حيث أقام أعداء الإسلام دويلات وإمارات مبعثرة، أحاطوها بحدود جغرافية مصطنعة، وأعطوها جنسيات متباينة، ووضعوا على رأس كل واحدة منها إلا ما ندر منها دكتاتورا متسلطا يفتك بالمسلمين فتكا ذريعا فلا هي تستطيع الانتصار عليه بمفردها، ولا تستطيع أن تستنصر عليه بجيرانها، لأن القائمين على مسئوليات الدول المجاورة يقومون بنفس الدور، ويسيرون على نفس المخطط.
والشعوب الإسلامية مطحونة غارقة في بحر الشهوات والشبهات بحيث لا تشعر بعملية الانسلاخ من الإسلام وعملية التصفية الجسدية للمسلمين الغيورين على دينهم فنجد أن عامة الشعوب الإسلامية مشغولة بالفن الماجن القابع بين وجه المرأة ونحرها، والبعض الآخر مشغول بالرياضة التي تروض الناس على الضياع والذل والانحطاط والنوع الثالث مشغول بعبادة الدرهم والدينار يلهث وراء ذلك ويطلب حصوله بكل وسيلة وأقبح سبيل، وإذا وجدت قلة مؤمنة في خضم هذا المجتمع المنحرف عن الإسلام يعز عليها ما يعانيه إخوانها تحت وطأة الطغاة المجرمين وما أكثرهم فإنها قد لا تجد إلى مساعدتهم سبيلا، وذلك أن معظم الدول المنتسبة إلى الإسلام لا تسمح بجمع أي نوع من أنواع التبرعات للأقليات الإسلامية المضطهدة في العالم بل الأكثرية المضطهدة في العالم الإسلامي، وبعض الدول قد تسمح في ظروف معينة بجمع التبرعات لبعض المنكوبين من المسلمين إذا كان ذلك يناسب وضعها السياسي وقضاياها الأمنية فتسمح بجمع التبرعات تحت إشرافها وإطلاعها بحجة تنظيم ذلك وصيانته، ثم تدفع ما تحصل عليه أو بعض ما تحصل إلى الموالين لها في طرف النزاع في فلسطين، أو في أفغانستان أو غيرها من البلاد الإسلامية وقد لا يأتي أصحاب الشأن من ذلك شيء، سوى إعطاء بعض المنافقين والعملاء كي يصوروا في المرائي والصحف والمجلات وينشر ذلك في نشرات الأخبار وأقوال الصحف المحلية والعالمية.
стр. 282
ولذلك يحجم كثير من المسلمين عن المشاركة في دعم الأقليات الإسلامية لأنه لا يطمئن إلى سلامة وصول هذه الإعانات إلى المستحقين لها شرعا، نظرا لبعد القائمين على مقاليد السلطة في معظم الدول الإسلامية عن جوهر الإسلام وحقيقته.
ولكن لو قامت دولة إسلامية حقيقية صادقة مخلصة، وأرادت أن تقوم بمساعدة المسلمين المعذبين في العالم الإسلامي بجدية وإخلاص، فإنها تزاول بعملها هذا أمر مشروعا وتؤدي واجبا نحو هذا الدين ونحو المسلمين عامة وهي تنطلق في عملها هذا من قول الرسول ﷺ : «كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، والإمام راع ومسئول عن رعيته (١)» ورعاية المسلمين لإخوانهم لا تحدها حدود، ولا تمنعها قيود غير شرعية وقد يعترض معترض فيقول: كيف تستطيع دولة صغيرة من الدول أن تتدخل في الشئون الداخلية لدولة أخرى؟ والجواب: أن نقول: إن المسلمين في مودتهم وتراحمهم وتناصرهم يجب أن يكونوا أشد من تناصر الكفار فيما بينهم، لقد تضامنت دول الكفر جميعًا مع اليهود من حين إعلانهم لدولتهم حتى هذا التاريخ وهم يلقون الدعم البشري، والعسكري والاقتصادي والمعنوي من دول الكفر عامة والدول الكبرى منها خاصة، وتضامنت دول الكفر كلها مع أميركا في قضية الرهائن الأميركيين لدى إيران، رغم قوة أميركا وتفوقها في مجالات عديدة وتضامن اليهود مع نصارى لبنان فضلا عن نصارى العالم أجمع، وتضامن الشيوعيون في كوبا وبولندة والدول العربية مع روسيا في غزوها لأفغانستان رغم أن روسيا ليست بحاجة إلى فلك فهل ما تبيحه دول الكفر لنفسها من تعاون وتناصر يحرم تطبيقه بين المسلمين؟
إن لدى الحكومات القائمة في البلاد الإسلامية وسائل كثيرة تستطيع
стр. 283
من خلانها الضغط والتأثير على من يطاردون الأكثرية المسلمة فضلا عن الأقليات الإسلامية ومن هذه الوسائل ما يلي:
أولاً: استخدام الاقتصاد كوسيلة قوية ومؤثرة على أوضاع هؤلاء المجرمين، فلا نصدر لهم ما يحتاجون إليه ضرورة ولا نستورد منهم ما يمكن أن نجده عند غيرهم ممن هم على علاقة حسنة بالمسلمين.
ثانيًا: من وسائل الضغط على أعداء الله وأعداء رسوله والمؤمنين عدم التعاون معهم في أي مجال من مجالات الحياة، فلا نعينهم ولا نستعين بهم في أي أمر من أمور المسلمين، ما دمنا نجد في غيرهم من يسد مسدهم، ولو اضطررنا إلى التعامل معهم فنتعامل معهم معاملة تجارية دون محبة أو مودة فهاهم ينهبون ثروات المسلمين وخيراتهم ولا يضمرون لهم سوى الحقد والكراهية والمكر الخبيث.
ثالثًا: يجب على المسلمين أن يكشفوا مخططات الكفار ويوضحوا جرائمهم تجار الإسلام والمسلمين، في مناهج التعليم ووسائل الأعلام وأن لا يسلكوا معهم سبيل المداهنة والنفاق.
رابعًا: يجب على المسلمين شعوبًا وحكومات أن يمدوا يد العون والمساعدة بسخاء إلى المسلمين الذين يقاومون الحكومات الطاغية والأحزاب الكافرة، ودعمهم في ذلك بلا خجل أو حياء أو خوف من الناس، لأن هذا واجب شرعي من واجبات الإسلام، يؤديه المسلمون كما يؤدون غيره من الواجبات الشرعية.
خامسًا: أن يستقدم المسلمون بعض اللاجئين من المسلمين الذين يطردون من بلادهم والذين لا يشكلون إلا قلة قليلة في بلاد الكفار مثل لاجئي كمبوديا، وكوريا، وفيتنام، وتايلند، وبعض بلدان أفريقيا وأوروبا الشرقية، ثم يتقاسمهم أهل البلاد الإسلامية فيما بينهم.
стр. 284
كما تفعل الدول الصليبية مع النصارى في شرق آسيا، فإن المسلمين بحاجة إلى الأيدي العاملة، فبدلاً من أن يستقدموا مئات الآلاف من الصليبيين واليهود وأهل الأوثان، يأتون بإخوانهم في الإسلام فيستفيدون منهم في مجال الأعمال المختلفة، ويفيدوهم بالنصرة والمأوى وإتاحة العيش الكريم لهم مع المسلمين، والدول الإسلامية تتمتع بمساحات شاسعة من الأرض وبأنهار كبيرة وكثيرة، وبثروة بترولية كبيرة، فهي قابلة للنمو في مجال الزراعة والصناعة ومختلف جوانب الحياة، وهي قادرة على استيعاب الملايين من البشر، ففي السودان وجنوب مصر وليبيا وتونس صحارى شاسعة يمكن استغلالها وإسكان آلاف اللاجئين فيها.
ولكن أين من يفكر في مثل هذا ويعمل له؟
إن معظم الدول التي تحكم الشعوب الإسلامية لا تفكر بمثل ذلك ولا تخطط له، لأنها قصيرة الأجل في نظرها فاقدة للثقة بنفسها، لأنها أصلا ما قامت ولا انطلقت من منطلق صحيح، يجعلها تطمئن في تخطيطها وتصرفها في سائر أعمالها.
فهي تنتظر الوقيعة بها صباح مساء، ولذلك كل هم تلك الدول هو أن تعض على مكانها بالنواجذ ولو كان في ذلك تدمير لأمة الإسلام كلها.
فهي على استعداد أن تبيع بلاد المسلمين بمن فيها من المسلمين مقابل الحصول على مال كثير وكرسي وثير، فحكومات كهذه لا تبني ولا تهتم بشعوبها المحدودة بحدود ضيقة، فضلاً عن أن يرجى فيها الخير في نصرة شعوب وبلاد بعيدة عنها، ففاقد الشيء لا يُعطيه فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 285
المبحث الرابع: أسباب تحقيق المعاداة في الله
إن المسلم مأمور بإظهار العداوة لأعداء الله ورسوله والمؤمنين وهذا الأمر لا يتحقق إلا بخمسة أسباب رئيسة هي على النحو التالي:
السبب الأول: هو ترك اتباع أهواء الكفار أو تحقيق رغباتهم في معصية الله قال تعالى: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) [البقرة: ١٢٠].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فانظر كيف قال في الخبر ملتهم، وقال في النهي أهواءهم، لأن القوم لا يرضون إلا باتباع الملة مطلقا، والزجر وقع عن اتباع أهوائهم في قليل أو كثير (١).
