← Акыда

Акыда · id 12812

الموالاة والمعاداة في الشريعة الإسلامية

محماس الجلعود

Полный текст (908 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الذي حاول أن يكرهه على ترك إسلامه، ورفض الأسير المسلم، وثبت على عقيدته فثار الإمبراطور وأمر أن تفقأ عيناه .. وسمع عمر بن عبد العزيز فكتب إلى ملك الروم يقول: أما بعد. فقد بلغني ما صنعت بالأسير المسلم، وإني أقسم بالله لئن لم ترسله إلي من فورك لأبعثن إليك من الجند ما يكون أولهم عندك وآخرهم عندي. وعندما وصل الخطاب تراجع ملك الروم أمام هذه العزمة وأمر بإعادة الأسير المسلم إلى أهله وقومه (١) وفي موقف المعتصم (٢) صورة من صور الموالاة في الله فهو الخليفة الثامن من خلفاء الدولة العباسية وبطل عمورية العملاق الذي ضرب بتلك المعركة المثل الأعلى في استراداد الكرامة والذود عن حياض المسلمين وقصة عمورية كما ذكر بعض المؤرخين هي: أن نوفيل ملك الروم أغار على حدود الدولة العباسية وعلى زبطرة بالذات وهي مسقط رأس المعتصم وعلى أهل ملطية وغيرها من حصون المسلمين وأسر مجموعة من المسلمين من الرجال والنساء والأطفال فمثل بهم فمنهم من سمل عيونهم، ومنهم من قطع أنوفهم وآذانهم ومنهم من قتل، وكان من بين الأسرى امرأة هاشمية، كبر عليها الضمير وعظمت عليها القسوة، فصاحت بأعلى صوتها وامعتصماه، ونقل بعض الحاضرين هذه الصيحة إلى المعتصم، فما أن وصلت إلى مسمعه حتى صرخ بأعلى صوته في المجلس ونهض مرددا لبيك، لبيك يا أختاه

стр. 317

وأمر بالنفير العام، واستدعى القضاة والشهود، وأشهدهم على وصيته، أن ماله إذا استشهد في هذه المعركة فيقسم إلى ثلاثة أقسام ثلثه صدقة وثلثه لأولاده، وثلثه لمواليه، وسار بنفسه ومن معه من خيرة قواده ورجاله سنة (٢٢٣) هـ فحاصر عمورية وهي عين النصرانية ومركز قوتها ومسقط رأس نوفيل ملك الروم، ففتحها بعد حصار شديد رغم حصانة أسوارها وقوة رماتها فخرت صريعة بين يديه، وثأر المعتصم، من أعداء الله ولمن نكل بهم من المسلمين والمسلمات، واسترد كرامة الأمة الإسلامية وبين كيف تكون غضبة الحاكم المسلم إذا انتهكت حرمات العقيدة أو اعتدى على حمى الإسلام والمسلمين (١) وقد عاد إلى بغداد مكبرا مهللا واستقبلته الأمة بالفرح والغبطة والسرور، وأنشد أبو تمام قصيدته المشهورة: السيف أصدق إنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب بيض الصفائح لا سود الصحائف في ... متونهن جلاء الشك والريب وجاء من هذه القصيدة: لبيت صوتا زبطريا هرقت له ... كأس الكرى ورضاب الخرد العرب وجاء من هذه القصيدة أيضًا: كم كان في قطع أسباب الرقاب بها ... إلى المخدرة العذراء من سبب (٢) وفي مثل هذه الصورة المشرقة من صور الوفاء والغيرة على حمى الإسلام ما روي أن الحجاج بن يوسف الثقفي غضب على واليه في السند غضبا

стр. 318

شديدا وذلك بسبب امرأة أسرت من المسلمين وأدخلت إلى بلاد السند فجهز الجيوش المتواصلة، وأنفق بيوت الأموال حتى استنقذ المرأة وردها إلى أهلها ومدينتها (١). هذه حال المسلمين في عهدهم الزاهر عهد الجسد الواحد إذا اعتدى على طرف منه تقلص الجسم وارتعش وانتفض انتفاضة تدمر الأعداء، ولكن شتان بين الأمس واليوم، وأين الثرى من الثريا؟ إن ملايين المسلمين اليوم من الرجال والنساء والأطفال يصرخون ليل نهار، في مشارق الأرض ومغاربها وشمالها وجنوبها ووسطها، يصرخون وينادون بلسان الحال والمقال وامعتصماه، ولكن هيهات هيهات لا مجيب. يقول الشاعر عمر أبو ريشة: أمتي كم غصة دامية ... خنقت نجوى علاك في فمي تسمعي نوح الحزانى وتطربي ... وتنظري دمع اليتامى وتبسمي رب وامعتصماه انطلقت ... ملء أفواه الصبايا اليتم لامست أسماعهم لكنها ... لم تلامس نخوة المعتصم (٢) لقد أصبح معظم المسلمين اليوم كالسائمة من بهيمة الأنعام التي يذبح الجزار من طرفها وتفقد كل يوم فردًا من أفرادها، ومع ذلك فهي تأكل بكل طمأنينة وتجتر، وتعطي الدر بسخاء لمن يحد السكين لنحرها، لقد أصبح الكفار في هذا العصر أكثر موالاة مع بعضم من المسلمين مع بعضهم وهذا ليس من قبيل التشهير بل هو الواقع فعلا، فإذا اعتدي على يهودي أو نصراني أو شيوعي قامت قيامة العالم كله، أما عندما يكون الضحية من المسلمين فإننا نرى التجاهل المفرط من المسلمين وأعداء الإسلام على حد سواء، وكدليل على ما نقول نسوق بعض الأحداث المشهورة للعبرة

стр. 319

والذكرى فعندما قتل قادة الثورة الإيرانية أحد التجار اليهود قامت قائمة إسرائيل واليهود في أمريكا وروسيا وأوروبا وحاصروا إيران محاصرة اقتصادية وإعلامية وعسكرية، وعندما قبضت الحكومة الإيرانية على خمسين فردا من الصليبيين واليهود لديها قامت الدنيا كلها فما من صحيفة تصدر أو مجلة أو نشرة أخبار في إذاعة أو تلفاز في كل صباح ومساء في العالم كله، إلا وتذكر عنهم كلاما مستفيضا وجدلا كلاميا وآخر ما دار بشأنهم ولم يكتف الصليبيون واليهود بذلك بل حركوا شركاءهم وعملاءهم في داخل إيران وخارجها كي يطوقوا تلك الثورة ويقضوا عليها في مهدها. وعندما قتل مزارع أبيض من النصارى البريطانيين في روسيا قامت بريطانيا في كل نشرة من أخبارها، تذكر الملابسات والمحاكمات والتقارير الإخبارية عن ذلك (١) وفي بولندا دعت نقابة العمال الحرة إلى إضراب في العاصمة البولندية، في أكثر من ثلاثين دائرة عمل وذلك بسبب احتجاز السلطة الحكومية، أحد عمال الطباعة لديها حيث إن هذا العامل عضو في هذه المنظمة (٢). فهل يكون الكفار أوفى لأهل ملتهم منا نحن المسلمين؟ هذا هو حاصل فعلا في واقعنا الحاضر، وحتى نكون موضوعيين في هذا نسوق حادثة واحدة من مئات الحوادث التي تبين مدى ظلم المسلمين بعضهم لبعض، وعدم موالاة بعضهم لبعض، على المستوى الرسمي، والمستوى الشعبي، وذلك أنه حدث في يوم الجمعة ٢٧/ ٦/ ١٩٨٠م، وفي الساعة التاسعة صباحا توجهت اثنتا عشرة طائرة هليوكبتر تابعة لسرايا الدفاع بقيادة المجرم الطاغية رفعت الأسد فنزلت في مطار حماة ثم انتقلت إلى سجن تدمر الصحراوي حيث المعتقل الكبير لخيرة المسلمين

