والمعاصي، لأن الفتن إذا وقعت ضرت الجميع، ولأنها تمنع معرفة الحق وقصده والقدرة عليه، حيث يحصل من الشبهات في الفتن، ما يلبس الحق بالباطل حتى لا يميز كثير من الناس من هو صاحب الحق من صاحب الباطل (١)؟
فالأحاديث المتقدمة يجب أن لا تحمل على جواز موافقة الحكام في ظلمهم وباطلهم، أو على جواز عدم الإنكار عليهم فيما يرتكبون من منكر، أو على طاعتهم في المعصية، وإنما تدل على أن من كره المنكر فقد برئ من إثمه وعقوبته، وهذا في حق من لا يستطيع إنكار المنكر بلسانه وإن من أنكر بلسانه برئ إذا لم يستطع أن ينكر بيده، فمن عجز عن إزالة المنكر لا يأثم بمجرد السكوت، ولكن الإثم والعقوبة على من رضي وتابع هذا المنكر الذي يكفي إنكاره بالقلب هو المنكر الذي لا يصل إلى درجة الكفر والخروج من الإسلام فالحاكم لا يخلو من واحدة من ثلاث حالات:
(أ) حاكم مسلم عادل. (ب) حاكم مسلم فاسق. (ج) حاكم كافر ولكل من هؤلاء منزلة تناسبه ومعاملة تخصه، ودرجة تميزه عن غيره.
أ- فالحاكم المسلم العدل تجب طاعته ومتابعته تحقيقًا لأمر الله في وجوب الطاعة ولزوم الجماعة، حيث إن ولاء المسلم لحاكمه ولاء عقيدة وعبادة وليس ولاء لأشخاص أو طبقة أو عرف جاهلي أو ولاء مصلحة أو منفعة، لأن الأشخاص يموتون ويتغيرون وينحرفون، والشريعة باقية خالدة ما بقيت الحياة.
ب- أما الحكام العصاة الفسقة فيكرههم على ما معهم من معصية وفسق ويحبهم على قدر ما معهم من الحق ولا يقطع العهد معهم ولا يخرج عن طاعتهم إلا إذا رأى ما يوجب كفرهم وخروجهم عن الإسلام.
ج- أما الحكام الكفرة وهم غالبًا المرتدون عن الإسلام فلا تجوز مودتهم
стр. 492
ولا تشرع طاعتهم، والواجب محاربتهم وعدم متابعتهم وهؤلاء هم المقصودون في النهي عن الطاعة لهم قال تعالى:
١ - (فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين) (١).
٢ - وقال تعالى: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) (٢).
٣ - وقال تعالى: (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) (٣).
٤ - وقال تعالى: (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا) (٤).
٥ - وقال تعالى: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) (٥).
٦ - وقال تعالى: (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) (٦).
٧ - وقال تعالى: (فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ * وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) (٧).
٨ - وقال تعالى: (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ) (٨).
فأمر بالطاعة في آية واحدة ضمن وصف معين ونهى عن الطاعة المنحرفة في آيات كثيرة، ومن الأحاديث التي تنهى عن الطاعة العمياء والتبعية العشواء ما يلي:
١ - ما روى مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ قال: «على المرء السمع
стр. 493
والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية. فإن أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة» (١).
٢ - وفي مسلم أيضًا من حديث طويل «لا طاعة في معصية الله إنما الطاعة في المعروف» (٢).
٣ - وسئل عبد الله بن عمرو بن العاص عن طاعة معاوية ﵁ فقال: «أطعه في طاعة الله، وأعصه في معصية الله» (٣).
٤ - وفي حديث آخر «سيلي أموركم من بعدي رجال يُعَرَّفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون، فلا طاعة لمن عصى الله» (٤).
وقد عد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ إن من رءوس الطواغيت الحاكم الجائر المغير لأحكام الله واستدل بقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا) (٥). اهـ.
وقد يسأل سائل ما هي صفة ومواصفات الدولة الإسلامية الحقة التي يجب علينا موالاتها ونصرتها، ويحرم علينا بغضها وعصيانها والخروج عليها؟ فنقول إن الجواب على ذلك هو ما وضحه الله تعالى بقوله: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) (٦) وقد شرح العلماء صفات هذه الدولة التي
стр. 494
تجب موالاتها وتحرم معاداتها، بأنها هي التي تتوفر فيها هذه الصفات التالية:
١ - أن يكون الحكم الحقيقي فيها من حيث التشريع والتكوين لله وحده.
٢ - أن لا يكون فيها قانون خاص أو عام يخالف الكتاب والسنة وأن لا يصدر أي أمر إداري يخالف التشريع الإلهي.
٣ - أن لا ترتكز الدولة في قيامها على أساسا إقليمي أو عرقي، وإنما تقوم على أساس شمولية الإسلام وعالميته للناس عامة.
٤ - أن تأمر الدولة بالمعروف فتنشر الصفات الحسنة وتنهى عن المنكر فتستأصل الصفات السيئة، وتعمل على إحياء شعائر الإسلام وإعلائها بواسطة التعليم الإسلامي الحق وبواسطة وسائل الاتصال بالناس في الوسائل المتعددة، مع محاربة الإلحاد والمبادئ الضالة وكشف عورتها.
٥ - أن تعمل الدولة على وحدة المسلمين في العالم أجمع قولاً وفعلاً وأن تكون معهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
٦ - أن تكفل الدولة الحاجات اللازمة لأفراد الأمة فيها من مأكل وملبس ومسكن وعلاج وتعليم، وخاصة من كان غير أهل لاكتساب الرزق، أو لم يعد قادرًا عليه، أو عجز عنه عجزًا مؤقتًا لسبب من الأسباب النازلة كالبطالة أو المرض، أو عجزًا كليًا كالعمى أو الشلل أو نحو ذلك، من غير أن يفرق بين الناس من أجل مراكزهم الاجتماعية أو سلالاتهم العرقية.
٧ - أن يتمتع أهل البلاد في حدود الأحكام الإسلامية بجميع الحقوق التي منحتها إياهم الشريعة الإسلامية من حماية النفس والمال والعرض وحرية العبادة والحرية الشخصية وحرية إبداء الرأي وحرية التنقل وحرية
стр. 495
الاجتماع وحرية اكتساب الرزق بالطرق المباحة، والمساواة في فرص العمل والترقي، والاستفادة من المؤسسات الاجتماعية بلا تمييز.
٨ - أن لا يسلب أحد من سكان الدولة حقًا من هذه الحقوق إلا إذا كان له مسوغ شرعي في الشريعة الإسلامية، ولا يعاقب أحد على ذنب أو جريمة إلا بعد ما يسمح له بالدفاع عن نفسه، وتحكم عليه محكمة شرعية عادلة بعد استنادها على النص والدليل من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ أو إجماع أو قياس معتبر شرعًا عند علماء الأصول وفقهاء الأمة.
٩ - أن يكون رئيس الدولة مسلمًا ذكرًا عدلاً، يعتمد الجمهور أو ممثلوهم على تدينه وكفاءته وسداد رأيه.
١٠ - أن يكون رئيس الدولة هو المسئول الحقيقي عن تسيير شئون الدولة غير أنه يجوز له أن يفوض جانبًا من صلاحياته إلى فرد أو جماعة يوثق بدينها وأمانتها.
١١ - أن لا يستبد رئيس الدولة بالأمر إنما يُسير أمر الحكومة على منهاج الشورى، في مشاورة أهل العلم الذين هم أهل الحل والعقد في الأمة.
١٢ - أن لا يعطل رئيس الدولة أحكام الشرع كليًا أو جزئيًا ويستبد بالحكم من دون أهل الشورى.
١٣ - أن يكون للجماعة حق انتخاب رئيس الدولة، وحق عزله عن منصبه بأغلبية أهل العلم الشرعي من أهل الحل والعقد في الأمة كما قرر الإسلام ذلك.
стр. 496
١٤ - أن يكون رئيس الدولة مساويًا لجمهور المسلمين في الحقوق والواجبات وأن لا يكون محصنًا من أن تجرى عليه الأحكام الشرعية.
