← Акыда

Акыда · id 12812

الموالاة والمعاداة في الشريعة الإسلامية

محماس الجلعود

Полный текст (908 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وأما الخلاف حول حكم موالاة الكفار لمصلحة دنيوية، هل يكون ذلك موجبا للكفر والردة، أم هو كبيرة من كبائر الذنوب؟ فأقول: الذي يظهر لي، أن من حكم بردة وكفر من والى الكفار لمصلحة دنيوية، إنما قصد بذلك الذين يستبيحون لأنفسهم موالاة الكفار المحرمة، من أجل حظوظهم الدنيوية، فينكرون خطأهم ويدافعون عن باطلهم، فهؤلاء حكمهم الردة والكفر، كما هو الشأن في حل كل من استحل ما حرم الله. أما الذين يرون أن موالاة الكفار لمصلحة دنيوية كبيرة من كبائر الذنوب، فهؤلاء اعتبروا أن الموالي للكفار عالم بمعصيته خائف من ذنبه، شأنه في ذلك شأن كثير من العصاة الذين يقترفون بعض الذنوب دون استحلال لهم. ومما تقدم نجد أن الذين تكلموا في الموالاة من العلماء الذين سبقت الإشارة إليهم، وقد عدوا أعلى درجات الموالاة للكفار ردة وكفرا، وأقلها يكون ذنبا ومعصية وإثما، ولم يذكروا أن هناك أي نوع من أنواع الموالاة تصح مع الكفار. إلا أن بعض العلماء المعاصرين (١) قسموا الموالاة للكفار إلى قسمين: القسم الأول: أن تكون الموالاة بمعنى المسامحة والمسالمة والمعاشرة الجميلة في الدنيا، والمعاملة بالحسنى وتبادل المصالح بحسب الظاهر، مع عدم الرضا عن حالهم وكفرهم فهذا أمر غير منهي عنه، وقد

стр. 37

استدلوا على ذلك بقوله: (لا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) [الممتحنة: ٨]. القسم الثاني: أن تكون الموالاة بمعنى المحالفة والمناصرة ضد المسلمين، والرضا عن الكفار، وبما هم فيه من كفر، فإن الرضا بالكفر كفر، فلا يبقى مؤمنا مع كونه بهذه الصفة، لأن في مناصرة الكافرين على المسلمين ضررا بالغا بالكيان الإسلامي، وإضعافا لقوة الجماعة المؤمنة، وهذا النوع من الموالاة قد نهى الله عنه بقوله تعالى: (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ) [آل عمران: ٢٨]. فحذر الله المؤمنين من الموالاة والمناصرة للأعداء، وأن التعاون مع أعداء الإسلام بما فيه ضرر على الإسلام والمسلمين خيانة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم (١) اهـ. والذي أفهمه من كلام الشيخين، مناع خليل القطان، ومحمد علي السايس أن هناك نوعا من أنواع الموالاة يجوز فعلها مع الكفار. والصواب أن الموالاة للكفار في الظاهر والباطن لا تجوز بأي حال من الأحوال، ولكن الذي قصده الشيخان، وهو البر والصلة فعبرا بالموالاة عن البر والصلة التي أباحها الله مع المسالمين من الكفار في قوله تعالى: (لا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) [الممتحنة: ٨]

стр. 38

وإلا فإن نصوص الكتاب والسنة، لم تذكر إباحة تولي الكفار أو موالاتهم على أي وجه من الوجوه سوى حالة واحدة وهي حالة الإكراه الملجئ قال تعالى: (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ) [آل عمران: ٢٨] فيجوز في حالة الضعف والخوف من أذاهم الموالاة لهم ظاهرا، ريثما يعد المسلمون العدة لمواجهة الكفار والتحرر من سيطرتهم، وقد عد العلماء أقل نوع من أنواع الموالاة بدون إكراه إثما ومعصية. يقول سفيان الثوري (١) ﵀: (من لات للكفار دواة أو برا لهم قلما أو ناولهم قرطاسا فقد دخل في الموالاة المنهي عنها ما لم يكن ذلك لغرض دعوة إلى الله) (٢) اهـ. فالموالاة عند علماء الاصطلاح شيء، والبر شيء آخر، فالبر يعني: الصلة في الخير والاتساع في الإحسان، وقد أباح الله ذلك لطائفة من الكفار ضمن شروط معينة سنذكرها فيما بعد بإذن الله تعالى، فلفظ الموالاة ليس مرادفا للبر في الآية المتقدمة (٣)، ولا في مدلول اللغة (٤). فدعوة الإسلام إلى السماحة في معاملة بعض الكفار والبر بهم لا يعني الموالاة لهم، فبسماحة الإسلام يتعامل المسلم مع الناس جميعًا.

стр. 39

على أساس العدل والاحترام المتبادل، بدون محبة القلب للكفار، أو مودة ما هم فيه من كفر، وإنما التعامل بالمثل فيما ليس له مساس في جانب العقيدة، كالبيع والشراء، وتبادل المنافع التي لا تستلزم حبا أو بغضا في بعض الأحوال، فها هم قد سلبوا ثروات البلاد الإسلامية واستعبدوا شعوبها ومع ذلك لا زالوا يضمرون الحقد والكراهية للمسلمين فواجب المسلمين أن يتعاملوا مع الكفار بإنصاف وعدل، فلا يوالوهم على حساب الإسلام، ولا يتعاملوا معهم بحقد وضغينة كما يتعامل معنا أولئك الكفرة الإنذال. فبسماحة الإسلام، يتعامل المسلم مع الناس جميعا وبمحبة الخير الشامل يلقى الناس على ذلك. فعدم موالاة الكفار، لا تمنع من مصاحبتهم بالمعروف، فقد قال تعالى: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) [لقمان: ١٥] فهذه الآية دليل على أن الإسلام لا يمنع من مصاحبة الوالدين بالمعروف، مع اختلاف العقيدة، وهذه المصاحبة ليست هي الموالاة المنهي عنها، لأن الموالاة هي محبة القلب وإرادة النصرة والمساعدة للمحبوب، إذا كان محتاجا إلى ذلك، وهي غير حاصلة في المصاحبة بالمعروف، لأن المصاحبة بالمعروف لا ترقى إلى درجة الموالاة، فلو وقف القريب الكافر في الصف المعادي للجماعة المسلمة، وأعلن الحرب عليها فعندئذ لا صلة ولا مصاحبة، ويتضح ذلك من قصة عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول. فقد روي ابن جرير الطبري بسنده، عن ابن زياد قال: دعا رسول الله ﷺ عبد الله عبد الله بن أبي، فقال: ألا ترى ما يقول أبوك؟ قال ما يقول أبي؟ بأبي أنت وأمي يا رسول الله قال: يقول: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فقال: فقد صدق والله يا رسول

стр. 40

الله، أنت الأعز وهو الأذل، أما والله لقد قدمت المدينة يا رسول الله، وإن أهل يثرب ليعلمون ما بها أحد أبر بوالده مني، ولئن كان يرضي الله ورسوله أن آتيهما برأسه لأتينهما به فقال رسول الله ﷺ : لا ... ، فلما قدموا المدينة قام عبد الله بن عبد الله بن أُبي على بابها بالسيف لأبيه وقال: أنت القائل (لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل)؟ أما والله لتعرفن العزة لك أو لرسول الله ﷺ ؟ والله لا يأويك ظلها ولا تأويه أبدا إلا بإذن من الله ورسوله ﷺ فقال: يا للخزرج ابني يمنعني بيتي للخزرج ابني يمنعني بيتي فقال والله لا يأويه أبدا إلا بإذن منه، فاجتمع إليه رجال فكلموه فقال: والله لا يدخلن إلا بإذن من الله ورسوله ﷺ فأتوا النبي ﷺ فأخبروه فقال: «اذهبوا إليه فقولوا له: خله ومسكنه» فأتوه فقال: أما إذا جاء أمر النبي ﷺ فنعم (١) اهـ. فإذا انعقدت آصرة العقيدة فالمؤمنون كلهم إخوة، ولو لم يجمعهم نسب ولا صهر، قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) [الحجرات: ١٠] وإذا اختلفت العقيدة ووقف المختلفان موقف المتحاربين فلا صلة ولا ارتباط ولو كانوا أبا وإبنا، فالذين لم يقاتلوا المسلمين في دينهم، ولم يخرجوهم من ديارهم ولم يسعوا في إفساد عقيدتهم، ولم يظاهروا عليهم عدوهم، فإن صلتهم والحالة هذه، لا محذور فيها ولا تبعة (٢). أما إذا وصل الأمر، إلى درجة المحبة القلبية لهم، ولما هو من خصائص كفرهم، فهذا هو التولي، والموالاة المحرمة، وليس لقائل أن يقول بعد هذا كله، إن معنى الموالاة غير محدود، إذ يدخل فيه أمور.

