← Акыда

Акыда · id 12812

الموالاة والمعاداة في الشريعة الإسلامية

محماس الجلعود

Полный текст (908 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ـ[الموالاة والمعاداة في الشريعة الإسلامية]ـ المؤلف: محماس بن عبد الله بن محمد الجلعود الناشر: دار اليقين للنشر والتوزيع الطبعة: الأولى، ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م عدد الأجزاء: ٢ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مذيل بالحواشي]

стр. 2

المقدمة الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب وجعله هاديًا ونذيرًا، ومرشدا لمن تمسك به واعتمد عليه في موالاته ومعاداته، فهو له سراجٌ منيرٌ، وأوجب فيه مقاطعة أهل الشرك ومن كان لهم مؤيدا ونصيرا. والصلاة والسلام على أشرف خلقه وخيرة رسله محمد ﷺ الذي مزق الله بمبعثه ظلام الكفر، وجعل من هديه مباينة الشرك والمشركين جملة وتفصيلاً. وعلى آله وأصحابه الذين تحابوا في الله حبًّا أرغموا به أنوف الأعداء، وجاهدوا به الكفار والمنافقين جهادًا كبيرًا وتميزوا به عن أهل الضلال، فلم يرضوا منهم بأنصاف الحلول سبيلاً. وبعد: فإن قضية الموالاة والمعاداة في الشريعة الإسلامية قد أصبحت من القضايا المهملة في حساب كثير ممن ينتمون إلى الإسلام في العصر

стр. 3

الحاضر، ظنا منهم أن تلك القضية ليست من قضايا العقيدة والعبادة، لذلك وضعوا أيديهم بأيدي الكفار، ومنحوهم غاية الحب والمودة والمناصرة، ودافعوا عنهم باللسان والسنان، في الوقت الذي خذلوا فيه أهل الإيمان، وأذاقوهم ألوانا من العذاب. وهناك دعوة يروِّج لها أعداء الإسلام، ويهذي بها المنافقون والمرتدون والساذجون من مدعي الإسلام، وتلك هي دعوة التقريب بين الأديان، أي بين الرسالات الثلاث: الإسلام، والنصرانية واليهودية، تحت شعار «الدين لله والوطن للجميع». فقد أصدر مركز الدراسات والأبحاث الاقتصادية والاجتماعية التابع للجامعة التونسية كتاب الملتقى الإسلامي المسيحي وجاء في مقدمة هذا الكتاب الذي كتبه عبد الوهاب بوحدبية ما نصه لقد عقد هذا الملتقى الإسلامي المسيحي الذي دعونا إليه بقرطاج، والحمامات والقيروان في الفترة من ١١ إلى ١٧ نوفمبر سنة (١٩٧٤) وقد ساهم هذا اللقاء في بناء صرح التفاهم والإخاء بين الأديان (١). ونحن نريد أن نذكر هؤلاء وأمثالهم بما قرره الله في كتابه الكريم من أنه لا لقاء بين الحق والباطل أبدا، وأن أعداء التوحيد في كل زمان ومكان لا يتغيرون، ولا يلتقون مع الحق إلا عندما يذعنون له ويتخلصون من الباطل قال تعالى: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) [البقرة: ١٢٠]

стр. 4

فقد اقتضت حكمة الله ، أن يبتلي خيار هذه الأمة بشرارها، ومؤمنيها بفجارها، وعلماءها بجهالها، وهذه سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً. ولذلك فإن حاجة المسلمين ماسَّة في هذا العصر، إلى أن يعودوا إلى تحقيق الموالاة فيما بينهم، والمعاداة مع أعدائهم، حيث قد تداعت عليهم قوى الكفر والظلم والطغيان من كل حدب وصوب، وتنادى الجميع للقضاء على هذا الدين بوسائلهم المختلفة، ولن يقف في وجه هذه الحرب الصليبية اليهودية الوثنية، المتواطئة مع المرتدين والمنافقين، وسفهاء المسلمين، سوى اتحاد المسلمين وتلاحمهم صفًا واحدًا، كما قال تعالى: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) [الصف: ٤]. وكما قال رسول الله ﷺ «مثل المؤمنين في توادهم وتلاحمهم، وتعاطفهم، مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (١). ولا شك لديَّ في أن القيام بمهمة البحث في هذا الموضوع على وجه الدقة والكمال أمر يحتاج إلى قدرة لا أدعيها لنفسي ومران أفتقده ولكنها المحاولة، وحسبي منها أن أبذل ما في وسعي وطاقتي من جهد من أجل إبراز الصورة المثلى التي رسمها القرآن الكريم والهدي النبوي وتناولها علماء الإسلام والأعلام بالتوضيح والبيان فيما تفرق من مباحثهم ودراساتهم في هذا الموضوع. فإن أحسنت فما توفيقي إلا بالله، وأشكره على ذلك،

стр. 5

وإن أخطأت، أو قصرت فما تجاوزت قدري «كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون» (١). فأستغفر الله، وأتوب إليه، وحسبي أني كنت حريصًا أن لا يقع ذلك مني وأتوسل إليه في طلب عفوه وغفرانه، بحسن النية وقصد الثواب إنه هو الغفور الرحيم المؤلف محماس بن عبد الله بن محمد الجلعود

стр. 6

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ التمهيد ويتكون من أربعة مباحث: المبحث الأول: المفهوم اللغوي للموالاة والتولي. المبحث الثاني: المفهوم اللغوي للمعاداة. المبحث الثالث: المفهوم الشرعي للموالاة والتولي والمعاداة. المبحث الرابع: ارتباط عنوان الرسالة بالمعنى الاصطلاحي للشريعة الإسلامية.

