← Акыда

Акыда · id 12812

الموالاة والمعاداة في الشريعة الإسلامية

محماس الجلعود

Полный текст (908 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ويقول في موضع آخر: ومن كان ذا حب لمولاه إنما ... محبته للدين شرط فقيد ومن لا فلا والحب لله إنما ... يتم بحب الدين دين محمد فعاد الذي عادى لدين محمد ... ووال الذي والاه من كل مهتد وأحبب رسول الله أكمل من دعا ... إلى الله والتقوى وأكمل مرشد أحب من الأولاد والنفس بل ومن ... جميع الورى والمال من كل اتلد واحبب لحب الله من كان مؤمنا ... وأبغض لبغض الله أهل التمرد وما الدين إلا الحب والبغض والولا ... كذاك البراء من كل غاو ومعتد (١) ويقول المجاهد مروان حديد (٢) من قصيدة طويلة: ومرضاة الإله بحرب كفر ... وبغض الكفر في لحمي ودمي فخلاصة القول في هذا المبحث إننا محتاجون إلى ولاية الله ونصرته وعونه لنا وهذا لا يتحقق إلا إذا كانت موالاتنا في الله، ومعادالتنا فيه وأن من لم يوال في الله ويعاد فيه فليس بمسلم، وأنه لا عز لنا في الدنيا

стр. 212

والآخرة إلا بالموالاة في الله التي تجعل المسلمين كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، ولا فوز لنا في الآخرة إلا بذلك، فمن والى الكفار فهو معهم دنيا وأخرى، قال تعالى: (إِنَّ اللهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) [النساء: ١٤٠]، وقال تعالى: (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ للهِ جَمِيعًا) [النساء: ١٣٩].

стр. 213

المبحث التاسع: صلة المداهنة والمداراة بالموالاة والمعاداة يختلط على كثير من الناس مفهوم المداهنة بالمداراة، فيحتج البعض منهم بمفهوم إحداهما على الأخرى، رغم أن هناك فرقا بينهما لا يخفى على ذوي الاطلاع، من أجل ذلك أردنا في هذا المبحث أن نوضح حسب اطلاعنا المحدود الفرق بين هذين المفهومين اللذين يلتبسان على كثير من الناس فنقول: بأن في هذا المبحث مطلبين: المطلب الأول: هو تعريف المداهنة وحكمها. المطلب الثاني: هو تعريف المداراة وحكمها والفرق بينها وبين المداهنة المطلب الأول: المداهنة وحكمها المداهنة: هي ترك ما يجب لله، من الغيرة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتغافل عن ذلك، لغرض دنيوي وهوى نفساني، لزعم هؤلاء

стр. 214

أن المعيشة لا تحصل لهم إلا بذلك، فالمداهنة هي المعاشرة والاستئناس مع وجود المنكر والقدرة على الإنكار (١). فالمداهنة محرمة، وهي نوع من أنواع الموالاة للكفار (٢). فمن داهن أهل الكفر والظلم والفجور وهو قادر على الإنكار عليهم فقد خالف نهج الرسل والأنبياء وأتباعهم، وخرج عن سبيلهم ومنهاجهم، فالذين يداهنون الكفار، يرون العقل في إرضاء الناس على اختلاف مشاربهم ومعتقداتهم، بغض النظر عمن هو صاحب الحق ومن صاحب الباطل، فهم يسالمون الجميع ويستجلبون مودتهم ومحبتهم، إيثار للحظوظ الدنيوية، وحبا للدعة والراحة، وطلبا للسلامة العاجلة، في ترك المعاداة في الله، والموالاة فيه، وتحمل الأذى في سبيله، وهذا الاعتقاد والعمل هو التهلكة في العاجلة والآجلة، حيث إن المداهنة بهذا الوصف تتعارض مع آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) [لقمان: ١٧]. فالمداهن بالإضافة إلى تركه واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكتسب إثما جديدا وهو إشاعة الفحشاء والمنكر في المجتمع، لأن الفجرة والطغاة إذا آمنوا من مغبة الإنكار عليهم، ازدادوا في فجورهم وطغيانهم لأنهم يرون أن الكلم يعلم فجورهم، ومع ذلك يسكت ويداهن، فالمداهنة مشاركة بجريمة اقتراف المنكر والسكوت عليه في الدنيا، ولذلك استحق من يفعل ذلك اللعن والطرد من رحمة الله، كما ذكر الله عن بني إسرائيل قال تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ

стр. 215

كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفعَلُونَ) [المائدة: ٧٩]. فلا يجوز ترك إنكار المنكر ممن يراه، فالذي يسكت عن إنكار المنكر خوفا أو هيبة من أحد من الناس، يكون مداهنا في دين الله، والله حرم المداهنة يقول تعالى: (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) [القلم: ٩]. فالذي يرى المنكر ينكر على فاعله بالحكمة والموعظة الحسنة التي يراها مناسبة لمثل تلك الحالة، فالمنكر إذا خفي لم يضر إلا صاحبه، وإذا فشا ولم ينكر ضر العامة كلهم (١). وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: «إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها» وقال مرة: أنكرها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها (٢)، فعلى هذا يكون الاستئناس والمعاشرة عند رؤية المنكر مع القدرة على الإنكار، هو عين المداهنة (٣) فما ذاق طعم الإيمان، من لم يوال في الله ويعاد فيه فالعقل كل العقل ما أوصل إلى رضا الله ورسوله وهذا إنما يحصل بمراغمة أعداء الله، وإيثار مرضاته على مرضاتهم، والغضب إذا انتهكت محارمه فالغضب ينشأ من حياة القلب وغيرته وتعظيمه لله، وإذا عدمت الحياة في القلب تبعها انعدام الغيرة والتعظيم والغضب لله فتساوى عند هؤلاء الناس الخبيث والطيب، في المعاملة وفي الموالاة والمعاداة فأي خير يبقى في قلب كهذا؟

стр. 216

إن المداهن الذي يطلب رضا الخلق، أخبث حالا من الزاني والسارق وشارب الخمر. قال ابن القيم ﵀: ليس الدين بمجرد ترك المحرمات الظاهرة بل القيام مع ذلك بالأمور المحبوبة عند الله، وأكثر المنتسبين إلى الدين لا يعبئون منها، إلا بما يشاركهم فيه عموم الناس، أما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة لله، ورسوله وعباده المؤمنين، ومناصرتهم والجهاد معهم فلا يخطر ببال كثير ممن يدعون الإسلام فضلا عن أن يريدوا فعلها، أو أن يفعلوها وأقل الناس دينا، وأبعدهم من الله، من ترك هذه الواجبات وإن زهد في الدنيا جميعها، حيث يندر من هؤلاء من يحمر وجهه ويتمعر غضبا لله، إذا انتهكت محارمه، فهم لا يجودون بالأنفس والأموال في نصرة الحق وقمع الباطل، فأصحاب الكبائر أحسن حالا عند الله من هؤلاء (١) اهـ. ثم يقول الشيخ حمد بن عتيق معلقا على كلام ابن القيم رحمهما الله جميعا: لو قدر أن رجلا يصوم النهار ويقوم الليل، ويزهد في الدنيا كلها، وهو مع ذلك لا يغضب ولا يتمعر وجهه، ويحمر لله غضبا عند رؤية المنكر وأهله، فهذا من أبغض الناس عند الله وأقلهم شأنا، نظرا لعدم تحمله الأذى في سبيل الدعوة إلى الله (٢) اهـ. ثم يقول حدثني من لا أتهم عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ أنه قال مرة: عندما رأى أناسا يجلسون في المسجد على مصاحفهم يقرءون ويبكون، فإذا علموا معروفا لم يأمروا به، وإذا رأوا منكرا لم ينهو اعنه، ورأى أناسا يعكفون عندهم، ويقولون هؤلاء لحي

