Полный текст (895 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
قاتل الله عَذولي ما درى ... أَنّ في الأَعين أُسداً تثب
لا أَرى لي عن حبيبي سلوةً ... فدعوني وغرامي واذهبوا
قد قبلنا ما حكمتُمْ في الهوى ... ورضينا فعلامَ الغضب
ومنها:
يوَمِنَ الرَّيْحان في عارضه ... أَرجلُ النمل بمسكٍ تكتب
فوحقِّ الحب ما أَدري: الدُّجى ... شَعرُه أَم صُدغه أَم عقرب
وأنشدني من أخرى:
يا نسيماً هبَّ مِسكاً عَبِقا ... هذه أَنفاس رَيّا جِلِّقا
كُفَّ عنّي، والهوى، ما زادني ... بردُ أَنفاسك إِلاّ حُرَقا
ليت شعري، نقضوا أَحبابنا ... يا حبيب النفس، ذاك المَوْثِقا
يا لَصبٍّ أَسروا مُهجته ... بسهامٍ أَرسلوها حَدَقا
وأَداروا بعده كأْس الكرى ... وهو لا يشرب إِلاّ الأَرَقا
يا رياح الشوق سُوقي نحوهم ... عارضاً من سحب دمعي غدِقا
وانثري عِقد دموعٍ طالما ... كان منظوماً بأَيّام اللِّقا
ومنها:
أَسروا قلبي جميعاً عندهم ... بأَبي ذاك الأَسيرَ المُوثَقا
ليت أَيامَ التصابي تثبتت ... بالفتى أَوْ ليته ما خُلقا
وأنشدني له في هجو الجبيلي الشاعر:
أَتى الجبيلي بشعرٍ مثل شِعرته ... كالعَيْر ينهق لمّا عاين الأُتُنا
فكم جهَدتْ بأَن أَهزو بحليته ... فصار يخرى عليها واسترحتُ أَنا
الجبيلي
أنشدني له الشريف حيدرة الزيدي في حمام يناها الأفضل بمصر، كتبت على بابها:
يا داخلَ الحمّام مُستمتِعاً ... منها بريح المسك والمَنْدَلِ
إِيّاك أَن تذهَل من حُسنِ ما ... تنظره في أَوَّل المنزل
في كلّ بيت جَنّةٌ زُخرفت ... ما مثلها في الزمن الأول
رقّتْ وراقتْ فهي في حُسنها ... تحكي زمان الملك الأَفضل
البائع الأعور الدمشقي
قرأت بخط أبي سعد السمعاني من تاريخه المذيل، للبائع الدمشقي في ذم الخلطة:
تعجبني الوحدة حتى لقد ... يعجبني من أجلها لحدي
فليتني إن كنت في جَنَّةٍ ... أَو في لظىً، كنتُ بها وحدي
كيلا أَرى كلَّ أَخي فَعلةٍ ... مُستفحِلٍ مستكلِبٍ وَغْدِ
باب في ذكر محاسن جماعة
من العلماء بدمشق ومن أهل القدس
ثقة الدين
أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله
ابن عبد الله بن الحسين، الدمشقي الشافعي الحافظ، من أصحاب الحديث. لقيته بدمشق وسمعت عليه من التاريخ الذي صنّفه. واتفق لي أيضاً سماع شيء مما ألفه.
وذكر السمعاني أنه رفيقه، وقال: كان أبو القاسم بن أبي محمد من أهل دمشق، كثير العلم، غزير الفضل، حافظاً، متقناً، ثقة، ديناً، خيراً، حسن السمت، جمع بين معرفة المتون والأسانيد، مثبتاً، محتاطاً، رحل في طلب الحديث. ورد بغداد سنة عشرين وخمسمائة ورجع إلى دمشق، ورحل إلى خراسان على طريق أذربيجان. ثم وافيت نيسابور سنة تسع وعشرين، وصادفته بها، وكنت أسمع بقراءته، واجتمعت معه ببغداد سنة ثلاث وثلاثين، وبدمشق سنة خمس وثلاثين، وسألته عن مولده فقال: في العشر الآخر من محرم سنة تسع وتسعين وأربعمائة.