стр. 41

كثيرة، قاصدا بذلك أننا لا نستطيع أن نتخذه معيارا، في معرفة من يكفر ومن لا يكفر، ومن هو دون الكفر بمراتب متعددة، فهذا الزعم لا يصح، لأن الله ، لا ينهى عن شيء غير محدد، وغير معروف ولا يحكم بردة من دخل في أمر غير واضح وغير متميز، وإلا لكان أمره ونهيه في هذا الموضوع عبثا لا يمكن تطبيقه، ومثل هذا القول، لا يقوله مؤمن بالله وصفاته، ومصدق برسالته لرسول الله ﷺ ففي كتاب الله وسنة رسوله ﷺ نجد تبيانا واضحا ونبراسا مضيئا لمن قصد الحق وحرص على تطبيقه قال تعالى: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) [الأنعام: ٣٨]. أما من عمي أو تعامى عن نور الإسلام وتميع في صلاته مع الكفار فما علينا من تخرصاته، وأوهامه، إذا قامت عليه حجة البلاغ فإن تبلغ الحجة شيء، وفهمها شيء آخر (١). إن المسلم الحقيقي هو الذي يتحلى بالمفاصلة الكاملة، بينه وبين من ينهج غير منهج الإسلام، إن المفاصلة واجبة بين كل مسلم وبين كل من يرفع راية غير راية الإسلام، إن المسلم مأمور بأن لا يخلط بين منهج الله وبين أي منهج أخر وضعي لا في تصوره الاعتقادي، ولا في نظامه الاجتماعي ولا في كل شأن من شئون حياته. إن الفوارق بين الإسلام، والكفر، لا يمكن الالتقاء عليها بالمصالحة أو المصانعة أو المداهنة. إن الذين يحاولون تمييع هذه المفاصلة الحاسمة، باسم التسامح أو التقريب بين الأديان، أو التعايش السلمي، يخطئون في فهمهم للدين.

стр. 42

الإسلامي، وفهمهم لمعنى التسامح الذي يقره الإسلام، وفهمهم للتعايش السلمي الذي يتفق مع منهج القرآن الكريم. إن التسامح الذي أقره الإسلام ضمن حدود معينة مع غير المسلمين ينبغي ألا يكون على حساب إضعاف تميز المسلم في تصوره الاعتقادي ونظامه الاجتماعي (١). إن هناك قسما من المنحرفين عن الإسلام، يظنون أن مرونة الإسلام في معاملة المخالفين له، تعني احترام أباطيلهم ومشاركة الكفار في كفرهم، والرضا بما هو من خصائص كفرهم وما علموا أو تجاهلوا أن مرونة الإسلام مع مخالفيه، إنما كان يقصد بها عدم جرد مشاعر الكفار فيما يعتقدونه من باطل لغرض تأليفهم إلى الإسلام أو رعاية لحق العهد علينا نحوهم، والفرق واضح بين المشاركة في الباطل والرضا به، وبين ترك الباطل وأهله (٢). إن الغرض من معاداة الكفار من قبل المسلم هو أن تبقى شخصية المسلم واضحة قوية متميزة بارزة المعالم، ترى دلائل الإسلام ظاهرة فيها وفي كل حركة من حركاتها (٣). ولكن بعض الخارجين على الإسلام، يحاولون عن جهل، أو سوء نية تمييع اليقين الجازم في نفس كل مسلم، بأن الإسلام والكفر ضدان لا يلتقيان (٤). وأفعال الإنسان في هذه الحياة، لا بد أن تكون مسبوقة بعاطفة الحب أو البغض وتلك هي حقيقة المولاة والمعاداة.

стр. 43

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (١) ﵀ إن كل حركة في الوجود إنما تصدر عن رغبة ومحبة، ولكنها قد تكون محبة محمودة أو محبة مذمومة، والمرجع في ذلك كله إلى عرف الشرع (٢)، وقد جمع الله بين نوعي المجتبين في قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ للهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ) [البقرة: ١٦٥] اهـ. ومما تقدم يتقرر لديَّ أن الموالاة هي المحبة، قولا وفعال واعتقاد وأن محبة الله واجبة، وهي لا تتحقق إلا بحب ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال والأشخاص، حيث إن من الأمور البديهية أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كما هو مقرر عند علماء الأصول، ومحبة غير الله تنقسم إلى قسمين: أولا: محبة في الله: وهي أن يحب المسلم كل ما يحب الله ويرضاه من

стр. 44

الأقوال والأفعال والأشخاص، وهذه المحبة من الموالاة المأمور بها شرعا، وهي منبعثة من محبة الله، متممة لها غير متنافية معها. ثانيًا: المحبة مع الله، وهي أن يتعلق قلب الإنسان بمحبوب يحبه مع الله، أو من دون الله فيغفل عن محبة الله أو يتوجه إلى غير الله بالرغبة والرهبة، فتكون هذه المحبة مغنية وصارفة له عن محبة الله ومحبة ما يحبه الله، فتكون منافية لمحبة الله، متعارضة معها، وتلك حقيقة موالاة أعداء الله. وإذا فالمحبة في الله محمودة، متعدية إلى كل داع إلى الله ومهتد بهداه. أما المحبة مع الله، فهي محبة مذمومة حاملة لصاحبها على محبة الشرك وما فيه من مساوئ وأضرار (١). والمحبة الضارة ثلاثة أنواع. النوع الأول: المحبة مع الله، وهي أصل الشرك، وأصل المحاب المذمومة، ومثالها مثل محبة كفار قريش لأصنامهم فيما سلف، ومحبة بعض المنتسبين إلى الإسلام للأحزاب الكافرة والقيادات المنحرفة في العصر الحاضر كالحزب الشيوعي أو الاشتراكي أو البعثي أو نحو ذلك. النوع الثاني: محبة ما يبغضه الله من كفر وفسوق وعصيان. النوع الثالث: محبة ما تقطع محبته عن محبة الله، أو تنقص ذلك، مثل محبة الأهل والمال والولد، إذا كانت على حساب محبة الله، أو صارفة للمسلم عن محبة الله (٢).

стр. 45

والتعريف الذي أرجحه في تحديد مفهوم التولي والموالاة والمعاداة ما يلي: التولي: هو بذل المحب لما يرضي المحبوب بذلا تاما. الموالاة: هي إظهار الود بالأقوال والأفعال والنوايا، إظهارا ناقصا وهذا هو تعريف الدكتور محمد نعيم ياسين، إلا أني رأيت تذييل التعريف بكلمة إظهارا ناقصا حتى نخرج التولي عن مفهوم الموالاة. أما المعاداة: فهي شعور ينبعث من داخل النفس، لقصد الإضرار وحب الانتقام بالقول والفعل والاعتقاد، لمن يعتقده الإنسان عدوا له. وبين الموالاة والمعاداة دلالة في مفهوم المخالفة وهو أن يدل اللفظ عل مخالفة حكمة المسكوت عنه للمنطوق به، ويسمى دليل الخطاب (١). ومعنى ذلك أن الدليل إذا دل بظاهره على وجوب الموالاة، دل بمفهوم المخالفة على النهي عن المعاداة، وإذا دل الدليل بظاهره على وجوب المعاداة، دل بمفهوم المخالفة على النهي عن الموالاة، وكذلك العكس، فإذا نهى الله عن المعاداة بالنص الظاهر دل المفهوم على وجوب الموالاة وإذا نهى الله تعالى بالنص الظاهر عن الموالاة دل المفهوم على وجوب المعاداة. أي بمعنى أن الأمر بالشيء نهى عن ضده من طريق اللزوم العقلي فإن الآمر إنما قصد بالأمر فعل المأمور به، فإذا كان من لوازمه ترك الضد صار تركه مقصودا لغيره، من جهة اللزوم لا من جهة القصد والطلب (٢). وحول هذا المعنى يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن كمال الإخلاص ويقينه، موجب أن يكون الله أحب إلى المرء من كل شيء.