стр. 217

غوانم (١) وأنا أقول إنهم لحي فوائن (٢) فقال السامع أنا لا أقدر أن أقول: إنهم لحي فوائن فقال الشيخ: أنا أقول إنهم من العمي البكم (٣). يشهد لهذا ما جاء عن بعض السلف قولهم: إن الساكت عن الحق شيطان أخرس، والمتكلم بالباطل شيطان ناطق (٤) فلو علم المداهن الساكت أنه من أبغض الخلق إلى الله وهو في تلك الحالة، لتكلم بالخير وصدع بالحق، ولو علم طالب رضا الخلق بترك الإنكار عليهم، أنه لن يناله من ذلك إلا غضب الله عليه، ومن يغضب الله عليه يغضب الناس عليه، كما ورد في الحديث عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: «من التمس رضا الله بسخط الناس ﵁ وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس» (٥). فالمداهنة سبب للغضب والعذاب في الدنيا والآخرة يقول الشاعر: وثمود لو لم يداهنوا في ربهم ... لم تدم ناقتهم بسيف قدار (٦). وعلى هذا فالحاكم المسلم يجب عليه موالاة أهل الإيمان ونصرتهم، وقمع أهل الباطل والبغي والفساد وكسر شوكتهم، وقد أخذ بهذا المبدأ عبد الله بن سعود بن عبد العزيز في رسالة بعث بها إلى أمراء بعض الجهات التابعة له، قال فيها: بلغنا الخبر أن بعض الأمراء متسلط على أهل الدين، بأمور ظاهرها حق وباطنها باطل ومغشة، ولا يفعل هذا أمير مع

стр. 218

أهل الدين فأدعه يوما واحدا في الأمارة فكل يأخذ حذره ويبدل ما كان عليه ومضى ما فيه الكفاية (١) اهـ. ومما تقدم يتضح أن المداهنة مذمومة، وقد نهي عنها نبينا محمد ﷺ قال تعالى: (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) [سورة القلم: ٩]. والمداهنة مذمومة لأنها وسيلة إلى تزيين القبيح وتصويب الباطل والسكوت على المنكر فهي من الموالاة المحرمة (٢) اللهم إنا نعوذ بك من كل عمل يغضبك علينا، ومن كل سجية تقربنا من التشبه بالشياطين الساكتين والناطقين، أو أن نداهن في ديننا أهل الشبهات والشهوات والنفاق والكفر، إنك حسبنا ونعم الوكيل. المطلب الثاني: المداراة وحكمها والفرق بينها وبين المداهنة المداراة: هي درء الشر المفسد بالقول اللين، وترك الغلظة أو الإعراض عنه إذا خيف أشد منه، أو مقدار ما يساويه (٣). حكم المداراة لأهل الشر والفجور: تجوز مداراة أهل الشر والفجور فيما لا ينتج عنه قدح في أصل من أصول الإسلام وواجباته، وهذه المداراة ليست داخلة في مفهوم الموالاة المحرمة (٤) فقد كان النبي ﷺ يداري الفساق والفجار فقد روى البخاري بسند منقطع قوله، ويذكر عن أبي الدرداء إنا لنكشر

стр. 219

في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم (١) وفي حديث آخر عن عروة بن الزبير عن عائشة ﵂ أنها أخبرتها أنه استأذن على النبي ﷺ (٢) رجل فقال: ائذنوا له فبئس ابن العشيرة أو بئس أخو العشيرة فلما دخل ألان له الكلام، فقلت له: يا رسول الله! قلت ما قلت، ثم ألنت له في القول فقال: أي عائشة: إن شر الناس منزلة عند الله من تركه أو ودعه الناس اتقاء فحشه (٣). قال بعض العلماء: تجوز المداراة، فيما لا يؤدي إلى ضرر الغير، فأما إن كانت المدارة في أمور تخالف أصول الدين فهي مداهنة لا مداراة فلا يجوز مداراة الناس في مظالمهم من قتل نفس أو سرقة أموال، أو انتهاك أعراض، أو شهادة زور أو نحو ذلك من الأمور المحرمة (٤). قال ابن بطال (٥): المداراة من أخلاق المؤمنين، وهي خفض

стр. 220

الجناح للناس، ولين الكلمة، وترك الإغلاظ لهم في القول والعمل، وذلك من أقوى أسباب الألفة (١) اهـ. أما المداهنة فهي من الدهان، وهو الذي يظهر على الشيء ويستر باطنه، وفسرها العلماء بأنها معاشرة الفاسق، وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه. أما المداراة فهي تعني: الرفق بالجاهل في التعليم، وبالفاسق في النهي عن فعله، وترك الإغلاظ عليه، حتى لا يظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بطلف القول والفعل، ولا سيما إذا احتيج إلى تألفه على الخير ومنع ما يحصل منه من شر (٢). فقد روى أبو نعيم في الحلية عن صفوان بن عسال ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فأقبل رجل فلما نظر إليه رسول الله ﷺ قال: «بئس أخو العشيرة وبئس الرجل» فلما دنا منه أدنى مجلسه فلما قام وذهب قالوا: يا رسول الله حين أبصرته قلت: بئس أخو العشيرة وبئس الرجل، ثم أدنيت مجلسه فقال رسول الله ﷺ «إنه منافق أداريه عن نفاقه، فأخشى أن يفسد علي غيره» قال أبو نعيم هذا حديث غريب (٣). ومن ذلك نستنتج أن المداراة جائزة فيما لا يؤدي إلى ضرر الغير في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم وفيما لا يخالف أصلا من أصول الإسلام وواجباته، وإن مداراة أهل الفسق والفجور ليست قاعدة مطردة يؤخذ بها في كل وقت وحال، وإنما يجوز العمل بها فقط إذا خيف حصول شر أعظم مما هو كائن، أو مثله، وكان المداري غير قادر على إنكار هذا المنكر

стр. 221

بالقول أو الفعل، فيجوز له درء الشر بالقول اللين، أو الإعراض عنه لهذه الأسباب، أما إذا زالت الأسباب الموجبة للمداراة، أو كانت المداراة تؤدي إلى ضرر الغير أو إلى مخالفة أصل من أصول الإسلام وواجباته فإن المداراة حينئذ لا تصح ولا تجوز، لأنها انتقلت من كونها مداراة إلى كونها مداهنة، والمداهنة محرمة في الإسلام كما سبق بيان ذلك (١).

стр. 222

المبحث العاشر: تغيير الأسماء لا يغير حقيقة المسمى وحكمه يعبر القرآن الكريم عن مفهوم الخيانة بكلمة الولاء للأعداء والتولي لهم، وهذا يبدو واضحا جليا في آيات القرآن الكريم المتناولة لهذا الموضوع، فإنه يطلق ذلك اللفظ على أولئك الذين خانوا الله ورسوله والمؤمنين فآثروا العدو والسعي في رضاه، علي رضي الله ورسوله وجماعة المسلمين وآثروا خدمة العدو الكافر على خدمة دين الإسلام ومبادئه العظام. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [الأنفال: ٢٧] فقيل إنها نزلت في أبي لبابة ﵁ حين أشار إلى بني قريظة عدم النزول على حكم سعد بن معاذ ﵁ وقال: لا تفعلوا فإنه الذبح، وأشار على حلقة وقيل نزلت في قوم كانوا يسمعون الشيء من النبي ﷺ فيلقونه إلى المشركين ويفشونه (١).