وأنشدني لنفسه بالمزة من أرض دمشق:
أَيا نفسُ ويْحكِ، جاء المشيب ... فماذا التَّصابي وماذا الغَزَلْ
تولّى شبابي كأَنْ لم يكن ... وجاءَ مشيبي كأَن لم يَزَلْ
فيا ليت شِعْريَ ممّن أَكون ... وما قدَّرَ اللهُ لي في الأَزَل!؟
قال السمعاني: وأنشدنا أبو القاسم الحافظ الدمشقي لنفسه ببغداد:
وصاحبٍ خان ما استودعتُه وأَتى ... ما لا يليق بأَرباب الدِّياناتِ
وأَظهر السرَّ مُختاراً بلا سبب ... وذاك والله من أَوفى الجنايات
أَما أَتاه عن المختار من خبرٍ ... أَن المجالس تُغْشى بالأَمانات
стр. 212
وذكر أنه كتب إلى أصحابنا من دمشق، في ابتداء كتاب، يعاتبني على ترك إنفاذ كتاب دلائل النبوة لأحمد البيهقي وغيره من الكتب، وقد لزم فيها ما لا يلزم:
ما خلت حاجاتي إِليك وإِن نأَتْ داري مُضاعَهْ
وأَراك قد أهملتها ... وأَضعتها كل الإِضاعه
أَنسيتَ ثَدْيَ مودّةٍ ... بيني وبينك وارتضاعه
ولقد عهِدتُك في الوفا ... ءِ أَخا تميم لا قُضاعه
وأَراك بكراً ما تخا ... ف على الصّداقة والبضاعه
فلما وصلت إلى الشام، وأقمت بدمشق، ترددت إليه، ورأيته قد صنف تاريخ دمشق. وذكر أنه في سبعمائة كراسة، كل كراسة عشرون ورقة. وسمعت بعضه منه. وأورد من شعره فيه.
ودخل إلي بكرة يوم الأربعاء تاسع عشر شهر ربيع الأول سنة إحدى وسبعين فعرضت عليه ما أورده السمعاني في حقه، والآن أنت قد سمعته مني. ووعدني أن يكتب لي من شعره ما أورده في هذا الكتاب.
وهو الحافظ الذي قد تفرد بعلم الحديث، والاعتقاد الصحيح، المنزه عن التشبيه، المحلى بالتنزيه، المتوحد بالتوحيد، المظهر شعار الأشعري بالحد والحديد، والجد الجديد، والأيد الشديد.
ومما أنشدنيه لنفسه، وقد أعفى الملك نور الدين قدس الله روحه، أهل دمشق من المطالبة بالخشب، فورد الخبر باستيلاء عسكره على مصر، فكتبه إليه يهنيه، وأملاه علي في الثاني والعشرين من جمادى الأولى سنة أربع وستين وخمسمائة:
لمّا سمحتَ لأَهلِ الشّام بالخشبِ ... عُوّضتَ مصر بما فيها من النَّشَبِ
وإِن بذلتَ لفتح القدس مُحْتَسِباً ... للأَجر، جوزيت خيراً غير محتسَب
والأَجْرُ في ذاك عند الله مرتٌََبٌ ... فيما يُثيب عليه خيرُ مرتقِب
والذّكر بالخير بين الناس تكسِبه ... خيرٌ من الفضّة البيضاء والذهب
ولستَ تُعْذَرُ في تَرك الجهاد وقد ... أَصبحتَ تملِكُ من مصرٍ إِلى حلب
وصاحب المَوْصِل الفيحاء مُمْتَثِلٌ ... لما تُريد فبادرْ فَجْأَة النُّوَب
فأَحزَمُ الناس من قوّى عزيمتَه ... حتى ينالَ بها العالي من القُرَب
فالجَدّ والجِدّ مقرونان في قَرَنٍ ... والحزم في العزم والإِدْراك في الطلب
وطهِّرِ المسجدَ الأَقصى وحَوْزَنَهُ ... من النَّجاسات والإشراك والصُّلُب
عساك تظفر في الدُّنْيا بحسن ثَنا ... وفي القِيامة تلقى حُسنَ مُنقَلَب
وتوفي ﵀ بدمشق، بين العشائين، ليلة الأحد حادي عشر رجب سنة إحدى وسبعين، ودفن بمقبرة باب الصغير. وصلى عليه الملك الناصر صلاح الدين في ميدان الحصا، وكان الغيث قد احتبس في هذه السنة، فدر وسح عند ارتفاع نعشه، فكأن السماء بكت عليه بدمع وبله وطشه، بلت الأرض برشه. ورثاه جماعة من الفضلاء.
