← Адаб

Адаб · id 12815

خريدة القصر وجريدة العصر - أقسام أخرى

العماد الأصبهاني الكاتب

Полный текст (895 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

كثَّرَ حُسّاديَ حتى لقَدْ ... تنبّه الهاجد والغافل وكاد يُعْطي في نَداه الصِّبا ... لو أَنّ شيْباً بالنّدى ناصل القائدُ الخيلَ، مغافيرُها ... يزأَرُ فيها الأَسد الباسلُ مُشَمِّرٌ للبأس عن ساقه ... والجيش في عِثْيره رافلُ ماضٍ فما أَورد صادي القنا ... إِلاّ تروّى الأَسَلُ النّاهل يناهز الأَعداء مَنْ عُرْفُهُ ... غازٍ بأَنفال العُلى قافِل لم ينجُ مِنْ سطوته عاندٌ ... ولم يَخِبْ في ظِلِّه آمل يُزْجي الندى حتّى إِذا ما اعتدى ... فالدَّمُ من سطوته هاطلُ ما ساجَلَتْهُ المُزْن إِلاّ انثنى ... مُسْتحيِياً مِنْ طَلِّه، الوابلُ لا يتناهى فَيْضُ معروفِه ... وأَيُّ بحرٍ ما لَهُ سحلُ سَما به نابِهُ آبائِه ... حينَ أَسَفّ النسب الخامل وامتاز بالعلم على أَهله ... وهل يساوي العالمَ الجاهل يا مُحْييَ العدل ويا مُسْرِف البذل فأَنت الجائر العادل يا أَنصتَ الناسِ إِلى حكمةٍ ... يقبلها مَنْ سَمْعُه قابِل عَلا بك الفضلُ ذرى هِمَّةٍ ... عن غُرَّة الشِّعْرى لها كاهل لولا سنا فضلك يَجْلو الدُّجى ... ما عُرِف المفضولُ والفاضل ولم يغامر جودَك المعتفي ... ولم يجانب مجدَك العادل فمن يكن خَصَّ بمعروفه ... فأَنت مَنْ إِحسانُه شاملُ بوركتَ من غيثٍ إذا ما همى ... روَّض منه الأَمَلُ الماحِل إِنْ هزَّك العزمُ فيا طالما ... أُرهِف منك الصارمُ القاصِل سيفٌ متى أَمّ نفوس العِدى ... صمَّم، والنّصر بها كافل فكنتَ كالشّمس سمَتْ إِذ سَمتْ ... ونورُها في أُفقها ماثل وَأَيْنَ يَنْأَى من قلوب الورى ... مَن حُبّه في كلِّها نازل فابْقَ حَياً يُنْبِت رَوْضَ المنى ... وأَيْن مِنْ أَفعالك القائل ودُمْ فما دُمْتَ منارَ الهُدى ... فللمعالي سَنَنٌ سابل وأنشدني له بعض أصدقائي من فقهاء الشام، بيتين ألطف من نسيم الصبا، وأطرف من نعيم الصبا، في وصف مغن، وشادن شاد أغن، وهما: والله لو أَنصف الفتيان أَنفسَهم ... أَعطَوْك ما ادّخروا منها وما صانوا ما أَنت حين تُغنّي في مجالسهم ... إِلاّ نسيمُ الصَّبا والقومُ أَغصانُ ما أحسن تشبيهه الشادي بالنسيم للطافته، ورقة أنفاسه، وتقتير ألحاظه، وتكسير ألفاظه، وسلاسة خلقه، ورشاقة خلقه، والسامعين بالأغصان التي يرنحها النسيم لتمايلهم وتساكرهم، واهتزازهم لشدوه، وتطربهم لغنائه. وله في غانية رومية نصرانية: كم بالكنائِس مِنْ مُبَتَّلَةٍ ... مثل المَهاةِ يَزينُها الخَفَرُ مِنْ كلِّ ساجدةٍ لصورتها ... لو أَنصفت سجدتْ لها الصُوَر قدّيسَةٌ في حبل عاتقها ... طولٌ، وفي زُنّارها قِصَر غَرَسَ الحياءُ بصحن وَجْنَتِها ... وَرْداً سقى أَغصانه النَّظرُ وتكلّمت عنها الجُفون فلوْ ... حاورتَها لأَجابك الحَوَر وحَكَتْ مدارِعُها غدائرَها ... فأَراك ضعفيْ ليلةٍ قمرُ وأنشدني له الواعظ الرحبي من قصيدة: في طاعة الحب ما أَنفقتُ من عُمري ... وفي سبيل الهوي ما شابَ من شَعَري طال الوُقوف على ضَحْضاحِ نائلكم ... وغُلَّة الصّدر بين الوِرد والصَّدرِ كم قد أَماتَ الهوى شوقي وأَنشره ... عن يأْس منتظِرٍ أضو وعد منتظَر بمُهْجتي وبصَحْبي كلُّ آنسةٍ ... تبيت نافرةً منّي ومِنْ نَفَري أَما ترى سُنَّةَ الأَقمار مُشْرقةً ... في لِمَّتي، فبياض الليل للقمر

стр. 177

هَبْني أُخلِّصُ جسمي من مُعَذِّبه ... فمن يخلّص قلبي من يَدَيْ نظري فيا نسيم الخُزامى هُبَّ لي سَحَراً ... لعلَّ نَشْرك مَطْوِيٌّ على خَبَر واحذر لسان دُموعي أَنْ تَنِمَّ به ... فإِنَّ سرّيَ من دمعي على خَطَر وأنشدني له من أخرى: لله نِسبة أَنفاسي إِلى حُرَقي ... إِذا النسيم إِلى رَيّا الحِمى انتسبا أَهكذا لم يكن في الناس ذُو شجَنٍ ... إِلاّ صَبَا كلّما هبّت عليه صَبَا أَحبابنا عاد عيدُ الهمّ بعدَكمُ ... تباعدتْ دارُكم في الحُبّ واقتربا ما بالُ سَلْوةِ بالي لا تَسُرُّكُمُ ... حتى كأَنّ لكم في راحتي تعبا ما خانكم جَلَدي إِلاّ وَفى لكمُ ... قلبٌ متى سُمْتُه ترك الغرام أَبى ومن أخرى مجنسة سلسلة، مختلسة، وللعقول مفترسة: أَما وكأْسٍ تَشِفُّ عن ثَغَرِ ... يَبْسِمُ عُجْباً بوَرْدَتَيْ خَفَرِ يحميهما صارمٌ مضاربهُ ... مِنْ كَحَلٍ والفِرَنْدُ مِنْ حَوَرِ لقد عصيتُ المَلام في رشإٍ ... مَلَّكَه القلبَ طاعةُ البصر تُنافِسُ الخيزُرانَ قامَتُهُ ... ليناً ولوناً في اللّمس والنظر دِقّةُ كَشْحٍ، وبَرْدُ مُرْتَشَفٍ ... فوا غرامي بالخَصْر والخَصَرِ وذي سهام تُصْمي بغير يدٍ ... على قِسِيٍّ ترمي بلا وَتَرِ وكيف تُخْطى القلوبَ مُرهَفةٌ ... تُراش بين القضاءِ والقَدَرِ نوافذٌ تُنْهِر الفُتوقَ دماً ... ولا تَرى للجراح مِن أَثرِ يا مُسْهِري واصِلاً ومُجْتَنِباً ... والصبُّ ما بين ليلتيْ سَهَر إِذْ لا ترى العين فرقَ بينِهما ... إِلاّ بطُول السُّهادِ والقِصر لا عَذَلٌ فيك بات لي سَمَراً ... يا حبَّذا العذْلُ فيك من سَمَر ومن أخرى: أَما لو كان لحظُك نصلَ غِمْدي ... لَبِتُّ وثأْرُ صَرْفِ الدهر عندي ولو كان ابتسامُك حدَّ عزمي ... فللتُ نوائبَ الأَيّام وحدي إِذاً لَلَقيتُ عادِيةَ اللّيالي ... على ثقةٍ وجُنْدُ هواك جُنْدي ولكن أَنت والأَيّامُ جَيْشٌ ... على مُتخاذِل الأَنصار فَرْد عَذيري مِنْ هوَى ونوَى رمى بي ... عِنادُهما على وَجْدٍ ووَخْدِ وأَغْيَدَ بات مُتّشِحاً بثغرٍ ... على نَحْرٍ ومُبْتَسِماً بِعقْد أَصُدُّ عَذولَه ويصُدُّ عني ... فما أَنفكُّ من غَمَراتِ صَدّ وأَشكو ما لقيتُ إِلى سَقامٍ ... بِعَيْنيْه فلا يُعدي ويُعدي متى أَرجو مُسالَمة اللّيالي ... وهذا مَوْقِفي من أَهل ودّي ولو أَني أُلاقي ما أُلاقي ... بمَجْد الدين صُلْتُ بأَيِّ مَجْدِ ووجدت في كتاب لمح الملح لأبي المعالي الكتبي هذه الأبيات منسوبة إلى القيسراني من قصيدة في التجنيس: نافرته البيضاء في البيضاء ... وانفصال الشباب فصْلَ القضاءِ حاكمَتْه إِلى مُعاتبِة الشَّيْب لِتَستمطرَ الحَيا بالحَياءِ فاستهلّتْ لِبَيْنِها سحبُ عيْنيْهِ، ويومُ النَّوى من الأَنواءِ يا شباباً لَبِسْتُه ضافيَ الظلُّ، وتبلى مَلابس الأَفياءِ كان بَرْدُ الدُّجى نسيماً وتهويماً فأَذكته نفْحَةٌ من ذُكاءِ ومنها في المدح: مَنْ لهُ طاعةُ الصّوارِمِ في الحر ... ب ولَيُّ الأَعناقِ تحت اللّواءِ مِنْ مَساعٍ إِذا استغاث به الآ ... مِلُ لَبّى نَداه قبل النِّداءِ وكأَنَّ القَباء منكَ لما ضَمَّ مِنَ الطُّهْر مَسْجِدٌ بقُباءِ وكنت أحب أن تحصل لي قصيدته البائية التي أوردت بيتيها في صدر ذكره إلى أن طالعت المذيل للسمعاني، عند ذكره للقيسراني، وفيه: أنشدني محمد بن نصر العكاوي بنواحي حلب لنفسه:

стр. 178

سقى اللهُ بالزَّوْراءِ من جانب الغَرْب ... مَهاً وَرَدَتْ عين الحياةِ من القلبِ عفائفُ إِلاّ عن مُعاقَرَةِ الهوى ... ضعائف إِلاّ في مُغالبة الصَبّ عقائلُ تخشاها عُقيلُ بنُ عامرٍ ... كواعبُ لا تُعْطي الذِّمام على كَعْب إِذا جاذَبَتْهنَّ البوادي مَزِيّةً ... من الحسن شَبَّهْن البراقع بالنَّقْب تظلَّمْتُ من أَجفانهن إِلى النَّوى ... سفاهاً وهل يُعدي البِعاد على القُرب ولما دنا التوْديعُ قلتُ لصاحبي ... حنانَيْك، سِرْ بي عن مُلاحظة السِّرب إِذا كانت الأَحداقُ نوعاً من الظُّبى ... فلا شكّ أَن اللحظ ضَرْبٌ من الضَّرْبِ هَبُوني تعشَّقْتُ الفِراق ضَلالةً ... فأَصبحت في شِعبٍ وقلبيَ في شِعبِ فما لي إِذا ناديتُ يا صبرُ مُنْجِداً ... خُذِلتُ، وَلَبَّى إِن دعا حُرقةً لُبّي تقضّى زماني بَيْنَ بَيْنٍ وهِجْرَةٍ ... فحتّامَ لا يصحو فؤاديَ مِنْ حُبِّ وأَهوى الذي يهوي له البدرُ ساجداً ... أَلستَ ترى في وجهه أَثر الترب وأَعجبُ ما في خَمْر عَينيْه أَنها ... تُضاعف سُكْري كلما قلّلتْ شُرْبي إِذا لم يكن في الحُبّ عندي زيادةٌ ... تُرجّى فما فضل الزيارة عن غَبّ وما زال عُوّادي يقولون من بهِ ... وأَكتُمهم، حتى سأَلتهمُ من بي فصِرتُ إِذا ما هزّني الشوق نحوهم ... أَحلت عَذولي في الغرام على صَحْبي وقرأت في تاريخ السمعاني: أنشدنا أبو عبد الله القيسراني لنفسه بدير الحافر، منزل بين حلب وبالس: رنا وكأَنّ البابليّ المصفَقا ... ترقرق في جفنيْه صِرْفاً مُعَتَّقا وردّ يداً عن ذي حَباب مُرَنَّق ... وحيّا به مِنْ وَجنتيْه مُرَوَّقا وبات، وشمسُ الكأْس في غسق الدجى ... تقابل منه البدرَ في بانة النَّقا ولي عبرات تستهلُّ صَبابةً ... عليه إِذا برق الغمام تأَلّقا أَلفت الهوى حتى حلت لي صروفهُ ... وربّ نعيم كان جالبَه شقا أَلذّ بما أَشكوه من أَلم الجَوى ... وأَفْرَق إِنْ قلبي من الوجد أَفرقا وأَذهل حتى أَحسب الصَدَّ والنوى ... بمُعْتَرَك الذكرى وِصالاً ومُلْتقى فها أَنا ذو حالين: أَمّا تلدّدي ... فحيٌّ، وأَمّا سَلوتي فلكَ البقا ولما وصلت إلى الشام والتسبت بالتخدمة النورية، وجدت موفق الدين خالداً ولد القيسراني صدر مناصبها، وبدر مراتبها، ونجم كواكبها، بل شمس مواكبها. وجمعت بيني وبينه الصحبة، وضمتني إليه الرتبة، وتمهدت المحبة، وكان مستوفي المملكة وأنا منشيها تارة ثم مشرفها. ثم لما سيره نور الدين إلى مصر، قمت بعده بجميع الأمر، وكان نور الدين رفعه واصطنعه، وبلغ منه مبلغاً من الأمر كأنه أشركه في الملك معه، ولقد كان لبيقاً بذلك، حقيقاً به، وما زلنا سفراً وحضراً نتناشد ونتذاكر، ونتجاذب أطراف الحديث ونتحاور، ولعله قد أتى في الإنشاد على معظم شعر والده مذاكرة، وكنت أشاطره زماني في التصافي مشاطرة، وإنه قد بلغ إلى حد خدمه ممدوحو والده وقصدوه، ورجوه واجتدوه، وكأنه أنف من مدح والده لهم، وكره لنفسه كيف قصدهم وأملهم. ثم نظرت في ديوان القيسراني فألحقت بما سبق، وما وصل إلي من هذا النسق، وجلوت بزهر سوائره الأفق، وحليت بما راق ورق الورق. فمن ذلك قوله: عن خاطري نبأ الخيالِ الخاطرِ ... فأعجب لزورةِ واصلٍ من هاجرِ لم يعْدُ أَنْ جعل الرُّقاد وسيلةً ... فأَتى الجوانحَ من سَواد النّاظر ومنها: ولقد علمتُ على تباريح الجوى ... أَنّ السُّلُوَّ خرابُ قلبٍ عامر وإِذا استقلّ عن الفؤاد قطينهُ ... لم يبق منه سوى محلٍ داثر وله من قصيدة:

стр. 179

دعوا للحُمَيّا ما استباحتْه من عَقْلي ... فإِني رأَيت الحظّ في حيّز الجهل ومنها: وما زالت الأَيام يجري نظامُها ... على العكس حتى أُدْرِكَ الجِدُّ بالهزل وهل في فؤادي فَضلةٌ تَسَعُ الهوى ... وما العِشق إِلاّ شُغْل قلبٍ بلا شغل إِذا أَنت لم يصحبك إِلاّ مُهذَّبٌ ... فخِلُّكَ من أَمسى وحيداً بلا خِلِّ فَدَعْ لذوي الأَموال ما اغتبطوا به ... وَصُنْ ثمراتِ الفضل بُخْلاً على الفضل فإِنّ الفتى من غادرتْه خلالُه ... فريداً وإِنْ أَضحى من الناس في حَفْل وله من قصيدة: أَرضى اليسيرَ، وما رِضاكَ يَسيرُ ... أَنا في الهوى غِرٌّ، وأَنت غريرُ ولو اقتصرت على حُشاشة مُغْرمٍ ... وافاك من مأْسورك الميسور ما أَذعنتْ لك في فؤادي طاعةٌ ... إِلاّ وأَنتَ على القلوب أَمير ضمنتْ ثناياك العذابُ مَخافتي ... فهل الثّغور الضاحكات ثُغور وله من أخرى: خذوا حديث غرامي عن ضَنا بدني ... أَغنى لسانُ الهوى عن دمعيَ اللَّسِنِ وخبّرونيَ عن قلبي ومالِكِه ... فربّما أَشكل المعنى على الفَطِن ومنها: هذا الذي سلب العشّاقَ نومَهم ... أَما ترى عينَه ملأَى من الوَسَن أَمسى غرامي بذاك القدّ يوهمني ... أَنّ اعتلال الصَّبا شوقٌ إِلى الغُصُن ومنها في المدح: أَرى الوفودَ رباعَ الجودِ عامرةً ... من بعد ما وقفوا منها على دِمَنِ ومنها: قومٌ إِذا ناظروا عن سَرْح جارهُمُ ... تكلّمتْ أَلسنُ الخطيّة اللُّدُنِ وله من قصيدة في مدح وزير أولها: لو كان سِرُّك للوُشاة مُعَرَّضا ... لم أُغْض من دمعي على جمر الغَضا ومنها: وإِذا سقى فمُه الرحيقُ مُقَبَّلا ... حيّا بتُفّاح الخُدود مُعَضَّضا ما اسودّ في يوم الصُّدود فإِنهُ ... يلقاك في ليل التواصل أَبيضا هذا وكم جاريت في طَلَق الصِّبا ... سَلِسَ القياد وكان صعباً، ريّضا عاقرتُ مُبْهَمَ عَتْبه حتى بدت ... غُرر الرضاءِ على خلال أَبي الرضا هو جلال الدين أبو الرضا بن صدقة وزير المسترشد: لو لم يكن لِبَنانه شِيَمُ الحيا ... ما أزهر القرطاس منه وروّضا ما جاش في صدر المُلَطَّف صدرُه ... إِلاّ ظننت الجيش قد ملأَ الفضا وله من قصيدة: ما هذه الحَدَقُ الفواتنْ ... إِلاّ سهامٌ في كنائنْ ومنها: وأَغنّ غنَى مُحْسِناً ... فعجبت من شادٍ وشادنْ ما غرَّدتْ حركاتُه ... إِلاّ تراقصتِ السّواكنْ يا مودِعاً قلبي هوا ... هـ توقّ دمعي فهو خائنْ ومنها: وحللتَ قلباً خافقاً ... يا ساكناً في غير ساكن أَترى لمن أَوْليتَه ... حربَ العواذل أَن يُهادن إِنْ خاف قلبي في هوا ... ك فأَمرُ جاه الحبّ واهن وإِن استجار فإِنّ جا ... رك يا ضياء الدين آمن وله من قصيدة في سديد الدولة ابن الأنباري: مع الركب أَنباءُ الحِمى لو يُعيدُها ... لهيّج مفتوناً بها يستعيدها خليليّ، هل لي في الرفاق رسالة ... يذكرني العهدَ القديم جديدُها ومنها: تَهُبّ صَباكم ليس بين هُبوبها ... وبين رُكودِ النفس إِلاّ رُكودُها ومنها في المدح: ويسري هواكم في البُروق، وإِنما ... وَقود الحشا إِمّا استطار وقودها لِيَهْنِكَ مأثور الوغى عن خلافةٍ ... بك اخضرّ واديها وأَوْرقَ عودُها وأَنّى تخافُ الضيم دولةُ هاشم ... وآراؤك الأَنجاد فيها جنودها وكيف يغيب النصر عنكم بوقعةٍ ... ملائكةُ الله الكرامُ شُهودها إِذا فتنةٌ للحرب أُسعِر نارها ... فإِنّ ضِرام المُرْهَفات خمودُها ومنها:

стр. 180

بدأتَ بإِحسانٍ فَجُدْ بتمامه ... فمثلك مُبدي مِنّةٍ ومُعيدها وله من أخرى مطلعها: يَشيمُ هواكم مُقلتي فتَصُوب ... ويرمي نَواكم مُهجتي فتُصيبُ ومنها: تلقَّوْا تحياتي إِليكم عن الصَّبا ... إِذا حان من ذاك النسيم هبوب ومنها: وليلةَ بِتْنا والمهاري حواسِرٌ ... يُزَرُّ عليها للظلام جُيوبُ فبِتْنَ يُبارين الكواكبَ في الدُّجى ... لهنّ طُلوعٌ بالفلا وغروب نَواصِل من صِبْغ الظلام كما بدا ... لِعينكَ من تحت الخِضاب مَشيب خوافق في صدر الفضاء كأنها ... وقد وَجَبَتْ منها القلوب، قلوب سوانح في بحريْ سَرابٍ وسُدْفةٍ ... لهنّ اعتلاءٌ بالضحى ورسوب فليت ابن أُمّي، والكواكبُ جُنَّحٌ ... يرى أَنني فوق النجيب نجيب وأَني صرفتُ الهمّ عني بهمّةٍ ... تفرّى دُجىً عن صُبحها وكروب وأَن سديد الدولة ابنَ سديدها ... جلا ناظري منه أَغرُّ مَهيب نسيب المعالي، يطرب القومَ مدحه ... كأَنّ الثناء المَحْض فيه نسيب له خُلُقٌ تُبدي الصَّبا منه غيرةً ... يكاد إِذا هبت عليه يذوب وثغرٌ إِلى جَهْم المطالب ضاحكٌ ... وصدرٌ على ضيق الزمان رحيب وله من قصيدة في تهنئة عز الدولة ابن منقذ بالسلامة من جرح ناله: كلُّ دعوى شجاعةٍ لم تؤيّدْ ... بِكلامِ الكِلامِ دعوى مُحالُ لا يَرُعْك الصِّقال في السيف حتى ... يَنطِق الفَلّ شاهداً للصِّقال لو تكون السهام تُحسِنُ قصداً ... عرّجتْ عن مقاصد الآمال غادر البأْسُ في جبينك منه ... أَثراً لاح في جبين الهلال لا يجلّي دُجى الحوادث إِلا ... غُررُ الحرب في وجوه الرّجال في مقاديمها تُصاب المقاديمُ وتُرمى الأَكفال في الأَكفال وله من أخرى: لها من الرَّشإِ الوَسْنان عَيْناهُ ... وبي من الوَجْد أَقْصاه وأَدْناهُ ومنها: بِنفسيَ القمر المحجوب طلعتُهُ ... عنّي وإِن كان يَهواني وأَهواه إِذا عزمتُ على السُّلوان خادعني ... بثغره فثنتْ عنّي ثناياه وَليّ هواهُ على قلبي فَعذّبه ... وحكَّم الحبَّ في جسمي فأَضناه وله من أخرى في الأمير أبي سلامة مرشد بن منقذ: إِذا ما تأَملْت القَوام المُهَفْهَفا ... تأَمّلت سيْفاً بين جَفنيْه مُرْهَفا بُليتُ بقاسي القلب، لا عَطْفَ عنده ... أَما شِيمةٌ للغصن أَن يتعطَّفا وذِي صلفٍ يُغْريه بالتّيه صَمْتُهُ ... إِذا سُمْته ردَّ السلامِ تَكَلَّفا وَطَرْفٍ تجلّى عن سَقامي سَقامُه ... فهلاّ شفا مَنْ بات منه على شَفا أُحِبُّ اقتضاء الوَصْل من كلِّ هاجرٍ ... وإِنْ مَطَلَ الدينَ الغريمُ وسَوّفا وأَقْنعُ من وعد الحبيب بخُلْفِهِ ... ومِنْ كَلَفي أَن أَسأَلَ الوعد مُخْلِفا وما زلتُ موقوفَ الغرامِ على هوىً ... يُجدّد لي من عهد ظَمْياء ما عَفا أَخا كَلَفٍ لا يرهَب الليل زائراً ... إِذا ضلّ نهجَ الحيّ عنه تعسّفا ومنها: أُودّعُ لُبّي ذاهلَ القلب مُغْرَماً ... وأُودِع قلبي فاتر الطّرْف أَهْيفا تَقَضّى الصِّبا إِلاّ تذكُّرَ ما مضى ... وإِلاّ سؤالاً عن زمانٍ تَسَلَّفا وإِلاّ شباباً فلَّلَ الشيبُ حَدَّهُ ... إِذا ما هفا نحو التّصابي تَلَهَّفا وعاد عليَّ الدهرُ فيما سخا به ... فنغّص ما أَعطى وكدَّر ما صَفا ومنها في المخلص: على أَنني خلّفتُ خَلْفي نوائباً ... كفانيَ مجدُ الدين منهنّ ما كفى وله من قصيدة: يا أَهل بابل أَنتمْ أَصْلُ بلبالي ... رُدّوا فؤادي على جُثْمانيَ البالي