стр. 223

فالخيانة تعني في مفهوم الإسلام والمسلمين، موالاة العدو توليه، وخيانة كل الفضائل والمبادئ التي جاء بها الإسلام، وطبيعي أن يعدل الناس الذين ابتعدوا عن مفهوم الإسلام، عن استعمال التعبير القرآني في أقوالهم وأفعالهم لأنهم يعلمون أن التعبير القرآني يشتمل على ما لا يريدون من مفاهيم تتنافى وسلوكهم العملي في واقع الحياة (١). ولذلك فهم يصفون موالاتهم للأعداء وتوليهم لهم، وخيانتهم لله ورسوله والمؤمنين، بأوصاف الصلاح والإصلاح، وهم في الحقيقة إنما يلبسون باطلهم ثوب الحق، وينفذون مؤامراتهم وخياناتهم مع أعداء الإسلام تحت هذه الأغطية الجوفاء فقد قتلوا المسلمين الغيورين على دينهم باسم حفظ مصالح الأمة وأمنها، وهم أول البائعين لمصالح الأمة باسم التعاون المشترك والمصالح المشتركة، وباعوا بلاد المسلمين بمن فيها من المسلمين تحت شعار المصالح القومية للأمة العربية، إلى آخر ما حواه قاموس أولئك الخونة الأنذال من ألفاظ الدجل والتضليل، وهم بهذا النهج لم يأتوا بجديد إنما هم يسيرون على طريق أسلافهم، من طواغيت الأرض ومجرميها، فهذا فرعون كما يذكر عنه القرآن الكريم قد سبق هؤلاء على هذا الأسلوب من التحريف والتزييف قال تعالى: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ) [غافر: ٢٦]. فهل هناك أطرف من أن يقول فرعون الضال الوثني، عن موسى رسول الله ﵇ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ؟ أليست هي بعينها كلمة كل طاغية مفسد، عن كل داعية مصلح؟ أليست هي بعينها كلمة الباطل الكالح في وجه الحق الجميل؟ أليست هي بعينها كلمة الخداع والتضليل الماكر الخبيث لإثارة دهماء الناس

стр. 224

في وجه الحق وأهله، وعبر الزمان والمكان؟ تتكرر كلما تقابل الحق مع الباطل والإيمان مع الكفر (١). ثم يقول الله عن فرعون هذا في موضع آخر: (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ) [غافر: ٢٩]. انظر كيف نجد فرعون يتحدث عن نفسه حديث المخلص لقومه الساعي لمصلحتهم فيقول: إنني لا أقول لكم إلا ما أراه صوابًا وأعتقده نافعًا، وهل يرى الطغاة أفعالهم إلا أنها الخير والرشاد؟ فالخير والرشاد في مفهوم أولئك المجرمين، أن ينالوا شهواتهم وملذاتهم كاملة دون نقص، ولو فنيت الأمة كلها، أما لو كانوا يسعون في مصلحة الأمة كما يدعون، لسمحوا للأمة أن تقول لهم أنتم مخطئون، وأنتم غير صالحين للقيادة فتنحوا عنها، وأعطوا القوس باريها ولكن الحاصل من الطغاة من فرعون الغابر إلى فراعنة العصر الحاضر، أنهم لا يسمحون لأحد أن يرى رأيا يخالف رأيهم، أو أن يقول كلاما يخالف قصدهم، ولو لم يكونوا بهذا الوصف لما كانوا طغاة مستبدين وفراعنة مجرمين (٢). قال تعالى: (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ) [البقرة: ١٢] فباسم الإصلاح والمحافظة على حقوق الأمة، يوالون الكفار، وينشرون كفرهم، ويحاربون المؤمنين، ويطفئون نور الله بأفواههم ويعبثون في الأرض فسادا، وإذا أنكر عليهم أحد من المسلمين جريمتهم (قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ) فهم كما يقول الشاعر: كم أضاعوا باسم الشعوب شعوبا ... طحنتها المكائد الهوجاء

стр. 225

ولو نوقشوا في هذا الأمر قالوا: نحن نريد أن نحقق رغبة الأمة، وندري مصالحها، ونرضي من فيها على اختلاف أنواعهم، كفارا كانوا أو مسلمين ونعطي لكل فريق رغبته بلا حدود أو قيود، وهم يدركون أن قولهم ذلك مجرد دعوى، يبررون بها باطلهم، ولكنهم يرون هذا الباطل في تصورهم الخاطئ صحيحا، إلى حد ما وهم لذلك يجمعون بين المتناقضات ويؤلفون بين المتضادات وهو أمر ممتنع الحصول عقلا وشرعا، ولذلك يبين الله أن عملهم هذا قمة في الفساد، ونهاية في الضلال، وكأنه ليس هناك مفسد في الوجود غيرهم، فقال تعالى عنهم: (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ) فما يزعمونه إصلاحا هو عين الفساد، ولكن من جهلهم المطبق وانحرافهم السحيق، لا يشعرون أن عملهم هذا هو الفساد (١). فالإفساد في الأرض من وجهة نظر هؤلاء، هو الدعوة إلى الله وتحكيم شرعه، حيث يترتب تلقائيا بطلان حكم الفراعنة، وسقوط نظامهم كله، لأن نظام الطغاة قائم أساسا على عبودية البشر للبشر، أو بتعبير أدق على أساس ربوبية الفراعنة على عبيدهم المستعبدين لهم، ولذا قرنوا الفساد في الأرض بتحطيم الجذور التي يقومون عليها، لأن بتحطيمها تحطيما لهم، وإن كان في ذلك صلاح المجتمعات كلها وتحريرها من عبوديتهم الظالمة، وطغيانهم المميت (٢). ومثل هذا ما قاله النمرود وقومه: لإبراهيم ﵇ عندما كسر أصنامهم كما ذكر الله عنهم في قوله تعالى: (قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ) [الأنبياء: ٥٩] فأطلقوا وصف الظلم على إبراهيم بينما الظلم الحقيقي في عبادتهم للنمرود وأصنامه، ومحاربتهم لدين الله ورسوله (٣).

стр. 226

ولكن النمرود وفرعون والفراعنة من بعدهما ما كان لهم أن يصنعوا ما صنعوا لولا وجود الفراعنة الصغار، الذين أيدوهم على الباطل، وزينوا لهم مطاردة المؤمنين، فهذا فرعون يشير عليه قومه بملاحقة موسى ومن معه، بحجة ألا يفسدوا في الأرض، والفساد في الأرض في نظر هؤلاء كالفساد في نظر الفراعنة الكبار قال تعالى: (وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ) [الأعراف: ١٢٧]. ألا ما أشبه الليلة بالبارحة، إن الإنسان لتنشل أعضاؤه ويقشعر بدنه عندما يسمع حديث أحد المعذبين الأبرياء بأيدي جلادي الطغاة وزبائنهم المجرمين حتى لا يكاد يصدق أن هؤلاء الذين يفعلون بالناس تلك الأفاعيل آدميون من بني الإنسان يقول أحد المعذبين بأيدي الفراعنة الصغار يصف السجن وبعض ما لقيه فيه في قصيدة تربو على مئتين وتسعين بيتا نختار منها ما يلي كدليل على ما نقول، يقول: فيه زبانية أعدوا للأذى ... وتخصصوا في فنه الملعون متبلدون .. عقولهم بأكفهم ... وأكفهم للشر ذات حنين لا فرق بينهم وبين سياطهم ... كل أداة في يد مأفون يتلقفون القادمين كأنهم ... عثروا على كنز لديك سمين بالرجل بالكرباج باليد ... بالعصا وبكل أسلوب خسيس دون لا يقدرون مفكرا ولو أنه ... في عقل سقراط وأفلاطون لا يعبئون بصالح ولو أنه ... في زهد عيسى أو تقى هارون لا يرحمون الشيخ وهو محطم ... والظهر منه تراه كالعرجون أترى أولئك ينتمون لآدم؟ ... أم هم ملاعين بني ملعون؟ لا تحسبوهم مسلمين من اسمهم ... لا دين فيهم غير لعن الدين (١)

