " ومن خاف الله خوفا مقتصداً , يدعو إلى فعل ما يحبه الله وترك ما يكرهه الله , من غير هذه الزيادة فحاله أكمل , وأفضل من حال هؤلاء , وهو حال الصحابة ﵃ ...

стр. 52

وأفضل الطرق والسبل إلى الله ما كان عليه هو وأصحابه , ويعلم من ذلك أن على المؤمنين أن يتقوا الله بحسب اجتهادهم ووسعهم , كما قال الله تعالى ﴿فأتقوا الله ما أستطعتم﴾ وقال ﷺ : (وإذا أمرتكم فأتوا منه ما أستطعتم فمن جعل طريق أحد من العلماء والفقهاء أو طريق أحد العبّاد والنسّاك أفضل من طريق الصحابة فهو مخطئ ضال مبتدع) (١). وإن الصوفية قد تطرفوا في التوكل على الله تعالى وقطع الأسباب , وإغلاق باب الوسائل , وترك التحرز والإحتياط , ففسروا التوكل بغير معناه الشرعي مما يخالف الكتاب والسنة , وعطّلوا الجوارح عن العمل , وظنوا أن الحركة تنافي اليقين والتوكل , فآثروا الخمول والكسل على الجد والعمل , ورجّحوا الراحة والسكون على الحركة والشغل كما نقل السلمي عن رويم بن أحمد البغدادي أنه قال: " التوكل إسقاط رؤية الوسائط , والتعلق بأعلى العلائق " (٢). ونقل عن الخواجة عبد الله الأنصاري الهروي أنه قال: " التوكل هو إسقاط الطلب , وغض العين عن السبب إجتهادا في تصحيح التوكل " (٣). ومثل ذلك قال ابن عجيبة الحسني موضحا للمصطلح الصوفي " التجريد ": الشغل دون الكسب بالعبادة ... محض التوكل , ورأي السادة ثم السؤال آخر المكاسب ... وهو بشرط الإضطرار واجب الاشتغال بالعبادة والتجريد عن الأسباب من أعظم القرب عند ذوي الألباب , إذ لا يصفو الباطن من الأعيار ويملأ بالمعارف والأسرار إلا إذا تخلص الظاهر من كثرة الأكدار , ولا يتخلص إلا إذا تجرد من الأسباب وأتكل على الملك الوهاب (٤).

стр. 53

ويشرح معنى التوكل الصوفي أحمد الكمشخانوي حيث يكتب: (وقال) الحسن أخو سنان حججت أربع عشرة حجة حافيا متوكلا وكان يدخل في رجلي الشوك فلا أخرجه لئلا ينقض توكلي (وقيل) من أدعى التوكل ثم شبع فقد حمل زادا وجاء جماعة من الشام إلى بشر الحافي فطلبوا منه أن يحج معهم فقال لهم نعم ولكن بثلاثة شروط أن لا نحمل معنا شيئا ولا نسأل أحدا شيئا ولا نقبل من أحد شيئا فقالوا أما الأول والثاني فنقدر عليه وأما الثالث فلا نقدر عليه فقال خرجتم تحجون متوكلين على زاد الحجاج (وقال) أبو حمزة الخراساني حججت سنة فبينما أنا في الطريق إذ وقعت في بئر فطلبت مني نفسي أن أستغيث فلم أفعل فما تم هذا الخاطر حتى مر برأس البئر رجلان فقال أحدهما لصاحبه تعال حتى نسد رأس هذا البئر لئلا يقع فيها أحد فوافقه صاحبه فهممت أن أصبح ثم قلت في نفسي أصيح إلى من هو أقرب منهما ثم سكت حتى سدوا رأس البئر ومضوا فلما مضت ساعة سمعت حس شيء فتح رأس البئر ودلي رحلة وقال لي بلسان حاله تعلق برجلي فتعلقت بها فأخرجني فإذا هو سبع فتركني ومر فسمعت هاتفا يقول يا أبا حمزة كيف ترى نجيناك من الهلاك بالهلاك (وقال) أبو سعيد الخراز دخلت البادية مرة بغير زاد فأصابتني فاقة فرأيت المرحلة من بعيد فسررت بالوصول ثم فكرت في نفسي أنني سكنت إلى غير الله في توكلي فآليت أن لا أدخل المرحلة إلا أن أحمل إليها (وقال) إبراهيم الخواص بينا أنا أسير في البادية إذ قال لي أعرابي يا إبراهيم التوكل عندنا فأقم عندنا حتى يصح توكلك أما تعلم أن رجاءك لدخول بلد فيه أطعمة يحملك ويقويك أقطع رجاءك عن دخول البلدان وتوكل (١). وإليكم الآن نصا مهماً في هذا الخصوص ذكروه عن أبي مدين , يتضح منه مفهوم التوكل الصوفي وهو: الهروب عن طلب الحلال والتكسب , واللجوء إلى الراحة والتعطل , والنص بتمامه كما يلي: " الإمام أبو مدين عبد صالح إمام في التوحيد والتوكل كان ببجاية من بلاد