стр. 181

لا، واعتناقِ هواكم بعد فُرْقتكم ... ما كان صَرْفُ النَّوى منكم على بالي وإِنّما اعترضتْ بيني وبينَكم ... نوائبٌ أَرْخصتْ من دمعيَ الغالي لولا مكانُ هواكم من مُحافظتي ... لما صرفتُ إِليكم وجه آمالي سَلوْتُ عن غيركم لمّا عَلِقْتُ بكم ... وَجْداً، أَلا فاعجبوا للعاشق السالي يا صاحِ إِنّ دموعي حرب زاجرها ... فامنَح هواملَها تركي وإِهمالي وانظر إِلى عبراتي بَعْدَ بُعْدِهمُ ... إِن أَنت لم ترَ حالي عند تَرْحالي لو كنتَ شاهدَنا والبينُ يجمعُنا ... على وداعٍ بنيران الهوى صال رأَيتَ حبّةَ قلبي كيف يسلُبها ... حدٌّ لها، ليس بالخالي من الخال وقد علاني فُتورٌ عند رؤيتها ... مُقَسَّمٌ بين عَيْنَيْها وأَوصالي أَقول للصاحب الهادي ملامتَه ... ضَلالةُ القلبِ في أَكناف دي ذال دعْني أَفُضُّ شُؤوني في معالمها ... فالدَّمعُ دمعيَ والأطلال أَطلالي وله من أخرى: أَما عند هذا القَوام الرُّدَيْني ... سجيّةُ عَطْف تقاضاه دضيْني وأَحسبُ ما طال هذا المِطا ... ل إِلاّ ليلحق حَيْناً بحَيْنِ ومن عَجَبٍ أَنني أَشتكي ... قساوةَ غُصنٍ من البان لَيْنِ رماني بسهميْن من ناظريْن عن مَتْنِ قوسيْن من حاجبينِ وإِنْ أَنكرت مقلتاه دمي ... فسائلْ به حُمرةَ الوَجْنتيْنِ وَلِمْ لا تُناكرُني عينُه ... وقد علمت كيف إِقرار عيْني وماليَ خصمٌ سوى ناظري ... فهل حاكم بين عَيْني وبيْني ومنها في المدح: أَصَبْتَ عِدىً فملأتَ القلوب ... وصُبْتَ يداً فملأْت اليديْن كأَنّك لستَ ترى راحةً ... سوى حَثْوِ مالِك بالرّاحَتيْن فداؤك باكٍ على ماله ... بكاءَ اليتيم على الوالديْن وله: خفضي الصوتَ يا حَمامَة مقْرى ... هاج شوقي دعاؤك المرفوعُ إِنّما تستثير رِقّةٌ شكوا ... كِ دموعي والوجدُ حيثُ الدموع طَرَّبتْ عند إِلفها، وشَجاني ... فَقْدُ إِلْفي فأَيّنا المفجوع وله: لا تناظرُ جاهلاً أَسندك الدهرُ إليه إِنما تُهْدي له علماً يُعادِيكَ عليه وله من قصيدة يصف إبريق المدام: ترى الإِبريقَ يحملُه أَخوهُ ... كِلا الظَّبْيَيْن يَلْثِمُهُ ارتِشافا يَظَلُّ كمُطرِقٍ في القوم يبكي ... دماً أَو ناكسٍ يشكو الرُّعافا ومنها: يكفِّ مُهفهَف الكَشْحَيْن يُنْمى ... إِلى الغُصْنِ اعتدالاً وانعطافا يُدير الكأْس من يده دِهاقاً ... ويَسْقي الرّاحَ من فمه سُلافا ويُهدي الوردَ لا مِنْ وَجنتيْه ... فَيَأْبى أَخذَه إِلاّ قِطافا ومنها في وصف المغني: ومُسْمِعُنا الأَغنُّ إِذا تَغَنّى ... خلعت على مَحبَّته العَفافا يُضاعِفُ من سرور القلب حتى ... يكاد يشُقّ للطرب الشَّغافا وله يصف الغدير وقد تدرج ماؤه بالنسيم: أَوَ ما ترى طرب الغدير إِلى النسيم إِذا تحرّكْ بل لو رأَيت الماء يلعب في جوانبه لَسَرَّكْ وإِذا الصَّبا هبّتْ عليه أَتاك في ثوبٍ مُفَرَّكْ وله من قصيدة: بما بعطفيك من تيهٍ ومن صَفَفِ ... مَنْ دَلّ ذلك يا هذا على تلفي ناشدْتُكَ الله في نفسٍ غَدَتْ فِرَقاً ... بين الجَوى والأَسى والبَثِّ والأَسفِ ومهجةٍ رفع التكليفَ خالقُها ... عنها لشدّة ما تلقى من الكَلَف أَستشعرُ اليأس في لا، ثمّ يُطمِعُني ... إِشارةٌ في اعتناق اللامِ والأَلِفِ إِنْ أَنت روَّيْتَ من أَلفاظه أُذُناً ... علمتَ كيفَ مَقَرُّ الدُّرِّ في الصَّدَفِ

стр. 182

وإِن نظرتَ إِلى القِرطاس في يده ... رأَيتَ كيف نباتُ الرُّوْضِ في الصُّحُف وله من قصيدة: أَوْطَنَ القلبَ من هواكم فريقُ ... ما لِصَرْفِ النَّوى عليه طريقُ كلّما امتدّ بيننا أَمَدُ البيْن تَدانى هواكُمُ المَوْموقُ طولُ عهدي بكم يضاعِفُ وَجْدي ... وكذا يفعلُ الشّرابُ العتيق حَجَبَ الدّمعُ مقلتي، فعداها ... أَن ترى ما يروقُها ما تُريقُ وأَرى البُعْدَ في الصَّبابة كالقُرْ ... بِ فقلبي على الزّمان مَشُوقُ ولآلي دُموعِ عيني طوافٍ ... فلماذا غَوّصُهُنّ غريق لا يُرَعْ في يد الفِراق زَمانٌ ... مرَّ لي مِنْ وِصالِكم مَسْروق حيثُ غُصنُ الشبابِ غضٌّ وَرِيقُ ... وتَحايا المُدام عَضٌّ وَرِيقُ وغَرامي لا يَستدِلُّ به الطيْفُ ولا تهتدي إِليه البُروق والليالي مثلُ الغواني إِذا أَسفرن لم تدر أَيُّها المعشوق في زمانٍ تضاعَفَتْ لعميدِ المُلك في ظلّه عليَّ الحقوق ومنها: لو شهِدْتُم صَبابتي لعلمتُمْ ... أَنّ قلبي بحبّكم مَعْذوقُ أَو وقفتم على غُلُوّيَ فيكم ... قام لي عندكم بذلك سوق رابني بَعْدَكم زماني فلا الأَيامُ بيضٌ ولا الربيعُ أَنيقُ ورأَيتُ الرَّحيقَ يجلُبُ همّي ... أَفحالت عن السُّرور الرحيق أَسلمتْني إِلى الأَسى، فهي في الكأْ ... سِ رَحيقٌ، وفي فؤادي حريق وبَلَوْتُ الورى قياساً إِليكم ... فاستمرت على قياسي فُروق وتصفَّحْتُ بَعْدَكم شِيَمَ النّا ... سِ وفيها الصَّريحُ والمَمْذُوق ومنها: يَعِدُ الدّهر باللّقاء فيُسْليني ويَرْوي أَخبارَكم فَيَشُوق سانحاتٍ يكاد يتّهم السمعَ عليها قلبٌ عليكم شَفيقُ ويُعاطينيَ الغرام أَفاويق هواكم فما أَكاد أُفيق غير أَني أَهيم شوْقاً إِذا هَبَّ نسيمٌ بنَشْركم مَفْتوق قد ملكتُمْ قلبي وسرَّحتُمُ جسمي فواهاً أَنا الأَسيرُ الطليق وله من قصيدة: مَنْ مُنْصفي من حُبِّ ظالمْ ... والحبُّ فيه الخصمُ حاكمْ ما كنتُ أَدري ما الهوى ... حتى بُليتُ بغير راحم قاسي الفؤادِ يبيتُ في ... رَغَدِ الكَرى وأَبيتُ هائم ومن العجائب أَن يرى ... مُتَيَقِّظاً في أَسْر نائم يا صارمي أَوَ ما كفى ... ما في جُفونك من صوارم لامُوا عليك وليس لي ... سمعٌ يعنّ على اللوائم لومَ الحسُود على مُظا ... هرة العميد أَبي الغنائم وله: يا معشَرَ الفتيان ما عندَكُمْ ... في حائمٍ ذيدَ عن الوِرْدِ آلى على الخمرة لا ذاقها ... ما عاش إِلاّ زمن الوَرْدِ وقد مضى الوَرْدُ فهل رخصةٌ ... في أن يكون الوَردُ من خدِّ وله: مَنْ رآني قبَّلْتُ عينَ رسولي ... ظنّ أَنّ الرسولَ جاء بسُولي إِنّ عَيْناً تأَمَّلَتْ ذلك الوجْه أَحَقُّ العُيونِ بالتّقبيل وله في غلام يهودي صيرفي: في بني الأَسباط ظبيٌ ... مالكٌ رِقّ الأسودِ يأْسِر الناس بقدٍّ ... وبخدٍّ وبجيدِ تُنْبِتُ الأَبصار في وجنته وَرْد الخُدودِ مَلِق الوعد متى طالبه اللَّحظُ بجودِ كفلت زهرةُ عينيه بأثمار الوعود صيرفيٌّ في غرامي ... في صُروف ونقود أَنا في الدين حنيفيٌّ وفي الحبّ يهودي وله من قصيدة في مجير الدين آبق وكان صاحب دمشق: كلّما غَصَّ هواكم من جفوني ... سكنَ اللَّوْمُ اغتراراً لسكوني ووراءَ الصَّدر مني لَوْعةٌ ... شانَها رَكْضُ دموعي في شؤوني يا لَدَمْعٍ حار في أَجفانه ... أَنْ يُسمّى بوفِيٍّ أَو خؤون فلئن دلّ على وَجْدي بكم ... فلَقد حامى عن السّر المصون

стр. 183

فتأَمَّلْ عَجَباً من ناظرٍ ... خائنٍ يُخبر عن قلبٍ أَمين في سبيل الحبّ مني مُهجةٌ ... قُتِلتْ بين خدود وعيون يَئِستُ أَنْ تُفْتدى أَفئِدةٌ ... أُسِرَت بين فتور وفتون وقلوبٌ مَلَكَتْهنّ المَها ... فاتكاتٍ بالنُّهى، مُلْك اليمين جيرة ما زال قتلى دِينُها ... واعتصامي بمجير الدين ديني وله من قصيدة في الشيب: يا هندُ مَنْ لأخي غرامٍ، ما جرى ... بَرْقُ الثّغور لطرفه إِلاّ جرى أَبكته شَيْبتُه وهل من عارضٍ ... شِمْتُ البوارقَ فيه إِلاّ أَمطرا لا تنكري وَضَحاً لَبِسْتُ قتيرَه ... رَكْضُ الزمان أَثار العِثْيَرا وله من قصيدة فيم جير الدين أيضاً: أَتراك عن وَتْرٍ وعن وَتَرِ ... ترمي القلوبَ بأَسهم النظرِ كيف السبيلُ إِلى طِلاب دمي ... والثأْر عند معاقل الحَوَر هي وَقعة الحَدَق المِراض فمِن ... جُرحٍ جبارٍ أَو دمٍ هَدِر تمضي العزائِم حيث لا وَزَر ... وَتُفَلُّ دون معاقِد الأُزَُر يا صاحِ راجعْ نظرةً أَمماً ... فقدِ اتّهمت على المها بصري بكَرتْ تطاعننا لواحظُها ... فتنوب أَعيننا عن الثُّغَرِ وتُرِي مباسمها معاصمها ... مَجْلُوَّةً في لؤلؤ الثَّغَرِ لا لائم العشّاق إِنَّهمُ ... لَيَرَوْن ذنبك غيرَ مُغتفَر أَوما علمتَ بأَنها صور ... جادتْ بأَنفسها على الصُّور ومُدامة كالنار مطفِئها ... غرضٌ لها ترميه بالشَّرر يجري الحَباب على جاجتها ... والتّبرُ خيْرُ مراكبِ الدُّرَر كالجمر تلفح كف حاملها ... فتظنُّه منها على خطر والكأْس والساقي إِذا اقترنا ... فانظر إلى المرّيخ والقمر عَذَلا على طربي بجائرةٍ ... لولا مجير الدين لم تَجُر وله في مدح مجير الدين من قصيدة: أَرى الصوارم في الأَلحاظ تُمْتَشَق ... متى استحالت سُيوفاً هذه الحَدَقُ واويلتا من عيون قلّما رمقتْ ... إِلاّ انثنت عن قتيلٍ ما به رمق يا صاح دعني وما أنكرتَ من ولهي ... بان الفريقُ فقلبي بعدهم فرق أما ترى أَيَّ ليثٍ صاده رشأٌ ... وأَيَّ خِرْقٍ دهاه شادنٌ خَرِق في معركٍ لذوات الدَّلِّ لو شرِقت ... بحرِّه أَنفُسُ العُشّاق ما عشقوا من كلّ شمسٍ لها من خِدْرها فلَكٌ ... وبدرِ تِمٍّ له من فرعه غَسَق ومن كثيب تجلّى فوقه قمرٌ ... على قضيبٍ له من حُلَةٍ ورَق وغادةٍ في وشاحٍ يشتكي عطشاً ... إلى حُجُول بها من رِيِّها شَرَقُ تبسَّمتْ والنَّوى تبدي الجوى عجباً ... من لوعة تحتها الأحشاء تحترق وأَنكرت لؤلؤ الأَجفان حين طفا ... منها على لُجَّةٍ غوّاصها غَرِقُ ومنها: يا منْ لصبٍّ شجاه ليلُ صَبْوَته ... لمّا تبسّم هذا الأَبيضُ اليَقَقُ متى نهته النُّهى حنّت عَلاقته ... إِن الكريم بأَيام الصِّبى عَلِقُ صاحبتُ عمريَ مسروراً ومكتئباً ... كذلك العيش فيه الصَّفو والرنَقُ وعِشتُ أَفتح أَبواباً وأُغْلِقها ... حتى سمتْ بي عُلاً ما دونها غَلَق فسِرتُ مُغْتبِق الإدلاج مُعْتنِقاً ... ذرى عزائمَ من تعريسها العَنَق لا أَرهب الليل حتى شاب مَفْرِقهُ ... وهل يخاف الدُّجى من شمسه أَبق وله فيه من قصيدة هي آخر ما أنشده في شعبان سنة ثمان وأربعين: بين فتور المُقلتيْن والكَحَلْ ... هوىً له من كلّ قلبٍ ما انتحلْ تَوَقَّ من فتكتها لواحظاً ... أَمَا ترى تلك الظُّبا كيف تُسَلْ

стр. 184

يا ويحها نواطِراً سواحِراً ... ما عُقِل العقلُ بها إِلاّ اختبلْ لو لم تكن بابلُ في أَجفانها ... لما بَرَتْ أَسهمَها من المُقَلْ يا رامياً مسمومةً نصالُهُ ... عَيناك للقارَةِ، قُلْ لي، أم ثُعَل وعاذلٍ خوّفني من لحظها ... إِليك عني، سبق السيفُ العَذَل ذك على سَفْك دمي محبّبٌ ... أَنا القتيل مُغْرَمٌ بمن قتل لاحظت منه وجنتيْن، ما جرى ... ماءُ الصِّبا بجمرها إِلاّ اشتعل آه على ظمآنها ضَمانة ... لو كفل الخصر لِوَجْدي بالكَفَل ومنها: يا صاح حَلِّلْ من أَناشيط الأَسى ... إِذا حللت بين هاتيك الحِلَلْ سلْ عن رُقادي بالغضا أَين مضى ... وعن فؤادي بعدها ماذا فعل وإِن رأَتْ عيناك ربعاً خالياً ... فاسق حَيا طَلِّهما ذاك الطَّللْ وَعَدِّ عن مَحاجرٍ بحاجرٍ ... نظرتُها أَقربُ عهدٍ بأَجلْ واجْتَنِ أَثمار الهوى فباللَّوى ... غصنُ نقاً يَحملُ نُقّاحَ الخجل وإِنْ يغب عنك اهتزازُ قدّه ... فسل به أَترابه من الأَسَل كلُّ حَلالٍ عنده مُحَرّمٌ ... فليت شعري عن دمي كيف استحل إِيّاك أن تحمِل قتلي ظالماً ... فما لخصمي بقبيلي من قِبَل ترى وَليّ الثأْر إِن أَراده ... فهل مُجيرٌ من مُجير الدين هل وله في غلام صيرفي: ظَبْيٌ بسوق الصَّرْف، من أَجله ... مَهَرْت في الصَّرف وفي النقد ما كنتُ في صَيْدي له طامعاً ... لو لم يكن إِبليس من جندي يقول، والدينار في كفه: ... مَنْ عنده؟ قُلتُ له: عندي وكلّمتني عينُه بالرِّضا ... وانقد الوعد على الوعد وقوله في غلام التحى: يا عارضاً نفسَه، وعارِضُه ... يضرِب دون الوِصال بالحُجُبِ أَنْبتَّ منه لسُلوَتي سبباً ... يا هاجري قبل ذا بلا سببِ فالْقَ به قطعَ كلّ ذي صلة ... هذا كُسُوفٌ بِعُقْدَةِ الذَّنب وله في العذار: وقالوا لاح عارضُه ... وما وَلّتْ وِلايتُهُ فقلت عِذارُ مَنْ أَهوى ... أَمارتُه إِمارتُه وله: إِلاّ يكنْ قد هَوِيتُه بشراً ... فإِنّه فتنةٌ على البشرِ واحَرَبا من بياض وَجْنته ... تراكضتْ فيه ظُلْمَةُ الشَّعَرِ حين تبدّى سَوادُ عارضه ... كما تبدّى الكسوفُ بالقمر وله من قصيدة في الأمير مؤيد الدولة: أَين مضاءُ الصّارمِ الباتِر ... من لحظاتِ الفاتن الفاتِر وأَين ما يُؤْثَر عن بابلٍ ... مِنْ فعلِ هذا الناظر الساحر ظبْيٌ إِذا لوّح منه الهوى ... بواصلٍ صرّح عن هاجر يوهمني في قوله باطناً ... والحُكْم محمولٌ على الظاهر نام وأَغرى الوجدَ بي فانظُروا ... ما أَولعَ النائمَ بالسّاهرِ ثم اغتدى يقنِصُني نافراً ... يا عَجَباً لِلْقانص النّافر عاتبتُه في عَبْرتي زاجراً ... خوفاً على الأَسرار زاجر فاعتذرَتْ عيني إِلى عينِه ... معذرَة الوافي إِلى الغادر أَضنى الهوى قلبي ليطوي به ... مسافةَ البيْنِ على ضامر وطار فانقضّ عليه الجوى ... بكاسِر الجفن على كاسر وقهوةٍ تحسب كاساتِها ... كواكباً في فلك دائِر رَعَتْ بها لَيْلَ الهوى فانجلى ... عن شمس هذا الزّمن الناضر وأَبعَدَ الأَخْطارَ تقريبُها ... مؤيَّدَ الدُّوْلةِ من خاطري وله في سرج: حملتُ الجِياد فأَكرمْتَني ... ورحتُ وقد حملتني الجياد

стр. 185

فَلِمْ لا أَتيه على العالمين ... وفَوقي جَوادٌ وتحتي جَواد وله أيضاً من قصيدة في مؤيد الدولة: كيف قلتُمْ ما عندَ عينيْه ثارُ ... وبخدَّيْه من دمي آثارُ لو شهدتم إِعْراضَه وخُضوعي ... لم يكنْ في قضيّتي إِنكار يا لَقومي وكيف تُنْكر قتلي ... لَحَظاتٌ جُحودُها إِقرار إِن تطلّبتُمُ من الطرْف والوجْنة عُذري ففيهما أَعذار أضو سأَلتُمْ أَيُّ البديعيْن أَذْكى ... جُلَّ ناري فذلك الجُلَّنار ما أَراني ليلي بغير نهارٍ ... غيرُ ليلٍ يلوح فيه نهارُ زاد إِراقُ وجهه بين صُدغيْه وفي الليل تُشْرق الأَقمار لا تسلْني عن الهوى فهو في الأَجفان ماءٌ وفي الجوانح نار ويظنّ العذولُ أَنّ مشيبي ... ضاحكٌ عنه لِمَّةٌ وعِذار لم أَشِب غير أَنّ نار فؤادي ... أُلهبت فاعتلى الدُّخان شرارُ وله من قصيدة: فمٌ وثَغْرٌ وشَنَبْ ... كأْسٌ وخمرٌ وحَبَبْ واحَربَاه مِنْ شادنٍ ... لم يُرْضه مني الحَرَب مُوَلَّد ليس له ... إِلاّ إِلى الحسن نَسَب يَضْحك من مُسَدّسا ... ت النحل فيهنّ الضَرَب ما إِن حماني ثغرَه ... إِلاّ سباني ونَهَب ولا مشى تهادياً ... إِلا مشى القلبُ خَبَبْ هل سببٌ إِلى الرِّضا ... يا عاتباً بلا سبب تُنْكِرني قتلي وفي ... يَديك من قتلي سَبَب ما ليَ أَبكي قاتلي ... يا لَلرجال لِلْعجب كأَنّ عينيّ إِذا ... دمي على دمعي انسكب يدا أَمين الدين تهمي باللُّجَيْن والذَّهَب وله من قصيدة: يا غريراً غَرّ الفؤادَ المُدَلَّة ... يا عزيزاً به عَرَفتُ المَذّلَّهْ بأَبي ذلك المَلاك وإِن أَصبح من قَتلتي على غير مِلَه كلّما ناظَرَ العواذلُ فيه ... رُحْتُ من دَلِّه قويَّ الأَدِلَّه أَيّها الشادنُ المحرِّمُ وَصْلي ... كيف أَغفلتَ مُقْلَةً مُسْتَحِلَّه وإِذا كان لحظها سببَ السُّقْم فلِمْ قيل إِنها مُعْتَلَّه ومن الوجد في العَلاقة أَني ... لا أَمَلّ الصُّدود حتى تَمَلَّه حَدِّثوه بعلَّتي وسَقامي ... فعسى أَن يَرِقَّ لي ولَعَلَّه آه مِمَّنْ إِذا رفعتُ إِليه ... من غرامي أَدقَّه وأضجَلَّه ردَّ رُزْمامَجَ الشَّكاةِ وقد وقَّع لي فيه: صحَّ والحمدُ لله نظراً عادلاً كأَنّ عماد الدّين من لفظه عليه أَمَلَّه أَلمعيّاً هواه عندي على البُعْد مُوَلّىً على فؤادي المُوَلَّه ذا يدٍ ذائِداً بها نُوَبَ الدَّهْر فكم ردّها بأَبرح غُلَّه وله من قصيدة: يذود الظُّبى عنهنّ والحَدَقُ الصِّيدُ ... أَمُرْهَفَةٌ بيضٌ ومُرْهَفةٌ سُودُ وعلى أَنّ أَوْحاهُنّ فتكاً صوارمٌ ... صياقلُها أَجفانها والمَراويد فلا جسمَ إِلاّ بالبواتر مُقْصَدٌ ... ولا قلبَ إِلاّ بالنواظر مقصود وما البارقاتُ الراعدات عواصف ... بهمّيَ لولا المُبْرِقاتُ الرَّعاديد وليس الهوى ما صدّني عنه غَيْرَةٌ ... ولا ما لواني عنه لَوْمٌ وتَفْنيد ولكنه الشّكوى إِلى من أُحبّهُ ... وإِن حال صدٌّ دونَها وصناديد هلِ الرَّوْضُ من تلك المحاسن مُجْتَنىً ... أَمِ الحَوْضُ من ذاك المُقَبَّل مَوْرود وهلْ ظِلُّ ريعان الشبيبة عائدٌ ... عليّ ولُقيان الأَحِبّة مَرْدود وِدادٌ بأَكناف الوفاء مُمَنَّعٌ ... وعهدٌ بأَنواءِ الصَّبابة معهود ومنها: وإِني لخوّوارُ الشكيمة في الهوى ... وإِنْ بات في خدَّيَّ للدَّمع أُخدود تَنَكَبُّ خوفاً من دمي البيضُ والقَنا ... وتُلْوى به في لِيِّهِنّ المواعيدُ