١٥ - أن يكون لأعضاء الحكومة وعمالها وعامة من يسكنها نظام واحد، ولا ينفذه فيهم إلا المحاكم الشرعية في البلاد.
١٦ - أن تكون الهيئة القضائية في الدولة منفصلة عن الهيئة التنفيذية ومستقلة عنها في إصدار الأحكام، حتى لا تتأثر في القيام بواجباتها بما للهيئة الإدارية من السلطة.
١٧ - أن لا يقبل في الدولة تفسير شيء من الأحكام بما يخالف الكتاب والسنة.
١٨ - أن لا يسمح بالنشر أو الدعوة إلى الأفكار والنظريات التي تناقض المبادئ الأساسية للدعوة الإسلامية، والتي تهدد الأمة الإسلامية بالفساد والاضطراب.
هذه جملة وأهم الشروط التي اشترطها واحد وثلاثون عالمًا من علماء الأمة الإسلامية على صحة «قيام الدولة الإسلامية» وجواز تسميتها بهذا الاسم إذا توفرت فيها جميع تلك الشروط. وذلك في أثناء انعقاد مؤتمر بهذا الخصوص في كراتشي في الفترة من ١٢ - إلى ١٥ من شهر ربيع الآخر سنة (١٣٧٠هـ) الموافق (٢١ - إلى ٢٤ - من يناير سنة ١٩٥١م).
ونحن نقول إن دولة بهذه الصفات يجب موالاتها ونصرتها وحبها وعدم بغضها أما الدولة التي تخالف تلك الأسس وتعتدي على هذه المقومات الأساسية للدولة الإسلامية، فهي دولة خارجة عن الإسلام أو تتخذ من الإسلام ستارًا، لتخدع به السذج والبسطاء لتحقيق مآربها التي تتناقض مع الإسلام، وتتعارض معه، فليعرف كل مسلم شروط الدولة الإسلامية، ليتبين له في ظل أي دولة يعيش وكيف يجب أن يتعامل مع من يعيش معهم.
стр. 497
ودار الإسلام أو الدولة الإسلامية ليس هي التي يعيش فيها أكثرية مسلمة أو وطئتها أقدام المجاهدين المسلمين بل قد تصبح دار الإٍسلام دار كفر، ودار الكفر دار إسلام، والضابط لتلك الأحوال هو ما عرف به العلماء دار الإسلام ودار الكفر حيث يقولون: إن دار الإسلام هي التي يحكمها المسلمون وتجري فيها الأحكام الإسلامية، ويكون النفوذ فيها للمسلمين ولو كان جمهور أهلها كفارًا.
وأما دار الكفر: فهي التي يحكمها الكفار، وتجري فيها أحكام الكفار ويكون النفوذ فيها للكفار، ولو كان جمهور أهلها من المسلمين (١) فالبلاد التي تخضع لنفوذ الكفار بالأصالة مثل فلسطين تحت الحكم اليهودي وأفغانستان التي يسيطر عليها الحزب الشيوعي فهذه وأمثالها بلاد كفر ودار كفر وإن كان أغلبية السكان من المسلمين لأن السلطة الحاكمة سلطة غير إسلامية. وكذلك ينطبق الحكم على كثير من الدول التي تدعي الإسلام وهي أبعد ما تكون عنه، وإن كان معظم سكانها مسلمين نظرًا لأنها لا تجري فيها جميع أحكام الإسلام، ولأن النفوذ والسلطة فيها لغير المسلمين فنجد أن كثيرًا منها قد وضعت قوانين تحمي الزنا والربا والخمر والميسر ولا تعاقب من يترك الواجبات من صلاة وصيام وزكاة وحج، ومع ذلك تتستر ببعض مظاهر الإسلام، وهي في حقيقة الأمر والواقع دار كفر وردة عن الإسلام.
فمثلاً نجد أن قانون العقوبات في مصر والعراق في عهد الاحتلال يحمي الزنا ويشجعه بعدم تطبيق العقوبات الشرعية عليه.
стр. 498
ففي المواد من (٢٦٧ - ٢٧٩) من قانون العقوبات المصري العربي والمواد من (٢٣٢ - ٢٤٠) من قانون العقوبات البغدادي أن الزنا إذا وقع برضى الطرفين وهما غير متزوجين وسنهما فوق الثامنة عشرة فلا شيء عليهما. وإن كانا متزوجين فلا عقوبة عليهما ما لم يرفع أحد الزوجين دعوى ضد الزوج الخائن (١).
فهل يجوز تسمية بلاد بمثل هذه الحال قديمًا أو حديثًا بدار إسلام والله يقول: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (٢) وهم يقولون بلسان حالهم ومقالهم لا! لن نجلد الزناة برضاهم ولو ثبتت عليهم البينة، أليس هذا استدراك على الله فيما حرم وتجهيل له فيما شرع؟ وهذا من أنواع الكفر حيث يقول تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (٣) وحكم الكفر هذا لا يقتصر على شخص الحاكم فقط بل يتعداه إلى كل المؤيدين له على ذلك والمناصرين له والراضين به، فحكمهم كحكمه كما ذكر الله عن جنود فرعون وهامان قال تعالى: (إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ) (٤) فأشرك الله قوم فرعون معه في الخطيئة والإثم، لسكوتهم ورضاهم ونصرهم وتأييدهم له.
وعلى هذا فمن الواجب على الرعية إن كان الحاكم ظالمًا أن تنصحه بالتي هي أحسن كما قال رسول الله ﷺ : «الدين النصيحة "ثلاثًا" قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ﷺ ولأئمة المسلمين
стр. 499
وعامتهم» (١) فإن حصل اختلاف بين الراعي والرعية وجب عليهما الرجوع إلى الكتاب والسنة عملاً بقوله تعالى (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) (٢) حيث إن سلطة التشريع الإسلامي لها قوة فوق قوة الحاكم والمحكوم، فلو كان ولاة الأمر، وحكام البلاد تجب طاعتهم طاعة مطلقة، أو كانوا معصومين من الخطأ كما يدعي غلاة الشيعة لما كان لقوله: (فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) معنى بل كان يقول فردوه إلى الحاكم أو إلى الإمام، ومن ذلك يتبين ضعف هذا القول وصحة قول الجمهور من أنه لا طاعة في المعصية (٣). لأن ذلك هو الموافق للأدلة، فقد روى مسلم من حديث أم الحصين: «ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله اسمعوا له وأطيعوا» (٤) فجعل القيادة بكتاب الله سببًا للسمع والطاعة (٥).
وقد وضع النووي في شرحه لصحيح مسلم عنوانًا «باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية» (٦) فدل بذلك على أن هذا هو ما يراه صوابًا. وفي الحديث: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (٧).
وقد اختلف العلماء في درجة الانحراف التي تسقط بها بيعة الحاكم وتنحل ولايته ويجوز عندها الخروج عليه على قولين:
القول الأول: قول من يقول بوجوب الصبر على الإمام أو الحاكم وإن أخذ المال وضرب الظهر وأظهر المعاصي، ما دام يقيم الصلاة عملاً بقوله ﷺ في الحديث المتقدم (٨): «ما أقاموا فيكم الصلاة»، واستدلوا أيضًا بقوله
стр. 500
تعالى: (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ) (١). وللحديث المروي عن خالد بن عُرفطة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا خالد إنها ستكون بعدي أحداث وفتن واختلاف فإن استطعت أن تكون عبد الله المقتول لا القاتل فافعل» (٢).
القول الثاني: قول الجمهور وهو أن الله قد حرم الاعتداء على الأنفس والأموال والأعراض إلا بحق شرعي يبيح ذلك، فقد حرم قتل النفس بقوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) (٣). وقال تعالى في حق الأموال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) (٤).
وقد ورد عن رسول الله ﷺ تحريم الاعتداء على الأنفس والأموال والأعراض فقد روي عنه ﷺ أنه قال: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى هاهنا ويشير إلى صدره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه» (٥). وروى مسلم في صحيحه أن من خطبة الرسول ﷺ في حجة الوداع: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا» (٦).
وقد علمنا أن كلام الله ورسوله لا يخالف بعضه بعضًا ولا يناقضه وقد امتدح الله هذا التنزيل بتلك الصفة فقال تعالى: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (٧).