стр. 54

المغرب , وكان يقول بترك الأسباب التي يرتزق بها الناس , وكان قوي اليقين ويدعو الناس إلى مقامه والإشتغال بالأهم من عبادة الله فترك الحرفة وجلس مع الله على ما يفتح الله له وكان طريقة عجيبة مع الله في ذلك الجلوس فإنه كان يرد شيئا يؤتى إليه به فقيل له يا أبن أبا مدين لم لا تحترف أو لم لا تقول بالحرفة أي في ترك الأسباب والأكل من الكسب وإنه الأفضل من غير الكسب فقال بها فقيل فلم لا تحترف فقال " الضيف عندكم إذا نزل بقوم وعزم على الإقامة كم تواقيت زمان وجوب ضيافته عليهم قالوا " ثلاثة أيام " قال " وبعد الثلاثة الأيام " قالوا " يحترف ولا يقعد عندهم حتى يحرجهم " فقال ﵁ " ألستم تعلمون أن الضيف إذا نزل بقوم وجب بالنص عليهم القيام بحقه ثلاثة أيام إذا كان مقيما ولو أن الضيف في تلك الأيام أكل من كسبه أليس كان العار يلحق بالقوم الذين نزل بهم " فقالوا " نعم " قال الشيخ " الله أكبر أنصفونا إن أهل الله رحلوا عن الخلق ونزلوا بالله أضيافا عنده فهم في ضيافة الله فنحن أضياف ربنا ﵎ نزلنا عليه في حضرته على وجه الإقامة عنده إلى الأبد فتعينت الضيافة فإنه تعالى ما دام على كريم خلق لعبده إلا كان هو أولى بالأنصاف به فضيافتنا ثلاثة أيام " ثم قال " وأيام ربنا كما قال كل يوم كألف سنة مما تعدون فضيافته بحسب أيامه ونحن نأخذ ضيافته على قدر أيامه فإذا أقمنا عنده ثلاثة آلاف سنة وإذا أكملت الثلاثة أيام الله من نزلنا عليه وأنقضت لا نحترف ولا نأكل من كسبنا عند ذلك يتوجه اللوم وأعتراضكم علينا وإقامة مثل هذه الحجة علينا ونحن نموت وتنقضي الدنيا ويبقى لنا فضله عنده تعالى من ضيافتنا " (١). ثم علّق عليه المؤلف بقوله: " أنظر يا أخي ما أحسن نظر هذا وما أعظم موافقته للسنة فلقد نور الله قلب هذا الشيخ , فحق الضيف واجب ولذلك أستحسن ذلك منه المعترض وأنظر من هذا النَفَس إن كنت منهم. وأتفق للشيخ وكان وقته التجريد وعدم الإدخار أن نسي في جيبه دينارا وكان كثيرا

стр. 55

ما يرتب منقطعا في جبل الكواكب وكانت هناك غزالة تأتي إليه فتدر عليه فيكون ذلك قوته فلما جاء إلى الجبل جاءت الغزالة وهو محتاج إلى الطعام فمد يده على عادته إليها ليشرب من لبنها فنفرت عنه وما زالت تنطحه بقرونها وكلما مد يده إليها نفرت منه ففكر في سبب ذلك فتذكر الدينار فأخرجه من جيبه ورمى به في موضع فقده ولا يجده فجاءت إليه الغزالة وآنست به ودرّت عليه (١). ونقل العطار عن إبراهيم بن أدهم أنه قال: " خرجت إلى البرية متوكلا على الله تعالى فما وجدت فيها شيئا للأكل مدة طويلة فخطر على بالي أن أذهب إلى صديقي وآكل من عنده , فهتف بي هاتف: إن الله طهر الأرض من المتوكلين؟ قلت: ما هذا الصوت؟ ثم هتف هاتف: من أراد أن يأكل من بيت صديقه فليس بمتوكل (٢). هذا وثبت عن رسول الله ﷺ ما يدلّ على خلاف ذلك تماما , وفيه ردّ واف على الفكرة الصوفية الباطلة المخترعة التي تناقض أسوة الرسول ﷺ وحياته الطيبة المباركة فيروي أبو هريرة ﵁ ويقول: " خرج رسول الله ﷺ ذات يوم أو ليلة , فإذا هو بأبي بكر وعمر فقال: (ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟) قالا: الجوع. قال: (وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما , قوموا) , فقاموا معه , فأتى رجلاً من الأنصار , فإذا هو ليس في بيته , فلما رأته المرأة قالت: مرحبا وأهلا , فقال رسول الله ﷺ : (أين فلان؟) قالت ذهب يستعذب لنا الماء , إذ جاء الأنصاري فنظر إلى رسول الله ﷺ وصاحبيه , ثم قال: الحمد لله , ما أحد اليوم أكرم أضيافا مني , قال: فأنطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب , فقال: كلوا من هذه , وأخذ المدية , فقال له رسول الله