стр. 320

العاملين المجاهدين وأخرجوهم خارج السجن بطريقتهم الخاصة ثم أطلقوا عليهم النار فاستشهدوا جميعًا، وقال الذين شهدوا العملية: إن عددهم ما بين الثمان مائة والألف، من خيرة أهل الإسلام، ثم دفنوا في الصحراء التي قتلوا فيها بواسطة جرافتين كبيرتين (١) إن هذا الخبر الذي يدمي القلب ويبكي العين ويحزن النفس لم نسمع عنه في وسائل الإعلام التي تدعي الإسلام، ولا وسائل الإعلام العالمية التي تدعي المحافظة على حقوق الإنسان أي تعليق أو بيان، في الوقت الذي تتحدث فيه هذه الوسائل عن أخبار القطط والكلاب والفئران، وهذا يؤكد لنا أن الإعلام في العالم كله كأنه يعمل تحت إدارة واحدة، تهدف إلى طمس معالم الإسلام وإخفاء قضاياه وتجاهل حقوقه وحقوق أهله. إن هؤلاء الذين استشهدوا تحت وطأة الحكم النصيري الكافر، لو كانوا من أهل الفن الماجن المصاب بجنون الشهوة الجنسية أو كانوا ممن يحلون عقولهم في أقدامهم من أصحاب الكرة الذين تتقاذفهم مخططات اليهود والنصارى كما يتقاذفون الكرة بينهم، لبكت عليهم وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة بدلا من الدموع دمًا، ولأجمعت وسائل الإعلام كلها في بلاد الإسلام وخارجها على تأبينهم بما يصك الآذان ويذهل الأسماع ولترك سماسرة اليهود والنصارى في المنظمات الدولية والمنظمات الخاصة إلى إصدار بيانات الاستنكار والاحتجاج أما عندما يكون القتلى من المسلمين المخلصين بأيدي الشيوعية في أفغانستان، أو على يد الصليبي ماركس في الفلبين أو بأيدي عبدة البقر في الهند، أو على يد الطاغية المجرم النصيري في سوريا فإن العالم كله يلتزم الصمت نحو تلك الأحداث الدامية ويتجاهلها لأن الضحية في ذلك هم أهل الإسلام. بل لقد ابتكرت وسائل الإعلام الغربية المعادية للإسلام مصطلحات

стр. 321

إعلامية تطلقها على أهل الإيمان والإسلام، لقصد تعمية المسلمين في العالم عما يصيب إخوانهم في مشارق الأرض ومغاربها من تصفيات جسدية وتعذيب وحشي فهي تصف المسلمين الغيورين على الإسلام بأنهم يمينيون متطرفون، وفي هذا إدخال للمسلمين في عداد النصارى، ومحاولة صبغهم بصيغة العمالة للغرب وتارة تصفهم بأنهم مسلمون متعصبون أو متطرفون وفي هذا تضليل للسامع بأن هؤلاء يستحقون ما يلقون من قتل وتعذيب لأنهم ليسوا مسلمين معتدلين، ولو سألنا هؤلاء أو سألنا عملاءهم في البلاد الإسلامية عن المسلم المعتدل في مفهوم هؤلاء لوجدناه المسلم الذي لا يعرف من الإسلام إلا اسمه، ولا يختلف عن اليهود والنصارى في شيء سوى تسمية بالإسلام وانتسابه إليه اسما لا حقيقة، فهذا هو المسلم المعتدل في مفهوم أعداء الإسلام. وبناء على ذلك فإن المسلم المعتدل في نظر أعداء الإسلام غير مسلم في مفهوم الإسلام الصحيح، لأن الإسلام الذي يرضى عنه أعداء الإسلام ليس إسلاما حقيقيا قال تعالى: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) [البقرة: ١٢٠] .. ولذلك يجب على المسلم أن لا يصدق أبواق اليهود والنصارى ومن يدور في فلكهم في إطلاق المفاهيم والأوصاف على العاملين للإسلام، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا) [الحجرات: ٦] بل يجب أن يسمَّى المسلمون بما يسمون به أنفسهم، لا بمسميات أعداء الإسلام لهم، فإن أعداء الإسلام يكيدون للإسلام والمسلمين بالقول والفعل وهذا الأمر ليس غريبا منهم، ولكن الغريب في ذلك أن يصدق أقوالهم وأفعالهم بعض من ينتسب إلى الإسلام فلا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 322

الباب الثاني: في عوامل ضعف الموالاة في الله والمعاداة فيه وفي هذا الباب تقديم وخمسة فصول: التقديم: في تحديد قضية هذا الباب. الفصل الأول: الجهل وصلته بالموالاة والمعاداة. الفصل الثاني: الاختلاف في مسألة أو مسائل فرعية. الفصل الثالث: الاعتزال عن الجماعة المسلمة. الفصل الرابع: دعوى الإكراه في عدم الموالاة والمعاداة. الفصل الخامس: العملاء الذين يوالون الأعداء للمصلحة الشخصية.

стр. 323

التقديم: تحديد قضية هذا الباب قد يستغرب الإنسان المسلم ويصاب بالدهشة والحيرة والاضطراب حينما يطلع على ما سبق عرضه في الباب الأول بشأن الموالاة في الله والمعاداة فيه من وجهة النظر الإسلامية، وبين ما هو حاصل في واقع المسلمين المعاصرن من الناحية التطبيقية، فيجد البون الشاسع بين ما هو كائن في واقع المسلمين وبين ما يجب أن يكون عليه المسلمون بمقتضى الكتاب والسنة. وكتوضيح للعوامل التي أدت إلى هذا الواقع المتردي المؤلم الحزين أردنا التعرف على أهم هذه العوامل وبيانها لعلنا نتجنب الوقوع في تلك المزالق التي مزقت شمل المسلمين وفرقت كلمتهم وجعلت بعضهم أعداء لبعض. في حين أن العدو الحقيقي يتمتع بالأمن والطمأنينة والسلامة في بلاد الإسلام.

стр. 324

ويمنحه أبناء المسلمين خالص المودة والمحبة والمناصرة والولاء ويجد من أبناء المسلمين من يحميه ويدافع عنه ويستميت دونه وما كان من الممكن أن يحصل ذلك لولا تلك المفاهيم المغلوطة والتصورات المنحرفة التي قلبت موازين الموالاة والمعاداة رأسا على عقب، فوالى من ينتسب إلى الإسلام أعداء الإسلام، وعادى من ينتسب إلى الإسلام أهل الإسلام الصحيح، وقد قسمنا تلك العوامل إلى خمسة فصول رئيسية.

стр. 325

الفصل الأول: الجهل وصلته بالموالاة والمعاداة الجهل في اصطلاح أهل الكلام: هو اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه حقيقة وهو ينقسم إلى قسمين: ١ - بسيط. ٢ - مركب فالجهل البسيط: هو عدم العلم بما من شأنه أن يكون به عالما. والجهل المركب: هو عبارة عن اعتقاد جازم غير مطابق للواقع (١) ويخلط كثير من الناس بين الجهل والخطأ في المفهوم والآثار المترتبة على ذلك مع أن هناك فرقا واضحًا بينهما.

стр. 326

فالخطأ هو أن يقصد بفعله فعلاً مباحًا فيقع في محذور لم يقصده كأن يرمي طيرا في غابة فيقتل إنسانا لم يقصد قتله. بخلاف الجهل فإنه تهاون مبعثه عدم بذل الجهد واستفراغ الوسع في معرفة الحق واتباعه (١). وكل من الجهل والخطأ يؤاخذ عليه في جناية عدم التثبت ولكن العقوبة في ذلك لا تقدر بقدر الجريمة الخالية من الخطأ أو الجهل (٢). فالخطأ ينقسم إلى قسمين: خطأ في حقوق الله. وخطأ في حقوق العبيد. فأما الخطأ في حق الله فقد جعل الشارع الخطأ عذرًا، إذا اجتهد المخطئ في التثبت على ما يمكنه (٣). أما الخطأ في حقوق العبيد، فليس الخطأ عذرًا فيها فيضمن المتلف خطأ قيمة ما أتلف، فعليه الدية في القتل تعويضا عما أصاب ورثة المقتول من الضرر فخففت العقوبة من القصاص إلى الدية المخففة نتيجة لوجود الخطأ في ذلك (٤). والجهل يعذر صاحبه في أمور قد تخفى على كثير من الناس ولكنه يؤاخذ على ذلك بتساهله عن البحث والسؤال قال تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) [النحل: ٤٣] والجهل كالخطأ في أقسامه فمنه ما يتعلق بحق الله تعالى ومنه ما يتعلق بحق الناس.