стр. 501
فالذي يسلم ماله للأخذ ظلمًا وظهره للضرب بغير حق وعرضه للانتهاك يكون آثمًا بنص الكتاب والسنة حيث إن الآيات والأحاديث متواترة على عدم الطاعة في المعصية والتعاون على الإثم والعدوان قال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (١).
وفي الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: «فلا تعطه مالك» قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: «قاتله» قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: «فأنت شهيد» قال: أرأيت إن قتلته؟ قال «هو في النار» (٢). وعن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: أما علمت أن رسول الله ﷺ قال «من قُتِلَ دون ماله فهو شهيد» (٣).
فإذا كان هذا في شأن المال فالدفاع عن الدين والنفس والعرض أولى من ذلك.
والرد على الذين يرون وجوب الطاعة في المعصية، فيما دون ترك الصلاة. أن يقال لهم، ما رأيكم في إسلام من جعل اليهود خاصته وأصحابه، والنصارى جنده وبطانته، وحمل السلاح على كل من وحَّد الله من المسلمين، وحارب المؤمنين في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، وهو مع ذلك يتظاهر بالإسلام وبالصلاة في بعض المناسبات لتلتقط له الصور التي يضحك بها على السذج والبسطاء، أترون أنه يجوز الخروج عليه أم لا؟
فإن منعوا الخروج على مثل هذا فقد منعوا الخروج على كل كافر، وقد حارب الصحابة ﵃ المرتدين واعتبروهم كفارًا بمخالفتهم
стр. 502
بالشهادتين وقد أجمع الفقهاء في مختلف العصور على كفر من يقف من أحكام الإسلام مثل هذا الموقف، فلو كان مجرد الاعتصام باسم الإسلام مع عدم العمل به يكفي في الانتماء إلى هذه الأمة، لكفى المنافقين والمرتدين من طائلة العذاب (١). فالواجب إذًا أنه إذا وقع الحاكم في شيء من الجور أو الظلم -وإن قل- أن ينصح ويكلم في ذلك، فإن اقتنع ورجع إلى الحق، وأذعن لاستيفاء الحق منه، وجبت طاعته، ولا سبيل إلى خلعه، فإن لم يمتنع عن جوره وظلمه، ولم يكن لأصحاب الحق أن يستوفوا حقهم منه، وجب خلعه وإقامة غير مقامه، ممن يقوم بالحق لأنه لا يجوز تضييع شيء من واجبات الدين مراعاة لأهواء الظلمة من الحكام والولاة (٢).
فمن أجاز اتباع شريعة غير شريعة الإسلام وجب خلعه، وانحلت بيعته وحرمت طاعته لأنه في مثل هذه الحال يستحق وصف الكفر (٣) بخروجه على شرع الله عن عمد وإصرار، واستباحة واستصغار قال تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (٤).
فالكافر تحرم طاعته، وتجب معصيته ومقاطعته، وأما الحاكم المسلم العدل تجب طاعته وتحرم منازعته، أما الحاكم الفاسق أو العاصي فهو الذي يدور فيه الخلاف، وللعلماء في عزل الحاكم الفاسق والخروج عليه ثلاثة آراء هي:
أولاً: وجوب العزل إذا ظهر الفسق بالقول أو الفعل.
ثانيًا: منع العزل إذا كان العزل يفضي إلى فتنة متوقعة أشد من المصلحة المتوقعة من العزل.
стр. 503
ثالثًا: منع العزل مطلقًا.
وبما أن الاستطراد في توضيح هذه الأقسام الثلاثة قد يخرج بنا عن نطاق الموالاة والمعاداة إلى صلب النظرية السياسية في الإسلام، فإننا نكتفي بالإشارة إلى ما نراه راجحًا في هذه المسألة حيث إنه بإمكان القارئ أن يرجع إلى هذه الأقوال في مصادرها التي سنشير إليها في هامش هذه الرسالة تلافيًا لإطالة الموضوع بلا سبب قوي يوجب ذلك.
والرأي الذي أرجحه من هذه الآراء الثلاثة أن الحاكم إذا عصى وارتكب أمرًا يوجب فسقه القولي أو الفعلي نُظِرَ إليه، فإن كان العزل يمكن أن يتم بطرق سلمية كما هو الأصل في الشريعة الإسلامية، وجب عزله عند حصول المعصية نظرًا إلى أن الأصل من شروط الولاية العدل في الخليفة وتحقق العدالة فيه، فإذا نقض هذا الشرط بنفسه وجب خلعه، كما يحصل في بعض الدول الكافرة التي أخذت ببعض المفاهيم السياسية الإسلامية في تعيين الحاكم وعزله، فنجد أن بعض الدول الكافرة تعزل رئيسها عند أدنى خطأ يرتكبه، بينما يتشبث المتسلطون على رقاب المسلمين بكرسي الحكم حتى لو أبادوا الشعب كله في سبيل ذلك، أو أن يلقي الشعب بجسد الحاكم من على كرسيه جثة هامدة. وهذا كله مخالف لأصول النظام السياسي في الإسلام. فإذا كان عزل الحاكم لا يتم بالطرق السلمية كما ذكرنا، فإني أرى الرأي القائل بكراهية الخروج على الحاكم وعزله ونقض بيعته إذا كان الغالب على الظن حصول فتنة بذلك كما هو رأي جمع من العلماء (١).
فالعزل الذي يترتب عليه سفك الدماء ونهب الأموال والاعتداء على الأعراض وتعطيل الحدود الشرعية، لا شك أنه يجلب على الأمة ودينها أكثر
стр. 504
مما ينشده المصلحون من دفع المفاسد الحاصلة بسبب فسق الحاكم وحكومته.
فقد تكون مصلحة الأمة في بقائها وصبرها على المعاصي ومحاولة إصلاحها بالتي هي أحسن أعظم من وقوعها في دوامة الصراع والتناحر مع شخص الحاكم وحكومته، إذ لا يعلم نهاية الصراع وآثاره المدمرة وما يقع فيه إلا الله تعالى.
كما أنه لا يجوز القول بوجوب العزل في كل مسألة فسق مهما صغرت، لأن ذلك يؤدي إلى عدم وجود دولة تحكم بالكلية، نظرًا إلى أن الإنسان غير معصوم من الخطأ وارتكاب بعض صغائر الذنوب، فلو أخذ أحد برأي المعتزلة الذين يرون وجوب العزل في كل معصية مهما صغرت، لتوالى أمر العزل والتولية بشكل مستمر، مما يفقد هذا المنصب أهميته واستقراره، وهيبة أهله التي يجب أن يكون لها في نفوس الناس وقع واحترام (١). وعلى هذا تحمل الأحاديث الواردة في المصابرة ووجوب الطاعة للولاة ما لم يظهروا كفرًا بواحًا.
أما إذا كان الغالب على الظن عند ظهور فسق الحاكم ومعصيته أن عزله لا يترتب عليه حصول فتنة، وأن التغيير له يمكن أن يمر بسلام فيستحب عزله وذلك للأسباب الآتية:
أولاً: أن احترام وطاعة رئيس الدولة ومحبته واجب شرعي بشرط أن يحترم نفسه، ومنصبه، ويحترم حق الأمة في هذا المنصب وأن يتبوأه بحقه أما إذا انحرف عن ذلك فإن للأمة الحق في تتبع المنحرف عن دستورها السماوي، ومجازاته على انحرافه لئلا يظن أن له حصانة تحميه من المحاسبة على أقواله وأفعاله فيشجعه هذا الظن السيئ على الفسق
стр. 505
والفجور، وديننا أسمى وأكمل من الأنظمة الوضعية التي تعزل الحاكم وتنزل به أشد العقوبات عند الخروج على نظامها. فكيف من يخرج على نظام شرعه الله من فوق سبع سموات؟!!
ثانيًا: إن مبدأ التسامح مع الولاة الفساق والظلمة مبدأ خطير على الأمة لا يقف عند حد، حيث يفقد الأمة أهم خصائصها في إقامة العدل واستيفاء الحقوق، وتنفيذ الواجبات على الناس من القمة إلى القاعدة بلا استثناء أو تمييز، كما هو مقرر في الشريعة الإسلامية، فقد روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يده أوشك الله أن يعمهم بعقاب من عنده» (١).
