قال: رواية عن ابن الزبير عن جابر قال سمعت رسول الله ﷺ يقول يجيء يوم القيامة ثلاثة يشكون - المِصْحَف، والمسجد - والعترة - يقول المصحف يا رب حرقوني ومزقوني (١).
ثالثًا: من أشد كتاب الشيعة تطرفا ومغالاة في ذلك المدعو - مرزا حسين بن محمد التقي النور الطبرسي، وهو من أجل علماء الشيعة لديهم ألف كتابًا سنة (١٢٩٢هـ) سماه فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب (٢). وعندما طبع هذا الكتاب قام بعض زعماء الشيعة باحتجاج على مؤلفه لأنهم كانوا يريدون أن يبقى التشكيك في صحة القرآن محصورًا بين خاصتهم، ومتفرقًا في الكتب المعتبرة لديهم، وإلا لو كانوا صادقين في إنكار ذلك لما قاموا بطبع الكتب وترويجها وهي التي في الحقيقة مصدر لذلك الكتاب الذي كتبه المرزا حسين، فهو لم يأت بشيء جديد سوى جمع ما تفرق من إثم وباطل في حيز واحد؛ ولكنهم قالوا إن إصدار مثل هذا الكتاب يكون حجة واضحة ماثلة أمام أنظار الجميع. ثم ألف كتاب آخر سماه «رد بعض الشبهات عن فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب» والكتابين فيهما من السخف ما لم يقل به متعصبوا اليهود والنصارى في عداوة الإسلام، فقد ذكر في كتابه الأول في الصفحة (١٨٠) منه أن القرآن الموجود في أيدي الناس تنقصه سورة الولاية التي مذكور فيها ولاية علي بن أبي طالب، وعندما مات هذا الشخص بعد كتابه الأخير بسنتين كافأه عامة الشعية على هذا المجهود في محاولة إثبات
стр. 527
تحريف القرآن بأن دفنوه في ذلك المكان المقدس لديهم في بناء المشهد العلوي في النجف المشرف لديهم (١).
وهذا لا يعني أن كل الشيعة الاثنى عشرية يقولون بذلك فإنا نجد منهم من ينكر تحريف القرآن الكريم وهذا هو الصواب إن لم يكن تقية من بعضهم، فإن التقية من مبادئهم وهي تعني إظهار شيء وإخفاء ضده، ولكننا لسنا مكلفين ولا قادرين على معرفة ما تحويه القلوب فنحكم على الظاهر والله يتولى السرائر، فنجد أن الشيخ الشيعي لطف الله الصافي في كتابه مع الخطيب في خطوطه العريضة ينكر تحريف القرآن الكريم (٢)، وكذلك إبراهيم الموسوي الزنجاني من كتابهم المعاصرين يذكر في كتابه «عقائد الأمة الاثنى عشرية» ما نصه:
«ولقد اتفقت الإمامية الاثنى عشرية بكلمة واحدة على أنه لا زيادة في القرآن، وجزموا بكلمة قاطعة أن الذي بين الدفتين هو القرآن المنزل، دون زيادة أو نقصان، واليوم أصبح هذا القول ضرورة من ضرورات الدين ثم يقول: وذكر سيدنا وأستاذنا في العلوم العقلية، آية الله السيد أبو القاسم الخوئي النجفي في تفسيره وأصوله، قوله: وأما دعوى تحريفه، فإنا نمنع وقوعه أولاً، ولم يقل به إلا بعض العامة، وتبعهم نفر من الخاصة الذين لا تحصيل لديهم» (٣).
ومناقشة هذا القول على النحو التالي:
أولاً: إن ما قال به أبو القاسم الخوئي ولطف الله الصافي وإبراهيم الموسوي الزنجاني وغيرهم من عدم تحريف القرآن حق لا غبار عليه وشجاعة منهم ومن أمثالهم في قول كلمة الحق في وسط ينكر ذلك، ولكن
стр. 528
ثمة تقصير منهم في عدم كشف الحقيقة كاملة حيث إن ما ادعاه لطف الله الصافي من أن الشيعة لا تعتقد بتحريف القرآن وتغييره إنكار لا يستند إلى دليل.
١ - فهو لم يستطع إنكار كتاب -الحاج- مرزا حسين بن محمد التقي النوري الطيرسي- ولم يبين مرتبته وشأنه عند الشيعة، بل بالعكس، قد اعترف بتضلعه في الحديث، وعلو مقامه عندهم (١).
٢ - لم يتبرأ من الذين قالوا بتحريف القرآن الكريم أمثال الكليني، وابن بابويه القمي، ومرزا حسين وغيرهم، ولم يذكرهم بأسمائهم فهو إما لا يعلمهم وتلك مصيبة، وإما أن يعلمهم، ولا يريد ذكرهم وهذه مصيبة أخرى (٢).
إذا كنت لا تدري فتلك مصيبة ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
ثانيًا: إن ما قاله إبراهيم الموسوي الزنجاني في كتابه المشار إليه آنفًا سلك فيه نفس المسلك والطريق الذي سلكه صاحب لطف الله الصافي من قبل:
١ - فهو ادعى الإجماع على عدم القول بتحريف القرآن الكريم وهذا كذب واضح وافتراء مكشوف، حيث نقض دعوى الإجماع بعد ستة أسطر من كلامه المشار إليه فقال وأما دعوى تحريفه ...
٢ - أنه نسب القول بتحريف القرآن إلى بعض العامة أو الخاصة الذين ليسوا لديهم تحصيل علمي وهذه مغالطة واضحة، حيث إن الحقيقة تدل على أن الذين قالوا بالتحريف، هم العلماء المعتمدون لدى الشيعة
стр. 529
فهل الكليني والطبرسي وابن بابويه القمي والسيد نعمة الله الجزائري وعلي أصغر البرجردي، وعلي الحائر اللاهوري (١). من العامة أو من الذين لا تحصيل لهم؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا يرجعون إلى مؤلفاتهم وأقوالهم في كل كلمة يتكلمون بها وفي كل فعل يفعلونه ويفضلون نقل رواياتهم التي تعمدوا فيها الكذب على رسول الله ﷺ ويتركون كلام الله وكلام رسوله الذي لا يأتي عن طريق هؤلاء، إن الواجب مقاطعة كل ما كتبه هؤلاء من حق أو باطل، لأن الحق الذي شابه الباطل يوجد في مصادر أخرى نزية من الباطل، ولكن الواقع غير ذلك فما من مكتبة أو مدرسة أو بيت إلا وتجد فيها كتب هؤلاء الذين يطعنون في صحة القرآن الكريم وتمامه، وما تجد مؤلفًا حديثًا أو مقالاً في مجلة من مجلات هؤلاء إلا وترجع في معلوماتها إلى من أنكروا تمام القرآن وكماله، فهذا الكاتب إبراهيم الموسوي الزنجاني - والذي يدافع بحرارة عن كمال القرآن وتمامه - قد رجع واعتمد في معظم ما كتب على كتاب (الكافي في الأصول) للكليني وإلى كتاب (الخصال) لابن بابويه القمي مع قولهما بنقصان القرآن الكريم وتحريفه فالكليني يروي عن جابر الجعفي قال: سمعت أبا جعفر ﵇ يقول: ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أنزل إلا كذاب، وما جمعه وحفظه كما أنزل إلا علي بن أبي طالب والأئمة بعده (٢).
ونحن نقول أين هذا الكتاب الذي جمعه علي بن أبي طالب والأئمة بعده قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين! أم أن هذا الكتاب مع المهدي الثاني عشر الذي أصبح خرافة من خرافات التاريخ! إننا لم نجد حتى من كتاب الشيعة المحدثين والذين يدعون العقلانية والاعتدال من تجرأ على
стр. 530
البراءة من أولئك الذين تزخر مؤلفاتهم بدعوى تحريف القرآن الكريم فضلاً عن أن يعلنوا كفرهم وخروجهم من الإسلام وأن يمنعوا كتبهم من التداول، ويقاطعوا طبعها وشراءها، وأن يضعوا المؤلفين لها في القائمة السوداء، بدلاً من مدحهم وإطرائهم على رؤوس الأشهاد، والرجوع إلى مؤلفاتهم صباح مساء وهم قد دسوا الكفر والضلال بين طياتها، فإنه لا ولاء إلا ببراء كما يزعمون ذلك في شأن الصحابة ﵃ فعدم براءتهم ممن يقول بنقص القرآن وتحريفه، دليل واضح على الموافقة والرضى بذلك، والساكت على المنكر شيطان أخرس فإن كل شيعي يقرأ كتاب الكافي في الأصول للكليني أو يقرأ كتاب الخصال لإبن بابويه القمي أو يقرأ كتاب السيد نعمة الله الجزائري أو غيرها من الكتب التي تنكر تمام القرآن وكماله ثم يعتقد بصحة ذلك يكون قد كفر بما أنزل على محمد ﷺ وكذب ما دل عليه القرآن الكريم في قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) فمن أنكر تمام القرآن وكماله أو اعتقد وجود الزيادة والنقص فيه فهو كافر كائنًا من كان وحكم موالاته ومعاداته حكم موالاة ومعاداة الكفار سواء بسواء.