стр. 327

فإن كان الجهل بحكم يتعلق بحق الله تعالى من حيث الإباحة والتحريم، فإن صاحبه لا يؤاخذه عليه حتى يبلغه الدليل، فقد روى مسلم (١) في صحيحه عن ابن عباس ﵄ أن رجلا أهدى لرسول الله ﷺ راوية خمر (٢) فقال له رسول الله ﷺ «هل علمت أن الله قد حرمها؟.» قال: لا، فسار إنسانا فقال النبي ﷺ «بم ساررته؟» فقال: أمرته ببيعها فقال رسول الله ﷺ «إن الذي حرم شربها حرم بيعها» قال: ففتح المزاد حتى ذهب ما فيها. وفي ذلك يقول النووي لعل سؤال الرسول ﷺ عن علمه بالتحريم ليعرف حاله فإن كان عالما بتحريمها أنكر عليه هديته، وعزره على ذلك فلما أخبره أنه كان جاهلاً بذلك عذره وفي هذا دليل على أن من ارتكب معصية جاهلاً تحريمها، فلا إثم عليه ولا تعزير (٣) ,. ولكن إذا تعلقت جناية الجاهل بحق الناس فالقاعدة أنه لا يعذر أحد بجهالته حفاظًا على حقوق الناس روى مسلم عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لو يعطى الناس بدعواهم لادّعى ناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه» (٤) فمن يدعي الجهل بالأمور الظاهرة في الإسلام سواء كانت في حق الله أو حق عباده لا يقبل منه ذلك إذا كان يعيش في وسط إسلامي. أما من كان حديث عهد بالإسلام، وكان قد نشأ في مجتمع غالب سكانه غير مسلمين فقد يعذر ببعض أنواع الشرك إذا وقع فيه وهو لا يدري، والدليل على ذلك طلب الصحابة رضوان الله عليهم أن يجعل لهم الرسول ﷺ ذات أنواط كما للمشركين ذات أنواط، فحلف رسول الله ﷺ .

стр. 328

أنها مثل قصة قوم موسى عندما قالوا: (اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ) فلا خلاف أن الذين قالوا ذلك لم يعلموا الحكم، ولكن لو فعلوا ذلك بعد نهيه لكفروا، ومن ذلك نستنتج أن المسلم إذا تكلم بكلام الكفر وهو لا يدري أنه كفر، فنبه إلى ذلك فرجع عنه وأباب من ساعته أنه لا يكفر (١). أما من لم يكلف نفسه بمعرفة الشرك، ولا إنه كاره، فوقع فيه أو أيد أهله، فهو آثم وعلى خطر من خروجه عن الإسلام، لأن من جهل الشرك، لا يحصل منه شيء مما دلت عليه لا إله إلا الله، ومن لم يقم بمعنى هذه الكلمة وما دلت عليه، عن علم ويقين وصدق وإخلاص ومحبة وقبول وانقياد فليس من الإسلام في شيء (٢) وكثير من الناس لا يميزون بين ما أمروا به، وما نهوا عنه، ولا بين ما صح عن رسول الله ﷺ ولا ما كذب عليه، ولا يفهمون حقيقة مراده، ولا يتحرون طاعته، بل هم جهال لما أتوا به معظمون لأغراضهم وأهوائهم متبعون لشهواتهم وملذاتهم (٣) ولا ريب أن الله لم يعذر أهل الجاهلية الذين لا كتاب لهم بهذا الشرك الأكبر الذي حصل منهم والدليل على ذلك حديث عياض بن حمار عن النبي ﷺ : «إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب» (٤) فكيف يعذر الله أمة كتاب الله بين أيديهم يمكنهم أن يقرءوه ويفهموا ما فيه قال تعالى: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) [القمر: ١٧] فهو حجة الله على عباده كما قال تعالى: (هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ) [إبراهيم: ٥٢].

стр. 329

يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ إنَّ الإنسان يكفر بكلمة يخرجها لسانه وقد يقولها وهو جاهل فلا يعذر بالجهل (١) اهـ. ويستدل على ذلك بحديث: «إن الرجل يتكلم بالكلمة من رضوان الله، ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله، ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه» (٢) والإنسان قد يكفر بالمقالة الكافرة وفعل الكفر، وإن كان عند نفسه أنه لم يأت بمكفر، كما حصل من المنافقين في غزوة تبوك قال تعالى: (لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) [التوبة: ٦٦] فهؤلاء ظنوا أن ذلك ليس بكفر، ولكن الآية، دليل على أن الرجل إذا فعل الكفر ولو لم يعلم، أو يعتقد أنه كافر، لا يعذر بذلك بل يكفر بفعله القولي والعملي، ومن أجل ذلك فالذي يسب الإسلام أو شعائره كافر بطريق الأولى، وإن لم يعتقد أنه كافر (٣). وقد يعلم الإنسان أن الشيء يضره ويفعله، ويعلم أن هذا الشيء ينفعه ويتركه، لأن ذلك العلم عارضه ما في نفسه من طلب لذة أخرى، أو دفع ألم آخر فيكون جاهلاً ظالمًا حيث قدَّم هذا على ذلك، ولهذا قال أبو العالية سألت أصحاب محمد ﷺ عن قوله: (يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ) [النساء: ١٧] فقالوا كل من عصى الله فهو جاهل (٤)، وقال تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ

стр. 330

بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) [الأعراف: ١٧٩] وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» (١) ولا يجوز أن ينسب الكفر إلى شخص معين ما لم تقم عليه حجة البلاغ والعلم التي يعتبر من خالفها كان كافرا، تارة، أو فاسقا أو عاصيا أخرى وهذا في الأمور الخفية مثل الصرف والعطف، التي قد يقال فيها إنه مخطئ ضال. أما الأمور التي يعلم الخاصة والعامة من المسلمين أن رسول الله ﷺ بعث بإيجابها مثل أركان الإسلام الخمسة، والأشياء التي ظاهر تحريمها مثل الزنا والخمر والميسر، والربا ونحو ذلك من المحرمات والواجبات فلا يعذر أحد بجهالتها ما لم يكن حديث عهد بالإسلام (٢) وعلى هذا فليس كل من جهل شيئا من الدين يكفر، فقد كان بعض الصحابة ظنوا إباحة الخمر كقدامة بن مظعون وأصحابه فظنوا أنها تباح لمن عمل صالحا على ما فهموه من آية المائدة قال تعالى: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [المائدة: ٩٣] وقد اتفق علماء الصحابة ﵃ كعمر وعلي وغيرهما، على أنهم يستتابون فإن أصروا على الاستحلال كفروا، إذا كان قد بلغهم الدليل، فلم يكفروهم ابتداء لأجل الشبهة التي عرضت لهم حتى يتبين لهم الحق، فإن أصروا بعد معرفة الحق كفروا بجحودهم وإصرارهم (٣) وعلى ذلك فمن أعان على ترك واجب، أو إباحة محرم من شعائر الإسلام الظاهرة

стр. 331

المعلومة من الدين بالضرورة فحكمه الكفر وإن ادعى الإسلام (١) وعند ذلك يجوز قتله، لأنه لا عذر له في مثل ذلك بالجهل إلا من هو حديث عهد بالإسلام. فقد أخبر بجهل كثير من الكفار مع تصريحه بكفرهم ووصف بني إسرائيل بالجهل مع أنه لا يشك أحد في كفرهم قال تعالى: (قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) [الأعراف: ١٣٨] فنحن نقطع بأن أكثر اليهود والنصارى اليوم جهال مقلدون، ولكن مع ذلك نعتقد كفرهم وكفر من شك في كفرهم قال تعالى: (فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) [يونس: ٨٩] وقد دل القرآن الكريم على أن الشك في أصول الدين كفر ونوع من أنواع الردة عن الإسلام. والشك هو التردد بين شيئين كأن لا يجزم بصدق الرسول ﷺ ولا كذبه، ولا بوقوع البعث، ولا بعدم وقوعه ونحو ذلك، أو كأن لا يعتقد بوجوب الصلاة، ولا بعدم وجوبها، ولا بتحريم الزنا أو عدم تحريمه ونحو ذلك فهذا كفر بإجماع العلماء (٢). ولا عذر لمن كانت هذه حالته، بكونه لم يفهم حجج الله، وبيناته فعذره غير مقبول بعد بلوغه الحجة وإن لم يفهمها لأن طلب الفهم والعلم بالحجة راجع إليه هو (٣) قال تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) [النحل: ٤٣] وقد أخبر تعالى عن الكفار أنهم لم يتفهموا ما أنزل الله عليهم بواسطة رسوله محمد ﷺ قال تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ

стр. 332

فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا) [الكهف: ٥٧] فبين أنهم لم يفقهوه والفقه لغة الفهم فلم يعذرهم لكونهم لم يفهموا بل صرح القرآن الكريم بكفرهم ويكفر من اعتقد الصواب، وهو على الباطل، لعدم تحريه الصواب تحريا دقيقا قال تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) [الكهف: ١٠٣، ١٠٤]. وقد سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبابطين: أن هناك فئة من الناس لا تعرف الإيمان بالله على الوجه الحقيقي، ولا تعرف معنى الكفر بالطاغوت، ولكنها تلتزم ببعض شرائع الإسلام على الإجمال. أما على التفصيل فهي تبغض أهل التوحيد، وتمقتهم وترى منهم الخطأ في الأمور التي تخالف عاداتها وشهواتها وهواها وما تعارفت عليه حيث يعتقد هؤلاء أن كل شيء خلاف ما تعارفوا عليه هو خطأ لأن في ذهنهم أن كل ما تعارفوا عليه هو الصواب وهو الدين، ولو كان هو عين الخطأ، والصواب مع من يعتقدونه مخطئا، فهم لا يأخذون بالدليل الذي يرد به عليهم، ولا يلتفتون إليه، ولا يرعوون من فيهم، أو يرجعون عن باطلهم لأنهم يرون الدين الحق هو ما تظاهر به المنتسبون إليه من عامة الناس، ولو كان هؤلاء العامة مع قادتهم من علماء السوء وحكام الضلال منحرفين عن الإسلام الصحيح، فهم يصرحون في بعض الأحايين بالبغض والعداوة لأهل الحق، ويصفونهم بأوصاف الكفر والضلال جهلا أو نفاقا ويحرصون على تتبع عوراتهم والوقوع في عثراتهم والتجسس عليهم لحساب أهل الكفر والضلال.