стр. 186

ويَنْزِل لي عن ثارها النَّفَرُ العِدى ... وتقتادني في دَلِّها البقرُ الغِيد ويقطع فيَّ الطَّرْفُ، والطرفُ فاترٌ ... فقلْ في مَضاءِ السيفِ والسيفُ مَغْمود وله من قصيدة مطلعها في الشيب: أَمّا الشبابُ فطَيْفٌ زارني ومضى ... لمّا تَبَلَّج صُبْحُ الشَّيْب مُعْترِضا ما كان أَبيضَ وجهَ الوَصلِ حين دجا ... وما أَشدَّ ظلامَ الهجرِ حين أَضا وما وجدتُ الصِّبا في طُول صُحبتِه ... إِلاّ كما لَبِس الجفنُ الكَرى ونَضَا فالآن صَرَّحَ شَيْبُ الرأس عن عَذَلٍ ... محضٍ، ولم يَزْوِ عنك النُّصْحَ مَنْ مَحَضا فإِن تَبِتْ سُحُبُ الأَجفان هاميةً ... فَعَنْ سَنا بارقٍ في عارِضٍ وَمَضا ومنها: ومن عجائبِ وَجْدي أَنه عرضٌ ... لم يُبْقِ منّيَ جسماً يحمِلُ العَرَضا ولم يدع ليَ مَوْتُ السرِّ من جسديد ... عِرْقاً إِذا جسّه آسي الهوى نَبَضا فإِن يكن دَلَّ إِعراض الدَّلال على ... غير المَلالِ فسُخْطي في هواك رضا وله من قصيدة: إِنّ الأُلى جمعتْهُمْ والنَّوى دارُ ... جارُوا فهل أَنت لي من ظلمهم جارُ ساروا على أَنهم قرباً كبعدهم ... فما أُبالي أَقام الحيُّ أَم سارُوا عندي على الوجد فيهم كلُّ لائمةٍ ... وعندهم للهوى العُذرِيِّ أَعذارُ ففي الصُّدور صَباباتٌ وَمَوْجِدَةٌ ... وفي الخُدور لُباناتٌ وأَوطار قد أَنكر الناس من دمعي ومن حُرَقي ... هوىً تهادَن فيه الماءُ والنار إِلامَ اُعلن أَسراري وأَكتمُها ... وآيةُ الشوق إِعلان وإِسرار دَيْنٌ، على عبراتي أَنْ تُقِرَّ به ... وإِنما غايةُ الإنكار إِقرار وله من قصيدة في ختان: وَنَجْلٍ تدرك الأَبصارُ منه ... سنا قمرٍ بتاج المجد حالِ حَبَتْه سُنّةُ الإِسلام طُهراً ... تكفَّل غَيْرَةَ الماءِ الزُّلال فيا لكَ من دمٍ يجري سُروراً ... وكَلْمٍ نقْصُه سِمَةُ الكمال وذي أَلم يلذّ به وجرحٍ ... يكون قصاصهُ جَذَلَ الرجال وأَيّ جناية تَرْضى المَساعي ... بها، ويُثاب جانيها بمال وله من قصيدة: لو أَن قاضي الهوى عليَّ وَلِي ... ما جار في الحكم مَنْ عَليَّ وَلي وكان ما في الدَّلال من قِبَلِ الحُسْن بما في الغرام من قِبَلي حسبي وحسبُ الجوى أُغالبه ... فيا عذولي ما لي وللعَذَل كيف يُداوى الفؤادُ من سَقمٍ ... تاريخُه كان وَقْعَةَ المُقَل لا تَسْقِيَنّي صريحَ لائِمةٍ ... فَصِحَّتي في سُلافة القُبَل بي من بني الترك شادِن غَنِجٌ ... يصيد لحظ الغزال بالغزل أَغْيَدُ يلقاك طرفُه ثَمِلاً ... وليس فيه سَماحةُ الثَّمِل مُبتسِمٌ والعيونُ باكية ... وفارغٌ والقلوب في شُغُل لاحظني كالقضيب معتدلاً ... وصدّ والصبرُ غيرُ معتدل وأَصبحتْ في الوَرى مَحَبَّتُهُ ... كأَنها دَوْلةٌ من الدُّوَلِ مَلاحةٌ دانت القلوبُ بها ... طَوْعاً كما دانت العُلى لعلي وله من قصيدة: ما استأْنفَ القلبُ من أَشواقه أَرَبا ... إِلاّ استفزَّتْه آياتُ الهوى طَرَبا لله نِسبةُ أَنفاسي إِلى حُرَقي ... إِذا النسيم إِلي رَيّا الحِمى انتسبا أهكذا لم يكن في الناس ذو شَجَن ... إِلاّ صَبا كلّما هبَّتْ عليه صَبا ما أَعجبَ الحبَّ، يُدْعى بأْسُه غَزَلاً ... جَهْلاً به، ويُسَمَّى جِدُّه لَعِبا ويْحَ الحَمام أَما تجتاز بارقةٌ ... إِلاّ بكا في مغاني الدار وانتحبا

стр. 187

كأَنه واجدٌ وَجْدي بجيرتها ... فكلّما خطرت في قلبه وَجَبا فموضعُ السِرّ مني يستضيء سَناً ... ومنبع الماءِ منه يَلْتظي لَهَبا ومنها: أَحبابَنا، عاد عيدُ الهمّ بعدَكُمُ ... تباعدتْ دارُكم في الحبّ واقتربا ما بال سَلوةِ بالي لا تسرُّكُمُ ... حتّى كأَنّ لكم في راحتي تعبا ما خانكم جَلَدي إِلاّ وفى لكُمُ ... قلبٌ متى سُمْتُه ترك الغرام أَبى عَلاقَةٌ غلبتْ صبري فلا عَجبٌ ... إِن الصّبابة خصمٌ طالما غلبا وله من قصيدة يهنئ فيها أتابك الكبير عماد الدين زنكي بن آق سنقر ﵀ سنة تسع وثلاثين وخمسمائة بفتح الرها. أولها: هو السّيفُ لا يُغنيكَ إِلاّ جِلادُهُ ... وهل طوّق الأَملاكَ إِلاّ نِجادُهُ ومنها: فيا ظفراً عمَّ البلادَ صَلاحُه ... بمن كان قد عمّ البلادَ فسادُه غَداةَ كأَنّ الهامَ في كلِّ قَوْنَسٍ ... كمائمُ نبتٍ بالسُّيوف حَصَادُهُ فما مُطْلَقٌ إِلاّ وَشُدَّ وَثاقهُ ... ولا مُوثَقٌ إِلا وحُلّ صِفاده ولا مِنْبَرٌ إِلاّ ترنّح عودُه ... ولا مُصْحَفٌ إِلاّ أنارَ مِدادُه إِلى أَين يا أَسرى الضَّلالةِ بعدها ... لقد ذَلّ علويكم وعزّ رشادُه رويدَكُمُ لا مانعٌ من مُظَفَّرٍ ... يعانِدُ أَسبابَ القضاءِ عِنادُه فَقُلْ لملوك الكُفر تُسْلِم بعدها ... ممالكَها إِنّ البلاد بلادُه كذا عن طريق الصّبح أَيّتها الدُّجى ... فيا طالما غالَ الظّلامَ امتدادُه فلو دَرَجُ الأَفلاك عنه تحصّنت ... لأَمْستْ صِعاداً فوقَهنّ صِعادُه ومن كان أَملاك السموات جُنده ... فأَيّةُ أَرضٍ لم تطأها جيادُه ومنها: سمعت قِبلةُ الإِسلام فخراً بطَوْله ... ولم يك يسمو الدين لولا عمادُه وله وقد اجتاز بعزاز في عهد الفرنج بها، خذلهم الله، وأنشدنيها ولده موفق الدين خالد: أَين عِزّي من رَوْحتي بعَزازِ ... وجَوازي على الظِّباء الجَوازي واليعافيرُ ساحبات المغافير علينا كالرَّبْرَب المُجْتاز بعيونٍ كالمُرْهَفات المواضي ... وقدودٍ مثل القنا الهزّاز ونحورٍ تقلّدت بثغورٍ ... ريقُها ذَوْبُ سكَّر الأَهواز ووجوهٍ لها نُبُوَّةُ حُسْنٍ ... غير أَن الإعجاز في الأعجاز كل خَمْصانةٍ ثَنَتْ طرف الزُّنّار من سُرَّةٍ على هوَّاز ذات خَصْرٍ يكاد يخفى على الفا ... رس منه مواقعُ المِهْماز لاحظتني فانقضَّ منها على قلبيَ طرْفٌ له قَوادِمُ باز وسبتْني لها ذوائبُ شَعرٍ ... عقدتها تاجاً على ابرواز مَنْ مُعيني على بنات بني الأصفر غزواً فإِنني اليومَ غاز وله: إِذا ما خدمتَ كبار الملوك ... فأَولُّ ما تخدُمِ الحاشيه فكن جاري الماء يسقي الرياض ... فأوَّلُ ما تشرب الساقيه وله في العذار: يا مُطْلِعاً بصُدود في لِمَّتي ... ما غاب تحت عِذاره من خدّه لك عارضٌ أَلقى عليَّ بياضَه ... وأَغار من شعري على مُسْوَدِّه وأَظنُّ خدَّك مُذْ تخوَّف نَهْبَه ... ضَرَب السّياج على حديقةِ وَرده وله من قصيدة يهنئ نور الدين ﵀ باستقرار أمر دمشق وأسر جوسلين وفتح عزاز وقورص والقلاع ويذكر قتل الإبرنس صاحب أنطاكية: لِيَهْنِ دمشقاً أَن كُرسيّ مُلْكِها ... حُبي منك صَدْراً ضاق عن هَمِّه الصَّدْرُ وأَنك، نورَ الدين، مُذْ زُرتَ أَرضها ... سمتْ بك حتى انحطّ نَسرها النسر هي الثَّغْر أَمسى بالكراديس عابساً ... وأَصبح عن باب الفراديس يَفْتَرّ فإِمّا وقفت الخيل ناقعة الصَّدى ... على بردى من فوقها الوَرَق النَّصْر

стр. 188

فمن بعد ما أَوردتها حَوْمةَ الوغى ... وأَصدرتها، والبيض من عَلَقٍ حُمْر وجلّلتها نقعاً أَضاع شِياتِها ... فلا شُهْبُها شهب ولا شُقْرها شقر علا النهرُ لما كاثَرَ القصب القنا ... مكاثرةً في كل نَحْرٍ لها نَحْرُ وقد شرِقتْ أَجْرافه بدم العِدى ... إِلى أَن جرى العاصي وضحضاحه غَمر صدعْتَهمُ صَدْعَ الزُّجاجة لا يدٌ ... لجابرها، ما كلُّ كسرٍ له جَبْر فلا ينتحل من بعدها الفخرَ دائلٌ ... فمن بارز الإِبرنز كان له الفخر ومَنْ بزّ أَنطاكية مِنْ مليكها ... أَطاعته أَلحاظُ المُؤلّلَةِ الخُزْر أَتى رأسه ركضاً وغودر شِلْوُهُ ... وليس سوى عافي النسور له قبر كما أَهدتِ الأَقدارُ للقمص أَسْرَهُ ... وأَسْعَدُ قِرنٍ من حواه لك الأَسْر فأَلْقتْ بأَيديها إِليك حصونُه ... ولو لم تُجِبْ طوعاً لجاء بها القَسْر وأَمستْ عَزاز كاسمها بك عِزَّةً ... تشُقّ على النَّسريْن لو أَنها الوَكْر فسِرْ تملإِ الدُّنيا ضياءً وبَهْجةً ... فبالأُفُق الداجي إِلى ذا السَّنا فَقْر كأَني بهذا العزم لا فُلّ حَدُّه ... وأَقصاه بالأَقصى وقد قُضِيَ الأَمر وقد أَصبح البيت المقدَّسُ طاهراً ... وليس سوى جاري الدماء له طُهْر وإِن تتيمَّمْ ساحِل البحر مالكاً ... فلا عجبٌ أَن يملِك الساحلَ البحر سللتَ سيوفاً أَثكلت كلَّ بلدة ... بصاحبها حتى تخوفك البدر ومنها: إِذا سار نور الدين في عَزَماته ... فقُولا لِلَيْلِ الإِفك قد طلَع الفجر هُمامٌ متى هَزَّت مواضي سيوفه ... لها ذكراً، زُفّت له قَلْعةٌ بِكْر ومنها: خلعتَ على الأَيّام من حُلَلِ العُلى ... ملابِس من أَعلامها الحمد والشكرُ فلا تفتخر مصرٌ علينا بنيلها ... فيمناكَ نيلٌ كلُّ مِصْرٍ به مِصْرُ وله من قصيدة في مجير الدين آبق: بسيفك المُنْتَضى من الكَحَلِ ... ووَرْدِك المُجْتنى من الحجلِ وكأسك المُشْتَها مُقَبَّلُها ... أَنت لأَجلي خلقت أَمْ أَجَلي أَهوى لذِكراك كلًّ عاذلة ... حسْبك حبّاً محبّةُ العَذَل لولاك لم أَستلذّ لائمةً ... فليت مَنْ لامني عليَّ وَلِي كي لا يكون المَلام منه على ... مُعتدِل القدّ غير معتدِل مُبتهجٌ والنّفوس ذاهلةٌ ... وآِمنٌ والقلوب في وَجَل لو بان جسمي لِخصره لَشكا ... ذاك إِلى ذا ظُلامةَ الكَفَل وله: وحمائمٍ ناحتْ على فَنَنِ ... فبعثن لي حزناً إِلى حَزَنِ ناحتْ ونُحتُ، وفي البكا فرج ... فظللت أُسعدها وتسعدني شتَّى الهوى، والشوقُ يجمعنا ... كلٌّ بكى منّا على شجن وله: قل لمن أَطلع شمس الكأْس من أُفْق اليمينِ إِحبس الكأْس فقد عِفتُ سُلاف الزَّرَجونِ واسقني من خمر أَلحا ... ظك كأْساً من فتونِ أَنا لا أَشربها إِلا بكاسات الجُفونِ لا تلمني، أَين سُكْرُ الخمر من سُكْر العيونِ وله في العذار، وقد أعجب فيه وأغرب: يا مُسْكري وجداً بكأْس جفونه ... قل لي: أَتلك لواحظٌ أَم قَرْقَفُ بادر جمالك بالجميل فربّما ... ذَوَتْ الملاحةُ أَو أَبلَّ المُدْنَفِ بواسبق عذارك باعتذارك قبل أَن ... يأْتي بعزل هواك منه مُلَطَّفُ تشبيه العذار بالملطّف، في هذا المعرض، من نسيم الروض ألطف. باب في ذكر محاسن جماعة من الشعراء من أهل عصري الأقرب بدمشق عرقلة الكلبي وهو أبو الندى حسان بن نمير

стр. 189

من حاضرة دمشق، من كلب وبرة من الجلاح وهي بطن منها. لقيته بدمشق شيخاً خليعاً ربعة مائلاً إلى القصر، أعور مطبوعاً، حلو المنادمة، لطيف النادرة، معاشراً للأمراء، شاعراً مستطرف الهجاء، لم يزل خصيصاً بالأمراء السادة بني أيوب، ينادمهم ويداعبهم ويطايبهم قبل أن يملكوا مصر، والملك الناصر صلاح الدين يوسف أشعفهم ينكته، وأكلفهم بسماع نتفه، وله فيه مدائح، ولديه منه منائح. فمن جملة قوله فيه، وكان قد وعده أنه متى ملك مصر يعطيه ألف دينار، فقصده ومدحه بأبيات، منها: قل للصّلاح مُعيني عند إِعساري ... يا أَلف مولاي أَين الأَلفُ دينار أَخشى من الأَسْر إِن حاولت أَرضكم ... وما تفي جَنّة الفردوس بالنّار فجُدْ بها عاضِديّاتٍ مُسطَّرَةً ... مِنْ بعض ما خلف الطاغي أَبو العار حُمراً كأَسيافكم غُرّاً كخيلكمُ ... عُتْقاً ثِقالاً كأَعدائي وأَطماري ومن جملة ما قال فيه: الحمد لله السّميع المجيبْ ... قد هلَك الشِّرْك وضلّ الصّليبْ يا ساكني أَكناف مصر أَنا ... أَبو نُوَاس والصلاحُ الخصيب ثم عاد إلى دمشق وهو مسرور محبور، وكان ذلك ختام حياته ودنا أجل وفاته، وذلك بعد سنة خمس وستين بدمشق في سنة ست أو سبع وخمسمائة. وقد أنشدني كثيراً من شعره. وسمعت من أصدقائي أيضاً. فمن ذلك قوله يشير إلى أنه أعور: أَقولُ والقلبُ في همٍّ وتعذيبِ ... يا كلَّ يوسفَ إِرحم نصف يعقوبِ وقوله في محبوب أحول، وهو أعور. وهو من قصيدة في مدح جمال الدين وزير الموصل: يا لائمي هل رأَيتَ أَعجبَ مِنْ ... ذي عَوَرٍ هائمٍ بذي حَوَلِ أَقِلُّ في عينه ويكثُرُ في ... عيني، بضدّ القياس والمَثَلِ ما آفتي غيرُ وَرْدِ وَجنته ... والوردُ لا شكّ آفةُ الجُعَلِ مهفهفٌ كالقضيب مُعتدلٌ ... وحكمه فيَّ غيرُ معتدل فلو رأَتْ حسنَه فلاسفةٌ ... لعوّذوه بعِلَّة العِلل كم قد سقاني مُدامَ فيه على ... غنائه وانتقلتُ بالقُبَلِ قد ذقتُ منه هجراً أَمرَّ من الصّبر وصلاً أَحلى من العسل أَهوى تَجَنِّيه والصدودَ كما ... يهوىالمعالي محمدُ بن علي محمد خاتَمَ الكرام كما ... سميُّه كان خاتم الرُّسُل وله في غلام يحبه اسمه يعيش: بأَبي قدُّ يعيش بأَبي ... حين يهتزُّ اهتزازَ القُضُبِ رشأٌ حاسدُه ضدُّ اسمه ... وإِذا ما عكسوه مَذْهبي وله في غلام قبله مودعاً: أَقسمتُ يا لائمي فيمن بُليتُ به ... وَمَنْ تحكَّم في هجري وإِبعادي لو أَنه كلّما سافرتُ ودّعني ... بقُبلةٍ لم أَزل في الرائح الغادي وله في المقدحة لغزاً: ومضروبةٍ من غير جُرْمٍ ولا ذنب ... حوى قلبُها مثلَ الذي قد حوى قلْبي إِذا ما أَتاها القابسون عَشِيَّةً ... حَكَتْ فلكاً يرمي الشياطين بالشُّهْب وقوله في طالب الصوري الشاعر ويستطرد بالهيتي الشاعر نصر: يا طالبُ الصوريُّ إِن لم تتبْ ... عن شعرك المنتَحَل الباردِ حَلَّ بأَكتافك في جِلِّقَ ... ما حلّ بالهيتيِّ في آمدِ وقوله في وحيش الشاعر: لا بارك الرّحمن في وُحَيْشِ ... فإِنه مُكَدِّرٌ للعَيْشِ كم قال، لا قُلْقِل غيرُ نابِه، ... أَبياتَ شِعْرٍ كبيوت الخَيْش وقوله من أبيات وقد أعطاه بعضهم شعيراً: يقولون: لِمْ أَرخصتَ شعرك في الورى؟ ... فقلتُ لهم: إِذ مات أَهلُ المكارمِ أُجازى على الشعرِ الشعيرَ وإِنهُ ... كثيرٌ إِذا استخلصته من بهائم وقوله، مما يغنى به: عندي إليكم من الأَشواق والبُرَحا ... ما صيّر الجسم من فرط الضَّنا شَبَحا أَحبابَنا لا تظنّوني سلوتُكمُ ... الحالُ ما حالَ والتبريحُ ما برِحا

стр. 190

لو كان يسْبَحُ صَبٌّ في مدامعه ... لكنتُ أَولَ من في دمعه سبحا أَوْ كنت أَعلم أَن البيْن يقتلني ... ما بِنْتُ عنكم، ولكن فات ما ذُبحا وقوله: كتم الهوى فوشتْ عليه دموعُهُ ... مِنْ حرّ جمرٍ تحتويه ضلوعُهُ صبٌّ، تشاغل بالربيع وزهره ... قومٌ، وفي وجه الحبيب ربيعُه يا لائمي فيمن تمنَّع وصلُه ... عن صَبِّه، أَحلى الهوى ممنوعه كيف التخلُّصُ إِن تجنّى أَو جنَى ... والحسنُ شيء ما يُرَدّ شفيعه شمسٌ، ولكنْ في فؤادي حرُّها ... قمرٌ، ولكن في القَباء طلوعه قال العواذل: ما الذي استحسنتَه ... منه، وما يَسبيك؟ قلت: جميعُه وقوله في الشوق والفراق: كتبتُ إِليكُمُ أَشكو سَقاماً ... برى جسمي من الشوق الشديدِ وفي البلد القريب عدِمت صبري ... فكيف أَكون في البلد البعيد نوىً بعد الصدود، وأَيّ شيء ... أَمرُّ من النَّوى بعد الصُّدود ثم وقع بيدي بعد ذلك ديوان شعره فطالعته، وقصائده قصار وفي النادر أن تزيد قصيدته على خمسة وعشرين بيتاً، ومقطعته على عشرة أبيات، وكلها نوادر وكلام مضحك، فانتخبت منه هذه الأبيات واختصرت حذراً من التطويل: الهمزة فمن ذلك قوله من مقطعة: وَهَبْ ما قالت الواشون حقّاً ... مَنِ الراقي إِلى بدر السماء؟ لقد أَمسى الذي يبغي حبيباً ... مُحِبّاً طالباً للكيمياء ومنها: أَيجمُلُ أَن أُضامَ ودُرُّ نظمي ... أَحبُّ من الغنى عند العناء أَمالَ العُرْبَ عن شعر التِّهامي ... وأَغنى العُجْمُ عن شعر السَّنائي وقوله من قصيدة في حسام الدين صاحب ماردين: هذا الحبيبُ وهذه الصهْباءُ ... عَذْل المُصِرِّ عليهما إِغْراءُ والأَغْيدُ الأَلْمى يروقُك منظراً ... في سقيها والغادةُ اللَّمياءُ يا قاتلاً كأسي بكثرة مائِه ... ما الحيّ عندي والقتيلُ سواءُ بالماء يحيا كلُّ شيءٍ هالكٍ ... إِلاّ الكؤوسَ هلاكُهنَّ الماء والراح ليس لعاشقيها راحةٌ ... ما لم يساعدهم غِنىً وغِناءُ ومنها: وبوَجْنتي وبوجنتيْه إِذا بدا ... من فرط وجْدَيْنا حَياً وحياءُ كيف الوصولُ إِلى الوصال وبيننا ... بَيءنٌ ودون عِناقه العَنقاء لله جيراني بجَيْرونٍ، ولي ... بلحاظهم وبهم ظُبىً وظِباءُ وكأَنهم وكأَنّ حُمرةَ راحهم ... في راحهم، وَهْناً، دُمىً ودِماءُ وكأَنما سقتِ البلادَ مُلِثَّها ... كفّا حُسام الدين، لا الأَنواءُ الباء وقوله: خَرِف الخريفُ وأَنت في شُغُلٍ ... عن بهجة الأَيّامِ والحِقَبِ أَوراقُه صُفرٌ، وقهوتنا ... صفراءُ مثلُ الشمس في لهب ياتي بها غير وأَشربُها ... ذهباً على ذهبٍ بلا ذهبِ وقوله في الحث على السفر: ذَرِ المقام إِذا ما ساءك الطلبُ ... وسِرْ فعزْمُك فيه الحزم والأَرب لا تقعدنَّ بأَرضٍ قد عُرِفتَ بها ... فليس تَقْطع في أَغمادها القُضُب وقوله في مروحة: ومحبوبةٍ في القيظ لم تخلُ من يدٍ ... وفي القُرّ تشكوها أَكفُّ الحبائبِ إِذا ما الهوى المقصور هيّج عاشقاً ... أَتت بالهوا الممدود من كل جانب وله من قطعة: وكم ليلةٍ قد بِتُّ أُسقى بكفّه ... على وجهه نادمتُ بدراً وكوكبا حكت فَمَه طعماً وريحاً، وخدَّه ... إِذا مزجوها، رقَّةً وتلهُّبا ومن أخرى: ونادبةٍ ناحتْ سُحَيْراً بأَيْكةٍ ... فهيّجتِ الوَسواسَ في قلب نادب تنوح على غصن أَنوح كمثله ... وهل حاضرٌ يبكي أَسىً مثلُ غائب وقوله من قصيدة في الصالح بن رزيك بمصر:

стр. 191

لمن الخيلُ كلَّ أَرض تجوبُ ... صَحِبَتْها في كل شِعب شَعوبُ والجواري التي يضيق بها البحر على أَنّه فسيحٌ رحيب غير سيف الإِسلام خير فتىً عَزّ به دينُنا وذَلَّ الصليب مَلِكٌ منه في الخطاب إِذا شا ... ء خطيب وفي النِّزال خطُوب ومنها: وكأَني أَبو نُوَاسٍ إِذا ما ... جئتُ مصراً وأَنت فيها الخصيب ولئن كنتُ مخطئاً في قياسي ... إِنّ عذري ما قال قِدْماً حبيب ومنها: لو أَراد الرقيب ينظر جسمي ... ما رآه من النحولِ الرقيبُ مثل دار الزكيّ كيسي وكأسي ... وهي قَقْرٌ كأَنها مَلْحوب وقوله في ابن ثريا وكان دباباً: لا ترقُدنْ وابنَ ثريا معاً ... فإِنه أَطمع من أَشعب كم دَبَّ كالعقرب سُكراً، وكم ... قد قتلوه قِتلة العقربِ وقوله في أبي الوحش الشاعر: أَبا الوحش جَمّلتَ أَهل الأَدبْ ... لأَنك أَطولُ قومي ذنبْ وكيف تكون صغير المحلّ ... وبيتُك أَكبر ما في الخشب وله رباعية: أَقسمتُ بواوِ صُدغ هذا الحاجبْ ... في لام عِذاره ونونِ الحاجبْ لو عاينه ابنُ مقلةَ والصاحبْ ... قالا عجباً لديه: جَلَّ الكاتب التاء وله في غلام اسمه ياقوت: قلتُ: وقد أَقبل ياقوتُ ... في فمه دُرٌّ وياقوتُ أَسِنّةٌ زُرق بأَجفانه ... أَم جالت البيضُ المصاليتُ كأَنما أَلحاظُه بابلٌ ... فيهنّ هاروت وماروتُ الجيم وقوله في الططماج: أَلا رُبّ طاهٍ جاءنا بعد فترةٍ ... بأَطباق طُطْماج أَشَفَّ من الثَّلْج وقد غارت السيخات فيها كأَنها ... يغالِقُ ترك في طوارق إفرنج وقوله في ابن أبي طاهر الطبيب واسمه عباس: عُجْ على عبّاس تلقَ فتىً ... غير نَكْريشٍ ولا بَذَجِ فيلسوف ما يُريق دماً ... وبخدَّيْه دمُ المُهَج لو تَمعْناه السديدُ سلا ... قلبُه عن عشقه البكجي! قلتُ لما ظلّ مجلسنا ... مُشرقاً من وجهه البَهِج: إِنّ بيتاص أَنت ساكنُه ... غيرُ مُحتاج إلى السُّرُج وعليلاً أَنت عائده ... قد أَتاه الله بالفرج وقوله في مرثية: لقد حَسُنتْ به اليوم المراثي ... كما حسُنت به أَمسِ الأَهاجي ولكنْ لجَّ في شتم البرايا ... وكان القتلُ عاقبةَ اللَّجاج وقوله: كأَنّ احمرار الخدّ ممّنْ أُحبه ... حديقةُ وردٍ والعِذارُ سياجُها وقوله في أبي الوحش بن علان لما امتدحه وكلما اقتضاه حرك رأسه: يا من إِذا جئتُه سؤولاً ... ولستُ بالسائل اللَّجوجِ حرّك لي مُوعِداً بمَطْلٍ ... حاديَ عَشْرٍ من البُروج الحاء وقوله: حتى متى لا يَبْرَح التبريحُ ... وإِلامَ أَكتُم والسَّقام يبوحُ لا شرحُ كتبِ أَحبّتي يأتي ولا ... صدري بغير حديثهم مشروح يا برقُ حيِّ الغوطتيْن وسقِّها ... مطراً حكاه دمعي المسفوح كيف الحياة لمُستهامٍ جسمُه ... في بعلبكَّ وفي دمشق الروح ظبيٌ بها لم يَرْعَ إِلاّ مُهجتي ... والظبيُ ما مَرْعاه إِلاّ الشّيح تشتاقه عيني وتبكيه دماً ... والقلبُ وهو بصدّه مجروح مُتَعطِّف الصُّدْغين وهو مُجَنّبٌ ... مُتَمَرِّض العينين وهو صحيح لي من ثناياه العِذاب وريقِه ... أَبداً صباحٌ واضحٌ وصَبوح وَيْحَ العواذل هل يُغشّي نورُه ... أَبصارَهم، أَم كيف يخفى يوح لاموا وقد نظروا مَلاحةَ وجهه ... واللَّومُ في الوجه المليح قبيح وقوله في مجير الدين وقد اقترح عليه في ساق يهواه وزن: شربتُ من دِنانهمْ ... من كلّ دَنّ قدحا

стр. 192

مَنْ لي بساقٍ أَغْيدٍ ... عِذاره قد سَرحا كأَنه بدرُ دُجَى ... في كفّه شمسُ ضُحا ما زلتُ من مُدامِه ... مُغْتَبِقاً مُصْطَبِحا حتى غدوْتُ لا أَرى النّدمان إِلاّ شبحا وقد عصيْتُ في الهوى ... من لام فيه وَلَحا يا قلبُ كمْ تذكره ... لا بارحتْك البُرَحا هذا الذي تعشقُه ... كم قلبِ صَبٍّ جرحا يا صاح يا صاح اسقني ... من راحَتيْه القَدَحا واغتنِم العيشَ فما ... تُبْقي الليالي فرحا كأَنما البدر وقد ... لاح لنا مُتَّضِحا وجهُ مجير الدين مو ... لانا إِذا ما مُدحا وقوله في ناصر الدين وفتح الدين ابني أسد الدين شيركوه: لله شِبلا أَسدٍ خادِرٍ ... ما فيهما جُبْنٌ ولا شُحُّ ما أَقبلا إِلاّ وقال الورى: ... قد جاء نصر الله والفتحُ وقوله رباعية: لا راحةَ لي بغير شُرب الرّاحِ ... من ذي هَيَفٍ يطوف بالأَقداحِ تبدو كالصّبح وهو كالْمصباحِ ... سكران الطرف ذو فؤادٍ صاح وقوله في أبي الوحش: قال وُحَيشٌ ليَ في منزلي ... مكبوبةٌ ظاهرة الملحِ فقلتُ: ما عندك مكبوبة ... إِن لم تكن أُم أَبي الفتح الخاء وله: صفات القويضي فتى مشرقٍ ... يَحار لها العالِمُ الراسخُ ذكيٌّ، ولكنّه لاذنٌ ... أَسيلٌ، ولكنه كامَخُ الدال وقوله من قطعة: قمرٌ يغيب إِذا بَدَأْتُ مَلامَةً ... وأَغيبُ من حذر الوُشاة إِذا بدا ناديت طُرّتَه وضوء جبينه ... سُبحان من قَرَن الضَّلالة بالهُدى وقوله في سيف الدين محمد بن بوران: لِمَنْ حِلّةٌ ما بين بُصرى وصَرْخَدِ ... تروح بها خَيْلُ الجلاح وتغتدي ونارٌ، بقلبي مثلها، لأُهَيْلها ... تُشَبُّ لضَيْف مُتْهِمٍ ولمُنْجِدِ وممشوقة رقّت ودقّت شمائِلاً ... إِلى أَن تساوى جِلْدُها وتَجلُّدي من الخَفِراتِ البيض تُغْني لحاظُها ... عن المُرْهَفات البيض في كلِّ مَشْهَد حجازيّة الأَجفان والخصر والحشا ... شآمِيَّة الأَردافِ والنهد واليد إِذا ابتسمت فالدُّرُّ عِقْدٌ مُنَضَّدٌ ... وإِن حدَّثَتْ فالدّرُّ غيرُ مُنضَّد وأَلْمى كمثل البدر تبدو جُيوبُه ... على مِثْلِ خُوط البانةِ المُتَأَوِّد له مقلةٌ سَكْرى بغير مُدامَةٍ ... ولي مُقْلةٌ شَكْرى بدَمعٍ مُوَرّد رعى الله يوماً ظَلَّ في ظِلِّ أَيْكةٍ ... نديمي على زهر الرياض ومُنشدي وكأْساً سقانيها كقِنْديل بِيعةٍ ... بها وبه في ظلمة الليل نهتدي معتَّقَةً من قبلِ شيثٍ وآدم ... مُخَلَّلَةً من قبٍلِ عيسى وأحمد صَفَتْ كدموعي حين صدّ مديرها ... ورقّت كَدِيني حين أَوْفى بمَوْعد وفي الشيب لي عن لاعجِ الحُبّ شاعلٌ ... وقد كنتُ لولا الشيبُ طلاَّعَ أَنْجُد رمى شَعَري بعد السَّواد بأَبيضٍ ... وحَظّيَ من بعد البياض بأَسود فلا وَجْدَ إِلاّ ما وجدتُ من الأَسى ... ولا حمدَ إِلاّ للأَمير محمّد وقوله في آمد: في آمِدَ السوداءَ بِيضٌ ما انثَنوْا ... إِلاّ حَكَوْا سُمْرَ الرّماح قُدودا تَخِذوا من الليل البهيم قلانِساً ... ومن النهار مباسماً وخُدودا يقال لآمد السوداء لأنها مبنية بحجارة سود، ولميافارقين البيضاء، ولنصيبين الخضراء، وللموصل الحدباء، ولحلب الشهباء، ولبغداد الزوراء، وللبصرة الفيحاء. وقوله في ذم العذار: إذا ما الأَمْردُ المصقول جاءت ... عوارضُه فنقْصٌ في ازْدياد يموت المَوْتَةَ الأُولى فتُمْسي ... على خدَّيْه أَثواب الحِداد

стр. 193

وهل يَستحسِن الإِنسان روضاً ... إِذا ما حلّه شَوْكُ القَتاد وقوله في الغزل والعذار: لي حبيبٌ كالبدر حسناً وبُعْدا ... وقضيبِ الأَراك لِيناً وقَدّا قلت لما بدت له شعَراتٌ ... ليتها للوُشاة لن تتبدّا جَلَّ مَنْ أَنبت البنفسَج في الور ... د وسمّاها عِذاراً وخَدّا قمرٌ كلّما تبسّم قابلْتُ عقيقاً حوى من الدُرّ عِقدا حاك في وجهه الجمال كما أَلحَمَ في جسميَ السَّقام وأَسدى وقوله من قصيدة: مَنْ لي بمعسول الثَّنايا عَذْبِها ... لَدْنٍ كخُوط البانة المتأَوِّدِ أَبداً هواه لي مُقيمٌ مُقعِدٌ ... رُوحي فِداه من مُقيمٍ مُقْعِد ولقد نعِمْتُ بوَصله في نَيْرَبٍ ... أَلِف الربيع بروضه الغصن النّدي أَزهارُه من جَوْهرٍ، ونسيمه ... من عنبر، وثمارُه من عَسْجَد وعلى الغصون من الحمائم قَيْنَةٌ ... تُغْنيك عن شدْوِ الغَريضِ ومَعْبَد والماءُ في بردى كأَن حَبابَه ... بَرَدٌ حَبَتْهُ الريح غير مُجمَّد بينا تراه كالسَّجَنْجَل ساكناً ... حتى تراه أَجعداً كالمِبْرد ومن أخرى: دمشقُ حُيِّيتِ مِنْ حَيٍّ ومن نادِ ... وحَبَّذا حَبَّذا واديك من وادِ ليس النَّدامى نَدامى حين تَنْزِله ... يَعُلُّهم شادِن كأساً على شاد حقّاً وللوُرْق في أَوْراقه طربٌ ... كأَنَّ في كلّ عود أَلْفَ عَوّاد يا غادياً رائحاً عَرِّج على بردى ... وخلّني من حديث الرائح الغادي كم قد شربتُ به في ظِلّ داليةٍ ... من ماء داليةٍ تُنْبيك عن عادِ في جنْبِ ساقيةٍ من كفّ ساقيةٍ ... قامت تَثنّى بِقَدٍّ غير مُنْآد سَمْراء كالصَّعْدة السّمراء واضحة ... يَشفي لَمى شفتيْها غُلَّةَ الصّادي لها بعَيْني إِذا ماست عواطفُها ... جمالُ ميّاسةٍ في عيْن مِقْداد وله من قصيدة في مدح الملك الناصر صلاح الدين قبل ملكه مصر يحثه على قصدها: إِلامَ أُلامُ فيك وكم أُعادى ... وأَمرض مِن جفاك ولن أُعادَا لقد أَلِف الضَّنى والسُّقْمَ جسمي ... وعيناي المدامعَ والسُّهادا وها أَنا قد وهى صبري، وشَوْقي ... إِذا ما قَلّت الأَشواق زادا بقلبي ذات خَلخالٍ وقُلْب ... تملّك فَوْدُها منّي الفؤادا مهفهفة كأَنّ قضيب بانٍ ... تثنّى في غلائلها ومادا بوجهٍ لم يزد إِلاّ بياضاً ... وشَعرٍ لم يزد إِلاّ سوادا تعجّب عاذلي من حَرّ حبّي ... ومن برد السُّلُوِّ وقد تمادى ولا عجبٌ إِذا ما آب حَرٌّ ... بآبَ، ومن جَمادٍ من جُمادى وقد أضنسانيَ الشيبُ الغواني ... فلا سُعْدى أُريد ولا سُعادا وهل أَخشى من الأَنواء بخلاً ... ويوسُف لي، فتى أَيوب، جادا فتىً للدّين لم يَبْرَح صلاحاً ... وللأَموال لم يبرح فسادا هو المعروف بالمعروف حقاً ... جَوادٌ لم يهب إِلاّ جوادا به الأَشعار قد عاشت نَفاقاً ... وعند سواه قد ماتت كسادا إِلى كم ذا التواني في دمشقٍ ... وقد جاءَتكم مصرٌ تَهادى عروسٌ بعلُها أَسدٌ هِزَبرٌ ... يصيد المعتدين ولن يصادا ومن أخرى في الصالح رزيك ويذكر مذهبه في التشيع: قف بجَيْرونَ أَو بباب البريدِ ... وتأَمَّل أَعطافَ بان القُدودِ تَلْق سُمْراً كالسُّمْرِ في اللَّوْن واللين وشِبْهَ الشعور في التجعيد ومن البيض كالمُهَنَّدةِ البيض وشبه الخدود في التوريد من بني الصّيد، للمحبّين صادوا ... بعيون الظِبا قلوبَ الأُسود

стр. 194

يا نديميّ غَنِّياني بشِعري ... واسقياني بُنيّة العُنقودِ عرّجا بي ما بين سَطرى ومَقرى ... لا بأَكناف عالِجٍ وزَرود سقّياني كأْساً على نهر ثورا ... وذراني أَبولها في يزيد أَنا من شيعة الإمام حُسَيْنٍ ... لست من سنة الإمام وليدِ مَذهبي مُذْهَب، ولكّنني في ... بلدة زُخرِفَت لكلّ بليد غير أَنّ الزمان فيها أَنيقٌ ... تحت ظِلٍّ من الغصون مَديد ورياضٍ من البَنَفْسَج والنَّرْ ... جِس قد عُطّرت بمسكٍ وعود كَثَنا الصالح بن رُزِّيك في كلّ قريبٍ من الدُّنى وبعيد ملك لم تزل ثيابُ عِداه ... من حِدادٍ وثَوْبُه من حديد وله من قطعة كتبها إلى ابن السديد وقد سافر إلى بغداد يطلب منه شقة: حاجتي شُقَّةٌ تَشُقُّ عهلى كلّ بغيضٍ من الورى وحَسودِ ذاتُ لَوْنٍ كمثل عِرْضك لا عر ... ضي وحظّي من القريب البعيد فابْعَثَنْها صفيقةً مثل مثل وجهي ... جَلَّ من صاغ جلده من حديد واجْعَلَنْها طويلةً مثل قَرْني ... ولساني لا مثل قَدّي وجيدي كَيْ أُرى في الشآم شيخاً خليعاً ... في قميصٍ من العراق جديد وقوله قديماً وقد تولى صلاح الدين الملك الناصر إيالة دمشق: لصوصَ الشّام، توبوا من ذُنوبٍ ... تُكَفِّرها العقوبةُ والصِّفادُ لئن كان الفساد لكم صلاحاً ... فمولانا الصّلاحُ لكم فساد وقوله في شمس الدولة وقد نزل دار عمه أسد الدين: قلتُ لحسّادك زيدوا في الحسدْ ... قد سكن الدّارَ وقد حاز البلدْ لا تعجَبوا إِن حَلَّ دارَ عمّهِ ... أَما تَحُلّ الشمسُ في بُرْج الأَسد وقوله في مرثية بعض المجان: يا خفيفاً على القلوب لطيفاً ... قد بكاه أَصادقٌ وأَعادي كنتً من مُهجتي مكانَ السويدا ... ءِ ومن مُقلتي مكان السّوادِ قد بكاك الرّاووق والكأْس والقَيْنة من لائطٍ إِلى قوّاد أَيّها الشيخ ما نهتك الثمانو ... ن وذاك البياضُ بعد السّواد لم تزل تلكمُ العَرامة حتى ... أَلحقتْه بالرّهط من قوم عاد لا عُوَيْسٌ يبقى وإِلاّ ابن العصيفير ولا ابنُ الصّمان في الأَنداد شمِتوا حين مات والموت ما تَنْفع فيه شماتةُ الحُسّاد رحم الله من رأَى مصرح الشيْخ وهيّا من التُّقى خيرَ زاد وقوله: شكا إِليّ أَمْرَد ... قد حثّه ضيق اليدِ فقلت لِمْ ضاقت وقد ... وسَّعت بابَ المقعد وقوله في شريف: وحِسْبةٍ نالها شريفٌ ... بلا طَريف ولا تليدِ ما إِن تأَملته عبوساً ... إِلاّ ترضيتُ عن يزيد الدال وقوله: أَصبح الملكُ بعد آل عليٍّ ... مُشْرِقاً بالملوك من آل شاذي وغدا الشّرقُ يحسُد الغربَ للقو ... م ومصرٌ تزهو على بغداذ ما حواها إِلاّ بحَزْمٍ وعزم ... من صليل الفولاذ في الفولاذ لا كفر عون والعزيز ومن كا ... ن بها كالخَصيب والأُستاذ الراء وقوله: نديمي قُمْ فقد صفتِ العُقارُ ... وقد غنّى على الأَيْك الهَزارُ إِلى كم ذا التواني في الأَماني ... أَفِقْ ما لعمر إِلاّ مُسْتعار وخذها من يديْ ظبي غريرٍ ... بِعيْنيه فُتورٌ وانكسار إِذا ما الليل جَنَّ على النَّدامى ... تَجَلَّى من ثناياه النهار يقول لي العَذول تسلَّ عنه ... وما عُذْري وقد دَبّ العِذارُ فَصَبْراً للنّوى بعد التداني ... فلولا الخَمر ما ذُمَّ الخُمار وقوله من أخرى: أَمّا دمشقُ فجَنّاتٌ مُعَجَّلةٌ ... للطالبين بها الوِلدانُ والحُورُد

стр. 195

ما صاح فيها على أَوتاره قمرٌ ... إِلاّ وغناه قُمْرِيّ وشُحْرور يا حبَّذا ودُروع الماءِ تنسِجُها ... أَناملُ الرّيح لولا أَنها زُور ومنها: همْ عارضوني على حُبّي لعارضه ... ومن أَحبَّ عِذاراً فهو معذور ومن أخرى: وكم ليلةٍ قد لاح من صُدْغه الدُّجى ... ومن كأْسه الجَوْزا ومن فمه الفجرُ وكم أَخذت أوتاره الثأر من دمي ... سُحَيْراً، فقال النّاس هذا هو السِّحر يشاركني حِذقاً فَمِنْ عنده الغنا ... إِذا ما تنادمنا ومن عنديَ الشِّعْر وقوله: قوموا انظروا واعذِروا يا غافلين إِلى ... بدرٍ تبادر من أَفلاك اَزرار على قضيبِ أَراكٍ في كثيبٍ نقاً ... تهزُّه خَطَراتٌ ذات أَخطار ما رامت الروم، والأَتراك ما تركت ... أَدَقَّ من خصره في عَقد زُنّار الماءُ والنار في خدَّيْه قد جُمِعا ... جَلّ المؤلِّف بين الماء والنار وقد بدت شَعَراتٌ في عوارضه ... كأَنَّهن ليالٍ فوق أَسحار وقوله في العذار: دَبّ العِذار بخدّه فتعذَّرا ... مِن بعد ما قد كان بدراً نيِّرا وتناقصت أَحواله فكأَنه الحبّال يمشي في المعاش إِلى وَرا وقوله: قالوا بدا في خدّه الشَّعْرُ ... وأَنت لا عقلٌ ولا صبرُ واسودّ خدّاه، فقلت اقصُروا ... لولا الدُّجى ما حَسُن البدر وقوله: أَدِرْ يا طلعة البدرِ ... علينا أَنجُم الخمْرِ وقطِّع ليلنا بالكأْ ... س حتّى مطلَع الفجر على فتّانة العينين والخدَّيْن والثَّغْر لنا في وجهها قمرٌ ... ومن نغماتها قُمْري كذا فلْيشربِ الصهبا ... ءَ مثلي يا ذوي الشعر كذا في ليلة الجمعة بل في ليلة القَدْر مع الفتيان في الحانا ... ت بين الطَّبل والزَّمر بحيث ابن ملكداد ... وحيث ابن أَبي الدر حَرِيفان حُرافان ... بلا قَدْرٍ ولا قِدْرِ وله: نديمي داوِ بالخَمْرِ الخُمارا ... أَدرْ كأْسي يميناً أَو يسارا مُشَعْشعة إِذا ما صفّقوها ... بماءٍ خِلْتَها نوراً ونارا لها من مولِدَيْ موسى وعيسى ... شرابٌ لليهود وللنصارى ومُسْمِعَةٍ إِذا ما شئت غنّتْ ... أَلا حيّ المنازل والديارا بدتْ بدراً وماجت دِعْصَ رَمْلٍ ... وماسَتْ بانةً وشَدَتْ هَزارا إِذا غازلْتُها أَو غازلَتْني ... تأَمَّلْت الفَرَزْدَق والنَّوارا ويومَ غَدَتْ تعيِّرُني بشيْبي ... وقد رأَتِ السَّكينةَ والوَقارا وما في الشَّيْبِ عند الناس عيبٌ ... إِذا ما عاد ليلُهمُ نهارا ولكن في الشباب خَزَعْبلاتٌ ... لِمَنْ يهوى العَذارى لا العِذارا وقوله في مدح بني السلار: لا تلُمني على الدُّموع الجواري ... فهي عَوْني على فراق الجوارِ كم لئيمٍ يَلَدُّ بالعيش صفواً ... وكريمٍ يَغُصّ بالأَكدارِ لا يَفي الوَصلُ بالصُّدود خليليَّ كما الخَمْر لا يفي بالخُمار فاسقِنيها لعلّها تصرِف الهمّ على طيب نَغْمة الأَوتار خَنْدَريساً كأَنها في دُجى الليل بأَيدي السُّقاة شمسُ النهار إِنما العيشُ في رياض دمشقٍ ... بين أَقمارها وبين القَماري مثلما قد خلعتُ أَثواب مدحي ... باختياري على بني بختيار مَعْشَر كالغيوث في حَلْبة السّلْم وفي الحرب كاللّيوثِ الضَّواري بقلوبٍ كأَنها من جمالٍ ... وأَكفٍّ كأَنها من بحار وكأَنّ الإِلَه، جلّن بَراهُمْ ... من فَخار، والناسَ من فَخّار وقوله في ملك النحاة وكان يذكر مصر:

стр. 196

قد جُنّ شيْخي أَبو نزارٍ ... بذكر مِصْر وأَين مِصرُ والله لو حلَّها لقالوا ... قفاه يا زيدُ فهو عمرو وزيد كان محتسب دمشق فصار بمصر محتسباً. ومن جملة ما كتبه إلى الملك الناصر من قصيدة: إِليك صلاحَ الدين مولاي أَشتكي ... زماناً على الحُرِّ الكريم يجورُ تُرى أُبْصِرُ الأَلف التي كنت واعدي ... بها في يدي قبل الممات تصير وهيْهاتَ والإِفرنجُ بيني وبينكم ... سِياجٌ، قتيلٌ دونه وأَسيرُ ومن عجبِ الأَيّام أَنك ذو غِنىً ... بمصر، وأني في دمشق فقير السين وقوله في التشبيه: كأَنّ السماء وقد أَزهرت ... كواكبها في دُجى الحِندسِ رياضُ البنفسَج محميّةً ... يُفتِّح فيها جَنى النَّرجِس وقوله في ابن رزيك لما غلب على وزارة مصر بعد عباس الذي فتك بأهل القصر وقتلهم: طاف على النّدْمان بالكاس ... وَخَدُّه من لونها كاسِ مُهفهفُ القامةِ مَمْشوقها ... يخجل منه غُصنُ الآسِ كم أَتصدّى لِجَفا صدِّه ... وكم أُقاسي قلبَه القاسي دِعْصُ نَقاً تحملُه بانةٌ ... شمسُ ضحىً في زِيّ شَمّاس تحكي ثنا الصالح أَنفاسُه ... وصُدْغُه أَيامَ عباس وقوله: ما اجتمع الشِّطرنج في مجلِسٍ ... والنَّرْدُ، إِلاّ بَرَدَ المجلسُ لا سيّما إِن حضرتْ نَرْجِسٌ ... والبان والمنثور والنَّرْجِسُ وقوله في مغن اسمه علي: عليٌّ صوته سَوْطٌ ... علينا لا على الفَرَسِ وجُملةُ ضربه ضَرْبٌ ... لمدَّرعٍ ومتَّرس يقول السّامعون له: ... رماه الله بالخرس وخذ يا ربِّ مُهجتَه ... إِذا غنّى: خُذِي نَفَسي وقوله في صلاح الدين الملك الناصر بديهاً أوان الورد: يا حابس الكأء، خيلُ الوَرد قد وَرَدت ... شُهْباً وكثمْتاً، أَدِرْ يا حابس الكاس أَقسمتُ ما الورد في الأَزهار قاطبةً ... إِلاّ كمثل صلاح الدين في الناس الوارثِ المجدَ من آبائه أَبداً ... مثل الخلافة في أَولاد عباس وله رباعية: ويْلاهُ على المهفهف الميّاسِ ... ما أَحسنَه وهو بقلبٍ قاسِ يهتزّ كأَنه قضيب الآسِ ... سكران ولم يذق حُمَيّا الكاسِ الشين وقوله في طغريل السياف وهو جوباشي دمشق: قالوا يسبُّك طُغْريل وتُهمله ... فقلتُ أَخشى على عِرضي من الواشي كنّا نحاذِر منه وهو مِرْشَحَةٌ ... فكيف لا نتَّقيه وهو جُوباشي لي أُسوةٌ بجميع الخلق يشتُمهم ... جُكّا ودلماص والعوذ بن شواش الصاد وقوله في الملك الناصر وقد بعث لأهل دمشق السلام وله الذهب: صلاحَ الدين قد أَصلحتَ دنْيا ... شقّيٍ لم يبِتْ إِلاّ حريصا أَتى منك السّلامُ لنا عُموماً ... وجُودُك جاءني وَحدي خُصوصا فكنتُ كيوسُفَ الصدّيق لمّا ... تلقّى منه يعقوبُ القميصا وقوله في التشبيه: أَما ترى البدر في السماء وقد ... حاول من بعد تِمِّه نقصَهْ بينا تراه كخُشْكنانكةٍ ... حتى تراه كأَنه قُرصَهْ الضاد وله في مقلي بيض: أَأَحداقُ بَيْضٍ أَم حديقةُ نَرْجِسٍ ... أَتت بين مُصفرٍّ ومُبيضِّ شربنا على التِّبْرِيّ كأْساً كَلوْنه ... وأُخرى على الفضّيّ من ذلك الفضّي وقوله: جاءت بوجهٍ مُعْرِضٍ ... وطالما تعرّضا بيضاء ما أَبصرتُ منها قطُّ يوماً أَبيضا قالت: قلى؟ قلتُ: نعم ... قلبي على جمر الغضا العين وقوله في الشوق تُرى عند من أَحببتُه، لا عدمتُه، ... من الشوق ما عندي وما أَنا صانعُ

стр. 197

جميعي إِذا حَدَّثتُ عن ذاك أَلسُنٌ ... وكلّي إِذا حُدِّثتُ عنه مَسامع وقوله: وعِلْقٍ تعلّقته بعد ما ... غدا منه كلُّ جديدٍ خليعا له ضيْعةٌ كلّما أَمحلتْ ... يعيشُ، وإِن أَخصبت مات جوعا وقوله: بكا لي حاسدي مَيْناً، وأَدْري ... بِضَحْك فؤاده بين الضّلوعِ وأَكذَبُ ما يكون الحُزنُ يوماً ... إِذا كان البكاءُ بلا دموع وقوله في ابن مالك صاحب قلعة جعبر: لحا الله مُلْكاً يحتويه ابنُ مالكٍ ... وعاجَلَهُ في ساحة القَلْعة القَلْعُ فتىً لستَ ترجوه ولستَ تخافه ... كدُود الخلا ما فيه ضرّ ولا نفْعُ الفاء وقوله: حبيبٌ لنا واعدٌ مُخْلِفُ ... يجوز علينا وما يُنْصِفُ بكلّ قَباءٍ له صَعْدَةٌ ... وفي كل جَفْنٍ له مُرْهَلإ فيذْهَل من بأْسه عنترٌ ... ويخجل من حُسْنه يوسُف أَما وبروقِ الثنايا التي ... بها الشَّهْدُ والمِسْك والقَرْقَف لقد حِرْتُ في قمرٍ أَحْورٍ ... لنا ما يغيب ولا يُكْسَف شربنا على وجهه ليلةً ... عيونُ سحائبها تذرِف وحَرُّ الكوانين مستعذَبٌ ... ببرد الكوانين مُسْتطرَف لدى شمعةٍ مثل لون المحِبِّ وريح الحبيب إِذا ترشف تموت انطفاءً إِذا سولِمَتْ ... وتحيا وهامتُها تُقْطَف فقلت وقد غاب جيش السَّحاب ... وطرفي عن الحِبّ ما يَطْرِف كأَنّ الثريّا وبدرَ السماء ... وأَنجمُها طُلّعٌ تَرْجُف يدٌ قد أَشارت إِلى وردةٍ ... وحولهما نَرْجِسٌ مُضْعَف وقوله: أَما آن للغضبان أن يتعطّفا ... لقد زاد ظلماً في القطيعة والجفا بِعادٌ ولا قُرْبٌ، وسُخْطٌ ولا رِضا ... وهجرٌ ولا وَصْلٌ، وغدرٌ ولا وفا تكدَّرَ عَيْشي بعد ما كان صافياً ... وقلبُ الذي أَهواه أَقسى من الصَّفا فيا خدَّه لا زدتَ إِلاّ تَلَهُّباً ... ويا قدَّه لا زدتَ إِلاّ تَهَفْهُفا ويا رِدْفَه لا زال دِعْصُك مائلاً ... ويا طرفَه لا زال جفنُك مُدْنِفَا وقوله: نتفتُ السَّوادَ من العارضيْن عند الشبيبة نتفاً عنيفا فلما كَبِرْتُ نتفت البياض ... وقد صار بعد الجنى الغضّ ليفا ولو علم النّاس بالحالَتيْن ... لما لقّبونيَ إِلاّ نتيفا وقوله: قولا لطُغْريل ولا تَقْصُرا ... في سَبِّه عنّي وتعنيفِه قتلْتنا بالصِّرف سَكْرا، فلا ... برحتَ مقتولاً بتصحيفه وقوله في إنسان وعده بخروف وما وفى: يا أَبا الفضل بالنجفْ ... إِستمع كلّ ما أَصفْ لك وجهٌ كأَنه البدر لكن إِذا كُسِفْ وقَوامٌ كأَنَه الغُصْن لكن إِذا قُصِفْ وعِذارٌ كأَنه النَّمل لكن إِذا نُتِف وبَنانٌ كأَنّه البحر لكن إِذا نشِف وأَبٌ أَكذب الأَنا ... م ولكن إِذا حَلَف كم جوادٍ وهبته ... حين أَوْدى بلا علَف وقَباءٍ خلعته ... وهو خارا بلا أَلِف إِنّ مَنْ يرتجي خَرو ... فَكَ بالشِّعْرِ قَدْ خَرِفْ وقوله في إنسان يلقب بالعفيف: عُجْ بالعقيق وعَدِّ عن تَصْحيفه ... لا خير فيه إِذا استقلّ مُصَحَّفا يا كاتباً بخِلَتْ يداه بأَحرفٍ ... ماذا تجود إِذا منعت الأَحرفا القاف وقوله: صَدَّ الحبيبُ وذاك دون فِراقِهِ ... وَمَنِ الذي يَبْقى على ميثاقِهِ رشأٌ أَغارُ عليه من أَجفانه ... وأَظنّها، للسُّقْم، من عُشّاقِه وأَقولُ من سُكْري بخَمرة يَغْرهِ ... ويدي تُلِمُّ بحلّ عَقْد نِطاقه

стр. 198

يا ساقيَ الصَّهْباءِ صِرْفاً لا تَجُرْ ... وامزُج لنا الصهباءَ من أَرْياقه جَلَّ الذي أَعطاه في الحُسْن المُنى ... وأَضاف خِلْقته إِلى أَخلاقه كالغصنِ في حركاته، والظبي في ... لَفَتاتِه، والبدرِ في إِشراقه قد ذُبتُ من شوقي إِليه صَبابةً ... وكذا المحبُّ يذوبُ من أَشواقه وقوله في الربيع ووصف دمشق: هذا هو الزّمن البديع المُونِقُ ... والعِيشَةُ الرَّغْدُ التي هي تُعْشَقُ فعلامَ تصحو والحَمام كأَنها ... سَكْرى تُغنّي تارةً وتُصَفِّق وتلوم في حبّ الديار جَهالةً ... هيهات يسلوها فؤادٌ شَيِّق والشام شامةُ وَجْنَةِ الدنيا كما ... إِنسان مقلتِها الغضيضة جِلِّق مِنْ آسِها لك جَنَّةٌ لا تنقضي ... ومن الشقيق جهنَّمٌ لا تَحْرِق سِيَما وقد رَقَم الربيعُ ربوعها ... وَشْياً، به حَدَقُ البرايا تَحْدِق في نَيْرَبٍ ضحكت ثُغورُ أَقاحِه ... لما بكاه العارضُ المُتَأَلِّق وقوله: وصاحبٍ يتلقّاني لحاجته ... بالرَّحْب، وهو مليح الخَلْق والخُلُقِ حتى إِذا ما انقضت وليّ وخلَّفني ... أَحسَّ من جُرَذٍ في بيت مرتَلإق كالماء، بينا ترى الظمآن يرشِفه ... حتى يبدّد باقيه على الطرق وقوله في غلام طويل وكان عرقلة قصيراً أعور: لي حبيبٌ قدُّه ... قُدَّ من السُّمْرِ الرِّقاقِ من رآه ورآني ... قال ذا غير اتفاقي أَعور الدَّجّال يمشي ... خَلْفَ عُوْجِ بن عُناق الكاف وقوله في المدرسة التي أنشأها الملك العادل ﵀ بدمشق: ومدرسةٍ سيَدْرُس كلُّ شيء ... وتبقى في حِمى عِلْمٍ ونُسْكِ تَضوَّع ذكرها شرقاً وغرباً ... بنور الدين محمود بن زنكي وقوله رباعية: يا بدرَ دُجىً يحمِله غصنُ أَراكْ ... ما أَعجبَ ما يَحِلّ بي حين أَراكْ لا تقتلْ بالصدود صبّاً يَهواكْ ... ما للأَعراب طاقةٌ بالأَتراكْ اللام وِصالٌ ما إِليه من وُصولِ ... وسمعٌ ما يُصيخ إِلى عَذولِ لقد أَخفيتُ داءَ الحبّ حتى ... خفِيتُ عن الرقيب من النُّحول وكيف يَصِحُّ هذا الجسم يوماً ... وآفته من الجفن العليل وليلٍ مثل يوم العَرْضِ طولاً ... ومَنْ عَوْني على الليل الطويل؟ وما للصُّبح فيه من طلوعٍ ... ولا للنجم فيه من أُفول إِلى كمْ نحن في صدٍّ وهجرٍ ... وفي قالٍ من الواشي وقيل تُرى يوماً نَرى تلك الأَماني ... وتجمع شملَنا كأسُ الشَّمول وتعطِف لي عواطفُ مَنْ جفاني ... ويَشْفي من غَلائله غَليلي تصدّى للصدود قِلىً وبُعداً ... ولن تَخْفى علاماتُ المَلُول وفي صبري على التقبيح عُذْرٌ ... إِذا ما كان من وجهٍ جميل وقوله في الشيب: إِلى كم أُبيد البيدَ في طلب الغنى ... وأَقربُ رزقي فوق نجمِِ سُهَيْلِ وقد وخَطَ الشيْبُ الشبابَ كأَنه ... أَوائلُ صبحٍ في أَواخرِ لَيْل وقوله في العذار في غلام اسمه وهيب: قال قَوْمٌ بدا عِذارُ وَهَيْبٍ ... فاسْلُ عنه، فقلت: لا، كيف أَسْلو أَنا جَلْدٌ على لِقا أُسْد عينيْه، وأَخشى عِذارَه وهو نملُ! وقوله في امرأة يقال لها صفية، وقد عزمت على السفر: تقول صفيةٌ، والصًّفْوُ منها ... لغيري، حين قَرَّبَتِ الجِمالا وقد سفَرتْ لنا عن بَدر تِمٍّ ... غَداةَ البَيْن وانتقبت هِلالا أَتصبِرُ إِنْ هجرنا أو بَعُدْنا ... فقلتُ: نعم، وقال القلب: لا، لا

стр. 199

يخاف البُعْدَ من أَلِفَ التَّداني ... ويخشى الهجرَ مَنْ عَرَفَ الوِصالا وقوله من أخرى: ميلوا إِلى الدار من ذات اللَّمى ميلوا ... كحلاء ما جال في أَجفانها ميلُ هذا بكائي عليها وهي حاضرةٌ ... لا فَرْسَخٌ بيننا يوماً ولا مِيل ممشوقة القَدّ ما في شَنْفها خَرَسٌ ... ولا تَضِجّ بساقَيْها الخَلاخيل كأَنّما قَدُّها رُمحٌ، ومَبْسِمُها ... صُبْح، بنفسيَ عسّالٌ ومعسول ومنها: إِني لأَعشق ما يحويه بُرْقُعها ... ولستُ أُبْغِض ما تحوي السراويل وربّ كأْسٍ سقانيها على ظمأٍ ... مُهَفْهَفٌ مثلُ خُوطِ البان مَجْدول حتى إِذا ما رشفْنا راحَ راحتِه ... وَهْناً، وأَنقالُنا عَضٌّ وتقبيل جارت عليَّ يدُ السّاقي ومُقْلَتُه ... لكنني بزِمام العقْلِ معقول أَد وقوله في مدح الشيب: رصّعَ الشيبُ لِمّتي يا حبيبي ... بنُجومٍ طُلوعُهُنَّ أُفولي كان شَعْري كمُقلتيْك فأَضحى ... كثناياك، حَبَّذا من بديل وقوله في مدح ابن نيسان بآمد: قومي اسمعي يا هذه وتأَمَّلي ... رَقْصَ الغصون على غِناء البلبلِ فالطَّيرُ بين تغَرُّدٍ وتشاجُرٍ ... والماءُ بين تَجَعُّدٍ وتسلْسُل أَظِباءَ وَجْرةَ كم بشطَّيْ آمِدٍ ... من ظبْيةٍ كَحْلى وظَبيٍ أَكحل ومُدلَّلٍ ومذَلَّلٍ في حُبّهِ ... شتّان بين مُدّلَّلٍ ومُذَلَّل والعَيْش قد رقَّتْ حواشي حُسنِه ... ما بين دَجلتها إِلى قُطْرَبُّل رَقَم الربيع رُبوعَها فكأَنها ... زنجيةٌ تختال تيهاً في الحي ومنها في المدح: في حِصنه غَيْثٌ، وفوق حصانه ... لَيْثٌ يَكُرّ على الكُماةِ بِمِسْحَل متبسِّمٌ لعُفاته قبل النّدى ... كالبرق يلمَع للبِشارة بالوَلي يعطي المُحَجَّلَةَ الجياد وكم لهُ ... في الجُوْد من يومٍ أَغرَّ مُحَجَّل ويَرُدّ صدر السَّمْهَريِّ بصدره ... ماذا يؤثّر ذابلٌ في يَذْبُل وكأَنّه والمَشْرَفِيُّ بكفّه ... بحرٌ يكُرّ على العُفاةِ بجدولِ وقوله في الملك الناصر قبل ملك مصر وكان متولي دمشق: رويدَكُمُ يا لُصوصَ الشآم ... فإِني لكم ناصحٌ في مَقالي وإِياكمُ من سمّي النبيّ يوسُفَ ربِّ الحِجا والجمالِ فذاك مُقطِّع أَيدي النساءِ ... وهذا مقطع أَيدي الرجال وقوله في مغنية بمصر اسمها خراطيم: تقول خراطيم لما أَتيْتُ: أَهلاً بذا الشاعر الأَحْوَلِ وغنَّتْ فقلتُ لجُلاّسها: ... شبيهٌ بنصف اسمها الأَوَّل الميم وقوله من قطعة: أَمُوَلَّدَ الأَتراك إِن مُوَلَّدَ الأَعْراب أَضحى في هواكَ مُتَيَّما لو كان قلبُك مثلَ عِطْفِك لَيِّناً ... ما كان حظي مثلَ صُدْغكَ مُظلِما وقوله في مبارك بن منقذ: ضدُّ اسمه المُنقِذيّ، عن ثقةٍ ... فلا تلومَنّه على الُّوم كالجُدَرِيّ الذي يقال له ... مُباركٌ، وهو أَلف مشؤوم وقوله من قصيدة: سَلا هل سَلا عن رَبَّةِ الخال واللَّما ... مُحِبٌّ غدا من ظَلْمها مُتظلِّما وهل لاح برقٌ من تبسُّم ثغرها ... فأَمطر إِلاّ سُحْبُ أَجفانه دما مُهَفْهَفَةٌ كالخيزُرانة لَيْنَةٌ ... تزيد اعوجاجاً حين زادت تَقَوُّما ومنها: أَما آنَ أَن تدنو الديارُ بنازح ... وهل نافعي قوْلي بُعَيْدَ النَّوى أَما كأَنّ قِسِيَّ البين لم ترَ في الورى ... لأَغراضها إِلاّ المحبين أَسهما وقوله في المنثور: قد أَقبل المنثور يا سيِّدي ... كالدُّرِّ والياقوت في نَظْمِهِ ثَناك لا زال كأَنفاسه ... ومُخُّ من يَشْناك مثل اسمِه

стр. 200

وقوله، ويكتب على سرج: أَنا سَرْجٌ لمليكٍ ... حِصنه في الشّام شامَهْ تحتيَ البرقُ وفوقي ... من أَياديه غَمامَهْ كتب اللهُ عليه ... كلّما سار السلامَهْ وله في شاعر يدعى الطائي قدم من بغداد: قد أَصبح الطائِيُّ في جِلَّقٍ ... بدُبْره أَكرمَ من حاتم يقول بالأَيْر الذي لم يزل ... يقوم، والناس مع القائم النون وله من قصيدة: يا غصنَ بانٍ تَثَنَّى وهو نَشْوانُ ... وبدرَ تِمٍّ لِحَظّي منهُ نُقْصانُ إِلامَ تَصْدَعُ قلبي بالصدود قِلىً ... وليس يسكنه إِلاّك إنسان من لي بذي شَنَبٍ يفترُّ عن بَرَدٍ ... ما إِن يذوب وفي خدّيْه نيران أَخشى على كتفيْه من ذَوائِبه ... وكيف لا أَتخشَى وهي ثعبان وقوله: يا غُرْبةً جعلتْ فؤادي للأَسى ... إِلْفاً، وخدّي للمدامع مَوْطِنا حتى أَلِفتُ حديثَ حادثة النَّوى ... يَلْقى الشدائدَ سهلةً مَن أَدْمنا وقوله في الشيب: وفي الشيب لي واعظٌ لو عقَلت ... قرعتُ على العمر سِنّي سنينا تراني وقد عارض العارضَيْن طوراً شمالاً وطوراً يمينا أُقلّع أَوَّلَ فرسانه ... ولكنّني أَتخشّى الكمينا وقوله: وفي دير مُرّانَ خَمّارةٌ ... من الروم في يومِ سَعْنينها سقتْني على وجهها المُشْتهى ... أَرقَّ وأَعتقَ من دِينها وقوله من أخرى: ومُهَفهَفٍ كالرّمح يحمل مثلَه ... قَتَلَ الورى وسْنانُهُ وسِنانُهُ فارقته وفرِقت عند وَداعه ... مِنْ صارمٍ أَجْفانُهُ أَجْفانُه في ليلةٍ طالت عليَّ كأَنّها ... عِطفاه أَو صُدْغاه أَو هِجْرانه حتى بدا فَلَقُ الصّباح كأَنّهُ ... وجهُ الأَمير وعِرضه وجِفانُهُ وقوله في غلام كمراني: وكيف يرانيَ الرُّقبا ... ءُ من سقمٍ بِجُثْماني وجسمي مثل ما يحوي ... كمران الكمراني وقوله في مدح شمس الدولة صاحب اليمن ﵀: تأَمَّلْ ولْتكنْ ثَبْتَ الجَنان ... نساء الحيّ أَم حور الجِنانِ بَدَوْن كأَنهنَّ بُدور تِمٍّ ... وَمِسْنَ كأَنهنّ غُصون بان وكم في الحيّ بَهْكَنةٌ ... مُبَرْقَعَة المُحَيّا والحصان ومخضوب القناة من الأَعادي ... لِعَيْنَيْ كلِّ مخضوب البنان أَتيْناهُنّ أَضيافاً ولكن ... شُغلنا بالجفون عن الجِفان يَقُلْن تَسَلَّ بالصَهْباء عنّا ... على ضرْب المَثالث والمَثاني فقلتُ وقد مضى نَوْءُ الثُّرَيا ... وجاءت بالسُّعود النّيّران عيونَ السُّحْب كم تبكين وَجْداً ... وقد ضحِكَتْ ثُغورُ الأُقْحُوان وفي ربْع الحبيب لنا ربيعٌ ... ونَوْرٌ ما حَوَتْهُ النَّيْربان وما شمسُ الضُّحى في الحُسْن إِلاّ ... كشمس الدولة المَلكِ الهِجان وقوله: كم أُمَشَّى كأَنني ذو طِحال ... وأُمُنى كأَنني كَمّون وقوله في ابن نيسان: كنت أَذُمّ ابنَ مالكٍ فإِذا ... ذاك سماءٌ عند ابن نيسان قد قيل ما يَحْمَد المجرِّبُ لِلأَوَّل حتى يجرِّب الثاني قَطَنْتُ في آمِدٍ أُؤمِّلُهُ ... وأَيُّ خيرٍ في ظِلِّ قطّان وقوله في ذم كتاب: وصَل الكتاب، عدِمت عشرَ أَناملٍ ... أَلَّفْنَ ما فيه من التضمين ما كان أَشبهه وقد عاينته ... بوثيقةٍ حَلّت على مديون الواو وقوله: عذلوني في الحبّ، والعَذْل يَغْوي ... ورمَوْني بالصَّدِّ والصدُّ يَكْوي واستحلّوا غَزْوي بكلِّ غَزالٍ ... حلَّ في حُبّه قِتالي وغَزْوي تركونا ما بين وَجْدٍ وشوقٍ ... والمطايا ما بين سَوْقٍ وحَدْوِ