стр. 56

صلى الله عليه وسلم: (إياك والحلوب) , فذبح لهم , فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا (١). فمن المتوكل؟ رسول هذه الأمة المجيدة , أم مشايخ الصوفية؟. وأعتمادا على توكلهم الغير الشرعي كانوا يخرجون للحج بدون زاد ولا راحلة كما يذكر أبن عجيبة الحسني عن إبراهيم الخواص أنه يقول: " لقيت فقيرا في البادية فقلت له: إلى أين؟ فقال: إلى مكة. قلت: بلا زاد ولا راحلة؟ فقال: الذي يمسك السموات والأرضين ويحفظهما لا يعجزه قوتي بلا سبب ولا علاقة. فقلت: صدقت " (٢). وحكى أيضاً عن بعض مشايخه أنه " دخل برية الحجاز مع أصحابه بغير زاد , فلما طالت عليهم المدة وأجهدهم الجوع , أنحرف الشيخ عن طريق وهزّ شجرة , فأسقطت رطبا جنيا فأكلوا منها الاشابا , فقال له الشيخ: لم لم تأكل؟ قال: إني نويت التوكل على الله ورفضت الأسباب جملة , فيكف أجعلك عندي بمنزلة السبب حتى تكون النفس متشوقة لما علمت منك , ثم لم يصحبهم تصحيحا ليقينه وإتماما لعقده " (٣). وكذلك ذكر الجعلي الفضلي في طبقاته كثيرا من الصوفية الذين خرجوا للحج لا زاد معهم ولا ماء (٤). ونقل العطار عن إبراهيم بن أدهم أنه خرج إلى الحج مع أصحابه فقال له أصحابه في

стр. 57

الطريق: ليس عندنا شيء من الزاد فقال: توكلوا على الله وأنظروا إلى تلك الشجرة التي صارت ذهبا , فنظروا فإذا الشجرة من ذهب (١). وروى ابن الملقن عن فتح الموصلي أنه قال: " رأيت غلاماً بالبادية لم يبلغ الحلم , وهو يمشي وحده ويحرك شفتيه , فسلّمت عليه , فرد علي السلام , فقلت: إلى أين؟ قال: إلى بيت ربي , فقلت: وبماذا تحرك شفتيك؟ فقال: أتلو كلام ربي. فقلت له: إنه لم يجر عليك قلم التكليف , فقال: رأيت الموت يأخذ من هو أصغر مني سناً. فقلت: خطوك قصير , وطريقك بعيد , فقال: إنما عليّ نقل الخطا وعليه الإبلاغ. فقلت: فأين الزاد والراحلة؟ قال: زادي يقيني , وراحلتي رجلاي " (٢). وأما تعاليم الإسلام فهي بعكسها تماما كما روى عن أبن عباس ﵁ قال: " كان أهل اليمن يحجون فلا يتزودون ويقولون: نحن المتوكلون , فإذا قدموا مكة سألوا الناس , فأنزل الله تعالى: ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾ (٣). ولم يأمر النبي ﷺ أصحابه ورفاقه البررة بهذا النوع من التعطيل بل أمرهم بالطلب والعمل حيث قال: (إن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها , ألا فاتقوا الله , وأجملوا في الطلب) (٤). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رجل: " يا رسول الله أعقلها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل؟ قال: (أعقلها وتوكل) (٥). وأما التوكل الصوفي فليس إلا إيثاراً للخمول والجلوس في الروابط والخانقاوات , وهروبا عن الجدّ والكدّ , والاجتهاد والجهاد كما يذكر السهروردي في عوارفه رواية

стр. 58

عن داود بن صالح قال: " قال لي أبو سلمة بن عبد الرحمن: يا ابن أخي , هل تدري في أي شيء نزلت هذه الآية ﴿أصبروا وصابروا ورابطوا﴾؟ قلت: لا , قال: يأبن أخي , لم يكن في زمن رسول الله ﷺ غزو يربط فيه الخيل , ولكنه إنتظار الصلاة بعد الصلاة , فالرباط لجهاد النفس والمقيم في الرباط مرابط مجاهد نفسه. قال الله تعالى ﴿وجاهدوا في الله حق جهاده﴾ قال عبد الله بن المبارك: هو مجاهدة النفس والهوى وذلك حق الجهاد , وهو الجهاد الأكبر , على ما روى في الخبر أن رسول الله ﷺ قال حين رجع من بعض غزواته: (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر). وقيل: إن بعض الصالحين كتب إلى أخ له يستدعيه إلى الغزو فكتب إليه: يا أخي كل الثغور مجتمعة لي في بيت واحد والباب علي مردود , فكتب إليه أخوه: لو كان الناس كلهم لزموا ما لزمته أختلت أمور المسلمين وغلب الكفار , فلا بد من الغزو والجهاد وفكتب إليه: يا أخي , لو لزم الناس ما أنا عليه وقالوا في زواياهم على سجاداتهم: الله أكبر , أنهدم سور قسطنطينية " (١). هذا وأن هناك أنواعا أخرى من تطرفات المتصوفة في إظهار التواضع والذّل , والرضا بالدون والمسكنة وهوان النفس , والسقوط في أعين الناس , فمن الصوفية المصابين بهذا النوع من التطرف الذي سموه خشوعاً وتواضعاً ورياضة للنفس , أستاذ الجنيد أبو الحسن الكريني كما ينقل عنه أبو طالب المكي وابن عجيبة أنه قال: " نزلت في محله فعرفت فيها بالصلاح فتشتت قلبي فدخلت حماما في جوف المحلة وعنيت على ثياب فاخرة فسرقتها ولبستها , ثم لبست مرقعتي فوقها وخرجت أمشي قليلا قليلاً ليفطن بي , فلحقوني فنزعوا مرقعتي واستخرجوا الثياب وصفعوني وأوجعوني ضرباً , فصرت أعرف في الناحية بلص الحمام , فسكنت نفسي " (٢). ويخرج نفسه عن حدّ الكرامة الإنسانية ويجعلها بمنزلة الكلب في حكاية ذكروها