أنشدني فتيان بن علي الأسدي الدمشقي المعلم الأديب لنفسه. وهذه القصيدة مشتملة على حقيقته وطريقته ووفائه ووفاته:
أَيُّ ركنٍ وَهى من العلماء ... أَيُّ نجمٍ هوى من العَلْياءِ
إِنّ رُزْءَ الإِسلام بالحافظ العا ... لم أَمسى من أَعظم الأَرزاء
أَقفرتْ بعده رُبوعُ الأَحاديث وأَقوتْ معالمُ الأنباء
أَيُّها المبتغى له الدهرَ مِثْلاً ... أَتُرجّي تَعانق العَنْقاء
كان ناديه كالرّياض إِذا ما ... ضحك النَّوْر عن بُكا الأَنْداء
كان حِبْراً يَقْري مسامعنا من ... أَسود الحِبْر أَبيضَ الآلاء
كان من أَعلم الأَنام بأَسما ... ءِ رجال الحديث والعلماء
فهي من بعدُ في المَهارق كالأَفْعال إِذا عُرِّيَتْ من الأَسماء
كان من وَصْمة التغيّر والتَصحيف أَمْناً لخابط العَشْواء
كان في دينه قويّاً قويماً ... ثابتاص في الضرّاء والسرّاء
كان علاّمةً ونسّابةً لم ... يخْفَ عنه شيءٌ من الأَشياء
يا لَها من مُصيبةٍ صمّاءِ ... لم يَحِدْ سهمها عن الإِصماء
стр. 213
هَدمت ذروة المعالي ووارتْ ... جسد المجد في ثَرى الغَبراء
قد أَرانا سريرُه كيف كانت ... قبلُ تُجْلى أَسرّةُ الأَنبياء
سيّرتْ نعشَه الملوكُ وأَملا ... كُ السّموات بالبُكا والدُّعاء
وامترى حزنُه مدامعَ أَهل الأَرض حتى جرتْ دُموع السّماء
حَسْبُه أَنّه بهِ استُسْقِيَ الغيثُ فجادتْ به يدُ الأَنواء
نَعَش الله نعشه وسقاه ... رحمةً، بالغمامة الوَطفاء
قد وددنا أَنّ العيون استَهلَّتْ ... عِوَض الدمع بعده بالدماء
وَلتلك الدموع كانت نجيعاً ... قَصَرَتْه حرارةُ الأَحشاء
ولقد قرّت الأَعادي عُيوناً ... طالما أُغضِيت على الأَقْذاء
كم به جُرّع العدوّ ذُعافاً ... من أَفاويق البُؤْس والبأْساء
لم يزل يرغَم العدوَّ ويسعى ... رافلاً في مطارف النَّعماء
من يكن شامتاً فللموت بأْسٌ ... ليس يُثْنى بالعِزّة القعساء
وله وثبةٌ تذِلّ لها أُسْدُ الشَّرى والجيوش في الهيجاء
من يمت فَلْيمت مَمات أَبي القا ... سم عن عِفّةٍ وطيبِ ثناء
كم حوى لحدُه من العلم والحلم وكم ضمّ من سناً وسناءِ
إِن يكن في الموتى يُعَدّ فقد خلّف علماً أَبقاه في الأَحياء
مودَعٌ في سَوادِ كلّ فؤادٍ ... بتصانيفه بياض وَلاءِ
وإِليه تُنْمى بنوه وطيب الأَصل مستأْزرٌ بطيب الجَناء
لكُمُ يا بني عساكر بيْتٌ ... سامِقٌ في ذُرى العُلى والعَلاء
لم يزل مُنْجِباً أَبوكم فما بُشّر إِلاّ بالسادة النُّجباء
ولكُم في الأَنام صيتٌ رفيع ... مُشرِفٌ فوق قِمّة الجوزاء
فتعَزّوْا عنه بصبرٍ وإِن كا ... ن مضى باصطبارنا والعزاء
نحن نبكي عليه حُزناً وكم قد ... صافحته في اللَّحد من حَوْراء
يا أَبا عُذْرِ كل مَعنىً دقيقٍ ... جَلَّ قدراً كالدُّرَّة العذراء
صَبْرُنا يا ابن بَجْدة العلم أَمسى ... عنك مستصعِباً شديد الإِباء
علماءُ البلاد حلّتْ حُباها ... لك يا مَنْ عمّ الورى بالحِباء
ما عسى أَن نقول فيك وقد فا ... تت أَياديك جُملة الإِحصاء
أَنت أَعلى من أَن تُحَدَّ بوصفٍ ... بلغتْه بلاغةُ البلغاء
أَنت أَولى بأَن تُرَثّيك حتّى ... يُبْعَثَ الخلقُ، أَلسنُ الشعراء
فعليك السلامُ ما لاح وجه الصّبح من تحت طرَّةٍ سوداء
وسقى التربةَ التي غبتَ فيها ... كلُّ جَوْنٍ ودِيمةٍ هَطْلاء
الصائن ابن عساكر
أخو الحافظ كان عزير العلم، كبير القدر، وافر المعرفة بجميع العلوم، متقناً، مفضلاً على أخيه. توفي بدمشق بعد وصولي إليها، ولقيته بها، وله شعر حسن.