стр. 286
وقال تعالى لموسى وهارون: (فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) [يونس: ٨٩] وقال موسى لأخيه هارون كما ذكر الله عنه بقوله تعالى: (اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ) [الأعراف: ١٤٢] وقال تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) [النساء: ١١٥] وقال تعالى: (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ) وقال تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ) [المائدة: ٤٨].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لقد جعل الله لرسوله شريعة شرعها له وأمره باتباعها ونهاه عن اتباع الذين لا يعلمون وقد دخل في الذين لا يعلمون كل من خالف شريعة الإسلام واتبع الكفار قال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ) [الجاثية: ١٨، ١٩] فمن دلائل الإيمان تعمد مخالفة أهواء الكفار وصد رغباتهم التي يقصدون بها جر المسلم إلى الكفر وإخراجه من الإسلام (١) اهـ.
السبب الثاني: هو معصية الكفار فيما أمروا به فإن الله تعالى نهى عن طاعة الكافرين، وأخبر أن المسلمين إن أطاعوهم ارتدوا عن الإيمان
стр. 287
إلى الكفر قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ) [آل عمران: ١٠٠] وقال تعالى: (وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) [الكهف: ٢٨] وقال تعالى: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) [الأنعام: ١٢١] وقال تعالى: (فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا) [الفرقان: ٥٢].
فيجب على المسلمين حكاما ومحكومين عدم طاعة الكفار وإظهار المعصية لهم بالقول والعمل ومعاملتهم بالغلظة التي تجعلهم لا يطمعون بأكثر مما يستحقون بموجب شريعة الإسلام.
السبب الثالث: عدم الركون إلى الكفار أو الظالمين، أو اتخاذهم أمناء أو مستشارين فإن ترك ذلك دليل على معاداتهم كما أمر الله ، فإن الله قد وعد بمسيس النار في الآخرة وعدم النصرة في الدنيا لمن ركن إلى الكفار أو تولاهم قال تعالى: (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ) [هود: ١١٣].
وهو أمر متحقق فعلا حيث نرى أن الموالين للأعداء لم ينتصروا على أعدائهم، ففي الحروب التي خاضها المناوئون لليهود اسما لا حقيقة لم ينتصروا على اليهود في حرب (١٣٦٧) هـ وحرب (١٣٨٧) وحرب (١٣٩٣) أي بالتاريخ الميلادي حرب (١٩٤٨) وحرب (١٩٦٧) وحرب (١٩٧٣)؛ لأنهم قد ارتموا بأحضان أعدائهم وأطاعوهم ووالوهم واتبعوا أهواءهم فكان ما توصلوا إليه من هزائم فادحة، أمر جار وفق سنة.
стр. 288
الله في الكون والحياة حيث وعد الله بحرمان من تولى غيره من العزة والتمكين قال تعالى: (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ للهِ جَمِيعًا) [النساء: ١٣٩].
السبب الرابع: من أسباب تحقيق المعاداة في الله ترك مواداة الكفار والبشاشة في وجودهم، والمبالغة في استقبالهم وفي إكرامهم لغير نية الدعوة إلى الله، فالكافر عدو الله ورسوله والمؤمنين والمحارب منهم أشد عداوة من غيره قال تعالى: (لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) [المجادلة: ٢٢].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن الله يخبرنا بهذه الآية أنه لا يوجد مؤمن، يواد من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم فمن واد كافر فليس بمؤمن لأن مودة الله ومودة عدوه ضدان لا يجتمعان في قلب واحد (١) اهـ.
السبب الخامس: من أسباب تحقيق المعاداة في الله مراغمة الكفار في ترك التشبه بهم في أقوالهم وأفعالهم، فقد حث الله المؤمنين على ترك الأقوال والأعمال التي تحمل مفهوما خاصة وسيئا في استعمال الكفار وعرفهم قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [البقرة: ١٠٤].
فنهى عن التشبه بالكفار في أقوالهم وأفعالهم، وقد دلت السنة على النهي عن مشابهة الكفار بالملبس ونحوه، فقد روي عن عبد الله بن عمرو
стр. 289
ابن العاص ﵁ قال: رأى رسول الله ﷺ علي ثوبين معصفرين فقال: إن هذه ثياب الكفار فلا تلبسها (١).
فنهى عن لبس هذه الثياب لعلة مشابهتها للزي الخاص بالكفار.
وفي رواية أخرى عنه قال: رأى النبي ﷺ عليَّ ثوبين معصفرين فقال: أأمك أمرتك بهذا؟ قلت: أغسلهما قال: بل احرقهما (٢)، وفي الحديث «ليس منا من تشبه بغيرنا» (٣).
فشدة النهي عن التشبه بالكفار حتى تتحقق المفاصلة التامة بين منهج الحق وطرق الباطل، لأن المشابهة في الأقوال والأفعال تورث نوعا من المودة والمحبة، والمناصرة بين المتشابهين، ولذلك نهى الله ورسوله عن مشابهة الكفار بالأقوال والأفعال التي هي من خصائص كفرهم نهيا شديدا، لأن المشابهة لهم سبب يفضي إلى محبتهم ومودتهم وموالاتهم ومناصرتهم وقد حرم الإسلام كل سبب يوصل إلى المحرم أو يعين عليه.
ولكن للأسف الشديد إن واقع المسلمين اليوم بعيد كل البعد عما يجب أن يكون عليه، فكل هذه الأسباب الخمسة معدومة تماما على مستوى الحكومات القائمة في البلاد الإسلامية، وعلى مستوى الأكثرية من الشعوب الإسلامية، فمعظم الدول الإسلامية تتبع هوى الكفار، وتطيعهم في معصية الله، وتتخذهم بطانة من دون المؤمنين وتظهر لهم المودة والإكرام قولا وفعلا، وتبالغ في إكرامهم بغير نية دعوة إلى الإسلام.
стр. 290
وبعض الدول المحسوبة على الإسلام تلزم رعاياها بالتشبه بالكفار في أقوالهم وأعمالهم، وتحارب أخلاق الإسلام عبر وسائل التعليم والإعلام، ومع ذلك لو تكلم أحد أو وصفها بالكفر لزجت به في غياهب السجون وأذاقته أصناف العذاب الأليم.
أما على مستوى الشعوب الإسلامية، فإن معظم الشعوب الإسلامية تنقسم إلى ثلاثة أقسام.
القسم الأول: قسم مؤمن مبتلى في عقيدته وعبادته أين ما اتجه وحيثما سار، لا يجد إلا أعداء يتربصون بالمؤمنين الدوائر، فهو متألم لهذا الواقع المر الحزين ولكنه لا يستطيع أن يفعل حيال ذلك شيئًا ذا بال، لأن الجماعة المسلمة الملتزمة بالإسلام تعيش وسط جموع كبيرة من المرتدين والمنافقين والانتهازيين والجاهلين الذي يشكلون بمجموعهم كتلة واحدة تقف ضد الحق وأهله، وتحاربه بكل ما تملك من سلاح.
القسم الثاني: طبقة المنافقين وأخماس المسلمين وأسداسهم الذين لا هم لهم إلا شهواتهم ومنافعهم العاجلة، فعليها يوالون ومن أجلها يعادون وهذه الفئة في الغالب تكون مع الأقوى سواء من أهل الخير أو من أهل الشر، فهم أتباع لمن يأخذ بزمان المبادرة ويعتلي مركز القيادة.
القسم الثالث: فئة المرتدين والمتحزبين الكافرين الذين ينتمون إلى أحزاب الكفر والضلال، كحزب البعث، أو الحزب الشيوعي، أو الحزب الاشتراكي أو غير ذلك من أحزاب الكفر التي تتقنع بأقنعة ظاهرها الدعوة إلى الإصلاح وباطنها الدعوة إلى الكفر البواح.
فوجود هذه الفئات وسيطرتها على مقاليد الأمور معظم البلاد الإسلامية هو الذي أدى إلى انعدام تحقيق الموالاة في الله والمعاداة فيه على مستوى الدول والشعوب الإسلامية.
والمخرج من ذلك كما أعتقد والله أعلم هو السعي الجاد من قبل
стр. 291
المؤمنين العاملين للإسلام في تحويل أكبر قدر ممكن من البشر المتواجدين في البلاد الإسلامية إلى الإسلام الصحيح وعند ذلك يسهل القضاء على أعداء الإسلام والمسلمين، ويسهل تطبيق الموالاة في الله والمعاداة فيه كما حصل في أول هذه الدعوة.
والله الهادي إلى طريق الحق والصواب.
