← Акыда

Акыда · id 12812

الموالاة والمعاداة في الشريعة الإسلامية

محماس الجلعود

Полный текст (908 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ فقال: إني لاحيت (١) أبي فأقسمت أني لا أدخل عليه ثلاثا فإن رأيت أن تؤيني إليك حتى تمضي فعلت، قال: نعم، قال: أنس فكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الثلاث الليالي فلم يره يقوم من الليل شيئًا، غير أنه إذا تعار (٢) تقلب على فراشه ذكر الله ، وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر، قال عبد الله: غير أني لم أسمعه يقول إلا خيرا، فلما مضت الثلاث ليالي وكدت أن أحتقر عمله قلت: يا عبد الله لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجرة، ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول لك ثلاث مرات: «يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة» فطلعت أنت الثلاث المرات فأردت أن آوي إليك فأنظر ما عملك فاقتدي بك فلم أرك عملت كبير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله ﷺ ؟ قال: ما هو إلا ما رأيت، فلما وليت دعاني، فقال: ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشا، ولا أحسد أحدا على خير أعطاه الله إياه، فقال عبد الله: هذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق (٣). هذه حال أولئك الصفوة، صدق وصفاء ونقاء في الظاهر والباطن، ولكن للأسف إن هذا الأمر مفقود بين المسلمين في عصرنا الحاضر إلا ما شاء الله، فحتى أولئك الذين ينصبون أنفسهم للدعوة إلى الإسلام نرى كثيرًا منهم يضمرون ويظهرون أنواعًا من الغش والحس نحو إخوانهم في الإسلام حيث إن هم أحدهم هو التجريح لكل من ينتمي إلى الدعوة.

стр. 247

الإسلامية أو يحسب عليها، فلا يبقون على أحد يمثل الإسلام أو يتمثل فيه الإسلام سوى خاصة أنفسهم وقلة من أتباعهم، وينظرون إلىمن سواهم نظرة الند للند، وهذا أمر في غاية الخطورة على واقع المسلمين وحياتهم، وهو أمر يمنع تحقيق الموالاة والمناصرة بين عموم المسلمين، ويبقي الفئات العاملة للإسلام مزع متناثرة متناخرة، لا تشكل بوضعها هذا أي خطر على الأعداء ولا تحقق، لها ولدينها العزة والكرامة. إن المسلم الحق الذي يحرص على مصلحة الإسلام والمسلمين هو الذي يواجهه إخوانه ويكاشفهم بآرائه عنهم وعن عملهم للإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، فقد يتصور خطأ أنهم على خطأ وهو المخطئ في الحقيقة وقد يكون العكس صحيحا، كما أن الأخ أو الجماعة المسلمة التي يوجه إليها النقد يجب أن تتحلى برحابة الصدر وباحترام آراء إخوانهم الآخرين وإن اشتملت على شيء من الاجتهاد المخالف للصواب في مسألة فرعية فإن الكمال لله فظاهر العتاب خير من باطن الحقد. فكثير من المنتسبين إلى الدعوة تقاعسوا عن الانتماء إليها بسبب أنهم طرحوا بعض القضايا والآراء حول طريقة الدعوة وسبلها فلم يلق لها بال ولم يؤبه (١) لها فكان ذلك سببا من أسباب إعراضهم عن الدعوة عن الانتماء إليها، وهو سبب غير وجيه بطبيعة الحال، ولكنه واقع فعلا ومنهم من يختزن في ذهنه مجموعة من الملاحظات التي يظنها أخطاء تيردى فيهال العاملون للإسلام ثم تزداد في نفسه يوما بعد يوم دون أن يبديها لأخوانه أو يناقشهم عليها ويرى رأيهم فيها وفي النهاية تشكل تلك الملاحظات مبررا شرعيا في نظره للانفصال عن الجماعة المسلمة وعن الدعوة التي ينتمون إليها دون أن يكلف نفسه عرض تلك الملاحظات على إخوانه ومعرفة وجه الحق فيها له أم عليه.

стр. 248

إن الشجاعة في نقد الأخ لأقوال إخوانه وأفعالهم معدومة تقريبا بين العاملين للإسلام، كما أن رحابة الصدر وتقبل النقد عند بعض الإخوة مفقود أيضا، وهذا يؤدي إلى استمرار الأخطاء، وانطواء النفوس على ما يزعزع ثقتها بإخوانها، وبالتالي تضعف الموالاة والمناصرة بين الأخ وإخوانه وربما تقطع الصلة بينه وبين إخوانه بسبب ذلك. وللأسف فإن هذا الأمر الذي أضعناه أو تهاونًا فيه قد أخذ به أعداؤنا فهم أكثر منا شجاعة في نقد بعضهم لبعض، كما أنهم أقدر منا على تحمل النقد وتقبله ممن جاء به، وإن بدا هذا النقد واهيا ضعيفًا. فعلى كل أخ إذا أراد أن تستمر الموالاة والمناصرة بينه وبين إخوانه، أن يكون صريحا مع إخوانه، وأن لا يضمر لهم خلاف ما يظهر وأن يكون لهم مرآة يرون من خلاله عيوبهم ويكونوا له مرآة يرى عيوبه من خلالهم، حتى يصل الجميع إلى التكامل والتكاتف وتجنب الأخطاء. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن: يكف عليه ضيعته، ويحوطه من ورائه» (١). السبب السادس: من أسباب تحقيق الموالاة في الله الفرح بحسن حال المسلمين واسترضاء المسلم لأخيه المسلم وقضاء حاجته أخرج الطبراني عن ابن بريدة الأسلمي قال: شتم رجل ابن عباس ﵄ فقال ابن عباس: إنك لتشتمني وإنَّ فيَّ ثلاثَ خصالٍ، إني لآتي على الآية في كتابِ الله فلوددت أن جميعَ الناس يعلمون ما أعلم، وإني لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يعدل في حكمه فأفرح ولعلي لا أقاضي

стр. 249

إليه أبدًا، وإني لأسمع بالغيث قد أصاب البلد من بلاد المسلمين فأفرح وما لي به سائمة (١). وعن أبي الدرداء ﵁ قال: كنت جالسا عند النبي ﷺ إذ أقبل أبو بكر أخذًا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته فقال النبي ﷺ أما صاحبكم فقد غامر، فسلَّم، وقال: يا رسول الله إني كان بيني وبين ابن الخطاب شيء، فأسرعت إليه ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي فأبى علي فأقبلت إليك، فقال: يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثًا ثم إن عمر ندم، فأتى منزل أبي بكر فسأل: أثمَّ أبو بكر؟ فقالوا: لا، فأتى إلى النبي ﷺ فجعل وجه النبي ﷺ يتمعَّر حتى أشفق عليه أبو بكر فجثا على ركبتيه فقال: يا رسول الله! والله أنا كنت أظلم «مرتين»، فقال النبي ﷺ : إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت وقال أبو بكر: صدقت وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركون لي صاحبي؟ «مرتين» فما أوذي بعدها (٢). وفي قضاء حاجة المسلم لإخوانه يروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله سرور يدخله على مسلم، أو يكشف به عنه كربةً أو يقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا، ولئن أمشي مع أخ في حاجة أحب إليَّ من أن اعتكف في هذا المسجد (يعني: المسجد النبوي) شهرًا ومن كفَّ غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تتهيأ له، أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام، وإن سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل» (٣).

стр. 250

فالفرح بحسن أحوال المسلمين والحرص على رضاهم، وإدخال السرور عليهم، والاهتمام بالمسلم أثناء تقديم حاجته، والإنصات إليه، كل هذه المعاني قد أمر بها الشرع وهي من حسن الخلق، فقد روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أحب عباد الله إلى الله أحسنهم خلقًا» (١) حيث إنَّ عدم تقدير المتكلم وعدم المبالاة بكلامه أو الاهتمام به، وبما يطلبه يورث في نفس المتكلم ردود فعل خطيرة، ومداخل لشياطين الجن والإنس في إيقاع الفرقة ونشوء العداوة بين المسلمين. وقد أمر الله بفعل الخير في حق المسلمين جميعًا قال تعالى: (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الحج: ٧٧]. ومما يثبت المودة ويزيد المحبة زيارة الأخ المسلم لإخوانه، فقد روي عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ زار أهل بيت من الأنصار فطعم عندهم طعاما فلما أراد أن يخرج أمر بمكان من البيت فنضح (٢) له على بساط، فصلى عليه ودعا لهم (٣)، وورد في فضل الزيارة أحاديث منها ما رواه الترمذي وحسنه وصححه ابن حبان من حديث أبي هريرة رفعه: «من عاد مريضا أو زار أخا له في الله ناداه مناد طبت وطاب ممشاك وتبوَّأت من الجنة منزلاً» (٤). وفي حديث عن معاذ بن جبل ﵁ مرفوعًا: «حقت محبتي للمتزاورين فيَّ» (٥).

