← Адаб

Адаб · id 12815

خريدة القصر وجريدة العصر - أقسام أخرى

العماد الأصبهاني الكاتب

Полный текст (895 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

قسم شعراء العراق فكتب إليه رسالته الشينيّة نظماً ونثراً. وورد شيراز، ومدح قاضي القضاة عماد الدين أبا محمد طاهر بن محمد الفَزاريّ - وكان مؤثل بني الرّجاء، ومقصِد الفضلاء، ومطلع السعود، ومنبع الجود - وصل إليه هذا الشاعر في عيد الأضحى، سنة تسع وخمس مئة، وخدمه بقصيدة زاييّة بعد مقامة مقدّمها وقطعةٍ نظمها. وعاد الى الحجاز. ثم قصده بشيراز سنة سبع عشرة، ومدحه. فأما المقامة، فأولها: حدثني بعضُ الإخوان، قال: نشّتْ بي قراراتُ الكرم ببُغْدان، لتواتر نوَب الزمان، واختلاف أرباب السلطان، وأنا يومئذٍ ذو غُلٍّ قَمِلٍ، ووِردٍ وشِلٍ، وقلبٍ وجِل، وهمٍ متّصلٍ، وجذَلٍ منفصل، فشحَذْتُ غِرارَ العزمة في ركوب غارب الغربة، والأخذ في تنفيس الكربة، وتحقيق الوثبة؛ وجعلت أرود الفكر في المسرح، وأناجي السِّرَّ في ارتياد المَطْرَح والمَنزَح، وأستشير الصديق الصدوق، وأتجنّب في الاستشارة العَقوق. فحين صَلدَ الزّنْدُ، ونبا الحدُّ، وعثَر الجدُّ، لاح بأفق المَراد، ووَفْق المُراد، خِدْنٌ حلبَ الدّهر أشطُرَهُ، واعتصر أعصُرَه، وحادثَ أحداثه، وبذّ كهوله وأحداثه. أخضرُ الجلدة من نسل العرَبْ ... يملأ الدلوَ الى عَقْد الكرَبْ ذو فطنة غالبة، وعزمة ثابتة. فضربتُ بقِداحه، واستصبحتُ بمصباحه، وقلتُ: أنا إليك مرتكن، وأنت ببذل المجهود في النصح زَكِن. فقال: ما عرا؟ فقلت: كلُّ الصيد في جوف الفَرا. فقال: هاتِ، ودَعِ التُّرَّهات. فقلت: إن الإفلاس، حكَم عليّ الوَسواس، فما يقول في امتداح الناس؟ فقال: لا بأس، ولكن ارتَدْ بقعة، تتّخذها نُجْعة. قلت: فلسطين. قال: بها الإفرنج الملاعين. قلت: فالشام. قال: أجفل منه الكِرام. قلت: فديار ربيعة. قال: معاقل منيعة، ذهبت جوثتها، وتصدّعت بيضتها، وتمزّق عُقَيْلُها، وطال حزنها ووَيْلُها. قلت: فديار بكر. قال: بلد قفر، وجبل وعر، عمي إنسانها، مُذْ ذهب مروانها. قلت: فشيْزَر. قال: انتقض حبلها المُشْزَر، وجاس خِلالَها العسكر، ونَغِلَ إهابُها، وغاب صالحها ووثّابها. قلت: فطرابلس. قال: ذهب عَمّارُها، وأُخرج عُمّارُها، وبقي أغمارها. قلت: فمصر. قال: دون التّيه بالتِّيه، ومرْتٌ يجُدّ قُوَى لاحقٍ ووجيه. قلت: فأصفهان. قال: قصدها هَوان، والأديب بها مهان. قلت: فخُراسان. قال: هي نصفها الأول، إذ ليس بها لأول النصف الثاني نون تُحمل. فحرت بخلوّ الأقطار من مُنتَجَع ينتجَعُ، ومُرتبَع يُرتبَعُ، وجعلت أرسُفُ في قيد الوجوم، وأرسب في يمّ الهموم، قد أُرتج عليّ بابُ الحيلة، لمُقامي بالبقعة المُحيلة. فحين رأى صلودَ زَنْدي، ونُبُوَّ حدّي، ورقودَ فكري، وخمودَ جمري، قال: إركب على البحر الى البحر ... ومِلْ مع المدّ الى الجَزْرِ واقصد الى البصرة، ثم اعتمد ... لقصد خُوزستانَ في البَرِّ

стр. 2

وأهلُها لا تغشَ أبوابَهم ... فإنّهم خُوزٌ، وما تدري وشِمْ بروقَ الجودِ من فارس ... ففارسٌ مُرتبَعُ الفخرِ بيضتُها شيراز، فاعْمِدْ لها ... فإنّها طاردةُ الفقرِ بها عماد الدين خيرُ الورى ... ربُّ الندى ذو المنن الغُرِّ قاضي القضاة العلَمُ المرتجى ... مبشّرُ الآمال بالبشرِ فانهضْ لها منتضياً عزمةً ... وانظر الى شخصيَ في السَّفْرِ وها أنا إن كنت في حيرة ... يسفر عن مطلعها بدري فلما أبانت مشاورته عن مصاحبته، ونطقت أبياته بمحض صداقته، استنهضته فوجدته السُّلَيْكَ في عَدْوَته، وتأبّطَ في حيلته وجرأته، فنضينا الهمّ، وامتطينا ابنةَ اليَمّ، واتكأنا على الشِمال، فوق بساط الريح الشَمال، وتعاطينا كأس المنافثة، واقتدحنا نقص في الأصل والقصيدة طويلة بلا طائل، معانيها متكلّفة، ومبانيها مختلفة. على أنه ليس منها بيتٌ إلا وهو خالٍ غير حال، لم يخرج من التوسّط وإن لم يكن بعال ولا غال. وقد أوردت منها الأكثر، وأدنيت المعروف وأبعدت المنكر. ومنها: كأنّ عظامي غُدْوَةَ البيْنِ عادها ... لفَرْط الجوى والوَجْدِ، يا سلْمَ، منْحازُ ولي من عَفافي والتقنّع زاجرٌ ... ووجهيَ للماءِ الذي في كَنّازُ ومنها: وركْبٍ على مثل القِسيّ صحبتُهُم ... عليهنّ أكوارٌ تُشَدُّ وأحجازُ فرَوْا حُلّةَ الظلماءِ والشهبُ رُكَّدٌ ... الى أن بدا نجمٌ على الصبح غمّازُ إذا لهَواتُ البيدِ مجّتْهُمُ ضحى ... تباشرنَ آكامٌ بهنّ وأنشازُ أقولُ لهم: أعطوا المطامعَ حقّها ... فما أنا سألُ الدنيّة لزّازُ ولولا أيادي طاهرِ بن محمد ... لما حلُمَتْ بي قطُّ في النوم شيرازُ ولا حثّ بي لولاه في البرّ سابحٌ ... ولا رنّحتني في قَرا الكورِ أغرازُ ولكن حداني نحوَها جودُ كفّه ... ففُزْتُ كما قبلي به معشرٌ فازوا هو البحرُ لا يُفني عطاياه ماتحٌ ... لسَجْل العطايا بالمدائح نهّازُ له كلَّ يومٍ منّةٌ وصنيعةٌ ... بحمد الورى والشكر يحوي ويحتازُ سَبوقٌ الى الغايات لا يستحثُّهُ ... سوى مجدِه، والطِّرْفُ يُجريه مِهمازُ حماني نَداه من زماني وصانني ... فليس يرى وجهي أياز وقَيمازُ وشائجُ قربى قد رعاها بجوده ... وحمدٌ تلاه نازحُ الدارِ مجتازُ وقربى أصول بيننا عربيّة ... رعاها فَزاريُّ الأرومةِ ممتاز هنيّ الندى لم يذْمُمِ العيشَ جارُه ... له منه إكرامٌ يدومُ وإعزازُ له موردٌ عذْبٌ نُقاخٌ من الندى ... ووعدٌ تلاه للمكارم إنجازُ ففي كلّ جيد من أياديه منّةٌ ... يطولُ بها بين الأنام ويمتازُ يرى أنفس الأشياء ذكراً يحوزُه ... فليس له إلا المدائحَ إحْرازُ أعيذُ عطاياه من المسّ إنّما ... مدائحُنا سُخْبٌ عليها وأحْراز أسودُ الشّرى إنْ عاينته ثعالبٌ ... تضابَحُ فالرِئبالُ للخوف قَفّازُ أرى الناسَ طيراً قد أسفَّ ومجده ... تحلّق في أفق العلى فهوَ البازُ أقرّ له بالفضل سامٌ ويافِثٌ ... وعُجمٌ وأعرابٌ ورومٌ وأنحازُ ومنها: من القوم بالبيض المواضي وبالقنا ... وبالخيل والزّغْفِ الندى والعلى حازوا حووا بعمادِ الدين مجداً مؤثّلاً ... ونالوا المنى بل فوقَ غايتِها جازوا ومنها: تجمّعَ فيه ما تفرّق في الورى ... من الخيرِ فالشاني معاليه همّازُ ومنها: أقولُ لآمالي وقد جدّ جدُّها ... وقد بزّني قلبي من الهمّ بزّازُ أمامَكِ شيراز، فحُطّي بجوّها ... على ملك شكرَ البريّةِ يحتازُ ومنها:

стр. 3

على ماجدٍ رحْبِ النّديّ سماحُهُ ... نبا عنه إعدامٌ مضرٌّ وإعوازُ ومنها: ولا ينبِسُ النادي لهيبةِ مجدِه ... ومنطقُه فيه اختصارٌ وإيجازُ ومنها: بما شئتَ فأمُرْ، فالقضاءُ متابعٌ ... يصرِّفُهُ أمرٌ عُلاكَ وإيعازُ ودونَكَ فاشحَذْ بالنّدى غرْبَ صارمٍ ... إذا ما نبا عضْبٌ مضى وهْوَ حزّازُ وخُذ كلِماً يُسدي ويُلحمُ نظمُها ... مديحَكَ لم يلفِظْ بها قَطُّ رجّازُ فلما سمع الإنشاد، وفقِه الإرشاد، قال: ما يجبُ على سُعادَ، إلا الإسعاد، وقد بلغت المُراد في المراد. ثم غاب عن العِيان، بعدما صرت في الأمان، فما أعرِفُ أين سلك، ولا في أيّ نصاحٍ انسلك، ولا أعلم أحيٌّ هو أم هلك، فعلمت أنه ملكٌ دلّ على ملك، وبدرٌ طلع في فلك! وله قصيدة طائيّة في مدح وزير فارس ناصر الدين أبي العزّ عبد الله بن زيد في عيد الفطر، سنة سبعَ عشرةَ وخمسِ مئة، على وزن قصيدة المعرّي التي أوّلها: لمَن جيرةٌ سِيموا النّوالَ فلم يُنْطوا، وهي: أقول لسعدٍ والرِّكاب بنا تمطو ... ولابنِ ذُكاءٍ في قَذالِ الدُّجى وخْطُ أيا سعدُ كُرَّ الطّرفَ بالدّوِّ هل ترى ... بأرجائه ظُعْنَ الأحبّة أم شَطّوا فمن بعد لأيٍ قال والدّمعُ مائرٌ ... بعينيه يجري في الشؤون وينحطُّ أرى لهَواتِ الفَجّ غصّتْ بعِثْيَرٍ ... أثارته أيدي العِيسِ وهْيَ بهم تمطو ومن فوق هالات الخدور أهلّةٌ ... لها قِمَمٌ جُلْحٌ ذوائبُها شُمْطُ وحولَ طُفاواتِ الشّموسِ جآذِرٌ ... تتيهُ بهم سُخْبُ القَرنفُلِ واللّطُّ ومنها: وفي الهودج الإنسيّ للإنس غادةٌ ... كشمس الضُّحى يزهو بها القُلْبُ والقُرْطُ منعّمةٌ لم تدْرِ ما عيشُ شِقوَةٍ ... ولم يبدُ منها في جَنى خبَطٍ خبْطُ مليحةُ مجرى الطّوقِ أمّا وشاحُها ... فصادٍ وأما الحِجْلُ منها فمنغطُّ خدَلّجةٌ ملءُ الإزارِ خريدةٌ ... تكادُ أعاليها من الرِّدفِ تنحطُّ إذا هي قامت قلت: عُسْلوجُ بانةٍ ... وإمّا مشت عفّى على إثرِها المِرْطُ كأنّ لَماها والرُّضابَ وثغرَها ... حَبابٌ بكأسٍ فيه شُهدٌ وإسفِنطُ تتيهُ به عُودُ الأراكِ إذا جرى ... عليه ويزهو من ذوائبه المُشْطُ فمعصَهمُا حَلْيُ الأساوِرِ والبُرى ... وبالليتِ تزدانُ القلائدُ والسّمطُ وقد قلت لمّا أن بدت لي غُديّةً ... أذاتُ اللّمى هاتيك أم ظبيةٌ تعطو ومنها: وركبٍ على مثل القِسيّ صحبتُهُمْ ... نَشاوَى سقاهُمُ خمرةُ السّهْدُ والخبطُ رمَوْا بالمطايا ثُغرةَ الليلِ، وانبرت ... نواشط بالأفواهِ ما أمكنَ النّشْطُ ومنها: إذا كتبت أخفافُها بنجيعها ... حروفاً فمن وقع اللُّغام لها نَقْطُ ذوارعُ أثوابِ الفلاةِ بأذرع ... عراها نَشاطٌ قد نفى هجرَها النشْطُ الى أن نضَتْ ثوبَ الظّلامِ ومزّقت ... حواشي دُجىً عن غُرّةِ الصّبح تنعَطّ حكى ضوؤها من ناصر الدّين سُنّةً ... على الشمس بالأنوار غُرَّتُها تسطو أبو العزّ ذو المجد الصّريح الذي أبت ... عناصرُهُ عن أن يمازجَها خِلْطُ من القوم إن جادوا أفادوا وإن دُعُوا ... أجابوا وإن لم يُسألوا نائلاً يُنْطوا نقص في الأصل يجوسُ أقاليمَ البلادِ جميعها ... براحة مَنْ فيها له القَبْضُ والبسْطُ ومنها: بَراها وأجراها فجاءت بمُعجِزٍ ... كمعجز عيسى، والبنانُ لها قُمْطُ وبانت به الآياتُ حتّى كأنّها ... هِراوةُ موسى حين حفّ به السِّبْطُ

стр. 4

وفي كلّ سطرٍ صفُّ جيشٍ عرَمْرَمٍ ... وبيضُ الظُّبا والذُّبَّلُ الشّكْلُ والنّقْطُ أرتنا وقد سالت بنِقْسٍ رؤوسها ... على الطِّرْسِ أنّ الحظّ يخدُمُه الخَطُّ جرى الرّزقُ منهابالغِنى لمؤمّل ... براحته مما ترقّشُهُ قِطُّ إذا قَطّها في مأزقٍ أو مُلمّةٍ ... فهاماتُ أرباب المَمالك تنقطُّ لها في رِقابِ المعتدينَ جوامعٌ ... وفي أرجُلِ العافينَ من مِنَنٍ رُبْطُ ألا يا قَوامَ الدّولةِ اسمع قصيدةً ... لها من توالي بِرّك القِسطُ والقِسطُ ومن قبلها أنكحتُ نجلَكَ أختَها ... ولم أرَ موْلَىً مثلَه في الورى قطُّ وأنت فتى في جنب ضَحضاحِ بحره ... من الفضل ما يحوي الفُراتانِ والشّطُّ أسرّتُه دلّت على طيب أصلِه ... وذاك الجبينُ الصّلْتُ والخُلُقُ السّبْطُ وعن غير قصدٍ آنس النّارَ في طوىً ... وأمّمَها موسى وقد ملّتِ الرّهْطُ فنبّاه لمّا جاءه خالقُ الورى ... وكلّمه والنُّطقُ منْ مثله شرطُ أيا ناصرَ الدين الوزيرُ ألوكةً ... لمغترب ألقاه في ربْعك الشّحطُ شددتَ بإدراك الوزارة أزْرَها ... وقد تثبُتُ الأرجاءُ ما حُفظَ الوَسْطُ ومنها بعدَ أبيات كثيرة واهية القافية، سقيمة المزاج، عديمة العلاج: نقص في الأصل بأناملٍ سُبْطِ الحواشي جودُها ... متبجّسٌ كالعارضِ الرّجّاسِ ومنها: والشّرعُ لدْنُ العودِ في أيّامِه ... والعدلُ أصبحَ مُشزَرَ الأمراسِ والدّينُ مرفوعُ الدّعائم والورى ... لنضارة الأيّامِ في أعراسِ ومنها: يا ابنَ الأئمةِ من قريشٍ والألى ... طالوا بطَوْدٍ من عُلاهم راسِ العصرُ عبدُك والقضاءُ متابعٌ ... طوعَ الإشارة منك والإنباسِ ومديحُ مجدِك في الكتاب مرتّلٌ ... جارٍ مع الأعشار والأخماسِ أنا عبدُك القِنُّ الذي مذْ لم أزلْ ... أسطو على أعدائك الأرجاسِ ما جالَ إلا في مديحك خاطري ... وبغير وصفك ما جرت أنفاسي مِلْكي وإرثي يؤخَذانِ كلاهُما ... وأعودُ مقرونَ الرّجاءِ بياسي وبذيلِ مجدِك قد علِقْتُ فلا تدَعْ ... ظنّي يعودُ ملازماً للياسِ وله من قصيدة في المعنى: ما بين رامةَ والكثيبِ الأعفرِ ... حيٌّ أقام قيامتي من يعْمَرِ فاحبِسْ به خوصَ الرِّكابِ إذا بدا ... وتوَقّ من لحَظاتِ ذاك الجُؤذَرِ ومنها: وانشُدْ أسيرَ غَرامِه فلعلّه ... عَطْفاً يُدَلُّ عليه مَن لم يؤسرِ وإذا مررتَ على الأراك فقل له ... لا زِلتَ تصقُلُ غرْبَ كلِّ مؤشَّرِ هل عهدُ ناقضةِ العهودِ بحاله ... أم قد رمت بالغدر من لم يغدُرِ فرَتِ الفؤادَ بصارم من لحظها ... مستوطنٍ في جَفْنِه لم يُشهَرِ وأمالَها سُكْرانِ سكرُ تدلُّلٍ ... يضْنَى الفؤادُ به وسكرُ تخَفُّرِ نقص في الأصل بعُلاكَ قد علِقَ الرّجاءُ وأنت يا ... خيرَ البريّةِ عُدّةُ المتحيّرِ ما شِمْتُ إلا برقَ جودِك بالنّدى ... ورجوتُ عارضَ وابلٍ لك مُمْطِرِ وحططْتُ آمالي ببابك راجياً ... بالحقّ إدراكَ النّجاحِ المثمرِ وصرفْتُ عن كلِّ السّماحِ مطالبي ... وعلى سماحِك كان عَقْدي خِنصَري ووجدْتُ في مجموع قصائد من شعره، وجمعها؛ من جملتها قصيدة نظمها باليمن، وأنشدها أبا شُجاع فاتكَ بن جيّاشِ بنِ نَجاح، صاحبَ زَبيد، في صفر سنة أربع وخمس مئة، أوّلها: أمالَتْ غصونٌ حملُهُنّ نهودُ ... ضُحىً أم تثنّتْ في البِطاح قُدودُ

стр. 5

وهذه القصيدة جيّدة بالإضافة الى شعره، وليست من أسلوبه. فما أدري كيف خبَرُه: أتقوّلها، أم انتحلها، أم نقلَها، أم أثّرت فيه تُربةُ اليمن، فأتى بالنّظم الحسن؟ وأرى يمانيّاته كاليمانيّات المطبوعة المصقولة عضْباً، وكاليمانيّات الموشيّة المحبّرة عصْباً. ما لَه بزَبيد زبد، بل كلّه دُررٌ وزُبَد. وجد في صنعاء الصّنيعة فأجاد الصّنعة، وأتاه اليُمْنُ باليَمن فنال شعره برفعته الرّفعة، وعرَقَهُ العِراق، فمحَق بدرَ خاطِره المَحاقُ، وما أراه فارساً بفارس، ولا جالياً لعرائس. ونَوْرُ أقاحٍ أم ثُغورٌ تبسّمتْ ... وذيّاكَ وردٌ أم حكَتْهُ خُدودُ وهنّ ظِباءٌ بالصّرائم سُنّحٌ ... لنا أم ربيباتُ المقاصرِ غيدُ بدَرْن كأمثال البُدورِ تؤمّهُمْ ... خدلّجةٌ ريّا المعاصِم رودُ عطَتْ فذكرنا مُطفِلَ الرّملِ إذ عطَتْ ... وجال لها طرْفٌ وأتلعَ جيدُ فلم يرَ ذو عينَيْنِ من قبل شخصِها ... مَهاةَ صريمٍ للأسودِ تصيدُ وبين الثّنايا واللِثاثِ مُجاجةٌ ... بها ضَربٌ حُلوُ المَذاقِ بُرودُ أقول لسعدٍ والرِّكابُ سوانحٌ ... وجيشُ الكرى للمُقلتَيْن يَرودُ ترفّقْ وقِفْ بي في اللِّوى عُمرَ ساعة ... فإنّك إنْ ساعَدْتَني لسَعيدُ لأنشُدَ قلباً ضلّ بالرّملِ غُدوةً ... ولم تُرْعَ فيه ذمّةٌ وعهودُ ومنها: طوت لوعتي ثوبَ الصّبابةِ في الحشى ... فوجْدي على مرِّ الزّمان يزيدُ وأذكى حَمامُ الأيكتيْن بنوْحِه ... لظَى كمَدٍ ما الزّندُ منه صَلودُ أيا أيكتَيْ وادي الغَضَى هل زمانُنا ... وعيشٌ مضى في ظلّكُنّ يعودُ أحِنُّ إليكم حنّةَ النّيبِ شاقَها ... الى مورِدِ جَمِّ النُّقاخِ وُرودُ وأصبو كما يصبو الى الجُودِ فاتكٌ ... وأُزْهى كأنّي دَستُهُ وزَبيدُ مليكٌ عطايا كفِّه تُبدي النّدى ... لمن أمّهُ مُستَرْفِداً وتُعيدُ فتىً مهّدَ الأقطار وهْوَ بمهدِه ... ودانت له الأقدارُ وهْوَ وليدُ ومنها: يبشّرُ راجي عُرفِه طيبُ عَرفِه ... ويُعطي ولو أنّ الأنامَ وفودُ له حسَبٌ صافي الأديم من الخَنا ... حمَتْ عنه آباءٌ له وجُدودُ ومجدٌ تَليدٌ راسياتٌ أصولُه ... بناه طَريفٌ من نَدَىً وتليدُ يلوحُ لنا في مطلَعِ الدّسْتِ وجهُه ... كما لاح من ضوء الصّبحِ عمودُ فما النّيلُ إن جاشت غواربُ مائِهِ ... ومدّتْهُ من بعدِ المُدودِ مُدودُ وعمّمَ هاماتِ التِّلاعِ بمُزبِدٍ ... به كلُّ ساقٍ لا يُطاقُ حَصيدُ بأغزرَ من تاج المفاخرِ راحةً ... وأندى بناناً منهُ حينَ يجودُ ولا مُخدِرٌ في أرض خفّان مُشبِلٌ ... أكولٌ لأشلاءِ الرّجالِ صَيودُ له كلّ يومٍ من غَريضِ فَريسةٍ ... قِرًى تغتذي منه لدَيْهِ أسودُ بأشجعَ منه والقنا تقرَعُ القنا ... وللبيض من هامِ الكُماةِ غُمودُ تنافَرَ عنه الصّيدُ خوفَ لقائِه ... تنافُرَ سرْحٍ فيه يعبَثُ سيدُ ويا رُبّ يومٍ قد ترامت الى الوغى ... به شُزَّبٌ قُبُّ الأياطِلِ قودُ كسا ركضُها نورَ الصّباحِ مُلاءةً ... من النّقْع تُخفي شمسَهُ وتذودُ يقودُ بها جيشَيْنِ في الأرض واحدٌ ... يسيرُ وهذا في السّماءِ يرودُ إذا خفَقَتْ هذي لغزْوِ قبيلةٍ ... خفَقْن لتلكَ الحائماتِ بنودُ وشُهْب من البيضِ الرّقاقِ متى هوتْ ... هوَى طامعٌ طاغٍ وخرَّ مريدُ