стр. 7

المبحث الأول: المفهوم اللغوي للموالاة والتولي لم يرد في القرآن الكريم، ولا في كتب الصحاح لفظ موالاة وإنما روى الطبراني في الكبير، عن ابن عباس ﵄ «أوثق عرى الإيمان، الموالاة في الله والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله» (١) اهـ. والموالاة مصدر (والى) يوالي موالاة (٢). ولفظ الموالاة، أعم من التولي، حيث أن الموالاة هي المحبة (٣). بغض النظر عن درجة هذا الحب ومرتبته، فكل من أحببته وأعطيته،

стр. 8

ابتداء من غير مكافأة فقد أوليته، وواليته، والمعنى أي أدنيته إلى نفسك (١). والموالاة ضد المعاداة يقال: (والى بينهما ولاء) أي: تابع بينهما متابعة، وافعل هذه الأشياء على (الولاء) أي المتابعة (٢) ,. أما التولي: فهو تقديم كامل المحبة والنصرة للمتولىَّ بحيث يكون المتولَّي مع المتولَّى كالظل مع الجسم (٣). قال ابن الأعرابي (٤): الموالاة أن يتشاجر اثنان فيدخل بينهما ثالث للصلح ويكون له في أحدهما هوى، فيواليه أو يحابيه على الآخر (٥) اهـ. ووالى فلان فلانًا، إذا أحبه وقربه وأدناه إليه (٦). ويقول الدكتور/ محمد نعيم ياسين: الموالاة مشتقة من الولاء وهو الدنو والقرب، والولاية، ضد العداوة، والولي عكس العدو (٧) اهـ فالمؤمنون أولياء الرحمن، والكافرون أولياء الشيطان لقرب الفريق الأول من الله بطاعته وعبادته، وقرب الفريق الثاني من الشيطان بطاعته واتباعه وبعدهم عن الله بعصيانه ومخالفته (٨).

стр. 9

يقول الأزهري (١): للموالاة معنى آخر، سمعت العرب تقول: (والوا حواشي نعمكم عن جلتها) أي اعزلوا صغارها عن كبارها (٢) اهـ والتولي، مصدر تولي أي اتخذه وليا (٣). فالتولي إذا بمعنى الاتخاذ والاتباع المطلق وهو يعني الانقطاع الكامل في نصرة المتبع وتقريبه وتأييده، و (التولية) مصدر (ولى) أي انصرف ذاهبًا (٤). فالتولي أخص من الموالاة، فكل (تولي) داخل في مفهوم الموالاة وليس كل موالاة داخلة في مفهوم التولي كما أسلفنا. والتولي يرد بعدة معان: منها النصرة كما في قوله تعالى: (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [الممتحنة: ٦] أي تنصروهم يعني أهل مكة، قال ذلك الفراء (٥).

стр. 10

تفسيرًا لمعنى قوله (أَنْ تَوَلَّوْهُمْ) وقال أبو منصور: جعل التولي ههنا بمعنى النصرة، من الولي والمولى وهو الناصر والمعين (١) اهـ. وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ) [الممتحنة: ١٣]. قال ابن عباس: أي لا توالوهم، ولا تناصحوهم (٢). ويأتي التولي بمعنى الإدبار والإعراض، قال تعالى: (وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ) [هود: ٥٢] أي تدبروا عما أدعوكم إليه (٣) ويأتي بمعنى قام وبدأ، قال تعالى: (وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [النور: ١١] أي قام بمعظم ذلك القول وبدأ فيه (٤). ومن استعمالات كلمة (تولى) بمعنى ذهب وانصرف، قول الله تعالى: (فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ) [القصص: ٢٤] أي انصرف وذهب إليه (٥). وتأتي بمعنى اتبع، قال الله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ) [الحج: ٤] وتأتي بمعنى استأخر وكن قريبا منه، قال تعالى: (اذْهَبْ

стр. 11

بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ) [النمل: ٢٨] أي استأخر غير بعيد (١). أو كن قريبًا منهم (٢). وتأتي كلمة (تولى) بمعنى فوض واتخذ قال تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) [المائدة: ٥٦] أي: من فوض أمره إلى الله وامتثل أمر رسوله ﷺ ووالى المسلمين على ذلك، فهو من حزب الله، وقيل: أي من يتخذ القيام بطاعة الله ونصرة رسوله والمؤمنين فهو من حزب الله (٣)، وإن حزب الله لهم الغالبون. وتأتي، بمعنى عصى ويعصي، قال تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا) [الفتح: ١٧] أي يعصي الله ورسوله، فيتخلف عن قتال المشركين (٤) وتأتي كلمة (تولى) بمعنى يطيع، قال تعالى: (إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ) [النحل: ١٠٠]. أي: يطيعونه ويشركونه بالله (٥). ولفظ (ولي) يأتي موافقا لمعنى الموالاة التي هي المحبة والنصرة، في بعض استعمالاته، وإن كان يستعمل في معان عديدة. (الولي) اسم من أسماء الله تعالى، والولي هو الناصر، وقيل: المتولي لأمور العالم والخلائق القائم بها (٦).

стр. 12

ومن أسمائه : الوالي، وهو المالك للأشياء جميعها المتصرف فيها (١). قال ابن الأثير (٢): وكأن الولاية تشعر بالتدبير والقدرة والفعل، وما لم يجتمع ذلك فيها لم ينطلق عليه اسم الوالي (٣) اهـ. ومن استعمالات (الولي) بمعنى الناصر (٤) قول الله تعالى: (اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) [البقرة: ٢٥٧] فالولي فعيل بمعنى فاعل، قال الخطابي (٥): الولي الناصر ينصر عباده المؤمنين (٦) اهـ. ويقال: تولاك الله، أي وليك الله، ويكون بمعنى نصرك الله (٧).