ولكن للأسف الشديد إن القول بعدم جواز عزل الحاكم قد تجاوز مرحلة فسق الحاكم ومعصيته إلى القول بعدم جواز عزله مهما فجر وطغى، ومهما أباح وحرم، ومهما أظهر من ألوان الكفر الاعتقادي والقولي والعملي، وهذا القول -بحمد الله- لم يقل به أحد من علماء الإسلام المعتمدين، وإنما قال به جماعة من أدعياء العلم والفقه وسماسرة الكلمة الذين يبيعون ذممهم بحفنة من الدراهم، أو ينافقون مع الحكام الكفرة خوفًا من ظلمات السجن وأعواد المشانق، فيهرولون إلى عتبات الحكام الكافرين بالفتاوى المعلبة الجاهزة التي يعلمون مسبقًا أنها تنال رضى الحاكم وتبرق لها أسارير وجهه.
لقد وجد الطغاة جمهورًا من علماء النفاق ووعاظ المسكنة الذين زينوا للطغاة انحرافهم، وبرروا لهم أخطاءهم وقاموا بمؤنة إقناع الناس نيابة عن سادتهم حتى وصل الأمر إلى ما هو مشاهد من ولاء للحكام الكافرين في معظم البلاد الإسلامية (٢) وهؤلاء الذين يتزيون بزي العلماء وهم كمثل
стр. 506
الحمار يحمل أسفارًا، قد جروا على البلاد الإسلامية مفاسد كثيرة لا تعد ولا تحصى وفيهم يقول ابن المبارك ﵀:
وهل أفسد الدين إلا الملو
ك وأحبار سوء ورهبانها (١)
ويقول الشاعر سليمان بن سحمان في وصف دار الكفر وحكم الكافرين ما يلي:
إذا ما تولى كافر متغلب
على دار إسلام وحل بها الوجل
وأجري بها أحكام كفر علانيا
وأظهرها فيها جهارا بلا مهل
وأوهى بها أحكام شرع محمد
ولم يظهر الإسلام فيها وينتحل
فذي دار كفر عند كل محقق
كما قاله أهل الدراية بالنحل
وما كل من فيها يقال بكفره
فرب امرئ فيهم على صالح العمل
ولم تجر للكفار أحكام دينهم
على أهلها لكن بها الكفر قد حصل
وما كان فيها الجانبان على السوى
فقال تقي الدين في ذلك المحل
يعامل فيها المسلمون بحقهم
وذا الكفر ما قد يستحق من العمل
فلا تعط حكم الكفر من كل جانب
стр. 507
ولا الحكم بالإسلام في قول من عدل
ومن يتول الكافرين فمثلهم
ولا شك في تكفيره عند من عقل
ومن قد يواليهم ويركن نحوهم
فلا شك في تفسيقه وهو في وجل
وكل محب أو معين وناصر
ويظهر جهرًا للوفاق على العمل
فهم مثلهم في الكفر من غير ريبة
وذا قول من يدري الصواب من الزلل
فوالي الذي والي لدين محمد
وعادى الذين عاداه من كل من جهل
وأبغضهم في الله ﷻ
كما قد أحب المهتدين وما غفل (١)
وخلاصة القول في هذه المسألة أن الدولة إذا كانت كافرة كحال معظم الدول المنتسبة إلى الإسلام وهي أبعد ما تكون عنه حيث تحرم ما أحل الله وتبيح ما حرم الله، وتجري بها أحكام الكفر علانية، فإن موقف المسلم منها أن يعاديها ويبغضها، ولا يناصرها بقول أو فعل عملاً بقوله تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) (٢).
أما إن كانت الدولة فاسقة عاصية ظالمة، فإن مودتها غير جائزة، ومناصرتها غير مشروعة إلا ضد من هو أشد منها فسقًا وظلمًا، بناء على القاعدة الفقهية في درء أعظم المفسدتين بأدناهما (٣).
стр. 508
ولو صبر على فسقها وظلمها في حالة عدم وجود من هو أصلح منها لكان ذلك أمرًا مباحًا، وإذا كان إحلال غيرها محلها يترتب عليه من المفاسد أعظم مما ينشده المصلحون من المصالح فإن الأولى الصبر عليها وعدم الخروج عن طاعتها، أما لو أخذ المسلمون بمبدأ نظام الحكم في الإسلام أخذ صحيحًا لوجب عزل الحاكم بالطرق السلمية عند فسقه وعصيانه (١).
أما إذا وُجِدَ الحاكم المسلم العدل والحكومة الإسلامية الحقة فإن طاعتها واجبة ومناصرتها فريضة والخروج عليها معصية قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (٢). وفي الحديث عن رسول الله ﷺ قال: «إنكم سترون بعدي أثرة وأمورًا تنكرونها قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: أدوا إليهم حقهم، وسلوا الله حقكم» (٣).
فحق الولاة على المسلمين طاعتهم في غير معصية الله ورسوله، ومناصرتهم وتأييدهم بما ليس فيه ضرر على المؤمنين في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم.
وإذا فليطمئن الحاكم المسلم على نفسه ما دام يحكم بالإسلام حيث قد ضمن الإسلام وجوب طاعته وحرم الخروج عليه، وإذا انحرف الحاكم عن حكم الله وعطل شرع الله فالخطأ خطؤه والجريمة جريمته، وما يلقاه من عنت ومشقة حينئذ إنما سببه تعديه على حدود الله، كحال أي مجرم يتعدى على الحدود الشرعية، فيكون جزاءه الردع والتأديب، ولذا فإن دار الإسلام هي التي يحكم فيها الإسلام وحينئذ يجب أن يتولى المسلمون فيها بعضهم بعضًا، وما عداها فهي دار حرب، علاقة المسلم بأهلها إما القتال،
стр. 509
وإما المهادنة على عهد أمان، ولكن ليست دار إسلام، ولا ولاء بين أهلها وبين المسلمين (١).
سواء كان حكامها من الكفار الأصلاء أم العملاء فهما وجهان لعملة واحدة هي الكفر.
يقول الشاعر:
سيان من جاء باسم الشعب يظلمه
أو جاء من "لندن" بالبغي يبغيه (٢)
стр. 510
الفصل الثاني: الموالاة والمعاداة للفرق التي تنتسب إلى الإسلام
١ - تقديم لهذا الفصل حول افتراق هذه الأمة.
٢ - المبحث الأول: موالاة ومعاداة الفرقة الزيدية.
٣ - المبحث الثاني: موالاة ومعاداة الشيعة الاثنى عشرية.
٤ - المبحث الثالث: موالاة ومعاداة الطائفة النصيرية.
٥ - المبحث الرابع: موالاة ومعاداة الدروز.
стр. 511
تقديم: حول افتراق هذه الأمة
قال رسول الله ﷺ : «افترقت اليهود على إحدى وسبعين أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة»، وفي رواية «ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، اثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة» (١)، والحديث بسنده ومعناه صحيح في الجملة، وقد اختلف العلماء في كون هذه الفرق في النار، فقال قوم هو أن هذه الفرق تدخل النار لبدعتها، وإن كانت، لا تخلد فيها، لأنه لا يخلد فيها منهم إلا من وصل ببدعته إلى حد الكفر، مثل الغلاة من الفرق الباطنية، الذي يؤلهون عليا، أو ينكرون تمام الرسالة أو القرآن أو يئولون أركان الإسلام تأويلاً فاسدًا مثل تأويلات الدروز والنصيرية لأحكام الإسلام.
стр. 512
يقول ابن قيم الجوزية ﵀: إن قول الرسول ﷺ : «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة» فيه دلالة على أن هذه الفرق كلها غير خارجة عن الإسلام، إذ قد جعلهم النبي ﷺ كلهم من أمته، وفيه أن المتأول لا يخرج من الملة وإن أخطأ في تأويله (١). اهـ.
واختلف العلماء في أهل البدع:
القول الأول: من كفرهم جميعًا وهذا القول قال به بعض المتأخرين المنتسبين إلى الأئمة أو إلى المتكلمين (٢).