стр. 6

ومن حوله من آلِ حامٍ عِصابةٌ ... أسودُ وغىً فوق السّلاهبِ سودُ إذا أضرموا نارَ الرّدى بحِرابهمْ ... فأرواحُ أبطالِ الكُماةِ وَقودُ هم الجُنْدُ إن ناداهمُ لمُلمّةٍ ... أجابته منهم عُدّةٌ وعَديدُ وللصُّبْحِ من نور الغَزالةِ شاهدٌ ... وللّيْلِ من ضوءِ النّجومِ شهودُ أيا ملِكاً لولا عوارفُ كفِّه ... لما كان يُدْعى في البسيطة جودُ لك اللهُ نهْنِهْ طِرْفَ عزمِك واتّئِدْ ... فما نِلتَهُ للواصفين يَؤودُ بلغتَ الذي لا يبلغُ الفِكرُ شأوَه ... ولا للتّمنّي في مداهُ مَزيدُ تحيّرتِ الأفهامُ فيك فكُنْ لها ... دليلاً وقُلْ للمدحِ أين تُريدُ أتبغي صعوداً يُعجِزُ الشّمسَ بعضُه ... أمن فوقِ هامِ النّيّرَينِ صَعيدُ لك الدّهرُ والأقدارُ والعصرُ والورى ... وكلُّ مليكٍ في البلادِ عبيدُ وكم لك في الأعناقِ منهم صنائعٌ ... بها تتباهى ثُغْرةٌ ووَريدُ فلو جحَدوا حسنَ الصّنيعِ لأذْعنت ... بشكرك منهم أعظُمٌ وجُلودُ إليك رمت بي العيسُ تنفُخُ في البُرى ... وقد شفَعت حسنَ الرّجاء قَصيدُ وقد رَجاني حُسْنُ ظنٍّ ظننتُه ... وأيقظَ آمالي وهنّ رقودُ وشعرٌ من السِّحر الحلال نظمتُه ... فريدَ معانٍ قد نماه فريدُ وحسبيَ من جَدْوى يمينكِ مِنحةٌ ... تخبّرُ عن نُعماك حينَ أعودُ عوارفُ يُعشي ناظرَ الشّمس نورُها ... ويُظهِرُها بالرّغم منه حسودُ وجودُك أدرى بالذي أنا طالبٌ ... وفضلك يا خيرَ الملوكِ أريدُ وما الحمدُ إلا حُلةُ الجود وشيُها ... مقيمٌ على مرّ الزّمانِ جديدُ وخيرُ ثيابِ المرء ذكرٌ مخلّدٌ ... ومدحٌ ضفتْ منه عليه بُرودُ خلالُك تُملي ما أقول فليس لي ... من الشّعرِ إلا وَقفةٌ ونشيدُ أين هذا النّفَسُ القوي من ذاك الهوس الغويّ؟ طوّحت هذه الدّالية بالطائيّة، واعتذرت عن الزّاييّة. لعل شيطانه باليمن عنا له فأعانه، أو كرَمُ ممدوحِه أحيا باعثَه فأذاب جُلمودَ خاطرِه وألانَه. أين هذه الصّنعة من تلك الشُّنعة؟ وهذه السِّمةُ من تلك الوصْمة؟ وهذه القوة من ذلك الوهْي؟ وهذا النّسيمُ من ذاك الهواء؟ وهذا الشعاعُ من ذلك الهَباء؟ وهذا البَهاء من ذلك الهُذاء؟ وهذه الغُررُ من تلك العُرَر؟ وهذا الصفو من ذلك الكدر؟ وتمام القصيدة: تعلّمُني أفعالُ مجدِك وصفَها ... وتُدني إليّ القولَ وهْوَ بعيدُ فخُذْ مِدَحاً يستغرقُ الحمدَ بعضُها ... تَبيدُ الليالي وهْو ليس يَبيدُ وذكر أنّ له في الأمير المفضّل المكين سيف الدولة أبي المكارم بن أبي البركات بن الوَليد الحِميَري، وهو من أولاد التّبابعة باليَمن، سنة خمس وخمس مئة، قصيدة؛ ويصف موضعاً له ذا جبال وأنهار، وأشجار وأزهار: أعِيابُ داريٍّ تُفضُّ وتُفتَقُ ... أم ذي الخَميلةُ عرْفُها يُتنَشُّقُ خلعَ العِهادُ على المعاهدِ حُلّةً ... يُزْهى بسُندُسِ نَورِها الإستبرَقُ طلّت دموعُ السُّحْبِ فوقَ طُلولها ... فرُبوعُها فيها الرّبيعُ المؤنِقُ وتفتّحت حدَقُ الرّياضِ نواضراً ... بنواظر نحو السّماءِ تحدِّقُ فإذا تعرّضَ للبسيطةِ عارضٌ ... فالنّجمُ تحمِلُه لريّ أسوُقُ ومنها: وكأنّما الرّبَواتُ وهْي نواضرٌ ... خيَمٌ يحُفُّ بها غديرٌ متْأقُ والماء يبدرُ في الوقائعِ لامعاً ... كالبحرِ مع نورِ الغزالةِ يُشرِقُ فإذا تخلّل في الخمائل خِلتَهُ ... صِلاً يحاذرُ وقْع نصْلٍ يمرُقُ

стр. 7

تتراقصُ الأغصانُ من فرَحٍ به ... ويمرُّ بالأنهارِ وهو يصفِّقُ صافٍ كأخلاق المفضَّل رفّةً ... ما في خلائقِه الحِسانِ تخلّقُ ملِكٌ يُقيمُ الحمد بين بُيوتِه ... وبه يعودُ المال وهو مفرَّقُ سبْطُ الأناملِ راحتاهُ كلاهُما ... مبسوطتان كما يحاول يُنفِقُ يعطي فإنْ نفِدَ السّؤال رأيتَه ... بتِلادِه متبرّعاً يتصدّقُ وترى غُرابَ الجودِ في أموالِه ... بسَماحِه في كلّ يومٍ ينغِقُ سيفٌ له ربُّ البريّةِ طابعٌ ... وغِرارُه هامَ الكماةِ يفلّقُ قد أخلصتْهُ دولةٌ نبويّةٌ ... فبِها الصّدا في متنه لا يعلَقُ بالجود طينةُ راحتَيْهِ كليهما ... والتّاجُ منه جبينُه والمفرِقُ آلت مكارمُه بغُزْرِ سماحِه ... ألا يعاوِدَ عن ذَراهُ مُملِقُ قد قُلتُ للمغرور يطلُبُ شأوَهُ ... والنّجمُ طالبُه به لا يلحَقُ أترومُ إدراكَ الذي قد نالَه ... هيهاتَ باعُك عن ذراه ضيّقُ ما ظالعٌ مثلَ الضّليعِ ولا ارتقى ... يوماً الى الجوزاءِ من يتسلّقُ يا أيّها الملكُ الذي لسماحِه ... بحرٌ مواردُ جودِه تتدفّقُ لا يرزُقُ الرّحمانُ منْ لم تُعطِه ... وكذاك ليس بمانعٍ من ترْزُقُ طوّقتَ أجيادَ الملوكِ عوارفاً ... فهُمُ عبيدُك بالعوارِفِ طُوِّقوا ورميتَ كلَّ معاندٍ ومكاشحٍ ... بعزيمةٍ هيَ حين تُعزى فيْلَقُ كم وقعةٍ لك لو همَمْتُ بشرحها ... قلّ اليراعُ بها وعَزّ المُهْرَقُ وإذا اللّواء غدا بنصرك خافقاً ... غدتِ القلوبُ من الأعادي تخفِقُ يجري القضاء بما تحبّ لأنّه ... برضاك من ربّ السماءِ يوفَّقُ ومنها يُغْريه بأخذ زَبيد: لا تُهملنّ جُعِلتُ قبلك للفِدا ... أمراً فقِدْماً قد تفرْزَنَ بيذَقُ واشحَذْ لأمرِ زَبيدَ عزمةَ عارفٍ ... بالحرب تقصِدُ شمْلَها فيمَزَّقُ واكتُب ببأسِك في القلوب حُتوفَها ... والسُمْرُ تنقُطُ والصّوارمُ تمشُقُ واجنُبْ لها جيشيْنِ جيشاً بالفَلا ... يسري وجيشاً في السّماء يحلّقُ وامطِرْ صواعقَك الصّوائبَ فوقها ... ليعودَ مُرعَدُها لقىً والمُبْرَقُ وامخُضْ لها وطْبَ المَنونِ مجاهِراً ... فزَبيدُ زُبدتُه عليها تبرُقُ تشتاقُهم سُمرُ الرّماحِ وتنثني ... وصُدورُها بصُدورِهم تتدفّقُ يا خيرَ من يُزْهى القريضُ بمدحه ... وأجلّ من بعُلاهُ يفخرُ منطِقُ لولاك لم أزجِ الرِّكابَ على الوجى ... والرّكْبُ يطفو في السّرابِ ويغرَقُ نقص في الأصل وأرحَلُها مثلَ البُدورِ كواملاً ... الى أن تراها كالأهلّةِ نُحَّلا إذا أوردت حِسْياً حسِبتَ رِقابَها ... حِبالاً وخِلتَ الهامَ فيهنّ كالدِّلا حواملُ آمالٍ ثِقالٍ تتابعت ... مع الحمدِ يطلُبْنَ المليكَ المفضّلا جعلتُ عليها الرّحلَ إمّا بلغتُه ... حراماً ووِرْدَ الجودِ عفواً محللا فحينَ أنخناها بمغْناهُ صادفت ... ربيعاً مَريعاً من نَداهُ ومنْهَلا ومنها: تتيهُ به قحطانُ فخراً إذا اعتزى ... ويُضحي مُعَمّاً بالفخارِ ومُخوَلا إذا ما احتبى أبصرتَ في الدّسْتِ ماجداً ... وإنْ سار نحو الحربِ عاينتَ جَحْفلا ويحْمي حِماهُ بالصّوارمِ والقَنا ... ولا يرتضي إلا ذَرا العِزّ منزلا وما تاهَ ملْكٌ بالفواضلِ والعُلى ... وجاراهُ إلاّ كان أوْفى وأنْبلا حلا عندَه طعمُ المديحِ فجودُه ... يبالِغُ في كسب الثّناءِ وإنْ غلا

стр. 8

ومنها: ولستَ تراه لاهياً عن فضيلةٍ ... ولا لسوى جمعِ العُلى متبتِّلا يرى أنفسَ الأشياء حمداً يحوزُه ... ومكرُمةً تُغني وتُسعفُ مُرمِلا ومنها: ولا سارَ في جيشٍ يحاولُ غزوةً ... لأعدائه إلا غدا النّصْرُ أوّلا ولا جُرِّدَت أسيافُه يومَ مأقِطٍ ... فعوّضَها الأغمادَ إلا من الطُّلى ولا ظمِئَتْ أرماحُه في وقيعةٍ ... فأوردها إلا النّجيعَ من الكُلَى تولّى كُماةُ الحربِ عنه مخافةً ... كسِرْبِ قَطاً عاينّ بالقاعِ أجدلا إذا ما انتضى عزماً تباشرتِ الظُّبا ... وإمّا رمى بالرّأي صادفَ مقْتَلا حوى المجدَ واحتلّ الذُّرا من فخاره ... فأدْونُ وصفٍ من مناقبه العُلى يَميدُ ارتياحاً حينَ يغشاهُ مادحٌ ... فأشبهَ سيفاً والمدائحُ صيْقلا لو قال: ينير ابهاجاً، لسلم له المعنى، وصحّ منه المغزى. ومنها: أيا ملكاً لولاهُ في الأرض لم يكن ... لينظُرَ راجٍ مُنعِماً متفضّلا ولولا أياديهِ العَميمةُ لم يكن ... ليعرِفَ عيثاً بالمواهب مُسْبِلا نقص في الأصل وقد أخذَتْ مني الظُّباءُ بحقِّها ... وأصبحتُ فيها رازحَ الحالِ أعزلا ولولا أيادٍ أسعدتني لأسعدٍ ... غدوتُ بها من بعْدِ عُسْري مُجمّلا لما كنت من كسْر الزّمانِ وعرْقِه ... عظاميَ أرجو أن أخلّصَ مفصِلا وجودُك قد أعيا الوَرى في زماننا ... فلستُ أرى في الأرضِ ملْكاً مبخَّلا وفي المجموع، قال: وكتبت بهذه القصيدة من ذي جِبلَة الى الملك أبي شجاع فاتك بن جيّاش، من حضرة المفضَّل، أُثني عليه، في جُمادى الأولى سنة ستّ وخمس مئة: ذرَعَتْ بأذرُعِها المهارَى القودُ ... ثوبَ الدُجى ورِواقُه ممدودُ وتطلّعتْ بطُوَيْليعٍ فبدا لها ... بعدَ الأراكِ محَجَّرٌ وزَرودُ وتنسّمتْ هضَباتِ عالِجَ طُلَّحا ... ولهنّ من فرطِ اللّغوبِ قُيودُ أودى بهنّ هَجيرُ ناجرَ والسُّرى ... والقطعُ يقرَنُ بالبُرى والبِيدُ والخِمْسُ مشفوعٌ بخِمْسٍ بعدَه ... والوِرْدُ يُشفَهُ ماؤه المثمودُ فأتيْن أمثالَ القِسيّ نواحلاً ... منهنّ بادٍ أعظُمٌ وجلودُ يحمِلْنَ أمثالَ السّهام يؤمّهُمْ ... أملٌ مدَى ما يبتغيهِ زَبيدُ واجهن ذا السّعْدَيْن فاتكَ مالكاً ... بعُلاه جيّاشٌ سما وسعيدُ لا بانتقاصٍ منهما في رُتبة ... وإليهِما منهُ الفَخارُ يعودُ قد شاد إبراهيم مجدَ محمّدٍ ... وسما برُتبتِه ابنُه داوودُ شرفُ الأوائل والأواخر خيرُ مَنْ ... يُعطي إذا ضنّ الحيا ويجودُ ملكٌ به المعروف يعرَفُ والنّدى ... وسماحُهُ يُغني الورى ويَزيدُ متفرّدٌ بفَخارِه في عصرِه ... للمأثُراتِ بما حَواهُ مُشيدُ أحيا الأماني جودُه وسمَتْ به ... في المجدِ آباءٌ له وجدودُ نقص في الأصل جمال المُلك أبو القاسم عليّ بن أفلح العَبسي الشاعر من أهل بغداد، وأصله من الحِلّة السّيفية. شاعرٌ سائرُ الشّعر، طائر الذّكر، مرهوب الشّبا حديد السِّنان، شديد الهجاء بذي اللسان. إذا اتّضح له المعنى في هجو أحد، لم يبال به أكان محسناً أم مُسيّاً، عدوّاً أو ولياً. وقلّ من أحسن إليه إلا جازاه بالقبيح، وجاراه بالذمّ الصّريح. وكان من جملة منعوشي العمّ الشّهيد عزيز الدّين، فإنّه نوّه بذكره، ونبّه على قدره، وجذب بضَبْع فضله، وآواه الى ريع ظلّه، وولّى أشغاله جماعةً من أقاربه وأهله، حتى عُرِفوا وشرُفوا، وأثْرَوا واكتفوا. على أنّه لم ينجُ مع ذلك من قوارصه، وكان يحتمله لفضائله وخصائصه.

стр. 9

ولما نقلني والدي من أصفهان الى بغداد حين نبا - بعد النّكبة - بِنا الوطنُ، وضاق العطَن، ولم نجد الأمن والسّلامة، واليُمن والكَرامة، إلا في ظل الدار العزيزة النبويّة الإمامية المقتفوية، فسكنّا مدينة السلام، واتّخذناها دار المُقام، وذلك في سنة أربع وثلاثين وخمس مئة، وقد بلغت سنّي خمسَ عشرة سنة - وكان هذا ابن أفلح يجتمع بوالدي، ويقصِدُ نحوَهُ، ويبثّه شجْوَه. وتوفّي بعد ذلك بسنتين أو ثلاث. وطالعتُ ما جمع من شعره، وهو قليل؛ لأن الخليفة نفّذ وأخذ من بيته أشعاره كلها. وكتبت منه قصيدتين في مدح عمّي، فأثبتُّهما، ولم أُلْغِ منهما شيئاً. إحداهما ما مدحه به وأنشده بأصفهان: هاتيك دجلةُ رِدْ وهذا النّيلُ ... ما بعدَ ذينِ لحائمٍ تعليلُ إن كان برْدُ الماءِ عندَك ناقعاً ... حرَّ الجَوى لا الأشنبُ المعسول عجباً لشأنك تدّعي ظمأً وفي ... جفْنيْكَ من سيلِ الجُفونِ سُيولُ وتنحّ من لفْح الهَجيرِ وحرِّه ... وحشاكَ فيه لوعةٌ وغَليلُ ما هذه آياتُ من عرَفَ الهوى ... وشجاه رَقراقُ الحياء أسيلُ لا تكذبنّ فما بهذا عندنا ... أهلَ الصّبابةِ يُعرفُ المتبولُ خلِّ الغرامَ لأهله فهمُُ به ... أولى لهنّكَ في الغرامِ دخيلُ أنسيتَني يومَ العقيق ونحنُ في ... واديهِ بين السَّرْحتيْن حُلولُ والحيُّ يهمِزُ بالرحيل ومُهجتي ... جزَعاً لمقترب الرّحيلِ تسيلُ والوجدُ محتدمٌ وبين أضالعي ... قلبٌ يضِجُّ به الغرامُ عليلُ وأقلُّ ما لاقيتُ من كُلَف الهوى ... بعدَ الصّبابةِ لائمٌ وعَذولُ ألا اقتديتَ بحُوَّلٍ في وجدِه ... قد عارك الأشجانَ وهْوَ نحيلُ أظننتَ أنّ العِشقَ سهلٌ بئس ما ... أوهمتهُ يا أيّها المخبولُ يا أختَ سعدٍ قد سننتِ شريعةً ... ما سنّها في الأنبياءِ رسولُ حلّلتِ سفكَ دمي ولم ينطِقْ به ... ذِكرٌ وتوْراةٌ ولا إنجيلُ وقصرتِ أجفاني فما إن تلتقي ... وأطلتِ ليلي فالعَناءُ طويلُ وقدحتِ ناراً في الحشا ومنعتِني ... إطفاءَها بالدّمعِ وهو هَطولُ سمعاً لأمركِ ما استطعتُ وكلّ ما ... حمّلتِ من عِبْءِ الهوى محمولُ قسماً بعصيان العذول فإنّه ... قسمٌ على حسن الوفاءِ دليلُ إنّي عليكِ وإن صدَدْتِ لعاطفٌ ... ولكِ الغداةَ وإن قطعْتِ وَصولُ يا صاحبيّ مضى الهوى لسبيله ... وأتى الصوابُ وقولُه المقبولُ أبثثكما عُجَري فما ترَيانِه ... لأخيكما فالرّأيُ منه أفيلُ طال الثّواءُ على المذلّة قانعاً ... بالدّون واستولى عليّ خُمولُ وغدا يزاحمُ منكبي في موقف ال ... علياءِ وغدٌ أخرقٌ وجهولُ في كلّ يوم يستفزّ سكينتي ... روعٌ يمَسُّ الحسَّ منه ذُهولُ ممّن عهِدتُ إذا ذُكِرتُ فؤادَه ... من صدره فرَقاً يكادُ يزولُ ما ذاك إلا أنّه لم يبقَ من ... هذا الأنام مسوّدٌ بُهْلولُ يأوي إليه المستجيرُ فيغتدي ... نعمَ النّصيرُ وبأسُه المأمولُ قالا: صهٍ هذا ابن حامدٍ الذي ... ما بعدَه لمؤمِّلٍ تأميلُ يمّمْه تلقَ اليمّ يزخَرُ طامياً ... والليثَ يزأرُ هيبةً ويصولُ وانزِلْ عليه تُنِخ بكِسْرِ فناءِ منْ ... ما ذمّ جيرتَهُ العشيَّ نزيلُ إنّ امرءاً كفَل العزيزُ بنصره ... وغدا يسالمُ دهرَهُ لَذليلُ نقص في الأصل لا الصّبرُ ناصرُهُ إن ضامه كمَدٌ ... يومَ الرّحيل ولا السّلوانُ مُنجِدُه فلم أطاع عذولاً ما يسهِّدُه ... إذا غفا كلُ طرْفٍ ما يسهِّدُهُ

стр. 10

هل حلّ بالعَذْلِ لاحٍ من أخي كمَدٍ ... ما ظلّ بالحبّ داعي الوجد يعقِدُه لولا الغُرورُ وما تجْني مطامِعُه ... لذَمّ طيْفَ الكرى من باتَ يحمَدُه وكلّ من لا يرى في الأمر مصدَرَهُ ... قبل الوُرودِ أراهُ الحتْفَ مورِدُه كحائنٍ ظنّ مولانا العزيز على ... إمهالهُ مُهمِلاً من بات يرْصُدُه الصّادق العزمِ لا جبنٌ يريّثُه ... إن رامَ أمراً ولا عجزٌ يفنّدُه في كلّ يومٍ له حمدٌ يجمّعهُ ... بما توخّاهُ من مالٍ يبدّدُه جمُّ المواهبِ ما ينفكّ من سرَفٍ ... لُجَينُه يشتكي منه وعسجَدُه غمْرُ الرِّداءِ وَهوبٌ ما حوته على ال ... أيّام من طارفٍ أو تالدٍ يدُه يعتدّ بالفضلِ للعافي ويشكرُه ... كأنّ عافيهِ يحبوهُ ويرفِدُهُ موفّقُ السّعي والتّدبيرُ منجِحُه ... وثاقبُ الرّأي في الجُلّى مسدّدُه حسنُ الرّشادِ له فيما يحاولُه ... من المقاصد هاديه ومُرشدُهُ فما يَطيشُ له سهمٌ يفوّقُه ... في كل ما يتحرّاهُ ويقصِدُه إذا تماثلتِ الأحسابُ فاخرةً ... أضاء في الحسَبِ الوضّاحِ محتِدُه يُزْهى بجدّيْنِ أضحى سامياً بهما ... فما ترى عينُه من ليس يحسُدُه يا أحمدُ الحمدُ ما أصبحت تكسِبُه ... بالفضلِ والفضلُ ما أصبحت توردُه ليَهْنِ مجدَك نُعمى ظلّ حاسدُها ... يغيظُه ما رأى منها ويُكمدُه جاءتك تسحَبُ ذيلَ العزّ من ملِك ... ما أيّد اللهُ إلا من يؤيّدُه لم يلقَ غيرَك كُفؤاً يرتضيهِ لما ... إليك أضحى من التّدبيرِ يُسندُهُ ألقى إليكَ زِمام الأمرِ معتقداً ... أنّ الأمانةَ فيمن طاب مولدُه فاجعَلْ عِياذَك شكرَ الناسِ تحرزُه ... وانظرْ لنفسك من ذكرٍ تخلّدُه وليَهْن جدَّك أعداءٌ ظفِرتَ بهم ... وقد عراهم من الطّغيانِ أنكدُه نوَوْا لك المَكرَ غدراً فاستزلّ لهم ... عن ذاك أيمنُ تدبيرٍ وأحمدُه من كلّ أخيبَ خانته مكايدُه ... فيما نواهُ وأرداهُ تردّدُه ما أبرموا الرّأيَ في سوء بغوْك به ... إلا وعاد سحيلاً منك مُحصَدُه ولا ورى زندُ كيدٍ منهمُ أبداً ... إلا وحدُّك بالإقبالِ يُصلِدُه نقص في الأصل فإنْ جحَدَتْ أجفانهُ سفكَها دمي ... فلي شاهدٌ من خدِّه غيرُ مُرقِش ومال بعِطفَيّ الغرامُ وقد بدا ... لعينيّ حتى ظنّ أنّيَ مُنتشي بريّان ما يحويه عقْدُ إزارِه ... وغَرْثان مِقلاق الوشاح معطّشِ ولما تلاقينا بقلبي وطرْفِه ... على حذَرٍ ممّن ينِمُّ ومن يشي ضعُفتُ وأعطاه الهوى فضلَ قوّةٍ ... فأوثقني أسراً ومن يقْوَ يبطِشِ ومن يتحرّشْ بالرّدى وهْوَ وادعٌ ... قريرُ الرّزايا يلْقَ غِبّ التحرُّشِ وكان هذا ابن أفلح فظيع المنظر، كما وصفه سديد الدّولة ابن الأنباري في قوله: يا فتى أفلح وإن ... لم يكن قطُّ أفلحا لكَ وجهٌ مشوّهٌ ... أسودٌ قُدّ من رَحى وكان هكذا ذكره قمر الدّولة بن دوّاس: هذا ابنُ أفلحَ كاتبٌ ... متفرّدٌ بصِفاتِه أقلامُه من غيره ... ودَواتُه من ذاتِه ومن جملة أشعار ابن أفلح، قوله: يا من إليه المشتكى ... في كلّ نائبةٍ تلوحُ ذا النّاصرُ المخذولُطولَ زمانِه نِضْوٌ طَليحُ ما إنْ يبِلُّ فيستري ... حُ ولا يموتُ فيستريحُ وقوله: سألتُك التّوقيعَ في قصّتي ... فاحتطتُ للآجلِ بالعاجلِ