стр. 13

ومنه قوله تعالى: (فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ) [التحريم ٤] أي، وليه وناصره عليهم (١). وقال تعالى: (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) [التوبة: ٥١] فمعنى (مَوْلانَا) أي: ناصرنا (٢)، وقال تعالى: (أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) [يوسف: ١٠١]، فقوله: (أَنْتَ وَلِيِّي) أي: ناصري (٣)، وقال تعالى: (إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ) [الأعراف: ١٩٦] أي نصيري وظهيري (٤). وفي الحديث اللهم آت نفسي تقواها، وزكِّها أنت خير من زكّاها أنت وليها ومولاها (٥). والولي: الله : أي الناصر والكافي، والولاءة والولي كلها مصادر ولي (٦). و (الولي) يطلق ويراد به القريب في النسب، قال تعالى: (فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) [فصلت: ٣٤] أي كأنه قريب شفيق (٧). و (المولى) يطلق ويراد به الناصر والمؤيد، قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ

стр. 14

مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ) [محمد: ١١] أي أن الله ناصر وولي من آمن به، وأما الكافرون لا ناصر ولا ولي لهم (١). وقال تعالى: (بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ) [آلعمران: ١٥٠] أي وليكم وناصركم (٢)، ويطلق لفظ (المولى) ويراد به القريب قال تعالى: (يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) [الدخان: ٤١] أي لا يدافع ابن عم عن ابن عم، ولا صاحب عن صاحبه (٣). ويطلق (المولى) ويراد به الحليف والمعين والنصير، وهو من انضم إليك فعز بعزك وامتنع بمنعتك، قال عامر الخصفي من بني خصفة: هم المولى وإن جنفوا علينا ... وإنا من لقائهم لزور (٤) وكلمة (أولياء) جمع ولي، وتأتي بعدة معانٍ هي: معنى النصرة أو الأنصار قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) [الممتحنة: ١] أي أنصارًا (٥)، قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) [الأنفال: ٧٣] أي: يتناصرون بدينهم ويتعاملون باعتقادهم (٦).

стр. 15

وقال تعالى: (وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ) [هود: ٢٠] أي أنصار ينصرونهم، ويحولون بينهم وبين الله (١) وتأتي كلمة (أولياء) بمعنى أنصار، قال تعالى: (وَلَوْ كَانُوا يُؤمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إلَيهِ مَا اتَّخَذُوهُم أَوْلِيَاءَ) [المائدة: ٨١] أي يؤاخونهم بالمودة ويستنصرونهم (٢). وترد كلمة (أولياء) بمعنى الخاصة والبطانة قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) [النساء: ١٤٤] أي لا تجعلوا خاصتكم وبطانتكم منهم (٣)، وقال تعالى: (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ للهِ جَمِيعًا) [النساء: ١٣٩] أي يتخذون الكافرين أعوانا وأنصارا (٤) يتعززون بهم، ويستنصرون (٥). وتأتي كلمة (أولياء) بمعنى الاتحاد والتجانس، قال تعالى (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) [التوبة: ٧١] أي قلوبهم متحدة، في التواد والتحاب والتعاطف، غير ذلك من الأمور (٦). وتطلق كلمة (أولياء) ويراد بها الأصنام قال تعالى: (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [الشورى آية: ٩].

стр. 16

يعني أصناما (١) وقال تعالى: (أَلا للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى) [الزمر: ٣] فمعنى (أولياء) أي أصناما (٢)، و (الولاية) تقرأ بالفتح والكسر قال تعالى: (هُنَالِكَ الْوَلايَةُ للهِ الْحَقِّ) [الكهف: ٤٤]. قال ابن السكيت (٣): الولاية بالكسر السلطان والإمارة والملك، والولاية بالفتح النصرة، يقال هم على ولاية، أي مجتمعون في النصرة (٤) اهـ. وقال سيبويه (٥): الولاية بالفتح المصدر، والولاية بالكسر الاسم،

стр. 17

مثل الإمارة والنقابة، لأنه اسم لما توليته وقمت به، فإذا أرادوا المصدر فتحوا وإذا أرادوا الاسم كسروا (١) اهـ. وكان الكسائي (٢) يفتحها ويذهب بها إلى النصرة (٣)، وقال الفراء (٤): سمعناها بالفتح وبالكسر في الولاية (٥) وفي معنييهما جميعًا، وأنشد هذا البيت: دعيهم فهم إلب على ولاية ... وحفر هموا أن يعلموا ذاك دائب (٦). و (الولاية) القرابة والتصرف، الحاصلة بالسبب أو النسب، و (الولاء) بالكسر لغة: المتابعة، والموالاة عند الفقهاء، متابعة غسل الأعضاء على سبيل التعاقب، بحيث لا يجف العضو الأول قبل غسل الذي بعده (٧). وقيل (الولاء) بالفتح النصرة والمحبة والتناصر، سواء كان ولاء عتاقة، أو ولاء موالاة (٨).

стр. 18

ومما تقدم نستنتج أنَّ معنى الموالاة والتولي في أغلب الأحايين هو المحبة، والمودة، والمتابعة، والقرابة، والنصرة. وكل هذه المعاني القيمة، أراد الإسلام تحقيقها في واقع المسلمين وفي حياتهم العملية، وقد جسَّد (١) هذا المعنى حديث رسول الله ﷺ في أوضح صورة وأسمى عبارة، فقال فيما روي عنه: «ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمَّى» (٢).