الحافظ أبو محمد
عبد الخالق بن أسد بن ثابت الدمشقي له:
قلَّ الحِفاظُ فذو العاهات مُحترمُ ... والشَّهْمُ ذو الرأْي يؤذى مع سلامتِهِ
كالقوس يُحْفَظ عَمْداً وهو ذو عِوَجٍ ... ويُنْبَذ السَّهْم قصداً لاستقامته
وله في فقيه:
أَبدى خِلافاً لوعدِ وَصلٍ ... وهدّد الهجرَ بائتلافِ
فلا عجيبٌ، نَشا فقيهاً ... والفقهُ يحلو مع الخلاف
وله:
قالوا ترى ماءَ وَجْنتيْه، به ... لهيبُ نارٍ ما ينطفي أَبدا
فقلت لا تعجبوا فذا لهبي ... لاح بمرآة خدّه وبدا
كمثل بدرٍ أَلقى تَشَعْشُعَه ... في الماء لمّا أَضاء مُتَّقِدا
وله:
قال العواذلُ ما اسمُ مَنْ ... أَضنى فؤادَك، قلتُ: أحمدْ
قالوا: أَتحمَد وقد ... أَضنى فؤادك، قلت: أَحمد
لقيته بالشام في دمشق. مدرس بالمدرسة الصادرية. وتوفي بها سنة أربع وستين. وكان يلقب بالحافظ وهو متطرف في كل فن.
أبو علي الحسن بن مسعود
стр. 214
ابن الحسن الوزير الدمشقي حافظ من أصحاب الحديث وذكره السمعاني في المذيل، وقال: كان متودداً مطبوعاً، حسن العشرة، دمث الأخلاق، سافر إلى أصفهان، ومنها إلى نيسابور، ومرو، وبلخ، وهراة، وغزنة، وبلاد الهند، وسمع الحديث. قال: وسألته عن مولده، فقال: خامس صفر سنة ثمان وتسعين وأربعمائة، وتوفي بمرو سابع المحرم سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة.
قال السمعاني: أنشدنا لنفسه:
يا سادتي ما عاقني عنكمُ ... قِلىً، ولكنْ قِلَّةُ الكُسْوَهْ
بردٌ وثلجٌ ووُحولٌ ولا ... خُفّ ولا لِبْد ولا فَرْوَهْ
فكيف مَن أَحواله هكذا ... بمَرْو في بُحْبوحَةِ الشَّتْوَهْ
وأنشدنا لنفسه بمرو:
ذكَّرتْني حَمامةُ المَرْوينِ ... حين ناحت لياليَ النَّيْرَبَيْنِ
ورماني صرفُ الزمان ببَيْنِ ... فرَّقَ الله بين بَيْني وبَيْني
قال وأنشدنا أبو بكر لامع بن عبد الله الصائغ بمرو، وأبو بكر محمد بن علي بن ياسر ببلخ، قالا: أنشدنا الحسن بن مسعود الحافظ لنفسه:
أَخِلاّيَ إِن أَصبحتُمُ في دياركمْ ... فإِني بمرو الشّاهِجان غريبُ
أَموت اشتياقاً ثم أَحيا بذكركم ... وبين التّراقي والضُلوع لهيب
فما عجبٌ موتُ الغريب صَبابةً ... ولكن بقاه في الحياة عجيب
المؤتمن الساجي
من أصحاب الحديث هو المؤتمن بن أحمد بن علي بن الحسين بن عبد الله الشافعي المقدسي، من أهل بيت المقدس. سكن بغداد. وهو حافظ معروف كبير من أصحاب الحديث.