стр. 11

وخِفتُ أن تُجريَ في قابِلٍ ... وقّعْ فما تبقى الى قابِلِ وقوله في أنوشَرْوان الوزير، وكان في غاية التواضع: إنّ أنوشَرْوان ما فيهِ ... سوى قيامٍ لمُرجّيهِ الجودُ كلّ الجودِ في رجله ... وإن تعدّى فإلى فيهِ روّجْ لراجيك ولو حبّةً ... واقعُدْ على العرشِ من التّيهِ وله في المعين المختصّ الوزير: إنّ عندي للمُعين يداً ... ما حَييتُ الدّهرَ أشكرُها صانَني عن أن تكونَ له ... منّة عندي أحبِّرُها فأنا ما عشتُ أعرِفُها ... أبداً من حيثُ أنكِرُها وله في الوزير أحمدَ بنِ نظام الملك: قصدْتُ أرومُ لقاءَ الوزير ... وقد منع الإذنَ بالواحده وكلٌّ على الباب يبغي الدّخو ... لَ والبابُ كالصّخرةِ الجامده ولم أعلمِ العُذْرَ في غلْقِه ... فكنتُ أعودُ على قاعدَهْ فصِحتُ محمّدُ ألاّ فتحتَ ... فقالَ الوزير على المائدهْ ومن دونِ فتحيَ فتحُ الوجوهِ ... فعُدَّ الرّجوعَ من الفائده وله فيه: شكرتُ بوّابَك إذ ردّني ... وذمّهُ غيري على ردِّه لأنّهُ قلّدني منّةً ... تستوجب الإغراق في حمدِهِ أعاذني من قُبح ملْقاكَ لي ... وكبرِك الزّائد في حدِّهِ فعُذْتُ أن أُضبرِعَ خدّي لمن ... ماءُ الحَيا قد غاض من خدِّهِ وله فيه: وزيرُنا ليسَ له عادةٌ ... ببذلِ إفضالٍ وإحسانِ قد جعلَ الكِبْرَ شعاراً له ... فليس يقْضي حقّ إنسان لو سلِمَ السّلطانُ من كِبْرِه ... عليه ما ردّ بإعلانِ كأنّه لا كان من تيهه ... مورّثٌ ملكَ سليمانِ أبوابُه مغلَقةٌ دائباً ... من دون وُفّادٍ وضِيفانِ الشريف أبو يعلى محمد بن محمد بن صالح ابن الهّبارية العباسي الشاعر من بغداد من شعراء نظام الملك. غلب على شعره الهجاءُ والهزل والسّخف، وسبك في قالب ابن الحجّاج، وسلك أسلوبه، وفاقه في الخلاعة والمجون. والنّظيف من شعره في نهاية الحسن. حكي عنه أنّه هجا بالأجرة النّظام، فأمر بقتله، فشفع فيه جمال الإسلام محمّد بن ثابت الخُجَنْدِيّ، وكان من كِبار العلماء، فقبِل شفاعته، فقام يُنشد نظام الملك، يومَ عفوِه عنه، قصيدةً، قال في مطلعها: بعزّةِ أمرِك دارَ الفلَكْ ... حَنانَيْك، فالخَلْقُ والأمرُ لكْ فقال النّظام: كذبت، ذاك هو الله ، وتمّم إنشادها. ثم أقام مدّة بأصفهان. وخرج الى كرْمان، وأقام بها الى آخر عمره. مات بعد مدّة طويلة. وذُكر أنّه توفّي في سنة أربع وخمس مئة. أنشدني شمس الدين أبو الفتح النّطْنَزيّ، قال: أنشدني أبو يعلى ابن الهبّارية لنفسه: وإذا البَياذقُ في الدّسوت تفرزنت ... فالرّأيُ أن يتبيذَقَ الفِرزانُ خُذْ جُملةَ البَلْوى ودعْ تفصيلَها ... ما في البريّةِ كلِّها إنسانُ وأُنشدت له بأصفهان من قصيدة نظام الملك: أنا جارُ دارِك وهْي في شرع العُلى ... ربْعٌ حرامٌ آمِنٌ جيرانُه لا يزهدنّك منظري في مَخْبَري ... فالبحرُ مِلْحُ مياهِه عِقيانُه ليس القُدودُ، ولا البُرود فضيلةً ... ما المرءُ إلا قلبُه ولسانُهُ وأُنشِدت له في الباقلاء الأخضر: فصوصُ زمرّدٍ في كيس دُرِّ ... حكتَ أقماعُها تقليمَ ظُفرِ وقد خاط الرّبيعُ لها ثِياباً ... لها لونانِ من بيضٍ وخُضْرِ وأنشدت له أيضاً بها في نظام الملك: نظامَ العلى، ما بالُ قلبك قد غدا ... على عبدِك المسكين دون الورى فَظّا أنا أكثرُ الورّادِ حقّاً وحرمةً ... عليكَ فما بالي أقلّهمُ حظّا وأُنشدت له أيضاً فيه: وإذا سخِطتُ على القوافي صُغتُها ... في غيره لأذِلَّها وأُهينَها

стр. 12

وإذا رضيتُ نظَمْتُها لجلاله ... كيما أشرّفَها به وأزينَها وله، وقد عُزِل ابن جَهير وتولّى أبو شجاع الوزارة: ما حطّ قدرَهمُ ولا أزرى بهِمْ ... عزلٌ عجِلتَ به وأنت سديدُ لكن به ظهرتْ حقائقُ سعدهم ... والسّيفُ يُبدي ماءَه التّجريدُ والأُسْدُ أولى بالعرين فكم غدا ... يختالُ في خِيس الخِلافةِ سيدُ وكذا سِرارُ البدرِ أصلُ كمالِه ... وبسوءِ فعلِ النّارِ يذكى العودُ وله في الأوصاف: وكأنّ السماءَ والنّجمُ فيها ... لُجّةٌ مات دُرُّها فهو طافِ أو كصرْحٍ ممرّدٍ من زُجاج ... نُثرت فيه خرقةُ الصّرّافِ تحت ظل الكروم بين رياضٍ ... وأغانٍ ونزهةٍ وسُلافِ فإذا راسل الهَزارُ أخاه ... رقص القلبُ من وراءِ الشِّغافِ وإذا فرّك النّسيمُ قميصَ ال ... ماءِ أضحى مكسّرَ الأطْرافِ وله في معناه، مطلع القصيد: أدرها من بنات الكَرم صِرْفاً ... معتّقةً تُريك النُّكْرَ عُرْفا فجيشُ الليلِ قد ولّى هزيماً ... وجيشُ الفجر قد لاقاه زحْفا وعبّا الشّرقُ للإصباحِ صفّاً ... وعبّا الغربُ للظلماء صفّا وطار النّسْرُ منحدراً فقصّت ... قوادِمُهُ الدّجى فانقضّ ضعفا وشدّ الليلُ من درَرِ الثّريّا ... على لِيتِ السُّها في الغرب شَنْفا كأنّ الجوّ صرْحٌ أو غَديرٌ ... صفاءً حين تنظرُه ولُطْفا كأنّ ذراعَه فيه ذراعٌ ... تمدّ الى صِفاح البدرِ كفّا وقد رقّ النّسيمُ وذاب لمّا ... تهلهَلَ بُرْدُ ليلتِه وشفّا وقد أكل المَحاقُ البدرَ حتّى ... غدا في معصَم الجوزاءِ وقْفا وقد راق المُدام ورقّ حتّى ... غدا من دمعة المهجور أصفى نقص في الأصل وصفت له الدّنيا وخُصّ ... أبو الغنائم بالكَدَرْ فالدّهرُ كالدّولاب لي ... سَ يدورُ إلا بالبَقَرْ فلمّا سمِع نظام الملك هذه الأبيات، قال: هذه إشارة إلى أنّني من طوس، فإنّه يقالُ لأهل طوس البقر. واستدعاه، وخلع عليه، وأعطاه خمس مئة دينار. فقال ابن الهبّارية لتاج الملك: ألم أقل لك؟ كيف أهجوه، وإنعامه بلغ هذا الحدّ الذي رأيته؟ وله أيضاً، أُنشدتها بأصفهان في ذمّ الدّهر: ومن نكد الدّنيا الدّنيّةِ أنّها ... تخُصّ بإدراك المُنى كلَّ ناقصِ وكم ذنَبٍ قد صار رأساً وجبهةٍ ... تودّ اضطراراً أنها في الأخامِصِ وما سادَ في هذا الزّمان ابنُ حرّةٍ ... وإنْ سادَ فاعلم أنّه غيرُ خالصِ لَحى الله عزماً حطّ رحلي لديهمُ ... وجعجع عن أرض العِراق قلائصي وله: كيف أصغيتَ للوشاة وألقي ... تَ زمام النُّهى الى الأغبياء فحذفتَ الإخاءَ والوُدَّ والصّح ... بةَ حذفَ النُّحاةِ حرفَ النّداء وله: صنَعتْ بي الأيام في أرض قاشا ... نَ صنيعَ الحروف بالأسماء بين قومٍ جميعُ حظّيَ منهم ... أنْ يسمّونني من الظُرفاء وله في وصف الذّكاء: وعنديَ شوقٌ دائمٌ وصبابةٌ ... ومن أنا ذا حتّى أقولَ له عندي الى رجلٍ لو أنّ بعضَ ذكائِه ... على كلّ مولودٍ تكلّم في المهدِ ولولا نداه خِفْتُ نارَ ذكائه ... عليه ولكنّ النّدى مانعُ الوَقْدِ هذا البيت ما سبق الى معناه. وله: أستغفرُ اللهَ من ظنّ أثِمْتُ به ... أحسنتُه في امْرئٍ في ذا الورى غلَطا ندِمْتُ بل تُبْتُ من ظنٍّ يقاربُه ... ك ... صُمَّ حياء بعدما ... وله وقد نفّد ولده الى نقيب النّقباء عليّ بن طراد الزّينَبي ببغداد: لُذْ بنظامِ الحضرتين الرِّضا ... إذا بَنو الدّهرِ تحاشَوْكْ

стр. 13

واجلُ به عن ناظريك القَذى ... إذا لئامُ القومِ أعشَوْكْ واصبِرْ على وحشة غِلمانه ... لا بُدّ للورد من الشَوْك وله: ما صغت فيك المدحَ لكنّني ... من غُرِّ أوصافِك أستملي تُملي سجاياك على خاطري ... فها أنا أكتُبُ ما تُملي وله قصيدة في هجو أرباب الدّولة الجلاليّة الملكشاهيّة، ومنها: لو أنّ لي نفساً صبرْتُ لِما ... ألقى ولكنْ ليس لي نفْسُ ما لي أُقيمُ لدى زعانفةٍ ... شُمِّ القُرونِ أنوفُهم فُطْسُ لي مأتمٌ من سوءِ فعلِهمُ ... ولهم بحسن مدائحي عُرْسُ ولقد غرسْتُ المدحَ عندَهُمُ ... طمعاً فحنظلَ ذلك الغرسُ الشيخُ عينُهُم وسيّدهُم ... خرِفٌ لعمْرُك باردٌ جِبْسُ كالجاثليق في عُصيّتِه ... يغدو وداراً خلفَهُ القَسُّ والنّاصحُ الهندورجيّ الى ... جنب الوزيرِ كأنّه جعْسُ نقص في الأصل أعلى أمورهم إذا نفقَ ال ... طّرّيخُ عنهم أو غلا الدِّبسُ واللهِ لو ملكوا السّماءَ لما ... عرفوا ولا اهتزّوا ولا انحسّوا أم باب إبراهيمَ أقصدُهُ ... هيهاتَ خاب الظّنُّ والحدْسُ قد كان محبوساً وكان له ... جودٌ وزال الجودُ والحبسُ أم أعتفي ابنَ أخيه مرتجياً ... علقاً له من ظهره تُرْسُ ندَفتْ ... التّرك فقْحتَهُ ... حتى ظننّا أنها بُرْسُ هذه القصيدة ألغيت منها أبياتاً كثيرة، لأنّه يعرض للسُّدّة الشريفة. وله: أرى الطّريقَ قريباً حين أسلُكُه ... الى الحبيبِ بعيداً حين أنصرفُ وله: نزورُكُم لا نُكافيكم بجفْوتِكم ... إنّ الحبيبَ إذا لم يستزر زارا وله: قد كنت أحرُسُ قلبي خائفاً وجِلاً ... من أن يكونَ بسيف الحبِّ مقتولا فلم يزلْ بلطيفِ القولِ يخدَعُني ... حتى جعلْتُ دمي في الحبّ مطلولا هذا فؤادي إليكم قد بعثتُ به ... ليقضيَ اللهُ أمراً كان مفعولا وله: ذكرتُكِ بالرّيحانِ لمّا شممْتُه ... وبالرّاحِ لما قابلتْ أوجهَ الشّرْبِ تذكّرتُ بالرّيحانِ منكِ روائحاً ... وبالرّاحِ طعماً من مُقبَّلِك العذْبِ وله: تُريدون منّي أن تسيؤوا وتبخلوا ... ويختصّ بالأيام دونَكُمُ الذّمُّ وما جارتِ الأقدارُ فيما جرت به ... ولا شاء بعضَ الفضلِ والأدبِ النّجمِ ولكنّكم أبغضتموه لجهلكم ... وأحببتُمُ المالَ الذي حُبُّهُ وصْمُ فأنتم عن العلياء عُمْيٌ لحبّه ... وعن سائل المعروفِ من أجله صُمُّ وما جارتِ الأيام إلا لميلها ... إليكم وفي تقديمها لكم الغشْمُ نقص في الأصل وله: قد قلتُ للشيخ الرّئي ... س أخي السّماح أبي المطهّرْ ذكّرْ معينَ الدّين بي ... قال المؤنّثُ لا يُذكَّرْ وله: هيهاتَ هيهاتَ كلّ الناسِ قد قُلِبوا ... في قالِبِ الغدرِ والإعجابِ والملَقِ فإن تخلّقَ منهم بالنُّهى رجلٌ ... عادت به نفسه لؤماً الى الخُلُقِ وله: يا أيها الصّاحبُ الأجلُّ ... إنْ لم يكن وابلٌ فطَلُّ المالُ فانٍ والذِّكرُ باقٍ ... والوفْرُ فرعٌ والعِرضُ أصلُ فاجعَلْهُ دونَ العيالِ ستراً ... فالصّوْنُ في أن يكون بذْلُ لا تحقِرَنْ شاعراً تراه ... فعُقْدَة الشِّعْرِ لا تُحَلُّ وله: خذا فُرَص اللّذّاتِ ما سمحَتْ بها ... صُروف الليالي فهي بَيْضُ أنوقِ ولا تعذُلاني في الصّبابةِ والصِّبا ... فلومي على أدهابها لعقوقي وما العيشُ إلا في الخلاعة والهوى ... وشُرْبِ طِلاً صافٍ ووصلِ عشيقِ ولا تأمنا سَلْمَ الزّمانِ فإنّهُ ... صديقٌ لما صافاه غيرُ صديقِ

стр. 14

لقد جار في الأحكام حتى أغصّني ... وأشرَقَني في النّائبات بِرِيقي وله من قصيدة في المدح: وما الرّمحُ عرّاصُ الكعوبِ مثقّفٌ ... يخوضُ الكُلى في كلّ يوم لقاءِ بأمضى شَباً من ناحل الجسم ذابلٍ ... بكفّك في يوميْ وغىً وعطاءِ ولا المُزْنُ منهلّ الآقي كأنّه ... مودِّعُ حيٍ آذَنوا بثَناءِ تجمّلَ للواشين ثمّ تبادرت ... مدامعُهُ في إثرِهم ببكاءِ بأجوَدَ من أنواء كفّك ديمةً ... وأسخى بوَبْلَي نائلٍ وحِباءِ وله من قصيدة: طرَقَتْ وساريةُ النّجومِ هجودُ ... وسرت وشاردةُ الرِّياحِ ركودُ نقص في الأصل بيناهُ يرتقبُ المُنى ... حتّى تخطّفَهُ المنيّهْ تبّاً لدهرٍ دينُه ... إخمالُ ذي الهِمَمِ العليّهْ فالحُرُّ من دون الورى ... لرِماحِ قسوتِه دريّهْ وخطوبُه بذوي الفضا ... ئِلِ دونَ غيرِهِمُ غريّهْ ومنها: قد كان لي يا ابْنَ الهُدى ... والوحي والعتَرِ الزّكيّهْ بيت مذ عزمت هـ ... ذا الأمرَ في التّخفيفِ نيّهْ ورأيتُ مسألةَ الرّجا ... لِ حُطامَهُمْ حالاً رديّهْ وأنِفْتُ من ذلّ السؤا ... لِ بعِزِّ نفسٍ هاشميّهْ وظَننْتُ أني غِنَىً ... عن قصدِ حضرتِك العليهّ فاغتالني صرْفُ الزّما ... نِ فبِعتُ شعري بالنّسيّهْ وله: يقول أبو سعيدٍ إذ رآني ... عفيفاً منذُ عام ما شرِبْتُ على يدِ أيّ شيخٍ تُبْتَ قل لي ... فقلتُ على يد الإفلاس تُبْتُ وله في شكاية الفضل: تجاهلتُ لمّا لم أرَ العقل نافعاً ... وأنكرتُ لمّا كنتُ بالعلم ضائعا وما نافعي عقلي وعلمي وفِطنَتي ... إذا بتَّ صِفْرَ الكفّ والكيس جائعا وله من قصيدة يصِفُ الشّيب: نزَل الشّيبُ بفودِيَ ضيفاً ... يا سَقاهُ اللهُ ضيفاً وجارا وكساني وفْدُهُ كلَّ وصفٍ ... من صفاتِ الشّيخِ إلا الوَقارا وسقاني من أذاهُ كؤوساً ... مُرّةً تعقِرُ ليست عُقارا متّ إلا أنّ قلبيَ حيٌّ ... يعشقُ العِشقَ ويهوى الخَسارا يتصابى بعدَما ردّ كرهاً ... من غَيابات الصِّبا ما استعارا ما الذي تصنعُ باللهِ قُلْ لي ... ما أرى فيه عليك اقتدارا فأنا في جانبِ البيت نِضْوٌ ... ما أطيقُ الخطْوَ إلا قِصارا وله: ورقّتْ دموعُ العين حتى حسبتُها ... دموعَ دموعي لا دموعَ جُفوني همُ عذَلوني جاهليَ بقصّتي ... ولو عرَفوا ما نالَني رحِموني وأُنشدت له، بأصفهان، من قصيدة في مدح مجد الملك مستوفي الدّولة الملكشاهيّة: تجنّبَ في قرب المحلِّ وقصدِه ... وزارَ على شحْطِ المزارِ وبُعدِه خيالُ حبيبٍ ما سعِدتُ بوصله ... وزورَتِه حتى شقيتُ بصدّهِ تبسّم عن عذْبٍ شتيتٍ كشمْلِه ... وشملي يُذكي نارَ قلبي ببَردِه فلم أدرِ من عُجْبٍ تحليَ ثغرِه ... أم افترّ ضحكاً عن فرائِدِ عِقدِه وقابلَ نُوّارَ العَقيقِ وورْدَهُ ... بأنضرَ من نوْر الشّقيقِ وورْدِه ورُبّ بَهارٍ مثلِ خدّيَ فاقعٍ ... يُناجي شقيقاً قانياً مثلَ خدِّه سقاني عليه قهوةً مثلَ هجرِه ... وطعمِ حياتي مُذ بُليتُ بفَقدِه وما أسكرتْ قلبي وكيف وما صحا ... ولا زال سكراناً بسكرة وجْدِه ولو أنّه يسْقيهِ خمرةَ ريقِه ... لأطْفأ وجْداً قد كواهُ بوقْدِه سقاني وحيّاني بوردةِ خدِّهِ ... وريحانِ صُدْغَيْهِ وبانةِ قدِّه

стр. 15

ومازَحَني بالهجرِ والهجرُ قاتلٌ ... وما مزْحُه بالهجْرِ إلا كجِدِّه وبِتْنا كما شئنا وشاءَ لنا الهوى ... يكُفّ علينا الوصلُ فاضلَ بُردِه زماناً نعِمْنا فيه بالوصل فانقضى ... وبانَ على رُغمي ومنْ لي بردِّه فلا تعذُلَنّ الدّهرَ في سوء غدرِه ... ولا تطلُبنْ منه الوَفاءَ بعهدِه وخُذْ ما أتى منه فليس بعامدٍ ... وما خطأُ المِقْدارِ إلا كعهدِه ورفقاً فم الإنسانُ إلا بجدّه ... وليس بمُغْنٍ عنه كثرةُ كدِّه فما يسبِقُ الطِّرفُ العَتيقُ بشدّه ... ولا يقطعُ السيفُ الذّليقُ بحدّه ولكنّ أقداراً تحكَّمُ في الورى ... فيأخُذُ كلٌ منهمُ قدرَ جدِّهِ وما أحدٌ نال العَلاءَ بحقّه ... وأدركه دونَ الرِّجالِ بجَهْدِه سوى الصّدرِ مجْدِ الملك فهْوَ سما له ... بجِدٍّ وجدٍّ مستقلٍ بسعْدِه فما قرّ صدرُ الدّين إلا بقلبِه ... ولا اشتدّ أزْرُ المُلكِ إلا بمجدِه وحنّ إليه الدّستُ مُذْ كان مرضَعاً ... ونافس فيه التّخْتُ أعوادَ مهدِه ومنها: على مجده من جودِه دِرْعُ نائل ... تكفّلَ كعبِيُّ السّماحِ بسرْدِه وله: أما إنّه لولا الهوى وجنونُه ... لما غلِقَتْ يومَ الرِّهانِ رُهونُهُ له اللهُ أما دمعُهُ فيُذيله ... غَراماً وأمّا وجدُه فيصونُه وإن هو أخفى وجدَهُ وشؤونَه ... حِذاراً أذاعتْهُ ضِراراً شؤونُه بنفسي بدراً يفضحُ البدرَ نورُه ... وغصنَ قوامٍ يُخجِلُ الغُصنَ لينُه عقاربُ صُدْغٍ ليس يرقى سليمُها ... ورمحُ قَوامٍ لا يبِلُّ طَعينُهُ وله: إسقني يا ضرّةَ القمرِ ... واسلُبِ اللّذّاتِ وابتدِرِ قهوةً حمراَ صافيةً ... تخضِبُ النُّدمانَ بالشّررِ سبَقَتْ نوحاً فلو نطقَتْ ... لرَوتْ ما مرّ في السِّيَرِ فجيوشُ الليلِ هاربةٌ ... وجُنودُ الصّبحِ في الأثرِ ونجومُ الجوِّ حائرةٌ ... والدُجى يبكي على القمرِ وغصونُ البانِ مائلةٌ ... طرباً من شدّة السُّكُرِ ولُحونُ الطّيرِ عاليةٌ ... والصَّبا تختالُ بالشّجَرِ ليلتي لا عيبَ فيكِ ولا ... خِلتُ أنْ تشني سوى القِصَرِ ليتَها طالتْ عليّ ولو ... كان ذاك الطّولُ من عُمُري لي حبيبٌ ليسَ يُنصِفُني ... مهجتي منه على خطَرِ مالك رِقّي يعذّبني ... كم مليكٍ سيّئ الظّفَرِ ثمّ وقعت بيدي مجلّدة مقفّاة من شعره، فأوردت منها ما انتخبتُه. فمن ذلك قوله: أخيطُ ... بتخريقه ... وليس إلا فَيْشتي إبْرَهْ ومنه في وصف غلام هنديّ: أخضرُ هنديٌ لمَىً كلُّه ... والصّارمُ الهنديّ ذو خُضرَهْ مُهفهَفُ الأعطافِ ممشوقُها ... مُبلبَلُ الأصداغِ والطُرّهْ وله: قُم يا غلامُ فهاتِها ... حمراء فالتّفاحُ أحمَرْ قانٍ كخدِّك بين ريْ ... حانٍ كعارضِك المسَطّرْ فكأنّها والمزْجُ يُل ... بِسُ رأسَها إكليلَ جوهَرْ بدرُ الدُجى صاغت له ال ... أفلاكُ نجمَ الجوِّ مِغفَرْ وكأنّ كفَّ مديرِها ... من لونيَ القاني معَصْفَرْ وقوله من قصيدة: لعلّ الخيال العامريّ إذا سرى ... يدلّ عيونَ الهاشميّ على الكرى ويا ربِّ إن روّحتَ فكراً من الهوى ... فزِدْ نارَ قلبي حُرقةً وتسعُّرا وإنْ كان في وصلي المَلالةُ والقِلى ... فأوْحِ إليها الهجرَ ربّي لتهجُرا ومنها: وإنّ ضلالي فيك أهدى من الهُدى ... وإنّ سُهادي فيك أحلى من الكرى