стр. 46

سواه، وأخوف عنده من كل شيء عداه، فلا يبقى يومئذ إرادة لما حرم الله ولا كراهة لما أمر الله. إن أصل الدين وكماله، أن يكون الحب في الله، والبغض في الله، والموالاة في الله، والمعاداة في الله، والعبادة لله، والاستعانة بالله، والخوف من الله والرجاء لله، والإعطاء لله، والمنع لله، وهذا إنما يكون بمتابعة رسول الله ﷺ الذي أمره لله، ونهيه لله، وصاحب الهوى يعميه الهوى ويضله عن سبيل الله، فلا يستحضر ما لله، وما لرسول الله ﷺ في ذلك ولا يطلبه (١) اهـ. فالذي لا يرضي لرضا الله ورسوله، ولا يغضب لغضبهما، وإنما يرضى لشهواته وهواه، ويغضب لذلك فهو ممن قال الله فيهم: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى) [النجم: ٢٣]. فالمسلم المؤمن المخلص في عقيدته هو من أخلص توحيده الله، وعادى المشركين في الله، وتقرب بمقتهم وبغضهم، إلى الله وكيف لا يكون ذلك وهم أعداء لله؟ قال تعالى: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا للهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) [البقرة: ٩٨] وعدو الله عدو للمؤمنين بطبيعة الحال قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ .... إلى قوله تعالى: (وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) [الممتحنة: ١].

стр. 47

المبحث الرابع: بيان ارتباط عنوان الرسالة بالمعنى الاصطلاحي للشريعة الإسلامية قد يعترض البعض على عنوان الرسالة بأن الشريعة موضوع فقهي، والموالاة والمعاداة في الله من موضوعات العقيدة فلماذا لم يجعل عنوان الرسالة بهذه الصفة؟ الموالاة والمعاداة في العقيدة الإسلامية؟ وللإجابة عن ذلك نقول بأن العقيدة جزء من الشريعة، فالشريعة الإسلامية متناولة للأمور الاعتقادية وأمور العباد وأمور المعاملة (١). وليست الشريعة الإسلامية، مرادفة لمعنى القانون الوضعي العام الذي يراد به عند إطلاقه، أمر معاملة الأفراد بعضهم لبعض (٢). فقد عرف الطبري الشريعة بأنها هي: الفرائض والحدود والأمر والنهي (٣) اهـ.

стр. 48

وعرفها بعض المتأخرين بأنها أحكام الله المتعلقة بأفعال الإنسان (١) وهذا التعريف فيه قصور حيث خرج منه أمور الاعتقاد التي هي مرتكز الشريعة الإسلامية. ولذلك لا تعد الشريعة (قانونا) بالمعنى الحديث لهذه الكلمة ولا هي كذلك من حيث مادتها، ذلك أنها وهي الرسالة التي لا يتطرق إليها الباطل تشمل جملة حياة الإنسان، من عقيدة وعبادة وسياسة واجتماع، وأخلاق على أوسع نطاق وبدون تقييد، كما تشمل حياة أهل الأديان الأخرى الذين يسمح لهم بالحياة بين المسلمين ما دام نشاطهم بريئا من العداوة للإسلام والمسلمين (٢). ولذلك فالمعنى الاصطلاحي للشريعة الإسلامية، أنها شاملة لجميع ما شرعه الله لعباده من العقائد، وأحكام العبادات والمعاملات (٣). قال تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) [الجاثية: ١٨]. وقال تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ..... ) [الشورى: ١٣]. وقال تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ) [الشورى: ٢١] وقال تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) [المائدة: ٤٨].

стр. 49

وبناء على ذلك فإن موضوع الرسالة مرتبطة مع الشريعة الإسلامية ارتباطا كاملا، حيث إن (الموالاة والمعاداة) هما إظهار الحب والبغض بالأقوال والأفعال والنوايا (١) ولهذا رأينا أن هذا العنوان جامع لموضوعنا هذا، وأنه يحقق الغرض للوهلة الأولى في موضوع الرسالة لخالي الذهن عن محتواها، وأنه أشمل وأكمل من غيره، والله ولي التوفيق.

стр. 50

الباب الأول: مشروعية الموالاة والمعاداة في الشريعة الإسلامية وفي هذا الباب تمهيد وفصلان: ١ - التمهيد: لمحة تاريخية عن الموالاة والمعاداة. ٢ - الفصل الأول: منزلة الموالاة والمعاداة في الشريعة الإسلامية. ٣ - الفصل الثاني: التطبيق العملي للموالاة والمعاداة في الشريعة الإسلامية.

стр. 51

التمهيد: لمحة تاريخية عن الموالاة والمعاداة إن مما فطرت عليه النفس البشرية، منذ أن خلقها الله صفة الحب والبغض أي الموالاة والمعاداة قال تعالى: (فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) [الروم: ٣٠] فإن استقامت النفس البشرية على منهج الله، أعطت ولاءها لله ورسوله ثم للمؤمنين بهذا الدين، وإن انحرفت على منهج الفطرة، وانتكست في مفاهيمها وتصوراتها، وران عليها ما اكتسبت من سيئات وذنوب، وتبلد إحساسها، أعطت ولاءها لمخلوقات هزيلة، ومفاهيم عفنة، وأعراف ظالمة، فلو نظرنا إلى تاريخ الأمم مع الرسل والأنبياء والصالحين، قبل الرسالة المحمدية، لتبدت لنا تلك الحقيقة ناصحة ظاهرة لا لبس فيها ولا غموض. فهذا إبراهيم ﵇، يعلن بكل قوة وصراحة وحزم، وعداوته للكفر وأهله، واعتزالهم وما يعبدون، وانحيازه إلى الله وموالاته.

стр. 52

له، وذلك فيما حكاه عنه القرآن الكريم في قوله الله تعالى: (يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا * قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا * فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاً جَعَلْنَا نَبِيًّا) [مريم: ٤٤ - ٤٩] وفيما ذكر الله عنه أيضا في قوله تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ) [الممتحنة: ٤] وفي قصة أصحاب الكهف موقف يماثل موقف إبراهيم ﵇ في عداوة الكفر وأهله ومفاصلة الكفر مفاصلة تامة، فقد ذكر الله تعالى حكاية بعضهم لبعض قال تعالى: (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا) [الكهف: ١٦] إن في تلك الآيات تنويها، بأثر الإيمان بالله في النفوس مما جعلها تعادي أعداءه، وتمنحه ودها وولاءها، فتختار الهجرة فرارا بدينها من بطش الحكام الظالمين، وتجعل العداوة لهم في الله سببا في عدم الرضوخ لمشيئتهم وجبروتهم. وفي قصة مؤمن آل فرعون، الذي كتم إيمانه بالحق في قلبه، لفترة من الزمن، نجده عند ساعة الخطر والشدة، يبوح بمكنون سره، ويندفع يدافع عن موسى ﵇ بمنطق الفطرة المؤمنة، في حذر ومهارة، وقوة وذكاء قال تعالى: (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ

стр. 53

أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ) [غافر: ٢٨] وهكذا استمر الصراع بين الحق والباطل واستمر الولاء والعداء، تتقاذفه الأعراف، وتكيفه المفاهيم، حتى نصل إلى العرب قبل الإسلام، فنجد أنهم لا يختلفون عن أي مجتمع جاهلي، سبقهم أو لحقهم، في سوء التصور، وفساد الاعتقاد بالموالاة والمعاداة حتى وصل بهم الأمر إلى أن يعادي الإنسان منهم ابنته، فلذة كبده، فيقتلها موالاة للعرف الجاهلي، ولكسب رضا العشيرة والقبيلة، وخوفا من شماتتها وعدائها، فقد روي أن رجلا من أصحاب النبي ﷺ كان لا يزال مغتما بين يدي رسول الله ﷺ فقال له رسول الله ﷺ : «مالك تكون محزونا؟» فقال: يا رسول الله، إني أذنبت ذنبا في الجاهلية فأخاف ألا يغفره الله لي وإن أسلمت، فقال له رسول الله ﷺ «أخبرني عن ذنبك؟» فقال: يا رسول الله أني كنت من الذين يقتلون بناتهم، فولدت لي بنتا فشفعت إلي أمها أن أتركها حتى كبرت وأدركت وصارت من أجمل النساء، فخطبها الناس، فدخلتني الغيرة والحمية ولم يحتمل قلبي أن أزوجها، أو أتركها في البيت بغير زوج فقلت لامرأتي أني أريد أن أذهب إلى قبيلة كذا وكذا في زيارة أقربائي فابعثيها معي، فسرت بذلك وزينتها بأجمل الثياب والحلي، وأخذت علي المواثيق بألا أخونها فذهبت بها إلى رأس بئر بحجة أن نرتوي منه فلما وصلنا نظرت إلى البئر ففطنت البنت أني أريد أن ألقيها في البئر، فالتزمتني وجعلت تبكي وتقول: يا أبت أي شيء تريد أن تفعل بي، فرحمتها، ثم نظرت في البئر فدخلت علي الحمية، ثم التزمتني وجعلت تقول: يا أبت لا تضيع أمانة أمي، فجعلت مرة أنظر في البئر فأهم بإلقائها ومرة انظر إليها فأرحمها، حتى غلبني الشيطان فأخذتها وألقيتها في البئر، وهي تنادي قتلتني يا أبي، فمكثت غير

стр. 54

بعيد عنها حتى انقطع صوتها فرجعت فبكى رسول الله ﷺ وأصحابه وقال: «لو كنت أمرت أن أعاقب أحدا بما فعل في الجاهلية لعاقبتك» (١). اهـ. فهذه القصة وأمثالها تمثل مدى الولاء للعرف الجاهلي في ظلمه وقسوته ووحشيته وهي واحدة من عشرات بل مئات المهازل والسخافات التي كانت تزجر بها حياة أهل الجاهلية الأولى وقد قال ابن عباس ﵄: إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام (٢) وانحرافهم في ولاء العبادة، لا يقل عن انحرافهم في ولائهم الاجتماعي ففي مجال العبادة يوالون ويعادون من أجل مخلوقات جامدة صماء لا تنفع ولا تضر قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) [الحج: ٧٣] وقوله تعالى: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا) [الفرقان: ٣]. وفي مجال التعاون والمحبة، نجد الموالاة العمياء للعشيرة والقرابة سواء كانت على حق أم على باطل، ظالمة أم مظلومة، هذا ما عبر عنه شاعرهم بقوله: وهل أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد وقال الشاعر الجاهلي أيضا: لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانا فما معنى قولهم ذلك؟ أليس هو الولاء الأعمى لمن يستحق ومن لا

стр. 55

يستحق؟ للظالم أو المظلوم على حد سواء، لقد بقيت تلك المقاييس العوجاء في الموالاة والمعاداة، أحقابا من الزمن، حتى اشرقت عليهم شمس الإسلام بعدالة الملك العلام، فسما الوحي الإلهي بنزعة الولاء والعداء من أفقها الضيق الظالم المحدود إلى أن ترتبط بخالق هذا الكون العظيم وبالناس جميعا، في هذه الأرض، وهذا ما عبر عنه ربعي بن عامر ﵁، في إيوان كسرى حيث قال: (الله ابتعثنا لنخرج من شائن عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام) (١). فوجد الذين وفقهم الله إلى هذا الدين، بغيتهم وضالتهم المنشودة، حتى أحبوهم أكثر من أنفسهم وأموالهم وأولادهم ووالديهم. ورحب الناس بالإسلام حين رأوا ... أن الإخاء وأن العدل مغزاه أرواحنا تتلاقى فيه خافقة ... كالنحل إذا يتلاقى في خلاياه دستوره الوحي والمختار عاهله ... والمسلمون وإن شتوا رعاياه (٢) وتحقق في عهد الرسول ﷺ وعهد الصحابة ﵃ حديث رسول الله ﷺ «ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى» (٣). أي مضاهاة بين المجتمع الإسلامي السليم التكوين، وبين الجسد البشري الواحد يمكن أن تكون أكثر أحكاما ودقة رؤية، ومن هذه المضاهاة والماثلة التي دل عليها الحديث. إن ردود الفعل لعوادي الألم وسهام الأذى في الجسم الواحد، تكون

стр. 56

عفوية فورية، وتظل دائمة ماثلة، ما دام العضو المتألم يقاسي الألم ويشعر بالأذى. ذلك هو المجتمع المؤمن المسلم، الذي من دلائل إيمانه وصحة إسلامه، تواده وتعاطفه وتراحمه، ذلك هو الالتحام الحقيقي بين أفراد الأمة المسلمة الأمة التي أنشأها الرسول ﷺ وتبعه في السهر عليها خلفاؤه الراشدون من بعده فهذا التلاحم قد أورث المسلمين وضعا فذا فريدا دام مئات السنين، فلا تحل نكبة بطرف من أطراف المسلمين، إلا ويفزع المجتمع المسلم لذلك الحدث ويتألم ويسهر لذلك ويقدم من نفسه وماله ووقته الشيء الكثير، ولم يعرف للراحة طعما، إلا بزوال النكبة الحاصلة على جزء منه، وبراءة ذلك العضو المصاب كما هو شأن الجسد البشري، وهذا التصرف والموقف، من أشد ما كان يغيظ أعداء الإسلام ويرهبهم، جميعا، ذلك أنهم يجدون أنفسهم في مواجهة أمة قوية متماسكة متناصرة تدافع عن الجزء منها كما تدافع عن الكل، وتعتبر ما يصيب الجزء واقعا على الكل ولكن هذه الصفة وتلك السمة الفريدة التي تميزت بها هذه الأمة، أصابها الضعف والوهن عند قلة قليلة من المسلمين، وماتت موتا تاما عند معظمهم، وذلك حين أصيبت هذه الأمة بالشلل المزمن، نتيجة جرعات من وسائل التحدير حقنها الأعداء في جسمها أدى إلى فقدان الإحساس لديها، بما يعانيه أفرادها من ويلات ونكبات، لقد تم ذلك بمكر خبيث وخطة مرسومة من أعداء الإسلام، اتفق في تنفيذها علينا كل من الشرق والغرب، وذلك لما تتمتع به بلاد المسلمين من كونها منبع الرسالة الخالدة، وتحتوي على أهم مصادر الثروة في العالم، ولا يتسنى لهم الحصول على ذلك إلا بزرع أسباب الفرقة بين المسلمين وإضعاف روح الموالاة بينهم. فخرج علينا الغرب بنظرية عبادة المادة والشهوة والشهرة فمن أجلها يوالى وعليها يعادى، فالمال هو الذي يحرك حب الإنسان وبغضه في