стр. 227

فهؤلاء المجرمون وأمثالهم هم الذين كانوا سندا للطغاة في حربهم للذين آمنوا ولا شك أنهم مؤاخذون بما يفعلون، فمن يعتذر لهم بأنهم أدوات وآلات في يد الحاكم، لم يفهم ما قاله الله عنهم في قوله تعالى: (إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ) [القصص: ٨]. فقرن تعالى جنودهما بهما لمشاركتهم لهما في الظلم، والضلال، والإعراض عن الحق. وقال تعالى: (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) [القصص: ٤٠] وقال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ * يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ) [هود: ٩٦ - ٩٨] فذكر تعالى أنهم جميعا ظالمون، وأنهم قادمون على النار، على حد سواء لا فرق بينهم وبين كبيرهم فرعون. ومما تقدم يتضح أن الفراعنة وأعوانهم يسمون الأشياء بغير مسمياتها الحقيقية، تعمية على الناس وتضليلا لهم، ولكن دجلهم ومكرهم لا يخفى على من رزقه الله فهما وعلما وعملا، فقد ظهر في عصرنا الحاضر مصطلاحات لفظية تحمل معنى موالاة الكفار بغير هذا اللفظ المتداول في لغة القرآن الكريم فيطلقون على مداهنة الكفار والركون إليهم، صداقة وتعاون ويطلقون على ملء البلاد الإسلامية بالجواسيس من اليهود والنصارى والوثنيين ومن يزاولون مهمة التكفير للمسلمين، بأن ذلك سياسة وانفتاح على العالم، كما يرسلون عشرات الآلاف من الأطفال والمراهقين إلى الأعداء، كي يربوهم ويعدوهم على طريقتهم الخاصة باسم العلم،

стр. 228

كما يسمون تبادل الزيارات مع الكفار، واستقبالهم بالأحضان، ومعاشرتهم وذكر ما فيه تعظيمهم والتبسم في وجوههم تسامحا ومراعاة للمشاعر الإنسانية، فنقول لهؤلاء ومن هم على شاكلتهم: إن موالاة الكفار تعني محبتهم وإظهار الود لهم بالقول والفعل والنية، فمهما أطلق على هذا المفهوم من أسماء فإنها لا تخرجه عن كونه موالاة للكفار يستحق فاعل ذلك ما تقدم من الوعيد في شأن من والي الكفار أو تولاهم، فالحكم يدور مع الحقيقة لا مع مجرد اللفظ فلو سمى الزنا متعة، لم يخرجه ذلك عن مفهومه الشرعي، ولو سميت الخمر مشروبًا روحيًا، لم يخرجها عن كونها خمرًا ولو سمي الربا عمولة، أو قرضا بفائدة، أو تعاونا اقتصاديًّا، لم يخرجه عن كونه ربا (١). فقد ورد في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «ليستحلن طائفة من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها» (٢). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «من أظهر الولاية لله وهو لا يؤدي الفرائض ولا يتجنب المحارم، بل قد يأتي بما يناقض ذلك لم يكن لأحد أن يقول هذا ولي الله» (٣). لقد درج الناس في هذا العصر، على اطلاق مسميات الإسلام مثل لفظة شهيد، ومجاهد على أناس هم أشد كفرًا من اليهود والنصارى، لأنهم مرتدون في عرف الإسلام والمرتد أعظم كفرًا، ممن لم يعرف الإسلام ابتداء لأن المرتد عرف الحق ورجع عنه إلى الباطل. كما أن هناك مسميات باطلة ظالمة تطلق على أهل التوحيد ورجال الإسلام من قبل أعداء الإسلام، مثل لفظ الخونة، والعملاء والمتعصبين

стр. 229

والمتطرفين والمحتجزين وغير ذلك من الألفاظ التي يقصد بها التضليل، وصرف الناس عن الحق إلى الباطل، وهم بهذا لم يأتوا بجديد في ذلك إنما يحيون سنة فرعون الذي قال عن موسى وصحبه، كما ذكر الله تعالى ذلك حكاية عنه (إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجِمِيعٌ حَاذِرُونَ) [الشعراء: ٥٤ - ٥٦] فعلى المسلم أن يعرف الفراعنة في كل زمان ومكان، وعليه أن يميز بين الغث والسمين من تلك الأقوال، وأن يعرف الحق من الباطل بناء على الحقائق الثابتة لا على الدعاية المضللة، وألا يكون صدى للأبواق المأجورة يردد بلا وعي ولا إدراك ما يقوله الأعداء وفي هذا المعنى يقول الشاعر عبد المنعم محمد الهاشمي ما يلي: فهم قد زينوا البطلان حتى ... كسوه ثوب حق خادعنيا وما الحق فاتهموه حتى ... كسوه ثوب بطلان ضغينا (١) وفي هذا المعنى يقول الشاعر سليمان بن سحمان الدوسري ما يلي: وفي زعم هذا الأحمق الوغد أنه ... وأصحابه أهل الهدى حين يرسما وأن ذوي الإسلام أهل ضلالة ... وأهل ابتداء بئسما قال إذ رمى أيوصف بالإسلام من كان مشركا ... ويوصف بالإشراك من كان مسلما لعمري لقد جئتم من القول منكرا ... وزورا وبهتانا وأمرا محرما (٢) فخلاصة القول في هذه المسألة أن المسلم عليه التثبت فيما يأخذ ويدع من أقوال الناس وأفعالهم قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) [الحجرات: ٦].

стр. 230

فلا يجوز لمسلم أن يوالي قوما بناء على ما تلوكه وسائل الأعلام الموجهة لخدمة أغراض معينة، أو بناء على ما يتفوه به سواد الناس ممن لا دراية لهم، وليس لديهم دين مصحوب بعلم وعمل، كما أنه لا يجوز له أن يعادي قوما تعاديهم تلك الوسائل وهذه الفئات من الناس، ما لم تتبين له الحقائق من مصادر مؤكدة مأمونة موثوقة في نقلها وحكمها على الأشياء، ونظرتها إلى الأمور من وجهة النظر الإسلامي الصحيح، فعندئذ يوالي أهل الحق ويعادي أهل الباطل، كما شرع الله وأمر عباده المؤمنين بذلك كما هو مقرر في الكتاب والسنة.

стр. 231

الفصل الثاني: التطبيق العملي للموالاة والمعادة في الشريعة الإسلامية وتحت هذا الفصل خمسة مباحث هي: المبحث الأول: أسباب تحقيق الموالاة في الله. المبحث الثاني: الحقوق التي تقتضيها الموالاة في الله. المبحث الثالث: حقوق الأقليات الإسلامية. المبحث الرابع: أسباب تحقيق المعاداة في الله. المبحث الخامس: صور من الموالاة والمعاداة في الله.

стр. 232

المبحث الأول: أسباب تحقيق الموالاة في الله إن الإسلام ليس دعوة نظرية لإمتاع العقول وتزكية الخيال، بقدر ما هو عمل واقعي، ومنهج تطبيقي لإصلاح شأن الإنسان وشأن الناس جميعا لقد كانت الآية أو الآيات تنزل في الحالة الخاصة أو الحادثة المعينة تحدث للناس عما في نفوسهم، وتصور لهم منهج العمل في ذلك الموقف أو غيره من المواقف، وتصحح لهم الأخطاء في الشعور والسلوك، وتربطهم في هذا كله بالله ، ومن ثم يتكيفون في واقع حياتهم العملية والنفسية، وفق ذلك المنهج الإلهي القويم (١). لقد أكد الله على العمل في آيات كثيرة من القرآن الكريم فقد ورد ذكر العمل مقرونا بالإيمان في أكثر المواضع، ومفردا تارة أخرى وقد بلغ ذلك أكثر من ثلاثمائة وسبعين موضعا من القرآن الكريم (٢).