القول الثاني: من كفر الجهمية دون الروافض، والخوارج، والقدرية، والمرجئة. وقد قال بهذا القول: يوسف بن أسباط وعبد الله بن المبارك وتبعهم على ذلك طائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم (٣).
القول الثالث: من لا يكفر أحدًا من أهل البدع، بل يجعلهم من أهل الوعيد بمنزلة الفساق والعصاة، ويجعل قول الرسول ﷺ «في النار» مثل ما جاء في سائر الذنوب من أكل مال اليتيم ونحو ذلك (٤).
ويقول: ابن تيمية ﵀ «وفصل الخطاب في هذا الباب يذكر أصلين:
الأصل الأول: أن يعلم أن الكافر في نفس الأمر من أهل الصلاة لا يكون إلا منافقًا، وإذا كان الأمر كذلك، فأهل البدع فيهم الزنديق حيث كان
стр. 513
رؤساء أهل البدع منافقين زنادقة وهذا كفر ومن أهل البدع من يكون فيه إيمان باطن وظاهر، ولكن فيه جهل وظلم حتى أخطأ من السنة، فهذا ليس بكافر ولا منافق، ومن أهل البدع من يكون فيه عدوان وظلم يكون به فاسقًا أو عاصيًا، لا يرقى به إلى درجة الكفر. ومن أهل البدع من يكون مخطئًا ومتأولاً مغفورًا له خطؤه، وقد يكون مع ذلك معه من الإيمان والتقوى، ما يكون معه من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه» (١).
الأصل الثاني: إن المقالة الواحدة يختلف حكمها بحكم قائليها فمن جحد وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج، أو أباح الزنا والخمر والربا ونكاح ذوات المحارم، فهذه المقالة كفر بواح لا غبار عليها.
وقد يقول بذلك إنسان لم يبلغه الخطاب، ولم تبلغه الشرائع (٢) الإسلامية فلا يكفر بذلك، لأنه لا يحكم بكفر من جحد شيئًا مما أنزل على الرسول ﷺ إذا لم يعلم أنه أنزل على رسول الله ﷺ (٣). اهـ.
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن رجل يفضل اليهود والنصارى على الغلاة من الفرق الباطنية.
فأجاب: أن كل من كان مؤمنًا بما جاء به محمد ﷺ فهو خير من كل من كفر به، وإن كان في إيمانه ذلك نوع من البدعة، سواء كانت بدعة التشيع، أو من المرجئة والقدرية وغيرهم، فإن اليهود والنصارى كفار كفرًا معلومًا بالاضطرار من دين الإسلام، والمبتدع إذا كان يحسب أنه موافق
стр. 514
للرسول ﷺ لا مخالفًا له، لم يكن كافرًا به، ولو قدر أنه يكفر فليس كفره مثل كفر من كذب الرسول ﷺ (١).
ويقول عبد القاهر بن طاهر البغدادي (٢) إن وصف «أمة الإسلام» لا يشمل إلا من كان مقرًا بحدوث العالم، وتوحيد صانعه، وقدمه وصفاته، وعدله، وحكمته، ونفى التشبيه عنه، وآمن بنبوة محمد ﷺ وبعموم رسالته إلى الكافة، وقام بتأييد شريعته، واعتقد أن كل ما جاء به الرسول ﷺ حق وبأن القرآن الكريم خال من الزيادة أو النقص، وأنه مع السنة متبع أحكام الشريعة، وأن الكعبة هي القبلة التي تجب الصلاة إليها، فكل من أقر بذلك، ولم يشبه ببدعة تؤدي إلى الكفر فهو من أهل السنة الموحدين الداخلين في مسمى أمة الإسلام (٣).
ثم يقول: «إن فرقة الزيدية والإمامية معدودتان في فرق الأمة الإسلامية، ما عدا الغلاة منهما فخارجون عن الإسلام».
أما الفرق الباطنية كالدروز والنصيرية والقرامطة ونحوهم فهي ليست من فرق الإسلام بل هي فرق خلطت بين المجوسية والنصرانية والإسلام فأخذت من كل بطرف زيادة في التضليل والنفاق (٤). اهـ.
стр. 515
وقد عدَّ ابن تيمية ﵀ فرقة النصيرية التي تدعى العلوية من الفرق الخارجة عن الإسلام (١). اهـ.
وعلى هذا فإن الحكم على الفرق المنتسبة إلى الإسلام يختلف باختلاف نظرتها واعتقادها في أصول الإسلام، فمن يعتقد في أصل من أصول الإسلام ما يوجب الكفر يحكم بكفره ومن يعتقد تأويلاً باطلاً في أصل من الأصول فإنه لا يحكم بكفره ولكنه يوصف بالفسق والعصيان إذا كان هذا التأويل لا يوجب الكفر وذلك مثل اعتقاد بعض الشيعة بأن الصلاة جماعة غير واجبة حتى يخرج المهدي المنتظر في زعمهم فمن حافظ على الصلاة منفردًا منهم فلا يكفر بترك الجماعة لأن مسألة حضور الجماعة ليست أصولية يحكم بكفر من تركها.
فالخلاف في الأصول الشرعية لا يعذر فيه أحد، ولذلك لما كتب أحمد بن علي القاسمي رسالة إلى عبد العزيز بن محمد بن سعود ﵀ يقول فيها «ولا يعترض أحد منا على أحد في مذهبه، وكل مجتهد مصيب» فرد عليه عبد العزيز - وهو من العلماء العاملين والحكام العادلين - بقوله «هذا في مسائل الفروع، لا في الأصول، حيث إن المشركين من اليهود والنصارى وغيرهم يدَّعون أنهم مصيبون (٢). قال تعالى: (إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ) (٣)».
وقال تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) (٤). اهـ.
فمن المعلوم أن أهل السنة والجماعة وإن اختلفوا في بعض المسائل
стр. 516
الفقهية الفرعية، فإن اختلافهم ناجم عن اجتهاد محض، ودوافع بريئة من كل شائبة في غالب أحوالهم، وهذا الاختلاف إن كان اختلاف تنوع في بعض المسائل الفرعية فهو أمر لا يعيب المختلفون فيه بعضهم بعضًا.
وإن كان اختلاف تضاد في مسائل فرعية فيجوز وصف أحد المخالفين بالخطأ والآخر بالصواب، ولكن المخطئ لا يخرج من ملة الإسلام ما لم يتعمد سلوك الخطأ عن علم ويقين، أما من أخطأ عن اجتهاد منه في مسألة فرعية، فلا ضير عليه (١).
أما الخلاف في أصل من أصول الإسلام فهو أمر لا يجوز قولاً واحدًا، ومن خالف في أصل من أصول الإسلام فحكمه الكفر، ومن يخالف في أصل واحد كمن يخالف في سائر الأصول، ومذهب أهل السنة والجماعة فيمن خالف في أصل من أصول الإسلام أنهم يوجبون البراءة منه ومن قوله وفعله واعتقاده (٢).
ولذلك فإن دراستنا لأي فرقة من الفرق المنتسبة إلى الإسلام يقودنا إلى دراسة أهم الأصول الاعتقادية والشعائر التعبدية لتلك الفرقة من واقع مصادرها الأصلية، وما قاله عنها جهابذة العلماء عبر التاريخ، ثم بعد الاطلاع على الأسس والمنطلقات العقائدية لتلك الفرق نستطيع تصنيفها وترتيبها، ومعرفة درجة الموالاة والمعاداة التي ينبغي لأهل الإسلام الالتزام بها من واقع أقوال وأفعال مؤسسي تلك الفرق وأتباعهم إلى عصرنا الحاضر.
وقد يقول معترض أن البحث في الفرق الإسلامية وخلافها من أهل السنة والجماعة عمل سلبي وتحصيل حاصل لا يترتب عليه فائدة لأطراف
стр. 517
النزاع سوى إذكاء روح العداوة بينهما كلما هدأت الفتنة بمرور الزمن وحانت فرصة الوحدة والالتقاء.