стр. 59

أن رجلا دعاه ثلاث مرات إلى طعامه ثم يردّه , فرجع إليه بعد ذلك حتى أدخله المنزل في المرة الرابعة , فسأله عن ذلك , فقال: قد ريّضت نفسي على الذلّ عشرين سنة حتى صارت بمنزلة الكلب يطرد فينطرد , ثم يدعى فيرمي له عظم فيجيء (١). وأغرب من هذا ما ذكره النفزي الرندي نقلا عن أبي الحسن علي بن عتيق بن يوسف القرطبي صاحب كتاب بغية الطالب ومنية الراغب أنه رأى أبا محمد بن عبد الله مفيد وهو يمشي في يوم شات كثير الطين , فأستقبله كلب يمشي على الطريق التي كان عليها , قال: فرأيته قد لصق بالحائط وعمل للكلب طريقاً ووقف ليجوز , وحينئذ يمشي هو , فلما قرب منه الكلب قال: فرأيته قد ترك مكانه الذي كان فيه ونزل أسفل , وترك الكلب يمشي فوقه , قال: فلما جاوزه الكلب وصلت إليه فوجدته وعليه كآبة , فقلت له: يا سيدي , إني رأيتك صنعت الآن شيئا استغربته , كيف بنفسك في الطين وتركت الكلب يمشي في الموضع النقي؟ فقال لي: بعد أن عملت له طريقا تحتي ففكرت , فقلت: ترفعت على الكلب , وجعلت نفسي أرفع منه , بل هو والله أرفع مني وأولى بالكرامة (٢). فهذا هو التواضع والانكسار عند الصوفية , يظنون الترفع على الكلاب تكبرا موجباً لسخط الله تعالى ومقته , ولقد صرح بذلك ابن عجيبة الحسني حيث قال: " من رأى لنفسه قيمة على الكلب فهو متكبر ممقوت عند الله " (٣). وقال الآخرون من الصوفية: " من ظنّ أن نفسه خير من نفس فرعون فقد أظهر الكبر " (٤). وأما أحمد بن أبي الحسين الرفاعي فأكرم كلباً إظهارا لتواضعه وهو أنه وقلة شأنه وإذالالا لنفسه , فيذكرون عنه أنه وجد كلباً أجرب أخرجه أهل أم عبيدة إلى محل بعيد ,

стр. 60

فخرج معه إلى البرية وضرب عليه مظلة وصار يطليه بالدهن ويطعمه ويسقيه ويحت الجرب منه بخرقة , فلما برئ حمل له ماء مسخناً وغسلّه (١). ثم علّق على صنيع الرفاعي هذا ساتراً إياه بقناع التقدس والتأله بقوله: " كان قد كلفه الله تعالى بالنظر في أمر الدواب والحيوانات " (٢). وليس ذلك فحسب بل ذكر عنه أبو الهدى الرفاعي أنه كان يبتدئ من لقيه بالسلام حتى الأنعام والكلاب , وكان إذا رأى خنزيراً يقول له: أنعم صباحاً (٣). وحكوا عن عبد الرحيم القناوي أنه رأى مرة في عنق كلب خرقة من صوف فقام له إجلالا. لا ندري من أين أخذ الصوفية هذه الآداب والطرق لرياضة النفس وإذلالها؟ ومن الذي أمر بالإنكسار والتخشع والتذلل بين يدي الكلاب والخنازير؟ وما معنى قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ﴾ (٤). وقوله : ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (٥). ونذكر أخيراً في هذا المعنى ما نقلوه عن علي سيرجاني أنه دعا الله يوماً بضريح شجاع الدين الكرماني أن يرسل إليه ضيفاً يأكل معه إذ جاء كلب فطرده , فهتف هاتف: تطلب ضيفاً ثم تطرده , فحزن جداً وخرج للبحث عنه ووجده في برية , فقدم إليه طعاماً فلم يأكل , فتاب الشيخ إلى الله وأناب إليه. فنطق الكلب: أحسنت يا شيخ , لو عملت هذا الصنيع بموضع غير ضريح الشيخ شجاع الدين لعوقبت عقاباً شديداً (٦).

стр. 61

ومن الحكايات التي يسردها الصوفية بياناً لتواضع مشايخهم ما ذكرها اليافعي نقلاً عن إبراهيم بن أدهم أنه قال: " ما سررت بشيء كسروري يوماً كنت جالسا فجاء إنسان وبال عليّ " (١). ونقل السلمي عن أبي محمد الراسي أنه قال: " لا يكون الصوفي صوفياً حتى لا تقلّه أرض ولا تظله سماء , ولا يكون له قبول عند الخلق " (٢). وقال آخر: " الصوفي كالأرض يطرح عليه كل قبيح ويطؤه البرّ والفاجر " (٣). وذكر الشعراني في طبقاته حكاية أبي العباس أحمد بم مسروق بياناً لتواضعه وانسلاخه عن التكبر وتجرده عن الترفع , فيقول: " جاءه مرة شخص فدخل داره لوليمة كانت عند أبي العباس بلا دعوة , فقال أبو العباس: لله علي أن أدعه يمشي إلا على خدّي حتى لأجلس موضع الأكل فوضع خده على الأرض ومشى عليه الرجل إلى أن أبلغ إلى موضع جلوسه , وصار يقول: مثل هذا الرجل يتواضع لي ويحضر وليمتي , بأيّ شيء أكافئه؟ " (٤). فبمثل هذه التفاهات كانوا يتصنعون التواضع , ويتكلفون به , ويتجاوزون إلى التهاون والتخاذل الغير معهود في السلف الصالح. وأحيانا يأمرون مريديهم بحلق اللحية وتعليق المخلاة في رقبته إذلالا لنفسه وإسقاطاً لجاهه (٥). ويقول محمد بن أبي الحسن: مددت رجلي يوماً بعد صلاة المغرب , فهتف بي هاتف:

стр. 62

أهكذا تجالس الملوك؟ (١). ولا شك أن هذا تدّين زائد على السنة , لا يعتبر تواضعاً إسلامياً. بل زّينه الشيطان وأما نسبة قول إلى هاتف فإنها كثيرة في كتبهم ومقولاتهم , يخترعون شيئاً وينسبونه إلى الهاتف ويعنون به ملكاً من الملائكة , وأحياناً يدّعون أن الله سبحانه جلّ شأنه هو الذي خاطبهم وهتف بهم كما بيّنا في كتابنا " التصوف: المنشأ والمصادر " (٢). ونختم الكلام في موضوع التطرف في التواضع على ما ذكره الشعراني كقاعدة عامة لجميع المتصوفة حيث قال: " لا يصلح هذا الأمر إلا لأقوام قد كنسوا بأرواحهم المزابل على رضا منهم وأختيار " (٣). وهناك تطرفات صوفية أخرى في أمور الدين والدنيا نذكر بعضا منها إجمالا وفيقول السهروردي عبد القاهر: " من عرف عن يمينه وشماله في الصلاة متعمداً فلا صلاة له " (٤). وينتقل الشعراني عن إبراهيم المتبولي أنه قال: " كل من رجع الذهب على التراب فصلاته باطلة " (٥). وذكر أبو طالب المكي عن بعض الصوفية أنه قال: " العامة يتوبون من سيئاتهم , والصوفية يتوبون من حسناتهم " (٦). وأيضاً " من تاب من تسعة وتسعين ذنباً لم يتب من ذنب واحد لم يكن عندنا من التائبين " (٧). وقالوا: " التوبة فرض كل عبد في كل نفس " (٨).

стр. 63

وحكى الكلاباذي عن التستري أنه قال: " من غمض عن الله طرفة عين فلا يهتدي طول عمره " (١). وقال الشبلي كما نقل عنه السلمي في طبقاته: " سهو طرفة عين عن الله لأهل المعرفة شرك بالله " (٢). وحكى عماد الدين الأموي إبراهيم الخواص أنه كان يتكلم في العلم وحوله جماعة إلى أن طلعت عليه الشمس وحميت حتى وجدت حرها وهو جالس لا يعبأ بها. فلما أشتدت قلت له: يا سيدي , ما ترى أن تقوم إلى الظل؟ فقال: ويلك , ما تدلني إلا على الشرك (٣). وقال الشاذلي: " لو حجب عني رسول الله ﷺ طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين " (٤). وقال إبراهيم المتبولي: " من رفع بصره إلى شيء بغير نية الاعتبار كتبت عليه خطيئة " (٥). وأخيرا ننقل من القوم أنهم قالوا: " مبنى التصوف على أخلاق ثمانية من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: السخاء وهو لإبراهيم , والرضا وهو لإسحاق , والصبر وهو لأيوب , الإشارة وهي لزكريا , والغربة وهي ليحيى , ولبس الصوف وهو لموسى , والسياحة وهي لعيسى , والفقر وهو لمحمد ﷺ وعليهم أجمعين " (٦). فهذه هي دعواهم , وتلك هي أقاويلهم وأفاعيلهم مبنية على مخالفة الكتاب والسنة

стр. 64

ومنافيه لما جاءت به الشريعة السماوية السمحة ومناقضة لأعتدال الإسلام وقصد السبيل , وتقدم بين يدي الله ورسوله , وتجاوز عليهما , وتعنت غير محبوب , وتقشف غير محمود , لم ينزل الله به من سلطان. وكذلك يدخل في مناقضة الصوفية تعاليم الدين ومخالفتهم شرع الله أمور أخرى كثيرة خالف فيها المتصوفة نصوص القرآن والسنة , فجمعوا بين الشيئين: الإتيان بما لم ينطق به كتاب الله وسنة رسول الله , والمخالفة لما ورد فيهما. كما جاؤوا ببدع وخرافات أخرى , جعلوها دينا وليست من الدين , نريد أن نذكرها في باب مستقل يلي هذا الباب لكي يعرف القارئ ويعلم الباحث بأن التصوف ليس إلا تطرفاً في السلوك والأحوال والمعاملات , ومخالفة المنطوق والمنصوص في المعاملات والعبادات , وليس إلا ترويجاً للخرافات والبدعات. وبالله التوفيق.