(ب) (عقيدة الشيعة الاثنى عشرية في الإمامة):
يقول إبراهيم الموسوي الزنجاني «الإمامة هي الأصل الرابع في معتقدنا وهي أصل الخلاف بين الشيعة وسائر الطوائف الإسلامية» (١).
والإمامية يعتقدون أن الإيمان بالإمامة والانضواء إلى الأئمة ركن سادس من أركان الإسلام، ولذلك يعدون من ينكر الإمامة كافرًا وهذا قول أشهر محدثيهم وعلمائهم.
فيروي الكليني عن أبي عبد الله ﵇ أنه قال: «نحن الذين فرض الله طاعتنا، لا يسع الناس إلا معرفتنا، ولا يعذر الناس
стр. 531
بجهالتنا من عرفنا، كان مؤمنًا، ومن أنكرنا كان كافرًا، ومن لم يعرفنا ولم ينكرنا كان ضالاً حتى يرجع إلى الهدى الذي افترض الله عليه من طاعتنا الواجبة» (١). فعلى هذا كل من عدا الشيعة الاثنى عشرية فهم كفار في نظر الكليني لأنهم لم يؤمنوا ولم يعرفوا الأئمة الاثنى عشر الذي يدعي وجوب إتباعهم وكفر من خالفهم.
وقد علل الشيعة الاثنا عشرية ذلك بأن نصب الإمام واجب على الله لأنه ألطف بالعباد، ونحن لا نريد أن نخوض في ذلك الجدل الكلامي والتعللات الواهية حيث يجد القارئ الكريم ذلك مبسوطًا في كتب الفرق التي تناولت ذلك بالتفصيل ولكن نشير إلى قولهم هذا بأنه لو تنازلنا فرضًا على صحة قولكم فهل يكون اللطف بإمام قائم ظاهر قادر، يرجى نفعه ويخشى عقابه، أم يكون اللطف بإمام مقهور مستور في سرداب سامر منذ ثلاثة عشر قرنًا كما تعتقدون؟ فأنتم تعتقدون وجوب موجودين، لا ترون وجوب وجودهم، وهذا غاية التناقض والضلال، لأنه لا سبيل إلى معرفة الإمام بنفسه، فما بالك بمعرفة أوامره ونواهيه وأخباره؟
وقد شكا أحد رؤساء الشيعة إلى المقدسي فساد الخلق ثم قال له وما يصلحهم، قال المقدسي يصلحهم خروج المهدي، فقال السائل هل لخروجه وقت معلوم؟ فأجاب نعم: قال متى يكون؟ قال: إذا فسد الخلق، فقال السائل وهل تحبسونه عن الخلق وقد فسدوا كلهم غيركم، فلو فسدتم لخرج، فأسرعوا به إلينا، وأطلقوه من سجنه بدخولكم معنا (٢).
وقد غلوا في الأئمة كما غلت النصارى في عيسى بن مريم فرفعوا الأئمة على الرسل والأنبياء ووصل الأمر عند بعض الفرق إلى تأليه الأئمة
стр. 532
فهذا الكليني كبير محدثي الشيعة يروى في الكافي الذي هو عندهم بمنزلة صحيح البخاري تحت باب «أن الأئمة إذا شاءوا أن يعلموا علموا» ويروى عن جعفر أنه قال: «إن الإمام إذا شاء أن يعلم علم» (١). وفي رواية مكذوبة على علي بن أبي طالب ﵁ عن المفضل بن عمر عن أبي عبد الله قال: كان أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه -كثيرًا ما يقول: «أنا قسيم الله بين الجنة والنار ... ولقد أقرت لي جميع الملائكة والروح والرسل- بمثل ما أقروا لمحمد ﷺ ولقد حملت مثل حمولته، وهي حمولة الرب، وإن رسول الله ﷺ يدعى فيكسي، وادعى فأكسي ... ولقد أعطيت خصالاً ما سبقني إليها أحد قبلي، علمت المنايا والبلايا، والأنساب وفصل الخطاب، فلم يفتني ما سبقني، ولم يعزب عني ما غاب عني أبشر بإذن الله، وأؤدي عنه» (٢). وهذا نماذج وغيض من فيض وإذا أردت أن تعرف ذلك مفصلاً فارجع إلى كتبهم المشار إليها أو إلى الكتب التي كتبت عن ذلك (٣). ولم يسلم من هذا الأمر حتى المتأخرين والمعاصرين منهم، رغم محاولتهم الشديدة في الاعتدال والبعد عن الغلو.
فهذا آية الله الخميني وهو من أشهر علمائهم المعاصرين ورئيسهم الحالي يقول عن الأئمة «وإن من ضرورات مذهبنا أن لأئمتنا منزلة لا يبلغها ملك مقرب ولا نبي مرسل» (٤).
وقد جرهم الغلو في الأئمة والتقديس لهم إلى القول بعصمتهم من الخطأ وعدم حصول الذنوب منهم.
يقول: أحد كتابهم المعاصرين «اعتقادنا أن الأئمة معصومون
стр. 533
ومطهرون من كل دنس، وأنهم لا يذنبون ذنبًا لا صغيرًا ولا كبيرًا ولا يعصون الله في شيء مما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، ومن نفى عنهم العصمة في شيء من أحوالهم، فقد جهلهم، ومن جهلهم فهو كافر» (١). ففي نظر هذا الكاتب كما هو نظر غيره من عامة الشيعة أن جمهور المسلمين الذين لا يقولون بذلك كفار لعدم موافقة هؤلاء على غلوهم وجهلهم في الأئمة وفي عصمتهم، والصحيح أن الإسلام لا يعطي صفة العصمة لأحد غير رسول الله ﷺ فإنه لا يقر على خطأ، أما ما عداه من الناس فهم مجتهدون يخطئون ويصيبون، ولو قلنا بتسلسل العصمة لجعلنا من الإسلام دينًا كهنوتيًا يحتكر فهمه وتفسيره أفراد من الناس والقائلون بعصمة الأئمة يريدون ذلك، بأن الإمام، لا يسئل ما يفعل، ولا يجوز مناقشة الأئمة فيما يعملون، وأنهم يعلمون الغيب ويعرفون ما صار وما يمكن أن يصير ومتى يموتون، إلى غير ذلك من الصفات الكمالية التي لا تليق إلا بالله ، وقد صور هذا المعنى الذي يظهر الغلو في الأئمة الشاعر الفاسق ابن هانئ الأندلسي يخاطب المعز الفاطمي فقال له:
ما شئت لا ما شاءت الأقدار ... فاحكم فأنت الواحد القهار
فمثل هذا الغلو كفر يخرج فاعله عن دائرة الإسلام (٢).
ونجد التناقض البين فيما يعتقدونه في الأئمة من عصمة وعدم ارتكابهم أي ذنب من الذنوب، وبين ما يدعون به من دعاء في مزاراتهم ويروونه عن أئمتهم بأنهم مذنبون مخطئون وهذا تجده في الكتاب الواحد فقد ذكر إبراهيم الزنجاني أن الأئمة لا يذنبون كما تقدم (٣).
ثم ذكر بعد ذلك دعاء يروونه عن الرضا ﵇ «اللهم أني أبرأ
стр. 534
إليك من الذين قالوا فينا ما لم نعلمه في أنفسنا، اللهم لك الخلق ومنك الأمر، وإياك نعبد وإياك نستعين. اللهم أنت خالقنا وخالق آبائنا الأولين. اللهم لا تليق الربوبية إلا بك، ولا تصلح الإلاهية إلا لك، فالعن النصارى الذين صغروا عظمتك، والعن المضاهين لقولهم من برئيتك. اللهم إنا عبيدك وأبناء عبيدك، لا نملك لأنفسنا ضرًا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة، ولا نشورا، اللهم من زعم أن لنا الخلق، وعلينا الرزق، فنحن إليك منه براء كبراءة عيسى بن مريم من النصارى، اللهم لم ندعهم إلى ما يزعمون، فلا تؤاخذنا بما يقولون،، واغفر لنا ما يزعمون» (١).
فانظر إلى الفرق الشاسع والتناقض الواضح بين كتب وكتاب الشيعة أنفسهم وفي الكتاب الواحد غلو إلى درجة التقديس ودعاء يشعر بارتكاب الخطايا والذنوب ففي دعاء يروونه عن الحسين أنه قال «فإني لم آتك بعمل صالح قدمته، أرجو عفوك الذي عدت به على الخطائين، عند عكوفهم على المحارم» (٢).
وفي دعاء يروونه عن جعفر الصادق قوله أنه قال: «اللهم إني أسألك أن تتجاوز عن سيئاتي وما عندي بحسن ما عندك، وأن تعطيني من عفوك ما استوجب به كرامتك» (٣).