قرأت في تاريخ أبي سعد السمعاني ببغداد يقول: سمعت عبد الله بن أحمد الحلواني بمرو يقول: سمعت والدك أبا بكر السمعاني يقول: ما رأيت بالعراق من يعرف الحديث ويفهمه غير رجلين، المؤتمن الساجي ببغداد، وإسماعيل بن محمد بن الفضل بأصفهان.
وسمعت أنه توفي ثامن عشر صفر سنة سبع وخمسمائة.
وله مقطعات من الشعر. قال: قرأت بخط أبي بكر محمد بن علي بن فولاذ الطبري.
أنشدنا المؤتمن الساجي لنفسه:
وقالوا كُنْ لنا خِدْنا وخِلاًّ ... ولا والله أَفعل ما يشاءوا
أُحابيهم بكُلّي أَو ببعضي ... وكيف وَجُلُّهم نَعَمٌ وشاءُ
قال: وقرأت بخطه، أنشدنا المؤتمن لنفسه:
يا ربّ كن ليَ حِصْناً ... عند انثلام الحُصون
فقد حَفِظْتَ كثيراً ... فوقي ومِثلي ودوني
أبو المعالي المقدسي
ليس من أصحاب الحديث، ولم يكن في زماني، واتفق ذكره ها هنا.
وله في الورد:
ووردةٍ غضّة القِطاف لها ... والليلُ بادي الظلام، أَنوارُ
كأَنّها إِذا بدت تُغازلني ... وجهُ حبيبٍ عليه دينار
وله:
بكا على ما كان من مَردتِهْ ... بكاءَ داوُودَ على زَلَّتِهْ
من يكن العِزُّ له في أستِه ... فذُلُّه بالشَّعر في لحيته
القاضي شمس الدين أبو عبد الله
محمد بن محمد بن موسى يعرف بابن الفراش. من أهل دمشق، كبير المحل، كثير الفضل، صحيح العقد، رجيح العقل، مشمول الشمائل حلوها، مقبول الفضائل صفوها، جامع بين علم الأحكام والحكم، صانع في ترصيع البديع من الكلم، قد غلب عليه الوقار، وكأن كلماته يعصر منها العقار.
كان قاضي العسكر في آخر عهد نور الدين محمود بن زنكي ﵀ بالشام إلى أن مضى لسبيله، وفاز في الخلد بسلسبيله.
وولاه الملك الناصر صلاح الدين في دولته أمانة خزانته، وقرره على قضاء عسكره، وخاصته. وما زلنا ي الأيام المنورة النورية قرينين في المخيم، وقريبين في المجثم، وحلفي مجاورة، وإلفي محاورة، نتفق ولا نفترق، ونأتلف ولا نختلف، وأقتبس من نطقه وصمته، وأستأنس بخلقه وسمته، ونتواسى في المعيشة كالشقيقين الشفيقين، ونتساوى في العيشة كالصديقين الصدوقين، وهو أصدق من خطب إلي صداقته، وجعل صداقها صدقه، وأسبق من جرى في حلبة الوفاء فأعطى الكرم حقه، ما كسبت فيي الشام غيره، ولا حسبت إلا خيره، وما لقيت من لم ألق سوءه سواه، ولا ألفيت شرواه، وله في كل فن من العلوم يد قوية، وفكرة في النظم والنثر سوية، وقريحة في إبداع القافية والروي روية.