стр. 333

فأجاب ﵀ بكفر هؤلاء وخروجهم عن الإسلام لعدة أسباب هي: أولاً: أنهم لم يكلفوا أنفسهم في معرفة الإسلام ولم يستسلموا لله وينقادوا له في كل أمر أو نهي. ثانيًا: إنهم عادوا أهل الحق، وأبغضوهم وخطئوا طريقهم ورأوا الدين هو ما عليه أكثر المنتسبين إليه من الناس الذين لا علم لديهم ولا عمل (١). ولا يعني هذا أننا نكفر كل مسلم لا يفهم الإسلام ويعرفه كمعرفة أبي بكر وعمر ﵄ بل إن المسلم إذا كان معه أصل الإسلام الذي يدخل به الإنسان في عداد المسلمين فهو مسلم، ولو كان جاهلا بتفاصيل أحكام الإسلام الخاصة، فإنه ليس على عوام المسلمين ممن لا قدرة لهم على معرفة تفاصيل ما شرعه الله ورسوله، أن يعرفوا على التفصيل ما يعرفه من أقدره الله على ذلك من علماء المسلمين، وأعيانهم بل عليهم أن يؤمنوا بما جاء به الرسول ﷺ إيمانا عاما مجملا، ويعملوا بذلك وإذا اشتبه عليهم الأمر لجأوا إلى أهل الذكر فسألوهم عما لا يعلمون أما إذا لم يوجد مع الجاهل، الأصل الذي يدخل به الإنسان في عداد المسلمين، فهو كافر، وكفره، هو بسبب الإعراض عن تعلم دينه فلا هو علمه، ولا تعلمه، ولا عمل به، فمن كان ظاهره الكفر فهو كافر ومن كان ظاهره العصيان فهو عاص، ولا نكفر إلا من كفره الله ورسوله بعد قيام حجة البلاغ عليه (٢) وقد عد الفقهاء أنواع الردة أربعة ذكروا منها الشك، والشك إنما يكون بسبب الجهل في عدم معرفة أقوى الدليلين، دليل الإثبات ودليل النفي، ولو قلنا بعدم تكفير الجاهل مطلقا لكان لازم هذا أن

стр. 334

لا نكفر جهلة اليهود والنصارى ومن على شاكلتهم من أهل الأوثان لجهلهم بأحكام الإسلام، وقد أجمع المسلمون على كفر من لم يكفر اليهود والنصارى، أوشك في كفرهم، وإن كان كفر بعض هؤلاء مبينا على الجهل بأحكام الإسلام، ولكن يكفي في إقامة الدليل عليهم أن يعلموا باسم الإسلام، وأن الله لا يقبل من إنسان غير الإسلام دينا، ثم يبقى عليهم بعد ذلك معرفة هذا الدين، ومعرفة صفاته وخصائصه وذلك من واجبات الفرد نفسه أن يسأل عن الخطأ والصواب، كما يفعل ذلك في أمور معيشته وعلى هذا فمرتكب الكفر، وإن كان متأولا أو مجتهدا أو مخطئا أو مقلدا أو جاهلا ليس معذورا في ذلك فليس حكم الكفر والردة مقصورا على من عاند مع معرفة وعلم، فنحن لا نعرف المعاند حتى يقول: أنا أعلم أن ذلك حق ولكن لا ألتزمه ولا أقول به، وهذا الصنف بهذا الوصف لا يكاد يوجد (١). وقد قال تعالى: (إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) [النساء: ٤٨] وقال تعالى: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) [المائدة: ٧٢] فلم يستثن من ذلك الجاهل، ولم يخص المعاند، فمن أخرج الجاهل والمتأول، والمقلد، فقد شاق الله ورسوله وخرج عن سبيل المؤمنين (٢) وقال تعالى: (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ) [الأنعام: ١١١] والجهالة معصية في صغائر الذنوب وفيما دون الكفر، فإن تاب من ارتكب الذنب بجهالة فقبول توبته راجع إلى الله عزوجل قال تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ

стр. 335

لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) [النساء: ١٧]. قال مجاهد الجاهل من لا يعلم حلالا من حرام، ومن جهالته ركب الأمر المحرم، فكل من عمل خطيئة فهو بها جاهل، سواء كانت هذه الجهالة تصل إلى الكفر، أو إلى ما دونه فكل من عصى ربه فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته، وإنما سمواجهالا لمعاصيهم لأنهم غير مميزين ولا متبعين للحق ولذلك فعملهم هذا إثم يؤاخذون عليه إلا إذا تابوا وأصلحوا فإن الله غفور رحيم (١). والجهل صفة موجودة في حياة الناس ولكنه يختلف باختلاف الأفراد والأمم فمن الجهل ما يكون كفرا بواحا ومنها ما يكون كبيرة من كبائر الذنوب ومنه ما يكون معصية من صغائر الذنوب ولكي يتخلص المسلم من الجهل صغيره وكبيره عليه أن يتخذ من رسول الله أسوة حسنة له في حياته قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا) [الأحزاب: ٢١] وبسؤال أهل العلم العاملين بعلمهم كما تقدم بيان ذلك. فعلى هذا نقول أن كثيرا ممن يدعون الإسلام في عصرنا الحاضر وهم يقفون في صف الطغاة والمجرمين ويوالونهم ويناصرونهم ضد الحق وأهله على خطر من خروجهم من الإسلام وإن اعتذر البعض منهم أو عنهم بأنهم جهلة لا يعلمون الحق والحقيقة لأن الواجب الشرعي عليهم هو التثبت والبحث عن الحق والصواب قال تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) [النحل: ٤٣] (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا

стр. 336

أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) [الحجرات: ٦] ولقد حذر النبي ﷺ الجاهلين من البقاء على جهلهم وحثهم على طلب العلم وعلى تحطيم ربقة الجهل، وحثهم على قرع أبواب المعرفة، ويتجلى هذا بوضوح فيما رواه عبد الرحمن بن أبزي عن أبيه عن جده قال خطب النبي ﷺ ذات مرة فأثنى على طوائف من المسلمين خيرا، ثم قال: «ما بال أقوام لا يفقهون جيرانهم ولا يعلمونهم ولا يعظونهم ولا يأمرونهم ولا ينهونهم؟ وما بال أقوام لا يتعلمون من جيرانهم ولا يتفقهون ولا يتعظون؟ والله ليعلمن قوم جيرانهم، ويفقهونهم ويعظونهم ويأمرونهم وينهونهم وليتعلمن قوم من جيرانهم ويتفقهون ويتعظون أو لأعاجلنهم العقوبة ثم نزل» (١) ولقد بين الرسول ﷺ في هذا الحديث مسئولية العلماء كما بين واجب من لا يعلم، وحث الفريقين على أداء واجبهما أهل العلم ينشرون العلم ويبينونه والجاهل يسعى إليهم ويتعلم منهم، وقد رتب على إخلال أحد الفريقين أو كليهما بواجبه عقوبة زاجرة رادعة من خلال هذا الحديث، وهذا يدل على أن الجهل ليس عذرا في ترك الأحكام أو إعفائه من المسئولية (٢). يقول الشاعر: إذا كنت لا تدري ولم تك بالذي ... يسائل من يدري فكيف إذًا تدري؟؟ (٣)