стр. 251

والزيارة توجب إكرام الزائر في حدود القدرة والاستطاعة، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه» الحديث (١). والزيارة يجب أن تتم وفق ضوابط وحدود معينة بلا إفراط أو تفريط فيها، ويحكم هذه الضوابط العرف السليم والفهم المستقيم، والحكمة التي تضع الأشياء في مواضعها المناسبة، ومقتضياتها السليمة حتى تحقق الزيارة الهدف المقصود منها، ولا تؤدي إلى مردود عكسي يضعف الموالاة أو ينقصها بين الإخوة في الله. السبب السابع: من أسباب تحقيق الموالاة في الله حفظ السر للأخ المسلم، فالمسلم إذا استودع أخاه سرًّا وجب عليه المحافظة على ذلك، فقد روي أن عمر ﵁ حين تأيمت (٢) حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمي ﵄ وكان من أصحاب النبي ﷺ ومن أهل بدر توفي بالمدينة، فقال عمر: لقيت عثمان بن عفان فعرضت عليه فقلت إن شئت أنكحتك حفصة، فقال سأنظر في أمري، فلبثت ليالي ثم لقيني فقال بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا، قال عمر: فلقيت أبا بكر فقلت إن شئت أنكحتك حفصة، فلم يرجع إلى شيئا فلبثت ليالي فخطبها رسول الله ﷺ فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت حين عرضت عليَّ حفصة فلم أرجع إليك شيئا؟ قال قلت: نعم قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك شيئًا حين عرضتها علي إلا أني سمعت رسول الله ﷺ يذكرها ولم أكن لأفشي سر رسول الله ﷺ ولو تركها نكحتها (٣).

стр. 252

وروي عن عبد الله بن جعفر قال: أردفني رسول الله ﷺ ذات يوم خلفه فأسرَّ إلى حديثًا لاأحدث به أحدًا من الناس .. الحديث (١). فهذه الأحاديث تدل على وجوب حفظ السر وهو نوع من الأمانة التي أمر الله بحفظها حيث يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [الأنفال: ٢٧] وقال تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) [المؤمنون: ٨]. ولذلك فإنه من أعظم الذنوب، أن يتظاهر المرء بالصلاح والتقوى والصدق والإخلاص فإذا استودعه أحد الإخوة في الله سرًا؛ أذاع به ونشره، إما لأنه منافق في الأصل من الذين (يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون) [البقرة: ٩]، وإما لأنه من الذين يعبدون الله على حرف كما في قوله تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) [الحج: ١١]، وإمَّا لأنه جهول لا يقدِّر حق الأمانة التي اؤتمن عليها فيبوح بأسرار إخوانه بلا وعي أو إدراك، وكل هذه الأمور سبب في إضعاف روح الموالاة والمناصرة بين الإخوة المؤمنين. السبب الثامن: من أسباب تحقيق الموالاة في الله، مواساة الأخ لإخوانه بفضل ماله قال تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) [الحشر: ٩].

стр. 253

وقال تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) [الإنسان: ٨]. وقد روي عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: بينما نحن في سفر مع النبي ﷺ إذ جاء رجل على راحلة له، قال: فجعل يصرف بصره يمينا وشمالا، فقال رسول الله ﷺ : «من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له» قال فذكر من أصناف المال ما ذكر، حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل (١) وأخرج الطبراني عن ابن عمر ﵄ قال: «أتى علينا زمان وما يرى أحد منا أنه أحق بالدينار والدرهم من أخيه المسلم، وإنا في زمان الدينار والدرهم أحب إلينا من أخينا المسلم» (٢). ففي هذه الأدلة دلالة واضحة على الحث على الصدقة والجود والمواساة للمحتاجين، عند وجود الأسباب المقتضية لذلك، فالله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، وإنه يكفي العلم بحاجة المحتاج، دون اضطراره إلى السؤال وإراقة ماء وجهه في المسألة والاستجداء. فالبذل والعطاء من فضل المال لمن هو محتاج إلى ذلك أمر مؤكد على المسلم الواجد، فالذي يبخل بفضل ماله على إخوانه وهم بأشد الحاجة إليه، فهو ناقص الإيمان قليل الفلاح قال تعالى: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر: ٩]. والأدلة المتقدمة في وجوب مواساة الأخ لإخوانه في الإسلام لا يستدل

стр. 254

بها على جواز الاشتراكية، أو شيوعية المال بين المسلمين، كما يحاول ذلك عبيد ماركس اليهودي، فإن المسلم الحقيقي يندفع ذاتيًا إلى مساعدة إخوانه بفضل ماله عن رضا نفس وطيب خاطر نتيجة إيمانه بالله وبما عند الله من عظيم الجزاء، وقد يقول بعض دعاة الاشتراكية والشيوعية في العالم الإسلامي: إننا نشاهد كثيرًا من الدول والشعوب التي تدعي الإسلام، تبذر الأموال على الغانيات والراقصات، وفي أمور هزيلة ساذجة في حين أن معظم الشعوب الإسلامية تعاني من الفقر المدقع، ومشكلات الحروب الشيء الكثير، ومع ذلك ما قدم لها الإقطاعيون (١) في العالم الإسلامي أية مساعدات مالية على المستوى المطلوب كما يأمر بذلك الحديث. فنقول للإجابة عن هذا الاحتجاج الموهم: إن تقصير هؤلاء عن القيام بواجبهم الشرعي نحو إخوانهم لا يعني ذلك خطأ النظام الاقتصادي في الإسلام وتقصيره في سد حاجات المسلمين، وإنما الخطأ مرجعه إلى سوء التطبيق من هؤلاء الذين يملكون الأموال الطائلة في العالم الإسلامي ولا يؤدون الحق الشرعي عليهم، فهم ليسوا من الملتزمين بالإسلام التزاما حقيقيا بل هم صورة مزيفة للمسلمين، ولذلك يجب أن لا نحمل الإسلام أخطاء أولئك الخارجين عليه، ولا نتخذ ذلك مبررًا للدعوة إلى غير الإسلام وإلى غير نظامه الاقتصادي العادل الرحيم. السبب التاسع: من أسباب تحقيق الموالاة في الله، الاحتراز من سوء الظن بالمسلم. فقد أخرج ابن عساكر عن أنس ﵁ أن رجلاً مر بمجلس في عهد رسول الله ﷺ فسلم الرجل فردوا عليه فلما جاوزهم قال أحدهم: إني لأبغض هذا، قالوا: مه فوالله لننبئنه بهذا انطلق يا فلان فأخبره بما قال له فانطلق الرجل إلى النبي ﷺ فحدثه بالذي كان

стр. 255

وبالذي قال: قال الرجل: يا رسول الله ارسل إليه فاسأله لم يبغضني؟ قال له رسول الله ﷺ «لم تبغضه؟» قال: يا رسول الله أنا جاره وأنا به خابر، ما رأيته يصلي صلاة إلا هذه الصلاة التي يصليها البر والفاجر، فقال له الرجل: يا رسول الله سله هل أسأت لها وضوءا أو أخرتها عن وقتها فقال: لا ثم قال: يا رسول الله أنا له جار وأنا به خابر، ما رأيته يطعم مسكينا قط إلا هذه الزكاة التي يؤديها البر والفاجر، فقال: يا رسول الله سله هل رآني منعت منها طالبها؟ فسأله، فقال: لا، فقال يا رسول الله أنا له جار وأنا به خار، ما رأيته يصوم يوما قط إلا الشهر الذي يصومه البر والفاجر، فقال الرجل: يا رسول الله سله هل رآني أفطرت يوما قط لست فيه مريضًا ولا على سفر؟ فسأله عن ذلك، فقال: لا، فقال له رسول الله ﷺ «فإني لا أدري لعله خير منك» (١). وقد ورد في الحديث الصحيح النهي عن سوء الظن بالمسلم قال رسول الله ﷺ : «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث» (٢) فإن المسلم بناء على ذلك مأمور بأن يحسن الظن بإخوانه، وأن يحمل ما يصدر عنهم من قول أو فعل على محمل حسن ما لم يتحول الظن إلى يقين جازم، فالله أمرنا بالتثبت فيما يصدر من الغير نحونا ونحو إخواننا قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) [الحجرات: ٦] فكم أوقع سوء الظن السيئ من فراق بين المتحابين، وقطيعة بين المتواصلين، ولو لم يكن الظن على درجة عظيمة من الخطورة والأهمية في إضعاف روح الموالاة بين المؤمنين لما أكد الباري على ذلك في الكتاب والسنة ومن استعراض الأسباب المتقدمة نجد أن ما أصاب المسلمين اليوم من قطيعة وتناحر وتنكر بعضهم للبعض الآخر، إنما هو بسبب تجافيهم عن الأخذ بالأسباب التي تحقق الموالاة في الله والتي أشرنا إليها فيما تقدم من هذا