стр. 19

المبحث الثاني: المفهوم اللغوي للمعاداة المعاداة: مصدر عادى يعادي معاداة وعداء، والعداء مصدر عادى، أي خاصمه، وصار له عدوًّا، والعداوة: اسم بمعنى الخصومة، والمباعدة، والعدو، والعداوة، أخص من البغضاء، لأن كل عدو مبغض، وقد يبغض من ليس بعدو (١). والعداوة: هي الشعور المتمكن في القلب في قصد الإضرار، وحب الانتقام (٢). والعدى: الأعداء الذين نقاتلهم، والعُدى، الأعداء الذين لا نقاتلهم (٣).

стр. 20

والعدو: ضد الولي، والجمع، أعداء، وجمع الجمع أعادي، قال سيبويه: (١) عدو، وصف، ولكنه ضارع الاسم (٢) اهـ. ويقال: عدو بين العداوة والمعاداة، وعادى بين الصيد معاداة وعداء، أي والى وتابع بينهما في طلق واحد (٣). والعدو: ضد الصديق، يطلق على الواحد والجمع والذكر والأنثى وقد يثنى ويجمع ويؤنث (٤). و (العِدي) المتباعدون، وأيضا الغرباء، والأجانب، ومنه قول حبيب (٥) ابن مسلمة لما عزله عمر بن الخطاب ﵁ عن حمص قال: رحم الله عمر ينزع قومه، ويبعث القوم العدي (٦) اهـ. و (العدوة) بالضم المكان المتباعد، وقيل حافة الوادي (٧). قال تعالى: (إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى) [الأنفال: ٤٢].

стр. 21

والعدوان، الظلم الصراح (١)، وقال الأصمعي (٢): (العدوان) المكان الذي لا يطمئن من قعد عليه (٣). اهـ. والمعاداة بين رجلين، إذا طعنهما طعنتين متواليتين بسهم واحد، وأنشد الجوهري (٤) لامرئ القيس: فعادى عداء بين ثور ونعجة ... دراكا ولم ينضح بماء فيغسل (٥). و (العادي، العدو) قالت امرأة من العرب: أشمت رب العالمين عاديك أي عدوك (٦). والعدو، والعداوة، والأعداء، والعدوان، كلها ورد استعمالها في القرآن الكريم قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) [الممتحنة:١] وقال تعالى: (وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ) [المائدة: ٦٤] وقال

стр. 22

تعالى: (وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللهِ نَصِيرًا) [الفرقان: ٣١] وقال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ) [البقرة: ١٩٣] وقال تعالى: (فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ) [لقمان: ١٣] أي فلا قتال إلا على الذين لم ينتهوا من الظلم والشرك، وليس قتال المشركين ظلم، وإنما بقاؤهم على الشرك هو الظلم قال تعالى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [النحل: ١١٥]. والعداوة: اسم عام من العدو، وتعادى القوم، أي تباعدوا وعادى بعضهم بعضا من العداوة. والعادي: المعتدي والمتجاوز حده كقوله تعالى: (غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ) (١) أي غير متجاوز سدا لجوعة، أو غير عاد في المعصية طريق المحسنين، والمعاداة تأتي بمعنى الموالاة والمتابعة بين الأشياء، مثل تعادى القوم، مات بعضهم إثر بعض، في شهر واحد، أو في عام واحد، وتعادى القوم عليّ بنصرهم، أي تتابعوا وتوالوا (٢). فالمعاداة إذا تأتي في أغلب استعمالاتها، ويراد بها البغض والكراهية وحب الانتقام، عكس الموالاة تماما، التي هي تدل في أغلب استعمالاتها على المحبة والمودة والمتابعة والنصرة والقرابة. ولذلك فالموالاة والمعاداة بهذا المعنى المتقدم، ضدان لا يجتمعان، فوجود أحدهما ينفي الآخر لزومًا في حق ذات معينة، قال الشاعر: تحب عدوى، ثم تزعم أنني ... صديقك إنَّ الود عنك لعازب

стр. 23

المبحث الثالث: المفهوم الشرعي للموالاة والتولي والمعاداة لقد تحدث جمع من أفاضل العلماء عن المفهوم الشرعي للموالاة والتولي والمعاداة، بصيغ متعددة تختلف ألفاظها، وإن كان هناك توافق وتطابق في المعاني المقصودة بهذه الصيغ، وهذه التعاريف فهي كما يلي: أولا: يعرف الشيخ عبد اللطيف (١) بن عبد الرحمن، الموالاة والمعاداة فيقول: أصل الموالاة: الحب، وأصل المعاداة، البغض، وينشأ عنهما من أعمال القلب والجوارح ما يدخل في حقيقة الموالاة.

стр. 24

والمعاداة، كالنصرة والأنس، والمعاونة والجهاد، والهجرة ونحو ذلك من الأعمال (١) اهـ. ثانيا: يقول الشيخ عبد الله (٢) بن عبد العزيز العنقري، أن الموالاة هي: الموافقة والمناصرة والمعاونة، والرضا بأفعال من يواليهم، وهذه هي الموالاة العامة، التي إذا صدرت من مسلم لكافر اعتبر صاحبها كافرا، أما مجرد الاجتماع مع الكفار، بدون إظهار تام للدين، مع كراهية كفرهم، فمعصية لا توجب الكفر (٣) اهـ. ثالثا: يقول الدكتور محمد نعيم ياسين: إن الموالاة، تعني، التقرب وإظهار الود بالأقوال والأفعال والنوايا، لمن يتخذه الإنسان وليا، فإن كان هذا التقرب وإظهار الود بالأقوال والأفعال والنوايا، مقصودا به الله ورسوله والمؤمنين، فهي الموالاة الشرعية الواجبة على كل مسلم، وإن كان المقصود بالتقرب وإظهار الود بالأقوال والأفعال والنوايا، هم الكفار، على اختلاف أجناسهم، فهي موالاة كفر ورده عن الإسلام، إذا صدرت ممن يدعي الإسلام، أما الكفار ومن في حكمهم من المرتدين والمنافقين، فبعضهم أولياء بعض، فلا يستغرب منهم ذلك (٤) اهـ.