стр. 292
المبحث الخامس: صورة من الموالاة في الله والمعاداة فيه
إن هذا الدين من سماته العظيمة ومميزاته الكريمة أنه ينقل النص الموحى به من عند الله إلى التطبيق العملي في واقع الناس وحياتهم فمجرد العلم بالأحكام الشرعية لا يغني صاحبه شيئًا ما لم تتحول هذه المعرفة إلى عمل واقعي مشاهد محسوس، وإن القرآن الكريم والسنة النبوية ليسا للمتاع العقلي ولا للمعرفة المجردة، وإنما جاء بهما الرسول ﷺ من عند ربه ليكونا منهاج حياة، ولذلك لم ينزل الله هذا القرآن جملة واحدة، وإنما نزل وفق الحاجات المتجددة ووفق المشكلات العملية التي تواجهها الجماعة المسلمة في حياتها الواقعية، يقول سيد قطب ﵀: لقد كانت الآية أو الآيات تنزل في الحالة الخاصة أو الحادثة المعينة تحدث الناس عما في نفوسهم، وترسم لهم منهج العمل في المواقف المتعددة (١) اهـ.
стр. 293
وكان من ضمن هذه المواقف التي تناولها القرآن الكريم والسنة النبوية موقف الموالاة والمعاداة، فنزلت الآية القرآنية وتحدث الرسول ﷺ عن هذه القضية بما لا يدع زيادة لمستزيد، وقد طبق الرسول ﷺ وأصحابه ومن سار على نهجهم الموالاة في الله والمعاداة فيه كما رسمها الله فوالوا أولياءه وعادوا أعداءه، على هدى وبصيرة من وحي الله، فكانوا بذلك قدورة وأسوة حسنة لمن وفقه الله إلى عمل الخير وهداه إلى الصواب، وفي هذا المبحث سنعرض صورا ومشاهد واقعية حقيقية، عن الموالاة والمعاداة في الله، وكيف وصل الإسلام باتباعه إلى هذه الدرجة العظيمة من الحب في الله والبغض في الله، بصورة لا مثيل لها في غير تاريخ الإسلام وسنعمل على ترتيب هذه الصور حسب أهميتها وإن كانت كلها مهمة وهي صور للذكرة وليست للحصر فصور الموالاة والمعاداة في الله أكثر من أن تحصر، حيث ما من عمل من الأعمال إلا والباعث عليه الحب في الله أو البغض في الله، وهذه الصور تتخذ أشكالا متنوعة في الموالاة والمعاداة في الله بحيث تكون نموذجا متكاملا للمجتمع المسلم فهي لا تقتصر على جانب دون جانب آخر، ومن هذه الصور ما يلي:
أولا: من صور الموالاة في الله الإيثار:
فقد روي في سبب نزول قول الله تعالى: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر: ١٩] إنما هم الأنصار فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رجلا أتى النبي ﷺ فبعث إلى نسائه فقلن: ما معنا إلا الماء، فقال رسول الله ﷺ من يضم أو يضيف هذا؟ فقال رجل من الأنصار: أنا، فانطلق به إلى امرأته فقال: أكرمي ضيف رسول الله.
стр. 294
- ﷺ فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني، فقال هيئي طعامك وأصبحي سراجك ونومي صبيانك إذا أرادوا عشاء، فهيأت طعامها وأصبحت سراجها ونومت صبيانها ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان، فباتا طاويين، فلما أصبح غدا إلى رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ ضحك الله الليلة أو عجب من فعالكما فأنزل الله هذه الآية (١).
وقد روى البخاري أيضا عن أبي هريرة ﵁ قال: قالت الأنصار للنبي ﷺ اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل، قال: لا فقالوا تكفونا المؤنة ونشرككم في الثمرة قالوا سمعنا وأطعنا (٢) وقد أخرج الإمام أحمد عن أنس، أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قدم المدينة، فآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري ﵁ فقال له سعد: أي أخي أنا أكثر أهل المدينة مالا، فانظر شطر مالي فخذه وتحتي امرأتان فانظر أيتهما أعجب إليك حتى أطلقها فقال عبد الرحمن، بارك الله لك في أهلك ومالك دلوني على السوق فدلوه فذهب، فاشترى وباع فربح فجاء بشيء من أقط وسمن، ثم لبث ما شاء الله أن يلبث، فجاء وعليه درع زغفران فقال رسول الله ﷺ مهيم؟ (٣) فقال: يا رسول الله تزوجت امرأة، فقال: «ما أصدقتها؟» قال: وزن نواة من ذهب، قال: «أو لم ولو بشاة» (٤).
ثانيا: من صور المعاداة في الله، معاداة ذوي القرابة وهجرهم، عند استمرار عداوتهم ومحاربتهم في الله:
стр. 295
قال تعالى: (لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) [المجادلة: ٢٢].
روي في سبب نزول هذه الآية أقوال متعددة، نذكر منها قول ابن جريج (١) حيث يقول: حدثت أن أبا قحافة سب النبي ﷺ فصكه ابنه أبو بكر الصديق ﵁ صكة فسقط منها على وجهه، ثم أتى النبي ﷺ فذكر له ذلك فقال: أو فعلته؟ لا تعد إليه فقال: والذي بعثك بالحق نبيا لو كان السيف مني قريبا لقتلته، هذا والله أعلم كان في أول الإسلام فإن أبا قحافة أسلم عام الفتح (٢) وقال ابن مسعود ﵁ إن الآية المتقدمة نزلت في أبي عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح ورضي الله عنه حيث قتل أباه عبد الله بن الجراح يوم بدر، وكان ابن الجراح يتصدى لأبي عبيدة عدة مرات، وأبو عبيدة يحيد عنه، فلما كثر من ذلك قصد إليه أبو عبيدة فقتله أي قتل الشرك الممثل في شخص أبيه ولو لم يكن مشركا لكان من أبر الناس بوالده (٣).
وقد أنكر الواقدي ذلك وقال: إن والد أبي عبيدة قد توفي قبل الإسلام ورد بعض أهل العلم قوله ذلك (٤).
ومن صور المعاداة في الله، أنه لما أكثر اليهود من نقضهم العهود مع
стр. 296
رسول الله ﷺ وصاروا ينسجون المؤامرات بالمدينة أذن رسول الله ﷺ للصحابة في قتل اليهود المحاربين لله ورسوله، وكان ذلك في السنة الثالثة للهجرة حيث قال الرسول ﷺ «من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه» فوثب محيصة بن مسعود ﵁ على ابن سنينة اليهودي وهو من تجار يهود فقتله، وكان ابن سنينة يبايعهم في تجارته، فقال له أخوه حويصة بن مسعود وهو حينئذ مشرك، يا عدو الله قتلته أما والله لرب شحم في بطنك من ماله يلوم أخاه على قتل هذا التاجر اليهودي، فقال محيصة: لقد أمرني بقتله من لو أمرني بقتلك لقتلتك فقال: «إن دينا بلغ بك هذا لعجب» فأسلم حويصة لذلك (١).
ومن صور الموالاة في الله ما حصل من سعد بن أبي وقاص ﵁ مع أمه عندما امتنعت عن الأكل والشرب وأقسمت أن لا تطعم حتى يرجع عن الإسلام، وأخذت على ذلك ليالي وأياما، وبدأت تستقبل سعدا بالبكاء والدموع، لعلها تبلغ بدموعها ما لم تبلغه بتوسلاتها وكان معروفا أنه من أبر الأبناء بأمهاتهم، لكنه وقف من أجل دينه ذلك الموقف الحازم الشديد فقال لها: والله لو كان لك ألف نفس، فخرجت نفسًا نفسًا، ما تركت ديني هذا.
وعند ذلك أدركت أن هذا الأمر ليس فيه مجال للمساومة أو الإغراء أو التهديد أو الوعيد، فرجعت عن ذلك (٢) وقريب من هذه الحادثة ما حصل من الطفيل بن عمرو الدوسي حيث أسلم وأقام بمكة زمنا تعلم فيه وتفقه في أمر دينه ثم عزم على الرحيل والعودة إلى قومه دوس التي كانت تعبد أصناما منها ذوى الشرى، وذو الكفين، وعندما وصل إلى أهله قال:
стр. 297
استقبلني والدي وكان شيخًا كبيرًا فقلت له: إليك عني يا أبت فلست منك ولست مني، قال: ولم يا بني؟ قلت: لقد أسلمت واتبعت دين محمد ﷺ قال: أي بني، ديني دينك، فقلت: اذهب واغتسل وطهر ثيابك ثم تعالى حتى أعلمك ما علمت، فذهب واغتسل وطهر ثيابه ثم جاء فعرضت عليه الإسلام فأسلم، وهكذا فعل مع زوجته وأمه وبعض قومه، وكان أبو هريرة ﵁ ممن أسلموا على يد الطفيل بن عمرو الدوسي (١).
وقد أخرج ابن جرير الطبري عن عائشة ﵂ قالت: أمر رسول الله ﷺ بقتلى بدر أن يسحبوا (٢) إلى القليب، فطرحوا فيه ثم وقف وقال: يا أهل القليب هل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا، فقالوا يا رسول الله تكلم قومًا موتى؟ قال: «لقد علموا أن ما وعدهم ربهم حقا» فلما رأى أبو حذيفة بن عتبة ﵁ أباه عتبة يسحب إلى القليب عرف رسول الله ﷺ الكراهية في وجهه فقال: يا أبا حذيفة كأنك كاره لما رأيت فقال: يا رسول الله ﷺ إن أبي كان رجلاً سيدًا فرجوت أن يهديه ربه إلى الإسلام، فلما وقع الموقع الذي وقع أحزنني ذلك فدعا رسول الله ﷺ لأبي حذيفة بخير (٣) اهـ.