ثم يقول في موضع آخر من كتابه: «سلام على القائم المهدي المنتظر وابن الأئمة الهداة الهادي المعصوم وابن الأئمة الهداة المعصومين. ثم يقول: السلام عليك يابن الهداة الحجج المعصومين» (٤). اهـ.
وإذا أردت مزيدًا من الأدعية التي تدل على أن الأئمة معصومون وفي
стр. 535
الوقت نفسه مذنبون خطَّئون آثمون فارجع إلى كتاب مفاتيح الجنان، لترى ما فيه من الأدعية المتناقضة التي ما انزل الله بها من سلطان (١).
ومن المسائل التي انفردت بها الشيعة الإمامية الاثنا عشرية مسألة البَدَاء على الله، ومعنى ذلك أن الله يبدو له علم ما لم يكن يعلم من قبل، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، وقد قال الكليني فيما يكذبه على جعفر أنه قال: يبعث عبد المطلب أمة وحدة، عليه بهاء الملوك وسيماء الأنبياء، وذلك أنه أول من قال بالبداء (٢). وهم بذلك يريدون أن ينزعوا من الله تعالى صفة العلم الكامل. قال تعالى: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) (٣). وقال تعالى: (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) (٤). وقد ذكر النوبختي أن جعفر بن محمد الباقر نص على إمامة إسماعيل ابنه وأشار إليه في حياته، ثم إن إسماعيل مات وهو حي فقال: ما بدا لله في شيء كما بدا له في إسماعيل ابني (٥).
والقول بالبداء على الله إنما يريد به الزنادقة الذين أسسوا هذا المذهب، تبرير ما يقولون من كذب وافتراء على الله فهم إذا قالوا بقول أو تكلموا بأمر، ثم كان الواقع خلاف ذلك قالوا بدا لله أن لا يفعل ذلك فيخرجون من تبعة الكذب وانكشاف الباطل بهذا العذر الموهم الخداع.
(ج) (عقيدة الإمامية الاثنا عشرية في الرجعة):
يعتقد الإمامية الاثنا عشرية بأن هناك بعثة لبعض الأموات قبل قيام الساعة وذلك عند خروج المهدي المنتظر كما يزعمون.
стр. 536
قال الصدوق - أي ابن باويه القمي - والحق أنه الكذوب - اعتقادنا في الرجعة أنها حق. وهي تختص بمن محض الإيمان ومحض الكفر والباقون سكوت عنهم (١) والرجعة عبارة عن حشرة قوم وبعثهم عند قيام القائم محمد بن الحسن العسكري، فيبعث أناس ممن تقدم موتهم من أوليائه وشيعته، ليفوزوا بثواب نصرته ومعونة ويبتهجوا بظهور دولته وقوم من أعدائه يبعثون لينتقم منهم، وينالوا بعض ما يستحقونه من العذاب والقتل على أيدي شيعته وليبتلوا بالذل والخزي بما يشاهدونه من علو كلمته (٢). ويستدلون على ذلك بآيات من القرآن الكريم يؤلونها حسب مزاعمهم الباطلة منها ما يأتي:
١ - قوله تعالى: (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآَيَاتِنَا) (٣). فيقولون إن هذه الآية تدل على أن هذا الحشر خاص ببعض دون بعض فيتعين أن يكون غير الحشر الأكبر.
٢ - قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ) (٤). فيروون عن الصادق في تفسيرها أنه قال: لا والله لا تنقضي الدنيا ولا تذهب حتى يجتمع رسول الله ﷺ وعلي فيلتقيان بالثوية -وهو موضع بالكوفة- في مسجد له اثنا عشر ألف باب (٥).
٣ - قوله تعالى: (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ). فالعذاب الأدنى عذاب الرجعة عندهم والعذاب الأكبر عذاب القيامة.
وعلى هذا المنوال من التأويلات الباطلة والأقوال المنحرفة التي لا
стр. 537
تحتمل الآيات معناها ولا تدل عليها بمقتضاها، والتي لا تدل عليها اللغة العربية الفصحى، ولا عجب في ذلك فقد وصفوا علي بن أبي طالب ﵁ بالدابة في قوله تعالى: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآَيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ) (١).
قال الطبرسي في تفسيره، قال رجل لعمار بن ياسر: يا أبا اليقظان آية في كتاب الله أفسدت قلبي. قال عمار وأي آية هي؟ فقال هذه الآية: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ) الآية ... قال عمار والله ما أجلس ولا آكل ولا أشرب حتى أريكها، فجاء عمار مع الرجل إلى أمير المؤمنين ﵁ وهو يأكل تمرًا وزبدًا فقال: يا أبا اليقظان؛ هلمّ فجلس عمار يأكل معه فتعجب الرجل منه فلما قام عمار قال الرجل سبحان الله حلفت أن لا تأكل ولا تشرب حتى ترينيها قال عمار أريتكها إن كنت تعقل (يقصد علي بن أبي طالب) وروي عن العياش هذه القصة بعينها (٢). ويرون الرجعة أصلاً من أصول عقيدتهم وأن الإيمان بها كالإيمان بالصراط والميزان (٣).
فيروون عن جابر الجعفي عن أبي عبد الله قال: «إذا قام قائم آل محمد ضرب فساطيط يعلم فيها القرآن على ما أنزل، فيقول محب الدين الخطيب معلقًا على ذلك: لماذا لم يفعل ذلك جده علي بن أبي طالب مدة ولايته الخلافة؟ فهل حفيده الثاني عشر أوفى منه للقرآن والإسلام؟!» (٤).
ولا شك أن مثل هذه الأقوال ما هي إلا تخيلات وهمية ونوع من أحلام اليقظة، يتلذذ بها هؤلاء لتخفيف ما أنزل بهم من بأس وقنوط، وإلا فإن مثل هذه القضية ليست من السهولة أن تخفى على صحابة رسول الله٠
стр. 538
- ﷺ أو أن لا يوضحها الرسول ﷺ توضيحًا جليًا فلم ينقل عن الله ولا عن رسوله ولا عن صحابته ولا عن التابعين أن هناك بعث قبل بعث يوم القيامة، ومن نسب شيئًا إلى الرسول ﷺ وهو لم يثبت عنه فهو من أهل النار إن كان معتمدًا ذلك قال رسول الله ﷺ : «من كذب عليّ معتمدًا فليتبوء مقعده من النار» (١).
(د) (موقف الشيعة الإمامية الاثنى عشرية من الصحابة):
إن الشيعة عامة والاثنى عشرية خاصة وقفوا من صحابة رسول الله ﷺ موقف الإفراط والتفريط فغلوا في جانب من الصحابة إلى درجة رفعهم فوق الملائكة والرسل، وتدنوا تدنيًا مقذعًا في حق عامة الصحابة وخاصة الخلفاء الثلاثة إلى درجة لم يبلغها الحاقدون من اليهود والنصارى وحتى يتبين لك ذلك نذكر نماذج من التقديس والاستغاثة التي لا تصح إلا لله فمن أدعيتهم عند زيارة المهدي المنتظر هذا الدعاء الذي يعتبر شركًا أكبر حيث يقولون في دعائهم: «يا محمد يا علي يا علي يا محمد اكفياني فإنكما كافيان، يا محمد يا علي يا علي يا محمد انصراني فإنكما ناصراى، يا محمد يا علي يا علي يا محمد أحفظاني فإنكما حافظاى، يا مولاي يا صاحب الزمان -يكرر ذلك ثلاث مرات- الغوث الغوث الغوث، أدركني أدركني أدركني، الأمان الأمان الأمان» (٢).
وفي الجانب الآخر نجد أن عامة كتب الشيعة الاثنى عشرية تزخر بسب أصحاب الرسول ﷺ وقد تعبدوا بتأليف اللعنات الملتهبة وخصوا بها آكابر الخلفاء وعامة الصحابة، وهم يعتقدون كفر كبار الصحابة وخاصة الخلفاء الثلاثة وكفر من والاهم في جميع العصور، والنقل في كتبهم لا يحصره كتاب، ولا يحويه مجلد وهذه نماذج مما يقولون في حق صحابة
стр. 539
رسول الله ﷺ فمن الأدعية التي يرددونها عند زيارة الحسين في يوم عاشوراء من كل عام ما نصه: «اللهم خصّ أنت أول ظالم باللعن مني وابدأ به أولاً ثم العن الثاني والثالث والرابع، اللهم العن زيدًا خامسًا والعن عبيد الله بن زياد وابن مرجانة وعمر بن سعد وشمرا وآل أبي سفيان وآل زياد، وآل مروان إلى يوم القيامة» (١).
وقد روى الكليني عمدة الشيعة ومرجعهم أن المراد بقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا) (٢).
قال: نزلت في فلان (٣) وقد بين شارح الكافي أن المراد من فلان وفلان وفلان، أبو بكر وعمر وعثمان (٤). ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: لقد فضلت اليهود والنصارى على الرافضة من الشيعة بخصلة - حيث سئلت اليهود من خير أهل ملتكم قالوا: أصحاب موسى، وسئلت النصارى من خير أهل ملتكم قالوا: حواري عيسى وسئلت الرافضة من شر أهل ملتكم قالوا أصحاب محمد ﷺ أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم (٥). اهـ.