стр. 337

لقد أصبح المعروف منكرا والمنكر معروفا، والحق باطلا والباطل حقا في مفهوم كثير ممن ينتمون إلى الإسلام اسما لا حقيقة ولكن مع ذلك يعتقدون جهلا أو تجاهلا أنهم هم أصحاب الإسلام الصحيح فالإسلام الذي يريدونه ويعتقدون صحته هو إسلام لا يمنعهم عما حرم الله ولا يلزمه بما أوجب الله، ولذلك تراهم يفقهون في وجه كل داعية مخلص يريد إرجاع الأمة إلى الصواب، ويصفون الدعاة إلى الله أبشع الأوصاف التي هم في الحقيقة جديرون بها، إن هؤلاء الجهال وما أكثرهم في عصرنا الحاضر، هم من أهم عوامل ضعف الموالاة بين المسلمين نظرا إلى أنهم يشكلون أكثرية ساحقة ساذجة تافهة في المجتمع الإسلامي ولذلك نرى لزاما على الأمة الإسلامية والعلماء خاصة أن يهتموا بتلك الفئة من الناس اهتماما يناسب حجم المشكة ويدرأ خطرها عن الدعاة إلى الله وأن يوجهوهم إلى التصور السليم، ويلقنوهم الفهم المستقيم، وأن يحولوهم من موقف الرفض والعداء للدين وأهله، إلى موقف التأييد والموالاة والمناصرة على الحق. لقد أصبح الجهر بكلمة الحق في وسط هذه الجموع المضللة من قبل أعداء الإسلام جريمة يؤخذ عليها بالنواصي والأقدام، لقد جهلت الشعوب الإسلامية هذا الدين، وأخذت عنه تصورات خاطئة، بفعل أعداء الإسلام في داخل البلدان الإسلامية وخارجها، ونقضوا عرى الإسلام عروة عروة كما قال عمر بن الخطاب ﵁: إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية والشرك، وما عابه القرآن ودفعه، ووقع فيه وأقره ودعا إليه وصوبه وحسنه، وهو لا يعرف أنه الذي كان عليه أهل الجاهلية ونظيره، أو شر منه أو دونه. فتنقض بذلك عرى الإسلام، ويعود المعروف منكرًا والمنكر معروفًا والبدعة سنة والسنة بدعة، ويكفر الرجل بمحض الإيمان، وتجريد التوحيد، ويبدع بتجريد متابعة الرسول ﷺ ومفارقة الأهواء والبدع ومن له

стр. 338

بصيرة وقلب حي يرى ذلك عيانا، والله المستعان (١) اهـ وقد أصبح هذا القول حقيقة واقعة في أيامنا هذه، والدليل على ذلك أن الإسلام عاش محنتين عظيمتين على يد طاغيتين مجرمين هما مصطفى كمال أتاتورك وجمال عبد الناصر ومع ذلك كان موقف الجماهير الجاهلة المضللة عن حقيقتهما هو موقف التأييد المطلق والمناصرة التامة لهما والهيام في حبهما إلى درجة الشرك قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ) [البقرة: ١٦٥] ونحن نذكر هذين الشخصين كمثالين للقيادات الضالة التي يصفق لها الدهماء من الناس ويهيمون في حبها، ويبذلون دماءهم وأموالهم وكل ما يملكون في سبيل حفظها وبقائها، وما علموا أن الواجب الشرعي يفرض عليهم أن يحطموا تلك الزعامات الفاجرة الخارجة على الإسلام وأن يعادوها ويبغضوها كما أمر الله في كتابه الكريم وعلى لسان نبيه المصطفى محمد ﷺ ولكن الجهل المطبق هو الذي حال دون معرفة حقيقة الأعداء وحقيقة الأصدقاء وهو الذي جعل هؤلاء الجهال يوالون أعداء الإسلام موالاة مطلقة ويحاربون أهل الإيمان، إن مصطفى كمال أتاتورك لم يكن يعرف من الإسلام الذي يدعيه أكثر من أن اسمه مصطفى في السجل الرسمي للدولة أما حقيقته فهو صنيعة للحاخام اليهودي نعوم منفذ الخطة اليهودية لهدم الخلافة الإسلامية (٢). لقد كان أتاتورك مجرما بمعنى الكلمة سواء كان في حياته الخاصة أم في مسئولياته العامة، ويشهد على ذلك أحد وزرائه عصمت اينونوا حيث قال له مرة: هل سنأخذ أوامركم من على مائدة العرق (٣).

стр. 339

إن هذا الرجل بعد أن وصل إلى سدة الحكم وقضى على الخلافة الإسلامية، وقع معاهدة لوزان المعقودة بينه وبين بريطانيا المجرمة التي قضت على الخلافة الإسلامية، ومكنت اليهود من احتلال فلسطين كما هو معروف عن دور بلفور، وزير خارجية بريطانيا آنذاك. وقد كان يمثل بريطانيا في معاهدة لوزان، اللورد كيرزون ورومبولد، وكانت هذه المعاهدة تشتمل على أربعة شروط رئيسية هي: أولا: إلغاء الخلافة الإسلامية. ثانيا: قطع كل صلة بالإسلام. ثالثا: طرد وقتل أنصار الإسلام المتحمسين له. رابعا: تغيير الدستور الإسلامي إلى دستور علماني (١). ولقد طبق أتاتورك هذه المعاهدة تطبيقا تاما، فألغى الخلافة الإسلامية ومنع تدريس مواد الشريعة الإسلامية ومنع الزي الإسلامي، واستبدل بلغة القرآن الحروف اللاتينية، كما ألغى الحكم بالشريعة الإسلامية، ووضع مكانها القوانين الوضعية التي جلبها من أوروبا. وكان قصده من ذلك كله جعل تركيا وما حولها من بلاد الإسلام قطعة من أوروبا وأقسام مبدأ علمانية الدول والحكم، وعدم اعتبار الدين في أي شأن من شئون الحياة. هذا الشخص الذي فعل بالمسلمين هذا الفعل ما زال تمثاله الذي يرمز إلى الخيانة والعمالة للأعداء، أول ما تقع عليه عين القادم في مطار استنبول، وتماثيله الأخرى منتشرة في كل منعطف وميدان، وصوره تباع للسياح، وكأنه منقذ أمة أو فاتح عظيم، ولو كان كذلك لما جاز ذلك. فكيف به وهو خائن لئيم؟ والأعجب من ذلك أن الدستور الوضعي

стр. 340

في تركيا لا يزال حتى هذا اليوم حارسا أمينا على نظام أتاتورك العلماني الجاهلي ولا يستطيع أحد من أبناء الشعب المسلم في تركيا أن يجهر بانتقاد هذا الطاغية الهالك أو يكشف مخازيه وفضائحه التي بقيت سرا لأكثر من خمسين عاما. وفي هذه الأيام تجري محاكمة للدكتور نجم الدين أربكان زعيم حزب السلامة الإسلامي بتهمة السعي لإقامة دولة إسلامية في تركيا وقد طالب المدعي العام العسكري بإنزال عقوبة السجن لمدة (٣٦) سنة على الدكتور نجم الدين كما طالب بإنزال عقوبة السجن لمدة (١٧) سبع عشرة سنة على ثلاثة وثلاثين من أعضاء حزب السلامة الإسلامي لأنهم يسعون لإقامة دول إسلامية وهذه يرون أنها جريمة لأنها تخالف نظام أتاتورك العلماني (١). ولم يكن تمجيد هذا الطاغية مقصورًا على تركيا وحدها بل إن كثيرا من الكتاب وأصحاب الأقلام المأجورة والمخدوعة يمجدون هذا المجرم ويمتدحونه، وكأن تحطيم الخلافة الإسلامية نصر عظيم وفتح مبين ولا غرابة على معظم الذين فعلوا ذلك لأنهم ينظرون إلى الأمور من خلال منظار اليهود والنصارى إليها، ولكن الغرابة في الأمر أن ينساق من يدعي الإسلام إلى الوقوف بجانب أعداء الإسلام، بينما يكيلون السباب والشتائم على سلاطين الدولة العثمانية وخاصة عبد الحميد الثاني الذي وقف في وجه المؤامرة اليهودية الصليبية رغم الضعف الشديد الذي يحيط بالدولة في عهده ورغم قوة أعدائه فقد أبى إباء المؤمن المعتز بإيمانه بالله عندما عرض عليه قره صو (٢) المرسل من قبل هرتزل قائد اليهودية وحامي حماها مبلغ مائة مليون ليرة ذهب باسم قرض طويل الأجل وبدون فائدة.