стр. 201

يا أُحَيْبابنا بجَيْرون حتى ... ومتى للغرام نَهوى فنَهوي أُهْجرونا إِن شئتمو أو صِلُونا ... قد شربنا من كلِّ مُرٍّ وحُلو الهاء وقوله: جَنِّبْ عن الدنيا إِذا جَنَّبَتْ ... عنك بإِكبارٍ وتنزيهِ فما ترى فيها فتىً زاهداً ... إِن لم تكن قد زهِدَتْ فيهِ وقوله في أبي الحكم الطبيب: لنا طبيبٌ شاعرٌ أَشْتَرٌ ... أَراحنا من شخصه اللهُ ما عاد، في صُبْحة يوم، فتىً ... إِلاّ وفي باقيه رثّاهُ وقوله: يا بني الأَعراب إِنّ التُّرك قد جارت بنُوها عَقْرَبوا الأَصْداغ حيناً ... ولِحَيْني ثَعْبنوها الياء وقوله في طغريل السياف: أَيها السيّاف هيا ... لا تَدَعْ في البيت شَيّا داوِ قرناً صرا تُرْساً ... للدّبابيس مُهَيّا كم نصحناك وقلنا ... إِنتبه ما دُمتَ حيّا كلُّ نَحْسٍ أَنت فيه ... من حِراف ابن ثريّا نصر الهيتي الدمشقي هو نصر بن الحسن، من ضيعة يقال لها الهيت من أعمال حوران من ناحية اللوى. لقيته بدمشق، وتوفي بعد وصولي إليها بسنيات، بعد سنة خمس وستين وخمسمائة. أِنشدني له وحيش، وذكر أن شعره كان سالماً نقياً ما عليه غبار: كيف يُرْجى معروف قومٍ من اللؤ ... مِ غَدَوْا يَدْخُلون في كلِّ فنِّ لا يروْن العُلا ولا المجد إِلاّ ... بِرَّ عِلْقٍ وقَحْبَةٍ ومُغَنِّ يتمنَّوْن أضن تَحُلَّ المسامير بأَسماعهم ولا الصوت مني وأنشدني له بعض أصدقائي بدمشق: ما لي أَرى قوماً يروضُون العُلا ... وبها عليهم نفرةٌ وإِباءُ لن يشْرَكونا في القريض، وكلُّهم ... في بعض ما نأتي به شركاء زعموا بأَنّ المَيْن في أَقوالنا ... ونَسُوا بأَنّا في المقال سَواء إِن كان خُلْف القول في أِشعارنا ... نقصاً فنحن وهم به أَكفاء لا نحن نفعلُ ما نقول ولا همُ ... فإذا نظرتَ فكلّنا شعراء لكنْ لنا ولهم على أَقوالنا ... بين الأَنام مدائحٌ وهجاء فإِذا كَذَبنا، قيل عنا: أَحْسَنوا ... وإِذا همُ كذَبوا يقال: أَساءوا هذا وإِنّ لنا عيوناً مِلْؤها ... من كلِّ ما نُسِبوا إِليه حياء والله ما نسجوا على مِنْوالنا ... يوماً وإِنّا منهم بُرَآء ومن العجائب أَن يَرَوْنا دونهم ... وهمُ لنا أَرضٌ ونحن سماء وأنشدني أيضاً: لقد تعجَّبَتِ النُّظَام من مِدَحٍ ... أَزُفّها بين منظومٍ ومنثورِ أَبكار فكرٍ جلاها منطقي فأَتَتْ ... تختال ما بين تهذيب وتحبير ولا أَنال بها رِفْداً إِذا نُشِرت ... إِلاّ سوادَ خُطوطٍ في مناشير واخَيْبةَ الشِّعرِ أُهديه إِلى نفرٍ ... عليه يَجْزُون مَسْطوراً بمسطور رفاعُهم تملأُ الدنيا بما رحُبَت ... مَلأً من المَيْنِ والبُهْتان والزُّور تُطْوى وتُنْشَر والأَدْناس تشمِلها ... في كَفِّ كلِّ سَخين العَيْن مَعْرور كأَنها، وعطاياهم مُسَطَّرةٌ ... فيها، لفائِفُ مَيْتٍ غير منشور أَو ما يُقَلّعه البَيْطار مِن خِرَقٍ ... عن كلِّ أَعجفَ غثِّ اللحم مَعْقورِ فما لها مُشْبِهٌ في كلِّ مُخْزِيةٍ ... إِلاّ مناديلُ رَبّات المواخير لا تَطَّرِحْها إِذا جاءت فإِنَّ لها ... نفعاً ولكن لترقيع الطنابير ثم وقعت بيدي مسودات من شعر الهيتي بخطه عند وصولي إلى مصر، مما قاله بها وبالشام، فنقلت منها ما تحسد دررها الدراري، ويعشق إنشآءها المشحون فلك معانيه منشآت الجواري، فمن ذلك قوله من قصيدة في ابن رزيك: لم تدر ما طعم الكَلال ولا الوَجا ... لولا تدَرُّعُها الظلامَ إِذا سجا

стр. 202

والسير تحت هواجر الشِّعْرى التي ... يلقى الوجوهَ أُوارُها متوهّجا بكواكب القَيْظِ التي قالت بها ... جُونُ الجَنادِب تستظِلُّ العَرْفَجا ذرْها وحاديَها وأَجوازَ الفلا ... وتحمّل الأَثقال فيها والنَّجا عوّامةٌ في الآل تحسب أَنه ... بحرٌ، وتحسبها السَّفينَ مُلَجّجا ومنها في الغزل: تجلو بِعيدان الأَراك مُعَلَّلاً ... بالراح مثلَ الأُقحوان مُفَلَّجا مُضْنىً يُريك مُوَشَّحاً ومُمَنْطَقاً ... عَبْلاً يريك مُخَلْخَلاً ومُدَمْلَجا وكأَنما ظبيُ الصّريم أَعارها ... جِيداً ومُلْتَفَتاً وطَرْفاً أَدْعجا عُلِّقْتُها تختال في بُرْدِ الصِّبا ... مَرَحاً، وبُرْد شبيبتي ما أَنْهَجا حتى تنفَّس من غياهب لِمَّتي ... فَلَقُ المشيب بمَفْرقي وتبلّجا وكففتُ عن غزلي بها وتهذَّبتْ ... مني القرائح للمدائح والهجا وحَلَبْتُ هذا الدهرَ أَشطُره فلم ... أَرَ فيه ذا خطرٍ يُخاف ويُرْتجى إِلاّ بني رُزِّيك أَرباب النَّدى ... والبأس والمجدِ المُؤَثَّل والحِجا وقوله من قصيدة: لئن أَمسكتْ عني سحائب جُودهِ ... فما أَنا للبِرّ القديم جَحودُ أَلم تر أَنَّ المُزْن يهطِل تارةً ... ويُمْسِك بعد الهَطْل ثم يجود وقوله من قصيدة أولها: تيمَّمِ النار تجلو عاكِفَ الظُّلَمِ ... يا مُدْلِجاً بطِلاح العيس لم ينمِ حُلَّ النسوع بمَغْنىً لم يزلْ أَبداً ... يُهَزّ بالمدح فيه نَبْعة الكرم واحطُط رِحال المطايا عن غواربها ... برحْب هذا الحِمى الممنوع والحَرَم جناب أَرْوَعَ ما استسقيت راحتَه ... تُفني العِدى واللُّهى بالسيف والقلم فعزمُه أَبداً بالنُّجْح مقترنٌ ... والرَّأْيُ بالرُّشْد، والأَلفاظُ بالحِكم مَنْ لم يزل يرعف الخَطيُّ في يده ... والمشرفيُّ دمَ الأَكباد والقِمَم ما قارعتْ يده إِلاّ بمُنْحَطِمِ ... كلاّ ولا جالدت إِلاّ بمُنْثَلِم ومنها: كأَنّهم والرَّدَيْنِيّاتُ تكنُفُهمْ ... يومَ الهياج غضابُ الأُسْد في الأَجَم ومنها: يا ابن الذين إِذا عُدَّتْ مناقبهم ... بين الورى ضاق عنها واسعُ الكَلِم وقوله من قصيدة في صاحب بُصرى أولها: خَلِّ الصَّريمَ لواصفي آرامِهِ ... وغَزالَه لِمُتَيَّمٍ ببُغامِه وَدَع الأَراك وما سما من دَوْحِه ... تدعو على الأَغصان حَمامِه ومنها في المدح: أَسدٌ ولكن من براثن كفّه ... بيضُ الظُّبا، والسُّمْرُ من آجامه لو لم يكن أَحدَ الضراغم لم يكن ... كسر الكُماةِ الشوس من إِلهامه سائلْ به يوم الظَّليلِ فإِنه ... يومٌ تجلّى عنه من أَيّامِه إِذا جاءه جيشُ الفرنج مُنَظَّماً ... فسما إِليه فحَلَّ عَقد نظامه وغدا يُحَدِّث في الجامع كفرُهُمْ ... بالبأس والسَّطَواتِ عن إِسلامه وله بأَرض القُدْس فيهم وقعةٌ ... سلبت مليكَهم لذيذَ منامِه كم جَحْفلٍ للشّرْك همَّ بحَرْبه ... فأَحَلَّ صدر الرُّمْح صدر هُمامِه فبنور شمس الدّين قد كُشِفت من الكُفْرِ المُرَوّع عاكفاتُ ظلامه فالّليْث في سِرْباله والغيث بين بنانه والبدر تحت لِثامه ماء المنايا والمُنى في كفِّه ... جارٍ، وفوق الطِّرْس من أَقلامه حازَ المفاخر والنُّهى في مَهده ... وسما إِلى العَلْياء قبل فِطامه لِلأريحيَّة والنَّدى في عِطفه ... فِعْلٌ يقصِّر عنه فعلُ مُدامه تهزُّ عِطفيْه المدائحُ هزةً ... كعواسل المُرّان يوم زحامه

стр. 203

يُغنيك في العام الجديب بجُوده ... عن فيض أَبحره وجَوْد غمامه كَرَمٌ، غدا هذا الزمان لكل ذي ... أَملٍ يروض به نفوسَ كرامه وقوله من قصيدة: رداءَ اتِّباع الغيِّ هل أَنت نازِعُ ... وهل لك مما لاح بالفَوْدِ وازعُ فَحتّامَ تُصْبيكَ البُروق كأَنها ... لقلبك لا قلب الظَّلام صوادع فحلأَّ جفنَ العين عن مَنْهَل الكرى ... وقد شرَعتْ فيه العيون الهواجع أَوَجْدَك أَمْ إِلْفاً بنُعْمان في الدُّجى ... على أَيْكِهِ هاجَ الحمامُ السَّواجع أَمِ الطيف لما زار، وهْناً، مُسَلِّماً ... نبت بك لما سار عنك المَضاجع فبتّ سميراً للنجوم كأَنّما ... تضمَّنَ من تهواه منها المطالع فيا لابِساً ثَوبَيْ مَشِيبٍ وصَبْوةٍ ... صُنِ السّرَّ إِلاّ أَن تَنُمَّ المَدامِع فما لك في خَلْع العِذاريْنِ عاذرٌ ... ولُبْسِ قِناع اللَّهْوِ، والفَوْدُ ناصع ومُضطربِ الأَحشاء من أَلم الجوى ... نَبَتْ عن سماع العذل منه المسامع أَقام الهوى منه الفؤادَ رَمِيّةً ... لِما فوّقت يوم الوَداع البَراقع فلا الماء إِلاّ ما تَسُحُّ جُفونُه ... ولا النّارُ إِلاّ ما تَجُنُّ الأَضالع يَحِنُّ إِلى أَرض الشآم صَبابَةً ... كما حَنَّ مفقود القرينة نازعُ ديارٌ كساها القَطْرُ سِرْبال بَهْجَةٍ ... مصايفُها تُزْهى به والمَرابِع جَلَتْها الرياضُ الخُضْرُ في حُسْنِ حُلَّةٍ ... من النَّوْر حاكتْها الغُيوثُ الهوامِع سَقَتْها على تصفيق برقٍ تراقَصتْ ... بأَسيافها فيه البروق اللَّوامع وأَلبسها زهْرُ الربيع مَطارِفاً ... مِن الوَشي لاثتها الرُّبى والأَجارع تُرَجِّعُ فيه الطيرُ لحناً كأَنما ... يَجُسُّ به منها المثانيَ صانع تخال مناقير الهَزار بدَوْحِها ... مزاميرَ، لكن أَعوزتْها الأصابع بلادٌ لأُسْد الغاب في عَرَصاتِها ... بأَلحاظ أَحْداق الظباء، مَصارع فيا طِيبها لولا زَلازِلُها التي ... يروعُك منها هَزُّها المتتابع تَمُورُ كما مار السَّفيه بلُجَّةٍ ... تَلاطمَ فيها مَوْجُها المتدافع بأَقْطارها لا تطمئنُّ كأَنّما ... توعَّدهُنّ اللّوذعِيُّ طلائع ومنها: إِذا ملأَ الصدرَ النِّجادُ وصافحتْ ... متونُ القنا الخَطّارِ فيه الأَشاجع يقول: أَلا أَيْن المجالِدُ، عضبُه ... وذابله العسّال، أَين المُقارِع منازِلُه والمالُ والصَّدْرُ والجَدى ... على الخلْق، كُلٌّ في الإِضافة واسع وأَفعالهُ في المَكْرُمات كعزْمِه ... مواضٍ، فما فيهن فعلٌ مُضارعُ فما روْضَةٌ يُسْقى بماءيْنِ تُرْبُها ... وكلُّ نميرٍ في المَنابت ناجِع يمُجّ إِليها النيل من صاعِد النَّدى ... ويَشْفَعُه من نازل القطر شافع مُدَبَّجَةُ الأَرْجاء تُمْسي كأَنها ... عقيلة خِدْر سِرُّ ريّاهُ ذائع تَقابَلَ في المخضرّ أَبيضُ ناصِعٌ ... وأَحمرُ قانٍ منه أَصفر فاقع بأَحسنَ منْ يوم التهاني يَزُفُّها ... لمجدك نظّامٌ بليغ وساجع وله في كبير مرض: مَنْ مِثْلُه حين عاد مشتكياً ... والمجدُ والمَكْرُمات عُوَّدُهُ مدّ إليه الشفاءُ كلَّ يدٍ ... وعنه غُلَّتْ من الرَّدى يدُه وقوله في مرثية الصالح بن رزيك: جَلَّ ما أَحدثتْ صُروفُ الليالي ... عند مُسْتَعْظَم العُلى والجلالِ مَلِكٌ بعد قَبْضِه بَسَطَ الخَطْبُ يديْه إِلى بني الآمال جادتِ العينُ بعد بُخْلٍ عليه ... بيواقيتِ دمعها واللآلي

стр. 204

وغدا كلُّ ناطقٍ بلسان ... مُوجَعاً فيه، قائلاً: ما احتيالي ذهب الصّالح الذي أَلبس الأَيّامَ مِنْ بعدِه ثيابَ الليالي والذي كَفَّ كفُّه أَيديَ الفقْر بما بثَّ من جَزيل النَّوال حَلَّ في التُّرْبِ منه من كان يرجو ... هـ ويخشاه كلُّ حيّ حِلال طوْدُ حِلْمٍ ما خَفّ إِلاّ إِذا قيل: أَلا أَين حامِلُ الأَثْقال مَنْ لِشَنِّ الغاراتِ بعد أَبيها ... ولِصَدْمِ الأَبطال بالأَبطال ولِنَظْمِ الصُّدور، تعتلجُ الأَحْقاد فيهنّ، في صُدورِ العوالي ولِفَصْلِ الخطاب في كلِّ أَمرٍ ... شيبَ منه الإِبهامُ بالإِشْكال ومنها: خَلِّ دَمْعي فإِنَّهُ غير راقٍ ... وفؤادي فإِنه غيرُ سالِ ليس يُطفي ناراً تَلَظَّى بقلبي ... سُحْبُ جفني بمائها الهطّال حُرِمتْ لَذَّةَ الكرى كلُّ عَيْنٍ ... لم تَجُدْ بعدَه بدمْعٍ مُذال وإِذا بان ساكنُ الرَّبْعِ عنه ... ما يَرُدُّ البكاءُ في الأَطْلال وقوله: طاف، وسِتْرُ الظَّلام مُنْسَدِلُ ... خيالُ مَنْ زان طرفَهُ الكَحَلُ يَعْجَبُ مِنْ طارق الرُّقاد وقد نا ... زَلَ جفني من بعد ما ارتحلوا ثُمَّت وليّ وَهْناً فأَتْبَعَهُ ... طيبَ كراه المُتيَّمُ الغَزِلُ ولو تَخَطَّى إِليه باعثُه ... لم تُخْفِه دُجْنَةٌ ولا طَفَلُ وكيف يُخْفي الظلامُ شمسَ ضُحىً ... غصَّتْ بأَنوارِ وجْهها السُّبُلُ الليلُ والصبحُ مِنْ مُرَجَّلِها ... على نَواصي جبينها خَجل وقدُّها عَلَّم الغصونَ ضُحىً ... تميلُ في البانِ ثم تعتدل جَيْداءُ قد نظّمت قلائدها ... دُرّاً يحاكيه ثَغْرُها الرَتَل لم أَدْرِ من قبل أَنْ تلاحظني ... أَنّ جفونَ الصّوارم المُقَل ولا علمتُ الظّباء كانِسَةً ... فوق المطايا وكُنسُها الكِلَل ومنها: منازلَ الحيِّ بالمُرَيج سقى ... ثَرى مَغانيكِ عارِضٌ هَطِلُ لولا ظِباء الطُّلول منك لما ... شجا فؤادي ظبيٌ ولا طَلل ولم يَرُضْني هوى الحسانِ كما ... يروضني للمدائح الأَمل من كلِّ سيّارةٍ مُحَبَّرةٍ ... دُرِّيّةِ اللفظ ما بها خَلَل عذراء، روضيَّة النسيم، على ... أَوصاف سيف الإِسلام تشتمل غدا لأَمر الإِِله مُمْتَثِلاً ... فأَمره في العباد مُمْتَثَل ملك تُقِرّ الملوك أَنهم ... له، إِذا ما تفاخروا، خَوَل تُهْدى إِلى التُّرْب في مجالسه ... مِنْ قبلِ تقبيل كَفِّه، القُبَل قائد جيشٍ إِلى العِدى لجبٍ ... صَرْفُ الرَّدى منه خائفٌ وَجِل قومٌ كأُسْدِ الشرى براثنها البيض المواضي وغابُها الأَسَل فَلِلْمَها ما تَقَلّدوه، وللأَحْداق يوم الهياج ما اعتقلوا مِن مَعشرٍ ما لذا الزمان يدٌ ... يفعل في الناس مثل ما فعلوا إِن سُئِلوا المجدَ والعُلى مَنَعوا ... أَو سُئلوا العُرْفَ والنَّدى بذلوا ومنها: يسأَله الوَفْدُ رِفْدَه فمتى ... تَرَحَّلوا عن جنابه سُئِلوا تفعل في عِطْفه المدائح ما ... يَعْجَزُ عنه الثقيل والرَّمَل ذِكْرُ النَّدى والعُلى يُرَنِّحُه ... كأَنه منه شارِبٌ ثَمِل فالْعلمُ والحِلمُ والشجاعة والعفّةُ فيه والقول والعمل وحيش الأسدي هو الأديب أبو الوحش سبع بن خلف بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن زيد بن زياد بن المرار بن سعيد الأسدي الفقعسي، ومولده سنة أربع وخمسمائة. لقيته بدمشق شيخاً مطبوعاً، ومدحني بقصائد. ومن جملة ما مدح به الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب عند وصوله إلى الشام وملكه دمشق سنة سبعين من قصيدة أولها:

стр. 205

قد جاءك السَّعْدُ والتوفيقُ واصطحبا ... فكن لأَضْعافِ هذا النصر مُرْتقِبا ومنها: لله أَنتَ، صلاحَ الدين، من أَسدٍ ... أَدنى فريستِه الأَيّامُ إِن وَثَبا رأَيتَ جِلِّق ثغراً لا نظير له ... فجئتَها عامِراً منها الذي خَرِبا نادتْك بالذُّلِّ لما قلَّ ناصرها ... وأَزْمعَ الخَلْقُ منْ أَوطانها هَرَبا أَحْيَيْتَها مثلَ ما أَحييتَ مِصْر فقد ... أَعَدْت مِن عدلها ما كان قد ذهبا هذا الذي نصر الإِسلامَ فاتّضحتْ ... سبيلُه، وأَهان الكُفْر والصُّلُبا ويوم شاوَر، والإِيمانُ قد هُزمت ... جيوشُه، كان فيه الجحْفَلَ اللَّجِبا أَبَتْ له الضيْمَ نفسٌ مُرَّةٌ ويدٌ ... فعّالةٌ، وفؤادٌ قَطُّ ما وَجَبا يستكبر المدحَ يُتْلى في مَكارمه ... زُهْداً، ويستصغر الدنيا إِذا وهبا ويومَ دِمياط والإسكندرية قد ... أَصارهم مثلاً في الأرض قد ضُرِبا والشذامُ لو لم يدارك أَهلَه اندرستْ ... آثاره وعَفَتْ آياتُه حِقَبا ومنها: هو الجوادُ ولكن لا يُقالُ كبا ... وهْو الحُسامُ ولكن لا يُقال نَبا وهو الهِزَبْرُ ولكن لا يقال طغا ... وهْو الضِّرام ولكن لا يُقالُ خَبا فأَنتَ إِسكندرُ الدُّنْيا ووارِثُها ... فاقصِد ملوكَ خُراسان وَدَعْ حَلَبا وأنشدني لنفسه: رُبّ يَوْمٍ وليلةٍ بتّ أَقْضيها بلا مانعٍ غِناءً وسُكْرا أضجْتلي نَرْجِساً وأَلْثِمُ رَيْحا ... ناً وأَجني وَرْداً وأَرشُف خمرا إِنْ أَمِلْ يَمْنَةً أُعانق خَصْراً ... أَو أَمِلْ يَسْرَةً أُقَبِّلُ ثَغْرا وأنشدني لنفسه: وكم لَيْلَةٍ قَد بتُّ مُسْتَمْتِعاً بها ... إِلى أَن بدا من صبح سَعْديَ فجرُهُ وخمري جنَى فيه، ووَرْديَ خَدُّهُ ... وصُبْحي مُحَيّاهُ وليليَ شَعْرُه ورَيْحانُ نَقْلي من عِذارَيْه يانِعٌ ... وكأْسي إِذا ما دارتِ الكأْسُ ثَغْرُه وأنشدني أبو الوحش لنفسه من قصيدة بدمشق سنة إحدى وسبعين في نور الدين: انظرْ فهذا الرَّشَأُ الأَحْوَرُ ... يَرْهَبُ منه الأَسَدُ القَسْوَرُ يُقامِرُ القلْبَ بأَجفانه ... وغَيْرُ خافٍ أَيُّنا يَقْمَرُ وأَسمر تفعل أَلحاظُه ... بالقلْبِ ما لا يفْعَلُ الأَسْمَرُ تختلِبُ الأَنْفُسَ أَلفاظُه ... لا شكَّ عندي أَنه يَسْحَر قالت لُيوثُ الغاب: يا قومُ ما ... أَسرعَ ما يصرع ذا الجُؤْذَرُ يا بَدوِيّاً جارُه آمِنٌ ... لِمْ ذِمَّتي في حُبِّكُمْ تُخْفَر عِقْدُك من لفظك مُسْتَنْبطٌ ... فاتّفق الجَوْهَرُ والجوهر أُنظر إِلى مَيْتِ الجفا إِنّهُ ... مَيْتٌ هر أُنظر إِلى مَيْتِ الجفا إِنّهُ ... مَيْتٌ إِذا واصلْتَهُ يُنْشَر ما الليلُ ليلٌ عند هذا الورى ... إِذا تبدّى وجهُك المُسْفِر والوَجنةُ الحمراءُ مُذْ أَزهرت ... نَمْنَمَها ريْحانُها الأَخضر والغُصُنُ المُورِقُ خَجْلان مُنْذُ اهتزّ منك الغُصُن المُزْهِر واسَقمي مِنْ غصُنٍ مُزْهرٍ ... بغير هِجْرانيَ لا يُثْمِر لمّا عَلَتْ طُرَّتُه وجْهَه ... قلت: اعجَبوا هذا الدُّجى المُقْمِر كم لامَ قومٌ في هواه فمُذْ ... بدا لهم في زيِّه كبَّروا واسْتكبروا وجدي فناديتُهم ... قوموا انظروا، حُسْنُه أَكبر يا صاح قد رقّ نسيم الصَّبا ... آثِرْ بها إِنْ كنت مَنْ يُؤْثِر