وقد ذكر النوبختي وهو من العلماء المؤرخين لفرق الشيعة أن أول من أظهر الطعن في أبي بكر وعمر وعثمان، وهو عبد الله بن سبأ ومنذ ذلك اليوم إلى عصرنا الحاضر والشيعة متمسكون بهذه العقيدة المنحرفة، لأنهم يرون
стр. 540
أن من لا يبغض خلفاء رسول الله ﷺ ووزراءه الثلاثة ومحبيه. ولا يطعن فيهم فليس بشيعي (١).
والشيعة ليس كلهم يقدمون على هذا المبدأ عن عناد، وقصد، وكره للإسلام والمسلمين، ولكن ذلك كان من قلة من الزنادقة السابقين الذين تبنوا هذه الأفكار، وروجوها بين الناس، ثم سار على طريقهم من أتى بعدهم تبعية عمياء قال تعالى: في شأن الذين يقلدون غيرهم بلا وعي أو بصيرة: (إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ) (٢). فهم يزعمون ذلك وإن كان الواقع أنهم مخطئون، فكثير منهم مجتهدون صادقون مخلصون في حب الإسلام والعمل به، ولكنهم مخطئون للطريق الحق في كثير من مسائل الإيمان، ومثلهم في ذلك كمثل ما رُوي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه مر براهب في صومعته، فنودي بالراهب وقيل له: هذا أمير المؤمنين، فاطلع فإذا به إنسان به من الضر والاجتهاد وترك الدنيا الشيء الكثير، فلما رآه عمر بكى فقيل له أنه نصراني، فقال عمر: قد علمت. ولكني رحمته، ذكرت قول الله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً) (٣) فرحمت نصبه واجتهاده وهو في النار (٤). وحال أولئك الذين يقفون من صحابة رسول الله ﷺ مثل هذا الموقف كحال من قال الله فيهم: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) (٥) وإلا فكيف يستسيغ مسلم يدعي الإسلام بحق أن يسب صحابة رسول الله ﷺ الذين قال الله فيهم: (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ
стр. 541
اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (١) وقال تعالى في حقهم: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) (٢)، وقال تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (٣) وقد سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ عن قوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (٤). من هم المؤمنون الذين أمر الله باتباع سبيلهم؟ فإن قلتم هم أصحاب رسول الله ﷺ فأي الفريقين؟ هل هم علي بن أبي طالب ﵁ وأولاده ومن معه؟ أم هم معاوية بن أبي سفيان؟ أم هم طلحة والزبير وغيرهم؟. فأجاب بقوله: نتولى الجميع ونكف عما شجر بينهم، وندعو لهم بالمغفرة كما أمرنا الله بذلك (٥). بقوله: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (٦). اهـ.
وقد ورد في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: «لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» (٧). وقد روى أبو نعيم في الحلية عن زيد بن وهب أن سويد بن
стр. 542
غفلة دخل على علي بن أبي طالب ﵁ في إمارته فقال: يا أمير المؤمنين: إني مررت بنفر يذكرون أبا بكر وعمر ﵄ بغير الذي هما له أهل، فنهض فرقي المنبر فقال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لا يحبهما إلا مؤمن فاضل ولا يبغضهما إلا شقي مارق، فحبهما قربة وبغضهما مروق، ما بال أقوام يذكرون أخوي رسول الله ﷺ ووزيريه وصاحبيه وسيدي قريش وأبوي المسلمين؟ فأنا بريء مما يذكرهما بسوء وعليه معاقب (١).
وما أحسن ما قال عمر بن عبد العزيز ﵁ عندما سئل عما وقع بين الصحابة من قتال فقال: «تلك دماء طهر الله يدي منها أفلا أطهر لساني من الكلام فيها» (٢). اهـ.
وقد سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب (رحمهما الله) هل من سب الصحابة يكفر أو يفسق وما هو الدليل على ذلك؟ فأجاب فسقه لا خلاف فيه لقوله ﵊: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» (٣) ولقوله ﷺ : «لا يرمي رجل رجلاً بالفسق أو الكفر إلا ارتد عليه، إن لم يكن صاحبه كذلك» (٤). وأما الكفر فقد اختلف العلماء فيه على قولين:
القول الأول: أن من سب الصحابة فحكمه الكفر للحديث المتقدم ولقوله تعالى: (لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) (٥). فلا يغتاظ من الصحابة إلا كافر
стр. 543
وهذا القول يروى عن الإمام مالك (١) وشيخ الإسلام ابن تيمية ومن وافقهم (٢).
القول الثاني: قول جماعة ترى عدم تكفير من سب الصحابة ﵃ ولكنها ترى أن من فعل ذلك مرتكب لذنب كبير) (٣).
وقد توقف الإمام أحمد ﵀ في مسألة تكفير وقتل من سب الصحابة، أما التعزير والتأديب بما دون القتل فلا خلاف فيه بين أهل السنة والجماعة (٤).
وقد حكم أحد القضاة المالكية بقتل أحد الروافض الذي سب أبا بكر وعمر وعثمان علنًا، فقد روى ابن كثير أنه حصل في يوم الاثنين السادس عشر من جمادي الأولى من عام (٧٥٥هـ) أن جاء رجل من الروافض بجامع دمشق، فاعتزل المصلين ثم لعن أبا بكر وعمر وعثمان، ومعاوية ويزيد فأعاد ذلك مرتين، فأمر به الحاكم إلى السجن، ثم استحضره المالكي وجلده بالسياط وهو مع ذلك يصرخ بالسب واللعن، ثم لما كان يوم الخميس التاسع عشر من شهر جمادي الأولى من تلك السنة عُقِدَ له مجلس قضاء وحضره القضاة الأربعة، فحكم نائب المالكي بقتله، فأخذ سريعًا فضربت عنقه تحت القلعة، وحرقه العامة وطافوا برأسه ونادوا عليه هذا جزاء من يسب أصحاب رسول الله ﷺ (٥). اهـ.
ومما تقدم يتضح لنا بجلاء أن الخلاف بين أهل السنة والشيعة الإمامية الاثنى عشرية خلاف في مسائل أصولية تمس أصل الإسلام وذلك في مثل قولهم في القرآن الكريم وهجرهم للأحاديث الصحيحة في البخاري
стр. 544
ومسلم واعتمادهم على أحاديث مكذوبة على علي بن أبي طالب وأولاده واعتقادهم الإمامة والعصمة والرجعة وغلوهم في بعض الصحابة إلى مرتبة التقديس وبغضهم لآخرين إلى درجة وصفهم بالكفر وإطلاق أوصاف عليهم يمجها كل صاحب عقل سليم وفهم مستقيم، وبعد هذا التيه في أعماق الضلال والانحراف يتقدم بعض علماء الشيعة بطرح فكرة التقريب بين أهل السنة والشيعة، وكأن الخلاف بينهم على قطعة أرض يمكن أن يصطلحا عليها في التقسيم، مع أن الخلاف بين الشيعة والسنة هو خلاف بين الكفر والإسلام فالعقل والمنطق يدل على أن أحدهما على حق والآخر على باطل والمصالحة الحقيقية هي أن يتنازل صاحب الباطل للأخذ بقول صاحب الحق، أما أن يترك صاحب الحق بعض الحق الذي معه ويترك صاحب الباطل بعض الباطل الذي معه، فهذا لا يكون إلا ضلال للطرفين، ولا يمكن أن يلتقي أهل السنة مع الشيعة إلا إذا تركت الشيعة اعتقادها في القرآن الكريم بالنقص والزيادة وتراجعت عن غلوها في الأئمة والعصمة وقولها بالرجعة، ولعن أبي بكر وعمر وعثمان وبقية الصحابة أجمعين وتركت البراءة من كل من ليس شيعيًا منذ وفاة رسول الله ﷺ إلى أن يرث الله الأرض وما عليها، وحتى يتبرأ عامة الشيعة من غلوهم في أهل البيت والاستغاثة بهم، وتعليقٌ الرجاء بهم من دون الله، وتعظيم قبورهم ومزاراتهم أكثر من تعظيم المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى، فإن لم تترك الشيعة هذا البغي على الإسلام وعقيدته وتاريخه فإنها سوف تبقى منفردة معزولة بأصولها المخالفة لأصول الإسلام منبوذة من جميع المسلمين، معاداة من كل مسلم غيور على إسلامه، وفي لله ورسوله وأصحابه، فخلاف الشيعة من أهل السنة الذين هم أهل الإسلام الصحيح إما أن يكون في مسألة توجب كفر المخالف وفي هذه الحال يعامل المخالف من الشيعة معاملة الكفار سواء بسواء من حيث الموالاة والمعاداة كما سيأتي توضيح ذلك في الباب الرابع بإذنه تعالى. وإما أن يكون الخلاف في مسألة توجب فسق المخالف وعصيانه، وفي هذه الحال يعامل
стр. 545
المخالف معاملة أهل الفسق والعصيان من حيث الموالاة والمعاداة، وقد تقدم تفصيل ذلك.
والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.
стр. 546
المبحث الثالث: موالاة ومعاداة الطائفة النصيرية
إن هذه الطائفة تعتبر من أضل الفرق الباطنية، وأعظمها انحرافًا وشذوذًا وهي فرقة غير مسلمة كما سيتضح لك ذلك بالدليل والبرهان سواء في مجال اعتقادها أو في مجال أعمالها فهي تتظاهر باسم الإسلام مع أنها من أشد أعدائه عبر التاريخ، والنصيرية تدعي أنها علوية من شيعة علي بن أبي طالب ﵁ ولذلك تسموا أخيرًا بهذا الاسم تعمية وتغطية على تاريخهم الأسود ولكنَّ كثيرًا من كتاب الشيعة، ينكرون ويتبرأون من الفرقة النصيرية ويصفونها بالكفر وعدم دخولها في الإسلام (١).
وسنتناول هذه الفرقة بالدراسة والنظر على النحو التالي:-
١ - نشأتها.
٢ - عقيدتها.
٣ - تعاونها مع أعداء الإسلام.
стр. 547
٤ - حكمها في الإسلام وعند علماء المسلمين.
٥ - حكم موالاتها ومناصرتها في الإسلام.
أ- نشأة الفرقة النصيرية:
تمتد جذور الفرقة النصيرية إلى (ميمون القداح الديصاني) وهو يهودي فارسي كان ذا ميول شعوبية ترمي إلى هدم الإسلام وإعادة النفوذ إلى الفرس وكان يشتغل بمهنة طب العيون واستخراج الماء منها وتحت هذا الغطاء استقر بالشام للدعوة إلى المذهب الذي عرف فيما بعد بالمذهب الإسماعيلي حيث تفرعت عنه الفرق الباطنية الأثيمة وقد خلفه بعد موته ابنه عبد الله الذي أقام بسلمية من قرى حماة في بلاد الشام، ثم خلفه ابنه أحمد حتى ظهور عبيد الله المهدي مؤسس الدولة الفاطمية ويذهب بعض المؤرخين إلى أن عبيد الله المهدي من نسل رجل يهودي كان يعمل حدادًا بسلمية ولما مات أبوه تزوجت أمه أحد الأثرياء العلويين فلما بلغ ادعى لنفسه نسبًا علويًا (١)، والنصيرية تنسب إلى (أبي شعيب محمد بن نصير النميري) عاش في القرن الثالث الهجري (ت – ٢٧٠هـ) وعاصر ثلاثة من أئمة الشيعة الاثنى عشرية وهم – علي الهادي (٢١٤ – ٢٥٤هـ) والحسن العسكري (٢٣٠ – ٢٦٠هـ) ومحمد المهدي (٢٥٥هـ) وزعم ابن نصير أنه الباب الثاني إلى الإمام الحسن و (الحجة) من بعده، فتبعه طائفة من الشيعة سموا بـ (النصيرية) ولكن ابن نصير لم يكتف بذلك، وإنما ادعى النبوة والرسالة ونسب الأئمة إلى الألوهية (٢). والنصيرية: هو الاسم الديني والتاريخي لهذه الفرقة، وقد قيل أن النصيرية تنسب إلى نصير غلام علي بن أبي طالب ﵁ وقد استدل أصحاب هذا القول في الرد على
стр. 548
القول الأول بأن النصيرية معروفة من قبل القرن الثالث الهجري حيث إن أول من عرف من مؤلفيها هو المفضل الجُعفي المتوفى سنة (١٨٠هـ) وعلى هذا فتسمية هذه الطائفة بهذا الاسم راجع إلى اسم أحد هذين الشخصين وإن كان اشتهارها بهذا الاسم يُرجح بأنه عائد إلى (محمد بن نصير النميري) وذلك للأسباب التالية:-
١ - إن المصادر التي ذكرت النسبة إلى (ابن نصير) لا تعني (نصيرًا) وإلا كانت ابن زائدة.
٢ - إن نصيرًا غلام علي بن أبي طالب هذا لم يعثر له ذكر في كتاب التراجم أو كتب التاريخ.
٣ - إن كتب الفرق القديمة لا تذكر طائفة باسم النصيرية، مما يدل على أن هذه الطائفة ليست من الطوائف الموغلة في القدم. ولكن الذي أميل إليه أن هذه الطائفة موجودة قبل أن تشتهر بالنصيرية حيث كانت تسمى قديمًا بالخطابية نسبة إلى أبي الخطاب المجوسي الذي يمت بصلة القربى لأحد الكهان اليهود في البصرة وذلك حوالي سنة (١٤٣هـ) ثم سميت بعد ذلك بالنميرية نسبة إلى محمد بن نصير النميري، وقد ذكر ابن طاهر البغدادي في كتابه الفرق بين الفرق، فرقة النميرية مع فرقة أخرى هي الشريعية (١)، وذكر الشهرستاني النصيرية في كتابه "الملل والنحل" مع طائفة أخرى هي الإسحاقية (٢)، والذي يظهر لي أن الناس صاروا يطلقون عليها اسمين في وقت واحد فمنهم من يسميها بالنميرية نسبة إلى النميري ومنهم من يسميها بالنصيرية نسبة إلى ابن نصير وكلا الاسمين لمسمى واحد واشتهرت بعد ذلك بالنصيرية، وإن كان هذا
стр. 549
الاسم هو في مراحل الطمس النهائية في وقتنا الحاضر ليحل محله المسمى الجديد (العلويون) (١).
والطائفة النصيرية طائفة قليلة تسكن الشمال وبعض أجزاء من غرب سوريا وهي لا تمثل سوى ٨% من سكان البلاد، وللنصيرية أسماء محلية يعرفون بها في أماكن سكناهم مثل: "التختجية" و"الخطابون" في غرب الأناضول ويمكن أن يكون هؤلاء من بقايا الخطابية، فتكون الخطابية إما أصل فرقة النصيرية أو قسمًا منها وهناك تشابه كبير بين أصول عقيدة الخطابية وبين عقيدة النصيرية كما أن هناك تعاطفًا كبيرًا حتى يومنا الحاضر بين النصيرية بالشام و (الخطابون) أو (الحطابون) في تركيا (٢). والنصيريون كما هي عادتهم يغيرون أسماء مذهبهم كلما تلطخ اسم من أسمائهم بجرائمهم التي لن ينساه التاريخ ويظنون أنهم بهذا التغيير يسدلون الستار على ما مضى من تاريخهم الأسود، وأنهم يواجهون الناس بالاسم الجديد بتاريخ ناصع جميل والدليل على ذلك أنه بعد الاحتلال الفرنسي لسوريا وضعت هذه الطائفة يديها بيد المستعمر، ووجد فيها الفرنسيون خير معين لهم نظرًا لما تنطوي عليه نفوس أهل هذه الطائفة من حقد دفين على الإسلام والمسلمين فأراد الفرنسيون بالتآمر مع هذه الطائفة أن يغيروا اسمها وأن يطلقوا عليها اسم (العلويين) لتأليههم لعلي بن أبي طالب ﵁ وذلك إمعان في الحقد من المستعمر الفرنسي الذي أراد أن يخدع أهل سوريا بأن هناك من المسلمين من يتعاون معه بإخلاص ووفاء وأراد المستعمر بهذه التسمية أن يخفف ويخفي آثار هذه الطائفة القذرة، وأن يخلص الطائفة النصيرية مما علق تاريخيًّا باسمها من ذم شنيع وكفر بواح
стр. 550
فأطلقوا عليهم اسم (العلويين) كي تفتح هذه التسمية لهم آفاقًا جديدة مع أعداء الإسلام وجهلة المسلمين وقد ارتاحوا لهذه التسمية حيث ستفتح لهم مجالاً أرحب في التقارب مع الشيعة، ولتلقى الدعم والتأييد منهم (١).
والنصيرية يدعون أنهم شيعة اثنا عشرية وأن ابن نصير كان (الباب) إلى الإمام الحادي عشر وارث علمه والمرجع للشيعة من بعده، وأن صفة المرجعية والبابية بقيت معه بعد غيبة الإمام الثاني عشر (٢).