стр. 65

الباب الثاني التصوف وَمخالفَة الشّريعَة إننا ذكرنا في الباب الذي سبق أن الشريعة عبارة عن الكتاب والسنة , والله أمر المؤمنين بالتمسك بهما فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١). كما قال أيضاً: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٢). وقال رسوله صلوات الله وسلامه عليه: (تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة رسوله) (٣). فالمؤمن ملزم بأن يأتي ما أمره الشرع بعمله وأن يترك ما أمره الشرع بتركه: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٤). وأنه لمسلوب الخيار أمام أوامر الله ورسوله ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (٥). فالطيب ما طيبه الله ونبيه , والحسن ما حسّنه الله ورسوله , والمسنون والمستحب ما أستحبه الله ومرسله , وكذلك القبيح والمذموم ما قبحه الله أو ذمّه رسول الله صلى الله

стр. 66

عليه وسلم , وليس للعقل فيه رأي ولا للرأي فيه دخل , والأصل في العبادات المنع , كما أن الأصل في المعاملات الإباحة مع مراعاة (الحلال بيّن والحرام بيّن , وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس , فمن أتقى الشبهات أستبرأ لدينه وعرضه , ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام , كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ألا وأن لكل ملك حمى , ألا وأن حمى الله محارمه) (١). وإن المتصوفة كما لم يقتدوا بأسوة رسول الله ﷺ في معاملاتهم من الأكل والشرب واللبس والراحة والكسب والتجارة وغيرها من أمور الدنيا , ولو يتبعوا خطوات ذلك النبي الذي ذكره الرب جل مجده في قرآنه وفرقانه ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢). كذلك لم ينهجوا منهجه , ولم يسلكوا مسلكه , وما اقتفوا أثره وأهتدوا بهديه , وما أتبعوا سنته في الطاعات والعبادات , فزادوا عليها أشياء من عند أنفسهم كما وكيفا , كما أضافوا إليها أشياء لم تكن معهودة منقولة عن النبي المختار وخلفائه الراشدين الأبرار وأصحابه الطيبين الأخيار , فضلّوا وأضلّوا , وحادوا عن الجادة المستقيمة والمحجة البيضاء التي ترك رسول الله ﷺ أمته عليها , ليلها كنهارها , لا يضّل سالكها ولا يهتدي تاركها , فضلّت مساعيهم بدل أن تكون مشكورة , وخسرت جهودهم وردت بدل أن تكون مقبولة , وحبطت أعمالهم بدل أن تكون نافعة محمودة , لتقدمهم بين يدي الله ورسوله , واستصغارهم وتقلّلهم عمل رسول الله في عباداته ضيعتهم في معاملاته , واستحقارهم سنة من كان أخشى الناس وأتقاهم لله , فصاروا كالذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً , فخالفوا أوامر

стр. 67

النبي ومنهياته زيادة ونقصاناً مفرطين في أشياء ومفرّّطين في أخرى. كما تجاسروا على أنزالهم أنفسهم ومشائخهم على مرتبة التشريع والتقنين , فأوجدوا أشياء , وأبتدعوا أعمالا وجعلوها من الدين ناسين قول الخالق المتعال ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (١). فابتعدوا عن الجادة , وتفرقت بهم السبل , وصلّ عنهم سواء السبيل التي هي سبيل الله وسبيل رسوله ﷺ وسبيل المؤمنين كما هو مبين في القرآن المجيد: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢). و ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (٣). فخسروا خسرانا مبيناً. ونحن نذكر في هذا الباب مخالفات المتصوفة للقرآن والسنة وبعض بدعهم التي أخترعوها ومحدثاتهم التي أبتدعوها تقربا إلى الله ووصولا إلى معرفته وابتغاء لمرضاته حسب زعمهم كما ذكرنا في الباب الذي سبق تطرفاتهم وتقشفاتهم التي لم ير لها أثر فيهما ولا في سيرة المؤمنين الأولين الذين نزل القرآن بينهم والذين تتلمذوا على مبيّن القرآن صلوات الله وسلامه عليه. فنذكر في هذا الباب مخالفة المتصوفة لصريح القرآن والسنة ونصوصهما الظاهرة الصريحة. من المعلوم في القرآن والسنة أن الله خلق الخلق وأمرهم بعبادته , وأرسل إليهم الرسل تترى , وختمهم بمحمد خاتم النبيين وأشرف المرسلين ﷺ لكي يهدوهم إلى وحدانيته وعبادته , وخلق الجنة لمن أطاعهم من خلقه وعبده وحده ,

стр. 68

وخلق النار لمن غوى وعصى أوامر ربهم وطغى إرشادات أنبيائهم , فرغبهم في الطاعة بالجنة , وأرهبهم عن المعصية بالنار , فقال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١). كما قال: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٢). ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (٣). وذكر أهل الفوز من أهل الخسران بقوله: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (٤). فإن أهل السعادة من رغبوا في جنته ورهبوا من النار , فأطاعوه وأطاعوا رسله , وآمنوا بما أنزل إليهم من ربهم , وعملوا بما أمروا فدخلوا الجنة. وأهل الشقاء من لم يرغب في الجنة ولم يرهب من النار , فعصوا الله ورسله وكفروا بما أنزل إليهم من ربهم. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ﴿١٠٦﴾ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴿١٠٧﴾ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴿١٠٨﴾ (٥). ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٦).