стр. 206

قم فاسقِنيها اليوم روميَّةً ... ممّا حبا القَسَّ بها قَيْصَرُ إِذا بدت في كفّه خِلْتَها ... مِنْ خدّه في كأْسه تُعْصَر إِنْ غُيِّبَتْ في فيه أَنوارُها ... فإِنها في خَدِّه تظهر أَو قيل عنها نَجَسٌ مُطلقٌ ... فإِنها من يده تَطْهُر وأنشدني لنفسه من قصيدة: وقد عَلِمَتْ أَبناءُ عَصْرِيَ أَنّني ... أَنا المِسْكُ لكن دهري الجائِر الفِهْرُ إِذا زادني سَحْقاً أَزيد تأَرُّجاً ... فمِنْ شَأْنِه ظُلْمي ومن شَأْنِيَ الصَّبْرُ وقصدني بقصائد مدحني بها، فأحسنت جائزته. وله في بعض الأكابر وهو كمال الدين بن الشهرزوري: حُبُّ الإِمام مُحَمَّدٍ لي مَذْهَبٌ ... ومطامِعي بمُحَمَّدِ بنِ القاسم وكِلاهُما في الانتظار عقيدتي ... فَنَداك مقرونٌ برُؤْيا القائم فتيان بن علي بن فتيان بن ثمال الأسدي الخزيمي الدمشقي المعلم سألت بدمشق سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، عند شروعي في إتمام هذا الكتاب، عمن بها من الشعراء وذوي الآداب، فذكر لي فتيان منهم فتيان، معلم الصبيان، وهو ذو نظم كالعقود، وشعر كمجاج العنقود، ومعنى أرق واصفى من معين العذب البرود، ولفظ أنمق وأشهى من وشي البرود. وأنفذ إلي مسودات من شعره ونفاثات من سحره، فكتبت منها ما يروق الأسماع، ويشوق الطباع. فمن ذلك: نَوْحُ الحَمامِ الوُرْقِ في أَوْراقِها ... دَلَّ أَخا الشوق على أَشواقِها فأَظهَر الدَّمْعَ وأَخفى زَفْرةً ... خاف على الباناتِ من إِحراقها لو بَكتِ الوُرْقُ ببعض دَمْعِه ... لامَّحَتِ الأَطواقُ من أَعناقها فاعْجَبْ لها شاكيةً باكيةً ... لم تَسْلُك الدُّموعُ في آماقها ما أَفْرقَتْ مُهْجَته من الجوى ... لكنه أَشْفى على فِراقها دضعِ العُرَيْبَ والنَّقا وزينباً ... تجذِب لِلْبَين بُرى نِياقها وَعُجْ على دمشق تُلْفِ بلدةً ... كأَنما الجنّات من رُسْتاقِها سقى دمشقَ اللهُ غيثاً مُحْسِباً ... من مُسْتَهِلّ ديمةٍ دفّاقِها مدينة ليس يضاهى حُسْنُها ... في سائر البلدان من آفاقها تودّ زوراء العراق أَنّها ... منها ولا تُعْزى إِلى عِراقها أَهْدتْ لها يدُ الربيع حُلَّةً ... بديعةَ التَّفْويف من خَلاّقِها بَنَفْسَجٌ مثل خُدودٍ أُدْمِيَتْ ... بالقَرْص والتَّجْميش من عُشّاقِها ونَرْجِسٌ أَحداقه رانِيةٌ ... عَنْ مُقَلِ الغِيد وعن أَحداقها تَنَزَّل المَنْثُورُ من رياضها ... تَنَزُّلَ الأَعلام من شِقاقها فأَرضُها مِثلُ السماء بَهْجةً ... وزَهْرها كالزَّهْر في إِشْراقها مياهُها تجري خِلال رَوْضها ... جَرْيَ الثعابين لَدى اسْتِباقها مُسْفِرةٌ أَنهارها ضاحِكة ... تنطلِق الوُجوه لانطِلاقها نسيمُ ريّا رَوْضها متى سَرى ... فَكّ أَخا الهموم من وَثاقها قد رَبَع الرَّبيع من رُبوعها ... وسيقت المُنى إِلى أَسواقها لا تَسْأَمُ العُيون والأُنوف من ... رؤيتها يوماً ولا استنشاقها فكم بها من شادنٍ تَحْسُدهُ ... لِحُسنه البدور في اتساقها كأَنّما رُضابُه الصهباءُ بلْ ... مَذاقه أَطيبُ من مَذاقها وَمِنْ بدورٍ في الخدور لم تَزَلْ ... كواملاً لم تَدْنُ من محاقها فأَيُّ أُنْسٍ ثَمَّ لم تلاقِه ... وأَيَّةُ الراحات لم تلاقها بعدل فخر الدين قَرَّ أَهلُها ... عيناً وزاد الله في أَرزاقها زوَّجَها الأَمْنَ، وناهيك به ... بَعْلاً، فطيبُ العَيْش من صَداقها

стр. 207

فأَقسَمَتْ لا نَشَزَتْ عنه وقد ... أَقسم لا مال إِلى طَلاقها ومنها: ليس لفخر الدين ندٌّ في الوَغى ... إِذا الحروب شمرت عن ساقها تهابُه الأُسود في آجامها ... وَحَيَّةُ الوادي لَدى إِطراقها ويخضِب السُّيوفَ باصطباحها ... من عَلَق النَّجيع واغتباقها كأَنما أَعداؤه أَحبّةٌ ... يشتاق في الحرب إِلى اعتناقها والخيلُ لا تقتحم الموت إذا ... دارت رَحى الحرب سوى عِتاقِها سَحَّتْ بجَدْواه سَحاب كَفِّه ... فخافت العُفاة من إِغراقها عليه من حُسنِ الثناء حُلَّةٌ ... قَشيبةٌ لم يَخْشَ من إِخلاقها ومنها: أَمضى حسامٍ عقدته الدَّوْلة النّورية الغَرّاء في نِطاقها أَرسل نور الدين منها شُهُباً ... على العِجى لم يثن من إِحراقها وقال: رُوَيْدك كم تَجْني وكم تَتَدَلَّلُ ... عَلَيّ وكم أُغْضي وكم أَتَذَلَّلُ لَزِمْتَ مَلالاً ما تَمَلُّ لُزومَه ... فقلبي على جَمْر الغَضا يتَمَلْمَل وَوَكَّلْتَني بالليل أَرعى نجومَه ... وأَنت بطول الصَدّ عني مُوَكَّل ولا غَرْوَ إِن جادت جفوني بمائها ... إِذا كان مَنْ أهواه بالوَصل يبخل وقد صار هذا السُّخْط منك سَجِيَّةً ... فَليْتَكَ يَوْماً بالرِّضا تتجَمَّلُ فكُنْ سالكاً حُكمَ الزمان فإِنه ... يجورُ مِراراً ثم يَحْنُو فيَعْدل وقد كان حُسْنُ الصَّبْر من قبلُ ناصري ... فإِن دام ذا الإِعراض عني سَيَخْذُل وأَحْزَمُ خلق الله رأْياً فتىً إِذا ... نبا منزِلٌ يوماً به يتحوَّل فكم ملَّ منّي عائدي ومَلَلْتُه ... وعاصيت في حُبِّيك من كان يعذِلُ وأَيّامُنا تُطْوى ولا وَصْلَ بيننا ... وتُنْشَر والهِجران لا يَتَزَبَّلُ أَرى الحُسْنَ قد ولَّى عِذارك دَوْلَةً ... ولكنه عمّا قليلٍ سيُعْزل فأَحْسِن بنا ما كان ذلك ممكناً ... وأَجْمِل فقتلي عامداً ليس يَجْمُل وقال: ترنُّمُ الوُرْقِ على غصونها ... دَلَّ أَخا العِشق على شُجونها فجاد بالدَّمْع مَعين جفنِه ... ودَمْعُها لم يَبْدُ من عيونها دعْ عنك لَوْمَ عاشقٍ أَضْلُعُه ... تحسّ حرَّ النّار في مضمونها قد زاحم الوُرْقَ على رَنينها ... وشارَك النِّياق في حنينها وقد بكى شوقاً إِلى قرينه ... كما بكت شوْقاً إِلى قرينها وليس يبكي فقدَ ليلى أَحَدٌ ... في عَرْصَةِ الدّار سوى مَجْنونها أَفدي الذي تفعلُ بي جُفونه ... فِعْل الظُّبا تُسَلُّ من جُفونها ما ضَرَّه لو أَصْبحت أَخلاقه ... كَقَدِّه تُسعفني بلينها وقال، مما يكتب على خريطة: يا حاملي لا رأَيتَ الدهر إِقلالا ... وزادَك الله توفيقاً وإِقبالا أَعطاك رَبُّك أَموالاً تنالُ بها ... بين الوَرى من جميل الذِّكر آمالا الرزقُ يأْتيك والأَعمارُ ذاهبةٌ ... أَنْفِق ولا تَخْش من ذي العرش إِقْلالا وقال من قصيدة: وَمِيضَ بَرْقٍ أَرى في فيك أَمْ شَنَبا ... وهل رَشَفْتُ رُضاباً منه أَمْ ضَربَا أَفْدي الذي ما أَبى باللَّحظِ سَفْكَ دمي ... لكن متى ما طلبْتُ العَطْف منه أَبى ظَبْيٌ من الترك أَصْمَتْني لواحِظُه ... وأَسهم الترك إِن أَصْمَتْ فلا عجبا يبدو بضِدَّيْن في خدَّيْه قد جُمِعا ... ماء الشباب ونار الحسن فاصْطحَبا فذلك الماء أَبكى ناظريَّ دماً ... وذلك الجَمْرُ أَذْكى في الحَشا لَهَبا

стр. 208

شكا فؤاديَ مِنْ عِبْءِ الهوى تعباً ... كما شكا خصْرُه من رِدْفِه تَعبا يَهُزُّ أَعْطافَه دَلُّ الصِّبا فترى ... غُصْناً من البان يثنيه النسيمُ صَبا يا مُطْلِعَ البدر فوقَ الغُصْن معتدلاً ... يلوح ما بَيْنَ شُرْبوشٍ وطَوْقِ قَبا إِعْدِل فإِن رُسومَ الجَوْر قد دَرَسَتْ ... مُذْ صار فينا مَكينُ الدّين مُحْتَسِبا ثم سمع فتيان أنني أثبت شعره، وأجريت في الفضلاء ذكره، فقصدني بقصيدته وحضر عندي لزفاف خريدته، وسألني إثباتها في ديوان الفضل وجريدته، فحليته بفريدته. وذلك مما أنشدني لنفسه يمدحني به: نَعَشْتَ قوماً وكانوا قبْلُ قد دَثَروا ... لولا عُلاك، فطاب الوِرْدُ والصَّدَرُ أَحْيَيْتَ شعرهُمُ من بعد مِيتَته ... قِدْماً، وقد شعروا قِدْماً وما شَعُروا أٌقسمتُ ما رَوْضةٌ مُخضرَّةٌ أُنُفٌ ... بانَتْ تَسُحّ على أَقطارها القُطُر ذُبابُها هَزِجٌ، نُوّارُها أَرِجٌ ... نباتُها بَهِجٌ مُسْتَحْسَنٌ عَطِر كأَنَّ فاراتِ مِسْكٍ وَسْطها فُرِيَتْ ... فَنَشْرُها بأَماني النفسِ مُنْتَشِر شَقّ النسيم على رِفْقٍ شقائقها ... فضُرِّجَتْ بدمٍ لكنه هَدَرُ قَثْب الزَّبَرْجَد منها حُمّلتْ صَدَفَ الياقوت، فيها فتيتُ المِسْك لادُرَر أَحداق نَرْجِسها ترنو فأَدمُعُها ... فيها تَرَقْرَقُ أَحياناً وتَنْحَدِر وللأَقاصي ثُغورُ الغِيد باسمة ... سيكت بإٍسْحَلَةٍ أَنيابُها الأُشُرُ تُريكَ حُسنَ سَماءٍ وهي مُصْحِيةٌ ... والأَنْجُم الزُّهر فيها ذلك الزَهَرُ تبدو بها طُرَرٌ من تحتها غُرَرٌ ... يا حَبَّذا طُرَرُ الأَزْهارِ والغُرَرُ يوماً بأَحسنَ مِنْ خَطّ العماد إِذا ... أَقلامُه نُشِرَتْ عن حِبْرِها الحِبَرُ ولا العُقودُ بأَجيادِ العَقائل كالدُّمى فَمُنْتَظِمٌ منها ومنتثِر على ترائب كافورٍ تُزَيِّنُها ... حِقاق عاج عليها عاجَتِ الفِكَر تلك اللآلي تَروقُ النّاظرين فما ... يَسُومها سأَماً مِن حسنِها النظر يوماً بأَحسنَ من نظم العِماد ولا ... من نثره، فبه ذا العصرُ يفتخر أَضحت صِعاب المعالي عنده ذُلُلاً ... تحوي دقائقَها من لفظه الدُّرَرُ كأَنما لفظُه السِّحر الحَلال أَو الماء الزُّلال النَّقاخُ الطيِّب الخَصِر شِيبَتْ به قَهْوَةٌ حمراءُ صافيةٌ ... عُصارُها غَبَرَتْ من دونه العُصُر ولا السحائب بالأَنداء صائبةً ... فَجَوْدُها غَدِق الشُؤْبُوبِ مُنْهَمِر حتى إِذا انقشعت من بعد ما هَمَعَتْ ... أَثْنى عليها نباتُ الأَرض والشَّجَر يوماً بأَغْزَر من كَفِّ العماد ندىً ... فكلُّ أَنْملةٍ من كَفِّه نَهَر فلِلغمائم تقطيبٌ إِذا انْبَجَست ... وبِشْرُه دونه عند النَّدى القمر ما ابن العميد ولا عبد الحميد ولا الصابي بأَحسَن ذِكْراً منه إِنْ ذُكِروا ولو يناظره في الفقه أَسعدُ لم ... يَسْعَد، وأَحْصَره عن نُطْقِه الحَصَر هذا ومَحْتِده ما إِن يساجِلْه ... خَلْقٌ إِذا الصِّيدُ في نادي العلى افتخروا أَصِخْ محمَّدُ إِني جشدُّ معتذِرٍ ... إِنّ المقصِّر فيما قال يعتذر يا ابن الكِرام الأُلى سارتْ مكارمُهم ... حتى تعجَّبَ منها البَدْوُ والحَضَر راووق حِلْمِك فيها أَنت تسمعه ... يُبدي الجميلَ وفيه العيب يستتر وأنشدني لنفسه في غلام شواء: أَنا في الهوى لحمٌ على وَضَمٍ لِما ... عايَنْتُ من بَرْحٍ ومن بُرَحاءِ بِمُشَمِّرٍ عن مِعْصَمَيْه مُزَنَّرٍ ... يهتَزُّ بَيْنَ التِّيه والخُيَلاء

стр. 209

غَمِر اللِّباس، متى بدا لك وَجْهُه ... أَبصرتَ فوق الأَرض بَدْرَ سماء ما مَدَّ مُدْيَتَه لِقَطْع شِوائِه ... إِلاّ أَرانا أَعجَبَ الأَشياء ظَبْيٌ لواحِظُه أَشَدُّ مواقِعاً ... مِنْ شَفرةٍ بيدَيْه في الأَحْشاء يَسْطو على ما ليس يَعْقِل مثلما ... يسطو بمُدْيَته على العُقلاء فاعْجَبْ لِشوّاءٍ فَعالُ جُفونه ... في الناس ضِعْفُ فعال بالشاء وأنشدني أيضاً لنفسه: اقْدَحْ زِنادَ السُّرورِ بالقَدَحِ ... والمَحْ به ما تشاء من مُلَحِ صَهْباء قُلْ للّذي تَجَنَّبَها ... صَهْ، باءَ بالهَمِّ تاركُ الفَرَحِ وأنشدني لنفسه: وشادنٍ، صِبْغةُ شُرْبُوشِه ... في لَوْنها والفِعل، كاللَّهْذَمِ مُعْتَقِلٌ من قَدِّه ذابلاً ... ولَحْظُه أَمضى من المِخْذَم بلا غَرْوَ أَنْ راحَ ومَلْبُوسُه ... كأَنَّما أصدَرَهُ عن دمي كأَنَّهُ بدرٌ تَجلّى لنا ... من شَفَقٍ أَحمرَ كالعَنْدَم أبو الحسن علي بن جهير من الشعراء المعروفين بدمشق. وكان يغني بشعره، وله نظم مطبوع مقبول، عذب معسول، وإليه تنسب هذه القطعة التي يغنى بها: القلب مع الحبيب سائرْ ... والنوم من الجفون طائرْ ابن روبيل الأبار هو أبو محمد الحسن بن يحيى بن روبيل الأبار، من أهل دمشق. ذكره وحيش الشاعر وقال: كان شيخاً مطبوعاً ديناً ناسكاً لا يشرب الخمر ولا يقرب المنكر؛ وله دكان في سوق الأبارين يبيع الإبر. قال: ورأيت ابن الخياط جالساً على دكانه، وتوفي بدمشق سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة. قال: ومن شعره في مدح ابن الصوفي رئيس دمشق: يا مُحْيِيّ الدّين بعد ما دَثَرا ... ومُشْبِهاً في زمانه عُمَرا ومَنْ إِذا ما ذَكَرْتَ سيرَته ... سمعتَ ذِكْراً يُجَمِّل السِّيَرا أُنْظُر إِلى عبدك الحقير فقد ... جار عليه الزَّمان واقتدرا وخانه سَمْعُه وناظره ... مِنْ بعد ما كان يَثْقُب الإِبَرا وصار في السّوق كالأَجير، وهلْ ... يُفْلِح من صار يُشْبِه الأُجرا وماله موئلٌ يلوذُ به ... سِواكَ يا مَنْ يُجَمِّلُ الوُزَرا قال: وكان مع نسكه وعفته، مغرى بهجو زوجته. وذلك أنها أشارت عليه بمدح كبير فمدحه فما نفع، فهجاه فصفع، فقال: لولا زوجتي لما صفعت، ولولا تغريرها بي لما وقعت. فقال يهجوها: أُغْرِيَتْ زوجتي بشُرْب العُقارِ ... أَسكنتْني بجنب دار القِمارِ أَطعَمَتني مُخّ الحِمار فلمّا ... أَبصرتْني قد صِرْتُ مثل الحمار بذلتْ فرجها وصاحت إِلى النّا ... س هلمّوا يا مَعْشر الفُجّار وقال: لي قِطَّةٌ أَنظفُ مِنْ زوجتي ... ودُبرها أَنظفُ مِنْ فيها وكلّ ما صوّره ربُّنا ... من الخنا رَكَّبه فيها وقال: قرديَ في الأَقمين وَقّادُ ... وقِرْدُ إِمراتيَ عَوّادُ لأَنها مُغرمةٌ بالغِنا ... وتشرب الخمرَ وترتاد وجملة الأَمرِ بأَني لها ... ما دُمتُ طولَ الدهر، قوّادُ وقال فيها، وكان يسكن في درب صامت من دمشق: في دربِ صامتَ قَحبةٌ ... قد أَشبعت كلَّ المَدينه ولها أَخٌ في رأْسه ... قَرْنٌ ولا صاري السفينه يرضى بما ترضى به ... ويبيع عُنْبُلَها بتينه لو كان سلمانٌ يعيش لما رضي مِنْ ذا بسينه قال، وقلت له: ومن سلمان؟ قال: كان ضامن البد بدمشق قديماً. والبد هو الماخور. عبيد بن صفية جارية ابن الصوفي ذكر لي سالم بن إسحق المعري أن هذا عبيداً كان شاباً ذكياً، نشأ بدمشق، ولد مملوكة يقال لها صفية من إماء ابن الصوفي وزير صاحب دمشق، فمات في عنفوان شبابه. قال: وأنشدني لنفسه:

стр. 210

مدحتُ أَبا الفضل الأَمين، جهالةً ... بشعرٍ إِذا ما أَظلم الشِّعر أَشرقا فأَلبسني ثوباً خليعاً كعِرْضه ... فلم يبق إِلاّ ساعةً وتمزقا المشتهى الدمشقي أبو الفضل جعفر بن المحسن ذو النظم المشتهى، والفضل الذي له في فنه المنتهى، واللفظ الرائع، والخاطر المطاوع، نظمه معتدل المنهاج، صحيح المزاج، أحبر من الديباج، وأزهر من السراج الوهاج. له في الفستق: كأَنّما الفُسْتُق المُمَلَّحُ إِذْ ... جاء به مَنْ سَقاك صَهْباءَ مثلُ المَناقيرِ حين تفتحُها ... وُرْقُ حمامٍ لِتشربَ الماء وله فيه: أُنظرْ إِلى الفُسْتُق المَمْلوح حين بدا ... مُشَقّقاً في لطيفات الطيافيرِ واللُّبُّ ما بين قِشْرَيْه يلوح لنا ... كأَلسُنِ الطيرِ ما بين المناقير وله: دع حاسِدِيّ وما قالوا فقولُهم ... مما ينّبه بي في البدْوِ والحَضَرِ فليس يُرْمى من الأَغصان ذو ورَقٍ ... وليس يُرْجَم إِلاّ حامل الثمر وله: وكنت أَرجّي أَن أَرى منك رُقعةً ... أُنَزّه فيها ناظري بقراتِها ولكن قضتْ نَفْسُ المودَّةِ نحبَها ... لديك وما أَعلمتْني بوفاتها وله: وروضة أَبْذنج تأَمَّلتُ نَبْتها ... لها منظرٌ يزهو بغير نظير وقد لاح في أَقْماعِه فكأَنَّه ... قُلوبُ ظِباءٍ في أَكفِّ صُقور وله: ومعذِّرين كأَنَّ نبتَ خُدودِهم ... أَشْراكُ ليلٍ في عِراض نهار يتصيَّدون قلوبنا بلحاظهم ... مُتَعَمِّدين تصيُّدَ الأَطيار حتى إِذا اكتستِ الخُدودُ صنائعاً ... ناديتُ من شعفي وشدة ناري يا أَهل تِنّيس وتُونةَ قايسوا ... كم بين طَرْزِكُمُ وطَرْز الباري وله: وما قلتُ شعراً رغبةً في لِقا امرئٍ ... يُعوِّضُني جاهاً ويُكْسِبني بِرّا ولا طرَباً مني إلى شُرب قهوةٍ ... ولا لحبيبٍ إِن نأَى لم أُطِقْ صبرا ولكنني أَيقنتُ أَنيَ مَيِّتٌ ... فقلت عساه أَن يخلِّد لي ذِكرا وله في غلام عدل محنك: يا أَهلَ رحبةِ مالكٍ ... قلبي المشوق على المقالي مِنْ بعض أَولاد العُدو ... ل بقامةٍ ذاتِ اعتدالِ ما صار بدراً كاملاً ... حتى تحنّك بالهلال وله في الجرب، أبيات حقها أن تكتب بماء الذهب، وهي: رآني الفضلُ في فضلي سماءً ... فأَطلع ذي الكواكب فيّ حَبّا وكفَّ بها يدي عن كل وَغْدٍ ... يقبّلُ ظهرها وكساه رُعبا وأَوقع بين أَظفاري وبيني ... ليأخذَ ثأْرهنّ لديَّ غَصبا لأَني كنت أنهبهن قَصّاً ... فصيّرني لهنّ الدهر نَهْبا البديع الدمشقي أبو فراس طراد بن علي الدمشقي ذكره الشريف حيدرة العلوي الزيدي المصري المولد، وهو شيخ ورد واسطاً من جانب فارس سنة خمس وخمسين وخمسمائة، قال: وكان ينظم نظماً ركيكاً ينتجع به، فلما رأى أنه قلما ينفق نظمه صار رائضاً للخيل وصاروا يحسنون إليه لأجل الرياضة. قال: فارقت مصر منذ عشرين سنة وسألته عن الشعراء بها فذكر من جملتهم البديع الدمشقي، وقال: هو معدود في الشعراء، ووهب له صاحب مصر يوماً ألف دينار. فمما أنشدنيه من شعره، من قصيدة: هكذا في حبّكم أَستوجبُ ... كبِدٌ خحَرّى وقلب يَجِبُ وَجَزا مَنْ سهِرت أَجفانُه ... هِجرةٌ تمضي وأُخرى تعقِبُ يا لَقومي كلّ ما سهَّلْتمُ ... من طريق الصبر عِندي يصعُب كلُّ ما حلّ بقلبي منكمُ ... فالعيون النُّجْلُ فيه السبب وبقلبي بدرُ تِمٍّ طالِعٌ ... ما جرت قطُّ عليه السُّحُب وَجْهُهُ روضةُ حسنٍ أَسفرت ... خدُّه من وَردها مُنْتَقِب زفراتٌ في الحَشا محرقةٌ ... وجُفونٌ دمعها منسكِب