ولكن أحد كتاب الشيعة المعاصرين المدعو/ عبد الحسين بن مهدي العسكري/ يكفرهم ويتبرأ منهم (٣). كما تبرأ منهم قدماء الشيعة حيث يقول عنهم سعد بن عبد الله القمي (ت٣٠١هـ) في كتابه المقالات والفرق ما نصه:
«وقد شذت فرقة من القائلين بإمامة علي بن محمد» في حياته فقالت بنبوة رجل يقال له (محمد بن نصير النميري) كان يدَّعي أنه نبي رسول وأن علي بن محمد العسكري أرسله وكان يقول بتناسخ الأرواح، ويغلو في أبي الحسن، ويقول فيه بالربوبية، ويدعو إلى إباحة نكاح ذوات المحارم ويحلل نكاح الرجال بعضهم لبعض (٤). وقد ذم هذا المبدأ عامة علماء الشيعة ومؤرخوهم، ومن ذلك يتضح عدم صحة دعوى النصيرية بأنهم شيعة، أو أنهم داخلون تحت مسمى الفرق الإسلامية ويذكر الأشعري في كتابه مقالات الإسلاميين أن النصيرية مثل واضح للجماعة التي انتقلت من
стр. 551
الوثنية إلى دعوة التشنيع بلا علم ولا فهم، حيث يتحدث أهل السنة الذين يجاورون النصيرية أن النصيرية لا تزال تمارس بعض الطقوس النصرانية كالاحتفال بالأعياد النصرانية مثل عيد الميلاد، وعيد الفصح، ويعتبرونها من الأعياد الكبرى، كما أن بعضهم يحمل أسماء نصرانية مثل، متى ويوحنا وهيلانة، بالإضافة إلى المبادئ التي اقتبستها النصيرية من النصرانية، فإن عقيدة الطائفة النصيرية تحتفظ بقسط من الأسرار كما هو الشأن عند النصارى، وكما أن النصارى يرمزون إلى عقيدتهم بثلاثة هي: «الله - الابن- روح القدس» وكذل كالنصيرية يرمزون إلى عقيدتهم بثلاث حروف هي (ع، م، س) حيث يقولون أن الله حل في ثلاثة هم علي، ومحمد، وسلمان الفارسي (١).
وصلتهم بالمجوسي لم تنقطع، فهم يحتفلون بعيد النيروز وهو عيد فارسي يحتفل به في أول الربيع ويزعم بعضهم أنه اليوم الذي خلق فيه النور، وهو أشبه بالعشاء الرباني عند النصارى والنصيرية يحتفلون به باعتباره من أعيادهم المقدسة وأعيادهم تبلغ عشرة أعياد خلال السنة الواحدة (٢).
وقد بقيت هذه الفئة الخبيثة محتفظة بحقدها وعدائها للإسلام والمسلمين حتى يومنا الحاضر فهي كالأمراض الخبيثة عندما تجد مقاومة ومضادات حيوية تقبع داخل الجسم وعندما تحين الفرصة لها تخرج إلى السطح، وكان من متأخري دعاتها وقادتها سلمان بن مرشد بن يونس: علوي متأله من النصيرية من قرية (جوبه برغال شرقي اللاذقية بسوريا تلقب بالرب – وقد بدأت حركته سنة ١٩٢٠م وسجن سنة (١٩٢٣م) ونفي
стр. 552
إلى الرقة حتى سنة (١٩٢٥م) وعاد من منفاه فتزعم طائفة النصيرية في تأليه علي بن أبي طالب والقول بالحلول، وكانت الثورة أيام عودته قائمة على الفرنسيين وانتهت بتأليف حكومة وطنية لها شيء من الاستقلال الداخلي فتآمر معه الفرنسيون واستخدموه كعميل من الدرجة الأولى وجعلوا للبلاد النصيرية نظامًا خاصًا فقويت شوكته وشوكة أتباعه، وتلقب برئيس الشعب العلوي الحيدري الغساني، وقد عين سنة (١٩٣٨م) قضاة وفدائيين وفرض الضرائب على المدن والقرى التابعة له، وأصدر قرارًا جاء فيه: نظرًا للتعديات من الحكومة الوطنية والشعب السني فقد شكلت لدفع هذا الاعتداء جيشًا لحماية الشعب العلوي، وقد جعل لمن أسماهم الفدائيين ألبسة عسكرية خاصة بهم، وكان يزور دمشق نائبًا عن العلويين في المجلس النيابي السوري فلما تحررت سوريا اسميًا، وجلا عنها الفرنسيون ترك المستعمر سلاحه وقوته في يد هذا العميل الخائن، مما أغراه بالعصيان والتمرد، فجردت حكومة سوريا في ذلك الوقت قوة كبيرة بمساعي المرحوم عادل العظمة، فتكت بهذا المتأله وببعض أتباعه واعتقلته مع آخرين من جنده ثم قتل شنقًا في دمشق سنة (١٣٦٦هـ - ١٩٤٦م) (١).
ولأمين حداد كتاب في سيرته سماه (مدعي الألوهية في القرن العشرين) ومنذ عام (١٩٤٩م) أي منذ انقلاب حسني الزعيم الذي دبرته المخابرات الأمريكية والخطر النصيري يتزايد ويتعاظم مستترًا خلف أقنعة خفية، فقام النصيري "زكي الأرسوزي" والنصراني الصليبي اليوناني "ميشيل عفلق" وكلا الرجلين من ألد أعداء الإسلام، وقد جعلا من حزب البعث مباءة لتجميع أبناء الأقليات غير الإسلامية، والتي تبطن أحقادًا ضد الإسلام والمسلمين مثل – النصيرين، والنصارى، والدروز، والإسماعيلية (٢). أما أهل
стр. 553
السنة، فلم ينتم منهم إلى هذا الحزب إلا قلة ضعيفة غافلة ساذجة ممسوخة أمثال أمين الحافظ وصلاح البيطار وقد تخلص النصيريون منهم فيما بعد.
ب- عقيدة الطائفة النصيرية:
يعتقد غلاة الطائفة النصيرية وخاصتهم أن عليًا هو الإله، ولذلك أطلق عليهم اسم العلويين منذ الانتداب الفرنسي (١). وهم يزعمون أن الله حل في علي وأن عليًا كان موجودًا قبل خلق السموات والأرض، وقد قال ابن نصير بربوبية أبي الحسن العسكري، وزعم لنفسه أنه نبي ورسول بعثه أبو الحسن، وقد اعتقد أتباعه من بعده أن الله حل فيه كذلك (٢).
والنصيرية من أِشد الفرق إيغالاً في التأويلات الباطنية من سائر فرق الغلاة، فقد كان ابن نصير يقول «بإباحة المحارم ويحلل نكاح الرجال بعضهم لبعض، ويزعم أن ذلك من التواضع والتذلل، من المفعول به والفاعل، وأن ذلك إحدى الشهوات والطيبات، وأن الله لم يحرم شيئًا من ذلك (٣). ومن أجل ذلك اتفقت الشيعة الاثنا عشرية مع أهل السنة في عدم اعتبار النصيرية من الفرق الإسلامية، ويعتبرونها خارجة عن الإسلام ويصفونها بالزندقة والكفر، لأن عقيدتها واعتقادها يدل على ذلك، وعليه فإن النصيرية وإن نسبوا إلى الفرق الإسلامية وانتسبوا إليها، لا يعدون من المسلمين، ولا يعاملون معاملة المسلمين» (٤).
стр. 554
وقد ذكر الدكتور/ منير موسى مشابك – وهو شيوعي من نصارى الشام – في رسالته الجامعية أن النصيرية في الأصل كانوا نصارى، وقد دخلوا في الإسلام اسمًا لا حقيقة، وقد أكد ذلك بعض الباحثين، ويقوي هذا الرأي أن النصيرية لا يزالون يحتفظون ببعض التقاليد والطقوس والاعتقادات النصرانية (١).
ويذكر حمزة بن علي (ت ٤٢٢هـ) وهو من أشهر أئمة الدروز في رسالة له سماها (الدامغة في الرد على الفاسق النصيري) (٢). ما يلي: أنه ورد إلى كتاب ألفه أحد النصيرية الكافرين المشركين ... سماه كتاب (الحقائق وكشف المحجوب) فمن قبل كتابه عبد إبليس واعتقد التناسخ وحلل الفروج واستحل الكذب والبهتان (٣). فكتب هذه الرسالة ردًا على ما ألفه هذا الفاسق النصيري (٤). الذي يقول: بأن جميع ما حُرَّم من القتل والسرقة والكذب والبهتان والزنا واللياطة فهو مطلق للعارف والعارفة (٥). ومما قاله في كتابه بأنه يجب على المؤمنة أن لا تمنع فرجها أخاها، وأن تبذله له مباحًا حيث يشاء، وإن المجامعة الظاهرة تزيد في الدين، وأن الدين لا يتم إلا بهذا (٦). ومما قاله أن المشركين هم النواصب الذين يشركون بين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي (٧)، ثم يروي حمزة بن علي عن هذا النصيري أنه عدَّ إبليس وهامان والشيطان، هم – أبو بكر التيمي، وعمر العدوي، وعثمان الأموي (٨). وهذا يوضح لنا بجلاء عقيدة النصيرية في صحابة رسول
стр. 555
الله ﷺ . وقد بذلت الإرساليات النصرانية جهودًا مضنية في سبيل الحصول على معرفة أسرار العقيدة النصيرية، والوقوف على تعاليمها، وقد أفلح أحد المستشرقين الأمريكيين، في إقناع أحد أبناء شيوخ الطائفة النصيرية ويدعى (سليمان الأطنه وى) (١) بالكشف عن أسرار ديانة الفرقة النصيرية فألف كتابًا سماه "الباكورة السليمانية". فقام الأمريكيون بطبعه في بيروت سنة (١٨٦٣م) وأهم ما جاء في الكتاب مما يتعلق بعقائدهم ما يلي (٢):
١ - أن النصيرية علويون يعتقدون بألوهية الإمام علي بن أبي طالب ﵁ وهم قسمان:-
الشمالية منهم يقولون: إنه حال في القمر، وهم الذين يسكنون الساحل في لواء اللاذقية، والكلازية وهم الذين يسكنون الجبال إلى أنه حال في الشمس ولذلك فالنصيرية عمومًا يقدسون الشمس والقمر وسائر النجوم ومن السّمات المميزة بين الشمالية والكلازية أن الشمالية يعفون اللحى بخلاف الكلازية فإنهم يحلقونها.