стр. 256

المبحث وإقبالهم على بدائل مستمدة من مخططات اليهود والنصارى لتدمير هذه الأمة. فقد استبدل معظم المسلمين بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ مطالعة الصحف والمجلات والنشرات والكتب التي يصدرها ويسيطر عليها أعداء الإسلام والمسلمين، سواء كانوا أعداء أصلاء أم أعداء عملاء. ونتيجة لذلك فقد ضعف الإيمان في النفوس وشوهت حقيقته بواسطة وسائل الإعلام المعادية للإسلام، في داخل البلاد الإسلامية وخارجها ووقع الاختلاف بين المسلمين نتيجة اختلاف مصدر التلقي والتوجيه فمن الناس من يستوحي أقواله وأفعاله من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ومن الناس من يستوحي أقواله وأفعاله من أسائده من اليهود والصليبيين ومنهم من يستوحي أقواله وأفعاله من الشيوعيين الوجه الثاني للعملة الكافرة ولذلك فشا التناحر والخصام بين مختلف فئات المجتمع الواحد تبعا لاختلاف التبعية والولاء، وهذا ما جعل المسلمين كاليهود تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى، وكثر التأسي بالأشرار والمصاحبة لهم نظرا لكونهم يتمتعون بمركز القوة في عامة البلاد الإسلامية، وانزوى ضعاف الإيمان عن صحبة الأخبار نظرا لما تنطوي عليه من أخطار جسيمة، حيث إن أهل الخير تحت المراقبة الدائمة والخطر المستمر نظرا إلى أن السلطات الكافرة لا تريد للخير أن ينتشر أو أن يستمر. وقد تداعت على المسلمين المصائب في كل قطر وبلد حتى شغل البعض منهم بمصيبته عن مصيبة إخوانه، مما أعطى للأعداء فرصة الضربات القاضية للمسلمين في بعض البلاد الإسلامية، دون أن يقابل عملهم هذا بأي رد إسلامي كبير، يكون تأديبا لهم ولأسيادهم من ورائهم وذلك كله بسبب غيبة الموالاة الحقيقية في الله، التي تجعل المسلمين كالجسد الواحد إذا اشكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر واللحمى.

стр. 257

المبحث الثاني: حقوق الموالاة بين المسلمين لقد أكرم الله المسلمين حين جعل من دينه رابطة تربط المسلم بأخيه المسلم مهما نأى المكان واختلف الزمان، وأصبحت العقيدة الإسلامية تجمع بين القلوب المؤمنة، وتنشئ العطف والرحمة فيما بينها. ومن أول خصائص المجتمعين على الحق أن يسوسوا به أنفسهم، وأن تقوى به المحبة بينهم وأن تكون له مناصرتهم وتأييدهم قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) [الحجرات: ١٠] وقال تعالى: (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) [آل عمران: ١٠٣]. وعلى هذا إذا قلنا: إن الإسلام هو العروة الوثقى بين اتباعه جميعا، فإن التناصر بينهم يتم في حدود الشريعة الإسلامية ولذلك فلا مجال

стр. 258

للاعتراض عليه، من فرد أو جماعة، أو دولة لأن من اعترض على ما شرعه الله وأوجبه على المسلمين فحكمه الكفر (١). فقد أمرنا الله بأوامر وكلفنا بتنفيذها ونهانا عن محرمات وطلب منا عدم مقارفتها قال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [المائدة: ٢]. فأي مسلك ينافي أمر الله أو نهيه يعد خروجًا على الإسلام ولكن هذا الخروج منه ما هو كفر ومنه ما هو أقل من ذلك بمراتب متفاوتة. وقد ذكر الله نموذجا حيا للموالاة الصحيحة بين الإخوة في الله، ثم ذكر الهدف من الموالاة في الله في مجال الدعوة، بذكر قصة موسى وهارون عليهما وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم، قال تعالى: (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا) [طه: ٢٩ - ٣٥]. فبين الله تعالى الغاية من الأخوة في الله والموالاة فيه، أن المؤمنين بعضهم سند لبعض كما كان هارون سندًا لموسى ﵉ فموسى طلب من ربه أن يجعل له وزيرا يشدُّ عضده، ويقوي همته، ويعينه على نوائب الحياة، في القول والعمل، وإذا فهو يريد شريكا في أمره كله، يقاسمه بؤسه ونعيمه ويتبادل معه الرأي، ويتحمل معه أعباء الدعوة إلى الله، على بصيرة وهدي من الله، يشاركه في ذكر الله، وتسبيحه ويتحمل معه الصبر والابتلاء في إبلاغ الدعوة إلى الطغاة والمنحرفين

стр. 259

فمجابهة الطغاة تحتاج إلى معين وناصر، والمعين والناصر بعد الله، هو الأخ المؤمن الصادق، الذي يقدم نفسه، وماله وجميع ما يملك في نصرة دين الله ونصرة أخيه في العقيدة بلا ملل أو منة قال تعالى: (اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي * اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى) [طه: ٤٢، ٤٣] وما دام هذا شأن موسى مع هارون كما هو شأن نبينا محمد ﷺ مع صحابته، والتابعين لهم بإحسان، ألا يجب علينا الاقتداء بهم، في أن نذهب دعاة إلى الحق، كما ذهب موسى وهارون (اذهب أنت وأخوك بآياتي) ألسنا مكلفين بحمل هذا الدين كما حمله موسى وهارون وكما حمله رسلنا محمد ﷺ قال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) [آل عمران: ١١٠] ألا يجب علينا التحمل والصبر في سبيل الدعوة كما صبر موسى وهارون (ولا تنيا في ذكري) ألا يجب أن نبلغ الطغاة والفراعنة في كل زمان ومكان دعوة الحق ونلزمهم بالأخذ بها وعدم إضلال الناس، وتعذيبهم بمناهج الكفر والضلال. فالموالاة في الله لا تصدر من طرف واحد، وإنما هي شركة بين المؤمنين يكمل بها بعضهم بعضًا، فالأخ الذي تبحث عنه ليعينك دائما على طاعة الله ويواليك ويناصرك على ذلك، هو أيضا يبحث عنك لنفس الغرض، حيث إن الموالاة تضامن في المال والنفس واللسان والقلب، والأخ مع أخيه مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى، وتعين إحداهما الأخرى في مجالات الحياة المختلفة والحقوق التي تقتضيها الأخوة في الله هي كما يلي: أولا: الحق الأول من حقوق الموالاة في الله الإيثار: إن من الصفات الكريمة التي امتدح الله بها الأنصار صفة الإيثار قال تعالى:

стр. 260

(وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) [الحشر: ٩] فالمسلم الذي يؤثر إخوانه في الله بماله ونفسه، فينزلهم أعظم من نفسه، فإن ذلك دليل على كمال إيمانه وعظيم حبه لله تعالى، ولمن يحبهم الله من خلقه، وهذه أعظم منزلة في الإيثار، ودونها منزلة أخرى وهي أن ينزل المسلم إخوانه المؤمنين منزلة نفسه فتسمح نفسه بمشاركتهم له في ماله ومنزله إذا اقتضى الأمر ذلك. قال الحسن: «كان أحدهم يشق إزاره لأخيه مناصفة بينهما» (١). ودون المرتبتين السابقتين مرتبة ثالثة، وهي أن ينزل المسلم أخاه مرتبة الصاحب لديه، فيقوم بحاجته من فضل ماله، إذا عرضت له حاجة وهو يملكها بين يديه قدمها دون أن يلجئه إلى السؤال إذا علم بحاله، فإن ألجأه إلى السؤال فهو دليل على تقصيره في حق أخيه عليه، فإذا لم تجد نفسك في رتبة من هذه الرتب مع إخوانك الذين انعقدت رابطة الأخوة بينك وبينهم فاعلم أن الجاري بينكم مخالطة وهمية ليست ذات صفة شرعية صادقة. فقد روي أن أبا هريرة ﵁ جاءه رجل فقال: إني أريد أن أواخيك في الله فقال: أتدري ما حق الإخاء في الله؟ قال له عرفني قال: أن لا تكون أحق بدينارك ودرهمك مني، فقال الرجل: لم أبلغ هذه المنزلة بعد قال: إذا فاذهب عني (٢) اهـ. ثانيًا: من حقوق الموالاة في الله قضاء حاجات الإخوان والقيام بها