وقد روي أن عمر بن الخطاب ﵁ قال لسعيد بن
العاص ﵁ وقد مر به إني أراك كأنك في نفسك شيء أراك
تظن أني قتلت أباك، إني لو قتلته لم أعتذر إليك من قتله، ولكني
قتلت خالي العاص بن هشام ابن المغيرة، فأما أبوك فإني مررت به وهو
стр. 298
يبحث بحث الثور بروقه (١) فحدت عنه وقصد له ابن عمه علي فقتله فقال سعيد بن العاص: لو قتلته لكنت على الحق وكان على الباطل فأعجبه قوله (٢).
ومن صور الموالاة في الله والمعاداة فيه، ما أخرج البزار عن أبي هريرة ﵁ قال: مر رسول الله ﷺ بعبد الله بن أبي بن سلول وهو في ظل أطم (٣) فقال ابن سلول: غبر علينا ابن أبي كبشة (٤)، فقال ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول ﵁ يا رسول الله والذي أكرمك لئن شئت لآتينك برأسه فقال: لا، ولكن بر أباك وأحسن صحبته (٥).
وأخرج ابن شاهين بإسناد حسن عن عروة قال: استأذن حنظلة بن أبي عامر وعبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول ﵄ رسول الله ﷺ في قتل أبويهما فنهاهما عن ذلك (٦).
وأخرج ابن أبي شيبة عن أيوب قال: قال عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ لأبي بكر: رأيتك يوم أحد فصدفت (٧) عنك قال أبو بكر ﵁ لكني لو رأيتك ما صدفت عنك، وقد أسلم عبد الرحمن ﵁ في هدنة الحديبية (٨).
стр. 299
وبعد أن وضعت الحرب أوزارها في معركة بدر، استشار الرسول ﷺ أصحابه ﵃ في أسرى بدر فقال ما ترى يا ابن الخطاب؟ قال عمر قلت: والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكنني من فلان قريب لعمر فاضرب عنقه، وتمكن عليّا من عقيل فيضرب عنقه وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه، وحتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة (١) للمشركين (٢).
وروي عن الزهري قال: لما قدم أبو سفيان بن حرب ﵁ المدينة جاء إلى رسول الله ﷺ وهو يريد غزو مكة فكلمه أن يزيد في هدنة الحديبية فلم يقبل منه رسول الله ﷺ فقام فدخل على ابنته أم حبيبة زوجة رسول الله ﷺ ﵂ فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته دونه، فقال: أي بنية أرغبت بهذا الفراش عني؟ أم بي عنه؟ فقالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ وأنت امرؤ نجس مشرك، فقال يا بنية لقد أصابك بعدي شر (٣)، ومن صور المعاداة في الله أيضا، ما حصل في معركة بدر الكبرى حينما مر مصعب بن عمير بأخيه أبي عزيز بن عمير وقد خاض معركة بدر مع الكفار ضد المسلمين، فمر به مصعب وأحد الأنصار يضع القيد في يده، فقال مصعب للأنصاري شد يديك به، فإن أمه ذات متاع لعلها تفديه منك، فقال أبو عزيز لأخيه مصعب: أهذه وصاتك بي؟ فقال مصعب إنه أي الأنصاري أخي دونك (٤) ومن صور الموالاة والمعاداة التي حصلت في موقف واحد وحادثة واحدة ما روي في حادثة زيد بن سعنة ﵁ وكان يهوديا قبل إسلامه أنه أقرض النبي ﷺ قبل أن يسلم قرضا اقترضه النبي ﷺ ليسد به خللا في
стр. 300
شئون نفر من المؤلفة قلوبهم، ثم رأى زيد بن سعنة أن يذهب لطلب الوفاء من الرسول ﷺ قبل ميعاد الوفاء المحدد، قال: أتيته يعني: رسول الله ﷺ فأخذت بمجامع قميصه وردائه ونظرت إليه بوجه غليظ ثم قلت: يا محمد ألا تقضيني حقي؟ فوالله ما علمتكم بني عبد المطلب إلا مطلا ولقد كان لي بمخالطتكم علم ونظر إلىَّ عمر بن الخطاب وعيناه تدوران في وجهه كالفلك المستدير، ثم رماني ببصره فقال: يا عدو الله أتقول لرسول الله ﷺ ما أسمع؟ وتصنع به ما أرى؟ فوالذي نفسي بيده لولا ما أحاذر فوته (١) لضربت بسيفي رأسك، ورسول الله ﷺ ينظر إليَّ في سكون وتؤدة (٢) اهـ.
ومن الصور في مثل هذا الموقف ما كان من عمر بن الخطاب ﵁ مع عمير بن وهب الجمحي ﵁ حيث كان قبل إسلامه مع صفوان بن أمية ﵁ وكان ذلك قبل إسلام صفوان أيضا فتحدث عمير بن وهب عن أسر ابنه في بدر، وحدث صفوان برغبته في قتل الرسول ﷺ لولا دين عليه وأولاد صغار لهم من ينفق عليهم، فقال صفوان بن أمية ﵁ أنا أتحمل ذلك عنك وتعاهد الرجلان بجوار الكعبة على ذلك، ثم مضى عمير بن وهب في مهمته حتى قدم المدينة ونزل على مقربة من المسجد النبوي وبينما هو متجه إلى المسجد إذ التفت عمر بن الخطاب ﵁ وكان مع جماعة من الصحابة خارج المسجد فقال عمر: هذا عدو الله عمير بن وهب، والله ما جاء إلا لشر امضوا إلى رسول الله ﷺ وكونوا حوله، ثم انطلق عمر إليه وأخذ بمجمع ثوبه من عنقه وطوق عنقه بحمالة سيفه، ثم مضى به إلى رسول الله ﷺ فلما رآه النبي ﷺ على هذه الحال قال لعمر أطلقه يا
стр. 301
عمر فأطلقه ثم قال رسول الله ﷺ ما الذي جاء بك يا عمير؟ قال جئت أرجو فكاك هذا الأسير الذي في أيديكم قال الرسول ﷺ فما بال السيف معك؟ قال: وهل أغنت عنا شيئا يوم بدر؟
ثم أخبره النبي ﷺ باتفاقه مع صفوان وخطتهما لقتل رسول الله ﷺ فقال والله لقد أيقنت أنه ما أتاك به إلا الله، فالحمد لله الذي ساقني إليك سوقا ليهديني إلى الإسلام، ثم شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله ففرح المسلمون بذلك فرحا شديدا حتى إن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لخنزير كان أحب إلي من عمير بن وهب حين قدم على رسول الله ﷺ وهو اليوم بعد إسلامه أحب إلي من بعض أبنائي (١).
ومن تلك الصور العملية في الموالاة والمعاداة في الله ما حصل من المغيرة بن شعبة ﵁ وذلك عندما نزل رسول الله ﷺ بالحديبية أتاه عروة بن مسعود الثقفي ﵁ قبل أن يسلم (٢) وكان سيد ثقيف وكان خلال حديثه يتناول لحية رسول الله ﷺ وهو يكلمه جريا على عادة العرب في ذلك عند الملاطفة والرغبة في التواصل والتراحم، وكان المغيرة بن شعبة هو ابن أخي عروة بن مسعود (٣) واقفا على رأس رسول الله ﷺ ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما مد عروة يده إلى لحية رسول الله ﷺ قرع المغيرة يد عمه بكعب السيف وهو يقول: أكفف يدك عن وجه رسول الله ﷺ قبل ألا تصل إليك، فيقول عروة، ويحك ما أفظك وما أغلظك فيبتسم رسول الله ﷺ .
стр. 302
وانصرف عروة وهو مأخوذ بما رأى من فعل ابن أخيه فيه وحرصه على سلامة رسول الله ﷺ فرجع إلى قريش وهو يقول لهم: «يا معشر قريش إني جئت كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنجاشي في ملكه وإني والله ما رأيت ملكا في قوم قط مثل محمد في أصحابه، والله ما يحدون إليه النظر، وما يرفعون عنده الصوت، وما عليه إلا أن يشير إلى امرئ فيفعل» (١).
ومن الصور العملية في ذلك أيضا أن معاوية بن أبي سفيان ﵁ بعث بعثة استطلاعية مكونة من اثنين من جنوده للوصول إلى القسطنطينية وتفقد أحوالها، وسافر الاثنان متنكرين حتى وصلا عاصمة الروم واختلطا بأهلها وجمعا ما يريدان من معلومات، وكانت خطتهما أن يمشيا متباعدين حتى إذا قبض على أحدهما كان بوسع الآخر العودة والإخبار عنه، ودخل أحدهم قصر الملك في أحد احتفالاتهم، وحاول التعرف على القصر ومداخله، وأحوال الملك وجماعته، ولكنه اكتشف أمره وقبض عليه، وكان أخوه في الإسلام يراقب ذلك فلما تأكد من أنه سجن كر راجعا ليخبر الخليفة بأمره.