٢ - يعتقد النصيرية بتناسخ الأرواح، فالأرواح الصالحة عندهم تحل في النجوم ولهذا يسمون عليًا (أمير النحل) أي أمير النجوم، والأرواح
стр. 556
الشريرة تحل في أجسام الحيوانات التي هي في نظرهم نجسة كالخنازير، والقرود وبنات آوى.
٣ - إن كلمة السر عندهم ثلاثة أحرف وهي: ع، م، س، أي علي، محمد، سلمان.
٤ - إن للنصيرية كتابًا مقدسًا يعتمدونه ويرجعون إليه وهو غير القرآن الكريم ولا يحتل القرآن عندهم إلا مكانًا ثانويًا.
٥ - يتضح من ذلك الكتاب أن العقيدة النصيرية غير متجانسة، فهي وثنية قديمة، ورواسب من تعليم النصرانية، وآراء مغلفة بغشاء من تعاليم ومذاهب غلاة الشيعة واعتقاداتهم الباطلة.
ومن كتبهم المعتبرة – كتاب تعليم الديانة النصيرية، وهذا الكتاب يوجد منه مخطوطة في المكتبة الأهلية بباريس برقم (٦١٨٢) وقد حلله بالألمانية القس الدكتور/ فولف ( WOLF) من روتفيل ROTIWELL في ألمانيا بمقال في ( ZDMG) جـ٣ سنة (١٨٤٩م) ص٣٠٢ - ص٣٠٩ وهو على طريقة السؤال والجواب ويتألف من (١٠١) سؤال وجواب ونحن نورد نماذج من هذه الأسئلة والأجوبة ليتبين لكل ذي عينين كفر هؤلاء وخروجهم عن الإسلام.
س١ من الذي خلقنا.
ج علي بن أبي طالب: أمير المؤمنين.
س٣ من الذي دعانا إلى معرفة ربنا؟
ج محمد كما قال هو في خطبته التي ختمها بقوله: (أنه - أي علي - ربي وربكم).
س ٧٦ ما "القداس"؟
ج تقديس الخمر التي تشرب على صحة النقباء أو النجباء.
стр. 557
س٧٩ ما سر الله الأعظم؟
ج هو سر الجسد والدم، الذي قال عنه يسوع: (هذا جسدي وهذا دمي فكلوا منهما تظفروا بالحياة الدائمة).
س١٠٠ ما هي أسماء أشخاص الصلاة، وساعتها المفروضة؟
ج أول وقعت للصلاة المفروضة هو الظهر، وصلاة الظهر تتألف من (٨) ركعات والوقت الثاني هو العصر، ويتألف من أربع ركعات والوقت الثالث صلاة المغرب وتتألف من خمس ركعات والرابعة صلاة العشاء وتتألف من أربع ركعات والخامسة صلاة الفجر وتتألف من ركعتين.
فانظر كيف غيروا عدد الركعات في صلاة الظهر والمغرب فالظهر زادوها من أربع إلى ثمان ركعات والمغرب من ثلاث إلى خمس والزيادة في الدين كالنقصان منه، وهذه نماذج من كفر هؤلاء وتبديلهم في شعائر الإسلام (١).
والنصيرية لم تتورع عن القول: «إن علم الباطن مختص بالعلويين وأن الأحكام الإسلامية لم تكن ظاهرة كما يظن البعض» (٢).
وللنصيرية قسم يقسمون على كتمان دينهم ومشائخهم، وعلى أن لا ينصح أحد منهم لمسلم ولا غيره إلا من كان على مذهبه وعندهم أن النصيري لا يصير نصيريًا مؤمنًا يجالسونه ويشربون معه الخمر ويطلعونه على أسرارهم ويزوجونه من نسائهم حتى يقسم بهذا القسم: (إني وحق العلي الأعلى، وما اعتقده في المظهر الأسنى، وحق النور وما نشأ منه، والسحاب
стр. 558
وساكنه، وإلا برئت من مولاي (علي) العلي العظيم، وولائي له، ومظاهر الحق، وكشفت حجاب سلمان بغير إذنه، وبرئت من دعوة الحجة (ابن نصير) وخضت مع الخائضين في لعن ابن ملجم، وكفرت بالخطاب – (أي الديانة والدعوة) – وأذعت السر المصون وأنكرت دعوى أهل الحق وإلا قلعت أصل شجرة العنب من الأرض بيدي حتى أجثت أصولها، وأمنع سبيلها، وكنت مع قابيل وهابيل ومع النمروذ على إبراهيم، وهكذا مع كل فرعون قام على صاحبه إلى أن ألقى العلي العظيم، وهو علي ساخط، وأبرأ من قول قنبر وأقول أنه بالنار ما تطهر (١).
وهذا القسم إذا حللناه وجدناه كما يلي:-
١ - أن علي ابن أبي طالب ﵁ يلقب بلقب العلي العظيم وهما من أسماء الله تعالى.
٢ - أن سلمان الفارسي هو صاحب الحجاب أي الباب الذي يفضي إلى العلم والحكمة وأسرار الباطن وباطن الأسرار.
ج- تعاون النصيريين مع أعداء الإسلام:
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «إن النصيريين كانوا دائمًا مع أعداء الإسلام على المسلمين، فهم مع النصارى على المسلمين، فقد ساعدوا الصليبيين ضد المسلمين، وكانوا مع التتار ضد المسلمين، فقد كان ابن العلقمي وزيرًا لهولاكو خان التتري، وكان نصير الدين الطوسي أيضًا من خاصته، وهو من غلاة الرافضة الموالين للنصيرية» (٢) اهـ.
ويقول الشيخ محمد أبو زهرة: «إن النصيرية من الطوائف التي
стр. 559
انخلعت من الإسلام، وقد كانوا أثناء الهجمة الصليبية على العالم الإسلامي خير معين للصليبيين على المسلمين، وعندما استولى الصليبيون على بعض البلاد الإسلامية قربوهم، وأدنوهم وجعلوا لهم مكانًا مرموقًا عندهم، وكانوا موالين للتتار ضد المسلمين أثناء غزو التتار لبلاد الشام» (١). اهـ.
وفي سنة سبع عشرة وسبعمائة من الهجرة خرجت الفرقة النصيرية عن الطاعة للولاة المسلمين بزعامة رجل منهم سموه محمد بن الحسن المهدي (القائم بأمر الله) وتارة يطلقون عليه أنه (علي بن أبي طالب) وأنه فاطر السموات والأرض -تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا- وتارة يدعي أنه محمد بن عبد الله صاحب البلاد، وخرج يكفر المسلمين، ويستبيح دماءهم وأموالهم وشنَّ هو وعصابته هجمة شرسة على مدينة (حبلة) فدخلوها وقتلوا أهلها ونهبوا ما فيها، وخرجوا منها يقولون: «لا إله إلا علي، ولا حجاب إلا محمد، ولا باب إلا سلمان» وسبوا الشيخين، وأمر أصحابه بهدم المساجد واتخاذها خمارات، وكانوا يقولون لمن أسروه من المسلمين: «قل لا إله إلا علي، واسجد لإلهك المهدي الذي يحي ويميت، حتى يحقن دمك ويكتب لك بذلك». وقد ارتكبوا جرائم لا تعد ولا تحصى، وقد أمر المستكفي بالله في حربهم ثم جهز لملاقاتهم عساكر وخلقًا كثيرًا، فهزمهم المسلمون وقتلوا منهم خلقًا كثيرًا وقتل مدعي الألوهية وقائدهم إلى الضلال (٢). وقد سار منهم الخلف على طريقة سلفهم الضال وقد أشرنا إلى أنه ظهر منهم أيام الاحتلال الفرنسي نصيري يدعي الألوهية واسمه (سلمان المرشد) وقد تعاون مع الفرنسيين إلى أبعد الحدود (٣). وقد قتل بعد تحرير سوريا من الفرنسيين اسميًا.