стр. 16

ودِدْتُ وما تُغْني الوَدادة والمُنى ... لو انّي أرى قلباً يُباعُ فيشترى وقوله من أخرى: أيّ السِّهامِ بدتْ لنا ... يومَ اللّوى تلك المحاجِرْ غَرْثى الوِشاحِ شَبيعةُ الت ... حْجالِ مُفعَمةُ المآزِرْ في العدلِ أنّك راقدٌ ... عنّي وأنّي فيك ساهِرْ ساروا بقلبي في الرّكا ... بِ وسائري في الإثرِ سائِرْ وقوله من قصيدة في المدح: عشِقَتْ شمائلَه الوزارةُ فاغتدت ... شوقاً إليه وعن سِواهُ تنفِرُ ويجلّ عنها قدرُه مع أنّها ... لَتَجلُّ قدراً عن سواهُ وتكبُرُ وقوله من أخرى: قولي بغير الذي أوليت من حسَنٍ ... كقول أهل العمى في الشّمسِ والقمرِ فالشمسُ إن جحَدَ الأعمى فضيلتَها ... فإنّما قولُه عن آفة البصَرِ وقوله من أخرى: يبلبلُ منّي العقلَ صُدغٌ مبَلبلٌ ... ويملِكُ مني القلبَ أغيدُ أسمرُ وقدٌ كغصنِ البانِ يهتزّ مائلاً ... وخصْرٌ على الرِّدْفِ الثّقيلِ مزنَّرُ وخدٌ أسيلٌ تحت صُدغٍ مشوّشٍ ... على طرسِه سطرٌ من الحسنِ أخضرُ وقوله: أعورٌ مثلُ ... ... لا تَرُمْ نيلَ خيرِه شيخُ سوء عجوزُه ... أبداً تحتَ غيرِه وقوله في وزير: المُلكُ راسلَه بأني مَحجِرٌ ... يا ناظري فمتى تحلّ المحْجِرا والدولةُ الغرّاءُ قالت إنّني ... عينٌ مسهّدةٌ وأنت لها كرى وزَر الوِزارةَ إذ سواهُ بذكرها ... أزرى وبالوزَرِ العظيمِ تأزّرا وقوله من أخرى في العِذار: إني خلعْتُ عِذاري ... على المليح العِذارِ جار العِذارُ على ورْ ... دِ خدّه بالجِوارِ بنفسَجٌ فارسيٌ ... بادٍ على جُلَنار وقوله: ولو أنّني استمدَدْتُ من ماء مُقلَتي ... لجاءتك كتبي وهْي حُمرٌ سُطورُها وكيف تُلامُ العينُ إن قطرتْ دماً ... وقد غابَ عنها نومُها وسرورُها وقوله من قصيدة في مدح مكرم بن العلاء بكرْمان: رحيبُ رِواقِ الحِلم يكفي اعتذارُه ... الى المذنبِ الجاني اختلاقَ المعاذرِ فليس وحاشاهُ لإحسانِ محسنٍ ... بناسٍ ولا للمُحفِظاتِ بذاكرِ وقوله من أخرى: كفاني عجزاً أن أُقيم على الصّدى ... وبحرُ النّدى في بُردَسِيرَ غزيرُ وأعشو الى نارِ اللئيم سفاهةً ... وبدرُ العلى بادي الضّياء مُنير وقوله من أخرى: وكم ميّتٍ قد صار في التُّرْب عظمُه ... تراهُ عِياناً بالأحاديثِ والذّكرِ ويا رُبّ حيٍّ ميتٌ لخُموله ... فسيّان ذاك القصرُ والقبرُ في الفخرِ وقوله من أخرى: رقّ النسيمُ وغنّتِ الأطيارُ ... وصفا المُدامُ وضجّتِ الأوتارُ وصغا السِّماك الى المغيب وقد بدا ... نجمُ الصّباحِ كأنّه دينارُ وكأنّما الجوزاءُ مِعصمُ قَينةٍ ... والكفّ كفٌ والهِلالُ سِوارُ فكأنّما زُهْرُ النّجوم فوارسٌ ... تبغي السِّباقَ لها الدُجى مِضمارُ يا حبّذا أثَلاتُ رامةَ إنّها ... كانت لياليَ كلّها أسحارُ ومنها: إن لم تكن وطني فلي برُبوعِها ... وطَرٌ وأوطانُ الفتى الأوطارُ لا ذنْبَ إلا للقلوبِ فإنّها ... تهوى وإنْ لم تعلَمِ الأبصارُ أهدى لنا نفَسُ الصَّبا أنفاسَكُم ... سحَراً فقلت عسى الصَّبا عطّارُ وتمايلت للسّكر باناتُ الحِمى ... حتى كأنّ نسيمَه خمّارُ الزاي، وقوله في المدح من أخرى: فتىً يهتزّ للإحسان ظَرْفاً ... ومن فعل الدّنايا يشمئزُّ أغرّ مُحسَّدُ العلياء ندْبٌ ... محَلُّ علائِه في الجِدّ نشْزُ

стр. 17

له رأيٌ كنصْلِ السّيفِ ماضٍ ... غدا في مفصِل الجُلّى يحُزُّ مُذِلٌ للثّراء بجودِ كفٍّ ... نداها للعلى أبداً مُعزُّ لوْ أنّ لي في كلّ عضوٍ فما ... فيه لسانٌ ناطقٌ موجزُ السين، وقوله من قصيدة: مغنى الصّبا مالي أراك دريا ... ولقد عهدتُك آهلاً مأنوسا ما راح دمعي في عِراصك مُطلَقاً ... حتى غدا قلبي بهن حَبيسا حملَتْ أهلّةُ مُهرةٍ من عامر ... يوم الكثيبِ أهلّةً وشُموسا غرَبَتْ بهم في غُرَّبٍ يا من رأى ... شمساً يكون غُروبُها تعبيسا يا حبّذا المتحمّلون عشيّةً ... من بطنِ وجرَةَ يُعمِلون العِيسا متبارياتٍ كالسِّهام فأصبحت ... مما أضرّ بها الدّروبُ قُؤوسا لا دَرُّ درُّكِ من قِلاص قلّصت ... ظلّ الهوى فغدا حِماهُ وطيسا فلقد صدَعتِ ببينهم كبِد الهوى ... ونكأتِ قرْحاً في الحشا لا يوسى للهِ ليلٌ بالحريم خلَستُه ... والحزمُ كوْني للسّرور خَلوسا فجلوتُ فيه على الهموم وطوّفتْ ... بابنِ المُنى بنتَ الكروم عروسا وشموس راحٍ في سماء الرّاحِ قد ... جعلت لنا أبراجهنّ كؤوسا وقوله من أخرى: فتاة جسمُها كالماء رطْبٌ ... ولكنْ قلبُها كالصّخرِ قاسِ وفَتْ وهْناً فوافت وصلَ صبٍّ ... سقيمٍ في الغرامِ بغيرِ آسِ وقوله: أريدُ من الأيّامِ تطبيبَها نفسي ... ولا روحَ للمحبوس ما دام في الحبسِ أمِنْتُ سِباعَ الوحشِ وهْيَ مَخوفةٌ ... وخِفتُ سِباع الإنس والشّرُّ في الإنسِ وقوله من أخرى: بدت غُرّةُ النّيروزِ باللهوِ والأنسِ ... فقُمْ نجْلُ بنتَ الدّنِّ حمراءَ كالورْسِ معتّقةً في دنِّها قيصريّة ... توارثَها قَسٌّ من الرّوم عن قسِّ ومنها: وحرٍّ من الفِتيان حلو موافق ... مليح الثّنايا غير غثٍّ ولا جِبسِ ذكيّ عليم بالزّمانِ وغدرِه ... كأنّ به للعلم ضرباً من المسِّ يبادرُ أحداثَ الليالي وجورَها ... ويستلبُ اللّذّاتِ بالنّهبِ والخلْسِ يقول دعوني أنهزْ فُرَص المُنى ... فوالله لا ذُقتُ المُدامةَ في رَمسي أنِستُ به لما رأيتُ خِلالهُ ... توافقني والأنسُ من عادة الإنسيّ ومنها: أيعلمُ دهري أنّني غيرُ خائفٍ ... رَدايَ وأنّي من حياتي في حبسِ أريدُ بحرصي راحةً وسلامةً ... من الشرِّ بين الناس والأمرُ بالعكسِ ولستُ بشاكٍ صرْفَ دهري وأهلَه ... ولكنّني أشكو الى الدّهر من نفسي وقوله في أصفهان: بلدٌ أبو الفتح اللّئيم عميدُه ... والقاسمُ بنُ الفضلِ قيلَ رئيسُه وظريفُه الكافي الطويلُ وعرضُه ... رثُّ الرِّداءِ كما عرَفت لَبيسُه ونقيسبُه التّيسُ الرِّضا متبَظْرِمٌ ... مع أنّه دنِسُ المحلّ خسيسُه وابنُ الخطيبيّ الصّغيرُ لحكمِه ... زللٌ وجُرْوُ المندويّ جليسُه والوقف في أيدي العُلوجِ وكلّهم ... قد زادَ من مال المصالح كيسُه وأنا وسلمانُ الأديبُ إمامنا ... وجميعُ من صقلَتْ نُهاه دُروسُه نبكي على الفضل الذي قد صوّحت ... بسقوطهم أفنانُه وغروسُه الشين، وقوله: بأبي أهيفُ مهضومُ الحشا ... مستعارُ اللّحْظ من عين الرّشا يُخجل الأقمارَ وجهاً إن بدا ... وغصونَ البنِ عِطفاً إن مشى ثمِلُ الأعطافِ من خمر الصِّبا ... منتشي الألحاظِ صاحٍ ما انتشى آنِسٌ بالناس غيري فإذا اس ... تأنستْ عينيَ منه استوحشا أيّها المعرِضُ عنّي عبثاً ... من وشى بي ليت شعري لا وشى سوف أرشو عنك قلبي فعسى ... يقبلُ المسكينُ في الحبّ الرُّشا

стр. 18

الصاد، وقوله من قصيدة: أنا في أصفهانَ في تنغيصِ ... بين سعر غالٍ وشعرٍ رخيصِ قد تحيّرتُ في عِيالٍ وفقرٍ ... وغَلاء وليس لي من مَحيصِ لا مُقامٌ ولا رحيلٌ وقد عُدْ ... تُ أسيراً كالطائر المقصوص ولو أنّ الطريق سهلٌ كما كا ... نَ لقرّبتُ للبِعاد قَلوصي ضِعتُ في أصفهان بين رجالٍ ... سِفَلٍ بالعموم لا بالخوصِ كالتّعاويذِ والتّصاوير ما في ... هِمْ من الناس غيرُ حُسن الشّخوصِ ومنها: عجباً للذي يشحُّ ولا يُنْ ... فِقُ حتى إذا رأى الموتَ يوصي ذاك بذلُ المُضطرِّ بالرُّغم لِمْ لَمْ ... يكُ في البذْلِ قبلَ ذا بحريص كل شيء يفْنى ويبقى لك الأج ... رُ وحُسْنُ الثّناءِ خيرُ قَنيصِ وقوله في الخمر: نسيمُها كالمِسكِ في نشرِه ... وجسمُها روحٌ بلا شخصِ لو جمَدَتْ في دنّها لحظة ... خرَطْتُ من جامدها فَصّي وأهيف كالبدرِ في تِمّهِ ... على عذاب الناس قد وُصّي قامتُه كالغُصن مهتزةٌ ... في كفَلٍ يرتجّ كالدّعصِ طُرّتُه ليلٌ على غُرةٍ ... نوريّة تلمعُ كالقُرصِ يقتصّ ممّن كان ذا عفّةٍ ... يقولُ قد أذنبتُ فاقتصِّ تورّعاً من أن يُرى ظالماً ... تورّعَ الكافي أبي النّقص وقوله من قصيدة: يا دهرُ ما ازداد اللئيمُ لينقُصا ... كلاّ ولا أغلى نُهاه ليرخُصا قد كنتُ أطمَعُ بالفضائل في العلى ... فالآنَ جُلّ مُناي أن أتخلّصا لو كنتُ أعلم أنّ فضليَ ناقصي ... ما كنتُ من سفَهٍ عليه لأحرِصا كالمِسكِ يُسحَقُ بالصّلاةِ لنشْرِه ... والعودِ يحْرَقُ للنّسيم مُمحّصا والظّبيُ لولا حُسنُه لم يُقتنَصْ ... والبومُ يؤمنُه القَضا أن يُقْنَصا ومنها في المدح: قاسوك جهلاً بالملوكِ وظالمٌ ... من قاسَ عُلويّ الكواكب بالحَصا واستكثروا لك ما بلغتَ وإنّني ... مستنزرٌ لك منْ أطاعَ ومن عصى قلّت لك الدُنيا فكن لكنوزِها ... مترقّباً ولمُلكِها متربّصا الضّاد، وقوله من قصيدة: أنت كلّ الفضل والإف ... ضالِ والعالمُ بعضُ وأنا اليومَ كما تع ... لَمُ في بسْطيَ قبْضُ ما لِعرقِ الرّزقِ إن لم ... يُجْرِه جاهُك نبْضُ وقوله في الحمى: عادت فزارت وسادي ... بعد الفراقِ البغيضَهْ صديقةُ المُتنبّي ... تلك الوَقاحُ الحَريضَهْ وجمشتْني وكانت ... ثيابُ نومي رَحيضَه وخلّفت في ضُلوعي ... ما في الجفون المريضَهْ الطاء، وقوله من قصيدة: يا حبّذا أهيفُ خَطُّ ... حُسنِه حُلو النّمَطْ حُلو الصِّبا في خدّه ... بالمسك والعنبر خطْ رطْبُ الصِّبا عذْبُ اللّمى ... حُلو الرِّضا مُرّ السّخَطْ كأنّ برقَ ثغرِه ال ... واضح سيفٌ مخترَطْ سطر كأن در ثغره ... عقد لآل في سقط سرّحهُ الحسنُ بأم ... شاطِ التّصابي ومشَطْ وصاغه اللهُ من ال ... جَمالِ شخصاً وخرَطْ لهفي على عيشٍ مضى ... على اقتراحي وفرَطْ فالآن نجمي راجعٌ ... محترقٌ بلْ قد هبَطْ ومنها: أنعِم ببسط العُذر لي ... فأنت أولى من بسَطْ وامنُنْ برسمي عاجلاً ... نقداً ففضلي قد قنَطْ

стр. 19

بين كِلاب جيَف ... أعراضُهم ذاتُ نُقَطْ ترى الأديبَ بينهم ... كاللّصّ ما بينَ الشُرَطْ وقوله من قصيدة طويلة، على وزن طائيّة المعرّي: سواءٌ دنا أحياء ميّة أم شطّوا ... إذا لم يكن وصلٌ فقربُهم شحطُ إذا كان حظّي منهُمُ حظّ ناظري ... تعلّلْتُ منهم بالظِّباء التي تعطو فكم نازحٍ أدناهُ حسنُ وِدادِه ... وإن لم تزَلْ أيدي المطيّ به تمطو ودانٍ أبانَ الهجرُ قربَ جوارِه ... وإن ضمّنا في مضجَعٍ واحدٍ مِرْطُ ومنها: حلَفْتُ بها تهوي على ثفِناتِها ... عوائمَ تطفو في السّراب وتنغطُّ لما ظلْتُ في جَرباذَقان لحاجةٍ ... سوى مدحِ علياه ولا اخترتها قطُّ لإنعامِه في كلّ جيدٍ بجودِه ... قلائدُ في جيدِ الزّمانِ لها سِمْطُ له راحةٌ في المحْلِ يهْمي سحابُها ... ببحرِ نوالٍ ما للجّتِه شطُّ ومنها في القلم: براحتِه العلياء أرقشُ ضامرٌ ... تُناسبُه في لينِه الرُّقْشُ والرُقْطُ يمجّ رُضاباً بالمنايا وبالمُنى ... ففي جبهة الأيامِ من خطّه خطُّ ومنها في الدّواة: وتغذوه أمٌ في حَشاها تضمّه ... ويظهرُ أحياناً وليس به ضغْطُ عجوزٌ لها في الزّنجِ أصلٌ ومحتِدٌ ... ولكنّما أولادُها الرّومُ والقِبطُ إذا اعتاضَ عن جرْيٍ من الأينِ راضَهُ ... فأصحب في ميدانِه الحزُّ والقَطُّ له في ميادينِ الطّروسِ إذا جرى ... صريرٌ كما للخيل في جريِها نحْطُ وقوله من قصيدة مرثيّة في عليّ بن الإمام محمد بن ثابت الخُجَنديّ: سِهام المنايا لا تطيشُ ولا تُخطي ... وحادي الليالي لا يجورُ ولا يُبطي أرى الدهر يُعطي ثمّ يرجعُ نادماً ... فيسلِبُ ما يولي ويأخذُ ما يعطي ويستدركُ الحسنى بكلّ إساءةٍ ... كما استدرك التّفريطَ والغلطَ المُخطي ويختار للجهل الطّبيبَ تعللاً ... ويستفرغُ الأدواءَ بالفَصْد والسّعطِ ويجتابُ سرْدَ السابريّ وإنّه ... إذا ما رمى رامي المقادير كالمِرْطِ كأنّا ثمارٌ للزمانِ فكفُّه ... تعيث فتجني بالحصادِ وباللّقْطِ أفي قلبه حِقدٌ علينا ففتكُه ... بنا فتْكُ موتورٍ من الغيظِ مشتطِّ وما الكونُ إلا للفسادِ وإنّما ... حياتي كموتي كالجزاء مع الشّرطِ كذاك تمامُ البدرِ أصلَ محاقِه ... يكونُ وإشراقُ الكواكب للهَبطِ كوصل الفتاة الرّؤدِ للهجْر والقِلى ... يكون وقرب الدّار للبعد والشّحطِ وقد قيل إنّ النفسَ تبقى لأنّها ... بسيطٌ وما التّركيبُ إلا من البسطِ ستُفني المنايا كلّ شيء فلا تُرَعْ ... بما زخرفوا من نقطةٍ لك أو خطِّ فلا بدّ للموت المقيت وإن أبوا ... مقالك فيها من نصيب ومن قِسط أبى اللهُ أن يبقى سواهُ لحكمةٍ ... رآها وأقسامٍ تجِلّ عن القِسطِ فما لك تستدني المَنونَ جَهالةً ... ببيض الظُّبا مشحوذةً وقَنا الخطِّ لعلّك تستبطي حِمامَك شيّقاً ... رُويداً ستستوحي الذي كنت تستبطي عرفتُك يا دنيايَ بالغدر والأذى ... فما أنتِ من شأني ولا أنت من شرطي وقوله من قصيدة أخرى: الحِقفُ في مئزَرِه إن مشى ... والغُصُن الرّيانُ في المِرطِ أسخنُ من عيني على أنّه ... أضيقُ من رزقي ومن قِسطي زار وقد شاب عِذارُ الدُجى ... ودبّ فيه الصبحُ بالوخْطِ وقوله من قصيدة أخرى: من يَديْ أهيفِ الشّمائل بالخا ... لِ له نونُ صُدغِه منقوطُ يتثنّى سكرانَ من خمرة التّي ... هِ كما مال في النّسيم الخوطُ ومنها:

стр. 20

أسرفوا في الذّنوب فالله يعفو ... إنّ شرّ الورى اليَؤوسُ القَنوط وكذا الرّزقُ من يَديْ أسعدَ المس ... عودِ ظلٌ على الورى مبسوطُ كفّهُ للنّدى كما عِرضُه الطّا ... هرُ للمدحِ والثّناءِ ربيطُ وإذا غيرُه أبى المجدَ كسلا ... ناً أتاهُ جذلانَ وهْو نشيطُ لم أخَلْ قبل ربعِه أنّ ربعاً ... فيه بدرٌ زاهٍ وبحرٌ مُحيطُ لو بآرائِه الكواكبُ سارت ... لم يعُقْها وجوعُها والهبوطُ وقوله من أخرى: قد كانت الأرزاق محبوسةً ... فردّها بالجود منشوطَهْ له يدٌ في الشرّ مقبوضة ... وأختُها في الخيرِ مبسوطَهْ ومنها في الغزل: مبلبَلُ الطّرّةِ أصداغُه ... نوناتُها بالخالِ منقوطَهْ إذا بدا واختالَ قدّرتَه ... من حسنه بدراً على خوطَهْ الظّاء، وقوله: كبّرْ على الكلّ إذا لم يكن ... لي منهمُ معْ جودِهِم حظُّ ما نافعي رِقّةُ أخلاقِهم ... وقلبُ دهري يابسٌ فَظُّ وعظتُهم في النّثر لكنّهم ... ما هزّهم للكرم الوعْظُ العين، وقوله من قصيدة في نظام الملك: وأورَقَ أيكيٍّ من الطّير موجَعٍ ... بساعده شكْوٌ من الإنس موجِعُ سهرتُ له ليلَ التّمام فلم يزلْ ... الى أن تفرّى الصبحُ أبكي ويسجَعُ شَدا طرَباً أو ناح شجْواً ومُقلتي ... على كل حالٍ دون جفنَيْهِ تدمَعُ أعِدْ فكِلانا بالغصونِ متيّمٌ ... له كبدٌ حرّى وقلبٌ مفجّعُ وقود براها السّبرُ حتى تشابهت ... وأرسانَها مما تخبّ وتوضِعُ بأشلاءِ أسفارٍ كأنّ وجوهَهُم ... بلفح الحصا قطعٌ من الليل أسفعُ سهامُ حَنايا ناحلاتٍ رمت بهم ... مطامعُ في قوس المقاديرِ تَنزِعُ نَشاوَى على الأكوار من بين ساجدٍ ... ومُستمسك في رحله باتَ يركَعُ إذا ما ونتْ خوصُ النجائبِ تحتَهمْ ... حدَوْها بأوصافِ الرّضيّ فتُسرِعُ ومنها: ووجهُ العُلى في هالةِ الدّستِ ضاحكٌ ... وثغرُ المُنى في أوجهِ المدح يلمعُ وماءُ الندى للحائمين مصفّقٌ ... وروضُ الغِنى للشاتمين موسّعُ ومن قوله فيه: ما على الرّكب إن سمحْتُ بدمعي ... في رُبوع بين اللّوى والجِزعِ وعلامَ المَلامُ والقلبُ قلبي ... وغرامي الغرامُ والدّمعُ دمعي يا عذولي إليك عني فإني ... منك أدرى بوجهِ ضُرّي ونفعي كيف أصغي للّوم والحبّ قد ... سدّ بوقرِ الغرامِ طرْفي وسمعي هذه سُنّة الهوى لستُ فيما ... جئتُه من هوى الدّيار ببِدْعِ وله من أخرى في وصف القلم: في كفّه من اليرا ... ع ذابلٌ مزعزِعُ روعُ الزّمان أبداً ... من وقعه مروّعُ إذا انبرى لحادثٍ ... فهْوَ سنانٌ مشْرَعُ ليْنُ المجسِّ قاتلٌ ... والصِّلُّ ليْنٌ يلسعُ أخرسُ إلا أنّه ... في إصبعَيْهِ مصقَعُ فكم لسانٍ ناطقٍ ... أفصحُ منه إصبَعُ يعلمُ الورْقاءَ في ال ... أغصان كيف تسجَعُ وله: بأبي وجهُك ما أحسنَهُ ... كيفما دُرت به درتُ معهْ هو شمسٌ وأنا حِرباؤه ... فلذا أقبل وجهي مطلَعَهْ وقوله: لو قيل لي ما تمنّى ... لقلتُ قلبٌ قَنوعُ ومسكنٌ وفتاةٌ ... فيها تُقىً وخُشوعُ وقوله: ما كنت أعرفُ قدرَ أي ... امي ذهبَتْ ضَياعا حتى فجعتُ بها ولم ... أسطِع لذاهبها ارتجاعا ومن قصيدة أخرى: الحزنُ حزني والضّلوع ضلوعي ... والجفنُ جَفني والدّموعُ دموعي فعلام يعذلني على برْح الهوى ... من لا يقومُ نزاعُه بنُزوعي