ونحن نرد على هذا الاعتراض بأن غرض العلماء من بيان هذا الأمر في كل زمان ومكان، هو بيان بطلان الباطل من تلك العقائد الضالة، لئلا تتخذ مع مرور الزمن، أمور مسلمة عند سلامتها من النقد والمناقشة والاعتراض، فإن رجع أصحابها عنها فقد رجعوا إلى الحق، وإن تمسكوا بها فقد تمسكوا بالباطل، فبيان بطلانها واجب على المسلمين للمسلمين، وللكفار الذين يتخذون من اعتقادات بعض فرق الباطنية وسيلة للطعن في الإسلام وتشويه نظامه المميز الفريد.
ونحن قد نلجأ إلى الغلظة في الكلام بناء على الحقائق المذهلة التي قد يكون إثباتها جارحًا لبعض الفرق، مما قد يجعلهم يصفون هذا الأسلوب بأنه نوع من التطرف والتشنج والانفعال الخالي من الحوار الهادئ، والجدل الموضوعي.
ونحن نرد: بأن المقام مع من يعبثون بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ويتسلون بدماء المسلمين وأعراضهم ليس مجرد الغلظة في الكلام ولكن حسبنا الله ونعم الوكيل.
стр. 518
المبحث الأول: موالاة ومعاداة الفرقة الزيدية
الزيدية أو المذهب الزيدي ينسب إلى الإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ المتوفي سنة (١٣٢هـ - ٧٤٠م)، ويطلق على هذا المذهب في الأوساط الفقهية المذهب الخامس لأنه يلحق بالمذاهب الفقهية الأربعة نظرًا لاعتداله في بعض المسائل الفقهية (١).
وقد ألحقه كثير من الدارسين لأحوال الفرق الإسلامية بالمذهب الشيعي، لأن أهم رجال هذه الفرقة ممن يروي عن أئمة الشيعة، وموقفهم من الخلافة، أنهم يختلفون عن سائر فرق الشيعة حيث يرى البعض منهم جواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل، وموقف المعتدلين منهم عدم جواز سب الصحابة (رضوان الله عليهم) فهم يرون أن عليًا بن أبي طالب ﵁ أولى بالإمامة هو وأبناؤه بلا تمييز بين الأبناء وأبناء
стр. 519
الأبناء، وإذا قارنا بين آراء الزيدية في مسألة العصمة والإمامة والتقديس والرجعة والمعجزة والتقية والمهدية وتخطئة الصحابة، بآراء الشيعة الإمامة وببقية الفرق الأخرى لوجدنا أن هناك فرقًا كبيرًا بينهما، ولا يعني هذا خلو المذهب الزيدي من بعض المسائل والشوائب التي دخلت عليهم عن طريق التشيع لآل البيت فالمذهب الزيدي في جملته ينحو فيما يتعلق بالأسماء والصفات ونحو المعتزلة حيث إن زيد بن علي تتلمذ على يد واصل بن عطاء مؤسس مذهب الاعتزال في الأسماء والصفات (١).
وفيما يتعلق بالمسائل الإيمانية مخالف للمرجئة الذين يرون الإيمان مجرد التصديق بالقلب (٢)، كما أن المذهب الزيدي يحمل طابع التشدد في الدين في بعض القضايا، ويشترك الزيدية مع الشيعة في قولهم في الآذان: (حي على خير العمل). والتكبير خمس مرات في صلاة الجنازة، ورفض المسح على الخفين ورفض الصلاة خلف الفاجر، وعدم أكل ذبائح غير المسلمين (٣). هذا هو مذهب جمهور الزيدية، وقد شذ منهم بعض الفرق التي ضلت بسبب غلوها المفرط في التشيع وذلك مثل الجارودية وهم أتباع أبي الجارود بن المنذري العبدي، فقد خالفوا منهج الزيدية وضللوا الصحابة في اختيارهم غير الإمام علي ﵁ ويرفضون إمامة أبي بكر ﵁ وهم يعتبرون عند جمهور الزيدية، رافضة غلاة متطرفين. أما البترية، والسليمانية من فرق الزيدية فهما أكثر اعتدالاً من
стр. 520
الجارودية في نظر عامة الزيديين لعدم تخطئتهما الصحابة، إلا أنهما اشترطا شروطًا حول الإمامة لم يوافق عليها جمهور الزيدية (١).
ويقول أحمد أمين (٢): «إن مذهب الزيدية من أعدل مذاهب الشيعة وأقربها إلى أهل السنة حيث لا يسبون الصحابة (رضوان الله عليهم) وينظرون إلى الإمامة نظرة اعتدال، ولا يقولون بوجوب النص ولا بعصمة الأئمة» (٣). اهـ.
أما اليزيدية من الخوارج وهم أتباع يزيد بن أبي أنيسة الخارجي فليست هذه الفرقة من فرق أهل الإسلام، لأنها تقول: «إن شريعة الإسلام تنسخ في آخر الزمان بنبي يبعث من العجم» (٤). اهـ.
وقد سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ عن مذهب الزيدية المنسوب إلى زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵄ فقال: «زيد عندنا من علماء هذه الأمة فما وافق من أقواله الكتاب والسنة قبلناه، وما خالف ذلك رددناه، كما نفعل مع أقوال غيره من الأئمة والعلماء، هذا إذا صح النقل عنه بذلك ولكن أكثر ما ينسب إليه ويروى عنه، كذب وافتراء عليه، كما يفعل غلاة الشيعة مع علي بن أبي طالب ﵁ وأهل بيته حيث يروون عنهم، أقوالاً وآحاديث
стр. 521
مخالفة لأصول الإسلام ولما ثبت عن رسول الله ﷺ بطريق متواتر، وما أثبته العلماء الثقات بالنقل الصحيح».
ثم يقول والمذهب الزيدي الصحيح منه ما وافق الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وما خالف ذلك فهو باطل سواء كان ذلك مذهبًا زيديًا، أو أي مذهب كان (١). اهـ.
ويظهر مما تقدم أن فرقة الزيدية هم أقرب الفرق إلى أهل السنة والجماعة، فمن كان منهم يختلف مع أهل السنة في مسألة فرعية وقضية اجتهادية فهذا الخلاف لا يقطع مودة، ولا يوجب عداوة لأنه يجري بين جميع المسلمين. أما الخلاف في مسائل أصولية، مثل سلوكهم طريق المعتزلة في موضوع الأسماء والصفات، فهذا الخلاف الصحيح أنه ينقل عن الملة إذا كان القول كفرًا كإنكار علم الرب جل وعلا بالأمور قبل حدوثها والقول بخلق القرآن وأن الله لا يرى في الآخرة، وأنه ليس في السماء فهذه المسائل توجب معاداة من يعتقدها مثل معاداة الكفار وتقتضي عدم موالاته ما دام متمسكًا بتلك الاعتقادات المخالفة للكتاب والسنة وإجماع الأمة ومدلول اللغة ومنطق العقل السليم.
وعلى هذا فإن منهج التعامل مع الزيدية هو منهج التعامل مع غيرهم من الناس، فمن خالف بذنب دون الكفر، عاملناه معاملة الفساق والعصاة (٢) بعد نصحه وبيان الحق له، ومن خالف بما يوجب الكفر أبغضناه وعاديناه، وقطعنا عنه الموالاة والمودة والمناصرة وسلكنا معه سبيل المرتدين عن الإسلام (٣)، وحاولنا حمله هو وأمثاله على الحق بما نستطيع من وسائل لتحقيق ذلك، والله الهادي إلى سواء السبيل.