стр. 560
د- "حكم الطائفة النصيرية في الإسلام وعند المسلمين":
حكم الطائفة النصيرية في الإسلام أنها طائفة كافرة خارجة عن الدين الإسلامي كما يتضح من عقيدتها في تأليه علي بن أبي طالب ﵁ واستباحتها للمحرمات، واعتقادها لتناسخ الأرواح وسب صحابة رسول الله ﷺ وتكفيرهم إلى غير ذلك مما سبق بيانه في عقيدتها مما يتعارض مع الإسلام جملة وتفصيلا.
أما ما قاله علماء المسلمين فيهم فهو ما يلي:
١ - يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن هؤلاء القوم المسمون بالنصيرية هم وسائر أصناف القرامطة الباطنة أكفر من اليهود والنصارى بل وأكفر من كثير من المشركين، وضررهم على أمة محمد ﷺ أعظم من ضرر الكفار المحاربين مثل كفار التتار والفرنج وغيرهم، فإن هؤلاء يتظاهرون عند جهال المسلمين بالتشيع، وموالاة أهل البيت، وهم في الحقيقة لا يؤمنون بالله ولا برسوله، ولا بكتابه، ولا بأمر ولا نهي، ولا ثواب ولا عقاب ولا جنة ولا نار، ولا بأحد من المرسلين قبل محمد ﷺ ، ولا يدينون بملة من الملل، سوى عبادة الملذات واستباحة الشهوات (١). اهـ. وقال عنهم الإمام الغزالي (٢):
стр. 561
«إن النصيريين مرتدون في الدم ولمال والنكاح والذبيحة والواجب قتالهم، حتى يسلمون، أو يهلكوا» (١) اهـ. فهم ليسوا مسلمين، ولا يهود، ولا نصارى، فعلى المسلم الذي يمر بهم أن يأكل من ذبائحهم نظرًا لأنهم بمثابة عبدة الأوثان (٢).
وليست هذه النظرة وهذا الحكم بحق هذه الطائفة مما تفرد به أهل السنة والجماعة، بل إن الفرقة الأخرى كالشيعة الإمامية والدروز والنصارى قد أطلقوا الكفر على هذه الفرقة كما هو موجود في كتبهم:-
١ - يقول عبد الحسين مهدي العسكري: إن النصيرية وإن نسبوا إلى المسلمين لا يعدون من المسلمين، ولا يعاملون معاملة المسلمين (٣).
٢ - ويقول حمزة بن علي، وهو أشهر أئمة الدروز، أن النصيرية ممثلة في كاتبها النصيري كفار مشركون، ليس لهم بغية غير الفساد في الدين (٤).
٣ - ويقول الدكتور منير موسى مشابك، وهو نصراني شيوعي: إن النصيرية دخلوا في الإسلام اسمًا لا حقيقة (٥).
ولذلك فإنه ليس لإلحادهم حد محدود، فحتى أركان الإسلام يئولونها تأويلات باطنية، فيقولون: إن الصلوات الخمس معرفة أسماء أئمتهم الخمسة وهم: علي وحسن وحسين ومحسن وفاطمة، والصيام كتمان أسرارهم والحج زيارة شيوخهم إلى غير ذلك من التخرصات والأوهام (٦). التي ما أنزل الله بها من سلطان، فكيف يعتقد إنسان بعد ذلك أن هذه الفرقة وأصحابها داخلون في مسمى الإسلام.
стр. 562
هـ- حكم موالاة الطائفة النصيرية في الإسلام:
سبق أن تقرر بما لا يدع مجالاً للشك أن الطائفة النصيرية طائفة كافرة وإن كان من انتسب إليها وأيدها ظاهرًا أو باطنًا فحكمه حكمها لأن مناصرة الكافر وتأييده في حرب الإسلام والمسلمين كفر قال تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) (١) وهذه الطائفة كما هو معروف في تاريخها قد تتقنع بأقنعة كثيرة، فيسمون أنفسهم بالعلويين تارة، والنصيرين تارة أخرى ولكن تغيير الأسماء لا يغير حقيقة المسمى، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وقد اتفق علماء المسلمين على أن هؤلاء لا تجوز مناكحتهم ولا أكل ذبائحهم، لأنهم أشبه حالاً بأهل الأوثان، ولا يصلي على من مات منهم ولا يجوز استخدامهم في أعمال المسلمين، فإنهم من أغشى الناس للمسلمين ثم يقول: ولا ريب أن جهادهم، وإقامة الحد عليهم من أعظم الطاعات وأكبر الواجبات، وهو أفضل من جهاد من لا يقاتل المسلمين من المشركين وأهل الكتاب، فإن جهاد هؤلاء من جنس جهاد المرتدين، والصديق ﵁ وسائر الصحابة بدءوا بجهاد المرتدين قبل جهاد الكفار من أهل الكتاب، حيث إن جهاد هؤلاء حفظ لما فتح من بلاد المسلمين التي يريد هؤلاء أن تكون مرتدة عن الإسلام ويجب على كل مسلم أن يقوم بذلك بحسب ما يقدر عليه من الواجب (٢).
فهم أشدّ على المسلمين من اليهود والنصارى كما هو حاصل في وقتنا الحاضر، بل هم يقدمون أعظم الخدمات لليهود والنصارى في إراقة دماء المسلمين.
стр. 563
وقد أحكموا عقد الأخوة بينهم ... وبين النصارى واليهود الموارق
وقد أحكم الله العداوة بيننا ... وبين ذوي الكفران أهل الشقاشق
ونحن براء من ذوي الكفر جملة ... فلسنا وإياهم بحكم التوافق (١)
وعلى هذا فالطائفة النصيرية طائفة كافرة محاربة للإسلام والمسلمين فيجب على المسلمين معاداتها ويحرم عليهم موالاتها، فمن تولاهم أو نصرهم فهو منهم. قال تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (٢).
إلا من تاب منهم وأناب إلى الحق ودخل في الإسلام الصحيح فهو من المسلمين ويستحق أخوة الإسلام وموالاة المسلمين لأن الإسلام يجب ما قبله، والله ولي التوفيق والهادي إلى سواء السبيل.
стр. 564
المبحث الرابع: موالاة ومعاداة الدروز
الدروز جماعة من الناس يقدر عددهم ما بين (١٥٠ - ٢٠٠) ألف نسمة تقريبًا يعيشون في لبنان وسوريا وفلسطين، وأصلهم الجنسي غامض ويعتقد بعض المؤرخين أن الدروز من بقايا الشعوب القديمة، احتموا بالجبال أيام الفتوحات الإسلامية، واحتفظوا على الدوام بقدر من الاستقلال، وهم بصفة عامة لا يتمسكون بعقيدتهم إلا قليلاً: فهم مسلمون مع المسلمين، ونصارى مع النصارى، ويهود مع اليهود، وليس لديهم أماكن للعبادة خاصة بهم (١). وعقيدة الدروز أول ما ظهرت كطائفة مستقلة على يد: حمزة بن علي بن أحمد، رأس الطريقة الدرزية، ومصنف أهم رسائلهم التي غدت من الكتب المقدسة عندهم، ولا يعرف عن حياة هذا الشخص إلا القليل، ويقول النويري (٢): «إنه من زوزن في بلاد
стр. 565
فارس» (١). اهـ. والظاهر أن الدروز من فرق الإسماعيلية القديمة ولكنهم برزوا كطائفة جديدة عندما قال زعيمهم حمزة بن علي بألوهية الحاكم بأمر الله سنة (٤٠٨هـ) ويقول الدكتور/ محمد كامل حسين: إن المؤرخين يذكرون ثلاثة من الدعاة الكبار الذين أسسوا هذا المذهب وهم:-
١ - الحسن الفرغاني - المعروف بالأخرم، قتل بعد أيام قليلة من ظهور الدعوة في تألية الحاكم بأمر الله قتله رجل من المسلمين السنة سنة (٤٠٨هـ).
٢ - حمزة بن علي بن أحمد الزوزتي ويعرف باللباد وهو فارسي الأصل من زوزن بين نيسابور وهراة.
٣ - أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الدرزي -يعرف بأنوشتكين أو نوشتكين وكان من أتباع حمزة بن علي بن أحمد ولكنه خرج عليه وأراد أن يستأثر بالرياسة، فأسرع بالكشف عن المذهب ولم يستمع إلى النصائح التي أسداها حمزة بالتريث وعدم الخروج على طاعته (٢). اهـ.
وقد أعلن محمد بن إسماعيل الدرزي ألوهية الحاكم بأمر الله في الجامع الأزهر بالقاهرة، فلما ثار عليه الناس وقصدوا قتله، أظهر الحاكم براءته منه، وفي نفس الوقت حماه، حتى توفي سنة (٤١٠هـ) وقيل إنه قتل باتفاق بين الحاكم وحمزة بن علي بن أحمد ليخلوا المكان لدعوة حمزة دون منازع (٣).
والدروز يهاجمون محمد بن إسماعيل الدرزي رغم أنهم ينسبون إليه. ويقف حمزة بن علي من نشتكين الدرزي والبرذعي وأصحابهما موقف العداء، ويصف حمزة بن علي نشتكين الدرزي بالجهل حيث يقول: إن