стр. 233

ليكون ذلك دليلا على أن العمل هو البرهان الحقيقي على صدق القول من كذبه، ذلك أن العمل أشق من مجرد القول الذي لا يكلف الإنسان إلا بضع كلمات عابرة، ولكن بالأفعال يظهر الصدق من الكذب. فمن سمات هذا الدين البارزة وخصائصه الفريدة أنه يربط القول بالعمل، فهو ليس مجموعة من النصوص المثالية النظرية، بقدر ما هو عمل تطبيقي واقعي طبقه الرسول ﷺ وطبقه أصحابه، ولا يزال المسلمون المتمسكون بهذا الدين يطبقون نصوص الكتاب والسنة حتى هذا اليوم تطبيقا عمليا في صغير الأمور وجليلها، وهذا هو معنى الإسلام والإذعان الحقيقي لله ، وقد ذم الله الذين يقولون ما لا يفعلون، بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ) [الصف: ٢]. وأسباب تحقيق الموالاة في الله كثيرة ومتنوعة ولكن حسبنا أن نذكر أهم تلك الأسباب العملية للذكرى والتنبيه وهي كما يلي. السبب الأول: إن من أهم أسباب تحقيق الموالة في الله، أن يكثر المسلم من مطالعة كتاب الله وتدبر آياته، حيث إن المسلم يرى من خلال آيات الكتاب الكريم ما يجب عليه نحو ربه ثم نحو رسوله ﷺ ثم نحو إخوانه المؤمنين، من محبة وطاعة ومناصرة، فقراءة الكتاب الكريم جلاء للبصائر الكليلة، وشفاء للصدور العليلة، فإن من دوام على قراءته في تمهل وترو، وتدبر، انفتحت أغلاق قلبه وسطعت أنوار القرآن في آفاق نفسه، وانمحت منها غياهب الظلام والفجور، ولذلك يدعونا الله إلى هذا الأمر بقوله تعالى: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [محمد: ٢٤]. وقال رسول الله ﷺ : «تعلموا القرآن وسلوا الله به الجنة، قبل أن

стр. 234

يتعلمه قوم يسألون به الدنيا، فإن القرآن يتعلمه ثلاثة: رجل يباهي به، ورجل يستأكل به، ورجل يقرؤه لله» (١). وقد ذكر في تفسير قوله تعالى: (وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا * الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا) [الكهف: ١٠٠، ١٠١] إنهم هم الذين كانوا يعرضون عن القرآن الكريم، وعن الاستماع إليه، والتأمل في معانيه، والتدبر في آياته (٢). وأخرج ابن حبان من حديث طويل عن أبي ذر ﵁ قال: قلت يا رسول الله أوصني قال: «عليك بتقوى الله، فإنه رأس الأمر كله»، قلت: يا رسول الله زدني قال: «عليك بتلاوة القرآن فإنه نور لك في الأرض وذكر في السماء» (٣). ويروى عن عثمان بن عفان ﵁ أنه قال: لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله ، ويروى عن ابن مسعود ﵁ قوله: «لا يسأل أحدكم عن نفسه إلا القرآن، فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله، وإن كان يبغض القرآن فهو يبغض الله ورسوله». وللقرآن تأثير مباشر على قوة الإيمان وضعفه، فكلما قويت الصلة بكتاب الله وتدبر معانيه، كلما ازداد الإيمان في النفس وظهرت آثاره على الأقوال والأفعال، وكلما ضعف الإيمان بضعف الصلة بكتاب الله وتدبر معانيه، كلما ازداد الإنسان بعدا عن محبة الله ومحبة رسوله ومحبة المؤمنين، وصار مهيئا لمحبة الكفار وأفعال الكفر وصفات الكافرين.

стр. 235

السبب الثاني: إن السبب الثاني من أسباب تحقيق الموالة في الله هو الإيمان الله. إن الفرد بغير الإيمان الحقيقي بالله، ريشة في مهب الريح، لا تستقر على حال، ولا تسكن إلى قرار، والإنسان بغير الدين الإسلامي، إنسان لا قيمة له ولا جذور، فهو عندما ينسلخ من الدين الإسلامي يتحول إلى حيوان شره، أو وحش مفترس، لا تستطيع الثقافة الوضعية ولا القانون الجاهلي أن يحدا من شراهته أو يمنعاه من الافتراس، والمجتمع بغير دين صحيح، وإيمان قوي، مجتمع متوحش مظلم متألم، وإن لمعت فيه بوارق الحضارة المهترئة وامتلأ بأدوات الرفاهية وأسباب النعيم الحسي، فهو مجتمع البقاء فيه للأقوى، لا للأفضل والأتقى مجتمع تقرأ التعاسة والشقاء في وجوه أصحابه، وإن زينوا وجوههم بأنواع الأصباغ والمحسنات وركبوا الطائرات وسكنوا العمارات واغتصبوا أعظم الثروات، فهو مجتمع تافه رخيص هزيل، لأن غايات أهله غايات ساذجة سطحية هزيلة لا تتجاوز شهوات البطون والفروج قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ) [محمد: ١٢] بخلاف مجتمع الإيمان والإسلام المبني على الحب في الله والرضا بكل ما صدر عن الله ، إن المؤمن بعقيدة الإسلام قد نفذ إلى سر الوجود فأحب الله واهب الحياة ومنشئ الخلق وصاحب الأمر والنهي المطلق في الوجود كله، وهذا أمر طبيعي، في أن يجب الإنسان ربه، وخالقه ورازقه، لأن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها، وأي إحسان كإحسان من خلق فقدر وشرع فيسر، وجعل الإنسان في أحسن تقويم، ووعد من أطاعه بجنة الخلد التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، لهذا كله ولأكثر منه أحب المؤمنون ربهم حبًّا لا يقاس بغيره مما هو دونه، فقدموا أنفسهم وأهليهم وأموالهم في سبيل الله بلا تردد أو منة، بل اعتبروا ذلك تفضلا من الله عليه، أن فتح لهم باب

стр. 236

الجهاد والاستشهاد في سبيله ويسر لهم أسبابه فقاموا بذلك الواجب خير قيام (١). أحب المؤمنون ربهم وكل ما يصدر عن ربهم من أمر ونهي، وكل ما يحبه ، أحبوا الكتاب الذي أنزله ليخرج الناس به من الظلمات إلى النور، وأحبوا الرسول ﷺ الذي أرسله الله رحمة للعالمين وأحبوا إخوانهم في الله من أهل الخير والصلاح في كل زمان ومكان، لأن محبة المؤمنين أمر لازم على كل مسلم، ومناصرتهم واجب شرعي لا يتخلى عنه إلا من لا إيمان له، قال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) [الأنفال:٧٤]. فالحب في الله أخص من الرضا وأعمق أثرا حيث إنه الضمان الوحيد لترابط المجتمع واحترام حقوقه، ولذلك ورد في الحديث الشريف: «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» (٢). إن الحب في الله يحول المر حلوا، والكدر صفاء، والألم شفاء، والنصرة جهادا والابتلاء رحمة، والإحجام عن نصرة أهل الحق خيانة، وتراجع عن الإسلام. إن الإيمان الحقيقي بالله، هو الذي ينبعث منه الحب في الله الذي يحرك إرادة القلب، ويوجهها إلى المحبوبات وترك المحظورات وكلما ازداد الإيمان بالله في نفس المؤمن كلما ازدادت المحبة في الله لديه قوة صلابة.