стр. 522
المبحث الثاني: موالاة ومعاداة الشيعة الاثنى عشرية
إن دراستنا لبعض الفرق المنتسبة للإسلام ليست دراسة تفصيلية لهذه الفرق بقدر ما هو معرفة أهم الأسس العقائدية لتلك الفرقة التي هي مجال بحث حتى يتسنى لنا النظر إليها من خلال منظار صحيح فلا نغالي في عداواتها بما يخالف منهج الإسلام، ولا نتسامح في موالاتها ونصرتها بما يضر الإسلام ويحبط العمل، بل يجب أن نحكم القرآن الكريم والسنة النبوية مع من نختلف معهم، عملاً بقوله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) (١). فالعدل مطلوب مع كل أحد والتعصب مذموم، إذا كان مبعثه الهوى والعاطفة المجردة من الحقيقة والدليل ودراستنا لفرقة من الفرق لا يعني أن كل المنتمين إليها يعتقدون ذلك الاعتقاد الفاسد ويتصورون ذلك التصور السخيف، فهناك من تراجع عن هذه الأفكار والاعتقادات وهناك من يجتهد في تطبيقها وتعلمها وهو على
стр. 523
خطأ في ذلك ولكنه من الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، ونحن ندرك أن الذين بدأوا خط الانحراف لتلك الفرق، إنما كانوا منافقين زنادقة تظاهروا بالإسلام، وهم أشد الكفار كفرًا ونفاقًا (١)، يقول الأستاذ أحمد أمين في كتابه ضحى الإسلام إن أول من قال بالرجعة عند الشيعة هو عبد الله بن سبأ وهو يهودي حاقد تظاهر بالإسلام كما تظاهر سلفه بولس بالنصرانية لإفسادها، وقد نقل ابن سبأ فكرة الرجعة هذه عن بولس حيث ورد في الإصحاح الثاني والعشرين والثالث والعشرين حكاية عن بولس «أنا رجل يهودي ولدت في طرسوس كيليكة ولكن ربيت في هذه المدينة "أورشليم" وقال في الثالث والعشرين «أنا فريسي ابن غريسي على رجاء قيامة الأموات» فنقل بن سبأ فكرة الرجعة وفكرة التقديس للأئمة ورفعهم إلى مرتبة الألوهية» (٢). اهـ.
وكل هذه المسائل التي انفردت بها الشيعة لها نظائر عند اليهود والنصارى، وهي أمور يأباها الدين الحق، ولقد أجمع المؤرخون المنصفون من الشيعة (٣) والسنة (٤) أن الذي أضرم نار الفتنة وسعى بالفرقة بين المسلمين، وحرض على أمير المؤمنين، وخليفة المسلمين عثمان بن عفان، هو ذلك اللعين ابن سبأ وشرذمته من اليهود الذين أدمى الحقد قلوبهم وأعمى النور أبصارهم، فعمدوا إلى تفتيت قوة الإسلام من داخله وتمزيق وحدته، وإثارة العداوة بين أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين لهم بإحسان وقد أصاب هذا الدعي بعض النجاح بزرع أسباب الفتنة بين المسلمين التي ما زال المسلمون يعانون من آثارها حتى عصرنا الحاضر (٥).
стр. 524
وسنقتصر على محاكمة هذه الفرقة من خلال النصوص المعتمدة في كتبها القديمة والحديثة، وعندما نتخذ حكمًا حول أصل من أصولهم فإنما يصدق هذا الحكم على من قال ذلك الكلام، وعلى من صدقه أو اعتقد صحته، في أي زمان ومكان، سواء كان ممن ينتسب إلى الشيعة أو ينتسب إلى غيرهم ولا ينطبق ذلك الحكم على عموم الأفراد من الشيعة الذين لا يؤمنون بتلك الأقوال، التي ظهر عيبها، وبان عورها عند كثير من الشيعة أنفسهم في العصر الحاضر، فضلاً عن غيرهم من الناس وسنتناول عقيدة الشيعة الاثنى عشرية في القرآن الكريم، وفي تفسير بعض الآيات من القرآن الكريم، ونظرتهم إلى الإمامة وغلوهم في الأئمة وعقيدتهم في العصمة، والرجعة والبَدَاء على الله وهذه بعض الفوارق بينهم وبين أهل السنة والجماعة والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.
(أ) (عقيدةُ الشيعةِ الاثنى عشرية في القرآن الكريم):
إن الشيعة الاثنى عشرية فيهم الغلاة الذين صرحوا بنقصان القرآن الكريم وتحريفه، وفيهم المعتدلون الذين قالوا بتمام القرآن، ولكنهم لم يتبرأوا ممن قال بنقيض قولهم، بل سكتوا عن ذلك وتغافلوا عنه، وإن عدم الإيمان بحفظ القرآن الكريم وصيانته من التحريف يجر إلى إنكار القرآن وتعطيل الأحكام التي جاءت من عند الله، لأنه حينئذ يحتمل في كل آية من آيات القرآن الحكيم أنه وقع فيها تبديل وتحريف، وحين يقع الاحتمال يبطل الاستدلال، وعند ذلك تبطل الاعتقادات، لأن الإيمان لا يكون إلا باليقينيات وأما الظنيات والمحتملات فلا يبنى عليها اعتقاد جازم.
وإذا رجعنا إلى قول علماء الشيعة في القرآن الكريم، نجد أن جمهور علماء الشيعة، وخاصة المعتمدون لديهم من السابقين، يقولون بأن القرآن الموجود لدى أئمتهم عدد آياته سبعة عشر ألف أية وأن الموجود لدى المسلمين في العصر الحاضر لا يساوي إلا الثلث وها هي النصوص من
стр. 525
كتبهم المعتمدة لديهم تنطق بذلك حتى لا يتوهم أحد أننا نتقول عليهم غير ما يقولون.
أولاً: يروي المحدث الشيعي الكبير (الكليني) (١) الذي هو حجتهم ومعتمدهم ومرجعهم في عقيدة الاثنى عشرية في أقوالهم وأفعالهم، والذي كتبه لديهم بمنزلة صحيحي البخاري ومسلم عند عامة أهل السنة يقول: الكليني في كتابه «الكافي في الأصول» رواية عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله ﵇ قال: «إن القرآن الذي جاء به جبرائيل ﵇ إلى محمد ﷺ سبعة عشر ألف آية» (٢).
ومعنى هذا أن الشيعة فُقِدَ في اعتقادهم ثلثا القرآن الكريم وفي رواية أخرى يرويها الكليني: «أنا أبا الحسن موسى ﵇ كتب إلى علي بن سويد وهو في السجن: «ولا تلتمس دين من ليس من شيعتك، ولا تحبّن دينهم، فإنهم الخائنون، الذين خانوا الله ورسوله، وخانوا أمانتهم، وهل تدري ما خانوا أماناتهم؟ ائتمنوا على كتاب الله فحرفوه وبدلوه»» (٣). اهـ.
هذه نماذج مما كتبه الكليني عن كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
ثانيًا: ما يروى ععن صدوق الشيعة «كما يزعمون» ابن باويه القمي
стр. 526
قال: رواية عن ابن الزبير عن جابر قال سمعت رسول الله ﷺ يقول يجيء يوم القيامة ثلاثة يشكون - المِصْحَف، والمسجد - والعترة - يقول المصحف يا رب حرقوني ومزقوني (١).
ثالثًا: من أشد كتاب الشيعة تطرفا ومغالاة في ذلك المدعو - مرزا حسين بن محمد التقي النور الطبرسي، وهو من أجل علماء الشيعة لديهم ألف كتابًا سنة (١٢٩٢هـ) سماه فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب (٢). وعندما طبع هذا الكتاب قام بعض زعماء الشيعة باحتجاج على مؤلفه لأنهم كانوا يريدون أن يبقى التشكيك في صحة القرآن محصورًا بين خاصتهم، ومتفرقًا في الكتب المعتبرة لديهم، وإلا لو كانوا صادقين في إنكار ذلك لما قاموا بطبع الكتب وترويجها وهي التي في الحقيقة مصدر لذلك الكتاب الذي كتبه المرزا حسين، فهو لم يأت بشيء جديد سوى جمع ما تفرق من إثم وباطل في حيز واحد؛ ولكنهم قالوا إن إصدار مثل هذا الكتاب يكون حجة واضحة ماثلة أمام أنظار الجميع. ثم ألف كتاب آخر سماه «رد بعض الشبهات عن فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب» والكتابين فيهما من السخف ما لم يقل به متعصبوا اليهود والنصارى في عداوة الإسلام، فقد ذكر في كتابه الأول في الصفحة (١٨٠) منه أن القرآن الموجود في أيدي الناس تنقصه سورة الولاية التي مذكور فيها ولاية علي بن أبي طالب، وعندما مات هذا الشخص بعد كتابه الأخير بسنتين كافأه عامة الشعية على هذا المجهود في محاولة إثبات
стр. 527
تحريف القرآن بأن دفنوه في ذلك المكان المقدس لديهم في بناء المشهد العلوي في النجف المشرف لديهم (١).