стр. 21

ولعَ الفراقُ بشمْلنا ولعَ الهوى ... بقلوبنا وبمن أحبّ وَلوعي ولقد أُراني للعواذلِ عاصياً ... أبداً لنهْي نُهاي غيرَ مُطيعِ أودعتهم بالكُره إذ ودّعتُهم ... حُسن العزاء عشيّةَ التّوديعِ ووجدتُ حزنَ الحزنِ سهلاً بعدهمْ ... ومنيعَ فيض الدّمع غيرَ منيعِ وأذبتُ يوم الجِزعِ جزْعَ مدامعي ... جزَعاً ولم أكُ قبلَه بجَزوعِ سار الجميعُ فسار بعضي إثرَهُ ... وودِدتُ أنْ لو كان سار جميعي يا بانُ هل بان الصّباحُ فإنّني ... مُذْ بان بتُّ بليلة الملسوعِ زُمّا المطيّ عن الطّلول فإنّها ... بخلَتْ بردِّ جوابها المسموعِ لسفهتُ نفسي إذ سألتُ رُبوعَها ... عن ظاعنٍ مغْناهُ بين ضلوعي ما أنصفتك بذي الأراكِ حمامةٌ ... أبدت سرائرَ قلبِك المفجوعِ أبكي دماً وبكنِّها مكنونة ... لكنّها تبكي بغيرِ دُموع هيهاتَ لست من البكاء وإنّما ... هذا الغناءُ لشملِك المجموعِ ولكيْفَ يُنصِفُك الحمامُ وربّما ... جار الحميمُ عليك بالتّقريعِ لا ذنب عندي للزّمان فإنّه ... ما حالَ عن حالٍ يروّعُ روعي هو طبعُه ولضَلّ رأيُ معاتِبٍ ... يرجو انتقالَ طبيعةِ المطبوعِ وقوله من قصيدة: يبيتُ في كفّها تُشَمرِخُه ... تحُطّه تارةً وترفعُه كالطفل في حِجرها ترقّصُه ... تشبُرُه تارة وتذرَعُه لكنّه المرْدراك يُرضِعُها ال ... دّرّ وأمّ الصبيّ ترضِعُهُ وقوله من قصيدة: يُنشدني أشعارَه دائباً ... وشعرُهُ من طيبِه مُتعَهْ أضحكُ منه عند إنشادِه ... لأنّه ينطِقُ من قرْعَهْ وقوله من قصيدة: إحذَرْ جليسَ السّوء والبَسْ دونَه ... ثوبَ التّقيّة جاهداً وتدرّعِ لا تحقِرْنَ لين العدوّ فربّما ... قتل الكميَّ النّدبَ لينُ المِبضَعِ والصدقُ أسلمُ فاتخذْهُ جُنّة ... فالكذْبُ يفضَحُ ربَّهُ في المجمعِ والكذبُ شَينٌ فاجتنبْه دائماً ... والبغيُ فاحذَرْهُ وخيمُ المصرعِ حدّثهُم إن أمسكوا فإذا هُمُ ... ذكروا الحديثَ فأصغِ جُهدَك واسمَعِ وإذا هُمُ سألوا النّوالَ فأعطِهمْ ... وإذا هُمُ لم يسألوا فتبرّعِ لا تحرصنّ فإنّ حرصَك باطلٌ ... واصرِفْ بعزِّ اليأسِ ذُلّ المطمعِ ولقد تعبْتُ وما ظفرتُ وكم أتى ... ظفرٌ عقيبَ ترَفُّهٍ وتودُّعِ ولكم توقّعتُ الغِنى فحُرمتُه ... ولَقيتُه من حيثُ لم أتوقّعِ وقوله من قصيدة مرثية: أبني الأماني اللائذاتِ بجوده ... موتوا فقد ماتَ الأغرّ الأروعُ غاض النّدى مات العُلى ذهب النّهى ... هلك الوَرى ضاق الفضاءُ الأوسعُ عجَباً وأحوالُ الزّمانِ عجيبةٌ ... لفؤادِ دهرِك كيف لا يتصدّعُ ولشمسِ جوّك كيف لم تكسَفْ جوىً ... بل كيفَ بعدَ أبي الفوارس تطلُعُ ولحفرةٍ ضمّت مهذّبَ جسمِه ال ... قُدسيّ كيفَ الى العلى لا تُرفعُ أتضيقُ عنك الأرضُ وهيَ فسيحةٌ ... وتضمُّ جسمكَ بعد موتِك أذرُعُ فسقاك غيثٌ مثلُ جودِك صيّبٌ ... أبدَ الزّمانِ وديمةٌ ما تُقلِعُ فالدّهرُ بعدَك عاطلٌ من حلْيِه ... مستوحشٌ من أهله متفزِّعُ وقوله من مدح الشيخ الإمام أبي إسحاق، ﵀: هذه سُنّةُ أبناءِ النُهى ... لستُ فيما جئتُه مبتدعا أيّ صبٍّ لم يؤرّقْ جفنَه ... خفَقانُ البرقِ لما طلَعا أنشُدا قلبي بجَرعاء الحِمى ... فيها خلّفْتُه منقطعا

стр. 22

ضاع بين الحدَقِ النّجلِ وكم ... قلبِ صبٍّ عندها قد ضُيِّعا الغين، وقوله في ذمّ المعلمين: ولكنّ المعلّمَ ذقنُ سُرمٍ ... خفيفُ الرأسِ ليس له دِماغُ وقد دُبِغت رؤوسُهم فأضحت ... نواشفَ قد تحيّفها الدّباغُ وما إنْ كان فيها قطّ شيءٌ ... فكيف تقول أدركها الفراغُ فما لعلوِّ مثلهِمُ مجازٌ ... ولا لنَفاقِ فضلِهمُ مساغُ وقد صيغوا من الحُمق المنقّى ... ففيهم كلُّ فاحشةٍ تُصاغُ وقوله في ذمّ الرّيّ: الرّيُّ دارٌ فارغَهْ ... لها ظِلالٌ سابغَهْ على تُيوسٍ ما لهم ... في المكرُماتِ بازغهْ لا ينفُقُ الشّعرُ بها ... ولو أتاها النّابغَهْ وقوله: قد قلتُ للشيخ الرّئيس الذي ... تُعْزى إليه الحكمة البالغهْ إن علوماً كنتَ أوضحتَها ... لنا بتلك الحجّة الدّامغهْ كادتْ تُضاهي الوحيَ لكنّها ... قد أُنزلت عن غرفة فارغهْ الفاء، وقوله من كلمة: وربّ فتاةٍ كرِئْمِ الصّري ... م يُسكرُ مَنْ راءَها طرفُها إذا رام قرنانُها كفّها ... تحكّم في رأسِه كفُّها سقتني بريقتها خمرةً ... يطيبُ لشاربِها صِرفُها فما ظبيةٌ من ظِباءِ العقي ... قِ ضلّ بذات الأضا خشفُها بأملحَ منها إذا ما رنت ... مدلّهةً قد سجا طرفُها ولا بانةٌ رنّحَتها الصّبا ... وهزّ ذوائبَها عصفُها بأحسنَ من قدّها قامةً ... إذا اهتزّ في مشيها عِطُفها تجلّ عن النّعت أخلاقُها ال ... حِسانُ ويُتعِبُني وصفُها كنظم مناقبِ تاج الملو ... كِ أصبح يُعجزُني رصْفُها وفيُّ العهودِ صَدوقُ الوعو ... دِ لا يتأتّى له خُلفُها وشمسُ عُلىً دائمٌ نورُها ... وإشراقُها لا يُرى كسْفُها إذا ما النّوائبُ حاولْنَه ... يصرَّفُ عن أمره صرفُها وإن أجلبتْ حادثاتُ الزّما ... ن فأهونُ ما عندَه صرْفُها خلائقُ كالماءِ معسولةٌ ... بل الرّاحُ ناسبَها لُطفُها وقوله من قصيدة: كأنّ غديرَ الماءِ جوشَنُ فِضّةٍ ... من السّردِ محبوكٌ عليها مُضاعفُ ومنها: يجورُ على العشّاق في الحكم مثلما ... تجورُ على تلك الخُصور الرّوادفُ ومنها في المدح: كأنّ رؤوس الصِّيد في ساحة الوغى ... هَبيدٌ له السيفُ الشِّهابيّ ناقفُ كأنّ رِماح الحظّ أقلامُ كاتبٍ ... براحة بدرٍ والقلوبُ معارفُ ويومٍ كأنّ النّقْعَ فيه ستائرٌ ... له وصليلُ المُرهَفاتِ معازفُ فيا فلَكاً بالخير والشرّ دائراً ... ويا ملِكاً في راحتيه العوارفُ وصفْتُك فاعذُرني على طاقتي ... وإنّك حقاً فوقَ ما أنا واصفُ ولما انتقدتُ الناسَ جمعاً نبذْتُهم ... كما نبذَ الفَلسَ الرّديءَ الصّيارفُ ولم أرضَ إلا القاسميّ لمقصِدي ... فتىً عندَه ظلُّ المكارمِ وارفُ ومن قوله في قصيدة: إنما المالُ منتهى أملِ الخا ... مِلِ والودُّ مطلبُ الأشراف لا أحبّ الفِجَّ الثّقيلَ ولو جا ... دَ ببذلِ المِئِينَ والآلافِ وأحبّ الفتى يهَشُّ الى الضّيْ ... فِ بأخلاقه العِذاب اللِّطافِ أريحيّاً طلْقَ المُحيّا حَييّاً ... ماءُ أخلاقِه من الكبرِ صافِ ولو انّي لم أحظَ منه بغير ال ... بِشر شيئاً لكان فوقَ الكافي ومن قوله: ومدلّلٍ دقّتْ محا ... سنُ وجهِه عن أنْ تكيَّفْ تركَ التصنُّعَ للجما ... ل فكان أظرفَ للتظرُّفْ لو أنّ وجهَ البدر يُش ... بِهُ وجهَهُ ما كان يُكْسَفْ

стр. 23

الصُّدغُ مسكٌ والثّنا ... يا لؤلؤٌ والرّيق قرْقفْ والوردُ من وجَناته ... بأنامِلِ الألحاظ يُقطَفْ وقوله من قصيدة كتبها الى أبي الحسن ابن التّلميذ في مرضه: زعموا لي أنّ نفسي درّةٌ ... تُعجِزُ الوصفَ وجسمي صدَفَهْ وأنا واللهِ ما أعرفُها ... ليس في الأخلاق مثلُ النّصَفَهْ إنّما أعرفُ جسمي وحدَه ... وأرى أعضاءَهُ المؤتلفَهْ آه منّي أعمُرُ الحبسَ الذي ... هو لا شكّ لنفسي مَتْلَفَهْ يا بني التّلميذِ لو وافيتكُمْ ... لم تكن نفسي بأهلي شغِفَهْ إنّما أطلقتُ كَرمانَ بكم ... إنّكم لي عِوَضٌ ما أشرفَهْ ومن أخرى: ويا دهرُ لقد جُرْتَ ... الى النّكرِ عن العُرْفِ الى كم تنقُلُ الدوْل ... ةَ من جِلفٍ الى جِلفِ وقوله في بغداد: بغداد دارٌ رياضُها أنفُ ... والغيثُ في عُنفوانه يكِفُ ومع تصاريفِ طيبِ لذّتِها ... مُقامُ مثلي بمثلها شرَفُ إذ كلّ من حلّها وأُوطِنَها ... جواهرٌ عندَ كسرِها خزَفُ وإن رأيت الثّيابَ رائقةً ... فتلك دُرٌ في جوفها صدَفُ القاف، وقوله من قصيدة في مدح تاج الملك، وقد عاد الى الوزاة وخلص من النّكبة: لو أُعطيَ الدّسْتُ لساناً فنطقْ ... لقال: تاجُ الملكِ بي منكم أحقّ الآن قرّت عينُه ولم تزلْ ... مقسومةً بين البكاءِ والأرَقْ بعَودِ مولانا وهل من نعمة ... أكثرُ من خلاصِه مما طرَقْ جلا ظلامَ الخطْبِ نورُ رأيِه ... ووجهه كما جلا البدرُ الغسَقْ وكان في بحر الخطوب عائماً ... لا يختشي كالدُرِّ لا يخشى الغرَقْ كأنّه الدينارُ في النار إذا ... زادت لظىً زادَ صفاءً وبرَقْ والعودُ بالإحراق يبدو عرْفُه ... والمسكُ أذكى عبَقاً إذا سُحِقْ والسيفُ لولا مِدوسُ الصّيقلِ ما ... جذّ الرِّقابَ حدُّهُ ولا ذلِقْ ومنها: ما كان حبساً ذاك بل صيانةً ... والصّونُ للشيء النّفيسِ مستحقّ أمنكَرٌ صونُ الضّلوع القلبَ أم ... مستبدَعٌ صونُ الجفونِ للحدَقْ لولا سرارُ البدرِ ما تمّ فهل ... يؤيسُ من تمامه إذا امّحقْ وقد يُصانُ السّيفُ بالغِمدِ وقد ... يغيبُ عُلويُّ النّجومِ في الشّفقْ وقوله رداً علي من يقول إنّ السّفر، به يبلَغُ الوطَر: قالوا أقمتَ وما رُزقتَ وإنّما ... بالسّير يكتسبُ اللّبيبُ ويُرزقُ فأجبتُهم ما كلّ سيرٍ نافعاً ... الخطّ ينفعُ لا الرّحيلُ المُقلِقُ كم سفرةٍ نفعت وأخرى مثلها ... ضرّت ويكتسبُ الحريصُ ويُخفِقُ كالبدرِ يكتسبُ الكمالَ بسيره ... وبه إذا حُرِمَ السّعادةَ يُمحَقُ وقوله من قصيدة: سارَ يبغي باللُّها مُدّاحَهُ ... مُنجِداً عاماً وعاماً مُعرِقا لم يكلّفهم إليهِ رحلةً ... إنّ خيرَ الماءِ لا يستقَى فترى البُردَ الى مُدّاحِه ... بنَداهُ ولُهاهُ حِزَقا وقوله وهو مريض مرض موته: لم يبق من نفسي سوى نفَسٍ ... فانٍ ومن شمسي سوى فلَقِ جسدي الذي لعبَ السّقامُ به ... حركاتُه حركاتُ مختنقِ لم تتركِ الأسقامُ في بدني ال ... مسكين مُعتَرَقاً لمُعترِقِ فلقد طلبْتُ الصّبرَ محتمِلاً ... ما بي من البلوى فلم أُطِقِ يا عائدي والنّصْحُ من خُلُقي ... لا تدْنُ من نفَسي فتحترق وقوله: لهفي على بغدادَ دارِ الهوى ... فإنّني من حُبّها ما أفيقْ وكلّ وجهٍ مثلِ شمسِ الضُحى ... فوقَ قوامٍ مثلِ غصنٍ رشيقْ وكلّ رِدفٍ وافرٍ وارمٍ ... يحمِلُه بالظّلمِ خصرٌ دقيقْ

стр. 24

وكل لفظٍ طيبٍ ممتعٍ ... يُسكرُ من قبلِ كؤوسِ الرّحيقْ ما شئتَ من دلٍّ ومن منظرٍ ... زاهٍ ومن حُسنٍ وطيبٍ وضيقْ ذات حِرٍ كالقَعْب في حَقْوها ... مقبّبٍ صُلبٍ نتيفٍ حليقْ ناشفة المدخلِ ما يغتدي ... في باب حِرْها ... إلا يُريقْ وقوله: سرى والليلُ ممتدُّ الرِّواق ... وحادي النجم محلولُ النِّطاقِ ومنها: خيالٌ في الظلام أتى خَيالا ... كِلا جسميهِما نِضوُ اشتياقِ فذادَهما الدموعُ عن التّشاكي ... وصدّهما النّحولُ عن العِناقِ ولو لم يُطفئا بالدّمع ناراً ... من الزّفرات هَمّا باحتراقِ كأنّ بوادرَ العبَراتِ خيلٌ ... مضمّرةٌ تَجارَى في السّباقِ ولم يستمتعا بالوصل حتى ... أنار الفجرُ يؤذِنُ بالفراقِ كأنّهما أنا وفتى سعيد ... أبو حزم تمنّينا التّلاقي وقوله: ملكتم القلبَ فلا تُعتِقوا ... واسطوا ولا تُبقوا ولا تَرفُقوا وحرّموا النّومَ على مُقلتي ال ... عَبْرى ووصّوا الطيفَ لا يطرُقُ وصدّقوا الواشي على علمكم ... بأنّه إنْ قال لا يصدُقُ فإنّني ما خُضتُ بحرَ الهوى ... مع اعتقادي أنّه مُغرِقُ إلا فِراراً من فؤادي الذي ... في كل يومٍ بالهوى يعلَقُ قد جرّب العشقَ وما ينتهي ... منه فيا لله كم يعشَقُ ولم يكنْ أوّلَ ذي حرفةٍ ... يسعى الى الرّزق ولا يُرْزَقُ وله: وجهي يرقُّ عن السؤا ... لِ وحالتي منه أرقُّ دقّت معاني الفضلِ فيّ ... وحِرفتي منه أدقُّ الكاف، وقوله: لكنّ دون الخبزِ في داره ... وقائعَ الدّيلم والتُرْكِ رغيفُه اليابسُ في جيبه ... كأنّه نافجةُ المِسكِ يرى صِيامَ الضّيفِ في بيته ... نُسْكاً ومن يزهَدُ في النُسكِ وصونَهُ اللّقمةَ دِيناً له ... وبذلَهُ شِرْكاً من الشِّركِ يوَدُّ من خِسّته أنّه ... أمسى بلا ضِرسٍ ولا فكِّ وقوله في الكافي الأصفهاني: غُلامُ زيدٍ شريكُهْ ... في عِرسِه ومليكُهْ ... زوجةَ زيدٍ ... لأنّ زيداً ... يكتالُ ما اكتال منه ... و ... مَكّوكُهْ وقوله في غلام أسود، اسمه مختصّ: أيا مَنْ حُبّهُ نُسكُ ... ومن قلبي له مِلْكُ ومن قلتُ لعُذّالي ... وزرْعُ العذْلِ لا يزكو رأيتم قبلَ مختصٍّ ... غزالاً كلّهُ مسكُ ترفّقْ بي أوِ اقتُلني ... فإني منك لا أشكو اللام، وقوله من قصيدة هزليّة: إني بحبّ الجبالِ بعتُ كما ... تعلمُ أرضَ العراق بالجبل مصارعُ العاشقينَ أكثر ما ... تكون بين العِذار والكفَلِ أحبّ بانَ القدودِ تعطِفُه ... صَبا الصِّبا بالغُدوِّ والأُصُلِ وكلّ طَفلٍ كأنّ غُرّته الشّم ... سُ أنارت من كِلّة الطّفَلِ مبلبلِ الصُدغِ وردُ وجنتِه ... أحمرُ من قبلِ حمرةِ الخجلِ ووجهُه البدرُ تحت طُرّته ... يبدو كصبحٍ بالليلِ مشتمِلِ وقوله: قد ضِعت في جَيٍّ لدى عُصبةٍ ... قِدري على أعراضهم تغْلي أصونُ سَلْحي عن لِحاهُم كما ... أُجِلّ عن آذانهم نعلي قالوا اهجُهُمْ قلت ومنْ ذا الذي ... يفسو على خرية منحلّ لا يشترونَ الفضلَ من جهلهم ... لأنهم عُميٌ عن الفضلِ من كلّ تيسٍ خرِفٍ باردٍ ... ثيابُه غِمدٌ بلا نصْلِ ومنها: ما صُغتُ فيك المدحَ لكنّني ... من حسن أوصافِك أستملي تُملي سَجاياك على خاطري ... فها أنا أكتُب ما تُملي

стр. 25

وله من قصيدة على قافيتين ووزنين: واخلَعْ عِذارَك في عِذارِ مُهفهَفٍ مثلِ القضيبِالنّاعمِ المتمايلِ أطِعِ الهوى واعْصِ النُهىوشرَبْ على وجه الحبيبِوروضِهِ المتكاملِ إهزِلْ فقد هزَلَ الزّمانُ وجدّ في حرب الأديبِمع الزمانِ الهازلِ ومنها: هي أصفهانُ وجنّةُ الفِردوسِ في حسنٍ وطيبِللخليعِ الفاعلِ حورٌ ووِلدانٌ ومانهواه من عِلقٍ غريبِكالغزالِ الخاذلِ قال اتّئدِ فلقد أشرْتَ عليّ بالرّأي المصيبِورُبّ رأيٍ فائِلِ لكنْ غلِطتُ وليس يأمَنُ عاقلٌ غلَطَ الأريبِالكيّسِ المتغافلِ لا يبذُلون متاعَهُمْإلا لمِتلافٍ وَهوبِللرّغائبِ باذلِ بالعين يصطادُ الظّباءَ العِينَ في تلك الدّروبِولا اصطادَ الباخلِ وأنا خفيفُ الكِيسِ فيأسر الحوادثِ والخطوبِحليفُ همٍّ شاغلِ أُضحي وأمسي طاوياً ... للضُرِّ في مرعىً جَديبِ: من رُباها ماحلِ سعري وشعري عندهمولديهمُ أعلى الذّنوبِوذاك جُلّ وسائلي قلت البشارةُ لي عليك فقد خلَصت من الكروبوكلِّ شغلٍ شاغلِ أعطاك صرْفُ الدهرِ منإحسانِه أوفى نصيبِبعدَ مَطْلِ الماطِلِ بنَدى الرّئيس أبي المكارِمِ سوف تظفَرُ عن قريبِبالنّدى والنّائل ندْب يُزيلُ بجودِهوسماحِه كلَّ النّدوبِعن النّزيل السّائل فجبينُه من بِشرِهكالبدرِ في فلكِ الجنوبأو الهلال الكاملِ ترْعى المدائحُ عندَهولدَيْه في مرْعىً خصيبِبالمكارمِ آهِلِ وقوله من قصيدة: جهَرْت وقلت للسّاقي أدِرْها ... فقد عزَم الظّلام على الزِّيالِ وقد ثمِلتْ غصونُ البانِ سكراً ... وغنّى الطيرُ حالاً بعدَ حالِ وأذّن للصّلاةِ وجاوبته ... نواقيسُ النّصارى في القَلالي وطابَ الوقتُ فازفُفْها عروساً ... تريدُ صِبا على هرَم اللّيالي سقانيها هَضيمُ الكشحِ طَفلٌ ... رخيمُ الحسن محبوبُ الدّلالِ أغنُّ مهفهفُ الأعطافِ يثني ... عقولَ الناسِ طُرّاً في عِقال على شكوى هوىً ونوىً ووجْدٍ ... وتجميشٍ وميْلٍ واعتدالِ شربت مع الغزالة والغزالِ ... جِهاراً قهوةً كدمِ الغزالِ وقوله من أخرى: ومجدولةٍ جدْلَ العِنان إذا رنت ... أقرّت لها في صنعة السِّحرِ بابلُ مهفهفة الأعطافِ لا الغصنُ مائسٌ ... إذا خطرتْ دَلاً ولا البدرُ كاملُ وقوله: عذْبُ اللّمى خنِثُ الصِّبا ... كالبدرِ في حُلَل الكمالِ نشوانُ من خمرِ الصِّبا ... ريّانُ من ماءِ الدّلالِ أنّى بدا قابلتُه ... من عن يمينٍ أو شمالِ فكأنّني الحِرباءُ وهْ ... وَالشمسُ جَلّ عن المثالِ وقوله: يا عاذلي كُفّ عن العذلِ ... واعدِلْ من الجورِ الى العدلِ قلبي أو قلبُك يلقَى الأذى ... وعقلُك الذاهبُ أو عقلي إني ل ... عابدٌ تابعٌ ... يخدُم بعضي في الهوى كلّي وكلّ لحظٍ فاتنٍ فاترٍ ... أكحلَ مستغنٍ عن الكُحلِ وكلّ خدٍّ أسمرٍ أحمرٍ ... عِذارُه كالماءِ في النّصلِ أعسرُ من رزقي ومن قصّتي ... معْ سيّدي الشيخ أبي الفضل وقوله: ما مُنِح الإنسانُ من دهره ... موهبةً أسنى من العقلِ يؤنسُه إنْ ملّهُ صاحبٌ ... فهو على الوحدة في أهلِ ما ضرّهُ عندي ولا عابَهُ ... إنْ غلَبَتْهُ دولةُ الجهلِ الأمير مجد العرب مُصطفى الدولة أبو فراس علي بن محمد بن غالب العامري شاعر مبرّز محقّق، وله خاطر معجِزُ مُفلق. هو الدّاهية الدّهيا، وأعجوبة الدنيا، وله العزّة القَعساء والغُرة الزهراء، والرتبة الشّمّاء. يصبّ الشعر في قالب السحر، ويباهي الفضلاء بالنّظم والنّثر، ويصوغه في أسلوب غري، ويمّهده في قانون عجي.