стр. 261

على قدر الاستطاعة والقدرة، مع البشاشة، وإظهار الفرح والاستبشار بها قال بعض السلف (١): إذا استقضيت أخاك الحاجة فلم يقضها لك فذكره ثانية فلعله قد نسيها، فإن لم يقضها لك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم كبر عليه واقرأ هذه الآية: (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) [الأنعام: ٣٦] اهـ. وكان بعض السلف الصالح يقوم بتفقد عيال أخيه في الله بعد موته عشرات السنين، فيقضي حاجاتهم، ويلبي مطالبهم، ويتودد لهم، ويتردد عليهم، كأنهم بمنزلة أولاده، فكانوا لا يفقدون من أبيهم إلا عينه (٢). قال ميمون بن مهران: (من لم ينفعك بصداقته، لم يضرك بعداوته (٣)) اهـ. وروي في الأثر: ألا إن لله أواني في أرضه وهي القلوب فأحب الأواني إلى الله أصفاها وأصلبها وأرقها، وأخلصها من الذنوب وأصلبها في الدين وأرقها على الإخوان (٤). وكان الحسن البصري ﵀ يقول: «إخواننا أحب إلينا من أهلينا وأولادنا لأن أهلينا يذكروننا الدنيا، وإخواننا يذكروننا الآخرة» (٥). ثالثا: من حقوق الموالاة في الله أن يسكت الأخ المسلم عن عيوب إخوانه في غيبتهم وحضرتهم، إذا كانت هذه العيوب لا تمس شيئا من واجبات الدين وأركانه وذلك مثل قلة الأكل عند البعض منهم أو زيادته

стр. 262

عند البعض الآخر أو كثرة النعاس لدى بعضهم أو قلة الكلام من بعضهم وكثرته عند البعض الآخر، فإن هذه الأمور ونحوها من الأولى أن يتجاهلها الأخ من إخوانه فلا يبديها لهم إذا خاف في إبدائها لهم أو مناقشتهم فيها ما يحملهم على قطع رابطة الأخوة ومفارقة الجماعة، فلا يبديها لهم ولا يناقشهم فيها مواجهة، ولكن يعرض بما هو شبيه بحالتهم، فيكون ناصحا لهم بطريق غير مباشر. وعلى الأخ أن لا يكثر من مفاتحة إخوانه بأشياء لم يذكروها مخافة أن يحملهم على الكذب اضطرارًا في ذلك، وأن يسكت عن القدح في أحباب إخوانه والمقربين إليهم، ممن لا يظهر عليهم فعل المعاصي والمجاهرة بها. قال ابن المبارك: «المؤمن يطلب لهفوات إخوانه المعاذير والمنافق يطلب العثرات» (١) اهـ. ومن حقوق الموالاة في الله (٢) ترك سوء الظن بالأخ المسلم، فسوء الظن غيبة القلب، وذلك أمر منهي عنه المسلم، ما لم تتوافر الأدلة اليقينية في حصول الأمر المظنون به، وسوء الظن هو أن تحمل فعل أخيك على

стр. 263

وجه فاسد مع إمكان أن تحمله على وجه حسن، وسوء الظن يمكن تقسيمه إلى قسمين: القسم الأول: هو ما يسمَّى فراسة المؤمن، وهو الظن الذي يستند إلى علامات ودلائل تشير إلى ذلك فإن هذا يحرك الظن تحريكًا لا يقدر الإنسان على دفعه. القسم الثاني: الظن السيئ ومنشؤه سوء اعتقاد الأخ بأخيه، فإذا صدر من الأخ المظنون به سوء فعل له وجهان، دفعه سوء اعتقاده بأخيه أن ينزل فعله هذا على الوجه الرديء من غير علامة يقينية ترجع ذلك الأمر الذي حمل فعل أخيه عليه، وهذا الظن المبني على أمور وهمية جناية على الأخ بغير ما اكتسب وهذا هو الظن الذي حذرنا الله منه وحذرنا منه رسوله ﷺ قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) [الحجرات: ١٢]. وقال رسول الله ﷺ «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث (١)» وأقل درجات المعاملة في الأخوة في الله أن يعامل أخاه بمثل ما يجب أن يعامل هو به (٢). رابعا: من حقوق الموالاة في الله أن يذكر الأخ محاسن إخوانه في الله، لأن المحاسن تغطي المساوئ وتجلب المحبة، وهذه الصفة من أخص خصال الأخوة في الله. فعلى الأخ المسلم أن يتودد لأخيه بلسانه ويتفقده في أحواله التي يحب أن يتفقد فيها فمعنى الموالاة في الله هي أن يساهم الأخ مع إخوانه

стр. 264

في السراء والضراء، ولذلك روي عن أبي كريمة المقداد بن معد يكرب ﵁ عن النبي ﷺ : «إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبه» (١). والحكمة من إخبار الأخ أخاه بمحبته إياه لتحصل بينهما المودة والصلة والتزاور والمناصحة والتعاون، فتزداد المحبة وتتقوى الصلة بينهما وتتوثق عرى الأخوة بين الإخوة في الله (٢) حيث أن الأخ إذا عرف أنك تحبه أحبك على ذلك ومعرفة الحب تكون بالقول والفعل، فإذا حصل ذلك بدأ الحب يتزايد بين الجانبين ويتضاعف والمحبة بين المؤمنين مطلوبة في الشرع ولذلك أرشد الرسول ﷺ إلى أسبابها القولية والفعلية ففي الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» (٣) هذا في أسباب المحبة القولية. أما المحبة الفعلية فقد ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت» (٤) وفي حديث آخر كان رسول الله ﷺ يقبل الهداية ويثيب عليها (٥). ومن مقتضيات الموالاة في الله أن يدفع المسلم عن أخيه في الله ذم

стр. 265

الذامين وقدح القادحين، وأن يرد تعنت المتعنتين وتشويه الحاقدين الذين يريدون أن يصفوا كل مسلم بأوصاف النقيصة والازدراء حتى لا يبقوا لأحد من المسلمين صفة العزة والكرامة والإيمان الصحيح، وإن تسليط الجهال وأنصاف المتعلمين على القدم وتكفير علماء المسلمين من أعظم المنكرات وأقبح الصفات، لأن هؤلاء لا يريدون أن يبقوا على فرد أو جماعة تمثل الإسلام تمثيلا صحيحا وبالتالي كأنهم بلسان حالهم يقولون أن لا وجود للإسلام والمسلمين فينشرون اليأس والتخاذل بين المسلمين، ولم يسلم من تلك المصيدة الخبيثة حتى أولئك الذين يتزعمون الدعوة إلى الله، فهم يربون أتباعهم على الحقد والضغينة نحو الآخرين، وكأن الإسلام وقف عليهم دون غيرهم من الناس، وكأنهم وحدهم المعصومون من الخطأ الذي يشترك فيه عامة الناس، إن المبدأ والمنهاج في تقييم المسلمين إذا انتشر وشاع على هذا الأساس، فسوف تفقد الأمة الثقة بجميع المسلمين عامة والعاملين للإسلام خاصة، وعند ذلك تضيع في متاهات الضلال والانحراف لعدم توفر القيادة الفكرية والقدوة العلمية والجماعة المستقيمة التي يمنحها المسلم ولاءه وانتماءه ونصرته وتأييده في هذه الحياة. وهذا لا يعني عدم محاسبة الإخوان عن أعمالهم وعيوبهم ومناصحتهم في تقصيرهم، ولكن الذي نقصده هو عدم التجريم الخفي الذي يهدم ولا يبني ويفسد ولا يقوم والذي قد يكون للكذب والمكر السيء مجال واسع فيه. فالإغضاء عن عيوب الإخوان يعتمد على الغرض الباعث على الإغضاء فإذا أغضيت لسلامة دينك، ولما ترى فيه من إصلاح أخيك بالإغضاء منه، فأنت مدار له والمداراة جائزة كما تقدم (١).