وهذا لا يعني أن كل الشيعة الاثنى عشرية يقولون بذلك فإنا نجد منهم من ينكر تحريف القرآن الكريم وهذا هو الصواب إن لم يكن تقية من بعضهم، فإن التقية من مبادئهم وهي تعني إظهار شيء وإخفاء ضده، ولكننا لسنا مكلفين ولا قادرين على معرفة ما تحويه القلوب فنحكم على الظاهر والله يتولى السرائر، فنجد أن الشيخ الشيعي لطف الله الصافي في كتابه مع الخطيب في خطوطه العريضة ينكر تحريف القرآن الكريم (٢)، وكذلك إبراهيم الموسوي الزنجاني من كتابهم المعاصرين يذكر في كتابه «عقائد الأمة الاثنى عشرية» ما نصه:
«ولقد اتفقت الإمامية الاثنى عشرية بكلمة واحدة على أنه لا زيادة في القرآن، وجزموا بكلمة قاطعة أن الذي بين الدفتين هو القرآن المنزل، دون زيادة أو نقصان، واليوم أصبح هذا القول ضرورة من ضرورات الدين ثم يقول: وذكر سيدنا وأستاذنا في العلوم العقلية، آية الله السيد أبو القاسم الخوئي النجفي في تفسيره وأصوله، قوله: وأما دعوى تحريفه، فإنا نمنع وقوعه أولاً، ولم يقل به إلا بعض العامة، وتبعهم نفر من الخاصة الذين لا تحصيل لديهم» (٣).
ومناقشة هذا القول على النحو التالي:
أولاً: إن ما قال به أبو القاسم الخوئي ولطف الله الصافي وإبراهيم الموسوي الزنجاني وغيرهم من عدم تحريف القرآن حق لا غبار عليه وشجاعة منهم ومن أمثالهم في قول كلمة الحق في وسط ينكر ذلك، ولكن
стр. 528
ثمة تقصير منهم في عدم كشف الحقيقة كاملة حيث إن ما ادعاه لطف الله الصافي من أن الشيعة لا تعتقد بتحريف القرآن وتغييره إنكار لا يستند إلى دليل.
١ - فهو لم يستطع إنكار كتاب -الحاج- مرزا حسين بن محمد التقي النوري الطيرسي- ولم يبين مرتبته وشأنه عند الشيعة، بل بالعكس، قد اعترف بتضلعه في الحديث، وعلو مقامه عندهم (١).
٢ - لم يتبرأ من الذين قالوا بتحريف القرآن الكريم أمثال الكليني، وابن بابويه القمي، ومرزا حسين وغيرهم، ولم يذكرهم بأسمائهم فهو إما لا يعلمهم وتلك مصيبة، وإما أن يعلمهم، ولا يريد ذكرهم وهذه مصيبة أخرى (٢).
إذا كنت لا تدري فتلك مصيبة ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
ثانيًا: إن ما قاله إبراهيم الموسوي الزنجاني في كتابه المشار إليه آنفًا سلك فيه نفس المسلك والطريق الذي سلكه صاحب لطف الله الصافي من قبل:
١ - فهو ادعى الإجماع على عدم القول بتحريف القرآن الكريم وهذا كذب واضح وافتراء مكشوف، حيث نقض دعوى الإجماع بعد ستة أسطر من كلامه المشار إليه فقال وأما دعوى تحريفه ...
٢ - أنه نسب القول بتحريف القرآن إلى بعض العامة أو الخاصة الذين ليسوا لديهم تحصيل علمي وهذه مغالطة واضحة، حيث إن الحقيقة تدل على أن الذين قالوا بالتحريف، هم العلماء المعتمدون لدى الشيعة
стр. 529
فهل الكليني والطبرسي وابن بابويه القمي والسيد نعمة الله الجزائري وعلي أصغر البرجردي، وعلي الحائر اللاهوري (١). من العامة أو من الذين لا تحصيل لهم؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا يرجعون إلى مؤلفاتهم وأقوالهم في كل كلمة يتكلمون بها وفي كل فعل يفعلونه ويفضلون نقل رواياتهم التي تعمدوا فيها الكذب على رسول الله ﷺ ويتركون كلام الله وكلام رسوله الذي لا يأتي عن طريق هؤلاء، إن الواجب مقاطعة كل ما كتبه هؤلاء من حق أو باطل، لأن الحق الذي شابه الباطل يوجد في مصادر أخرى نزية من الباطل، ولكن الواقع غير ذلك فما من مكتبة أو مدرسة أو بيت إلا وتجد فيها كتب هؤلاء الذين يطعنون في صحة القرآن الكريم وتمامه، وما تجد مؤلفًا حديثًا أو مقالاً في مجلة من مجلات هؤلاء إلا وترجع في معلوماتها إلى من أنكروا تمام القرآن وكماله، فهذا الكاتب إبراهيم الموسوي الزنجاني - والذي يدافع بحرارة عن كمال القرآن وتمامه - قد رجع واعتمد في معظم ما كتب على كتاب (الكافي في الأصول) للكليني وإلى كتاب (الخصال) لابن بابويه القمي مع قولهما بنقصان القرآن الكريم وتحريفه فالكليني يروي عن جابر الجعفي قال: سمعت أبا جعفر ﵇ يقول: ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أنزل إلا كذاب، وما جمعه وحفظه كما أنزل إلا علي بن أبي طالب والأئمة بعده (٢).
ونحن نقول أين هذا الكتاب الذي جمعه علي بن أبي طالب والأئمة بعده قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين! أم أن هذا الكتاب مع المهدي الثاني عشر الذي أصبح خرافة من خرافات التاريخ! إننا لم نجد حتى من كتاب الشيعة المحدثين والذين يدعون العقلانية والاعتدال من تجرأ على
стр. 530
البراءة من أولئك الذين تزخر مؤلفاتهم بدعوى تحريف القرآن الكريم فضلاً عن أن يعلنوا كفرهم وخروجهم من الإسلام وأن يمنعوا كتبهم من التداول، ويقاطعوا طبعها وشراءها، وأن يضعوا المؤلفين لها في القائمة السوداء، بدلاً من مدحهم وإطرائهم على رؤوس الأشهاد، والرجوع إلى مؤلفاتهم صباح مساء وهم قد دسوا الكفر والضلال بين طياتها، فإنه لا ولاء إلا ببراء كما يزعمون ذلك في شأن الصحابة ﵃ فعدم براءتهم ممن يقول بنقص القرآن وتحريفه، دليل واضح على الموافقة والرضى بذلك، والساكت على المنكر شيطان أخرس فإن كل شيعي يقرأ كتاب الكافي في الأصول للكليني أو يقرأ كتاب الخصال لإبن بابويه القمي أو يقرأ كتاب السيد نعمة الله الجزائري أو غيرها من الكتب التي تنكر تمام القرآن وكماله ثم يعتقد بصحة ذلك يكون قد كفر بما أنزل على محمد ﷺ وكذب ما دل عليه القرآن الكريم في قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) فمن أنكر تمام القرآن وكماله أو اعتقد وجود الزيادة والنقص فيه فهو كافر كائنًا من كان وحكم موالاته ومعاداته حكم موالاة ومعاداة الكفار سواء بسواء.
(ب) (عقيدة الشيعة الاثنى عشرية في الإمامة):
يقول إبراهيم الموسوي الزنجاني «الإمامة هي الأصل الرابع في معتقدنا وهي أصل الخلاف بين الشيعة وسائر الطوائف الإسلامية» (١).
والإمامية يعتقدون أن الإيمان بالإمامة والانضواء إلى الأئمة ركن سادس من أركان الإسلام، ولذلك يعدون من ينكر الإمامة كافرًا وهذا قول أشهر محدثيهم وعلمائهم.
فيروي الكليني عن أبي عبد الله ﵇ أنه قال: «نحن الذين فرض الله طاعتنا، لا يسع الناس إلا معرفتنا، ولا يعذر الناس