وقدم الجندي الأموي المسلم إلى ملك الروم الذي كان مغرورا بأبهته وحاشيته كالديك الرومي محاطا بالحاشية والحرس، فاتهم الجندي المسلم باللصوصية وقال له: ماذا يريد خليفتكم من الإغارة علينا، أما تكفيكم بلادكم؟ ورد عليه الجندي بعزة وإباء: نحن لا طمع لنا في بلادكم وأموالكم وإنما نهدف إلى نشر الإسلام وإقامة موازين العدل التي افتقدها الناس بسبب ضلالهم عن الدين الحق وتحريفهم لكتب الأنبياء السابقين ولتأليههم البشر وعبادتهم للملوك والجبابرة، وغضب عند ذلك البطريرك الذي كان
стр. 303
جالسا قرب الملك وقام من مجلسه وصفع الجندي على وجهه صفعة مؤلمة، وأمر به إلى السجن ومرت الأيام وجرى تبادل الأسرى بين المسلمين والروم وعاد الجندي المسلم الأسير إلى أهله، واستدعاه الخليفة وأكرمه وسمع خبره، ثم أمر بتوجيه بعثة من الجنود تنكروا على شكل صيادين حتى وصلوا إلى القسطنطينية فدخلوها واحتالوا على البطريرك فقبضوا عليه وجاءوا به مكبَّلا إلى أن أدخل على مجلس الخليفة الذي زانه الوقار والحكمة والهيبة فأوقف أمامه، وكان الجندي الذي أسر بجانب الخليفة: فقال له: معاوية أهذا هو؟ أي الذي صفعك فقال: نعم يا أمير المؤمنين فقال له دونك فاقتص منه، فقال الجندي باستعلاء وعزة: بل عفوت عنه يا أمير المؤمنين، فقال الخليفة للبطريرك: اذهب إلى ملكك وقل له: إن أمير المؤمنين يقيم العدل ويقتص من الجاني حتى في مملكته، ورجع البطريرك يرجف فؤاده خزيًا وهيبة، وقد أذله وقهره عفو الجندي وتوبيخ الأمير بالرغم مما أساء إليهما به هو وملكه المتعجرف وهكذا لم يقر قرار للخليفة المسلم حتى أعاد لجندي صفع ظلمًا، حقه من عدوه، وحفظ له كرامته وللدولة هيبتها أمام أعتى دول الأرض حينذاك وأكثرها غنى ورفاهية وتجبرا (١).
ورحم الله معاوية بن أبي سفيان الذي ضرب بتلك الحادثة المثل الكبير للحاكم المسلم الذي يدافع عن حق الفرد وحق الجماعة على حد سواء.
ولكن أين حكام اليوم من مثل تلك الحادثة العظيمة؟ لقد أضاعوا حقوق الأفراد وحقوق الأمة كلها فهناك شعوب مسلمة تقتل وتعذب بأشد أنواع العذاب وتستعبد من قبل طغاة كافرين، ومع ذلك لا نسمع ممن
стр. 304
يدعون الإسلام من الحكام والمحكومين حتى مجرد الاستنكار بالقول فضلا عن الاستنكار بالعمل بل ربما قدم بعض أدعياء الإسلام العون المادي والمعنوي لمن ينتهكون حرمات المسلمين وإعراضهم فرحمتك يا رب ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ثالثا: من صور المعاداة في الله ما قام به بعض المسلمين من هجمات جريئة وتصفية جسدية لأعداء الله، لم يدفعهم إلى ذلك حب مرتبة دنيوية ولا راتب أو مكافأة شهرية، وإنما فعلوا ذلك موالاة لله وحبا له، وعداوة لأعداء الله وبغضا لهم.
قال ابن إسحاق لما انتهى أمر الخندق، كان سلام بن أبي الحقيق اليهودي، فيمن حزب الأحزاب على رسول الله ﷺ وكانت الأوس قبل أحد قد قتلت كعب بن الأشرف من كبار اليهود فاستأذن الخزرج رسول الله ﷺ في قتل سلام بن أبي الحقيق وهو مقيم بخيبر فأذن لهم، فخرج من الخزرج من بني سلمة خمسة نفر، هم عبد الله بن عتيك، ومسعود بن سنان، وعبد الله بن أنيس، وأبو قتادة الحارث بن ربعي، وخزاعي بن أسود حليف لهم من أسلم، وأمر عليهم رسول الله ﷺ عبد الله بن عتيك ونهاهم أن يقتلوا وليدا أو امرأة فخرجوا حتى إذا قدموا خيبر، أتوا دار ابن أبي الحقيق ليلا، فلم يدعوا غرفة في الدار حتى أغلقوها على أهلها، وكان هو في علية (١) إليها عجلة قال: فأسندوا إليها حتى قاموا على بابه، فاستأذنوا فخرجت امرأته إليهم فقالت من أنتم؟ قالوا أناس من العرب نلتمس الميرة (٢) قالت ذاكم صاحبكم فادخلوا عليه، فلما دخلنا أغلقنا علينا وعليه الحجرة، تخوفا أن يكون دونه محاولة تحول بيننا وبينه، قال:
стр. 305
فصاحت امرأته فنوهت بنا فابتدرناه وهو على فراشه، بأسيافنا فوالله ما يدلنا عليه في سواد الليل إلا بياضه، كأنه قبطية ملقاة (١).
قال فلما صاحت بنا امرأته جعل الرجل منا يرفع عليها سيفه ثم يذكر نهي رسول الله ﷺ فيكف يده، ولولا ذلك لفرغنا منها بليل قال فلما ضربنا بأسيافنا تحامل عليه عبد الله بن أنيس بسيفه في بطنه حتى أنفذه وهو يقول قطني قطني أي حسبي حسبي قال وخرجنا وكان عبد الله بن عتيك ضعيف البصر، قال: فوقع من الدرجة فوثبت يده وثبا شديدا، وحملناه حتى نأتي به نهرًا من عيونهم، فندخل فيه، فأوقدوا النيران واشتدوا في كل وجهة يطلبوننا حتى إذا يئسوا رجعوا إليه فاكتنفوه وهو يقضي، فقلنا كيف لنا بأن نعلم أن عدو الله قد مات؟ قال فقال رجل منا: أنا أذهب فأنظر لكم، فانطلق حتى دخل مع الناس قال: فوجدتها يعني امرأته ورجال من اليهود حوله وفي يدها المصباح تنظر في وجهه، وتحدثهم وتقول: أما والله قد سمعت صوت ابن عتيك ثم أكذبت نفسي، وقلت: أني لابن عتيك بهذه البلاد؟ ثم أقبلت عليه تنظر في وجهه، فقالت: فاظ وإله يهود قال فما سمعت كلمة كانت ألذَّ على نفسي منها.
وفي هذه الحادثة يقول حسان بن ثابت ﵁:
لله در عصابة لاقيتهم ... يا ابن الحقيق وأنت يا ابن الأشرف
يسرون بالبيض الخفاف إليكم ... مرحا كأسد في عرين مغرف
حتى أتوكم في محل بلادكم ... فسقوكم حتفا ببيض ذنف
مستنصرين لنصر دين نبيهم ... مستصغرين لكل أمر مجحف (٢)
فهؤلاء الذين قاموا بهذا العمل لم يدفعهم إلى ذلك رغبة في مالٍ يمنحه
стр. 306
لهم الرسول ﷺ أو رهبة من بطش الرسول ﷺ بهم لو لم يقوموا بذلك وإنما هم الذين استأذنوا الرسول ﷺ لهذه المهمة العظيمة حبا لله ورسوله ونصرة دينه، وعداوة لمن حارب الله ورسوله وكان بإمكانهم أن يعيشوا كما عاش غيرهم من الجبناء والمنافقين الذين يدسون رءوسهم بالرمال ويتملقون كل كافر وفاجر، ولكن الحب الحقيقي لله ورسوله والمؤمنين والبغض والعداوة للكافرين، لا بد أن يتحول إلى عمل واقعي مشهود ليظهر صفاء الإيمان في أعماق النفس المسلمة.
ومن صور المعاداة في الله ما حصل في عهد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث كان هناك رجل نصراني اسمه عساف من أهل السويداء فشهد عليه جماعة من أهل الإسلام أنه يسب النبي ﷺ وعندما طلب هرب واستجار بأحمد بن حجي أمير آل علي، فاجتمع الشيخ تقي الدين ابن تيمية والشيخ زين الدين الفارقي (١) شيخ دار الحديث، ودخلا على الأمير عز الدين أيبك الحموي فكلماه في أمره، فأجابهما إلى ذلك وأرسل معهما من جنده من يحضره فخرج الشيخان من عنده ومعهما خلق كثير من الناس وفي الطريق التقوا بعساف النصراني ومعه رجل من العرب فسب المسلمون عسافًا وشتموه فقال ذلك الرجل الأعرابي هو خير منك يعني النصراني فرجم الناس ذلك الأعرابي حتى مات، وأما عساف النصراني فقد قدم إلى الوالي وأعلن إسلامه وحقن الوالي دمه بسبب إسلامه (٢).
رابعًا: من صور الموالاة في الله عدم الرضوخ للإغراءات المادية
стр. 307
وذلك في مثل ما حصل من عبد الله بن حذافة السهمي ﵁ حيث أسر في إحدى المعارك مع الروم ثم ذهبوا به إلى ملك الروم، وعرض عليه أن يتنصر، ويخلي سبيله ويكرم مثواه، فرد عليه بعزة وثقة وأنفة وإباء، قائلا: إن الموت أحب إلي ألف مرة مما تدعوني إليه.