стр. 26

له اليد البيضاء في استخراج جواهر الأفكار من بحار الخواطر، والقدم الرّاسخة في اختراع معانٍ هي على فلَك الفضل بمنزلة النّجوم الزّواهر. كلماته متوافقة المعنى واللفظ، مستوفية من الحسن أكمل الحظّ. بدرٌ طالع من ديار بكر، وبحر طامٍ على كل بحر. إن جال في مِضمار القريض، وجرى في ميدانه الطّويل العريض، أفحم أبا الطيّب وأبا تمّام، وردّ عقودهم واهية النِّظام. ينسج على مِنوال أبي فراس، ويكنى بأبي فراس. قال في حقّه بعض شعراء أصفهان من قطعة: فأشعارُ الأمير أبي فراسٍ ... كأشعارِ الأمير أبي فراسِ هو في الطبع والمنشأ شاميّ، وفي النّظم والنشيد تِهاميّ، ومولده عراقيّ. قدم في شهور سنة سبع وثلاثين وخمس مئة أصفهان، وكان مقيماً بها الى سنة ثمان وأربعين، وانثالت التّلامذة عليه، ومالت أعناق المستفيدين إليه، ومدح بقصائده الصّدور، وشرح بفوائده الصّدور. ضاع بها عَرْفُه، ولكن ضاع فيها عُرفُه؛ فإنّه غير مجدود بفضله، وكذا الزمان غدّار بمثله، والحُرّ فيه مضيّع، والكريم مودَّع. لقيته يوماً بالجامع، في بعض المجامع، ضيّقَ الصّدر، متوزّعَ الفكر، مُطرقاً رأسه، مصعّداً أنفاسه. فسألته عن حاله، فأنشدني ما ذكر أنّه من مقاله: هجَرتُ للعُدم كلّ خِدْنٍ ... وصرتُ للإنقباض خِدنا فلا أعزّي ولا أُعَزّى ... ولا أهنّي ولا أهنّى وكان أملى ديوان على الأخ الهمام، الأجلّ الإمام، فخر الدّين نجيب الإسلام، محمد بن مسعود القسّام، الذي هو باكورة العصر، في النّظم والنّثر. فكتبَه، وجمعه، ورتّبه. وقصائده التي أنشأها بالشام أجزل وأحسن مما أنشأه بالعراق. وقِدْماً قيل: اللَها تفتَه اللَّها، والبِقاع تغيّر الطباع. وديوانه ضخم الحجم. لكنّي اخترت منه قصائد، وإن كان الكل فرائد. ولما وصلت الى الشام، لقيته بالموصل، وقد غيّر زِيّه، وهو يلبس الأتراك، جليس الأملاك، قريباً من صاحبها بعيداً من مذهب النّسّاك. وآخر عهدي به سنة سبعين. فمن شاميّاته: قال يمدح الأمير حسام الدين، تاج الدولة، قطب الملوك، أبا سعيد تمرتاش بن إيل غازي بن أرْتَق؛ ويذكر ظفره بالفرنج بعد عوده من الشّام، وأنشدها إياه بماردين في شوّال سنة أربع وثلاثين وخمس مئة: أطاعك فيما ساءَ حاسدَك الدهرُ ... ووالاك ما عادى مُعاديك العمرُ ولا استعرتْ إلا بحملاتك الوغى ... ولا سار إلا تحت راياتِك النّصرُ فأنت الذي أرضى عن الدهر قربَه ... وجمّلتِ الأيامَ أيامُه الغُرُّ كرُمتَ فمنْ كعبُ السّماحِ وحاتمٌ ... وصُلتَ فمن زيدُ الفوارس أو عمْرو ملوكُ البرايا أنجمٌ أنتَ شمسُها ... إذا الشمسُ ذرّت غابتِ الأنجمُ الزُهرُ هو من قول النابغة: وإنّك شمسٌ والملوكُ كواكبٌ ... إذا طلعَتْ لم يبْدُ منهنّ كوكبُ حويت حسامَ الدين كلّ فضيلةٍ ... سِواك لها طيٌّ وأنت لها نشرُ فما ينتهي إلا الى كفّك الندى ... ولا يعزي إلا الى بيتك الفخرُ سُطاً كلّما تابعتَها جزِعَ الرّدى ... ونُعمى متى فرّقتَها جُمِع الشكرُ ونفسٌ كأنْ من طبعها خُلِقَ السّخا ... وبأسٌ كأنْ من حرِّه طُبِع الجمرُ الأبيات الأربعة حقّها أن تكتب بذوب التّبر، على صفحة الدهر، وترقم بسويداء الفؤاد على سواد الحدَق، وترتاح لها النفوس ارتياحَ الرّياض للدّيمة الغدَق. مناقبُ لا الغوثُ الذي شمخَتْ به ... على العُرْب طيٌ يدّعيها ولا النّضْرُ أنالك ما أعيا سواك من العلى ... بهنّ الطِّعانُ الشّزْرُ والنّائل الغمْرُ ومُقرَبةٌ شُقرٌ وماذيةُ خُضرُ ... وهنديةٌ حُمرٌ وخطيّةٌ سُمرُ نُصولٌ إذا استمطرتَها ذرّتِ الطُلا ... وخيلٌ إذا استحضرتَها أطلم الفجرُ معوّدةٌ ألا تجوسَ عمارةً ... فترجَلَ إلا وهي من سكنِها قفْرُ هزمْتَ بها جيشَ العدوّ مجاهداً ... فعزّ بك الإسلامُ وامتهن الكفرُ

стр. 27

وروّيتَ بيضَ الهندِ من مُهَجاتهم ... فهنّ قَوانٍ من دمائِهمُ حُمْرُ وهذه أيضاً في الغاية القُصوى والدّرجة العلي. بقيّة من نجّاه من سجنِك الفِدا ... وأعتقه من سيف والدِك الأسرُ تركت بأطراف اللُّقانِ جسومَهم ... تذُمّ من الأرماح ما يحمَدُ النّسرُ ما أحسن ذكرَ الذمّ والحمد في هذا البيت! وما عُدت مُذ عامين ثانٍ وأولٍ ... وما عاد عنهم من مَهابتك الذُعرُ فإنْ غرَبَ النّجمُ الذي انقرضوا به ... فقد كشف الظّلماءَ من نجمه بدرُ كان والد ممدوحه يلقّب بالنّجم. وقد سلك هذا الطريق قبلَه من قال: فإن يكُ سيّارُ بنُ مُكرمٍ انقضى ... فإنّك ماءُ الوردِ إنْ ذهبَ الوردُ رضعتم لُبان العزِّ يا آل أرْتَقٍ ... فلا دَرَّ إلا حيثُ كنتم لها دَرُّ عُلىً شاد منها ما بنته جدودُكم ... قِراعُكُم من دونها الخيلُ والكرُّ سحائبُ جذْبٍ لا يغبُّ لها حياً ... مُحاربُ حربٍ من جواشنها الصبرُ قوله: من جواشها الصبر، يكاد يُذهب الألباب، ويعيد سماعه الى الشيخ الفاني عهدَ الشّباب! مضوا لم يَضِفْ خبْلُ الغرامِ نفوسَهم ... ولم يخترقْ أخْراتَ أسماعِهم هُجْرُ أي: لم يصر لهم ضيفاً. ولم يذخَروا غير الصّوارم والثّنا ... كذا وأبي العلياء فليكنِ الذُخرُ فإن يذهبوا مثلَ الغمائم مُثْنياً ... عليها بما أهدت له البدوُ والحضرُ فقد لمّ أشتاتَ المكارمِ بعدَهم ... أغرُّ كريمُ الأصلِ فتكتُه بِكرُ جوادٌ يخافُ المالُ سَورةَ جُودِه ... إذا رنّحته الأريحيّةُ لا الخمرُ تملّكتَ يا قطبَ الملوكِ محامدي ... ورِقّي ولولا الطّوْلُ لم يُملَكِ الحُرُّ وهبتَ العلى والمجدَ فيما وهبتَه ... فما العسجد القاني وما النّشَبُ الدّثرُ هذه مدائح، لم تدرك شأوَها القرائح. عطاءٌ لو انّ القَطرَ كاثرَ بعضَه ... لأصبح قُلاً عندَ أيسرِه القطْرُ تعذّرَ إلا حين عُذْتُ بك الغنى ... وأقصر إلا عندَ مدحي لك الشّعرُ أبى قدرُه أن يسترِقّ قِيادَهُ ... ويملكَهُ إلا مليكٌ له قدرُ وقد زارَ منه البدرَ بدرٌ محجّبٌ ... وجاورَ منه البحرَ حين طما بحرُ مديحٌ هو السّحرُ الذي فُتقَتْ به ... عقولُ الورى من قبلُ أو دونَه السِّحرُ لقد أصاب شاكلة الصّدق، ونطق بالحقّ. وإني لأرجو أن يفخمَ أمره ... من النّاس من أمسى له النّهيُ والأمرُ فما لفقير ذيدَ عن نيله غنىً ... ولا لكَسيرٍ حاد عن ظلّه جبْرُ وقال يمدحه، ويصف بعض حروبه؛ وعرض فيه بما جرى لجدّه أرْتَق مع مسلم بن قريش وقومه بني بَدران، وأنشده بمَيّافارقين من رجب سنة سبع وعشرين وخمس مئة: سلْ بالكثيبِ سوانحَ الغِزلانِ ... أهي الموائسُ أم غصونُ البانِ واحفَظْ من الألحاظِ لُبَّك إنّها ... شغلُ الخَليِّ ولوعةُ اللهفانِ تلك السيوفُ البيضُ تُسْمى أعيناً ... للبيض والأجفان كالأجفانِ لقد وفّى التّشبيه حقّه لفظاً ومعنى. منْ جازئات ظِباءِ وجْرَةَ من لها ... فتكاتُ ليثِ الغابِ من خَفّانِ سعديّةٌ لولا هواها لم يشُقْ ... قلبي برامةَ منبِتُ السّعدانِ يدنو المزارُ ودون حُمرِ قِبابِها ... لحظُ الرّقيبِ وهبّةُ الغَيْرانِ ما للأقاربِ من ذويك تباعدوا ... حنقاً كأنهمُ ذوو شنآن عُربٌ أضاعوا فيك ذِمّةَ جارِهم ... والعُرْبُ تحفظُ ذمّةَ الجيران هذا من أحسن ما وقع للشّعراء في ردّ الأعجاز على الصّدور. فُنفِيتُ من عدنانَ إن جازيتُهم ... إلا بخُزْرِ أسنّةِ المُرّان

стр. 28

متقدماً لجِباً يحلّقُ فوقَه ... مستبشراً لجِبٌ من العِقبان خُذْ بالشهامة لا الكرامة أهلَها ... تردَعْ عِداك بها عن العُدوانِ فالحزمُ أن تضَعَ العقابَ إذا فشا ... سرُّ المظالمِ موضعَ الغُفرانِ فاق الشعراء في إيراد هذا المعنى في هذا المعرِض، مع أنّه سبق إليه الأستاذ الشّهيد مؤيّد الدّين أبو إسماعيل ﵀ حيث يقول: وما الجهلُ في كلّ الأمور مذمَّمٌ ... وما الحلمُ في كلّ المواطنِ محبوبُ مع أنّه سبق إليه المتنبي: ووضعُ النّدى في موضع السيف بالعُلى ... مُضرٌّ كوضع السيف في موضع النّدى وهو أيضاً أخذه من قول القائل: وبعضُ الحلمِ عندَ الجه ... لِ للذّلّةِ إذعانُ وفي الشرّ نجاةٌ حي ... نَ لا يُنجيك إحسانُ من سؤدَدِ الرّجلِ الكريمِ وفضلِه ... ما يستمرّ عليه من نقصانِ يعني: من نقصان حالٍ ومال، وهي من فِقَر الحِكم. لا يوكِسُ السيفَ الصّقيلَ غِرارُه ... شعْثُ القِراب إذا مضى الحدّان هذا مأخوذ من قول إمامنا الشافعيّ المطّلبيّ، ﵁: وما ضرّ نصلَ السيف إخلاقُ غِمدِه ... إذا كان عضْباً حيثُ أنفذتَهُ برى ما أجهلَ المتوعّدي ومُهنّدي ... والنّهدَ من صحبي ومن أخداني بين الهِجانِ وبين فتكي عزمةٌ ... تُدني الى نادي أغرَّ هِجانِ الهِجان: جمع هجين، ولد الأمَة. والهِجان: الكريم. حيثُ النّدى عذبُ الموارد رائقٌ ... للوارد المتهافتِ الظمآنِ والحُجْبُ تُرفَعُ عن أسرّة ماجدٍ ... كالنّصْلِ لم يكهَمْ له غَرْبانِ عن غُرّةِ التّاج الذي تعنو له ... غُرُّ الأماجدِ من ذوي التّيجانِ عن خيرِ من يردي به متمطّرٌ ... في يوم مكرُمةٍ ويومِ طِعانِ ملك متى هبطَتْ عروقُ أرومةٍ ... بمُمَلّكٍ بسقَتْ به العِرقانِ عافت قِرى الكومِ الأواركِ نفسُه ... وقَرى الضّيوفَ خزائنَ العِقيان وتحرّقت أسيافُهُ إذ فارقت ... أغمادَهنّ مفارِقَ الأقرانِ وتشكّتِ الأرماحُ إذ غشيَ الوغى ... مما يدقّقهنّ في الأبدانِ كم موقفٍ لك لو أراد توقّفاً ... فيه الرّدى زلّتْ به القدَمانِ هذه اللّمعة الغرّاء، التي دونَها الجوزاء، لو كشفت وجهَها في أفق السماء، كسف منه القمران، واستنار به الثّقَلان. طأطأتَ فيه الكفرَ بعدَ بُذوخِه ... ورفعتَ فيه دعائمَ الإيمانِ ولو رام شاعر توقفاً في هذا الموقف، زلّت به القدمان. جمعَتْ عليك به الفِرِنْجُ جموعَها ... وتفرّقتْ لمّا التقى الجَمعان ظنّوك ما لاقَوْا فأبطل ظنّهمْ ... طعنٌ أحقّ مظنّةَ السِّرحانِ بذوابلٍ أبدت أسنتُهُنّ ما ... أخفت قلوبُهمُ من الأضغانِ كأنّه فارس الميدان، ومبارز الشُجعان. ومُدَرّبينَ على القتال كأنّما ... شربوهُ وِلداناً مع الألبانِ من كلِّ مشبوحِ الذّراع يهُزّهُ ... قرْعُ العوالي هِزّةَ النّشوانِ نظروا الى البيضِ الخِفاف كأنّها ... بأكفّكم مشبوبةُ النّيرانِ والخيلُ قد عادت وِراداً شُهبُها ... مما لبِسنَ من النّجيعِ القاني يسبَحْن طوراً في الدِّماء وتارةً ... يركُضْنَ فوق جماجمِ الشّجعانِ هذه الأبيات كأنّها بيوت للكواكب. المعاني في كلّ بيتِ نظم، بيتُ نجم، وفي ضمن كل عبارة إشارة لطيفة، وتحت كلّ كلمة فِقرة شريفة، أو درّة يتيمة، ما لها قيمة، أو كأنّها خزائن دفائن الضّمائر، وسفائن زواخر السّرائر. في مأزقٍ ضنْكِ المجال كأنّه ... مغْنى المبخَّلِ أو فؤادُ العاني هذا المعنى مغْنى الحسنات، وقلب معاني الأبيات. ستر السّماءَ عجاجُه فسماؤه ... نقْعٌ وأنجمُهُ من الخُرصان

стр. 29

فالصبحُ مما سُلّ فيه واحدٌ ... والليل مما ثار فيه اثنانِ والدهُ أخوفُ من به من فارس ... صبَّ الحِمام به على الفُرسان إحسانُه للمجتدي وجنابُه ... للملتجي وذِمامُه للجاني ناهيك يا قُطبَ الملوكِ من امرئ ... قطبَ النّهى بتنمّرِ الشّيْحانِ تركت به الأعرابُ للتُرْكِ العُلى ... وتعلّلت بعُلالة السُقْبانِ تخشى بوادرَهُ إذا ادّكرتْ له ... ما تمّ من دُكْر على بدران أيامَ خفّضَ جدُّهُ من جدِّهم ... ما كان معتلياً على كيوانِ أجرى دماءَهُمُ فسال بآمِدٍ ... منها ومن أمواهها مَدّانِ تَهْمي على أعدائه وعُفاته ... بثوابه وعقابه سَجْلانِ فسَحابُ ذاك بنانُه وسحابُ ذا ... تسديدُ كلِّ حنيّةٍ مِرْنان أغليتَ كاسِدةَ المحامدِ فاغتدت ... بعدَ الكسادِ غواليَ الأثمان ورفعتَ قدري عن ذويك مبجِّلاً ... حتى تمنّوا منك مثلَ مكاني فاكفُفْ أياديَ لم أطِقْ شكراً لها ... هل فيّ غيرُ إطاقة الإنسانِ أسرفتَ في الإحسان حتى ما أرى ... إحسانَك الضّافي من الإحسان هذا - لعَمري - مع مبالغته في المدح، أشبه بسلوك طريق القدح. وليس من الإنصاف، نسبة الممدوح الى الإسراف، وهو ذمٌّ في الحقيقة. قال الله تعالى في ذمّ فرعون: (إنّه كان عالياً من المُسرِفين) . وقوله: ما أرى إحسنك من الإحسان، وإن كان في أقصى غاية الحُسن، لكنّه معزيّ الى نوع من الهُجَن؛ فإنّه تصريح بكفران النّعم، الذي لا يليق بالكرم. وهو إنّما شرع مشرع المتنبي حيث قال: حتى يقول الناس ماذا عاقلاً ... ويقولَ بيتُ المل ماذا مسلما لكنّ أبا الطّيب أضافه الى قصور في الناس، وهذا أضافه الى نفسه. وأرى غرامي يقتضي فُرقةً ... هي والرّدى من قبحها سِيّان فإن استفدتُ الربحَ عندَك بُرهةً ... فالربحُ قد يدعو الى الخُسران ليَطُلْ مدى يومي القصير فما غداً ... إلا ردىً ألقاهُ أو يلقاني أنأى وشخصُك في فؤادي شاهدٌ ... بالغيب حين يَغيبُ عن إنساني يشير الى قول القائل: إن كنتَ لستَ معي فالذّكرُ منك معي ... قلبي يراك وإن غُيّبتَ عن بصري وتكادُ من حُبّيك كلّ جوارحي ... عند ادّكارِك أن تكون لساني هذه القصيدة فريدة، رصّعت بها الكتاب، وخَريدة، أتحفت بمحاسنها الألباب، ولم أتجنّب مما أوردته منها الصواب، وراعبت حقّ الفضل، بالإطراء والعذْل، تحقيقاً لقضيّة العدل. وهذه قصيدة أخرى، حقّها أن تحرّر بذوب اللُجين، على قرن الفرقدَين. مدح بها الأمير عز الدين، عماد الدولة، شرف الملوك، أبا العساكر، سلطان بن عليّ بن مُقلَّد بن مُنقِذ الكنانيّ؛ وأنشدها بشَيزَر سنة أربع وعشرين وخمس مئة: لمعتْ وأسرارُ الدُجى لم تُنشَرِ ... نارٌ كحاشية الرّداء الأحمرِ هذا مطلع، كأنّه للفجر مُطلِع. وللأبيوردي ﵀ مطلع قصيدة، وافق هذا في الوزن والرّويّ واللفظ، وسأكتبها في موضعها إن شاء الله: لمعت كناصية الحِصان الأشقر ... نارٌ بمعتلِجِ الكثيبِ الأعفرِ تخبو وتوقدها ولائدُ عامرٍ ... بالمندليّ على القنا المتكسّرِ ولست أدري أيهما أحسن وأجود. رجعنا الى قصيدة العامريّ: فعلمت أنّ وراءَه من عامرٍ ... غيْرانَ يفرَح بالنّزيلِ المُقتِرِ يا أخت موقِدِها وما من مَوقِدٍ ... فوقَ الثّنيّةِ والكثيبِ الأعفرِ لسواي عندي من سوامِكُم قِرىً ... وقِراي قُبلة ناظرٍ أو مَحجِرِ وللأبيورديّ من تلك القصيدة، نسج على منواله: يا أختَ مقتحِمِ الأسنّة في الوغى ... لولا مراقبةُ العِدى لم تهجري هل تأمُرين بزورةٍ من دونِها ... حدَقٌ تشقّ دُجى الظلامِ الأخضرِ وللعامريّ منها:

стр. 30

فارعَيْ رعاك الله مُسعفةً به ... ضيفاً متى ما يُرْعَ يوماً يشكُرِ وافى يؤمّكِ راكباً جُنْحَ الدُجى ... متقلّداً ضوءَ الصباحِ المُسفِرِ أحسن الصنعة حيث شبّه أدهمَهُ بالدجى، وصارمَه بالصّباح، وإنْ طبعه في قالب الأبيوردي بقوله: فلكم هززتُ إليك أعطافَ الدُجى ... وركبتُ هاديةَ الصباحِ المسفِرِ والفضل للمتقدّم. ومنها للعامريّ: فالحُسن للحسناء نوءٌ مُقلعٌ ... لا تُحمَدُ الأنواءُ ما لم تُمطِرِ أنا ذو علمْتِ بلاغةً ونباهةً ... بين الأنامِ فخرتُ أو لم أفخَرِ لا تُعرَفُ الفحشاءُ في بيتي ولا ... تدنو الدّنايا من جلالة عُنصُري صارمتُ إذ صارمتُ ألأمَ معشرٍ ... ووصلتُ حينَ وصلتُ أكرمَ معشرِ ناسٌ إذا الدّاعي دعا لمُلمّة ... لبّاه منهم كلّ أغلب مُخدِر غضبانُ نصّل بالسّماكِ قناتَه ... عزاً وأنعلَ طِرفَه بالمشتري فلتعلمِ الأمراءُ أنّي بعدَها ... جارٌ لمولانا الأميرِ الأكبرِ للمنقِذيّ أبي العساكرِ والذي ... هو وحدَه من نفسه في عسكرِ من ذاتُه من جوهرٍ ويمينُه ... من كوثرٍ ونسيمُه من عنبرِ من لا يَني يستصغر النُعمى إذا ... أعطاكَها عفواً وإن لم تصغُرِ من لا تراه العينُ إلا خائضاً ... في عِثْيَرٍ أو صادراً عن عِثيَرِ بأسٌ لمستعر الضِّرامِ وهمّةٌ ... علياءُ أنست همّة الإسكندرِ ويدٌ لها في كل أرضٍ منةٌ ... إثْرَ الحيا في كلّ عامٍ أغبرِ أما الزمانُ فقد عنت أملاكُه ... طُرّاً لمَلْكٍ لا يُضامُ بشيزَرِ غَمْرُ الرِّدا جزْلُ العَطا غدِقُ النّدى ... ضافي التُقى، صافي العلى والمفخرِ قد خفّتِ الدنيا عليه لعُظمه ... حتى لكادَ يُقلّها بالخِنصَرِ وأراه صائبُ رأيِه في يومه ... ما كان في غدهِ الذي لم يقدرِ وأنشدني مجد العرب لنفسه: حمِدتُ رجالاً قبل معرفتي بهم ... فلمّا تعارفنا ندِمتُ على الحمدِ إبائي الذي لم يُبقِ لي الدهرُ غيرَه ... أبى لي مُقامي بينهم ضائعَ المجدِ إذا قلتُ دانت لي سما كلِّ قائلٍ ... وإن صُلْتُ هانت صولةُ الأسد الورْدِ وإلا فجانبت العلاءَ ونكّبتْ ... جَنابَ عميدِ الملكِ خيلي على عمدِ وأنشدني لنفسه: صبرنا على أشياءَ منكم مُمضّةٍ ... وما كلّ أبّاء مَضيمِ بصابرِ وكم قد حلُمنا قادرينَ عليكُمُ ... وما قدْرُ حِلمٍ لا يكونُ لقادِر وله في عمَر المَلاّ بالموصل: لا تُنكِرَنّ عليّ يا شمسَ الهدى ... أني مررتُ عليك غيرَ مُسلِّمِ فالشمسُ لا تخفى ولكنْ ضوؤها ... مُخْفٍ له عن ناظر المتوسّمِ وأنشدني لنفسه بأصبهان رُباعية: مالي ولمن أطاع عذْلي مالي ... القلبُ لمن يلومُ فيه لا لي لم يخطُر لي سلوّكم في بالِ ... من أقبح ما قيل محبّ سالي وأنشدني لنفسه من قصيدة: إن لم تمَلّ فقد ملِلْتُ من النّدى ... ومظنّةُ العجبِ النّدى المملولُ وقوله، وقد احتجب عنه بعض أكابرها: لا تحتجبْ عن قاصِديك فدون ما ... يرجون من جدْواك ألفُ حجابِ وعلى محيّاك الشّتيم جهامةٌ ... تغنيك عن بابٍ وعن بوّابِ وقوله: وفاتنِ الخلْقِ ساحرِ الخُلُقِ ... منتطق حيثُ حلّ بالحدَقِ خفتُ ضَلالاً في ليل طُرّته ... فنابَ لي وجهُه عن الفلَقِ بات ضجيعي وبتّ معتنقاً ... لطيفَ كشْحٍ شهيّ مُعتنَقِ وقد خفِيا عن الرّقيب فما ... نمّ بنا غيرُ نشرِه العَبِقِ وقوله:

стр. 31

وأزهرَ مثلِ البدرِ قد طاف موهِناً ... عليّ بمثل الشمسِ من قرقَف الخمر فوالله ما أدري وقد علّني بها ... أمن طرْفه أم من مُدامته سُكري وقوله من قصيدة: شاهرٌ سيفين مشتبِهٌ ... منهما ساجٍ ومصقولُ فسلوه يُنبِ أيُّهما ... دمُه في الحيّ مطلولُ لحظُه أم ما تقلّدهُ ... فكِلا العضْبَينِ مسلولُ ومنها: يا رفيقيّ الطِّلاءَ ففي ... ليلِ منْ نادمتُما طولُ وقوله من أخرى: ما كذا يامن ألِفتُهُمُ ... تهجُرُ الأحبابُ من ألِفوا شدّ ما أغرى الملامُ بكم ... رفَقَ اللّوّامُ أو عنُفوا كلّما لجّوا لججْتُ هوىً ... إنْ نمى عذْلٌ نمى شغَفُ وبجسمي مَنْ كلِفتُ به ... والهوى عُنوانُه الكلَفُ رشأ إنْ أنكرتْ يدُه ... ما جنى فالعينُ تعترفُ غُصُنٌ أوفى به قمرٌ ... ضُمنَتْهُ روضةٌ أنُفُ إن يعِبْ قومٌ به هيَفاً ... فالذي أهوى هو الهيَفُ أو يكنْ في الحبّ منقصةٌ ... فهْيَ في حكمِ العلى شرفُ وقوله في شكوى الزّمان وفراق الخلاّن: في كلِّ يومٍ لي نحي ... بٌ قد علا في إثْرِ حِبِّ حتى كأن الهمّ لم ... يُخلَق لقلب غير قلبي يا دهرُ هل ألقاك مش ... هورَ السلاحِ لغيرِ حربي أم هل يكرّرُ صرْفُك ال ... مذمومُ شرباً غير شربي أقصيتَ أحبابي وهِضْ ... تَ قوادمي وفللْتَ غرْبي حسْبي وما تُجدي على ... خضِلِ المدامعِ قولُ حسْبي يكفيك خطبٌ واحدٌ ... إنْ كنتَ تقنَعُ لي بخطْبِ وقوله: سلمْتَ مما التقى السّليمُ ... يا جنّةَ دونَها الجحيمُ سلبْتَ نومي وأيّ نومٍ ... يعرِفُ من صحبُه النّجومُ أنت بقلبي وأنت أدرى ... بما به تصنَعُ الهمومُ فاعطِفْ وكن سيّدي رحيماً ... لعاشقٍ ما له رحيمُ أطعتَ فيه العَذولَ غدراً ... ولم يُطِع فيك منْ يلومُ فكلّ دمعٍ له نجيعٌ ... وكل جفْنٍ به كُلومُ ولم يكن مُسْقَماً ولكن ... أسقمه طرْفُك السقيمُ وقوله في محبوب خائن، وحمل نفسه على السّلوّ عنه: لما رأيتُ الغدرَ فيك سجيّةً ... ولمحْتُ منك أمارةَ الخوّانِ ألزمتُ نفسي بالسّلوّ حميّة ... فسلَتْ وكانت صعبةَ السّلوانِ والحُرّ يبعثُه على حُبّ الرّدى ... في الحبّ بعضُ مواقفِ الخِذلان وقوله في الحثّ على التغرّب. ولما جمع شعره، حذفها من ديوانه: ولا تجزَعْ لفُرقة من تُصابي ... ولو ردّتك أرديةُ السَّقامِ فلولا الافتراقُ لما أصابت ... مَراميَها مُقَرطِسَةُ السِّهامِ يَزيدُ الماء طيباً وهْو جارٍ ... ويفسُدُ غيرَ جارٍ في الجِمامِ وقد سار الهلالُ فصار بدراً ... وكم أجلى مَحاقٌ عن تمامِ وقوله في المعنى مما أثبته في ديوانه، وقد سار: فارِقْ تجِدْ عوضاً ممن تفارقُه ... في الأرض وانصَبْ تُلاقِ الرّفْهَ في النّصَبِ فالأُسدُ لولا فِراقُ الخِيسِ ما فرَسَتْ ... والسّهمُ لولا فراقُ القوسِ لم يُصِبِ وقوله: تُسهّلُ عندي كلّ صعبٍ أريغُهُ ... عزائمُ لا تمضي السّيوفُ كما تمضي ويحسَبُني فوق السماءِ جلالةً ... عدوّي وضدّي إن مشيتُ على الأرضِ وقوله: ما استحسنَ الناس من أُكرومةٍ سلفتْ ... إلا رأوها على استحسانها فيكا ولا تحلّوا بمعنى يُستحبُّ لهم ... إلا وكان مُعاراً من معانيكا وقوله: يا حاكماً ما مسلمٌ واحدٌ ... يسلَمُ من أحكامِه الجائرهْ إحتَلْت للدُنيا فحصّلتها ... والرأيُ أن تحتالَ للآخرهْ وقوله في دار الكتب التي بناها النّطنَزيّ بأصفهان، ونقضه مراراً وأعادها:

стр. 32

دارُ كتبٍ بغيرِ كتبٍ ومالٌ ... من ترابٍ أنفقتَه في تُرابِ أنت في عامرٍ بزعمك منها ... واللها كلَّ ساعةٍ في خرابِ وقوله: تركتُكِ للمُغضينَ فيك على القذى ... وأشفقتُ من لومِ اللوائم فيكِ فإنّي وإنْ قلّبتُ قلبي على لظًى ... لأرفَعُ نفسي عن هوىً بشريكِ وقوله: وصفوكِ عندي بالنِّفارِ وما درَوْا ... أنّ النِّفارَ سجيّةٌ للرّيمِ ورأوا مَشابِه منه فيك فقابلوا ... عِزَّ الخِلافِ بذِلّةِ التّسليم وقوله: إذا سُمتُما في سلوةٍ لم أُطعكما ... وإن سُمْتُما في الصبرِ كنتُ مطيعا ومن أملي أنْ يسترقّكُما الهوى ... فننجو جميعاً أو نُصاب جميعا وقوله: تهنّ بالمولود واسعَدْ به ... يا أكرمَ الناسِ على الناسِ ولو قبِلْتَ القصدَ من قاصدٍ ... جئتُ أهنّيك على الرّاسِ وقوله: تكلّفتَ إعطاءَنا مرةً ... فقلنا حبانا ولم يبخَلِ وعُدْنا نُحاولُ منك الحقي ... رَ فعُدْتَ الى يومكَ الأوّلِ وقوله يذمّ مدينة جَيّ: على جَيَّ العَفاء لقد لقينا ... بها أشياء كنّا نجتويها سكنّاها فكان الموتُ خيراً ... قُصارى حظّنا من ساكنيها وكانت من بضائِعنا اللآلي ... ولكنْ لم نجِدْ من يشتريها وهل فيها لإنسانٍ مقامٌ ... وأنتَ من الكِرام بها وفيها وقوله: يقدّمُ الدهرُ لا المساعي ... كلّ صغيرٍ على كبير ولو علا الناسُ بالمزايا ... لم يعلُ خلقٌ على الأمير وقوله: طال وجْدي حتى ألِفْتُ بك الوجْ ... دَ وسُقمي حتّى ألفت السّقاما وتجافى الملامَ قومٌ ومن حب ... ي لذكراك قد حبَيتُ الملاما أشبهَ البدرُ منك وجهاً وحاكى ال ... غصنُ لمّا انثنيت منك قَواما واستدمت الخلافَ رداً على منْ ... قال إنّ الرُضابَ يحكي المُداما وقوله، وكتب بها الى الفقيه الموفّق محمد بن الحسن يشكره ويستعين به في أمر عند قاضي أصفهان: خلاصاتُ المساعي للسُعاةِ ... وللمُعطينَ حظُّ الأُعطياتِ وفي الإخوان خوّانٌ ووافٍ ... ولكنْ أنت من أوفى الثِّقاتِ فقد أضحى لك اسمُ أبيك معنى ... أفاد وما المعاني كالسِّماتِ وبعد الموت لا يُجدي متابٌ ... ولكنْ نفعُهُ قبلَ المماتِ تملّكْ رِقّ أدعيتي وصرّحْ ... بأثنيتي على ملك القُضاة وخلِّ أبا المكارمِ والعطايا ... فلم يُخلَقْ لغير المكرُماتِ سحابٌ عمّ وابلُه البرايا ... وليس ينالُني بلُّ اللهاةِ وبدرٌ تُشرِقُ الآفاقُ منه ... ولكنّي به في داجيات على جَيّ العَفاء فإنّ جَيّاً ... عفت فيها رسوم المأثُراتِ تلاعبنا بناتُ الدهرِ فيها ... ومن عاداتنا وأدُ البناتِ ويكفينا من الذّمّ اقتصارٌ ... على ما قالاه كافي الكُفاةِ ...... التي سبق ذكرها، وقال تكتب على هذا الوجه: أثّر في وجهك النّعيمُ ... وطاب من طيبِك النسيمُ وهوّن اللومَ فيك حسنٌ ... يلومُ في الحبّ منْ يلومُ يا رحمة وهْو لي عذابٌ ... وجنّة وهْو لي جحيمُ طرْفُك فيما أرى وجسمي ... كِلهما فاترٌ سقيمُ وقوله: كلِفْتُ به وقلت بياضُ وجهٍ ... فقيل أسأتَ فاكلَفْ بالنهارِ فلما حفّ بالإصباحِ ليلٌ ... وعُذرٌ قام عُذري بالعِذار وقوله: أربى على سائر الرّجالِ ... تِربُ المعالي أبو المعالي مهذّبُ النفسِ والسّجايا ... محسّدُ الفضلِ والكمالِ يبدو لنا كلّما تبدّى ... منه سَنا البدرِ لا الهلال وكلما حاور النّدامى ... قبلَ كرى تُنثَرُ اللآلي

стр. 33

عمّركَ اللهُ إنّ عمري ... منك فما للورى ومالي يُذيلُ مالاً يصون عِرضاً ... ليس مَدى الدهرِ بالمُذالِ وقوله: مزجَتْ لنا الدنيا مُنىً بمَنون ... وسَطتْ فأخفت شدّةً في لينِ فليرْفَعِ اليقِظُ المهذّبُ نفسَه ... عن رقدةِ المتغافلِ المغبونِ وليغنَمِ الإمكانَ ندْبٌ عالمٌ ... أفضت إليه بسرّها المكنونِ استروحَ المكروبُ مما شفّه ... من كرْبه بتأوهٍ وأنينِ وأبى الفتى المصدورُ إلا نفثةً ... ما إنْ يَعيها غيرُ صدرِ الدّين يقظانُ يسحبُ في ميادين العُلَى ... أذيالَ صبٍّ بالنّدى مفتونِ وأغرّ تنتسبُ الزّكانةُ والحِجا ... منه الى ماضي الجَنان رَكينِ يا سيّد العلماء إنْ عُدّوا ويا ... أوْلاهُمُ بالحمدِ والتأبينِ قد خصّ جارَك جور عبدِك دهره ... بعدَ الغِنى وخصاصة بديونِ بخِلَ الغَمامُ وجُدْتَ فاستغنى الورى ... عن جَوْدِ ساريةٍ بجودِ يمين فلتحْمَدَنّ على جميل صنيعةٍ ... دهراً سخا بك وهْو جِدُّ ضَنينِ ثم فرّق الدهر بيننا، وطالبتُ الأقدارَ بلقائه، فأبيْنَهُ. وعاد الى الموصل، ولقيته بها في سنة ستّ وستين. وآخرُ عهدي به فيها سنة سبعين وخمسِ مئةٍ. المؤيّد الآلوسي بغدادي الدّار. ترفّع قدره، وأثرت حاله، ونفق شعره، وكان له قبول حسن، واقتنى أملاكاً وعقاراً، وكثُر رياشه، وحسُن معاشه، ثمّ عثر به الدّهر عثرةً صعُب منها انتعاشه، وبقي في حبس أمير المؤمنين المقتفي بأمر الله أكثر من عشر سنين، الى أن خرج في زمان أمير المؤمنين المستنجد بالله سنة خمس وخمسين وخمس مئة عند توليته، من الحبس. ولقيته حينئذ، وقد عشي بصره من ظلمة المطمورة التي كان فيها محبوساً، وكان زيّه زيّ الأجناد. سافر الى الموصل، وتوفّي - بعد ذلك - بثلاث سنين. وله شعر حسن غزِل، وأسلوب مطرب، ونظم معجب. وقد يقع له من المعاني ما يندر، فمن ذلك ما أنشدني له شمس الدولة عليّ، ابن أخي الوزير عون الدّين بن هُبيرة في صفة القلم: ومثقّفٍ يُغني ويُفني دائماً ... في طورَي الميعادِ والإيعادِ وهبَتْ له الآجامُ حين نشا بها ... كرمَ السّيولِ وهيبةَ الآسادِ وله هذه الأبيات السائرة التي يغنّى بها: لعُتبةَ من قلبي طريفٌ وتالدٌ ... وعتبةُ لي حتى الممات حبيبُ وعتبةُ أقصى مُنيتي وأعزّ منْ ... عليّ وأشهى منْ إليه أثوبُ غلاميّةُ الأعطاف تهتزّ للصِّبا ... كما اهتزّ في ريحِ الشّمال قضيبُ تعلّقتُها طفلاً صغيراً وناشئاً ... كبيراً وها رأسي بها سيشيبُ وصيّرتُها ديني ودنيايَ لا أرى ... سوى حُبِّها إنّي إذنْ لمُصيبُ وقد أخلقتْ أيدي الحوادث جِدّتي ... وثوبُ الهوى ضافي الدّروعِ قشيبُ سقى عهدَها صوْبُ العِهاد بجودِه ... ملِثٌّ كتيّار الفرات سكوبُ وليلتنا والغربُ مُلقٍ جِرانَه ... وعودُ الهوى داني القُطوفِ رطيبُ ونحن كأمثال الثّريّا يضمّنا ... ودادٌ على ضيق الزمان رحيبُ وبِتّ أديرُ الكأسَ حتى لثغرها ... شبيهاتُ طعمٍ في المدام وطيبُ الى أن تقضّى الليلُ وامتدّ فجرُه ... وعاودَ قلبي للفراقِ وجيبُ فيا ليتَ دهري كان ليلاً جميعُه ... وإنْ لم يكن لي فيه منكِ نصيبُ أحبّكِ حتى يبعثَ اللهُ خلقَه ... ولي منك في يوم الحسابِ حسيبُ وألهَجُ بالتّذكارِ باسمِك داعياً ... وإنّي إذا سُمّيت لي لطَروب فلو كان ذنبي أن أُديم لودّكم ... جنوني بذكراكم فلست أتوبُ إذا حضرت هاجت وساوسُ مُهجتي ... وتزداد بي الأشواقُ حين تغيبُ فوا أسفا لا في الدّنوّ ولا النّوى ... أرى عيشتي يا عتْبُ منك تَطيبُ

стр. 34

بقلبي من جُبيك نارٌ وجنّةٌ ... ولي منك داءٌ قاتلٌ وطبيب فأنتِ التي لولاكِ ما بتّ ساهراً ... ولا عاودتني زفرة ونحيبُ وطالعتُ في مجموع من مدائح المكين أبي عليّ، في دار كتبه بأصفهان للمؤيّد فيه قصيدة، أولها: باحَ الغرامُ من النّجوى بما كتَما ... ولْهانَ لو عطَفَتْ سلمى له سلِما مُغرىً بفاترةِ الألحاظِ فاتنةِ ال ... ألفاظِ يجلو سَنا لألائِها الظُّلَما ترنو بعينَين نجلاوَين لحظُهما ... أعدى الى جسدي من سُقمِه السّقَما وتستبيك برِيقٍ باردٍ شبِم ... أفدي بنفسي ذاك الباردَ الشّبِما لولاهُ لم ينْمِ حرُّ الوجدِ في كبِدي ... وليس حَرّ هوىً إلا لبرْدِ لَمى أستودعُ اللهَ في الأظعان ظالمةً ... أحبّها وألذُّ الحبِّ ما ظلَما سارت وعقلي بها في الرّكبِ معتقَل ... يقودُه حبُّها بالشّوقِ محتزما وأرسلتْ برسولٍ من لواحظِها ... مستورداً دمعيَ المهريّة الرُّسُما هيفاء مصقولة الخدّين تحسَبها ... إذا مشت قبَساً في البيت مضطرما تفترّ عن شنَبِ كالفجر مبتسماً ... والدُرِّ منتظماص والنجم ملتئما ضنّت بوصلي وقالت في الخَيال له ... غِنىً وفي زورةِ الأحلام لو علِما وكيف يطمَع مسلوبُ التّصبُّر لم ... يعرِفْ لذيذَ الكرى أن يعرف الحُلُما ومنها: ولي بعزّي لو أنصفته شُغُلٌ ... عن الدُّنا والعلى مُغرىً بغيرِهما عينُ الصوارمِ والأرماحِ طامحةٌ ... الى وُرودي بها الهيجاءَ مقتحما ومنها في المديح: سماحةٌ تشدَهُ الضّيفانَ إنْ دهمَتْ ... غُبرُ السّنين وبأسٌ يُشبعُ الرّخَما إذا تقاصرتِ الآمالُ مدّ لها ... يداً ببذلِ الأيادي تُخجِلُ الدّيَما كفٌ متى بسطَتْ كفّ الزمانِ بها ... فأوجدت وُجدةً أو أعدمت عدما لما رأى الدهرُ ما تجْني نوائبُه ... في الناس جاء به عذراً لِما اجترما يُنبيك عن فضله ماء الحياءِ ومن ... ماء الفرِنْد عرَفْتُ الصارمَ الخَذِما ذو همّةٍ تملأ الدّنيا محامدُه ... طيباً كما ملأ الدُنيا بها كرما ومنها: إسمَعْ غرائبَ شعرٍ يستقيدُ لها ... صعبُ المعادينَ إذعاناً وإنْ رغما أثني عليك به حتى تودّ وقد ... أنشدتُه كلُّ عينٍ أن تكون فما وما فضَلْتُ زُهيراً في قصائده ... إلا لفضلك في تنويله هرِما وله، أنشدنيها ولده محمد: ألمّ خيالٌ من لُمَيّاءَ زائرُ ... وقد نام عن ليلي رقيبٌ وسامرُ سرى والدُجى مُرخي الذوائب حالكٌ ... فخيّلت أنّ الصّبحَ دونيَ سافرُ وما زارني إلا ولِهْتُ وشاقني ... أوائلُ شوقٍ ما لهنّ أواخرُ وسمراءَ بيضاءَ الثّنايا إذا مشت ... تسابقُها وطءَ التّرابِ الغدائرُ تكامل فيها الحسنُ واهتزّ قدُّها ... كما اهتزّ مصقولُ الغِراريْنِ باترُ قوامٌ كخُوطِ البانِ هبّت به الصَّبا ... قويمٌ ولحظٌ فاتنُ الطّرفِ فاترُ إذا عذَلوا في حُبّها ووصفتُها ... فلا عاذلٌ إلا انثنى وهْو عاذرُ تَزيدُ نفوراً كلّما زُرتُ صبوةً ... إليها على أن الظِّباءَ نوافرُ وترنو بعينَي جُؤذرٍ من رآهما ... رأى كيف تصطادُ الرجالَ الجآذرُ وثغر نقيّ كالأقاحي وريقة ... كأنّ الحَيا للخمر فيها مُخامرُ وعهدي بها ليلاً وقد جئتُ زائراً ... إليها كما يأتي الظِّماءُ العواثرُ وبدرُ الدُجى يُغري بها كلّما ابتغت ... إليّ وصولاً والبدورُ ضرائرُ وإني لتُصبيني إليها صبابةٌ ... تُراوحُني في حبّها وتُباكرُ

стр. 35

على أنّني خُضت الرّدى ولقيُها ... لِقاءَ محبٍّ أعجلته البوادرُ وعاتبتها حتى الصّباحِ وحولَها ... ميامنُ من نُظّارِها ومياسرُ فأصبحتُ ما بين المطامحِ والأسى ... فلا الوصلُ موجودٌ ولا القلبُ صابر أميّاسةَ الأعطافِ عطْفاً على شجٍ ... هواكِ له ما شئتِ ناهٍ وآمرُ يَبيتُ كما بات السّليمُ من الجوى ... ويُصبحُ كالمأسورِ عاداهُ ثائرُ أصخْتِ لأقوالِ الوُشاةِ فبِعتِني ... وبائعُ مثلي يا لُميّاءُ خاسرُ وهدّدني أهلوك فيك وإنّني ... لتَصغُر عندي في لِقاك الكبائرُ ولده محمد بن المؤيّد شابٌ ذكيّ. له شِعر حسن. ولو عاش، فضَل والده نظماً وذكاء. هاجر الى الملك العادل نور الدين بالشام، وأقام في خيمتي بالعسكر، سنة أربع وستّين وخمس مئة، وكنّا في صرْخَد، فمرِض، فنفّذناه الى دمشْق فتوفي في الطريق بضيعة يقال لها رشيدة. وله ما أنشدنيه لنفسه، وكان نور الدين ﵀ سامه أن يتوجّه الى مصر مع العساكر الذين جهّزهم إليها، وكتب بها إليه: أيها العادلُ الذي ملأ الأرْ ... ضَ عطاءً غَمراً وأمناً وعدلا لم أسِرْ طالباً سِوى فضلِك الضّا ... في وحاشايَ لا أصادفُ ظِلاّ لستُ أرضى من بعدِ ظلِّ إمامِ ال ... حقّ ظلَّ الدّعيّ حاشا وكلاّ ظِلَّ قومٍ إذا تسنّنتُ فيهم ... سحَبوا لي كُمّاً وزيقاً ورجلا كلّ هذا إذا سلمْتُ ولا أو ... ثَقُ أسراً ولا أُبَضّعُ قتلا في يدَيْ كافرٍ إذا قلت فيه ال ... شِعرَ سهلَ المعنى وأعربتُ جزْلا لم يرقّقْه لي ولم يُعطِ إلا ... حِمل صخرٍ على اليديْن ونقلا ثمّ إنْ عدتُ بعد ذاك الى بغ ... دادَ صادفتُ ثمّ سجناً وغُلاّ كيف فارقتهم وصرت الى قو ... م يرونَ الحرامَ في الرّفضِ حِلاّ فاجبُرِ اليومَ منعِماً قلبَ عبدٍ ... مقبلِ العمر حظّه قد تولّى هو في العسكر المظفّر يُفني الدم ... عَ شُرباً ولحم كفّيهِ أكلا لا استردّ الإلهُ منك الذي أع ... طى ولا ذُقْت بعد أمنِك عزلا وله يهجو أبا المعالي ابن الذّيدان، وكان أصله يهودياً في دمشق، وكان قد وصل شِطرَنجي آخر يقال له ابن أبي زِنبيل: فتى الدّندانِ قد جا ... ءك منْ يقلَعُ دنْدانَكْ ومنْ يصفَع جالو ... تَك بالنّعل وحزّانَكْ فتى الزِّنبيل بالزِّن ... بيلِ قد خدّر آذانَكْ فإن عُدْتَ تُماريه ... وإنْ أكثرت بُهتانكْ فما يلعَبُ بالحظّ ... ولا يقبلُ فِرْزانَكْ وسبب ذلك وصول أبي الرضا بن أبي زِنبيل الى دمشق، وادّعى أنه يغلب ابن الذّندان، وطلب مجاراته في حلبة اللّعب بين يدي السلطان، فأبى أن يلعب معه إلا بحظّ الفِرْزان. الكامل أبو عبد الله الحسين بن أبي الفوارس قرأت بخطّ أبي المعالي الكتبيّ، وأنشدني أيضاً، قوله: صَبا الى اللهوِ في هُبوب صَبا ... وقال قُمْ فالصّبوحُ قد وجَبا ها أنجمُ الصبحِ من مخافتها ... مِيلٌ الى الغرب تطلبُ الهرَبا وأدهمُ الليلِ كلّما حاولَ ال ... حُظوةَ من أشهبِ الصّباح كبا والدّيكُ قد قام في مُمزّجةٍ ... شمّر أذيالَها وشدّ قَبا يَصيحُ إما على الدُجى أسفاً ... منه وإمّا على الضُحى طربا وقوله: وأغيدٍ خِلتُه والكأسُ في يده ... بدراً يُسيّرُ شمساً في دَياجيه أدارها فظننتُ الشرقَ في يده ... وعبّها فحسِبتُ الغربَ في فيهِ لو رأيتَ اللِّحاظَ تُنزلُ غدري ... يومَ ذي الأثلِ كنتَ تمْهَدُ عذري منها: إنّما فاتكَ الهوى فتعجّبْ ... تَ لكوني أسري له تحت أسري وقوله:

стр. 36

إشربْ فقد جادتِ الأوقاتُ بالفرح ... وأتحفتنا بأسبابٍ من المِنَح من كفِّ ظبيٍ تخيّلناهُ حين بدا ... يحثّ في شربنا والديكُ لم يصِحِ بدراً يُناولنا في الليل من يده ... شمساً من الرّاحِ في صبحٍ من القدحِ أبو عليّ الفرج بن محمد بن الأخوة المؤدّب البغدادي. من الشعراء المشهورين، مشهود له بالفضل الوافر، وحدّة الخاطر، واختراع المعاني الأبكار، وافتراع بنات الأفكار. كان أوحد عصره، في نظمه ونثره. سلس اللّفظ، رائق المعنى، سلس الأسلوب، ذو الدُرّ الجَلوب، والبِشر الخَلوب. توفّي يوم الجمعة، رابع عشر جمادى الآخرة، سنة ستّ وأربعين وخمس مئة. أنشدني الشيخ أبو المعالي الورّاق، قال: أنشدني أبو عليّ بن الأخوة لنفسه، وقد قصد بعض الرؤساء، فاحتجبه: شكري لمحتجبٍ عنّي بل سببِ ... خوفاً من المدحِ شكرُ الروضِ للسّحبِ أعادني والمحيّا ما أُريقَ له ... ماءٌ وخلّصني من كلفةِ الكذبِ وله في غلام نصراني، علي ثوبٌ أحمر: ومُزنّر فتنت محاسنُ وجهِه ... إذ زار في ثوب كلون العندمِ ما زال يجهَد في هلاك حُشاشتي ... متعمّداً حتى تسربلَ من دمي عاتبتُه يومَ الفِراق فقال لي ... أنا لا أرى رَعْيَ الذِّمامِ لمسلمِ وله من قصيدة في شرف الدين أبي القاسم عليّ بن طراد الوزير، الزّينبي: أقولُ لأحبابي وللعيسِ وقفةٌ ... وللبينِ فيما بيننا نظرٌ شزْرُ هَبوني لعينٍ مات فيكم رُقادُها ... فليس له فيها حياةٌ ولا نشْرُ لقد بلغتْ منّا النّوى ما تُريده ... وفرّقَ ما بيني وبينَكمُ الدّهرُ بكيتُ على عصرِ الشباب الذي مضى ... بكاءَ لَبيدٍ ضمّ أرْبدَهُ القبرُ فأثمر دمعي بالغرام كأنّما ... عليه لسِيما دمعه ورقٌ خُضرُ ومنها: إذا شرفُ الدّين استثار مدائحي ... تيقّنتُ أنّ الزّهرَ يُنبتُه القَطرُ يملّى من الأيامِ والمجدِ والعلى ... مكارمُه شفْعٌ ومحتدُه وِترُ وأدنيتَني حتى رفعتَ مكانتي ... كذاك بناتُ البحرِ موضعها النّحرُ إذا ما رجا الإنسانُ عمراً لنفسِه ... رجوتُ لنفسي أن يطولَ لك العمرُ ومنها: نوالُهمُ في عاجلِ الحالِ لي غنىً ... وحبُهُمُ في آجلِ الأمرِ لي ذُخرُ إليك ابنَ أعراقِ الثرى من قلائدي ... فرائدَ لا ينشقّ عن مثلِها البحرُ قصائدُ تأتيكُم بكلّ غريبةٍ ... وكلّ مديحٍ دون مسموعِها هُجرُ دقيقُ المعاني فيكمُ غيرُ ضائع ... كذا في دقيقِ السّلك ينتظمُ الدُرُّ تحيّر فكري في القَريض فما درى ... أشعريَ فيك الوصفُ أم وصفُك البدرُ وله: خُذْ من شبابِك نوراً تستضيء به ... فالشّيبُ إصباحُه في اللهوِ إمساءُ العمرُ عينان عينٌ منه مبصرة ... مع الشّبابِ وعينُ الشّيبِ عمياءُ وربّ ليلٍ مريضٍ كنتَ صحّتَه ... عزّت أواسيهِ أو عزّتْه أدواءُ يسيرُ فيه وفي قلبي أذىً وضنىً ... كأنّني دلَجٌ والسّوءُ إسراءُ والشّهبُ ثغْرٌ وآفاقُ الظّلامِ فمٌ ... والقذْفُ لفظٌ وضوءُ الماءِ سحْناءُ حتّامَ عينُك ما تنفكّ جاريةً ... ماءً ومُقلتُها بالبرقِ قمْراءُ تضرّم البرقُ فيها وهي باكيةٌ ... كأنّها قبَسٌ من حولِه ماءُ وله: يا حاملَ السّيفِ الصّقيل مجرّداً ... في جَفنِه المعشوقِ لا في جفنِهِ اللهَ في كلِفِ الفؤادِ كئيبِه ... والنارُ بين ضُلوعِه من حُزنِه وسجنتَهُ في ناظريك تعمُّداً ... لتُميتَه وحويته في سجنِه وله: ولما أسرّتْ بالوَداعِ وقد دنت ... إليّ ودمعي في ثرى الأرضِ واقعُ هو الدرّ لما أودعته بلفظِه ال ... مسامعَ ألقتها لدَيها المدامعُ

стр. 37

وله في وصف فرس أغرّ محجّل، وقد أجاد: لبِس الصُبحَ والدُجُنّةَ بُرْدَيْ ... نِ فأرخى بُرْداً وقلّص بُرْدا هذا البيت أنشدنيهِ غيرُ واحدٍ عنه. وله: وإنّ شباباً للغواني مُسالماً ... الى النّفس خيرٌ من مشيبٍ مُصانعِ تفرّقتِ الألاّفُ والحُبّ واحدٌ ... كما الأذُن أذنٌ وهْي شتّى المسامعِ وله: خليليّ صبغُ الليلِ ليس يحولُ ... وما للنّجومِ الطّالعاتِ أفولُ خليليّ قُوما فانظُرا هل لديكما ... لقلبي الى قلب الصّباحِ رسولُ لعلّ به مثلَ الذي بي من الهوى ... فتُخفيه عنّي دِقةٌ ونُحولُ ولما التقينا بين لُبنان فالنّقا ... وقد عزّ صبرٌ يا أميْمُ جميلُ ولاحت أماراتُ الوداعِ وبيننا ... أحاديثُ لا يشفى بهنّ غليلُ بكيتُ الى أنْ حنّ نِضْوي صَبابةً ... ورقّ وَجيفٌ للبُكا وذَميلُ وقال الهوى للبَين فيه بقيةٌ ... وقال الغواني إنّه لقَتيلُ وأنشدني الشيخ أبو المعالي الكتبيّ، قال: أنشدني أبو عليّ بن الأخوة لنفسه: أنا الحمامة غنّت في فضائلكم ... فكيفَ أرحلُ عنها وهْيَ بستانُ أخذه من قول ابن الهبّارية: المجلسُ التّاجيّ دام جمالُه ... وجلالُه وكمالُه بستانُ والعبدُ فيه حمامةٌ تغريدُها ... فيه المديحُ وطوقُها الإحسانُ وله: وشاعر تخدُمُه الأشعارُ ... له القوافي العونُ والأبكارُ فُرسانُه قد أنجدوا وغاروا ... في كلّ غارٍ لهمُ مَغارُ ومنها في غاية اللطف: أينَ أُهَيلوكِ الألى يا دارُ ... يبقى الأسى وتنفَدُ الأوطارُ وقرأت بخطّ السّمعاني أبي سعد: أنشدني الفرج بن أحمد لنفسه: ما لي وللدّهر لزّتْني إساءتُه ... كما تُلزّ الى الجرباءِ جرباءُ أساوِدٌ من مساويه تُناقشني ... إن فُهْتُ بيضاء فاهت منه سوداءُ والحظّ يرفعُني طوراً ويخفضُني ... كأنّني من قَوافٍ وهْوَ إقواءُ وبخطّه: أنشدني لنفسه من قصيدة: نعم هذه الدارُ والأنعُمُ ... أتُنجدُ يا قلبُ أم تُتهِمُ وقد يستفيقُ هوىً لا يُفيقُ ... ويشقى الفتى مثلما ينعَمُ وقفنا وقد ضرعَتْ للنّوى ... مدامعُ لو أنّها ترحَمُ وفوق الرِّكابِ غُلاميّةٌ ... كما ذُعِر الشّادِن المِرجَمُ تصابِحُ روضاً كأنّ الحبي ... رَ والوَشْيَ من حوْكه يُرقَمُ بكت لؤلؤاً كاد لو أنّه ... تماسَك في جيدِها يُنظَمُ وشتان ما بيننا في البكا ... ودمعُك ماءٌ ودمعي دمُ فقالَ الهوى لدواعي الغرا ... مِ إنّ بنا هلَكَ المغرَمُ من الرّكْبِ تلوي سناتُ الكرى ... رقابَهمُ كلّما هوّموا يناجون بالمُقَل الفاترا ... تِ سماءً مسامعُها الأنجمُ يقصّون من لفَظاتِ الجفو ... نِ أحاديثَ لو أنّها تفهمُ وله من قصيدة: دمي الذي صار مسكاً في نوافجها ... فكيفَ تنفِرُ عنه وهْيَ غِزلانُ ومنها: روضاتُ حسنِك في عينيّ مونِقةٌ ... تسقى بماء جفوني وهْيَ صِنْوانُ مقدار بن بختيار أبو الجوائز المطاميري شاعر الدولتين: المستظهرية، والمسترشدية. ومدح صدَقة. وكان له قبول عند الأماثل، خاصّة عند جمال الدولة إقبال الخادم المسترشديّ. أبو الجوائز مقدار ساعده المقدار في الأمور، ورُزق جوائز الأكابر والصدور. وسمعت أنّه كان يحبّ الخمول، ولم يزل خلَق الثّياب. شعره رقيق، بالثّناء عليه حقيق. وقد سارت له هذه القطعة، أنشدنيها، وهي: ومجدولةٍ مثلِ جدْلِ العِنانِ ... صبوتُ إليها فأصبَيْتُها إذا لام في حبّها العاذلا ... تُ أسخطتُهُنّ وأرضيتُها

стр. 38

كأنّي إذا ما نهيتُ الجفونَ ... عن الدّمع بالدّمع أغريتُها فلو أنّني أستمدّ البحورَ ... دموعاً لعينيَ أفنيتُها ولو كان للنّفسِ غيرُ السّلوّ ... عنكِ دواءٌ لداويتُها وأخبرنا الشيخ أبو الحسن عليّ بن أحمد بن الحسين بن اليزْدي فيما أجازه لنا، قال: أنشدني أبو الجوائز: سرّ هوىً لم يذِعِ ... لولا وُشاةُ أدمُعي ينشُرن من داءِ الغرا ... مِ ما طوته أضلُعي قالوا جزِعْتَ والفِرا ... قُ آمري بالجزَعِ حتى استسرّ آفِلاً ... كلّ منيرِ المطلَعِ أنجدَتِ الدارُ بهم ... وأتهمَ الوجْدُ معي لم يكُ عهدي بالحِمى ... أوّلَ عهدٍ ما رُعي ولا وقوفي سئلاً ... ذاتَ خشوعٍ لا تعي كم شفَع الوجدُ بها ... من أنّةٍ بمصرعي لا رام قلبي سَلوةً ... عن ريم ذاك الأجرَعِ ولا أصاخَ سامعاً ... للعذْلِ فيه مسمعي لهفي على رُضابِه ... والبرَدِ الممتِّعِ لهفَ العطاشِ حُوّماً ... على بَرودِ المشرَعِ يا ليتَ إيماضَ البُرَيْ ... قِ عن يمين لَعْلَعِ لما بدا اختلاسُه ... لناظري لم يلمَعِ فلم أشِمْ وميضَهُ ... لمّا أقضّ مضجَعي وساجعٍ لولا اغترا ... بُ إلفِه لم يسْجَعِ يدعو فيستدعي الهوى ... لكلّ قلبٍ موجَعِ وله في غلام أمرد، مجروح الخدّ، وأحسن: وأغيدٍ تخجلُ شمسُ الضُحى ... من وجهه والغصنُ من قدّهِ جرّد سيفَ اللّحظِ من جفْنه ... فعادَ بالجرحِ على خدّه وله في العِذار، وأغرب: وكأنّ خيطَ عِذارهِ لما بدا ... خيطٌ من الظّلماء فوقَ صباحِ وكأنّ نملاً قيّدت خُطُواتِه ... في عارضيْهِ فدبّ في الأرواح هذا في رقّة الماء الزُلال، ودقّة السحر الحلال. وأنشدني أبو الفتح نصر الله بن أبي الفضل بن الخازن لمقدار بن المطاميري: إنْ حالَ في الحبِّ عما كنتُ أعهدُه ... وباتَ يرقدُ ليلاً لست أرقدُهُ فلا طويتُ الحشا إلا على حرَقٍ ... يبلى من الصّبرِ عنهُ ما أجدّدُهُ يا عاذلي إنّ يومَ البيْن ضلّ هوى ... قلبي المُعنّى فقل لي أين أنشدُه زار الخيالُ طَليحاً طالما أنِسَتْ ... جُفونُه بالكرى أو لانَ مرقدُه ألاً به زائراً تُدنيه من جسدي ... ضمائري وخُفوقُ القلبِ يُبعدُه وله في امرأة طويلة الذّوائب: وفَينانةِ الفرْعِ فتّانةٍ ... تُطيلُ على الهجْرِ إقدامَها تعجّبَ من مشيِها شعرُها ... فقبّلَ في المشي أقدامَها وله: لقد سلبَتْ عقلي الغداةَ وليتَها ... غديّةَ بانَ الحيُّ لم تستلبْ عقلي أرى العذْلَ يحلو عندَ سمعي لذكرها ... وإن كان لا شيءٌ أمرّ من العذلِ وله، وقد ألمّ فيم ببيتيْ ابن حيّوس: قرائنُ لا فَضَّ الزمانُ اجتماعَها ... ولا اخلفتْ ما راعَ أمنَ الدُجى فجرُ عُفاتُك والجدوى وقدرُك والعلى ... وعدلُك والدنيا ووجهُك والبِشرُ وبيتا ابن حيّوس، هما: ثمانيةٌ لم تفترقْ مُذْ جمعتَها ... ولا افترقتْ ما ذبّ عن ناظرٍ شفْرُ يقينُك والتّقوى وجودُك والغِنى ... وهمّكَ والعليا وعزمُك والنّصرُ وحكي عنه: أنّه كان واقفاً عند سيف الدولة صدَقة المزْيَدي، والقائد أبو عبد الله السِّنْبِسيّ يُنشده قصيدته التي منها: فعُدنا وقد روّى السلامُ قلوبَنا ... ولم يجرِ منا في خروقِ المسامعِ ولم يعلَمِ الواشونَ ما كان بيننا ... من السرِّ لولا ضجرةٌ في المدامعِ

стр. 39

فطرِب لها سيف الدّولة، وما ارتضاها مقدار، فقال سيف الدولة: يا مُقَيدِيرُ، ما تقول؟ قال: أقول خيراً منه. قال: أخرج من عهدة دعواك. فأنشد مقدار في الحال هذه الأبيات على الارتجال، وهو سكران، وهي: ولمّا تناجَوا للفراق غديّةً ... رمَوا كلّ قلبٍ مطمئنّ برائعِ وقفنا ومنّا حنّةٌ بعدَ أنّةٍ ... تقوِّمُ بالأنفاسِ عوجَ الأضالعِ مواقفَ تُدمي كلّ عشواءَ ثرّةٍ ... صَدوفِ الكرى إنسانُها غير هاجعِ أمِنّا بها الواشينَ أن يلهَجوا بنا ... فلم نتّهم إلا وُشاةَ المدامعِ وأعطاني سديد الدولة بن الأنباريّ قصيدة لمِقدار فيه، في دَرْج بخطّه، فنقلتها منه. وهي: أهدى خَيالاً الى خيالِ ... محكِّمُ الهجْرِ في وِصالي فبات زُورُ الكرى يُريني ... مقتنصَ الأُسدِ في حِبالي يا ليلةً ساعفتْ مَشوقاً ... فداءُ ساعاتِك الليالي أعطيتِ كل المُنى فشكراً ... لِما توخّيتِ من فَعالِ وفي قِباب الرِّكابِ بدرٌ ... تاهَ جمالاً على الجمالِ هزّ قضيباً على قضيبٍ ... رغّب في الوجْدِ كلّ سالي كم راعني في الصّباح غدراً ... وفي ظلام الدُجى وفَى لي إذا رنا من كَحيل طرْفٍ ... أغزلَ من مُقلةِ الغزالِ أرخصَ قتلَ النّفوسِ عُجبً ... وهي على غيره غَوالي في خدّه للجمال خالٌ ... قلبي من الصّبر عنه خالي علّمني حُسنُه خضوعاً ... علّمهُ عِزّةَ الدّلالِ يا صاحبي والأبيّ منْ لا ... يُخطِرُ خوفَ الرّدى ببالِ كم يأكلُ الغِمدَ غرْبُ ماضٍ ... يَغْنى بغربَيْه عن صِقالِ ويشتكي والشّكاةُ مما ... ينوبُ عارٌ على الرّجالِ الفخرُ في كسبك المعالي ... والمجدَ ما الفخرُ كسبُ مالِ قد أمِنَتْ من خطوبِ دهري ... جوانحي عائرَ النِّبالِ أو ينتحيني الزّمانُ كيداً ... يُعيرُ إقدامه احتمالي واليومَ أعطى الأمانَ سرْبي ... من طُلسِهِ والقُوى حبالي لما تفيّأتُ ظِلّ عزٍّ ... غيرَ مُصيخٍ الى انتقالِ وعاد هَضْبي عن اللّيالي ... أمنعَ من أعصم الجِبالِ تستغرقُ السّهمَ لي حِذاراً ... يا نابلَ الدّهرِ عن نِصالي إنّ ابنَ عبدِ الكريم أحيا ... بجوده أعظُمي البوالي خوّلني أنعُماً جِساماً ... تصونُ وجهي عن السُؤالِ ونائلاً يفضُلُ الغوادي ... فضلُ يمينٍ على شِمالِ فما أُبالي أضنّ بُخلاً ... أم جاد بذلاً أخو نَوالِ يا راكباً يقطعُ الفَيافي ... وخْداً بمأمونة الكَلالِ ناجيةً تقصُرُ الموامي ... ذَرعاً على الأذرُع الطِّوالِ كأنّها مُعصفٌ طَلوبٌ ... تشرَعُ في عاصفٍ شمالِ تبغي النّدى والنّدى مُباحٌ ... حيثُ اطمأنّت به المعالي عندَ أمينِ الملوكِ أمنٌ ... لناشدِ الجودِ من ضلالِ لاذَ بنُعماهُ حسنُ ظنّي ... فآلَ منه الى مآلِ فانتاشني ناشطاً عِقالي ... وراشَني مُحسناً لحالي وعمّني سَيْبُ راحتَيْه ... لأنّه خصّ بالكمالِ مؤيّدَ الدّين دُمْ لعافٍ ... أشرفَهُ الدهرُ بالزُلالِ ناجاك عن كاهلٍ طَليحٍ ... عجّ بأعبائه الثِّقالِ فاستنقذْتهُ من اللّيالي ... يداك بالأنعُم الجِزالِ واستجلِ غرّاءَ بنتَ فكرٍ ... تُزَفّ معْ غُرّة الهلالِ تَزينُ ألفاظَها معانٍ ... تُلهي مَلولاً عن المَلالِ

стр. 40

تضوعُ أنفاسُها فيُنسي ... نسيمُ أنفاسِها الغَوالي كأنّ كلّ القلوبِ قلبٌ ... صَبا الى سحرِها الحلالِ تسهُلُ ألفاظُها ولكن ... غايتُها صعبةُ المَنالِ تضمَنُ أمثالُها التّهاني ... لمُعوِزِ الشِّبهِ والمثالِ ما كرّ عامٌ عَقيبَ عامٍ ... بلا انتقاصٍ ولا زوالِ ونقلتُ من مجموع قصائد في مدح جمال الدّولة في الأيّام المسترشدية، منها: أذالَ صونَ أدمعي في الدِّمَنِ ... حبسُ المطيِّ بعدَ بيْنِ السّكَنِ أنشُدُ قلباً مُتهِماً أضلّه ... مُنجِدُه عنه شموسُ الظّعُنِ وفي القِباب غادةٌ محجوبةٌ ... بالصّافناتِ والعوالي اللُّدُنِ إن نظرت أراك رئماً طرْفُها ... أو خطرَتْ أرَتْك قدّ الغُصُنِ تبسِمُ عن ذي أُشُر رُضابُه ... صهباءُ شُجّتْ بضَريب المُزَنِ وإن رنت فمُقَلٌ عُذريةٌ ... تُقيمُ في الأحياء سوقَ الفِتنِ يعذُبُ لي فيها العذابُ والهوى ... يحسُنُ فيه كلّ ما لم يحسُنِ كم فرّقتْ من جلَد وجمعت ... يومَ النّوى بين حشا وشجَنِ لِظاعِنِ الصّبرِ حواه قاطنٌ ... مستأنسُ الدمعِ نَفورُ الوسَنِ ماذا على ذات اللّمى لو نقعَتْ ... ببرده غُلّةَ قلبي الضّمِنِ آهٍ لإيماض البُرَيْقِ كلّما ... عنّ لعيني موهِناً أرّقني وللنّسيم الحاجريّ كلّما ... صحّ سُرَى هبوبه أمرضني هذا اللِّوى وذاك عذبُ مائِه ... إن لم تذُدٌ عنه فرِدْه واسْقِني يدلّ أنفاسُ الصّبا طَليحَه ... عليه والعاذلُ قد أضلّني يزعُمُ أنّ لومَه نصيحةٌ ... وهْوَ بها مُناصحاً يغُشّني يا حاديَ العِيسِ وراءَ عيسِكم ... قلبٌ يُلَزُّ والشّجا في قرَنِ دُلّوا على جَفني الكَرى لعلّه ... على خَيالٍ منكم يدُلّني ليتَ حُلولاً باللِّوى تحمّلوا ... من الضّنى ما حمّلوه بدَني أعذِلُ فيه كبِداً مشعوفةً ... على السُلوّ عنهمُ تعذلُني يُنكرني الدّهرُ وسوفَ أمتطي ... غاربَ يومِ أيْوَمٍ يعرِفُني أشرفَ بي حتى إذا تنسّمت ... هضابَهُ أخامِصي أزلّني كم خفيت عنّي الأسودُ خيفةً ... فاليومَ كلّ أغضَفٍ ينبَحُني مالي أغالي في الصّديق تائهاً ... وهْو على سوْمِ العِدا يُرخصُني يفوِّقُ السّهمَ وسهمي أفوقٌ ... غدراً على بِرّي له يعُقّني فما أُبالي والوفاءُ شيمتي ... كيفَ ثَنى الزمانُ عِطفَ الأخوَنِ علّقتُ أطماعي فما تُسِفُّ بي ... ولا أمُدّ صفقةً للغبَنِ وشامَ طَرْفي والبُروقُ خُلّبٌ ... بارقةً وميضُها يصدُقُني شكراً لمن أنطقني سماحُه ... مُطّرداً والدهرُ قد أجرّني حسبي ندَى أبي السّعودِ نُجعةً ... فقد كفاني محسناً وكفّني مفرِّقٌ شملَ النُضارِ جامعٌ ... بين الفروضِ للعُلى والسُنَنِ يُسرفُ في الجودِ إذا ما حسّنتْ ... عُذْرَ الجوادِ حادثاتُ الزّمن غيثٌ إذا سُحْبُ الغيوثِ أجدبت ... طوّق أعناقَ الرّدى بالمنَنِ ذو عاتقٍ يضفو نِجادُ سيفِه ... بأساً على يعرُبَ أو ذي يزَن أثبتُ والموتُ يُزلُّ خطوَه ... يومَ يخوضُ غَمرةً من حضَنِ تحمَدُ منه الخيلُ ذا حفيظةٍ ... إذا الجيوشُ جبُنت لم يجبُنِ يجنُبُها نواصعاً حُجولُها ... وينثني وهي قواني الثُّنَن
следующие страницы →