стр. 341

وتعهد أيضا باسم اليهود ببناء أسطول بحري لمشاركة الدولة العثمانية في صد الأعداء عنها، وتعهد كذلك ببناء جامعة في القدس كل ذلك مقابل التنازل عن قطعة صغيرة، من أرض فلسطين لليهود. فأبي السلطان رغم حاجته إلى المال والاستقرار وقال للوسيط قره صو وهو عثماني الجنسية: اغرب عن وجهي أيها الخنزير، أنا لن أستطيع أن أبيع شبرا واحدا من أرض فلسطين لأنها ليست ملكي، بل هي ملك المسلمين جميعا أخذوها بدمائهم، ولن يعطوها إلا بدمائهم، فليحتفظ اليهود بملايينهم وإذا مزقت دولتي يوما فإنهم سيأخذونها بلا ثمن أما وأنا حي فإن عمل المشرط في بدني لأهون علي من أن أرى فلسطين بترت من دولتي وهذا أمر لن يكون، إني لا أستطيع الموافقة على تشريح أجسادنا ونحن على قيد الحياة (١). رحمك الله يا عبد الحميد، لقد ظلمك التاريخ، وظلمك أصحاب الأقلام الذين يتخذون من مؤلفات جورجي زيدان، وفارس نمر وسلامة موسى مصدرا لتاريخهم ومعلوماتهم، وما أدرك أولئك الجهلة أن ثلاثتهم قد تربوا في أحضان الصليبية وأنهم يعملون لها، وأن مؤلفاتهم سلاح من الأسلحة التي تشهر في وجه الإسلام والمسلمين. إن هذا الموقف في معاداة عبد الحميد، وموالاة ومناصرة أتاتورك يعطي صورة واضحة على من يجهل معظم أفراد الأمة بأعدائها الحقيقيين إلى حد يجعلهم ينصرون الظالم على المظلوم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ولم يتعظ المسلمون من نتائج هذا الموقف مع أتاتورك وما حصل من ذلك من جرائم أو سيئات بل مر هذا الحدث بما فيه من مصائب ودواه عظام أثقلت وتثقل كاهل الأمة الإسلامية حتى هذا اليوم، ومع ذلك لا زال بعض المنتسبين إلى الإسلام يمتدح ذلك العدو اللدود للإسلام والمسلمين.

стр. 342

أما المأساة الثانية التي كرر فيها الأعداء مواقف أتاتورك في صورة شخص آخر فهي مأساة المسلمين في مصر، وخارج مصر، تلك المأساة التي عاشها أبناء مصر الأوفياء لدينهم وإسلامهم، وعاشها معهم كل مؤمن مخلص غيور، وذلك حين تآمر حفيد فرعون (١) جمال عبد الناصر مع أعداء الإسلام والمسلمين، العميل المزدوج للأمريكان واليهود والشيوعيين فلقد قال عنه خالد محيي الدين وهو من المقربين إليه إن عبد الناصر كان على علاقة مع وكالة المخابرات الأمريكية عن طريق كيرميت روزفلت المهندس الأمريكي لثورات المنطقة (٢) وقد ذكر مايلزم كوبلاند صديق عبد الناصر الحميم عن تلك العلاقة بين عبد الناصر والإدارة الأمريكية فيقول عن عبد الناصر: إنه لا يعمل كما يظن كثيرون نتيجة استئثار أو نزوة أو أي دافع من البواعث السطحية، إننا نحن رجال المخابرات الأمريكية قد رسمنا له الطريق فسار فيه، وقد تكون النتائج غير ذلك لو أنه أعد إعداد من نوع آخر (٣). وقد أشار الدكتور محمد صادق إلى هذا الارتباط بما لا يدع مجالا للشك بأن عبد الناصر تآمر مع أعداء الإسلام الصليبيين للقضاء على الإسلام والمسلمين (٤) وعبد الناصر كما هو عميل للصليبيين هو كذلك عميل لليهود لأن اليهودية والصليبية يعملان معًا ضد الإسلام وينسقان الخطط فيها بينهما لحرب الإسلام والمسلمين، والأدلة على عمالة عبد الناصر لليهود ما يلي: أولاً: صرح رجل عدل كان أحد أبطال فلسطين، الذي عرفه اليهود قبل

стр. 343

أن يعرفه غيرهم، وهو اللواء معروف الحضري ﵀ الذي كان أحد أبطال الحرب (١٩٤٨) وهو الذي مد يد العون للجنود المصريين المحاصرين في الفالوجة وكان عبد الناصر أحد هؤلاء المحاصرين هناك وبعد فك الحصار ورجوعهم إلى المخيم قال معروف الحضري أنه شاهد عبد الناصر يخرج من بين خطوط الحصار ويدلف إلى خطوط اليهود بعد منتصف الليل بغير علم قيادته وبغير أمرها، وأنه شاهده أكثر من مرة يفعل ذلك تحت جنح الظلام وكانت سيارة عسكرية يهودية تنتظره على مقربة من خط المواجهة يستقلها ثم يعود فيها مع خيوط الفجر الأولى، ولا ندري ماذا كان يفعل إلا ما دهمت به مصر بعد ذلك بثلاث سنوات. ثانيا: يوجد وثيقة بخط عبد الناصر كتبها بيده بعد أن وقع معروف الحضري بأسر اليهود، وصلت إلى معروف يطلب منه فيها التعاون مع ضابط المخابرات اليهودية المدعو كوهين الأمر الذي رفضه معروف الحضري ﵀. ثالثا: صرح ابن غورين مؤسس دولة إسرائيل في عام (١٩٥٠) في الكنيست الإسرائيلي قائلا: إن انقلابا عسكريا سيقع في مصر لن نكون نحن معاشر اليهود أقل فرحًا به من المصريين أنفسهم، ويقصد بذلك الانقلاب الذي أوصل عبد الناصر إلى الحكم في مصر، فكان ما كان في مصر مما أثلج صدور الكفار أجمع ما عدا أهل الإسلام. رابعا: جاء في مجلة يهودية تدعى يدعوت أحرينوت قولها: إن إسرائيل مارست ضرب الحركات الإسلامية، خلال الثلاثين عاما الماضية عن طريق أصدقائها في العالم العربي (١) وهذا ما حصل في مصر

стр. 344

على يد ذلك السفاح وما يحصل في وقتنا الحاضر على يد عملاء الكفار الشرقيين والغربيين. خامسًا: نشرت إحدى المجلات الإنجليزية نيوستيتسمان في عددها الصادر في الثاني من أكتوبر عام (١٩٧٠) بعد أن جللته بالسواد حدادا على عبد الناصر مقالا للمستر سكوتسمان الذي يعترف بأنه صهيوني بارز ولكنه يرثي جمال عبد الناصر، لما قدمه لليهود من خدمات لا تعوض بثمن وصدق الله العظيم حين قال: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) [البقرة: ١٢٠] ويضيف سكوتسمان قائلا: كان أول لقاء لي مع عبد الناصر سنة (١٩٥٣) الأمر الذي جعلني أرتبط معه بصداقة شخصية استمرت سنوات طويلة، ثم يقول: لقد نزلت ضيفًا عند عبد الناصر في إحدى الليالي بمنزله الكائن بجوار الثكنات منشية البكري وقد شهر بتكريمه لي عندما جلست معه جلسة خاصة للعشاء على مائدة المطبخ، لا على مقاعد غرفة الطعام بالصالون المعتاد ولقد دعاني إلى رؤية بناته في غرفة النوم بعد أن سارعت زوجته إلى الاختفاء (١). سادسًا: جاء في مذكرات موشي ديان وزير الدفاع الإسرائيلي سابقا أن حسن التهامي قال له: إنه كان للاستخبارات المصرية عميل إسرائيلي في منصب استراتيجي وكان ضابطا كبيرا في الجيش الإسرائيلي وقد أبلغ المصريين بأن الحرب ستقوم خلال الفترة ما بين (٣ أو ٦) من حزيران وردا على السؤال: لماذا لم يوضع سلاح الجو المصري في حالة تأهب قصوى؟ ولماذا لم تكترث

стр. 345

القيادة المصرية بهذه المعلومات؟ قال التهامي: إن الرئيس المصري آنذاك جمال عبد الناصر كان شريكا في المؤامرة الإسرائيلية (١). سابعًا: نقلت وكالة أ. ب فيلادليفيا أن هناك عدة صحف أمريكية نشرت سلسلة من التصريحات أدلى بها إيلمورجاكسون مراقب لجنة خدمة أصدقاء أمريكا لدى الأمم المتحدة وعضو كنيسة الكويكا قال: إن الرئيس المصري جمال عبد الناصر أجرى اتصالات مع الإدارة الأمريكية عام ١٩٥٥ من خلال سفيره في واشنطن أحمد حسين لمصالحة اليهود وقال جاكسون في ختام تصريحاته: إن كثيرين ممن وضعوا ثقتهم في الرئيس المصري جمال عبد الناصر: وكانوا من أنصاره قد يدهشون لقيامه بهذه الجهود لكن الحقيقة أنه قام بذلك، وقد حال دون ذلك استراتيجية السياسة اليهودية في ذلك الوقت اهـ (٢). إن الدور الذي لعبه جمال عبد الناصر في تحطيم عقيدة الأمة وأخلاقها وتسليم المساحات الشاسعة من أرض الإسلام والمسلمين بما فيها القدس لليهود بلا ثمن لهو دور عظيم لا يقارن به إلا الدور الذي قام به كمال أتاتورك من قبله. فكلاهما لعب دورًا مأسويًا في تاريخ الإسلام والمسلمين، وكلاهما صنعا مأساة لم يصنعها أحد غيرهما في زمانهما ومكانهما فالاثنان حققا لليهود .. أغلى أمانيهم. الأول: أسقط الخلافة الإسلامية وشتت البلاد الإسلامية دويلات وإمارات مبعثرة متناحرة وأنشأ مبدأ العلمانية في الحكم والتشريع.