стр. 211

قاتل الله عَذولي ما درى ... أَنّ في الأَعين أُسداً تثب لا أَرى لي عن حبيبي سلوةً ... فدعوني وغرامي واذهبوا قد قبلنا ما حكمتُمْ في الهوى ... ورضينا فعلامَ الغضب ومنها: يوَمِنَ الرَّيْحان في عارضه ... أَرجلُ النمل بمسكٍ تكتب فوحقِّ الحب ما أَدري: الدُّجى ... شَعرُه أَم صُدغه أَم عقرب وأنشدني من أخرى: يا نسيماً هبَّ مِسكاً عَبِقا ... هذه أَنفاس رَيّا جِلِّقا كُفَّ عنّي، والهوى، ما زادني ... بردُ أَنفاسك إِلاّ حُرَقا ليت شعري، نقضوا أَحبابنا ... يا حبيب النفس، ذاك المَوْثِقا يا لَصبٍّ أَسروا مُهجته ... بسهامٍ أَرسلوها حَدَقا وأَداروا بعده كأْس الكرى ... وهو لا يشرب إِلاّ الأَرَقا يا رياح الشوق سُوقي نحوهم ... عارضاً من سحب دمعي غدِقا وانثري عِقد دموعٍ طالما ... كان منظوماً بأَيّام اللِّقا ومنها: أَسروا قلبي جميعاً عندهم ... بأَبي ذاك الأَسيرَ المُوثَقا ليت أَيامَ التصابي تثبتت ... بالفتى أَوْ ليته ما خُلقا وأنشدني له في هجو الجبيلي الشاعر: أَتى الجبيلي بشعرٍ مثل شِعرته ... كالعَيْر ينهق لمّا عاين الأُتُنا فكم جهَدتْ بأَن أَهزو بحليته ... فصار يخرى عليها واسترحتُ أَنا الجبيلي أنشدني له الشريف حيدرة الزيدي في حمام يناها الأفضل بمصر، كتبت على بابها: يا داخلَ الحمّام مُستمتِعاً ... منها بريح المسك والمَنْدَلِ إِيّاك أَن تذهَل من حُسنِ ما ... تنظره في أَوَّل المنزل في كلّ بيت جَنّةٌ زُخرفت ... ما مثلها في الزمن الأول رقّتْ وراقتْ فهي في حُسنها ... تحكي زمان الملك الأَفضل البائع الأعور الدمشقي قرأت بخط أبي سعد السمعاني من تاريخه المذيل، للبائع الدمشقي في ذم الخلطة: تعجبني الوحدة حتى لقد ... يعجبني من أجلها لحدي فليتني إن كنت في جَنَّةٍ ... أَو في لظىً، كنتُ بها وحدي كيلا أَرى كلَّ أَخي فَعلةٍ ... مُستفحِلٍ مستكلِبٍ وَغْدِ باب في ذكر محاسن جماعة من العلماء بدمشق ومن أهل القدس ثقة الدين أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله ابن عبد الله بن الحسين، الدمشقي الشافعي الحافظ، من أصحاب الحديث. لقيته بدمشق وسمعت عليه من التاريخ الذي صنّفه. واتفق لي أيضاً سماع شيء مما ألفه. وذكر السمعاني أنه رفيقه، وقال: كان أبو القاسم بن أبي محمد من أهل دمشق، كثير العلم، غزير الفضل، حافظاً، متقناً، ثقة، ديناً، خيراً، حسن السمت، جمع بين معرفة المتون والأسانيد، مثبتاً، محتاطاً، رحل في طلب الحديث. ورد بغداد سنة عشرين وخمسمائة ورجع إلى دمشق، ورحل إلى خراسان على طريق أذربيجان. ثم وافيت نيسابور سنة تسع وعشرين، وصادفته بها، وكنت أسمع بقراءته، واجتمعت معه ببغداد سنة ثلاث وثلاثين، وبدمشق سنة خمس وثلاثين، وسألته عن مولده فقال: في العشر الآخر من محرم سنة تسع وتسعين وأربعمائة. وأنشدني لنفسه بالمزة من أرض دمشق: أَيا نفسُ ويْحكِ، جاء المشيب ... فماذا التَّصابي وماذا الغَزَلْ تولّى شبابي كأَنْ لم يكن ... وجاءَ مشيبي كأَن لم يَزَلْ فيا ليت شِعْريَ ممّن أَكون ... وما قدَّرَ اللهُ لي في الأَزَل!؟ قال السمعاني: وأنشدنا أبو القاسم الحافظ الدمشقي لنفسه ببغداد: وصاحبٍ خان ما استودعتُه وأَتى ... ما لا يليق بأَرباب الدِّياناتِ وأَظهر السرَّ مُختاراً بلا سبب ... وذاك والله من أَوفى الجنايات أَما أَتاه عن المختار من خبرٍ ... أَن المجالس تُغْشى بالأَمانات

стр. 212

وذكر أنه كتب إلى أصحابنا من دمشق، في ابتداء كتاب، يعاتبني على ترك إنفاذ كتاب دلائل النبوة لأحمد البيهقي وغيره من الكتب، وقد لزم فيها ما لا يلزم: ما خلت حاجاتي إِليك وإِن نأَتْ داري مُضاعَهْ وأَراك قد أهملتها ... وأَضعتها كل الإِضاعه أَنسيتَ ثَدْيَ مودّةٍ ... بيني وبينك وارتضاعه ولقد عهِدتُك في الوفا ... ءِ أَخا تميم لا قُضاعه وأَراك بكراً ما تخا ... ف على الصّداقة والبضاعه فلما وصلت إلى الشام، وأقمت بدمشق، ترددت إليه، ورأيته قد صنف تاريخ دمشق. وذكر أنه في سبعمائة كراسة، كل كراسة عشرون ورقة. وسمعت بعضه منه. وأورد من شعره فيه. ودخل إلي بكرة يوم الأربعاء تاسع عشر شهر ربيع الأول سنة إحدى وسبعين فعرضت عليه ما أورده السمعاني في حقه، والآن أنت قد سمعته مني. ووعدني أن يكتب لي من شعره ما أورده في هذا الكتاب. وهو الحافظ الذي قد تفرد بعلم الحديث، والاعتقاد الصحيح، المنزه عن التشبيه، المحلى بالتنزيه، المتوحد بالتوحيد، المظهر شعار الأشعري بالحد والحديد، والجد الجديد، والأيد الشديد. ومما أنشدنيه لنفسه، وقد أعفى الملك نور الدين قدس الله روحه، أهل دمشق من المطالبة بالخشب، فورد الخبر باستيلاء عسكره على مصر، فكتبه إليه يهنيه، وأملاه علي في الثاني والعشرين من جمادى الأولى سنة أربع وستين وخمسمائة: لمّا سمحتَ لأَهلِ الشّام بالخشبِ ... عُوّضتَ مصر بما فيها من النَّشَبِ وإِن بذلتَ لفتح القدس مُحْتَسِباً ... للأَجر، جوزيت خيراً غير محتسَب والأَجْرُ في ذاك عند الله مرتٌََبٌ ... فيما يُثيب عليه خيرُ مرتقِب والذّكر بالخير بين الناس تكسِبه ... خيرٌ من الفضّة البيضاء والذهب ولستَ تُعْذَرُ في تَرك الجهاد وقد ... أَصبحتَ تملِكُ من مصرٍ إِلى حلب وصاحب المَوْصِل الفيحاء مُمْتَثِلٌ ... لما تُريد فبادرْ فَجْأَة النُّوَب فأَحزَمُ الناس من قوّى عزيمتَه ... حتى ينالَ بها العالي من القُرَب فالجَدّ والجِدّ مقرونان في قَرَنٍ ... والحزم في العزم والإِدْراك في الطلب وطهِّرِ المسجدَ الأَقصى وحَوْزَنَهُ ... من النَّجاسات والإشراك والصُّلُب عساك تظفر في الدُّنْيا بحسن ثَنا ... وفي القِيامة تلقى حُسنَ مُنقَلَب وتوفي ﵀ بدمشق، بين العشائين، ليلة الأحد حادي عشر رجب سنة إحدى وسبعين، ودفن بمقبرة باب الصغير. وصلى عليه الملك الناصر صلاح الدين في ميدان الحصا، وكان الغيث قد احتبس في هذه السنة، فدر وسح عند ارتفاع نعشه، فكأن السماء بكت عليه بدمع وبله وطشه، بلت الأرض برشه. ورثاه جماعة من الفضلاء. أنشدني فتيان بن علي الأسدي الدمشقي المعلم الأديب لنفسه. وهذه القصيدة مشتملة على حقيقته وطريقته ووفائه ووفاته: أَيُّ ركنٍ وَهى من العلماء ... أَيُّ نجمٍ هوى من العَلْياءِ إِنّ رُزْءَ الإِسلام بالحافظ العا ... لم أَمسى من أَعظم الأَرزاء أَقفرتْ بعده رُبوعُ الأَحاديث وأَقوتْ معالمُ الأنباء أَيُّها المبتغى له الدهرَ مِثْلاً ... أَتُرجّي تَعانق العَنْقاء كان ناديه كالرّياض إِذا ما ... ضحك النَّوْر عن بُكا الأَنْداء كان حِبْراً يَقْري مسامعنا من ... أَسود الحِبْر أَبيضَ الآلاء كان من أَعلم الأَنام بأَسما ... ءِ رجال الحديث والعلماء فهي من بعدُ في المَهارق كالأَفْعال إِذا عُرِّيَتْ من الأَسماء كان من وَصْمة التغيّر والتَصحيف أَمْناً لخابط العَشْواء كان في دينه قويّاً قويماً ... ثابتاص في الضرّاء والسرّاء كان علاّمةً ونسّابةً لم ... يخْفَ عنه شيءٌ من الأَشياء يا لَها من مُصيبةٍ صمّاءِ ... لم يَحِدْ سهمها عن الإِصماء

стр. 213

هَدمت ذروة المعالي ووارتْ ... جسد المجد في ثَرى الغَبراء قد أَرانا سريرُه كيف كانت ... قبلُ تُجْلى أَسرّةُ الأَنبياء سيّرتْ نعشَه الملوكُ وأَملا ... كُ السّموات بالبُكا والدُّعاء وامترى حزنُه مدامعَ أَهل الأَرض حتى جرتْ دُموع السّماء حَسْبُه أَنّه بهِ استُسْقِيَ الغيثُ فجادتْ به يدُ الأَنواء نَعَش الله نعشه وسقاه ... رحمةً، بالغمامة الوَطفاء قد وددنا أَنّ العيون استَهلَّتْ ... عِوَض الدمع بعده بالدماء وَلتلك الدموع كانت نجيعاً ... قَصَرَتْه حرارةُ الأَحشاء ولقد قرّت الأَعادي عُيوناً ... طالما أُغضِيت على الأَقْذاء كم به جُرّع العدوّ ذُعافاً ... من أَفاويق البُؤْس والبأْساء لم يزل يرغَم العدوَّ ويسعى ... رافلاً في مطارف النَّعماء من يكن شامتاً فللموت بأْسٌ ... ليس يُثْنى بالعِزّة القعساء وله وثبةٌ تذِلّ لها أُسْدُ الشَّرى والجيوش في الهيجاء من يمت فَلْيمت مَمات أَبي القا ... سم عن عِفّةٍ وطيبِ ثناء كم حوى لحدُه من العلم والحلم وكم ضمّ من سناً وسناءِ إِن يكن في الموتى يُعَدّ فقد خلّف علماً أَبقاه في الأَحياء مودَعٌ في سَوادِ كلّ فؤادٍ ... بتصانيفه بياض وَلاءِ وإِليه تُنْمى بنوه وطيب الأَصل مستأْزرٌ بطيب الجَناء لكُمُ يا بني عساكر بيْتٌ ... سامِقٌ في ذُرى العُلى والعَلاء لم يزل مُنْجِباً أَبوكم فما بُشّر إِلاّ بالسادة النُّجباء ولكُم في الأَنام صيتٌ رفيع ... مُشرِفٌ فوق قِمّة الجوزاء فتعَزّوْا عنه بصبرٍ وإِن كا ... ن مضى باصطبارنا والعزاء نحن نبكي عليه حُزناً وكم قد ... صافحته في اللَّحد من حَوْراء يا أَبا عُذْرِ كل مَعنىً دقيقٍ ... جَلَّ قدراً كالدُّرَّة العذراء صَبْرُنا يا ابن بَجْدة العلم أَمسى ... عنك مستصعِباً شديد الإِباء علماءُ البلاد حلّتْ حُباها ... لك يا مَنْ عمّ الورى بالحِباء ما عسى أَن نقول فيك وقد فا ... تت أَياديك جُملة الإِحصاء أَنت أَعلى من أَن تُحَدَّ بوصفٍ ... بلغتْه بلاغةُ البلغاء أَنت أَولى بأَن تُرَثّيك حتّى ... يُبْعَثَ الخلقُ، أَلسنُ الشعراء فعليك السلامُ ما لاح وجه الصّبح من تحت طرَّةٍ سوداء وسقى التربةَ التي غبتَ فيها ... كلُّ جَوْنٍ ودِيمةٍ هَطْلاء الصائن ابن عساكر أخو الحافظ كان عزير العلم، كبير القدر، وافر المعرفة بجميع العلوم، متقناً، مفضلاً على أخيه. توفي بدمشق بعد وصولي إليها، ولقيته بها، وله شعر حسن. الحافظ أبو محمد عبد الخالق بن أسد بن ثابت الدمشقي له: قلَّ الحِفاظُ فذو العاهات مُحترمُ ... والشَّهْمُ ذو الرأْي يؤذى مع سلامتِهِ كالقوس يُحْفَظ عَمْداً وهو ذو عِوَجٍ ... ويُنْبَذ السَّهْم قصداً لاستقامته وله في فقيه: أَبدى خِلافاً لوعدِ وَصلٍ ... وهدّد الهجرَ بائتلافِ فلا عجيبٌ، نَشا فقيهاً ... والفقهُ يحلو مع الخلاف وله: قالوا ترى ماءَ وَجْنتيْه، به ... لهيبُ نارٍ ما ينطفي أَبدا فقلت لا تعجبوا فذا لهبي ... لاح بمرآة خدّه وبدا كمثل بدرٍ أَلقى تَشَعْشُعَه ... في الماء لمّا أَضاء مُتَّقِدا وله: قال العواذلُ ما اسمُ مَنْ ... أَضنى فؤادَك، قلتُ: أحمدْ قالوا: أَتحمَد وقد ... أَضنى فؤادك، قلت: أَحمد لقيته بالشام في دمشق. مدرس بالمدرسة الصادرية. وتوفي بها سنة أربع وستين. وكان يلقب بالحافظ وهو متطرف في كل فن. أبو علي الحسن بن مسعود

стр. 214

ابن الحسن الوزير الدمشقي حافظ من أصحاب الحديث وذكره السمعاني في المذيل، وقال: كان متودداً مطبوعاً، حسن العشرة، دمث الأخلاق، سافر إلى أصفهان، ومنها إلى نيسابور، ومرو، وبلخ، وهراة، وغزنة، وبلاد الهند، وسمع الحديث. قال: وسألته عن مولده، فقال: خامس صفر سنة ثمان وتسعين وأربعمائة، وتوفي بمرو سابع المحرم سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة. قال السمعاني: أنشدنا لنفسه: يا سادتي ما عاقني عنكمُ ... قِلىً، ولكنْ قِلَّةُ الكُسْوَهْ بردٌ وثلجٌ ووُحولٌ ولا ... خُفّ ولا لِبْد ولا فَرْوَهْ فكيف مَن أَحواله هكذا ... بمَرْو في بُحْبوحَةِ الشَّتْوَهْ وأنشدنا لنفسه بمرو: ذكَّرتْني حَمامةُ المَرْوينِ ... حين ناحت لياليَ النَّيْرَبَيْنِ ورماني صرفُ الزمان ببَيْنِ ... فرَّقَ الله بين بَيْني وبَيْني قال وأنشدنا أبو بكر لامع بن عبد الله الصائغ بمرو، وأبو بكر محمد بن علي بن ياسر ببلخ، قالا: أنشدنا الحسن بن مسعود الحافظ لنفسه: أَخِلاّيَ إِن أَصبحتُمُ في دياركمْ ... فإِني بمرو الشّاهِجان غريبُ أَموت اشتياقاً ثم أَحيا بذكركم ... وبين التّراقي والضُلوع لهيب فما عجبٌ موتُ الغريب صَبابةً ... ولكن بقاه في الحياة عجيب المؤتمن الساجي من أصحاب الحديث هو المؤتمن بن أحمد بن علي بن الحسين بن عبد الله الشافعي المقدسي، من أهل بيت المقدس. سكن بغداد. وهو حافظ معروف كبير من أصحاب الحديث. قرأت في تاريخ أبي سعد السمعاني ببغداد يقول: سمعت عبد الله بن أحمد الحلواني بمرو يقول: سمعت والدك أبا بكر السمعاني يقول: ما رأيت بالعراق من يعرف الحديث ويفهمه غير رجلين، المؤتمن الساجي ببغداد، وإسماعيل بن محمد بن الفضل بأصفهان. وسمعت أنه توفي ثامن عشر صفر سنة سبع وخمسمائة. وله مقطعات من الشعر. قال: قرأت بخط أبي بكر محمد بن علي بن فولاذ الطبري. أنشدنا المؤتمن الساجي لنفسه: وقالوا كُنْ لنا خِدْنا وخِلاًّ ... ولا والله أَفعل ما يشاءوا أُحابيهم بكُلّي أَو ببعضي ... وكيف وَجُلُّهم نَعَمٌ وشاءُ قال: وقرأت بخطه، أنشدنا المؤتمن لنفسه: يا ربّ كن ليَ حِصْناً ... عند انثلام الحُصون فقد حَفِظْتَ كثيراً ... فوقي ومِثلي ودوني أبو المعالي المقدسي ليس من أصحاب الحديث، ولم يكن في زماني، واتفق ذكره ها هنا. وله في الورد: ووردةٍ غضّة القِطاف لها ... والليلُ بادي الظلام، أَنوارُ كأَنّها إِذا بدت تُغازلني ... وجهُ حبيبٍ عليه دينار وله: بكا على ما كان من مَردتِهْ ... بكاءَ داوُودَ على زَلَّتِهْ من يكن العِزُّ له في أستِه ... فذُلُّه بالشَّعر في لحيته القاضي شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن موسى يعرف بابن الفراش. من أهل دمشق، كبير المحل، كثير الفضل، صحيح العقد، رجيح العقل، مشمول الشمائل حلوها، مقبول الفضائل صفوها، جامع بين علم الأحكام والحكم، صانع في ترصيع البديع من الكلم، قد غلب عليه الوقار، وكأن كلماته يعصر منها العقار. كان قاضي العسكر في آخر عهد نور الدين محمود بن زنكي ﵀ بالشام إلى أن مضى لسبيله، وفاز في الخلد بسلسبيله. وولاه الملك الناصر صلاح الدين في دولته أمانة خزانته، وقرره على قضاء عسكره، وخاصته. وما زلنا ي الأيام المنورة النورية قرينين في المخيم، وقريبين في المجثم، وحلفي مجاورة، وإلفي محاورة، نتفق ولا نفترق، ونأتلف ولا نختلف، وأقتبس من نطقه وصمته، وأستأنس بخلقه وسمته، ونتواسى في المعيشة كالشقيقين الشفيقين، ونتساوى في العيشة كالصديقين الصدوقين، وهو أصدق من خطب إلي صداقته، وجعل صداقها صدقه، وأسبق من جرى في حلبة الوفاء فأعطى الكرم حقه، ما كسبت فيي الشام غيره، ولا حسبت إلا خيره، وما لقيت من لم ألق سوءه سواه، ولا ألفيت شرواه، وله في كل فن من العلوم يد قوية، وفكرة في النظم والنثر سوية، وقريحة في إبداع القافية والروي روية. ومما أنشدنيه من شعره:

стр. 215

سضحاب النَّدِّ مُنتشِرُ الضبابِ ... وبنت الكأْس راقصةُ الحَبابِ وعينُ الدّهرِ قد رَقَدتْ فأَيقظ ... سروراً طرفُه بالهمّ كاب ولا تستصْرِخَنَّ سِوى الحُمَيّا ... إِذا باداك دهرُك بالحِراب إِذا مُزِجتْ يطير لها شَرارٌ ... يَفُلّ شَبا الهموم عن الضِّراب ولا تقلِ المشيب يعوق عنها ... فقد ضمِنَتْ لنا رَدّ الشباب ولا تبغ الفِرار إِلى لئيمٍ ... تُلاطفه فيخشُن في الجواب فلي هِممٌ، إشذا سطتِ الليالي، مجاثمها على هام السحاب هي الدنيا تَسُرُّ إِذا أَرادت ... وتَحْزُن مَنْ تريد ولا تُحابي إِذا انتبهتْ حوادثها لشخصٍ ... فليس يُنيمها سَمَرُ العِتاب فإِن زادت فأَوْسِعْها فُؤاداً ... قويّ الجأْش مُنْفَسِح الرِّحاب متى كَمُلَتْ رياض الفضل خِصْباً ... فأَرضُ الحظّ مُجْدِبة الجَناب تُضيءُ المُشْكلاتُ بفضلِ قَوْلي ... ويرتاع المُلاسِن في خطابي وإِن طال المُفاخِرُ بالمَعالي ... وحاولني تقاصر عن هِضابي وأَعْجَبُ كيف تخفيني اللّيالي ... ووجه الشمس يَخْفى في شِهابي وُجوهُ مَناقبي حَسُنَتْ ولكن ... بِذَيْل الحظّ قد طاب انتقابي ثياب العِرض إِن دَنِسَتْ لِقَوْمٍ ... فكن ما عشت مُبْيَضَّ الثياب وأَسلمني الزّمانُ إِلى أُناسٍ ... إِذا عُدُّوا فليسوا من صِحابي رَقُوا ظُلماً وأَنفسُهم ترامت ... بهم طبعاً إِلى تحت التراب عليهم للكلاب مزيدُ فضلٍ ... وليس لهم مُحافظةُ الكلاب لهم دون الرغيف سِهامُ لؤمٍ ... تَصُدُّ القاصدين عن الطِّلاب وكتب لي من نظمه بخطه، قال: وقلت في بعض الأغراض التي اقتضت ذلك، وكان سببه أنني أنشدت لبعض الأًدقاء شعراً لمهيار، فتبرم منه لضيق صدره بسبب من الأسباب، فمازحته ببعض هذه الأبيات كأنها على لسانه: لقد سمح الدّهرُ بالمُقْتَرحْ ... وكان السكوتُ تمامَ الفرَحْ وما زال إِنشادُك الشعر لي ... يَمُرُّ بسمعيَ حتى انقرَحْ ونغَصتَ عَيْشي بترداده ... وأَفسدتَ من حالتي ما صلضح فلا خير في نظم هذا القريض ... ولا في تغزُّله والمِدَحْ لحا الله قلباً يحبّ المِلاح ... ولثْمَ الأَقاحي ورَشْف القَدَحْ ويهتَزُّ عند اهتزاز الغصون ... ويعجبه ظَبْيُ سِرْبٍ سَرَحْ وتُطربه رَوْضةُ العارِضيْن ... وما في شمائِلها من مُلَحْ لئِن سَرَّكُمْ حُسنُ وَجْهِ الحبيب ... فما ذاك عنديَ إِلاّ تَرَح وللهِ دَرُّ عجوزٍ تروق ... لطرفِ الحكيمِ إِذا ما لَمحْ ويُعْجِبُه صِبْغُ حِنّائِها ... وما بين أَسنانها من قَلَح لها رَحِمٌ مثلُ حبل العِقال ... إِذا ما دنوت إِليه رَشَح وإِن حَرَّكتْه ذُكور الرّجال ... تخيَّلْت ذاك كنيفاً فُتِح فهذي مقالة هذا الحكيم ... ولا خَيْرَ فيمن إِلها جَنَح فَدَعْ قوله واختصر صورةً ... كأَنّ الجمال لها قد شرح إِذا ما استدارتْ نطاق الخصور ... وماستْ قُدودٌ بزَهْوِ المِدَحْ فكم من غريقٍ بماء الجفون ... وكم من زِنادِ فؤادٍ قَدَح أَدِرْها وروِّ بها حائِماً ... ودارِكْ بقيَّةَ عُمْرٍ نَزَح ولا تَجعلِ المزج إِلاّ الرُّضاب ... وواصل غَبوقك بالمُصْطَبَح أَطِعْ في حبيبك غِشّ الهوى ... وعاصِ العذول إِذا ما نصح ولُذْ بضلالك قبل الهدى ... وبادِرْ ظلامك قبل الوَضَح وَدَعْ عنك وَضْعَ شِباك المُحال ... ونَصْب الفخخ وعَدَّ السُّبَحْ
следующие страницы →