стр. 237

فحقيقة المحبة في الله لا تتم إلا بموافقة الباري جل وعلا في حب ما يحب، وبغض ما يبغض (١). ولذلك فأكمل الخلق وأفضلهم وأعلاهم إيمانا من كان أقربهم إلى الله في محبته، وأقواهم في طاعته، وأتمهم عبودية له (٢) وهذه الصفات تستلزم بطبيعة الحال محبة الرسول ﷺ ومحبة ما جاء به من عند الله، ومحبة المؤمنين بهذا الدين، وإيثارهم على النفس بالمال والنصرة والتأييد، والانضمام في حزبهم حيث إنهم حزب الله ومن انضم إلى حزب الله فقد أفلح في دنياه وأخراه. إن الإيمان بالله، والحب في الله، وما يترتب عليهما قواعد متلازمة ينبني بعضها على البعض الآخر، ويتأثر اللاحق منها بالسابق فإذا قوي الإيمان بالله في نفس المؤمن ازداد الحب في الله، وازدادت الأفعال المترتبة على ذلك، حتى تصبح الجماعة المسلمة، كخلايا الدم في الجسم تعمل لغرض واحد، وهدف واحد، وفي إطار واحد، عند ذلك تصبح الجماعة المسلمة بنية حية قوية صامدة قادرة على أداء رسالتها ودورها العظيم في حق نفسها، وفي حق البشرية جمعاء (٣). إن أي ارتباط بين شخصين أو أكثر لا بد أن يكون مسبوقا برابطة تربط بينهما، وهذه الرابطة قد تكون صحيحة وقد تكون فاسدة، بحسب أسسها وركائزها، والأهداف المقصودة منها. أما الرابطة في دين الإسلام فهي الرابطة في الإيمان بهذا الدين قال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ

стр. 238

كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) [آل عمران: ١٠٣]. إن رابطة الإسلام تغنينا عن جميع الروابط الجاهلية الفاسدة مثل رابطة الدم، أو رابطة اللون أو اللغة، أو رابطة الوطن أو الإقليم أو رابطة الحرفة أو الطبقة، أو غير ذلك من الروابط الجاهلية التي تختلف اختلاف جذريا مع أصول الإسلام ومنطلقاته في الموالاة والمعاداة، والحب والبغض فالدعوة إلى القومية والتجمع العربي فقط على أساس العروبة لغةً ونسبًا هي دعوة جاهلية خارجة عن منهج الإسلام يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [الحجرات: ١٣]. فمن أجل ذلك جعل الرسول ﷺ الإخوة في الله هي الأساس والرابطة التي جمع عليها أفئدة أصحابه، حيث إن العقيدة الإسلامية التي جاء بها من عند الله تضع الناس كلهم في مقام العبودية لله تعالى، دون أي اعتبار لفارق اللون، أو الدم أو الوطن، أو الطبقة، أو غير ذلك من الفوارق القائمة في المجتمعات الجاهلية. فالمقياس لتفاوت الأفراد في الإسلام هو التقوى والعمل الصالح، وهذا المبدأ يحقق العدل بالنسبة لكافة المنتمين إليه ويسع العالم أجمع دون أي تمييز بينهم فيما عدا التقوى والعمل الصالح. إن البشرية قد جربت في الماضي المعهود والحاضر المشهود روابط عديدة، من قومية ووطنية، ومنظمات حزبية كافرة، وقد باءت كلها بالفضل الذريع، فهي لم تستطع أن تجمع المتفرقين، أو توحد المختلفين، أو تنصر المهزومين، ولم تنصف المظلومين من الظالمين.

стр. 239

إن مفتاح القلوب لإدخال الحب والألفة والتعاون والتناصر بين الناس، يكمن في الانتماء إلى هذا الدين، وفهمه فهما مستقيما والعمل به قولاً وفعلاً، قال تعالى: (وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [الأنفال: ٦٢، ٦٣]. فلا ألفه ولا تعاون ولا تناصر، إلا بتعميق مفهوم الإيمان في النفوس، ولنا في هذا تجربة فريدة مضيئة سوف تبقى مثلا أعلى ما بقيت الحياة فقد كانت حياة العرب قبل الإسلام أشبه بحالنا اليوم من الفرقة والقتال والتناحر والخصام والأنانية، وحب الذات، وعدم التمييز في النصر بين الظالم والمظلوم، وعدم الإيثار، والتضحية للمضطهدين والمحتاجين والمشردين من الضعفاء والمساكين، وعندما شع نور الإسلام في قلوب أولئك القوم قلب أفعالهم وأقوالهم رأسا على عقب فاستيقظوا بعد الضلالة والعمى وأدركوا أن التآخي في الله ليس مجرد شعار في كلمة يجرونها على ألسنتهم وتتناقلها أفواههم وإنما هو حقيقة عملية يتصل بواقع الحياة، وبكل أوجه العلاقات القائمة من تعاون وتناصر، وتناصح وإيثار ومحبة، وقد قام بتطبيق ذلك تطبيقا عمليا كل من المهاجرين والأنصار، رضوان الله عليهم، ثم تبعهم على ذلك عامة المسلمين على درجات متفاوتة. وهذا يؤكد لنا أن مناط التآخي والمحبة والتناصر بين المسلمين هو فهم الإسلام فهما صحيحا، وتطبيقه تطبيقا تاما كما فهمه وطبقه أولئك الصفوة الأفاضل الأبرار، بلا تردد أو مداهنة أو احتيال (١). إن الفهم الحقيقي للإسلام، هو الذي ينبعث منه شعور صادق يحل

стр. 240

في كيان المرء وإحساسه، ويستولي على شعوره ووجدانه، فيدرك به من حقائق الرسالة ما لا يستطع أن يدركه من يعيش على هامش الحياة، ومن علامات هذا الفهم المستنير لمقاصد الإسلام، أن يرى المرء متجافيا عن دار الغرور منيبا إلى دار الخلود، مستعدا للموت قبل الفوت، منبعثا إلى الدعوة إلى الإسلام في همة وجد ونشاط، مطبقا أحكامه على نفسه وأهل بيته، في غير هوادة أو مداهنة. ومن علاماته أيضا، شعور المرء بالغيرة والغضب إذا انتهكت حرمات العقيدة، أو اعتدي على حمى الإسلام والمسلمين. إن من لوازم الإيمان بالله، الحب في الله، والحب في الله يورث الموالاة والمناصرة والتعاون بين الإخوة في الله، فعلينا أن نسعى لغرس الإيمان في النفوس وأن نقتلع كل عوامل الضعف أو العوائق التي تمنع وصول التصور الإسلامي الصافي إلى النفوس، إذا أردنا تحقيق الموالاة في الله والمعاداة فيه (١). السبب الثالث: من أهم أسباب تحقيق الموالاة في الله تجنب الخلاف بين المسلمين حيث يؤدي الخلاف بين المسلمين إلى الانقسام وإلى ضعف الموالاة وربما إلى المعاداة بين الطرفين المتنازعين، وقد نهى الله عن التنازع والاختلاف والمجادلة بغير التي هي أحسن قال تعالى: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [آل عمران: ١٠٥]، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) [الأنعام: ١٥٩]، وقال تعالى: (وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا) [الروم: ١٥٩]، وقال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا

стр. 241

وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) [آل عمران: ١٠٣]. فالأخوة المعتصمة بحبل الله، هي الأخوة التي تؤلف بين المسلمين بغض النظر عن مراكزهم، وألوانهم وبلادهم وكان بعضهم يقرأ الآية أو الحديث فيفهم منه فهما معينا، ويفهم غيره فهما آخر، فيناقش كل صاحبه بالتي هي أحسن، فإن كانت النتيجة اتفاقا حمدًا الله تعالى، وإن كانت الأخرى عذر كل صاحبه، وانصرفا صديقين متحابين. وكان من أثر ذلك في علاقة بعضهم ببعض، نمو روح التسامع فيما بينهم، وقوة المحبة والأخوة في الله وفي سبيل الحق، والتعاون عل كل ما يوصل إلى إرضاء الله تعالى، وإلى سعادة الأمة فبارك الله لهم في أعمارهم، وأعمالهم، وحفظها من أن تضيع في جدل عقيم، ومراء سقيم، ليس له من باعث سوى العناد للرأي، والانتصار للمذهب، مهما بعد عن الحق أو ظهر خطؤه (١). لقد نفعهم الله بوحدة الكلمة والرأي، فسلموا من التخاصم والتحاسد، ومن كل ما يفسد القلوب، ويحبط الأعمال، فنفعهم الله بأعمالهم ونفع بها الأمة. وها هي ذي آثارهم، لا زالت منارا يهتدي به من أراد سلوك طريقهم ونموذجا لمن وهبه الله الفقه في الدين وحرص على تحري الحق، وأراد أن ينفع كما نفعوا، ويثمر كما أثمروا ولعل من أسلوب نجاحهم أنهم كانوا جميعا يغترفون من نهر واسع الجنبات عميق الغور،