فقال قيصر: أجبني إلى النصرانية، فإنك إن فعلت شاطرتك ملكي، وقاسمتك سلطاني، فقال عبد الله: لو أعطيتني جميع ما تملك، وجميع ما تملكه العرب، على أن أرجع عن ديني طرفة عين ما فعلت ذلك.
قال: إذن أقتلك، قال: أنت وما تريد، ثم صلبوه على خشبة الصلب فرموه قريبا من رجليه، وقريبا من يديه وهو يعرض عليه مفارقة دينه فأبى، ثم أمر بقدر عظيمة، فصب فيها الزيت، ثم أوقدت تحته النار حتى اشتدت حرارته ثم دعا بأسيرين من أسارى المسلمين، فألقي أحدهما فإذا لحمه يتفتت، وإذا عظامه تبدو عارية، ثم التفت إلى عبد الله بن حذافة ودعاه إلى النصرانية فكان أشد إباء لها من قبل، فلما يئس منه، أمر به أن يلقى في القدر التي ألقي فيها صاحبه، فلما ذهبوا به دمعت عيناه، فقال رجال قيصر لملكهم: إنه قد بكى فظن أنه قد جزع من الموت، وقال ردوه إلي، فلما مثل بين يديه عرض عليه النصرانية فأباها.
فقال: ويحك، فما الذي أبكاك إذن؟
قال: أبكاني أني قلت في نفسي: تلقى الآن في هذه القدر، فتذهب نفسك وقد كنت أتمنى أن يكون لي بعدد ما في جسدي من شعر، أنفس فتلقى كلها في هذا القدر في سبيل الله.
فقال الطاغية، هل لك أن تقبل رأسي وأخلي عنك؟ فقال عبد الله له: وعن جميع أسارى المسلمين أيضًا؟ قال عبد الله: فقلت في نفسي: عدو من أعداء الله أقبل رأسه فيخلي عني وعن أساري المسلمين جميعا لا
стр. 308
ضير في ذلك علي ثم دنا منه وقبل رأسه، فأمر الملك بإطلاق سراحه وسراح جميع المسلمين المأسورين لديهم (١).
إن هذا البطل المسلم المجاهد قد أضاف بعمله هذا مجدا إلى بطولاته العظمى في الإسلام حيث لم يدفعه هذا الترغيب والترهيب حب السلامة لنفسه فقط، ولم يطغ حب الذات أو حب المنصب أو حب المال أو الجاه على حب الله، ولم يخضع إلى الإغراءات المادية والمعنوية التي أراد ملك النصارى أن يرجعه بها عن الإسلام، رغم عظمة الإغراء وهول الموقف، لقد رفض أن يقبل رأس هذا الكافر إلا إذا كان ثمن هذه القبلة جميع أسارى المسلمين.
إنها قبلة ما أعظم ثمنها وأجل قدرها.
ولكن شتان بين الأمس واليوم، لقد أصبح المسلمون اليوم يتسابقون إلى تقبيل السفاحين لدماء المسلمين من الكفرة والمرتدين أمثال بيغن وريغان، وبريجنيف، ورؤساء الأحزاب البعثية والماسونية في البلاد العربية، لقد قبل عبد الله بن حذافة السهمي رأس ملك الروم بعزة واستعلاء بعد أن أملى عليه شروطه، أما مدعي الإسلام اليوم فيقبلون رءوس الطواغيت وهم أذلاء صاغرون يقبلونهم وقد سلبوهم دينهم إن كان لديهم بقية من دين يقبلونهم وقد عاثوا في أرض الإسلام والمسلمين بكل أنواع الجرائم والمنكرات، ونهبوا خيرات البلاد، وشردوا الملايين ممن يدعونه أخوتهم إن كانوا يعرفون للأخوة معنى، ومع ذلك يقبلونهم بأفواههم، وترتجف لمحبتهم قلوبهم، وتشهد على مودتهم للكفار أفعالهم.
أما عبد الله بن حذافة السهمي فقد قبل حاكم الروم وقلبه يكاد ينفجر غيظًا وعداوة له ولكنه الإكراه الذي عذر الله المسلم فيه أن يقول كلمة
стр. 309
الكفر قال تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [النحل: ١٠٦].
إن قبلات العبيد لأسيادهم اليوم في الشرق والغرب ليس ثمنها مشاطرة أولئك العبيد أسيادهم في ملكهم وأموالهم، كما عرض على عبد الله بن حذافة السهمي من قبل قيصر، وإنما ثمنها مشاطرة الأسياد لأولئك العبيد في نهب خيرات المسلمين وثرواتهم فهل هذه هي التقدمية والحرية والاشتراكية التي ينادون بها؟
خامسا: من صور الموالاة في الله استخدام الاقتصاد في الموالاة في الله والمعاداة فيه وذلك مثل ما فعل ثمامة بن أثال ملك اليمامة ﵁ عندما أسلم فقد آذى المسلمين في أول أمره ثم أسر فمن عليه رسول الله ﷺ وبعد أن أسلم قال يا رسول الله والله ما كان على ظهر الأرض وجه أبغض إلي من وجهك قبل أن أسلم، وقد أصبح وجهك الآن أحب الوجوه كلها إلي، ووالله ما كان دين أبغض إلي من دينك فأصبح دينك أحب الدين كله إليَّ، ووالله ما كان بلد أبغض إليَّ من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إليَّ، ثم قال: كنت أصبت في أصحابك دما، فما الذي توجبه علي فقال النبي:) ﷺ لا تثريب عليك يا ثمامة، فإن الإسلام يجب ما قبله)، ثم ذهب معتمرًا إلى مكة، وهو حديث عهد بالإسلام وأقبل على قريش بكل عزة وكبرياء فثاروا في وجهه ووصفوه بمختلف الأوصاف، وكادوا يقتلونه لأنهم كانوا يعدونه سندا ومعينا لهم، ثم قال لقريش: أقسم برب هذا البيت، إنه لا يصل إليكم بعد عودتي إلى اليمامة حبة من قمحها أو شيء من خيراتها حتى تتبعوا محمدا عن آخركم وفعل ما قال بكل حزم وقوة حتى فشا في قريش الجوع واشتد عليهم.
стр. 310
الكرب فشكوا إلى رسول الله ﷺ الأمر وقالوا قتلت الرجال بالسلاح، والأطفال والنساء بالجوع وكان الرسول ﷺ مشفقا حتى على أعدائه فكتب ﵊ إلى ثمامة بن أثال (١) بأن يطلق ما منعه عنهم من الميرة من تمر وطعام ففعل ذلك.
سادسا: من صور الموالاة في الله مشاركة المسلمين ولو بالقلب والشعور إذا عجز المرء عن المشاركة الفعلية فيشاركهم في أفراحهم وآلامهم فيفرح بما يفرحهم ويتألم لما يتألمون منه.
فقد روى أبو هريرة ﵁ أنه قال: من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه، مات على شعبة من نفاق (٢) قال القرطبي: إن من لم يتمكن من عمل الخير، فينبغي له العزم على فعله إذا تمكن منه ليكون عزخمه بدلا من فعله، فأما إذا خلا عنه ظاهرا، وباطنا فذلك شأن المنافق الذي لا يعمل الخير ولا ينويه خصوصا الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام (٣).
فالمسلم لا بد أن يوالي أولياء الله وينصرهم ويحب نصرتهم ويعادي أعداء الله ويشارك في كسر شوكتهم بنفسه وماله وأقواله فإن لم يستطع فلا أقل من المشاركة بقلبه ووجدانه، فقد روي عن أبي عبد الله جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ قال: كنا مع النبي ﷺ في غزاة فقال: إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا، إلا كانوا معكم حبسهم المرض وفي رواية إلا شركوكم في الأجر (٤).
وروى البخاري عن أنس ﵁ قال: رجعنا من غزوة
стр. 311
تبوك مع النبي ﷺ فقال: «إن أقواما بالمدينة ما سلكنا شعبا، ولا واديا إلا وهم معنا حبسهم العذر» (١) وفي قصة الذين جاءوا إلى الرسول ﷺ يطلبون منه أن يأخذهم معه إلى الجهاد، فردهم لأنه لم يجد ما يحملهم عليه، وهم لا يجدون ما ينفقون سوى أعز ما يملكون من تضحية في نفوسهم دليل على المشاركة بالشعور عند عدم المشاركة بالفعل فقد انصرفوا وهم يبكون حزنا على ما فاتهم من شرف الجهاد قال تعالى: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا للهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ) [التوبة: ٩١، ٩٢].