ومما أنشدنيه من شعره:
стр. 215
سضحاب النَّدِّ مُنتشِرُ الضبابِ ... وبنت الكأْس راقصةُ الحَبابِ
وعينُ الدّهرِ قد رَقَدتْ فأَيقظ ... سروراً طرفُه بالهمّ كاب
ولا تستصْرِخَنَّ سِوى الحُمَيّا ... إِذا باداك دهرُك بالحِراب
إِذا مُزِجتْ يطير لها شَرارٌ ... يَفُلّ شَبا الهموم عن الضِّراب
ولا تقلِ المشيب يعوق عنها ... فقد ضمِنَتْ لنا رَدّ الشباب
ولا تبغ الفِرار إِلى لئيمٍ ... تُلاطفه فيخشُن في الجواب
فلي هِممٌ، إشذا سطتِ الليالي، مجاثمها على هام السحاب
هي الدنيا تَسُرُّ إِذا أَرادت ... وتَحْزُن مَنْ تريد ولا تُحابي
إِذا انتبهتْ حوادثها لشخصٍ ... فليس يُنيمها سَمَرُ العِتاب
فإِن زادت فأَوْسِعْها فُؤاداً ... قويّ الجأْش مُنْفَسِح الرِّحاب
متى كَمُلَتْ رياض الفضل خِصْباً ... فأَرضُ الحظّ مُجْدِبة الجَناب
تُضيءُ المُشْكلاتُ بفضلِ قَوْلي ... ويرتاع المُلاسِن في خطابي
وإِن طال المُفاخِرُ بالمَعالي ... وحاولني تقاصر عن هِضابي
وأَعْجَبُ كيف تخفيني اللّيالي ... ووجه الشمس يَخْفى في شِهابي
وُجوهُ مَناقبي حَسُنَتْ ولكن ... بِذَيْل الحظّ قد طاب انتقابي
ثياب العِرض إِن دَنِسَتْ لِقَوْمٍ ... فكن ما عشت مُبْيَضَّ الثياب
وأَسلمني الزّمانُ إِلى أُناسٍ ... إِذا عُدُّوا فليسوا من صِحابي
رَقُوا ظُلماً وأَنفسُهم ترامت ... بهم طبعاً إِلى تحت التراب
عليهم للكلاب مزيدُ فضلٍ ... وليس لهم مُحافظةُ الكلاب
لهم دون الرغيف سِهامُ لؤمٍ ... تَصُدُّ القاصدين عن الطِّلاب
وكتب لي من نظمه بخطه، قال:
وقلت في بعض الأغراض التي اقتضت ذلك، وكان سببه أنني أنشدت لبعض الأًدقاء شعراً لمهيار، فتبرم منه لضيق صدره بسبب من الأسباب، فمازحته ببعض هذه الأبيات كأنها على لسانه:
لقد سمح الدّهرُ بالمُقْتَرحْ ... وكان السكوتُ تمامَ الفرَحْ
وما زال إِنشادُك الشعر لي ... يَمُرُّ بسمعيَ حتى انقرَحْ
ونغَصتَ عَيْشي بترداده ... وأَفسدتَ من حالتي ما صلضح
فلا خير في نظم هذا القريض ... ولا في تغزُّله والمِدَحْ
لحا الله قلباً يحبّ المِلاح ... ولثْمَ الأَقاحي ورَشْف القَدَحْ
ويهتَزُّ عند اهتزاز الغصون ... ويعجبه ظَبْيُ سِرْبٍ سَرَحْ
وتُطربه رَوْضةُ العارِضيْن ... وما في شمائِلها من مُلَحْ
لئِن سَرَّكُمْ حُسنُ وَجْهِ الحبيب ... فما ذاك عنديَ إِلاّ تَرَح
وللهِ دَرُّ عجوزٍ تروق ... لطرفِ الحكيمِ إِذا ما لَمحْ
ويُعْجِبُه صِبْغُ حِنّائِها ... وما بين أَسنانها من قَلَح
لها رَحِمٌ مثلُ حبل العِقال ... إِذا ما دنوت إِليه رَشَح
وإِن حَرَّكتْه ذُكور الرّجال ... تخيَّلْت ذاك كنيفاً فُتِح
فهذي مقالة هذا الحكيم ... ولا خَيْرَ فيمن إِلها جَنَح
فَدَعْ قوله واختصر صورةً ... كأَنّ الجمال لها قد شرح