стр. 57

المجتمع الرأسمالي، وقد سرت إلينا عدوى هذه الأفكار الأثمية نتيجة الاختلاط مع الكفار على أسس وتصورات غير إسلامية، كما تسربت إلينا أيضا عدوى الأفكار الشيوعية وحيث يعطي الفرد في المجتمعات الشيوعية ولاءه للنظام الحاكم، فهو عبد مملوك للدولة، وآلة صماء في يدها يواليها قهرا، ويعادي من عاداها جبرا، فتأثرت بلاد المسلمين بتلك النزعة، فصار معظم المسلمين يوالون الدولة أو الحزب الحاكم أو الشخص الحاكم موالاة عمياء، إما بدافع المصلحة الشخصية، أو خوفا من سلطة المتسلطين وطغيان الطغاة الظالمين، إن معظم المسلمين اليوم، لا يتحملون من واجب الموالاة والمعاداة في الله شيئا، نظرا لأنهم يعيشون في عزلة تامة عن دينهم وما يوجب عليهم من حب وبغض وموالاة ومعاداة. فمن المسلمين من شغله ماله ومنصبه وجاهه عن الموالاة في الله والمعادة فيه، فصار من أجل هذه الأشياء يوالي وعليها يعادي، وكم رأينا من الإحن والخصومات والعدوات بين ذوي القربى من أجل حطام الدنيا ومتاعها الفاني. وهناك فئة ثانية توالي أهل الرذائل وتعادي أهل الفضائل، وهي فئة تعبد الأهواء والشهوات، فهي توالي كل من يوصلها إلى المرأة المبتذلة، والكأس المترعة، والأصوات الماجنة، والفئة الثالثة وهي الأكثر خطورة من هذه وتلك، أولئك الذين اتخذوا الرياضة إلها لهم من دون الله، فعليها يوالون ومن أجلها يعادون فقد أحبها البعض أكثر من حبه لله ورسوله والمؤمنين وهذا شرك أكبر قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ) [البقرة: ١٦٥] وقد يظن البعض أن هذا الكلام تهجم على الرياضة واستخفاف بها، والحقيقة أنني لست ضد الرياضة كوسيلة تقوية، وتهذيب، وترويح، ولكنني ضدها كوسيلة

стр. 58

لإلهاء الشعوب واستعباد العقول، وتبديد الثروات، وإهدار الطاقات، فيما لا طائل تحته. وقد شغلت هذه اللعبة اليهودية (١) أبناء المسلمين عن دراسة القرآن الكريم، وعن آحاديث الرسول المصطفى العظيم، وعن التحصيل العلمي في مختلف جوانب المعرفة كما شغلت الناس عن متاجرهم ومصانعهم ومزارعهم وعن مهن أخرى لا تعد ولا تحصى، كان من الممكن أن يستثمر هذا الوقت الطويل فيها، فالأمة بحاجة إلى كل شاب في المجتمع، كي يكون عضوا فعالا لا يهدر دقيقة فضلا عن ساعات طوال في سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، لقد وصل الهوس والغلو والتنطع عند أصحاب الرياضة، إلى درجة الجنون والعبادة لهذه اللعبة، فقد اعتزل كثير منهم صلاة الجمعة والجماعة، وانقطع للرياضة صياحا وصفيرا في الملاعب، واعتكافا في مقر النادي، وجدلا سقيما عقيما مع خلانه في السهر، وزملائه في العمل، وقراءة للصحف والمجلات الرياضية، واستماعا للمباريات المحلية والدولية والإقليمية المرئية منها والمسموعة، بل لقد وصلت الموالاة والمعاداة بين اللاعبين إلى درجة الكفر والعياذ بالله وذلك أنه إذا كان في أحد النوادي من أعضائه أو من اللاعبين شخص كافر، فإن المنتسبين إلى هذا النادي على مختلف المستويات يحبون ويناصرون ويساعدون هذا الكافر بالقول والعمل، ويمنحونه خالص مودتهم القلبية، بينما يكنون أعظم الحقد والغل والاستخفاف والإزدراء للمسلم الذي ينتمي إلى نادي آخر، ولو كان شابا نشأ في عبادة الله، ويعرفون عن حياة اللاعبين المحليين والإقليميين والدوليين أكثر مما يعرفون عن حياة العشرة المبشرين بالجنة. فكيف يدعي الإسلام من هذه حالهم والله يقول: (لا تَجِدُ قَوْمًا

стр. 59

يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) [المجادلة: ٢٢]. فإذا كان الآباء والأبناء الكفار المحادون لله ورسوله، لا تجوز مودتهم فكيف بهؤلاء الكفار الذين هم أعداء لله ورسوله والذين آمنوا أمثال (بيليه وريفيليون، وتوماس، وغيرهم من أدوات الكفر ومخالبه) لقد أصبحت فرحة أعضاء النادي بانتصارهم الموهوم المزعوم أعظم مكانة وأجل قدرا من الانتصار على اليهود في فلسطين، وعلى الشيوعيين في أفغانستان، وعلى الصليبين في ارتريا والفلبين، كما أن هزيمتهم، أما أحد النوادي أشد وقعا من اغتصاب تلك الأماكن وتشريد ملايين اللاجئين من المسلمين، إن السواد الأعظم من المسلمين قد انحرفوا بواجب الموالاة والمعاداة عن منهجه الصحيح وبدأوا يوالون ويعادون في قضايا سطحية ساذجة تافهة هزيلة، أشبه ما تكون بتصرفات صبيانية، وهذا النمط من التفكير، من الأسباب التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه من ذلة ومهانة، وازدراء، وقطيعة (١). ونحن أمة قد شرفها الله بحمل رسالة الإسلام، وإبلاغها للناس كافة وهذا يتطلب منا جهدا وتضحية والتزاما وجدية في الحياة حيث نختلف في غايتنا ووسيلتنا عن الأمم العابثة الهابطة الغارقة في أوحال الشهوات والشبهات. لقد حول أعداء الإسلام قضية الموالاة والمعاداة عن مسارها الصحيح

стр. 60

إلى مسار تافه هزيل، فقد أفرغت قلوب الأجيال إلا من عصم الله من حب الله ورسوله، وحب أصحابه، والتابعين لهم بإحسان، ومن حب العلماء العاملين وكتب العلم، وحب القوة وأسبابها الحقيقية إلى حب أعداء الله، وما يخدم أعداء الله من تافه القول وساقط العمل. إنه لا يجوز ولا يصح من المسلم أن يحب لعبة من اللعب، ولا كتاب من الكتب، ولا شخصا، أو جماعة من الناسن ولا نظاما من الأنظمة، ولا مذهبا من المذاهب ولا عملا من الأعمال، ما لم يكن ذلك موافقا لما يحبه الله ورسوله، ومستمدا محبته من محبتها، قال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) [آل عمران: ٣١، ٣٢]. فالمسلم بحكم إيمانه بالله تعالى لا يحب إذًا أحبّ إلا في الله، ولا يبغض إذًا أبغض إلا في الله، لأنه لا يحب إلا ما يحب الله ورسوله، ولا يكره إلا ما يكره الله ورسوله، فهو إذًا يحب الله ورسوله بحب ويبغضهما ببغض ودليل هذا الآية السابقة وقول الرسول ﷺ «من أحب لله وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله فقد استكمل الإيمان» (١). وبناء على هذا فجميع عباد الله الصالحين يحبهم المسلمين ويواليهم وجميع الخارجين عن أمر الله ورسوله يبغضهم ويعاديهم. إن الواجب علينا إذا كنا مسلمين صادقين، أن نرجع إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وأن نضع الخطط التي تتفق مع أهداف ديننا وطموحات أمتنا، وأن نوالي ونعادي وفق مفهوم الإسلام وتصوره الصحيح، بدلا من الموالاة والمعاداة على سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا.

стр. 61

فهل يستيقظ النائمون وينتبه الغافلون والمخدوعون من هذه الأمة أم (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾؟ [الحجر: ٧٢].