стр. 266

وإن أغضيت عن فعل محرم أو ترك واجب، أو أغضيت لحظ نفسك واستجلاب شهواتك، وسلامة جاهك فأنت مداهن والمداهنة محرمة مذمومة كما تقدم إيضاح ذلك. خامسًا: من حقوق الموالاة في الله أن لا يسب المسلم إخوانه من أجل الدفاع عن كافر أو نحوه، ودليل ذلك أن أبا سفيان ﵁ أتى قبل إسلامه على سلمان وصهيب وبلال في نفر فقالوا: والله ما أخذت السيوف من عنق عدو الله مأخذها فقال أبو بكر ﵁ أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم. فأتى النبي ﷺ فأخبره فقال: يا أبا بكر لعلك أغضبتهم لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك. فأتاهم أبو بكر فقال: يا إخوتاه أغضبتكم؟ قالوا: لا يغفر الله لك يا أخي (١). فهم قالوا هذا الكلام موالاة لله ورسوله والمؤمنين، ومعاداة لأعدائهم ولذلك جعل النبي ﷺ إثارة غضبهم بهذه الصورة سببًا في غضب الله على من أغضبهم، فإذا كان أبو بكر ﵁ رغم منزلته في الإسلام يقول له الرسول ﷺ : لعلك أغضبتهم لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك. فكيف حال الذين يعاندون المؤمنين في وسائل الإعلام المختلفة فيمدحون الكفار وينشرون الكفر ليل ونهار، ويسخرون من المؤمنين بأقوالهم وأفعالهم؟ أليس هؤلاء قد باءوا بغضب على غضب؟

стр. 267

واستحقوا لعنة الله وعذابه قال تعالى: (فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ) [البقرة: ٩٠]. سادسًا: من حقوق الموالاة العفو عن هفوة الأخ والكف عن عثرته وهي لا تخلو إما أن تكون في دينه بارتكاب معصية، أو في دنياه بتقصيره في حقك. فأما ما يكون في الدين من ارتكاب معصية وترك واجب أو اقتراف محرم فلا يخلو ذلك من أمرين: ١ - أن تكون تلك المعصية التي اقترفها، أو الواجب الذي تركه زلة قد ندم عليها وتاب عنها فالعفو والصفح واجب في ذلك. ٢ - أن يكون مصرًا على المعصية متلبسًا بها، فالأولى التلطف في نصحه بما يقيم عوجه، ويجمع شمله، ويعيد الورع والصلاح إليه، فإن لم تستطع وبقي مصرًّا، فقد اختلفت طرق الصحابة في حق مودته واستمرار موالاته، أو مقاطعته ومعاداته، ولهم في هذه المسألة قولان: القول الأول: قول أبي ذر (١) ﵁ حيث يرى أن

стр. 268

المسلم إذا انقلب على إخوانه وعصى ربه، وأصرَّ على معصيته، أنه يجب بغضه ومعاداته حيث يقول: إذا انقلب أخوك عمَّا كان عليه من الاستقامة فأبغضه من حيث أحببته، فإنَّ ذلك من مقتضى الحب في الله والبغض فيه (١). القول الثاني: قول أبي الدرداء ﵁ وجماعة من الصحابة ﵃ حيث ذهبوا إلى خلاف القول الأول فقالوا: إذا تغير أخوك وحال عما كان عليه فلا تدعه لأجل ذلك، فإن أخاك يعوج مرة ويستقيم أخرى (٢) اهـ. وقال إبراهيم النخعي (٣): لا تقطع أخاك، ولا تهجره عند الذنب بذنبه، فإنه يركبه اليوم ويتركه غدا (٤) اهـ. وهذه الطريقة يرى البعض أنها أقوم وألطف وأفقه، وقد احتج أهل القول الأول بأن مرتكب المعاصي لا تجوز مؤاخاته ابتداء، فيجب مقاطعته انتهاء لأن الحكم إذا ثبت بعلة فالقياس أن يزول بزوالها، وعقد الأخوة في الله لا يستمر مع من يقارف المعاصي ويصرُّ عليها. وأجاب أهل القول الثاني على ذلك، بأنه إذا قوطع من انحرف عن طريق الأخوة في الله، وانقطع عن صحبة إخوانه الأفاضل الكرام، فإنَّ ذلك يزيده إصرارًا واستمرارًا على معصيته، ويتيح فرصة للشيطان وحزبه،

стр. 269

أن يجُّروا العاصي من الساحل إلى محيط الكفر والضلال، مما يتحقق معه غلبة الهلاك. والأصل أن ينزل عقد الأخوة في الله منزلة عقد القرابة فإذا انعقدت القرابة تأكَّد الحق ووجب الوفاء به، وكذلك الأخوة في الله، إذا انعقدت وجب بقاؤها حتى ولو حصل ما يناقضها من معصية لا توجب الكفر، أو حصل ما ينقصها أو يضعفها، لأن استمرار الملاطفة والرفق والاستمالة، يفضي إلى الرجوع والتوبة إلى الله، عند استمرار الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، ولأن استمرار الصحبة يؤدي إلى استمراء الحياء عند العاصي أو المخالف مما قد يكون سببا معينا على الإقلاع عن المعصية ومخالفة الجماعة، ولأن من الحق الوفاء بحق الأخوة في الله والأخ العاصي أو المخالف لنهج الجماعة المسلمة بأشدَّ الحاجة إلى من يقف معه في مصيبته تلك، أرأيت هذا الأخ لو كان مستقيما على الصراط السوي، وأصابته حاجة مالية أو فقر شديد، ألا يجب شرعًا مساعدته ومعاونته؟ وكذلك الأمر بالنسبة لمصائب الاعتقاد والعمل، فإن فقر الدين أعظم رزية من فقر المال، فهذا الأخ الذي انحرف بعصيانه وخرج على منهج الجماعة قد أصابته مصيبة وألمت به نازلة، حيث افتقر في دينه وأصيب في عقيدته فينبغي أن يراقب وأن يراعى ولا يهمل بل يجب أن يتلطف به، ليعان على الخلاص من الواقعة التي ألمت به، فأخوة الإيمان عدة للنوائب وحوادث الزمان، فهي مؤازرة في البلاء ومشاركة في الرخاء وأي حادثة أشد من حادثة الإصابة في الدين؟ وأما ابتداء مصاحبة الفاسق أو مؤاخاته فلا تقاس على هذه الحال، فمؤاخاة الفاسق ابتداء لم يتقدم لها حق سابق، ولذلك يجوز ترك المؤاخاة له ابتداء، وهذا ليس بمذموم ولا مكروه، بل قال البعض: إن هذا هو الأولى (١).

стр. 270

أما قطع الأخوة بعد اتصالها فمنهي عنه، ومذموم في نفسه، ونسبة قطعها إلى تركها ابتداء، كنسبة الطلاق إلى ترك النكاح. فالطلاق في معظم أحواله أبغض إلى الله من ترك النكاح، فمخالطة الفساق ابتداء محذورة، ومفارقة إخوان العقيدة والإيمان أيضا محذورة حيث إن المسلم مطلوب منه شرعا، أن يصحب الأخيار وينبذ الأشرار، لأن الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف، وهذا الأخ الذي شذ عن إخوانه في الله هو كالمريض الذي يجب الاعتناء به وعلاجه بكل مستطاع فالمريض لا ييأس منه أهله بمجرد ظهور المرض عليه، فيسعون إلى قبره ودفنه وهو على قيد الحياة، بل الواجب بذل الطاقة واستفراغ الوسع في معرفة أسباب المرض ونوعه، ثم معرفة العلاج النافع لمثل تلك الحال, وكذلك الشأن في معاملة من يشذُّ عن طريق الجماعة المسلمة، فإنه يجب أن تصله وإن قطعها، وأن تترفق به وإن جفاها، وأن تحسن إليه وإن أساء إليها، وأنت تصبر عليه كصبر أهل المريض على علاج مريضهم ما لم تيأس منه كيأس أهل المريض من مريضهم بالموت (١). وهذا القول هو القول الراجح في نظري للأسباب التي ذكرتها فيما سبق، لأن القول الأول وهو قول أبي ذر ﵁ في وجوب معاداة من انحرف بمعصيته عن طريق الأخوة في الله، فيه شدة وخشونة وغلظة قد يترتب عليها من المفاسد أكثر مما يترتب عليها من المصالح. وإن كان الأمر في نظري أنه يختلف باختلاف الأشخاص والأوضاع المحيطة بالجماعة المسلمة، لأن هذه المسألة مما يدخل في نطاق السياسة الشرعية لمصلحة الدعوة إلى الله . هذا الكلام المتقدم يتعلق بالخلاف بين الإخوة في الله، إذا ارتكب أحدهم معصية تؤدي به إلى الانحراف عن طريق الجماعة المسلمة.