стр. 69

﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ (١). ووصف المؤمنين بأنهم يدعون ربهم جنته رغبة فيها ويستغفرون من النار رهبة منها ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (٢). ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (٣). وبيّن أحوالهم بأنهم لا يستريحون خوفا من عذابه وطمعاً في ثوابه فقال: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ (٤). ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ (٥). ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (٦). وهناك الدنيا والآخرة , وهناك يوم الفصل ويوم الدين , وإن الدنيا لمزرعة للآخرة , ويوم الفصل يحكم بين العباد فينظر فيما أمروا في الدنيا , وعلى ذلك يحكم لهم بما يستحقونه في الآخرة , فقوم جعلوا نصب أعينهم الدنيا وحدها , وقوم تركوا دنياهم لآخرتهم فزهدوا فيها , وقوم جمعوا بين الحسنين ففازوا بنعيم الدنيا ونعيم الآخرة , وعن هذا كله أخبر الرب ﵎: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ﴿٢٠٠﴾ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴿٢٠١﴾ أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿٢٠٢﴾ (٧). وقال: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٨).

стр. 70

و ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴿٩٠﴾ وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ ﴿٩١﴾ (١). و ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ﴿١٣﴾ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ﴿١٤﴾ (٢). والآيات في هذه المعاني كثيرة جداً. ومثلها بل أكثر منها بأضعاف أحاديث نبوية شريفة , وكان رسول الله ﷺ وهو أحبُّ الخلائق إلى الله وأحبهم لله , الذي قال في شأنه ﷺ : ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ (٣). كان أكثر الناس سؤالاً لجنته واستعاذة من النار فكان يقول: (اللهم إني أعوذ أسألك الجنة وما قرّب إليها من قول أو عمل , وأعوذ بك من النار وما قرّب إليها من قول أو عمل) (٤). وروى الشيخان أنه كان يقول: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب النار وفتنة النار) (٥). وعن أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ دعا النبي ﷺ قريشاً فاجتمعوا , فعمّ وخصّ , فقال: (يا بني كعب بن لؤيّ , أنقذوا أنفسكم من النار , يا بني مرة بن كعب , أنقذوا أنفسكم من النار , يا بني عبد شمس , أنقذوا أنفسكم من النار , يا بني عبد مناف , أنقذوا أنفسكم من النار , يا بني هاشم , أنقذوا أنفسكم من النار , يا بني عبد المطلب , أنقذوا أنفسكم من النار , يا فاطمة , أنقذي نفسك من النار , فإني لا أملك لكم من الله شيئا , غير أن لكم رحماً سأبلها ببلالها) (٦). فهذا هو منطوق القرآن والسنة. وأما المتصوفة فلا يرون الأمر كذلك , فلا الدنيا عندهم ولا الآخرة , ولا الخوف

стр. 71

ولا الطمع , ولا الجنة ولا النار , بل كثيراً ما يستهزؤن بها ويسخرون بذكرها , فنقلوا عن رابعة العدوية البصرية أنها كانت تنشد: " يعبدون الله خوفاً من لظى ... فلظى قد عبدوا لا ربنا ولدار الخلد صلّوا , لا له ... شبه قوم يعبدون الوثنا " (١). وذكرها العطار فقال: " جاء إليها رجال من أهل الله فسألت أحدهم: لماذا تعبد الله؟ فقال: خوفاً من عقابه والجحيم التي برزت للغاوين. فسألت الآخر فقال: طمعاً في جنته التي أعدت للمتقين. فقالت: أما أنا فما عبدته خوفاً من ناره ولا طمعا في جنته فأكون كالأجير السوء بل عبدته حباً له وشوقاً إليه " (٢). وورد مثل هذا في روضة التعريف بالحب الشريف أيضاً (٣). وروى الجلمي عنها أنها قالت: " وعزتك ما عبدتك خوفاً من نارك ولا رغبة في جنتك , بل كرامة لوجهك الكريم ومحبة فيك " (٤). وعلى ذلك قال المنوفي الحسيني بعد ذكر رابعة العدوية , وجويرية , ورابعة الدمشقية وغيرهن: " أولئك اللواتي طمعن في رحمة الله وأحببته لا رهبة من عقابه , ولا طمعاً في ثوابه " (٥). وأنشدت أيضاً: أحبك حبين حب الهوى ... وحباً لأنك أهل لذاكا فأما الذي هو حبّ الهوى ... فشغلي بذكرك عمّن سواكا (٦)

стр. 72

وذكر ابن عجيبة الحسني أنها قالت: كلهم يعبدونه من خوف نار ... ويرون النجاة حظاً جزيلا أو بأن يسكنوا الجنان فيضحوا ... في رياض ويشربوا السلسلبيلا ليس لي في في الجنان والنار رأي ... أنا لا أبتغي بحبي بديلا (١) وأكثر من ذلك ما نقله كل من القشيري والعطار والكلاباذي والكمشخانوي وغيرهم: " مرضت رابعة العدوية فقيل لها: ما سبب علّتك؟ فقالت: نظرت إلى الجنة بقلبي فغار عليّ قلبي , فأدبني وقد آليت وحلفت أن لا أعود " (٢). وليس هذا الإستغناء عن الجنة والخوف والرهبة , فحسب بل أكثر من ذلك نقل الشعراني استهزاءها بالجنة ونعيمها , والقرآن الكريم , فيقول: " سمعت رابعة العدوية ﵂ شخصا يتلو قوله ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ ﴿٢٠﴾ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ قالت: نحن إذن صغار حتى نفرح بالفاكهة والطير " (٣). وليست رابعة العدوية وحدها من ينقلون عنها استغناءها عن الجنة واستحقار ذكرها , وعدم اهتمامها بالخوف والرجاء , والرهبة والرغبة , بل هذا هو موقفهم ومشربهم , فينقلون ذلك عن الآخرين أيضاّ , فيقول السلمي والهجويري والسهلجي والمنوفي الحسيني: " إن أبا يزيد البسطامي الذي قال فيه الجنيد البغدادي كما يروون: أبو يزيد منا بمنزلة