стр. 242

وذلك هو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ يرتوي منه كل منهم على قدر استعداده ولا يقابل من غيره بعتاب ولا ملام. أما اليوم ونقولها بكل مرارة وأسى، فقد وصل الاختلاف بين المسلمين المحسوبين على الإسلام، إلى درجة ينفطر لها قلب المسلم الغيور حسرة وألما، وكأنهم عفا الله عنهم، لم يكفهم التمزق الذي أصابهم من أعدائهم من الخارج، فراحوا يوسعون شقة الخلاف، ويعينون أعداءهم على أنفسهم، بتفرقهم شيعا وأحزابا يخاصم كل حزب غيره ويعاديه (١). بدلاً من الانضمام تحت حزب واحد وراية واحدة وقيادة واحدة، فالحزب هو حزب الله والراية هي راية الإسلام راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، والقيادة هي قيادة محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة والسلام. هذا هو طريق العزة والنصر، طريق الموالاة في الله، والوحدة على رضاه: تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرا ... وإذا افترقن تكسرت آحادا فالخلاف المذموم، هو الذي يؤدي إلى نشوء العصبية بين المختلفين وتراشقهم بسهام اللجاج والجدل، حتى ينتهي بهم إلى التفرق والتناحر، وعلى هذا فلا يجوز للمسلم أن يتعصب لقول في مذهبه مخالف لكتاب الله وسنة رسوله بل يجب الرد والرجوع إليها قال تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) [النساء: ٥٩]. فالاختلاف الناجم عن الهوى والتعصب، هو بلا شك شر على

стр. 243

الأمة، وقد حصل بسببه آثار سيئة ومفاسد كبيرة، فالتخلص من الاختلاف الذي هو من هذا النوع، واجب ورحمة للأمة كما قال تعالى: (وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) [الأنفال: ٤٦]. فينبغي للعلماء والمجتهدين، التقارب والبعد عن الاختلاف، تبعا لقوة الدليل وغلبة الظن أنه الحق، لأن اجتماع المسلمين وتوحد كلمتهم وتقاربهم وتعاونهم واحترام بعضهم لبعض أمر، حث عليه الإسلام وهو الضمان الحقيقي لدوام الأخوة والموالاة والنصرة فيما بينهم (١) ويجب أن يدرك الأخ المسلم في تعامله مع إخوانه أنه لا يتعامل مع ملائكة لا يعضون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، بل يتعامل مع بشر يخطئون ويصيبون في اجتهادهم في أقوالهم وأفعالهم، فعلى الأخ أن لا يضيق ذرعًا بأي بادرة خطأ أو اجتهاد في غير محله، بل يحسن التوجيه، فيعذر الجاهل وبينه الغافل، ويذكر المتهاون والله الهادي إلى سواء السبيل. السبب الرابع: من أسباب تحقيق الموالاة في الله صحبة أهل الخير وأهل المعرفة بالله، وتلك الصحبة مما أمر بها الإسلام وحث عليها، وأهل الخير الذي تستحب صحبتهم، هم من يشتغلون بعيوب أنفسهم عن عيوب الناس، يلتزمون أمر الشرع، ونهيه في صدق وطاعة، ويقومون بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قوة وإيمان، فصحبة هؤلاء تلين القلوب، وتطهر من الذنوب وهي بيئة طيبة يحيى فيها القلب حياة كريمة (٢). فقد ورد في الحديث الصحيح أن أعرابيًا قال لرسل الله ﷺ متى الساعة؟ قال له رسول الله ﷺ «ما أعددت لها؟» قال: حب الله ورسوله قال: «أنت مع من أحببت» (٣).

стр. 244

وفي حديث آخر: «إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك، إما أن يحذيك (١) وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد ريحا خبيثة» (٢)، وفي الحديث أيضًا: «إن الله يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي، اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي» (٣). وفي الحديث القدسي: «وجبت محبتي للمتحابين فيَّ والمتزاوين فيَّ والمتباذلين فيَّ» (٤)، وفي حديث آخر عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» (٥)، وذلك أن ترابط القلوب برباط العقيدة الإسلامية يورث أنسا وسعادة واستقامة في الحياة وأقل درجات الحب في الله، سلامة الصدر من الغل والحسد والضغينة نحو الإخوان في الله، وأعلى درجات الحب في الله والموالاة فيه مرتبة الإيثار، وقد ذكر الله ذلك في وصفه للأنصار حين أكرموا إخوانهم المهاجرين قال تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر: ٩]. وفي الحديث: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضهم بعضًا» (٦).

стр. 245

وقال تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) [التوبة: ٧١]. فالأخ المسلم الصادق يرى أن إخوانه أولى به من نفسه، لأنه إن لم يكن بهم فلن يكون بغيرهم، وهم إن لم يكونوا به كانوا بغيره، فحاجته إليهم أشد من حاجتهم إليه (١). قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [المائدة: ٥٤]. فالأخ يتقوى بإخوانه ويسترشد بهم فبدلا من أن يفكر بعقل واحد يفكر بعدة عقول عندما يطرح أي مشكلة من مشاكل الحياة التي تواجهه فيجد من إخوانه تنويرًا وتبصيرًا لما قد يغيب عنه أو يخفى عليه، ويجد منهم عونا معنويًا وماديًا له في الحياة. السبب الخامس: من أسباب تحقيق الموالاة في الله، سلامة الصدر من الغش والحسد والضغينة نحو الإخوان في الله. فقد أخرج أحمد بإسناد حسن والنسائي عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنا جلوسا مع رسول الله ﷺ فقال: «يطلع الآن عليكم رجل من أهل الجنة» فطلع رجل من الأنصار تنظف لحيته من وضوئه، وقد علق نعليه بيده الشمال، فلما كان الغد قال النبي ﷺ مثل ذلك، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى فلما كان اليوم الثالث، قال النبي ﷺ مثل مقالته أيضا، فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى، فلما قام النبي ﷺ تبعه

стр. 246

عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ فقال: إني لاحيت (١) أبي فأقسمت أني لا أدخل عليه ثلاثا فإن رأيت أن تؤيني إليك حتى تمضي فعلت، قال: نعم، قال: أنس فكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الثلاث الليالي فلم يره يقوم من الليل شيئًا، غير أنه إذا تعار (٢) تقلب على فراشه ذكر الله ، وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر، قال عبد الله: غير أني لم أسمعه يقول إلا خيرا، فلما مضت الثلاث ليالي وكدت أن أحتقر عمله قلت: يا عبد الله لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجرة، ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول لك ثلاث مرات: «يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة» فطلعت أنت الثلاث المرات فأردت أن آوي إليك فأنظر ما عملك فاقتدي بك فلم أرك عملت كبير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله ﷺ ؟ قال: ما هو إلا ما رأيت، فلما وليت دعاني، فقال: ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشا، ولا أحسد أحدا على خير أعطاه الله إياه، فقال عبد الله: هذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق (٣). هذه حال أولئك الصفوة، صدق وصفاء ونقاء في الظاهر والباطن، ولكن للأسف إن هذا الأمر مفقود بين المسلمين في عصرنا الحاضر إلا ما شاء الله، فحتى أولئك الذين ينصبون أنفسهم للدعوة إلى الإسلام نرى كثيرًا منهم يضمرون ويظهرون أنواعًا من الغش والحس نحو إخوانهم في الإسلام حيث إن هم أحدهم هو التجريح لكل من ينتمي إلى الدعوة.