стр. 271

أما ما يتعلق بتقصير الأخ في حق أخيه بما يوجب إيحاشه وإثارة غضبه فالأولى أن لا يلجأ المسلم إلى ذلك مع إخوانه، ولكن لو حصل زلة من أخ على أخيه فالواجب العفو والاحتمال، وأن يحمل أقواله وأفعاله على المحمل الحسن، وأن يطلب له العذر في ذلك. وعلى الأخ المسلم أن يكون معتدلاً مع إخوانه في الحب، فلا يتكلف ما لا يطيق، ويكون معتدلا مع أعدائه في البغض فلا يبالغ في البغض عند الوقيعة بالأعداء، فقد يتحول الأعداء إلى أصدقاء يوما من الأيام قال تعالى: (عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللهُ قَدِيرٌ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [الممتحنة: ٧] كما أن تحول الأصدقاء إلى أعداء أمر غير ممتنع الحصول، روي الترمذي عن علي موقوفًا: «أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما» (١). وروي عن عمر ﵁ قوله: لا يكن حبك كلفًا ولا بغضك تلفًا (٢) اهـ. أي لا يكن حبك شديدًا إلى درجة الهيام والإفراط، فيكون مشقة على النفس والمال، ولا تلفًا وهو أن تحب تلف صاحبك، ولو كان في هلاكه هلاكك. سابعًا: من حقوق الموالاة بين الإخوة في الله دوام المحبة والمودة إلى الموت، فالمحبة والموالاة والمناصرة للمؤمنين عبادة يتقرب بها العبد

стр. 272

إلى ربه والعبادة ليس لها أجل دون الموت قال تعالى: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) [الحجر: ٩٩]. قال القرطبي: اليقين الموت (١) فمعنى ذلك أن المحبة في الله يجب أن تستمر مع أهل الإيمان إلى الموت، وحتى ولو مات بعض الإخوة في الله فإن المحبة تستمر مع أولادهم وقراباتهم حيث إن الحب في الله يراد به الآخرة فإذا انقطع قبل الموت بغير عذر شرعي حبط العمل وضاع السعي بين المنقطعين، قال رسول الله ﷺ «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» وذكر منهم رجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه (٢). فإذا قصَّر العبد في طاعة الله سلبه الله من يؤنسه وذلك أن مجالسة الإخوان في الله مسلاة من الهموم، وعون على الدين والدنيا. ولذلك قال ابن المبارك: ألذُّ الأشياء مجالسة الإخوان والاجتماع بهم (٣) اهـ. والمودة الدائمة هي التي تكون بسبب الموالاة في الله والحب فيه، أما المودة لغرض دنيوي فهي تزول بزوال الغرض الذي حدثت المودة من أجله.

стр. 273

فقد روي أنَّ رسول الله ﷺ قال: «ما توادَّ اثنان في الله ، أو في الإسلام فيفرق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما» (١). ومن الوفاء بحق الأخوة في الله، عدم موافقة الأخ على ما يخالف الحق، بل من الوفاء المخالفة في ذلك إذا كان لدى المخالف دليل صريح فيما ذهب إليه. ثامنا: من حقوق الموالاة في الله أن الإنسان إذا عجز عن تقديم العون المادي لإخوانه فلا أقلَّ من أن يدعو لهم في حياتهم بالنصر والتمكين، وبعد مماتهم بالمغفرة والرضوان، فقد ورد في الحديث: «ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب، إلا قال الملك: ولك بمثل» (٢).

стр. 274

المبحث الثالث: موالاة الأقليَّات الإسلامية إن موالاة ونصرة الأقليات المسلمة، بل الأكثرية المسلمة الممزقة تحت أقدام المجرمين الكفرة واجب شرعي لا يعذر المسلمون بتركه ويأثمون إثما عظيمًا في تقاعسهم عن ذلك، كيف لا يكون ذلك؟ والله يقول: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [الأنفال: ٧٢] فيتبين من هذه الآية أن الأصل أن يكون المجتمع المسلم كلاًّ لا يتجزأ وجماعة لا تفترق، ووحدة لا تنفصم، والأصل أيضًا أن يفتح المجتمع المسلم أبوابه لتقبل كل من يدين بالإسلام بلا فارق أو تمييز على أساس من اللون، أو العرق، أو لنشأة أو مكان الولادة أو غير ذلك من

стр. 275

الفوارق الجاهلية، فبلاد الإسلام هي المأوى الشرعي لكل مسلم، فالدخول إلى دار الإسلام حقٌّ شرعي لكل مسلم على المسلمين جميعا، لا فضل لهم بذلك أو منة إذا كانوا مسلمين يطبقون الإسلام تطبيقا صحيحا. ولكن مع ذلك لو بقيت قلة من المسلمين بدار الكفر، ثم اعتدى عليها بعد التسهيلات التي يمنحها المسلمون لهذه القلة في الدخول في دار الإسلام، فإن الواجب الإسلامي يفرض على المسلمين مناصرة تلك الأقلية المسلمة التي رضيت بالبقاء في دار الكفر بدون عذر أو مبرر شرعي، حيث إن دار الإسلام قد فتحت أبوابها لدخولهم ودخول كل مسلم إليها، قال تعالى: (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [الأنفال: ٧٢]. فهؤلاء ليسوا من أعضاء المجتمع الإسلامي الموحد المتحد على الإسلام قال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا) [الأنفال: ٧٢] ومع ذلك أوجب علينا مناصرتهم بموجب رابطة الإسلام والإيمان ثم استثنى في مناصرة هؤلاء، أن لا تكون مناصرتهم مخلة بشرط من شروط الاتفاق بين المسلمين والكفار، لأن مصلحة المجتمع المسلم في دار الإسلام أولى من مصلحة قلة من المسلمين اختارت البقاء في دار الكفر على النزوح إلى دار الإسلام مع تمكنها من الدخول في دار الإسلام لو أرادت ذلك (١). فإذا كانت مناصرة هذه القلة بتلك الصفات واجبة في الإسلام فما ظنك بمناصرة المسلمين المأسورين عند الكفار، والذين لا يستطيعون للخروج حيلة ولا يهتدون سبيلا، ولو خرجوا من دار الكفر لما وجدوا دار إسلام تؤويهم أو تضمهم، أو تدافع عنهم؟

стр. 276

إن الواجب الإسلامي يفرض على الدول والشعوب المنتسبة إلى الإسلام أن تكون بين خيارين في تعاملها مع المسلمين المضطهدين. الأول: أن تفتح أبواب بلادها لتقبل المضطهدين من المسلمين من مختلف أنحاء العالم، فتؤويهم في دار الإسلام وتقدم لهم المساعدات السخيَّة، وفرص العمل الشريف ويشتركون معهم في جميع الحقوق والامتيازات كما اشترك المهاجرون والأنصار بالمدينة عند قدوم المهاجرين إليها، وهذا الأمر قد يترتب عليه بعض الصعوبات نظرا إلى أنه قد يهاجر إلى البلاد الإسلامية من لا يعمل بالإسلام على الوجه الصحيح، ونظرا لوجود فئات كثيرة من أهل الكفر والنفاق تعيش بداخل البلاد الإسلامية، ولا ترضى بمثل هذا الإجراء حيث يتعارض مع رغباتها ومنهجها في الحياة، ولذلك فإن من الأولى في بداية الأمر أن لا يكثر المسلمون من سواد خصومهم بمثل هذا التصرف حتى يتكون لديهم القاعدة الصلبة التي تتحدى قوى الكفر والنفاق في الداخل والخارج، كما أن فتح باب الهجرة لبعض الأقليات الإسلامية قد يؤدي إلى أن تكون هجرتهم لمصالح دنيوية ويؤدي إلى خلو كثير من البلاد التي كانت تحكم بالإسلام إلى أن تكون دار كفر لا وجود للمسلمين فيها، مع أن المسلمين اليوم ليسوا بحاجة ماسة إلى العدد الكمي بقدر ما هم بحاجة ماسة إلى النوعية المخلصة الصادقة التي تفهم الإسلام كما فهمه السلف الصالح. الثاني: أن يعدل المسلمون عن فتح باب الهجرة للأكثرية المسلمة المضطهدة في معظم البلاد الإسلامية، وأن يستبدلوا ذلك بالدعم السخيّ لإخوانهم بالمال والنفس والرأي، فيكون المسلمون بدار الكفر مجاهدين في سبيل الله بأنفسهم وأموالهم ويكون إخوانهم في الإسلام مجاهدين معهم بالمال والرأي والنفس إن تطلب الأمر ذلك وبذلك يتحقق للمسلمين هدفان:

стр. 277

(١) كسر شوكة الكفار وحماية المسلمين من سيطرة الكفر وهيمنته على المسلمين (٢) رفع راية الجهاد التي أمر الله بها أن ترفع حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله قال تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ) [الأنفال: ٣٩]. يقول أبو بكر بن العربي: إذا كان من المسلمين أسراء أو مستضعفون فإن الولاية معهم قائمة، والنصرة لهم واجبة بالبدن والمال والرأي وبأن لا تبقى منا عين تطرف، حتى نخرج إلى اسنتقاذهم، إن كان عددنا يحتمل لذلك، وأن نبذل جميع أموالنا في استخراجهم حتى لا يبقى لأحد منا درهم أو دينار يبخل به عن ذلك (١) اهـ. ولا ريب أن تطيبق مثل هذه التعاليم كان هو السبب الرئيسي في نصرة المسلمين وعزتهم عبر قرون طويلة من تاريخ هذه الأمة المجيدة كما أن إهمالهم لهذا الأمر هو الذي أطمع الأعداء في بلاد المسلمين، فبدءوا في كل يوم يفترسون جزءا من المسلمين، والبقية الباقية من المسلمين في لهو وعبث ومجون وضياع (٢). فالدول المحسوبة على الإسلام اليوم لا تقوم بواجب الأقليات الإسلامية على المستوى المطلوب منها شرعا وإنما اكتفت بإنشاء إدارة هزيلة ضعيفة واهية بموجب قرار وزراء خارجية المؤتمر الإسلامي التاسع الذي عقد في داكا عام (١٣٩٨هـ -١٩٧٨) ونشاط هذه الإدارة محدود جدًّا فهي تقوم بطلب المساعدات من الأعضاء ثم تقوم بتوزيعها على المراكز الإسلامية بشكل إعانات نادرة محدودة لا تسمن ولا تغني من جوع

стр. 278

فقد ذكر أحد المسئولين في هذه الإدارة أنهم قدموا مساعدة مالية إلى خمسة عشر مركزا بالولايات المتحدة الأميركية ودول الكاريبي، وعشرين مركزا في أوروبا، وثلاثين مركزا في آسيا، وستة وستين مركزا في أفريقيا، ولم يذكر المسئول الرقم الخاص بكل قارة ولا الرقم الإجمالي لهذه المساعدات (١) مما يدل على أن المساعدات ليست على المستوى المطلوب وأنها لا تعادل ما يتقاضاه حمار من الحمير الناهقة أو الرافسة، والآثار الظاهرة لتلك المراكز تدل على ضعفها وعجزها عن الجدية والنشاط، فهي لا تخدم المسلمين إلا في قضايا جزئية، أما أن تتبنى قضايا الاعتقاد والعبادة والسياسة والاقتصاد والاجتماع ونحو ذلك فهي غير مؤهلة لذلك، ولا يسمح لها الأعضاء بمزاولة مثل ذلك، في الوقت الذي نجد فيه أن مجلس الكنائس العالمي قد اعتمد مبلغ خمسين مليون دولار لإنفاقها على مراكز تكفير المسلمين في كل من تركيا وسوريا والأردن ومصر والسودان وتونس والجزائر والسنغال وملاوي وباكستان وبنغلاديش، وهذه كلها دول إسلامية فيما مضى من الزمن (٢). ولم يكتف الصليبيون بذلك بل إن قضايا النصارى في مصر والشام ترعى من قبل الدول الكبرى الصليبية في العالم أجمع. ولذلك نحن لا نطالب بمثل تلك الإدارة الهزيلة لحقوق الأقليات الإسلامية في العالم، بل نطالب الأمة بأجمعها أن تكون في حسها ووجدانها مساعدة الأقليات الإسلامية، وأن تضغط على الحكومات التي تمثلها تمثيلاً زائفًا في أن تهتم بأمور المسلمين وقضاياهم في العالم أجمع، لأن ذلك من مسئوليات المسلمين عامة وحكوماتهم خاصة وقد تعتذر

стр. 279

بعض الحكومات بأنها تلتزم مبدأ الحياد مع شقيقاتها، أو مع دول العالم، والحق أنه لا حياد مع من حارب الله ورسوله والمؤمنين قال تعالى: (لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) [المجادلة: ٢٢] فهذا العذر غير مقبول فأي ارتباط يتعارض مع الكتاب والسنة يجب أن يضرب به عرض الحائط، والأدلة على وجوب مناصرة الأقليات الإسلامية سبق ذكر البعض منها والبعض الآخر كما يلي: (١) قال تعالى: (لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا) [النساء: ١٤٨]. (٢) وقال تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ) [الشورى: ٣٩]. (٣) قال تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ) [الشورى: ٤٠، ٤١]. ومن السنة قول الرسول ﷺ ما يلي: (١) روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما (١)». (٢) وعن البراء بن عازب ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ بسبع ونهانا عن سبع، فذكر عيادة المريض واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، ورد السلام، ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وإبرار القسم (٢). (٣) قوله ﷺ : «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل

стр. 280

الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى (١)». فهذه الآيات والأحاديث تدل على وجوب الانتصار للمظلومين من الظالمين، وللمضطهدين المعذبين من قبل الكفار والمجرمين، سواء كان الذين يعذبون المسلمين كفارًا صرحاء أو مرتدين عملاء. إن في تلك الأدلة تقريرًا خالدًا لصفة من صفات هذه الأمة المسلمة صفة الانتصار من كل باغ ومعتد وظالم مهما كان مركزه ووجوده في الأمة الإسلامية، إن الدين الإسلامي لا يحابي أحدا على حساب الآخرين. ولذلك حرم الإسلام الخضوع للظالم أو مساعدته في ظلمه أو التستر على مظالمه، أو تبرير جرمه وطغيانه. إن الأمة المسلمة مطالبة شرعًا بالانتصار ممن يظلمها، مطالبة بالرد على سيئات الظالمين بمثلها، وهي في عملها هذا تزاول حقها المشروع في دفع الظلم عنها وعن أفرادها ورعاياها من المسلمين في كل مكان من الأرض، فلا عبرة بأي أعراف أو مفاهيم جاهلية، من شأنها أن تهدر حقوق المسلمين وتدوس كرامتهم، في الوقت الذي تتجاوز به دول الكفر جميع القوانين التي وضعتها بنفسها، عندما ترى أن هذه القوانين لا تخدم أهدافها ومصالحها ومصالح عملائها. فالهيئات الدولية التي يدير شئونها أعداء المسلمين، كأنما وضعت لتكبيل المسلمين وتقييدهم والقضاء عليهم فوجًا إثر فوج (٢). إن وضع الأكثرية الإسلامية في عصرنا الحاضر وضع حرج للغاية.