стр. 73

جبريل من الملائكة (١). فكان يقول: " الجنة لا خطر لها عند أهل المحبة , وأهل المحبة محجوبون بمحبتهم " (٢). ونقل ابن العريف عنه أيضاً أنه كان يسخر بالثواب ولم يكن يبالي بالعقاب , وكان يقول مخاطبا للرب تعالى: " أريدك لا أريدك للثواب ... ولكني أريدك للعقاب " (٣). وكان يستهزئ بالجنة بقوله: " لله عباد لو بدت لهم الجنة بزينتها لضجوا منها كما يضجّ أهل النار من النار " (٤). وقال أيضاً في هذا المعنى: " من عرف الله صار للجنة ثواباً , وصارت الجنة عليه وبالا " (٥). كما كان يستهزئ بالنار , فينقل عنه أنه كان يقول: " وددت أن قامت القيامة حتى أنصب خيمتي على باب جهنم. فسأله رجل: ولم ذاك يا أبا يزيد؟ فقال: إني أعلم أن جهنم إذا رأتني تخمد (٦). وأخيراً ما ذكر عنه السهلجي في ازدرائه واستصغاره الجنة حيث يروي عن ابن أخي أبي يزيد أنه قال: " حدّثني أبي عن أبيه عن أبي يزيد أنه جاء حاتم الأصمّ زائراً له فقال حاتم: قد

стр. 74

قلت لتلامذتي: من لم يكن منكم يوم القيامة شفيعاً في أهل النار فيدخلهم الجنة لم يكن لي تلميذاً. فقال له أبو يزيد: ولكن قد قلت أنا لهم: ليس من تلاميذي إلا من وقف يوم القيامة , فكل من أمر من الموحدين إلى النار أخذ بيده وأدخله الجنة " (١). ومثل ذلك نقلوا عن إبراهيم بن أدهم أنه كان يستهزئ بنعيم الجنة بدعائه: " اللهم إنك تعلم أن الجنة لا تزن عندي جناح بعوضة " (٢). والشبلي الذي قال عنه الجنيد: " لكل قوم تاج , وتاج هذا القوم الشبلي " (٣). ينقلون عن تاج قومهم هذا أنه كان يدعو: " اللهم أخبأ الجنة والنار خبايا غيبك حتى تعبد بغير واسطة " (٤). ومن استهزائهم بالجحيم ونيرانها أنه قال في مجلسه: " إن لله عباداً لو بزقوا على جهنم لأطفوها " (٥). وكذلك كان يقول: " لو خطر على بالي أن الجحيم بنيرانها وسعيرها تحرق مني شعرة لكنت مشركاً " (٦). ومن استخفافه بوعيد أهل النار أنه سمع قارئاً يقرأ هذه الآية ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ فقال الشبلي: " ليتني كنت واحداً منهم " (٧). وأما معروف الكرخي فيروون عنه " أنه عبد الله لا خوفاً من ناره , ولا شوقاً إلى جنته , فلذلك رؤى في النوم في حظيرة القدس جالساً في سرادق العرش شاخصاً ببصره

стр. 75

ينظر إلى الله " (١). ونقل ذلك عبد الغني الرافعي أيضاً فقال: " قال بعض إخوان معروف الكرخي ﵁: أخبرني يا أبا محفوظ , أيّ شيء هاجك إلى العبادة والانقطاع عن الخلق؟ فسكت , فقال له: ذكر الموت؟ فقال: أيّ شيء الموت؟ فقال: ذكر القبر والبرزخ؟ فقال: وأي شيء القبر؟ فقال: خوف النار ورجاء الجنة؟ فقال: وأيّ شيء هذا؟ ثم قال: إن كانت بينك وبينه معرفة كفاك جميع هذا " (٢). ونقل النفزي الرندي وأبو طالب المكي عن أبي حازم المدني أنه كان يقول: " إني لأستحي من ربي أن أعبده خوفاً من العذاب فأكون مثل عبد السوء إن لم يخف لم يعمل , وأستحي أن أعبده لأجل الثواب فأكون كالأجير السوء إن لم يُعط لم يعمل , ولكن أعبده محبة له " (٣). وكتب الجامي في نفحاته أن محمد بن سعيد الزنجي سئل عن الرذيل من هو؟ قال: الذي يعبد الله خوفاً ورجاء. قالوا: وأنت لم تعبد؟ قال: خدمة وطاعة (٤). ويقول الأنصاري الهروي المتوفى ٤٨١هـ: " الحرمة هي التحرج عن المخالفات والمجاسرات , وهي على ثلاث درجات: الدرجة الأولى تعظيم الأمر والنهي. لا خوفاً من العقوبة ... فيكون خصومه للنفس ولا ... طلبا ... للجدّ ... فيكون مسترقّا للأجرة
следующие страницы →