стр. 25

رابعًا: يعرف مؤلفوا المعجم الوسيط، الموالاة الشرعية بأنها هي: أن يعاهد شخص شخصًا آخر على الالتزام نحوه بأمر من الأمور (١) اهـ. خامسًا: ويعرف صاحب الموسوعة العربية (الولاية) التي بمعنى الموالاة بأنها سلطة مقررة لشخص تجعله قادرًا على القيام بأعمال قانونية تنفذ في حق الغير (٢) اهـ. سادسا: يقول سيد قطب (٣) ﵀ أن معنى (الولاية) التي ينهى الله الذي آمنوا أن تكون بينهم وبين اليهود والنصارى، هي ولاية التناصر والتحالف ولا تتعلق بمعنى اتباعهم في دينهم، فبعيد جدا أن يكون بين المسلمين من يميل إلى اتباع اليهود أو النصارى في الدين، وإنما الذي يخشى منه هو ولاء التحالف والتناصر، الذي كان يلتبس على المسلمين أمره في أول الدعوة الإسلامية، حتى

стр. 26

نهاهم الله عنه، وأمر بإبطاله، بعدما تبين عدم إمكان قيام الولاء والتحالف والتناصر بين المسلمين واليهود في المدينة المنورة. إن المسلم ليس له ولاء ولا حلف إلا مع أخيه المسلم، إنَّ الإسلام يوجب على المسلم أن يقيم علاقاته بالناس جميعا على أساس الإسلام، فالولاء والعداء، لا يكونان في تصور المسلم وفي حركته على السواء إلا من خلال ما تقتضيه الشريعة الإسلامية (١) اهـ. وبناءً على ذلك فقد قسم الشيخ حسن البنا (٢) ﵀ الناس إلى ستة أصناف هم كما يلي: ١ - مسلم مجاهد ٢ - مسلم قاعد ٣ - مسلم آثم ٤ - كافر معاهد. ٥ - كافر محايد ٦ - كافر محارب (٣).

стр. 27

ومن ثم لا يمكن أن يقوم التناصر بين المسلم والكافر، إذ أنهما لا يمكن أن يتناصرا في مجال العقيدة، حيث ليس بينهما أساس مشترك يتناصران عليه (١). وعلى ضوء هذه الأقسام، يتم وزن الأشخاص والهيئات، ويكون الولاء والعداء، حسبما حدده الشرع لكل نوع من هؤلاء. ومما سبق بيانه يتضح لي، أن الاختلاف في تعريف الموالاة، هو اختلاف لفظي، مع تطابق المعاني المقصودة لكل منهم. والحب والبغض، أو الولاء والعداء، صفات فطرية في النفس البشرية ولكن يؤاخذ الإنسان على متعلقاتهما، فإن وافق الحب والبغض أمر الله في ذلك أثيب الإنسان عليهما، وإن خالف الإنسان أمر الله في صفة الحب والبغض استحق العقاب على ذلك، وعلى هذا فإن الحب والبغض تابعان للتكليف الشرعي وداخلان تحت مفهوم الثواب والعقاب (٢) لأن الحب والبغض يتبعهما ذوق وإرادة وعمل عند وجوب المحبوب أو المبغض، فمن اتبع ذلك بغير ما أنزل الله، فهو ممن اتبع هواه بغير هدى من الله، بل يقصد به الأمر إلى الشرك فيكون ممن اتخذ إلهه هواه (٣). الفرق بين الموالاة والتولي في المفهوم الشرعي التولي: هو الدفاع عن الكفار، وإعانتهم بالمال والبدن والرأي، وهذا كفر صريح يخرج من الملة الإسلامية (٤). أما الموالاة الخاصة، فهي كبيرة من كبائر الذنوب وهي المصانعة.

стр. 28

والمداهنة للكفار، لغرض دنيوي، مع عدم إضمار نية الكفر والردة عن الإسلام (١) كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة ﵁ عندما كتب إلى قريش يخبرهم بمسير رسول الله ﷺ فمثل هذا الفعل يعتبر كبيرة من كبائر الذنوب، بعد نزول الآيات بذلك قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) ... إلى قوله (وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) [الممتحنة: ١] أما حاطب فقد استثنى من ذلك لاعتبارات خاصة، مثل كونه من أهل بدر، وسبقه إلى الإسلام، وسلامة قصده، ولذلك فقد عفا الله عنه (٢). هذا رأي الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف (٣) وفي الفرق بين الموالاة والتولي ويوافقه على ذلك الشيخ سليمان (٤) بن سحمان حيث يقول نظمًا:

стр. 29

وأصل بلاء القوم حيث تورطوا ... هو الجهل في حكم الموالاة عن زلل فما فرقوا بين التولي وحكمه ... وبين الموالاة التي هي في العمل أخف ومنها ما يكفر فعله ... ومنها يكون دون ذلك في الخلل (١) ويقول الشيخ عبد اللطيف (٢) بن عبد الرحمن بن حسن: إن الموالاة تنقسم إلى قسمين. أولا: موالاة مطلقة عامة، وهذه كفر صريح، وهي بهذه الصفة مرادفة لمعنى التولي، وعلى ذلك تحمل الأدلة الواردة في النهي الشديد عن موالاة الكفار، وأن من والاهم فقد كفر. ثانيا: موالاة خاصة، وهي موالاة الكفار لغرض دنيوي مع سلامة الاعتقاد، وعدم إضمار نية الكفر والردة كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة في إفشاء سر رسول الله ﷺ في غزو مكة كما هو مذكور في سبب نزول سورة الممتحنة (٣) اهـ. ومثل كلام الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن في تقسيم الموالاة إلى

стр. 30

مطلقة وخاصة، كلام القرطبي (١) وابن العربي (٢) وسليمان بن عبد الله (٣) ابن عبد الوهاب والشيخ حمد بن علي بن عتيق (٤).

стр. 31

وعلى قول هؤلاء جميعًا: أن الموالاة المطلقة العامة، مرادفة لمعنى التولي، وهي بهذا الوصف كفر وردة، ومنها ما هو دون ذلك، بمراتب، ولكل ذنب حظه وقسطه من الوعيد والذم، بحسب نية الفاعل وقصده (١). والموالاة التي تصل بفاعلها إلى درجة الكفر، والردة عن الإسلام هي ما يلي: أولاً: أن يوالي المسلم الكفار، وتكون موالاته لهم مع مساكنتهم في ديارهم والخروج معهم في قتالهم ونحو ذلك، فإنه يحكم على صاحب هذه الموالاة بالكفر كما في ظاهر قوله تعالى (وَمَنْ يَتَوَلهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) [المائدة: ٥١]. ثانيًا: إذا كانت موالاة المسلم لها باتباع نظمهم، وتطبيق قوانينهم الجاهلية التي تبيح ما حرم الله، من ربا وزنا وخمر، ونحو ذلك تحرم ما أحلَّ الله من نسل أو تزاوج أو إرث أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر، فهذه الموالاة للكفار، موجهة للكفر قال تعالى: (ومَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [المائدة: ٤٤] وللحديث الصحيح (المرء مع من أحب) (٢).

стр. 32

أما الموالاة التي لا تصل إلى درجة الكفر على هذا القول فهي ما يلي: أولاً: إذا كانت الموالاة لهم في ديار المسلمين، إذا قدموا إليها، وذلك مثل الإكرام العام لهم، بغير نية دعوة إلى الإسلام، ومن غير مودة قلبية لهم، فمثل هذه الموالاة، صاحبها عاص لله آثم على مخالفته متعرض للوعيد على هذا العمل الذي لا يقصد به وجه الله (١) . ثانيًا: إذا كان الإكرام للكفار والموالاة لهم من أجل دنياهم، مع اعتقاد القلب ببطلان ما هم فيه من كفر، وكراهية ذلك منهم، فهذا آثم عاص يجب عليهم من التعزير، وما يزجره ويزجر أمثاله عن ذلك (٢). ويرى الشيخ حمد بن عتيق، أن كل أنواع الموافقة للكفار موجبة، للردة عن الإسلام ما عدا حالة واحدة وهي الإكراه فيقول: إن موافقة المشركين تنقسم إلى ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يوافقهم في الظاهر والباطن، فينقاد لهم بظاهره، ويميل إليهم ويوادهم بباطنه، فهذا النوع كفر يخرج من الإسلام (٣). الحالة الثانية: أن يوافقهم ويميل إليهم بباطنه مع مخالفته لهم في الظاهر، فهذا أيضا كفر، ولكن إذا عمل بالإسلام ظاهرا، عصم ماله ودمه وعومل بحسب ظاهره، وهذا هو المنافق، الذي يظهر الإسلام ويبطن مودة الكفار ومناصرتهم (٤).

стр. 33

الحالة الثالثة: أن يوافقهم في الظاهر مع مخالفته لهم في الباطن وهو على وجهين: ١ - أن يفعل ذلك وهو في سلطانهم، وتحت ولايتهم، مع ضربهم له وحبسه، وتهديده بالقتل والتعذيب، مع مباشرة التعذيب فعلا، فإنه والحالة هذه يجوز له موافقتهم في الظاهر مع كون قلبه مطمئنًا بالإيمان، كما جري لعمار بن ياسر ﵁ حيث أنزل الله تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ) [النحل: ١٠٦]. ٢ - أن يوافقهم في الظاهر مع مخالفته لهم في الباطن، وهو ليس في سلطانهم وإنما حمله على ذلك، إما طمع في رياسة، أو مال أو مشحة بوطن أو عيال، أو خوف مما يحدث في المال فإنه في هذه الحال يكون مرتدًّا، ولا تنفعه كراهيته لهم في الباطن، وهو ممن قال الله فيهم (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) فأخبر أنه لم يحملهم على الكفر الجهل بالدين أو بغضه، ولا محبة الباطل وأهله، وإنما هو أنَّ لهم حظًّا من حظوظ الدنيا فآثروه على الدين المنزل من عند الله (١) اهـ. وهذا القول موافق لمعنى كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ (٢) ويرى الشيخ عبد الرحمن بن سعدي (٣) أن التولي مرادف لمعنى

стр. 34

الموالاة سواء بسواء، ولذلك فهو يستعملهما على أنهما لفظان مترادفان فيقول عن التولي عند تفسيره لقول الله تعالى (وَمَنْ يَتَوَلهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [الممتحنة: ٩]: إن الظلم يكون بحسب التولي، فإن كان توليا تاما كان ذلك كفرا مخرجا عن الإسلام، وتحت ذلك من المراتب ما هو غليظ وما هو دونه (١) اهـ. وخلاصة الآراء المتقدمة، حول الموالاة والتولي هي أن هناك قولين في هذا الموضوع. القول الأول: قول ابن سعدي: حيث يجعل الموالاة والتولي بمعنى واحد، كما سبق أن أشرنا إلى ذلك (٢). القول الثاني: قول من يجعل التولي أخص من الموالاة، فكل من تولى الكفار عند أصحاب هذا القول فهو كافر مرتد خارج عن الإسلام (٣)، وليس كل موالاة للكفار يكفر صاحبها، وقد أشرنا فيما سبق إلى أنواع الموالاة التي يكفر صاحبها، وأنواع الموالاة التي لا يكفر فاعلها (٤).