стр. 62

الفصل الأول: منزلة الموالاة والمعاداة في الشريعة الإسلامية وفي هذا الفصل عشرة مباحث هي: المبحث الأول: الموالاة والمعادة في القرآن الكريم. المبحث الثاني: الموالاة والمعاداة في السنة النبوية. المبحث الثالث: أقوال السلف الصالح في الموالاة والمعاداة. المبحث الرابع: ارتباط الموالاة والمعاداة بالشهادتين. المبحث الخامس: الموالاة والمعاداة في الله قول وعمل. المبحث السادس: حكم موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين. المبحث السابع: مكانة الموالاة والمعاداة في الإسلام. المبحث الثامن: موالاة أهل الحق تستلزم معاداة أهل الباطل. المبحث التاسع: صلة المداهنة والمداراة بالموالاة والمعاداة. المبحث العاشر: تغيير المسمَّيات لا يغير حقيقة المسمى وحكمه.

стр. 63

المبحث الأول: الموالاة والمعاداة في القرآن الكريم إن الإسلام دين سلام، وعقيدة حب ووئام، ونظام يستهدف أن يعيش العالم كله بظلِّه، وأن يقيم فيه منهجه، وأن يجمع الناس تحت لوائه إخوة متحابين ومتعاونين، وليس من عائق يحول دون ذلك سوى عدوان أعدائه عليه وعلى أهله، فكيف يتم لقاء أو مودة مع من كفروا بالله وبما جاء به رسول الله ﷺ من حق؟ كيف يتم لقاء أو محبة مع من تجرءوا على ذات الله فوصفوها بأوصاف لا تليق بأبسط الناس فضلاً عن القوي العزيز؟ كيف تتم مودة وموالاة مع من نصَّبوا أنفسهم أعداء للحق وأهله عبر كل زمان ومكان؟ ماذا أبوا بعد هذه الجرائر الظالمة للموالاة والمودة من سبب؟ إن المسلم مطالب بالسماحة مع أعدائه، ولكنه منهي عن الموالاة لهم ومناصرتهم، والتحالف معهم لأنه مهما أبدى من السماحة والمودة فلن يرضى عنه الأعداء، حتى يقضوا على دينه، وحتى ينسلخ من عقيدته

стр. 64

ومن السذاجة، أن يظن شخص أنه يمكن الجمع بين رضا الله، ورضا الكفار معا. إن هناك فئة من الناس تحاول كسر حاجز التضاد بين الإيمان والكفر، فتدعو تارة إلى الجمع بين الحق والباطل باسم التسامح، وحسن المعاملة وتارة تحرف بعض النصوص كي توافق هوى في نفسها، ولكي تمزج المسلمين مع غيرهم حتى يذوبوا في مستنقع الكفر العميق، وتدعو تارة أخرى باسم التقريب بين الأديان، والتعايض السلمي إلى الأخذ من كل دين بطرف، وتارة تدعو إلى طرح الأديان جانبا واتخاذ مبدأ العلمانية في إدارة الدول والشعوب، بحجة تجنب غائلة الحروب بين أهل الأديان. ونحن كمسلمين لن نرضى بغير منهج الإسلام في التعامل مع الناس، لأن ذلك شرط من شروط صحة إسلامنا، فلن نكون مسلمين حقيقة حتى نطبق أحكامه على أنفسنا، ومن هذه الأحكام ما يتعلق بتعاملنا مع غيرنا من الناس. والقضية التي نختلف عليها مع غيرنا هي قضية الإيمان بهذا الدين فمن آمن أحببناه وواليناه، ومن كفر وفسق أبغضناه وعاديناه، إن انقطاع رابطة العقيدة الإسلامية، وآصرة الإيمان بين المسلم والكافر، موجب للمفاصلة الحاسمة الجازمة التي لا تستبقي شيئا من آواصر المحبة ووشائج المودة والقربى مع من كفروا بالله (١). إن السواد الأعظم من المسلمين اليوم قد ارتدوا عن دينهم بسبب موالاتهم للكفار وتوليهم لهم بالقول والفعل والاعتقاد، حيث نجد كثيرًا من مدعي الإسلام يمجدون مبادئ الكفر وأنظمته رغبة أو رهبة، ويستهزئون بشعائر الإسلام في أقوالهم وأفعالهم، ويحملون السلاح دفاعا عن الباطل،

стр. 65

وأهله، وحربًا للحق وأصحابه، ومع كل هذا الإجرام ينظرون إلى أنفسهم وينظر البعض إليهم أنهم من عداد المسلمين الصالحين. ولهذه الفئة نظائر في حياة الرسل والدعاة إلى الله في كل زمان ومكان، فأهل النفاق موجودون قديما وحديثا، وهم أول من يسير على هذا الخط المنحرف، ثم يتبعهم الدهماء من الناس إن لم يجدوا من يرشدهم أو يوجههم إلى الحق من عالم عامل بعلمه، أو صاحب حكم عادل في حكمه، والله يبتلي الناس في مثل هذه الأحوال، ليرى وهو العالم بكل شيء، من يقدم موالاته على موالاة الكفار والمرتدي، ومحبته على محبتهم فيرفع من استغنى بمحبة الله عن محبة أعدائه إلى الدرجات العالية، ويخفض من تعلق قلبه بمحبة غير الله إلى قاع الهاوية وشفير جهنم وقد انقسم الناس في هذا الزمان في تعاملهم مع الكفار إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: قسم ناصر لدين الله مجاهد في سبيل الله موال لأوليائه، معاد لأعدائه، وهم القليلون عددا الأعظمون أجرا عند الله. القسم الثاني: قسم خاذل لأهل الإسلام، تارك لمعونتهم معتزل عن الكفار. القسم الثالث: قسم خارج عن الإسلام بمظاهرة الكفار وموالاتهم ومناصرتهم بالقول والفعل والاعتقاد، ومعاداة أهل الحق ومحاربتهم (١). فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من أعان صاحب باطل ليدحض بباطله حقًّا فقد برئت منه ذمة الله وذمة نبيه» (٢). ونظرًا لتداخل أنواع الموالاة التي يحكم على صاحبها بالكفر مع أنواع الموالاة التي يأثم فاعلها بما دون الكفر، تبعًا لاختلاف النية والحال والمحل الذي تحصل به الموالاة للكفار، فقد أجملنا الأدلة الدالة على

стр. 66

تحريم موالاة الكفار ووجوب موالاة المؤمنين حسب ترتيب السور والآيات في القرآن الكريم: الدليل الأول: قال تعالى: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ) [البقرة: ١٠٩] وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ) [آل عمران: ١٠٠] وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ) [آل عمران: ١٤٩] ففي الآية الأولى من الثلاث المتقدمة بيان من الله لما تكنه قلوب أهل الكتاب من طوية خسيسة وحسد بغيض تجاه الإسلام والمسلمين، فاضت به ألسنتهم وانبعثت منه دسائسهم في الماضي والحاضر، وما تزال تلك صفتهم لا تتغير، ولذلك نبهنا الله إلى أخذ الحذر منهم، وعدم الاغترار بمعسول الألفاظ التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وهم من مكرهم بنا أنهم يتظاهرون بالصداقة التي تجرنا إلى موالاتهم ومتابعتهم فتحصل الردة عن الحق إلى الضلال، وهذا هو أهم مبتغاهم، وما يودونه من كل مسلم (١). وفي الآية الثانية، نداء من الباري جل وعلا إلىالمؤمنين يستثيرهم باسم الإيمان إلى عدم طاعة أهل الكتاب، أو الاستجداء من مناهجهم وأوضاعهم، ونظمهم الخبيثة القاصرة. إن هذا التصرف لا يصدر إلا عن هزيمة داخلية، وشعور بالنقص وشك في عدم كفاية هذا الدين، وقدرته على قيادة الحياة وتنظيمها والسير بها إلى طريق الارتقاء، فإذا وجد مثل هذا الفهم والتصور الخاطئ عند