فالمسلم إذا عجز عن المشاركة بالمال أو النفس أو القول فلا أقل من المشاركة بمشاعر الحب والبغض، ولذلك فعذر الله للمذكورين في الآيتين ليس على إطلاقه بل هو مشروط بقوله (إذا نصحوا لله ورسوله) أي: إذا عرفوا الحق وأحبوه وأحبوا أهله، وأحبوا انتصارهم، وعرفوا الباطل وعادوه وأبغضوه وعادو أهله، فعند ذلك تزول عنهم التبعة ويدخلون في عداد المحسنين (٢) قال تعالى: (إِذَا نَصَحُوا للهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ) ولكنهم مع ذلك نجد أن أعينهم تفيض من الدمع حزنا على ما فاتهم من شرف الجهاد مع أن طبيعة معظم الناس الذين يفقدون حرارة الإيمان أن يفرحوا بنجاتهم من الأخطار، وابتعادهم عن غائلة الحروب ولكن الإيمان جعل هؤلاء يرون في فوات هذه الغزوة عليهم فوات شيء ثمين يستحق أن تسكب عليه العبرات وتحزن له النفوس، وعلى عكس هذا
стр. 312
الموقف المتسامح مع أصحاب الأعذار الذين شاركوا بقلوبهم ومشاعرهم عند عجزهم عن المشاركة بأفعالهم نجد موقف الشدة والتأنيب لأولئك الذين تخلفوا عن المعركة نفسها بدون عذر شرعي وذلك في قصة الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، وهم كعب بن مالك ومرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي (١).
وذلك نتيجة لحظات من الضعف البشري، وإيثارا للراحة على التعب والظل على الحر، والإقامة على السفر، مع أنهم مؤمنون صادقون، فقد استيقظ الإيمان في نفوسهم بعد قليل من سفر الرسول ﷺ وعلموا أنهم ارتكبوا بتخلفهم عنه وعن المؤمنين إثما كبيرا، ومع ذلك فقد كانت عقوبتهم قاسية رادعة مؤلمة، فقد عزلوا عن المجتمع عزلا تاما، واعتزلهم المؤمنون اعتزالا كاملا، ونهي الناس عن كلامهم والتحدث معهم لمدة خمسين يوما حتى زوجاتهم أمروا بمفارقتهن مفارقة سكنى واستئناس بهن، ورغم المقاطعة الشديدة لهم، لم نجد منهم من ركن إلى أقوال المنافقين أو اتخاذهم بطانة من دون المؤمنين ولم نجد منهم من استحباب إلى دعوة حاكم غسان الذي سمع بالخبر، فأراد أن يستغل تلك الفرصة بدعوة أحد الثلاثة أو جميعهم إليه، ولكن كتابه أحرق بالنار، لأن جذوة الإيمان مشتعلة في النفوس كما نجد في هذه القصة الوحدة الحقيقية في القول والعمل والالتزام الصارم بأمر رسول الله ﷺ في مقاطعة من يؤمرون بمقاطعته ولو كان أقرب قريب، وهذه الصفة هي روح الموالاة والمعاداة في الله، فلم يهم أحد من المسلمين بمسارقة أولئك النفر في الحديث خفية أو خلسة، لاعتقادهم اعتقادا جازما بأن الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وتخلف ثلاثة نفر من ثلاثين ألف مجاهد ليس له تأثير مباشر في نتيجة المعركة أو طبيعتها ولكن القضية هي أكبر من ذلك حيث إن الأمر يتعلق بمبدأ المشاركة والالتزام بمفهوم الإيمان، ولا يجوز للمسلم أن
стр. 313
يتحول من المشاركة الفعلية إلى المشاركة القلبية والشعورية إلا عند وجود الأسباب المبيحة لذلك أما ترك المشاركة الفعلية والقولية والقلبية فهذا لا يحصل من مسلم صادق في انتمائه للإسلام فلا يجوز للمؤمن الصادق في إيمانه أن يتخلف عن عمل يقتضيه الواجب، أو يرضى لنفسه بالراحة والناس من إخوانه يتعبون، أو يستغرب في الملذات والنعيم وإخواته يبتئسون وتلك هي سمة الإيمان وسمة المؤمن دائما وأبدا إنه فرد من جماعة، وجزء من كل وعضو من جسم، وإن ما يصيب هذه الجماعة يصيبه من باب أولى، وما يفيد هذه الجماعة يفيده، وإن النعيم لا معنى له ولا قيمة له مع شقاء الأمة وبؤسها، والراحة لا لذة لها، مع تعب الناس وعنائهم، وإن التخلف عن الواجب نقص في الإيمان، وخلل في الدين وإثم لا بد فيه من التوبة والإنابة إلى الله (١).
ولذلك فإحساس المؤمن وضميره الحي يدفعانه إلى ذلك الواجب بسلطان من داخل نفسه لا من خارجها فهذا أبو خيثمة ﵁ بعد ما سار رسول الله ﷺ في غزوة تبوك المتقدم ذكر طرف منها دخل على أهله في يوم شديد الحر، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائطه وقد رشت كل واحدة منهما عريشها بالماء ليزداد برودة، وبردت فيه ماء، وهيأت له فيه طعاما، فلما دخل قام على باب كل عريش فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له.
فقال في نفسه: رسول الله ﷺ في الضح (٢) والريح والحر، وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ وامرأتين حسنوين في ماله مقيم ما هذا بالنصف (٣)؟ والله لا أدخل عريش واحدة منكن حتى ألحق برسول الله ﷺ فهيأ لي زادا، ففعلتا ثم خرج في طلب الرسول ﷺ حتى أدركه
стр. 314
حين نزل تبوك، وقد قال وهو في الطريق شعرا بهذه المناسبة نذكر منه ما يلي:
تركت خضيبا بالعريش وضرمة ... صفايا كراما بسرها قد تحمما
وكنت إذا شك المنافق أسحمحت ... إلى الدين نفسي شطره حيث يمما (١)
إن المسلم الحق ليضيق صدره بمأكله ومشربه ومسكنه وهو حر طليق، إذا كان إخوانه يتقلبون في حالة بؤس وشقاء وضيق.
ومثل أبي خيثمة عثمان بن مظعون ﵁ حيث دخل مكة في جوار الوليد بن المغيرة، فلما رأى عثمان ما يلقى رسول الله ﷺ وأصحابه من الأذى وهو يغدو ويروح بأمان الوليد بن المغيرة قال عثمان: والله إن غدوي ورواحي آمنا بجوار رجل مشرك، ورسول الله ﷺ وأصحابه يلقون من البلاء والأذى في الله ما لا يصيبني لنقص شديد في نفسي فمضى عثمان إلى الوليد بن المغيرة فقال: يا أبا عبد شمس وفت ذمتك قد كنت في جوارك وقد أحببت أن أخرج منه إلى رسول الله ﷺ فلي به وبأصحابه أسوة فقال الوليد فلعلك يا ابن أخي أوذيت أو انتهكت قال لا: ولكن أرضى بجوار الله ولا أريد أن استجير بغيره، قال الوليد فانطلق إلى المسجد فاردد على جواري علانية كما أجرتك علانية، فانطلق إلى المسجد ثم قال الوليد هذا عثمان بن مظعون قد جاء ليرد على جواري فقال عثمان صدق، وقد وجدته وفيًّا كريما، وقد أحببت أن لا أستجير بغير الله ، ثم حضر مجلسا لقريش وفيه لبيد ينشد.
ألا كل شيء ما خلا الله باطل، فقال: عثمان صدقت ثم قال: وكل نعيم لا محالة زائل، فقال عثمان كذبت.
فقال لبيد: يا معشر قريش ما كانت مجالسكم هكذا فقام سفيه منهم
стр. 315
فلطم عثمان بن مظعون على عينه حتى أثر فيها فقال له بعضهم لقد كنت في ذمة منيعة وكنت في غنية عما لقيت فقال عثمان جوار الله آمن وأعز (١).
فهذا ما فعله السلف الصالح وما يفعله كل مسلم غيور في عصرنا الحاضر فمهما انحرفت الأمة عن جادة الصواب فإنها لا تعدم الخير وقد عبر عن هذا المعنى من المسلمين المعاصرين عصام العطار (٢) بقصيدة نجتزئ منها قوله ما يلي:
فلا راحة حتى ولو لأن مضجع ... ولو كنت حتى في ظلال البواسق
إذا كان في خلف السجون أشاوس ... تعذب بأيدي كل طاغ ومارق
تمنيت حتى ضجعة السجن بينكم ... على الصخر في جو من الجور خانق
صلابة أرض السجن إن كان بينكم ... أحب وأشهى من طري النمارق (٣)
سابعًا: من صور الموالاة في الله أن يكون المسلمون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وقد تحقق هذا في عهد الرسول ﷺ وفي عهد الخلفاء الراشدين من بعده، فقد كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: لأن استنقذ رجلا من المسلمين من أيدي الكفار أحب إلي من جزيرة العرب (٤) وقد روي أن أحد الجنود المسلمين وقع أسيرا في حوزة الرومان وأنهم حملوه إلى إمبراطورهم
стр. 316
الذي حاول أن يكرهه على ترك إسلامه، ورفض الأسير المسلم، وثبت على عقيدته فثار الإمبراطور وأمر أن تفقأ عيناه .. وسمع عمر بن عبد العزيز فكتب إلى ملك الروم يقول: أما بعد. فقد بلغني ما صنعت بالأسير المسلم، وإني أقسم بالله لئن لم ترسله إلي من فورك لأبعثن إليك من الجند ما يكون أولهم عندك وآخرهم عندي.