стр. 247

الإسلامية أو يحسب عليها، فلا يبقون على أحد يمثل الإسلام أو يتمثل فيه الإسلام سوى خاصة أنفسهم وقلة من أتباعهم، وينظرون إلىمن سواهم نظرة الند للند، وهذا أمر في غاية الخطورة على واقع المسلمين وحياتهم، وهو أمر يمنع تحقيق الموالاة والمناصرة بين عموم المسلمين، ويبقي الفئات العاملة للإسلام مزع متناثرة متناخرة، لا تشكل بوضعها هذا أي خطر على الأعداء ولا تحقق، لها ولدينها العزة والكرامة. إن المسلم الحق الذي يحرص على مصلحة الإسلام والمسلمين هو الذي يواجهه إخوانه ويكاشفهم بآرائه عنهم وعن عملهم للإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، فقد يتصور خطأ أنهم على خطأ وهو المخطئ في الحقيقة وقد يكون العكس صحيحا، كما أن الأخ أو الجماعة المسلمة التي يوجه إليها النقد يجب أن تتحلى برحابة الصدر وباحترام آراء إخوانهم الآخرين وإن اشتملت على شيء من الاجتهاد المخالف للصواب في مسألة فرعية فإن الكمال لله فظاهر العتاب خير من باطن الحقد. فكثير من المنتسبين إلى الدعوة تقاعسوا عن الانتماء إليها بسبب أنهم طرحوا بعض القضايا والآراء حول طريقة الدعوة وسبلها فلم يلق لها بال ولم يؤبه (١) لها فكان ذلك سببا من أسباب إعراضهم عن الدعوة عن الانتماء إليها، وهو سبب غير وجيه بطبيعة الحال، ولكنه واقع فعلا ومنهم من يختزن في ذهنه مجموعة من الملاحظات التي يظنها أخطاء تيردى فيهال العاملون للإسلام ثم تزداد في نفسه يوما بعد يوم دون أن يبديها لأخوانه أو يناقشهم عليها ويرى رأيهم فيها وفي النهاية تشكل تلك الملاحظات مبررا شرعيا في نظره للانفصال عن الجماعة المسلمة وعن الدعوة التي ينتمون إليها دون أن يكلف نفسه عرض تلك الملاحظات على إخوانه ومعرفة وجه الحق فيها له أم عليه.

стр. 248

إن الشجاعة في نقد الأخ لأقوال إخوانه وأفعالهم معدومة تقريبا بين العاملين للإسلام، كما أن رحابة الصدر وتقبل النقد عند بعض الإخوة مفقود أيضا، وهذا يؤدي إلى استمرار الأخطاء، وانطواء النفوس على ما يزعزع ثقتها بإخوانها، وبالتالي تضعف الموالاة والمناصرة بين الأخ وإخوانه وربما تقطع الصلة بينه وبين إخوانه بسبب ذلك. وللأسف فإن هذا الأمر الذي أضعناه أو تهاونًا فيه قد أخذ به أعداؤنا فهم أكثر منا شجاعة في نقد بعضهم لبعض، كما أنهم أقدر منا على تحمل النقد وتقبله ممن جاء به، وإن بدا هذا النقد واهيا ضعيفًا. فعلى كل أخ إذا أراد أن تستمر الموالاة والمناصرة بينه وبين إخوانه، أن يكون صريحا مع إخوانه، وأن لا يضمر لهم خلاف ما يظهر وأن يكون لهم مرآة يرون من خلاله عيوبهم ويكونوا له مرآة يرى عيوبه من خلالهم، حتى يصل الجميع إلى التكامل والتكاتف وتجنب الأخطاء. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن: يكف عليه ضيعته، ويحوطه من ورائه» (١). السبب السادس: من أسباب تحقيق الموالاة في الله الفرح بحسن حال المسلمين واسترضاء المسلم لأخيه المسلم وقضاء حاجته أخرج الطبراني عن ابن بريدة الأسلمي قال: شتم رجل ابن عباس ﵄ فقال ابن عباس: إنك لتشتمني وإنَّ فيَّ ثلاثَ خصالٍ، إني لآتي على الآية في كتابِ الله فلوددت أن جميعَ الناس يعلمون ما أعلم، وإني لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يعدل في حكمه فأفرح ولعلي لا أقاضي

стр. 249

إليه أبدًا، وإني لأسمع بالغيث قد أصاب البلد من بلاد المسلمين فأفرح وما لي به سائمة (١). وعن أبي الدرداء ﵁ قال: كنت جالسا عند النبي ﷺ إذ أقبل أبو بكر أخذًا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته فقال النبي ﷺ أما صاحبكم فقد غامر، فسلَّم، وقال: يا رسول الله إني كان بيني وبين ابن الخطاب شيء، فأسرعت إليه ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي فأبى علي فأقبلت إليك، فقال: يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثًا ثم إن عمر ندم، فأتى منزل أبي بكر فسأل: أثمَّ أبو بكر؟ فقالوا: لا، فأتى إلى النبي ﷺ فجعل وجه النبي ﷺ يتمعَّر حتى أشفق عليه أبو بكر فجثا على ركبتيه فقال: يا رسول الله! والله أنا كنت أظلم «مرتين»، فقال النبي ﷺ : إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت وقال أبو بكر: صدقت وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركون لي صاحبي؟ «مرتين» فما أوذي بعدها (٢). وفي قضاء حاجة المسلم لإخوانه يروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله سرور يدخله على مسلم، أو يكشف به عنه كربةً أو يقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا، ولئن أمشي مع أخ في حاجة أحب إليَّ من أن اعتكف في هذا المسجد (يعني: المسجد النبوي) شهرًا ومن كفَّ غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تتهيأ له، أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام، وإن سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل» (٣).

стр. 250

فالفرح بحسن أحوال المسلمين والحرص على رضاهم، وإدخال السرور عليهم، والاهتمام بالمسلم أثناء تقديم حاجته، والإنصات إليه، كل هذه المعاني قد أمر بها الشرع وهي من حسن الخلق، فقد روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أحب عباد الله إلى الله أحسنهم خلقًا» (١) حيث إنَّ عدم تقدير المتكلم وعدم المبالاة بكلامه أو الاهتمام به، وبما يطلبه يورث في نفس المتكلم ردود فعل خطيرة، ومداخل لشياطين الجن والإنس في إيقاع الفرقة ونشوء العداوة بين المسلمين. وقد أمر الله بفعل الخير في حق المسلمين جميعًا قال تعالى: (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الحج: ٧٧]. ومما يثبت المودة ويزيد المحبة زيارة الأخ المسلم لإخوانه، فقد روي عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ زار أهل بيت من الأنصار فطعم عندهم طعاما فلما أراد أن يخرج أمر بمكان من البيت فنضح (٢) له على بساط، فصلى عليه ودعا لهم (٣)، وورد في فضل الزيارة أحاديث منها ما رواه الترمذي وحسنه وصححه ابن حبان من حديث أبي هريرة رفعه: «من عاد مريضا أو زار أخا له في الله ناداه مناد طبت وطاب ممشاك وتبوَّأت من الجنة منزلاً» (٤). وفي حديث عن معاذ بن جبل ﵁ مرفوعًا: «حقت محبتي للمتزاورين فيَّ» (٥).
следующие страницы →