стр. 67

بعض المسلمين فلا شك أن أعداء الإسلام سيستغلون تلك الثغرة بمكر وخبث ودهاء، من أجل الغاية التي تؤرقهم وهي قيادة الجماعة المسلمة كلها إلى الكفر والضلال، فإن لم يستطيعوا تحقيق ذلك بالاتصال المباشر، جندوا أتباعهم من المنافقين والمخدوعين الذين ينتسبون إلى الإسلام زورا وبهتانا، ليعملوا على تطويع هذه الأمة لأعدائها، لأن الموالاة والطاعة للأعداء لا بد أن يسبقها محبة لهم، ولما يصدر عنهم، وهذا ما حذرنا الله منه في هذه الآية (١). وفي الآية الثالثة والأخيرة من الآيات المتقدمة، تحذير للمؤمنين من طاعة الذين كفروا، فالمؤمن إما أن يكون مستمرا على طريق الإيمان في جهاد الكفر والكفار، وعداوتهم، وبغضهم وإما أن يكون مرتدا على عقبيه كافرا والعياذ بالله ومحال أن يقف المسلم سلبيا بين الإسلام والكفر، فيحافظ على إسلامه، وينال رضا الكفار والسلامة من أذاهم، إنه قد يخيل إلى البعض، أنه يستطيع، أن ينسحب من المعركة بين الإسلام والكفر، وأن ينضم إلى القوي المنتصر في النهاية، فإن كان ذلك المنتصر كافرا سالمه وأطاعه وخضع له، وهو مع هذا كله يعتقد أنه محتفظ بدينه وعقيدته، وهذا وهم وضلال كبير، إن الذي لا يكافح الشر والكفر والضلال، ويقف منه موقف العداء لا بد أن يتقهقر ويرتد حتى يركن إلى أعداء الله، ويستمع إلىوسوستهم ويطيع توجيهاتهم رجاء الحماية والنصرة عندهم، فيصبح من الذين استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وبذلك يكون من المرتدين الخاسرين (٢). الدليل الثاني: قول الله تعالى: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) [البقرة: ١٢٠].

стр. 68

إن الله يخبرنا في هذه الآية على جهة التأكيد والدوام، أن اليهود والنصارى لن يصطلحوا معنا، ولن يسالمونا أو يرضوا عنا، حتى نتبع باطلهم، نحذو حذوهم في شركهم وكفرهم وانحلالهم، فمن الغباء والجهل، بل من الكفر، أن يشك الإنسان في أخبار الله في طبيعة العلاقة لكل من اليهود والنصارى معنا، إن من يظن أنه يمكن أن يقع خلاف ما أخبر الله به في شأن اليهود والنصارى يكون غير مسلم، إنه لا يتصور من مسلم أن يعتقد أنه من الممكن أن يتحول اليهود والنصارى إلى أناس مسالمين موادعين، مناصرين لنا على الحق، إن هذا التصور الخاطئ والفهم الساذج لا يصدر إلا عن إنسان مخدوع بأضاليل اليهود والنصارى، معرض عن تلاوة كتاب الله وتدبر آياته. إن اليهود والنصارى، في معركة مستمرة مع المسلمين كما أخبر الله ونحن نرى الدليل عليها في كل زمان ومكان، إنها معركة بين الجماعة المسلمة، وبين هذين المعسكرين الكافرين، ولكن أعداء الإسلام زيادة في تضليلنا يرفعون أعلاما شتى، في خبث ومكر، وتورية حيث لم يعلنوها حربا معلنة باسم الديانة اليهودية، أو النصرانية، ضد الإسلام خوفا من رد الفعل عند المسلمين، بل أعلنوها باسم الأرض تارة، وباسم الاقتصاد تارة أخرى وباسم السياسة والمصالح القومية مرات أخرى. وألقوا في روع المخدوعين منا أن الحرب باسم الدين حكاية قديمة لا معنى لها، وما أدرك أولئك السذج أن الاستعمار الذي مزق شمل الأمة والبلاد الإسلامية، لم يكن هدفه الأول الاقتصاد، بقدر ما كان تتمة لما عجزت عنه الحروب الصليبية، في عهد صلاح الدين، ولكنهم في هذه المرة لم يجدوا قائدا صالحا يدحرهم كما دحرهم صلاح الدين الأيوبي، بل وجدوا وللأسف الشديد بين المسلمين من يعين الغاصب على اغتصابه والظالم على ظلمه فلا حول ولا قوة إلا بالله (١).

стр. 69

الدليل الثالث: قول الله تعالى: (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ) [البقرة: ١٤٥] فلو وافقهم النبي ﷺ على دينهم ظاهرا من غير اعتقاد القلب، مداهنة لهم، وخوفا من شرهم لكان بذلك بموجب تعبير القرآن الكريم من الظالمين. فكيف حال من أظهر الإعجاب والتمجيد للكفار، ودعا إلى ما هم فيه من كفر، وأنهم أهدى من الذين آمنوا سبيلا؟ ألا يكون ذلك ظالم لنفسه ولأمته بدعوتها إلى الكفر والضلال؟ إن الطريق واضح والصراط مستقيم وليس هناك مقارنة بين الأخذ بالعلم اليقيني الذي جاء من عند الله، وبين اتباع أهواء أهل الضلال والانحراف، وتوجيه الخطاب إلى شخص رسول الله ﷺ يحمل إيحاء قويا إلى من وراءه من المسلمين أن لا ينخدعوا في غمرة الدسائس اليهودية والصليبية، وحملات التضليل، فيخطبوا ود اليهود والنصارى فإن ذلك سيجعلنا من الظالمين، وما أجدرنا نحن المسلمين اليوم أن نستمع إلى هذا التحذير العظيم من الرب الكريم، فنتعامل مع الكفار في شئون دنيانا، بحذر ووعي ويقظة تامة، ونقاطعهم في شئون ديننا مقاطعة تامة، فلا نستفتي المستشرقين من اليهود والنصارى والشيوعيين والكفار أجمعين في أمر ديننا، ولا نتلقى عنهم تاريخنا، ولا نرسل إليهم أبناءنا يتلقون عنهم علوم الإسلام التي خلطوها بمذاهبهم الباطلة، والتي يأتون ببعض نصوصها في وضع مبتور كي يحققوا أهدافهم في الدس والتكفير للمسلمين، وقد عاد إلينا كثير من أبناءنا مدخولي العقل فاقدي الضمير (١). الدليل الرابع: قول الله تعالى: (وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ

стр. 70

حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة: ٢١٧] ففي هذه الآية تقرير صادق من العليم الخبير يكشف عن الإصرار الخبيث والعداوة المتأصلة في نفوس أعداء الإسلام، لهذا الدين وأهله، في كل جيل وفي كل أرض. إن وجود الإسلام بذاته، هو غيظ وكمد ورعب لأعداء الله، وأعداء الجماعة المسلمة في كل حين، فهم يعرفون ما في الإسلام من القوة والنزاهة والعدل بحيث يخشاه كل طاغ، ويرهبه كل باغ، ويكرهه كل مفسد، ذلك أنهم لا يأمنون على باطلهم وبغيهم وفسادهم، وفي الأرذ جماعة مسلمة تؤمن بهذا الدين وتتبع هذا المنهج، وتعيش بهذا النظام المميز الفريد (١)، ولهذا فهم لا يزالون يقاتلون المسلمين حتى يردوهم عن دينهم إن استطاعوا ولم يرخص الله في موافقتهم خوفا على النفس والمال، بل أخبر أن من وافقهم، بعد أن قاتلوه ليدفع شرهم، أنه مرتد، فإن مات على ردته بعد أن قاتله المشركون فإنه من أهل النار الخالدين فيها، فكيف حال من وافقهم من غير قتال، ألا يكون أولى بعدم العذر وأولى بحكم الردة والكفر (٢). الدليل الخامس: قال تعالى: (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) [آل عمران: ٢٨] فنهى المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء وأصدقاء، وأصحابا، من دون المؤمنين، وأخبر أن من فعل ذلك فليس من الله في شيء (٣) قال ابن جرير الطبري (٤) في قوله تعالى: (فَلَيْسَ مِنَ اللهِ