стр. 346

والثاني: منح اليهود نصرا مؤزرا وأعطاهم أرضا وأماكن لم يحلموا بالوصول إليها بهذه السرعة، وبمثل هذه السهولة أعقبه السادات فمنح اليهود صك التملك الشرعي لأراضي المسلمين ومقدساتهم. هذه نماذج للقيادات الظالمة الطاغية التي لم تترك وراءها أي معلم من معالم البناء الحقيقي للأمة سوى الهزائم المتكررة في مجال الحرب العسكرية والحرب الثقافية، والحرب الأخلاقية والتي جميعها أثقلت كاهل الأمة في حاضرها ومستقبلها، إن البناء في مفهوم تلك القيادة الضالعة في موالاة أعداء الإسلام وتبعيتهم هو نشر الفساد الأخلاقي والانهيار الاجتماعي، وقتل عشرات الآلاف من أبناء المسلمين في الحرب العشوائية، وداخل السجون والمعتقلات الرهيبة أن جرائم هؤلاء قد تجاوزت البالغين إلى الأطفال الرضع ونسوق حادثة واحدة من آلاف الحوادث إلى الذين استعبدهم حب عبد الناصر، ليروا مدى العطف والعناية التي يقدمها محبوبهم إلى أبناء المسلمين. لقد ذهب عبد الناصر في زيارة لروسيا الشيوعية وعدوة الإسلام الأولى، ومن أجل ترضية سبعة عشر يهوديًا أعضاء في مجلس السوفيت الأعلى (١) أمر عبد الناصر وهو في موسكو باعتقال جميع الإخوان المسلمين وكان من ضمن الإخوان أخ كريم يعيش بالإسكندرية وكان الضابط المكلف باعتقاله يدعى عبد العزيز الصوابي فذهب إليه مع بعض زبانيته في ساعة متأخرة من الليل. ثم اعتقله واعتقل زوجته معه، وترك في البيت ثلاثة أطفال أكبرهم دون الخامسة وأصغرهم رضيع وفي الصباح استيقظ الأطفال فوجدوا الباب مغلقًا وليس عندهم أحد، وعند منتصف النهار مر شقيق الزوجة في زيارة عابرة فنادى على من في الدار فلم يجبه إلا صياح الأطفال وصراخهم وخاطب أكبرهم أين أمك؟ وأين أبوك؟ وأجاب: قمنا من النوم فلم نجدهما

стр. 347

وفتح الباب بعد مخاطرة عظيمة فوجد الأطفال الثلاثة في وضع تتفطر له الأكباد. إن هذه الصورة وغيرها مئات وآلاف الصور المحزنة المبكية، ومن أراد المزيد من تلك الصور فليرجع إلى الكتب المطولة في ذلك (١). إن هذا ليس غريبا من شخص باع دينه بدنياه واستعبده حب المنصب والجاه حتى ولو كان على أشلاء الأبرياء والمظلومين، من الذين لا ذنب لهم إلا أنهم قالوا ربنا الله ثم استقاموا هذه معاملة عبد الناصر لأبناء المسلمين أما سكوتسمان اليهودي الصهيوني فله مكان خاص في بيت الرئيس (٢) إن تآمر عبد الناصر مع اليهود والنصارى وغيرهم من كفار الأرض أمر لا غرابة فيه. ولكن الغريب في الأمر أن يفعل بالمسلمين هذا الفعل هو وزبانيته ومع ذلك كله نجد الملايين في مصر وخارج مصر تسبح بحمد هذا العميل وتقدسه، وتمنحه أعظم الأسماء وأجل الأوصاف والألقاب، وما ذلك إلا نتيجة جهلها بحقائق الأمور، واعتمادها على وسائل التجهيل والتضليل في الداخل والخارج التي جعلت من الدمية أعظم أسطورة ومن الفأر أسدا ضرغاما، وذلك حتى تتم فصول المؤامرة ويتحقق الدور الذي رسمه أعداء الإسلام لها بسلام فقد استشهد سيد قطب ﵀ وغيره من العلماء الأجلاء ولم نر أو نسمع من الملايين المضللة التي خرجت تطالب ببقاء عبد الناصر بعد هزيمته المنكرة أي احتجاج أو استنكار في الوقت الذي كان يجب على الجماهير أن تفعل عكس ذلك تماما، ولكن من يعي ويبصر أو من غير العرب يصفق لقائد مهزوم؟

стр. 348

عجبت لمصر تهضم الليث حقه ... وتفخر بالسنور ويحك يا مصر سلام على الدنيا سلام على الورى ... إذا ارتفع السنور وانخفض النسر (١) ويقول الشاعر: ولا خير من قوم تذل كرامهم ... ويعظم فيهم نذلهم ويسود (٢) إن من العقبات الشديدة في وجه الدعاة والمصلحين في هذا العصر تلك الجموع البشرية المضللة التي تعيش على هامش الحياة وهي سلاح قوي في يد أعداء الإسلام، ودعاة الضلال والانحراف، وهم لا يتكلفون في توجيه هؤلاء الدهماء ضد الإسلام والمسلمين، بأكثر من دغدغة عواطفهم بالمال والجنس ولغو الحديث، مع إيغار صدورهم ضد الحق ودعاته وعندئذ تكون هذه الفئة سلاحا بأيدي أعداء الإسلام والمسلمين. إن انتشار هذه الفئة الجاهلة الغبية في معظم أقطار المسلمين كان من أهم أسباب ضعف الموالاة والمعاداة في الله ولذلك يجب على كل مسلم أن يساهم في حل هذه المشكلة الحادة المعقدة. والحل لا يخرج عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإنما دورنا هو كيف نجعل الناس يفهمون الإسلام فهمًا صحيحًا ويلتزمونه قولاً وفعالاً. والطريق في نظري لإفهام الناس ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: هو دور الاتصال الشخصي في نشر التصور الإسلامي الصحيح فلو أخذ كل منا على عاتقه إبراز مفاهيم الإسلام وقيمه العادلة للناس في كل لقاء يلتقي به مع غيره من الناس لكان لذلك أثر عظيم في جلاء ظلمة الجهل عن الناس وتصحيح نظرتهم للإسلام ومقاصد المسلمين.

стр. 349

القسم الثاني: هو دور التعليم ووسائل الإعلام في تعميق مفهوم الإيمان وإعطاء التصور الصحيح للدين الإسلامي ونظامه في الحياة مع بيان الخصائص التي تميزه عن النظم الجاهلية كلها، إننا لو استطعنا أن نجعل الناس يهتمون بالإسلام وقضاياه المختلفة كاهتمامهم بقضاياهم الشخصية لكان ذلك فاتحة خير وطريقا إلى الوصول إلى الهدف الأسمى في تطبيق الإسلام وتنفيذ أحكامه. ولكن للأسف الشديد فإن غالبية الناس عن الاهتمام بالدين وقضاياه غافلون فكل ما يفهمه أو يهتم به بعض المنتسبين إلى الإسلام هو تأدية الشعائر التعبدية من صلاة وزكاة وصوم وحج، أما الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله ومحاربة المنكرات الظاهرة ظهور الشمس في رابعة النهار وموالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه، فهم عنها غافلون وعن التشبث بها معرضون. ومن الأمثلة على جهل بعض المسلمين بالإسلام وتصوره تصورا ناقصا خاطئا ما ذكره جمال الدين الأفغاني ﵀ حيث يقول: إنك إذا سألت الهندي المسلم عن الإسلام، كان يجيبك بأنه يحمد الله على أنه من أكلة لحوم البقر، هذا كل ما يفهمه عن الإسلام أنه يبيح لحم البقر طعامًا للناس (١) اهـ وليس كل أهل الهند المسلمين بهذا الوصف، ولكن الغالبية العظمى منهم ومن غيرهم في البلاد الإسلامية لا يخرجون عن نطاق هذا الفهم القاصر للدين الإسلامي. والسبب في ذلك والله أعلم أن أكثر المسلمين يأخذون إسلامهم عن طريق التقليد لأناس هم أبعد ما يكونون عن الإسلام الصحيح علما وعملا وهذا الأمر هو أعظم مصدر من مصادر الجهل المنتشر بين المسلمين وقد اختلف العلماء في التقليد على قولين:

стр. 350

القول الأول: قول جماعة نفت التقليد وأنكرته وذمته وقالت في تبرير ذلك أن الناس أحد رجلين. أ- إما عامي فيجب عليه أن يتعلم ما يستقيم به دينه، ولا فائدة له في لزوم مذهب معين، فإنه كالأمي الذي يدعي أنه يقرأ وهو ليس بقارئ أو يدعي أنه كاتب وليس بكاتب فيدعي أنه على مذهب وهو لا يعرفه ولا يعرف الصحيح من الضعيف. ب- والرجل الثاني فقيه عالم بالكتاب والسنة، فلا يصح أن يقدم على شيء بغير حجة ولا دليل (١). وقد ذم الله التقليد والاتباع على غير هدى كما ذكر الله عن الكفار في قوله تعالى: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ) [الزخرف: ٢٣] وقال تعالى: (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا) [الأحزاب: ٦٦ - ٦٨]، وقد أمر الله عباده باتباع ما أنزل على رسوله قال تعالى: (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ) [الأعراف: ٣]. وقد بين تعالى أن الذين يقلدون غيرهم بلا وعي، ولا تعقل يندمون على ذلك يوم القيامة عندما يرون العذاب الأليم قال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ) [البقرة: ١٦٧].