стр. 35

وقلنا: إن الموالاة للكفار في ديار الإسلام لأجل دنياهم، معصية لا توجب الكفر كما هو رأي أكثر العلماء (١). وخالف في ذلك الشيخ حمد بن علي بن عتيق، حيث يرى أن موالاة الكفار لأجل دنياهم، موجبة للكفر والردة عن الإسلام (٢) وينسب هذا القول أيضا إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ (٣) ويوافقهما في ذلك الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (٤) والذي أميل إليه أن التولي، أخص من الموالاة، حيث أن التولي يفيد معنى الاتخاذ والالتزام الكامل بمن يتولاه، بخلاف الموالاة التي تدل على المحبة والمتابعة بدرجات متفاوتة ولذلك جاء تعبير القرآن الكريم بالنهي عن تولي الكفار قال تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) [المائدة: ٥١] وأمر بتولي المؤمنين فإن توليهم، أقوى من مجرد الموالاة الجزئية لهم، وإن كانت الموالاة العامة للمؤمنين أو الكفار تلتقي مع التولي على درجة المساواة. قال تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) [المائدة: ٥٦] وهذا ما قال به جمهور العلماء (٥)، ما عدا ابن سعدي الذي يرى أن التولي درجات متفاتة، منه ما هو كفر، ومنه ما هو دون ذلك، دون أن يذكر مستندا لغويا أو شرعيا لما ذهب إليه، مما يجعل القول، بأن التولي والموالاة بينهما عموم وخصوص، هو القول الراجح كما أوضحت سلفا (٦).

стр. 36

وأما الخلاف حول حكم موالاة الكفار لمصلحة دنيوية، هل يكون ذلك موجبا للكفر والردة، أم هو كبيرة من كبائر الذنوب؟ فأقول: الذي يظهر لي، أن من حكم بردة وكفر من والى الكفار لمصلحة دنيوية، إنما قصد بذلك الذين يستبيحون لأنفسهم موالاة الكفار المحرمة، من أجل حظوظهم الدنيوية، فينكرون خطأهم ويدافعون عن باطلهم، فهؤلاء حكمهم الردة والكفر، كما هو الشأن في حل كل من استحل ما حرم الله. أما الذين يرون أن موالاة الكفار لمصلحة دنيوية كبيرة من كبائر الذنوب، فهؤلاء اعتبروا أن الموالي للكفار عالم بمعصيته خائف من ذنبه، شأنه في ذلك شأن كثير من العصاة الذين يقترفون بعض الذنوب دون استحلال لهم. ومما تقدم نجد أن الذين تكلموا في الموالاة من العلماء الذين سبقت الإشارة إليهم، وقد عدوا أعلى درجات الموالاة للكفار ردة وكفرا، وأقلها يكون ذنبا ومعصية وإثما، ولم يذكروا أن هناك أي نوع من أنواع الموالاة تصح مع الكفار. إلا أن بعض العلماء المعاصرين (١) قسموا الموالاة للكفار إلى قسمين: القسم الأول: أن تكون الموالاة بمعنى المسامحة والمسالمة والمعاشرة الجميلة في الدنيا، والمعاملة بالحسنى وتبادل المصالح بحسب الظاهر، مع عدم الرضا عن حالهم وكفرهم فهذا أمر غير منهي عنه، وقد

стр. 37

استدلوا على ذلك بقوله: (لا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) [الممتحنة: ٨]. القسم الثاني: أن تكون الموالاة بمعنى المحالفة والمناصرة ضد المسلمين، والرضا عن الكفار، وبما هم فيه من كفر، فإن الرضا بالكفر كفر، فلا يبقى مؤمنا مع كونه بهذه الصفة، لأن في مناصرة الكافرين على المسلمين ضررا بالغا بالكيان الإسلامي، وإضعافا لقوة الجماعة المؤمنة، وهذا النوع من الموالاة قد نهى الله عنه بقوله تعالى: (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ) [آل عمران: ٢٨]. فحذر الله المؤمنين من الموالاة والمناصرة للأعداء، وأن التعاون مع أعداء الإسلام بما فيه ضرر على الإسلام والمسلمين خيانة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم (١) اهـ. والذي أفهمه من كلام الشيخين، مناع خليل القطان، ومحمد علي السايس أن هناك نوعا من أنواع الموالاة يجوز فعلها مع الكفار. والصواب أن الموالاة للكفار في الظاهر والباطن لا تجوز بأي حال من الأحوال، ولكن الذي قصده الشيخان، وهو البر والصلة فعبرا بالموالاة عن البر والصلة التي أباحها الله مع المسالمين من الكفار في قوله تعالى: (لا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) [الممتحنة: ٨]