стр. 71

فِي شَيْءٍ) يعني فقد برئ من الله، وبرئ الله منه، بارتداده عن دينه، ودخوله في الكفر (١) اهـ. ويقول القرطبي: هذا المعنى أي ليس من حزب الله ولا من أوليائه في شيء، وهو إذا من حزب الشيطان وأنصاره (٢) اهـ، وأما قوله تعالى: (إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) أي إلا أن يكون المسلم مقهورا معهم، لا يقدر على إظهار عداوتهم، لتعذيبهم له، فيظهر لهم الرضا بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان بالله، ممتلئ بالعداوة والبغضاء لأعداء الله. والتقية لهم لا تجيز مشايعتهم على كفرهم، ولا إعانتهم على مسلم، وقيل التقية منسوخة، وإنما كانت أول الإسلام (٣) والراجح أنها باقية ولكنها لا تصح إلا مع غلبة الظن في القتل أو القطع أو الإيذاء العظيم وسوف نذكر ذلك مفصلا إن شاء الله تعالى في موضوع الإراه في الفصل الرابع من الباب الثاني، والذي نخرج به من هذه الآية، أن التعاون مع أعداء الله وأعداء المسملين خيانة عظمى لله، ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، لا تصدر إلا عن صاحب نفس دنيئة وطبع لئيم، ومنافق حقود. الدليل السادس: قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً

стр. 72

مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) [آل عمران: ١١٨]. إن هذه الآية تحذير صارخ وبلاغ عظيم للجماعة المسلمة أن لا تتخذ من أعداء يتظاهرون للمسلمين في ساعة قوتهم وغلبتهم بالمودة والصداقة، وهم لا يريدون في الحقيقة للمسلمين إلا الاضطراب والخبال، ولا يقصرون في زرع الفرقة بين المسلمين كلما واتتهم الفرصة في نثر الشوك في طريق الدعوة إلى الإسلام، فهم يسعون جاهدين في الكيد والدس للإسلام وأهله عبر وسائلهم المتعددة، ولكن المسلمين وللأسف الشديد في غفلة عن أمر ربهم، وعن أعدائهم، فما يزال معظمهم مخدوعًا في أعداء الله. وما يزال البعض من مدعي الإسلام، يفضون إلى أعداء الله بالمودة، ويأمنونهم على أسرار المسلمين، ويتخذون منهم بطانة، وأصحابا وأصدقاء. إن هذه الآية تبصرنا بأعدائنا الحقيقيين، الذين لا يخلصون لنا أبدا ولا تغسل أحقادهم مودة المسلمين لهم، لأنهم أعداء عقيدة لا ترجى مودتهم (١) يقول الشاعر: كل العداوات قد ترجى مودتها ... إلا عداوة من عاداك في الدين وها نحن نشاهد مصداق هذه الآية فيما مضى وفيما هو حاضر مشهود، إن كل تقارب مع الكفار وتقريب لهم، يورث المسلمين عنتا ومشقة، وإنه بعد هذا كله لا يقرب الكفار أو يواليهم من دون المسلمين، إلا سفيه أو مجنون، أو جماعة من السفهاء والمجانين حيث يقول تعالى في آخر هذه الآية (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) فمن خالف أمر الله

стр. 73

بائتمان وتقريب من خونهم الله، فهو غير عاقل، أو كافر جاحد عن عمد وإصرار. الدليل السابع: قول الله تعالى: (أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) [آل عمران: ١٦٢] قال الطبري (١): أي أفمن اتبع رضوان الله على ما أحب الناس وسخطوا، كمن باء بسخط من الله بسبب مناصرته للشرك والوقوف مع المشركين (٢) اهـ. وعلى هذا فاتباع رضوان الله يكون بموالاة أوليائه، ونصرتهم ومعاداة أعدائه وبغضهم، ومحاربتهم. الدليل الثامن: قول الله تعالى: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا) [آل عمران: ١٦٢]. يخبر تعالى بهذه الآية أن المنافقين والكفار، يودون كفر المسلمين كما كفروا هم بذلك، ومودتهم هذه ليست مودة قلبية مجردة عن العمل، بل إنها مودة تقتضي العمل والسعي والتخطيط لتكفير المسلمين، وهذا ما هو حاصل فعلا في عصرنا الحاضر، فبلاد المسلمين ممتلئة بالجمعيات السرية، والظاهرة المدعومة من اليهود والنصارى والشيوعيين، والتي تعمل على قدم وساق، لإخراج العباد من عبادة رب العباد، إلى عبادة البشر بعضهم لبعض، وهم يسلكون في ذلك وسائل شتّى وطرقا متعددة، ظاهرة وخفية، ونحن نشاهد اليوم جوانب عظيمة من مكرهم، ونقاسي آلامًا جمة.

стр. 74

من جرائمهم، يساعدهم في ذلك فئة حقيرة ذليلة دنيئة خسيسة، باعت دينها بعرض من الدنيا، وتلك الفئة هي فئة المنافقين. فعلى كل مسلم غيور على دين الله، أن يعرف أماني أعدائه وأهدافهم على الإسلام والمسلمين، فلا يمكنهم من تحقيق ذلك، وأن يمتثل أمر الله بعدم اتخاذهم أولياء، فمن اتخذهم أولياء فقد عصى الله واستحق عذابه (١). إن الإسلام يتسامح مع مخالفيه من الكفار الصرحاء الذين يخالفونه جهارًا نهارا، ولكنه لا يتسامح هذا التسامح مع من يقولون كلمة لا إله إلا الله بأفواههم وتكذبها أفعالهم، حيث ينطقون شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ثم يبقون في دار الكفر يناصرون الكفار ويوالونهم مع قدرتهم على الهجرة، إن الرضا عن مثل هذا الوضع ليس تسامحا إنما هو تميع، فالإسلام دين التسامح، ولكنه يأبى التميع للمنتمين إليه إنه تصور جاد للحياة، ونظام جاد في تعامله مع الناس، والجد لا ينافي التسامح ولكنه ينافي التميع، وإذا كان الله قد نهى عن موالاة المسلمين الذين يقيمون مع الكفار وأمر بقتلهم حيث وجدوا، ونهى عن اتخاذهم أولياء ونصراء، فما ظنك أيها الأخ الكريم بمن يوالي الكفار وهو بين المسلمين؟ أليس هذا الصنف أولى بهذا التهديد والوعيد ممن يداهن الكفار وهو بينهم وفي بلادهم، إن في هذه الآية بيان يرفع صفة التميع عن المسلم في اعتقاده وعمله على حد سواء (٢). الدليل التاسع: قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ

стр. 75

وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُولَئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا) [النساء: ٩٧ - ٩٩]. وقول الله تعالى: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ) [النحل: ٢٨، ٢٩]. ففي هذه الآيات إخبار من الله أنه سوف يسأل كل من انحاز إلى الكفار، أو تخلى عن المسلمين واعتزلهم في أي فريق كنتم؟ أفي فريق المسلمين؟ أم في فريق المشركين؟ فاعتذر البعض عن كونهم ليسوا في فريق المسلمين بسبب الاستضعاف، فلم تعذرهم الملائكة، وقالوا لهم (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) فكل من لم يكن مع جماعة المسلمين فهو مع المشركين، ما عدا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فهؤلاء يرجى لهم العفو من الله في قبول عذرهم والمغفرة عن تقصيرهم وهناك من اعتذر بأنه ما عمل سوءا حيث ترك كلا من المسلمين والمشركين، واعتزل بنفسه عن الفريقين مع علمه أن المسلمين على حق، فعد القرآن كلا من الاعتذارين الاستضعاف والاعتزال غير مقبول، وأن مثل هذا الفعل موجب لدخول النار وعذابها، حيث يقتضي واجب الأخوة في الإسلام، أن يكون المسلم مع إخوانه المسلمين، كالعضو مع الجسد، يتأثر بكل مؤثر يصيب الجسم من الداخل أو الخارج، فإذا كان هؤلاء لم يعذروا فكيف بمن أظهر لأهل الشرك الموافقة لهم، والدخول في طاعتهم، فآواهم ونصرهم، واتبع سبيلهم، وخطًأ أهل التوحيد وسبهم، واستهزأ بهم في أقوالهم وأفعالهم، ومظاهرهم، التي هي من شعائر
следующие страницы →