стр. 351

القول الثاني: قول من يقول إن التقليد أمر ضروري يباح عند الضرورة فليس في قدرة كل الناس معرفة الأدلة التفصيلية من الكتاب والسنة ولكنهم اشترطوا أن يكون التقليد لأحد الأئمة في ما وافق الكتاب والسنة فقد صرح الأئمة بأنه لا يجوز تقليدهم تقليدا مطلقا في كل شيء لأن التقليد المطلق خاص بالمعصوم ﷺ فيما لم ينسخ أو يكون مخصوصا به دون غيره (١) فقد أمرنا الله بمتابعته بقوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ) [الأحزاب: ٢١]. أما ما عدا الرسول ﷺ فيؤخذ من قوله ويرد ولذلك نرى أن الأئمة والفقهاء قد أوثر عن كل واحد منهم ما يدل على ذم التقليد والمتابعة المطلقة لغير رسول الله ﷺ (٢). ومن الأقوال التي رويت عنهم ما يلي: ١ - قال أبو حنيفة ﵀: هذا رأيي فمن جاءنا برأي خير منه قبلناه وقال: هل لأحد قول مع قول النبي ﷺ ؟ (٣). ٢ - قال بشر بن الوليد (٤) قال أبو يوسف (٥) صاحب أبي حنيفة (لا يحل)

стр. 352

لأحد أن يقول مقالتنا حتى يعلم من أين قلنا (١). ٣ - قال الإمام مالك ﵀: كل يؤخذ من قوله ويرد إلا قول صاحب هذا القبر يشير إلى رسول الله ﷺ قال أيضًا: من ترك قول عمر بن الخطاب ﵁ لقول إبراهيم النخعي أنه يستتاب فكيف من ترك قول رسول الله ﷺ لمن هو دون إبراهيم النخعي (٢). ٤ - قال الإمام الشافعي ﵀: إذا صح الحديث فهو مذهبي وفي لفظ: إذا صح الحديث عندكم فاضربوا بقولي الحائط (٣). ٥ - قال أبو داود: قلت لأحمد الأوزاعي أهو أهل أن يقلد؟ أم مالك؟ فقال: لا تقلد في دينك أحدا من هؤلاء إلا ما جاء عن النبي ﷺ وأصحابه فخذوه (٤). ٦ - قال أحمد ﵀: عجبت لقوم عرفوا الأستاذ وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النور: ٦٣]. ٧ - قال عبد الله (٥) بن المعتم: لا فرق بين بهيمة تنقاد وإنسان يقلد (٦).

стр. 353

٨ - قال ابن مسعود (١) ﵁ لا يقلدن أحدكم رجلا إن آمن آمن، وإن كفر كفر، فإنه لا أسوة في الشر (٢). قال الشاعر: تخالف الناس فيما قد رأوا ورووا ... وكلهم يدعون الفوز بالظفر فخذ بقول يكون النص ينصره ... إما عن الله أو عن سيد البشر (٣) وهذا لا يعني حرمة اتباع العلماء فيما يقولون من حق وصواب ولكن الأمر الذي نريد تقريره، إنه ليس واجب على الأمة اتباع العلماء كاتباع الرسول ﷺ . وبناء على ذلك لا يحرم تقليدهم فيما وافق الحق والصواب، كما يحرم تقليد من يقول بغير علم، أو من يستمد أقواله وأفعاله من مناهج الكفر والضلال (٤). فالعلماء يجري عليهم الخطأ والنسيان، ومنهم من يقع في مصائد الولاة الكفرة فيبيع دينه بعرض من الدنيا. من أجل ذلك كله فهم ليسوا معصومين من الخطأ وليس البعض منهم

стр. 354

حجة في موافقة في بعض القضايا والأحداث فمن أحسن الظن ببعضهم من غير نظر إلى الكتاب والسنة هلك (١) وخلاصة القول في هذه المسألة أن التقليد مذموم فيما يتعلق بأصول الأحكام دون فروعها. أما من تحرى الحق في مسألة فرعية والتزم ذلك في حياته فلا ضير عليه سواء كان ذلك علما تعلمه أو تقليدا لمن وافق عمله الكتاب والسنة (٢) فإن الله أمرنا باتباع أهل العلم فيما يفتون به من أحكام قال تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) [النحل: ٤٣]. لذلك فإن كان تقليد العلماء العاملين بالشريعة الإسلامية عليه بعض التحفظات فما عذر أولئك الذين يقلدون اليهود والنصارى والمرتدين والمنافقين بغير سلطان آتاهم؟ إنه لا عذر لهم سوى اتباع الهوى والشيطان والمكابرة عن الحق وأهله أعاذنا الله من ذلك. يقول الشاعر سليمان بن سحمان فمن كابر النص الصريح معاندا ... وحلل تقليدا لما الله حرما وقلد متبوعا له ومقلدا ... فهل كان ذا من أناب وأسلما؟ (٣) وقد أخبر رسول الله ﷺ عن غربة الإسلام بقوله ﷺ : «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود كما بدأ غريبا فطوبى للغرباء» (٤). فهذا الحديث يدل على أن للدين إقبالا وإدبارا، وأن من إقباله أن

стр. 355

تفقه القبيلة وتسترشد حتى لا يوجد فيها إلا منافق أو منافقان فهما خائفان مقهوران ذليلان وإن من علامات غربته أن تجفوا القبيلة بأسرها حتى لا يوجد فيها إلا مؤمن أو مؤمنان فهماخائفان مضطهدان (١) وقد وقع مصداق ذلك في هذا العصر حتى صار المعروف منكرا والمنكر معروفا في كثير من بلاد المسلمين وفشى الجهل بين الناس والتقليد الأعمى لأهل الكفر والضلال فنشأ على ذلك الصغير وهرم عليه الكبير، واعتقد أكثر الناس أن ما هم عليه من عادات الكفر وصفات الكفار لا تتعارض مع الإسلام لعظيم جهلهم، وشدة غفلتهم، وبعدهم عن أحكام الإسلام، بل إنهم يصفون من ينكر عليهم باطلهم وضلالهم بالكفر والتطرف والانحراف عن الإسلام، وينسبون إليه العمالة للأعداء والرجوع بالأمة إلى الوراء والتخلف، وتحطيم منجزات الأمة وإيجاد بذور الفتنة والانقسام وللأسف فإن هذه الفرية التي يرددها أعداء الإسلام لتشويه الحق وأهله تنطلي على كثير من مدعي الإسلام وهذا الفهم الخاطئ لما يقال عن الإسلام والمسلمين لا يعفي هؤلاء من المسئولية أمام الله عزوجل. فقد قال الفقهاء: إنه يكفي في العلم بالشيء إمكان العلم به، فمتى بلغ الإنسان سن التكليف وهو عاقل مختار، وكان ميسرا له أن يعلم الحق من الباطل، والحرام من الحلال، إما بالرجوع للنصوص الموجبة للتحريم والتحليل وإما بسؤال أهل الذكر اعتبر عالما بالأفعال المباحة والأفعال المحرمة ولم يكن له أن يعتذر بالجهل، أو يحتج بعدم العلم، ولهذا يقول الفقهاء: لا يقبل في دار الإسلام العذر بجهل الأحكام (٢). ويعتبر المكلف عالما بالأحكام بإمكان العلم لا يتحقق العلم فعلا ومن ثم يعتبر النص المحرم معلوما للكافة ولو أن أغلبهم لم يطلع عليه، أو يعلم عنه شيئا، ما دام العلم به ممكنًا لهم بسؤال أهل الذكر عنه.
следующие страницы →