стр. 38

وإلا فإن نصوص الكتاب والسنة، لم تذكر إباحة تولي الكفار أو موالاتهم على أي وجه من الوجوه سوى حالة واحدة وهي حالة الإكراه الملجئ قال تعالى: (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ) [آل عمران: ٢٨] فيجوز في حالة الضعف والخوف من أذاهم الموالاة لهم ظاهرا، ريثما يعد المسلمون العدة لمواجهة الكفار والتحرر من سيطرتهم، وقد عد العلماء أقل نوع من أنواع الموالاة بدون إكراه إثما ومعصية. يقول سفيان الثوري (١) ﵀: (من لات للكفار دواة أو برا لهم قلما أو ناولهم قرطاسا فقد دخل في الموالاة المنهي عنها ما لم يكن ذلك لغرض دعوة إلى الله) (٢) اهـ. فالموالاة عند علماء الاصطلاح شيء، والبر شيء آخر، فالبر يعني: الصلة في الخير والاتساع في الإحسان، وقد أباح الله ذلك لطائفة من الكفار ضمن شروط معينة سنذكرها فيما بعد بإذن الله تعالى، فلفظ الموالاة ليس مرادفا للبر في الآية المتقدمة (٣)، ولا في مدلول اللغة (٤). فدعوة الإسلام إلى السماحة في معاملة بعض الكفار والبر بهم لا يعني الموالاة لهم، فبسماحة الإسلام يتعامل المسلم مع الناس جميعًا.

стр. 39

على أساس العدل والاحترام المتبادل، بدون محبة القلب للكفار، أو مودة ما هم فيه من كفر، وإنما التعامل بالمثل فيما ليس له مساس في جانب العقيدة، كالبيع والشراء، وتبادل المنافع التي لا تستلزم حبا أو بغضا في بعض الأحوال، فها هم قد سلبوا ثروات البلاد الإسلامية واستعبدوا شعوبها ومع ذلك لا زالوا يضمرون الحقد والكراهية للمسلمين فواجب المسلمين أن يتعاملوا مع الكفار بإنصاف وعدل، فلا يوالوهم على حساب الإسلام، ولا يتعاملوا معهم بحقد وضغينة كما يتعامل معنا أولئك الكفرة الإنذال. فبسماحة الإسلام، يتعامل المسلم مع الناس جميعا وبمحبة الخير الشامل يلقى الناس على ذلك. فعدم موالاة الكفار، لا تمنع من مصاحبتهم بالمعروف، فقد قال تعالى: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) [لقمان: ١٥] فهذه الآية دليل على أن الإسلام لا يمنع من مصاحبة الوالدين بالمعروف، مع اختلاف العقيدة، وهذه المصاحبة ليست هي الموالاة المنهي عنها، لأن الموالاة هي محبة القلب وإرادة النصرة والمساعدة للمحبوب، إذا كان محتاجا إلى ذلك، وهي غير حاصلة في المصاحبة بالمعروف، لأن المصاحبة بالمعروف لا ترقى إلى درجة الموالاة، فلو وقف القريب الكافر في الصف المعادي للجماعة المسلمة، وأعلن الحرب عليها فعندئذ لا صلة ولا مصاحبة، ويتضح ذلك من قصة عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول. فقد روي ابن جرير الطبري بسنده، عن ابن زياد قال: دعا رسول الله ﷺ عبد الله عبد الله بن أبي، فقال: ألا ترى ما يقول أبوك؟ قال ما يقول أبي؟ بأبي أنت وأمي يا رسول الله قال: يقول: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فقال: فقد صدق والله يا رسول

стр. 40

الله، أنت الأعز وهو الأذل، أما والله لقد قدمت المدينة يا رسول الله، وإن أهل يثرب ليعلمون ما بها أحد أبر بوالده مني، ولئن كان يرضي الله ورسوله أن آتيهما برأسه لأتينهما به فقال رسول الله ﷺ : لا ... ، فلما قدموا المدينة قام عبد الله بن عبد الله بن أُبي على بابها بالسيف لأبيه وقال: أنت القائل (لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل)؟ أما والله لتعرفن العزة لك أو لرسول الله ﷺ ؟ والله لا يأويك ظلها ولا تأويه أبدا إلا بإذن من الله ورسوله ﷺ فقال: يا للخزرج ابني يمنعني بيتي للخزرج ابني يمنعني بيتي فقال والله لا يأويه أبدا إلا بإذن منه، فاجتمع إليه رجال فكلموه فقال: والله لا يدخلن إلا بإذن من الله ورسوله ﷺ فأتوا النبي ﷺ فأخبروه فقال: «اذهبوا إليه فقولوا له: خله ومسكنه» فأتوه فقال: أما إذا جاء أمر النبي ﷺ فنعم (١) اهـ. فإذا انعقدت آصرة العقيدة فالمؤمنون كلهم إخوة، ولو لم يجمعهم نسب ولا صهر، قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) [الحجرات: ١٠] وإذا اختلفت العقيدة ووقف المختلفان موقف المتحاربين فلا صلة ولا ارتباط ولو كانوا أبا وإبنا، فالذين لم يقاتلوا المسلمين في دينهم، ولم يخرجوهم من ديارهم ولم يسعوا في إفساد عقيدتهم، ولم يظاهروا عليهم عدوهم، فإن صلتهم والحالة هذه، لا محذور فيها ولا تبعة (٢). أما إذا وصل الأمر، إلى درجة المحبة القلبية لهم، ولما هو من خصائص كفرهم، فهذا هو التولي، والموالاة المحرمة، وليس لقائل أن يقول بعد هذا كله، إن معنى الموالاة غير محدود، إذ يدخل فيه أمور.
следующие страницы →