وعندما وصل الخطاب تراجع ملك الروم أمام هذه العزمة وأمر بإعادة الأسير المسلم إلى أهله وقومه (١) وفي موقف المعتصم (٢) صورة من صور الموالاة في الله فهو الخليفة الثامن من خلفاء الدولة العباسية وبطل عمورية العملاق الذي ضرب بتلك المعركة المثل الأعلى في استراداد الكرامة والذود عن حياض المسلمين وقصة عمورية كما ذكر بعض المؤرخين هي: أن نوفيل ملك الروم أغار على حدود الدولة العباسية وعلى زبطرة بالذات وهي مسقط رأس المعتصم وعلى أهل ملطية وغيرها من حصون المسلمين وأسر مجموعة من المسلمين من الرجال والنساء والأطفال فمثل بهم فمنهم من سمل عيونهم، ومنهم من قطع أنوفهم وآذانهم ومنهم من قتل، وكان من بين الأسرى امرأة هاشمية، كبر عليها الضمير وعظمت عليها القسوة، فصاحت بأعلى صوتها وامعتصماه، ونقل بعض الحاضرين هذه الصيحة إلى المعتصم، فما أن وصلت إلى مسمعه حتى صرخ بأعلى صوته في المجلس ونهض مرددا لبيك، لبيك يا أختاه
стр. 317
وأمر بالنفير العام، واستدعى القضاة والشهود، وأشهدهم على وصيته، أن ماله إذا استشهد في هذه المعركة فيقسم إلى ثلاثة أقسام ثلثه صدقة وثلثه لأولاده، وثلثه لمواليه، وسار بنفسه ومن معه من خيرة قواده ورجاله سنة (٢٢٣) هـ فحاصر عمورية وهي عين النصرانية ومركز قوتها ومسقط رأس نوفيل ملك الروم، ففتحها بعد حصار شديد رغم حصانة أسوارها وقوة رماتها فخرت صريعة بين يديه، وثأر المعتصم، من أعداء الله ولمن نكل بهم من المسلمين والمسلمات، واسترد كرامة الأمة الإسلامية وبين كيف تكون غضبة الحاكم المسلم إذا انتهكت حرمات العقيدة أو اعتدى على حمى الإسلام والمسلمين (١) وقد عاد إلى بغداد مكبرا مهللا واستقبلته الأمة بالفرح والغبطة والسرور، وأنشد أبو تمام قصيدته المشهورة:
السيف أصدق إنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب
بيض الصفائح لا سود الصحائف في ... متونهن جلاء الشك والريب
وجاء من هذه القصيدة:
لبيت صوتا زبطريا هرقت له ... كأس الكرى ورضاب الخرد العرب
وجاء من هذه القصيدة أيضًا:
كم كان في قطع أسباب الرقاب بها ... إلى المخدرة العذراء من سبب (٢)
وفي مثل هذه الصورة المشرقة من صور الوفاء والغيرة على حمى الإسلام ما روي أن الحجاج بن يوسف الثقفي غضب على واليه في السند غضبا
стр. 318
شديدا وذلك بسبب امرأة أسرت من المسلمين وأدخلت إلى بلاد السند فجهز الجيوش المتواصلة، وأنفق بيوت الأموال حتى استنقذ المرأة وردها إلى أهلها ومدينتها (١).
هذه حال المسلمين في عهدهم الزاهر عهد الجسد الواحد إذا اعتدى على طرف منه تقلص الجسم وارتعش وانتفض انتفاضة تدمر الأعداء، ولكن شتان بين الأمس واليوم، وأين الثرى من الثريا؟ إن ملايين المسلمين اليوم من الرجال والنساء والأطفال يصرخون ليل نهار، في مشارق الأرض ومغاربها وشمالها وجنوبها ووسطها، يصرخون وينادون بلسان الحال والمقال وامعتصماه، ولكن هيهات هيهات لا مجيب. يقول الشاعر عمر أبو ريشة:
أمتي كم غصة دامية ... خنقت نجوى علاك في فمي
تسمعي نوح الحزانى وتطربي ... وتنظري دمع اليتامى وتبسمي
رب وامعتصماه انطلقت ... ملء أفواه الصبايا اليتم
لامست أسماعهم لكنها ... لم تلامس نخوة المعتصم (٢)
لقد أصبح معظم المسلمين اليوم كالسائمة من بهيمة الأنعام التي يذبح الجزار من طرفها وتفقد كل يوم فردًا من أفرادها، ومع ذلك فهي تأكل بكل طمأنينة وتجتر، وتعطي الدر بسخاء لمن يحد السكين لنحرها، لقد أصبح الكفار في هذا العصر أكثر موالاة مع بعضم من المسلمين مع بعضهم وهذا ليس من قبيل التشهير بل هو الواقع فعلا، فإذا اعتدي على يهودي أو نصراني أو شيوعي قامت قيامة العالم كله، أما عندما يكون الضحية من المسلمين فإننا نرى التجاهل المفرط من المسلمين وأعداء الإسلام على حد سواء، وكدليل على ما نقول نسوق بعض الأحداث المشهورة للعبرة
стр. 319
والذكرى فعندما قتل قادة الثورة الإيرانية أحد التجار اليهود قامت قائمة إسرائيل واليهود في أمريكا وروسيا وأوروبا وحاصروا إيران محاصرة اقتصادية وإعلامية وعسكرية، وعندما قبضت الحكومة الإيرانية على خمسين فردا من الصليبيين واليهود لديها قامت الدنيا كلها فما من صحيفة تصدر أو مجلة أو نشرة أخبار في إذاعة أو تلفاز في كل صباح ومساء في العالم كله، إلا وتذكر عنهم كلاما مستفيضا وجدلا كلاميا وآخر ما دار بشأنهم ولم يكتف الصليبيون واليهود بذلك بل حركوا شركاءهم وعملاءهم في داخل إيران وخارجها كي يطوقوا تلك الثورة ويقضوا عليها في مهدها.
وعندما قتل مزارع أبيض من النصارى البريطانيين في روسيا قامت بريطانيا في كل نشرة من أخبارها، تذكر الملابسات والمحاكمات والتقارير الإخبارية عن ذلك (١) وفي بولندا دعت نقابة العمال الحرة إلى إضراب في العاصمة البولندية، في أكثر من ثلاثين دائرة عمل وذلك بسبب احتجاز السلطة الحكومية، أحد عمال الطباعة لديها حيث إن هذا العامل عضو في هذه المنظمة (٢).
فهل يكون الكفار أوفى لأهل ملتهم منا نحن المسلمين؟
هذا هو حاصل فعلا في واقعنا الحاضر، وحتى نكون موضوعيين في هذا نسوق حادثة واحدة من مئات الحوادث التي تبين مدى ظلم المسلمين بعضهم لبعض، وعدم موالاة بعضهم لبعض، على المستوى الرسمي، والمستوى الشعبي، وذلك أنه حدث في يوم الجمعة ٢٧/ ٦/ ١٩٨٠م، وفي الساعة التاسعة صباحا توجهت اثنتا عشرة طائرة هليوكبتر تابعة لسرايا الدفاع بقيادة المجرم الطاغية رفعت الأسد فنزلت في مطار حماة ثم انتقلت إلى سجن تدمر الصحراوي حيث المعتقل الكبير لخيرة المسلمين
стр. 320
العاملين المجاهدين وأخرجوهم خارج السجن بطريقتهم الخاصة ثم أطلقوا عليهم النار فاستشهدوا جميعًا، وقال الذين شهدوا العملية: إن عددهم ما بين الثمان مائة والألف، من خيرة أهل الإسلام، ثم دفنوا في الصحراء التي قتلوا فيها بواسطة جرافتين كبيرتين (١) إن هذا الخبر الذي يدمي القلب ويبكي العين ويحزن النفس لم نسمع عنه في وسائل الإعلام التي تدعي الإسلام، ولا وسائل الإعلام العالمية التي تدعي المحافظة على حقوق الإنسان أي تعليق أو بيان، في الوقت الذي تتحدث فيه هذه الوسائل عن أخبار القطط والكلاب والفئران، وهذا يؤكد لنا أن الإعلام في العالم كله كأنه يعمل تحت إدارة واحدة، تهدف إلى طمس معالم الإسلام وإخفاء قضاياه وتجاهل حقوقه وحقوق أهله.
إن هؤلاء الذين استشهدوا تحت وطأة الحكم النصيري الكافر، لو كانوا من أهل الفن الماجن المصاب بجنون الشهوة الجنسية أو كانوا ممن يحلون عقولهم في أقدامهم من أصحاب الكرة الذين تتقاذفهم مخططات اليهود والنصارى كما يتقاذفون الكرة بينهم، لبكت عليهم وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة بدلا من الدموع دمًا، ولأجمعت وسائل الإعلام كلها في بلاد الإسلام وخارجها على تأبينهم بما يصك الآذان ويذهل الأسماع ولترك سماسرة اليهود والنصارى في المنظمات الدولية والمنظمات الخاصة إلى إصدار بيانات الاستنكار والاحتجاج أما عندما يكون القتلى من المسلمين المخلصين بأيدي الشيوعية في أفغانستان، أو على يد الصليبي ماركس في الفلبين أو بأيدي عبدة البقر في الهند، أو على يد الطاغية المجرم النصيري في سوريا فإن العالم كله يلتزم الصمت نحو تلك الأحداث الدامية ويتجاهلها لأن الضحية في ذلك هم أهل الإسلام.
بل لقد ابتكرت وسائل الإعلام الغربية المعادية للإسلام مصطلحات