стр. 281

حيث أقام أعداء الإسلام دويلات وإمارات مبعثرة، أحاطوها بحدود جغرافية مصطنعة، وأعطوها جنسيات متباينة، ووضعوا على رأس كل واحدة منها إلا ما ندر منها دكتاتورا متسلطا يفتك بالمسلمين فتكا ذريعا فلا هي تستطيع الانتصار عليه بمفردها، ولا تستطيع أن تستنصر عليه بجيرانها، لأن القائمين على مسئوليات الدول المجاورة يقومون بنفس الدور، ويسيرون على نفس المخطط. والشعوب الإسلامية مطحونة غارقة في بحر الشهوات والشبهات بحيث لا تشعر بعملية الانسلاخ من الإسلام وعملية التصفية الجسدية للمسلمين الغيورين على دينهم فنجد أن عامة الشعوب الإسلامية مشغولة بالفن الماجن القابع بين وجه المرأة ونحرها، والبعض الآخر مشغول بالرياضة التي تروض الناس على الضياع والذل والانحطاط والنوع الثالث مشغول بعبادة الدرهم والدينار يلهث وراء ذلك ويطلب حصوله بكل وسيلة وأقبح سبيل، وإذا وجدت قلة مؤمنة في خضم هذا المجتمع المنحرف عن الإسلام يعز عليها ما يعانيه إخوانها تحت وطأة الطغاة المجرمين وما أكثرهم فإنها قد لا تجد إلى مساعدتهم سبيلا، وذلك أن معظم الدول المنتسبة إلى الإسلام لا تسمح بجمع أي نوع من أنواع التبرعات للأقليات الإسلامية المضطهدة في العالم بل الأكثرية المضطهدة في العالم الإسلامي، وبعض الدول قد تسمح في ظروف معينة بجمع التبرعات لبعض المنكوبين من المسلمين إذا كان ذلك يناسب وضعها السياسي وقضاياها الأمنية فتسمح بجمع التبرعات تحت إشرافها وإطلاعها بحجة تنظيم ذلك وصيانته، ثم تدفع ما تحصل عليه أو بعض ما تحصل إلى الموالين لها في طرف النزاع في فلسطين، أو في أفغانستان أو غيرها من البلاد الإسلامية وقد لا يأتي أصحاب الشأن من ذلك شيء، سوى إعطاء بعض المنافقين والعملاء كي يصوروا في المرائي والصحف والمجلات وينشر ذلك في نشرات الأخبار وأقوال الصحف المحلية والعالمية.

стр. 282

ولذلك يحجم كثير من المسلمين عن المشاركة في دعم الأقليات الإسلامية لأنه لا يطمئن إلى سلامة وصول هذه الإعانات إلى المستحقين لها شرعا، نظرا لبعد القائمين على مقاليد السلطة في معظم الدول الإسلامية عن جوهر الإسلام وحقيقته. ولكن لو قامت دولة إسلامية حقيقية صادقة مخلصة، وأرادت أن تقوم بمساعدة المسلمين المعذبين في العالم الإسلامي بجدية وإخلاص، فإنها تزاول بعملها هذا أمر مشروعا وتؤدي واجبا نحو هذا الدين ونحو المسلمين عامة وهي تنطلق في عملها هذا من قول الرسول ﷺ : «كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، والإمام راع ومسئول عن رعيته (١)» ورعاية المسلمين لإخوانهم لا تحدها حدود، ولا تمنعها قيود غير شرعية وقد يعترض معترض فيقول: كيف تستطيع دولة صغيرة من الدول أن تتدخل في الشئون الداخلية لدولة أخرى؟ والجواب: أن نقول: إن المسلمين في مودتهم وتراحمهم وتناصرهم يجب أن يكونوا أشد من تناصر الكفار فيما بينهم، لقد تضامنت دول الكفر جميعًا مع اليهود من حين إعلانهم لدولتهم حتى هذا التاريخ وهم يلقون الدعم البشري، والعسكري والاقتصادي والمعنوي من دول الكفر عامة والدول الكبرى منها خاصة، وتضامنت دول الكفر كلها مع أميركا في قضية الرهائن الأميركيين لدى إيران، رغم قوة أميركا وتفوقها في مجالات عديدة وتضامن اليهود مع نصارى لبنان فضلا عن نصارى العالم أجمع، وتضامن الشيوعيون في كوبا وبولندة والدول العربية مع روسيا في غزوها لأفغانستان رغم أن روسيا ليست بحاجة إلى فلك فهل ما تبيحه دول الكفر لنفسها من تعاون وتناصر يحرم تطبيقه بين المسلمين؟ إن لدى الحكومات القائمة في البلاد الإسلامية وسائل كثيرة تستطيع

стр. 283

من خلانها الضغط والتأثير على من يطاردون الأكثرية المسلمة فضلا عن الأقليات الإسلامية ومن هذه الوسائل ما يلي: أولاً: استخدام الاقتصاد كوسيلة قوية ومؤثرة على أوضاع هؤلاء المجرمين، فلا نصدر لهم ما يحتاجون إليه ضرورة ولا نستورد منهم ما يمكن أن نجده عند غيرهم ممن هم على علاقة حسنة بالمسلمين. ثانيًا: من وسائل الضغط على أعداء الله وأعداء رسوله والمؤمنين عدم التعاون معهم في أي مجال من مجالات الحياة، فلا نعينهم ولا نستعين بهم في أي أمر من أمور المسلمين، ما دمنا نجد في غيرهم من يسد مسدهم، ولو اضطررنا إلى التعامل معهم فنتعامل معهم معاملة تجارية دون محبة أو مودة فهاهم ينهبون ثروات المسلمين وخيراتهم ولا يضمرون لهم سوى الحقد والكراهية والمكر الخبيث. ثالثًا: يجب على المسلمين أن يكشفوا مخططات الكفار ويوضحوا جرائمهم تجار الإسلام والمسلمين، في مناهج التعليم ووسائل الأعلام وأن لا يسلكوا معهم سبيل المداهنة والنفاق. رابعًا: يجب على المسلمين شعوبًا وحكومات أن يمدوا يد العون والمساعدة بسخاء إلى المسلمين الذين يقاومون الحكومات الطاغية والأحزاب الكافرة، ودعمهم في ذلك بلا خجل أو حياء أو خوف من الناس، لأن هذا واجب شرعي من واجبات الإسلام، يؤديه المسلمون كما يؤدون غيره من الواجبات الشرعية. خامسًا: أن يستقدم المسلمون بعض اللاجئين من المسلمين الذين يطردون من بلادهم والذين لا يشكلون إلا قلة قليلة في بلاد الكفار مثل لاجئي كمبوديا، وكوريا، وفيتنام، وتايلند، وبعض بلدان أفريقيا وأوروبا الشرقية، ثم يتقاسمهم أهل البلاد الإسلامية فيما بينهم.

стр. 284

كما تفعل الدول الصليبية مع النصارى في شرق آسيا، فإن المسلمين بحاجة إلى الأيدي العاملة، فبدلاً من أن يستقدموا مئات الآلاف من الصليبيين واليهود وأهل الأوثان، يأتون بإخوانهم في الإسلام فيستفيدون منهم في مجال الأعمال المختلفة، ويفيدوهم بالنصرة والمأوى وإتاحة العيش الكريم لهم مع المسلمين، والدول الإسلامية تتمتع بمساحات شاسعة من الأرض وبأنهار كبيرة وكثيرة، وبثروة بترولية كبيرة، فهي قابلة للنمو في مجال الزراعة والصناعة ومختلف جوانب الحياة، وهي قادرة على استيعاب الملايين من البشر، ففي السودان وجنوب مصر وليبيا وتونس صحارى شاسعة يمكن استغلالها وإسكان آلاف اللاجئين فيها. ولكن أين من يفكر في مثل هذا ويعمل له؟ إن معظم الدول التي تحكم الشعوب الإسلامية لا تفكر بمثل ذلك ولا تخطط له، لأنها قصيرة الأجل في نظرها فاقدة للثقة بنفسها، لأنها أصلا ما قامت ولا انطلقت من منطلق صحيح، يجعلها تطمئن في تخطيطها وتصرفها في سائر أعمالها. فهي تنتظر الوقيعة بها صباح مساء، ولذلك كل هم تلك الدول هو أن تعض على مكانها بالنواجذ ولو كان في ذلك تدمير لأمة الإسلام كلها. فهي على استعداد أن تبيع بلاد المسلمين بمن فيها من المسلمين مقابل الحصول على مال كثير وكرسي وثير، فحكومات كهذه لا تبني ولا تهتم بشعوبها المحدودة بحدود ضيقة، فضلاً عن أن يرجى فيها الخير في نصرة شعوب وبلاد بعيدة عنها، ففاقد الشيء لا يُعطيه فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 285

المبحث الرابع: أسباب تحقيق المعاداة في الله إن المسلم مأمور بإظهار العداوة لأعداء الله ورسوله والمؤمنين وهذا الأمر لا يتحقق إلا بخمسة أسباب رئيسة هي على النحو التالي: السبب الأول: هو ترك اتباع أهواء الكفار أو تحقيق رغباتهم في معصية الله قال تعالى: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) [البقرة: ١٢٠]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فانظر كيف قال في الخبر ملتهم، وقال في النهي أهواءهم، لأن القوم لا يرضون إلا باتباع الملة مطلقا، والزجر وقع عن اتباع أهوائهم في قليل أو كثير (١).
следующие страницы →