إِذا ما استدارتْ نطاق الخصور ... وماستْ قُدودٌ بزَهْوِ المِدَحْ
فكم من غريقٍ بماء الجفون ... وكم من زِنادِ فؤادٍ قَدَح
أَدِرْها وروِّ بها حائِماً ... ودارِكْ بقيَّةَ عُمْرٍ نَزَح
ولا تَجعلِ المزج إِلاّ الرُّضاب ... وواصل غَبوقك بالمُصْطَبَح
أَطِعْ في حبيبك غِشّ الهوى ... وعاصِ العذول إِذا ما نصح
ولُذْ بضلالك قبل الهدى ... وبادِرْ ظلامك قبل الوَضَح
وَدَعْ عنك وَضْعَ شِباك المُحال ... ونَصْب الفخخ وعَدَّ السُّبَحْ
стр. 216
ولا تُغْلِقَنّ بحمْل الهمو ... م بابَ السّرور إِذا ما انفتح
وإِنْ خِفتَ من عاتبٍ فاستترْ ... بليل الشَّباب إِذا ما جَنَح
فَتَبّاً لدهرٍ يُعِزُّ اللئام ... وقدرُ الكرام به مُطَّرَحْ
ذَلول إِذا ما امتطاه الجهول ... وما رامه الحُرُّ إِلا مُمْتَدَح
وقد طُمِسَتْ أَوجهُ المَكْرُمات ... وقد عُطِّلَتْ هُجْنُها والصُّرُح
ولا خير فيمن غدا طائِعاً ... للؤمٍ أَلَمَّ وبُخْلٍ أَلَحْ
إِذا بهرجته عُقولُ الرّجال ... وأَخجله النّقْص لمّا افتضح
لئن قَصَّرَتْ خُطوةُ الحظّ بي ... فماليَ عن هِمّتي مُنْتَزَح
وإِن عَدَّ مُفْتخِرٌ فضلَه ... فبي يُخْتَمُ الفضلُ بل يُفْتَتَح
وكم للفضائلِ من خاطبٍ ... وما كلُّ خاطب بِكرٍ نَكَح
قال، وقلت:
لا تَلْقَ دهرك بالعِتابِ ... فعُهوده ذات انقلابِ
والبَدْ إِذا وَثب الرَّدى ... واصبر على مَضض المُصاب
فالدّهرُ يخدع بالسرو ... ر كمثل تلميع السَّراب
ما جئته مُسْترْوِحاً ... إِلاّ حصلت على اكتئاب
فإِذا طلبت صفاءه ... فابشُر بأنواع العذاب
لا تَشكُوَنَّ فما يُبا ... لي إِن شكوتَ ولا يُحابي
يا صاحبي ماذا يَضُرّ الأُسْدَ من حَنَق الذِّئاب
لولاكِ، غِزلانِ الفَلا ... ما هان مُرْتَكَب الصِّعاب
أَلِفَتْ مُنازَلَة القلو ... ب فما تَمَلُّ من الحِراب
يدنو فيمنعه الحَيا ... فيعود مَسدول الحجاب
والبدرُ أَحسنُ ما يكو ... ن إِذا تنقَّب بالسَّحاب
لله عيشٌ سالفٌ ... واللهو مَوْفورُ النِّصاب
وسرورنا مُستيقِظٌ ... فرِحٌ، وطرف الهمّ كاب
إِذا نُقْلنا لَثْمُ الخدو ... د وشُربنا خَمْرُ الرُّضاب
إِذ نحن في جاه الصِّبا ... والعمرُ مجهول الحساب
فارحلْ عن الدنيا وجِدَّ وَدَعْ مُلاعبة التَصابي
دَعْها فقد جاء المشيب بعَزْلِ سلطان الشباب
ما اللَّهْوُ بعدَ الأربعين وإِن قَدَرْت، بمُستطاب
بعثتْ طلائِعَها المنو ... ن إِليك مُسْرَجةَ العِراب
وقلت: لما ولي الملك السعيد ﵁ لسيدنا الأجل عماد الدين أبي حامد محمد بن محمد، ابن أخي العزيز، الإشراف على ديوانه وسائر مملكته مضافاً إلى ما كان يتولاه من ديوان الإنشاء، وكان قد ولد له ولد بعقب ذلك. ولم يتفق إنفاذها إليه في ذلك الوقت بسبب رحيل اتفق للملك السعيد ورحلنا معه في سنة ثمان وستين وخمسمائة. وهي محتاجة إلى تنقيح:
خان المُحالف والمُعاهدْ ... وجفا المُوالي والمُساعد
سهِرت عيونُ فضائلي ... لكنّ طرف الحظّ راقد
أخذ بصَفقةِ تاجرٍ ... طلب المقاصد بالقصائدْ
فاخِرْ فإِنك في زما ... نك صالح، والوقتُ فاسد
أَوَليس قومك معشرٌ ... كانت عوائِدهم عوائد
لا تتعب الحسّاب في ... عدد الكرام فأَنت واحد
فلئن فَخَرْتَ بمن مضى ... فلْتفخرنّ بك المَشاهد
فابشُر بمولودٍ يجدّدُ ذكر آباءٍ أَماجد
ولدٌ أتانا مُخبراً ... في مهده عن خير والد
ما فتَّ في عضدٍ ولكن فتَّ أَكباد الحواسد
رفعتْ دموعي بعدكم ... مما أُكابده جرائد
أَين الذين نعدّهم ... عند النوائب والشدائد
يَلْقَوك في شُوس الخطو ... ب مشمّرين عن السواعد
نَفقت ملابيس النِّفا ... ق وسوق أَهل الفضل كاسد
رُفعت دواوين الكفا ... ة وخُلْخِلَتْ منها القواعد
واستبهمت حتى لقد ... أَيِس المُعَلِّل والعوائِدْ
стр. 217
فنهضتَ فيها قائِماً ... بسِدادها والغيرُ قاعد
فَصَحَتْ وصحّ زمانها ... من ذا يُغشّ وأَنت ناقد
وملأْتَ أَسماع الرُّوا ... ة من الفوائد والفرائد
وحفِظت عَقد مودّتي ... فنشرت أَلوية المحامد
سرقت عزيمتُك الرُّقا ... دَ فبتّ مهجور المَراقد
غار الزمان فسلَّهُ ... سيفاً لأَهل الشرّ حاصد
وقلت في سنة ستين وخمسمائة وكتبتها إلى بعض الأصدقاء:
نواحي الأَرض ضاحكةُ الرُّبوعِ ... وعينُ المُزنِ هاطلة الدموعِ
ووجه الأَرض بسّام المُحَيّا ... وشادي الدَّوْح ممنوعُ الهجوع
وأَغصانٌ كأَنّ بها انتشاءً ... تصابت وهي شائبة الفروع
لقد طالت ليالي الهمّ فائْذَنْ ... عَصيُّ الهجرِ ذو وصلٍ مُطيع
ولا يسقيكها إِلاّ غزالٌ ... عَصيُّ الهجرِ ذو وصلٍ مُطيع
عُقاراً لو سطت في يوم حربٍ ... لأَوْدت بالخُبَعْثِنَة الشجيع
ولو مرّتْ على حلم ابن قيسٍ ... لأَضحى وهو كالطفل الرضيع
وقلت بسبب صديق:
إذا غرت خيولُ الهجر يوماً ... عليكَ، فكنْ لها ثَبْتَ الجَنانِ
وإِن خان الصديق فلا عجيبٌ ... أَليس الأَصدقاء بني الزّمان
وقلت لما كنت بحلب بعد وفاة الملك السعيد ﵁، وقد توالت الفتن، وحرجت الصدور، متشوقاً إلى دمشق ومتذكراً لها:
عروسُ الكأْس يجلوها نديمي ... علينا في ثيابٍ من نعيم
أَدِرْها واحْيِ أَباحاً تراها ... رَميماً بين أَجداث الهموم
وداوِ بها جِراحات الليالي ... فلستَ على التّداوي بالمَلوم
ولا تكسِر حُمَيّاها بمَزْجٍ ... فتضعُفَ عن مُقاومة الغريم
وأَعجَبُ كيف تبرُز وهي شمسٌ ... مكلَّلةَ الجوانب بالنّجوم
إِذا طافت همومُك حولَ كأْسٍ ... ترامتْ نحوها شُهْبُ الرُّجوم
وقد زَفّ الربيع إِليك رَوْضاً ... قشيبَ الزَّهْر مُعْتَلَّ النسيم
فَحُثَّ اليَعْمَلات إِلى دمشقٍ ... سقاها اللهُ هَطّال الغيوم
فيا لله درُّكِ من ديارٍ ... تَراضَعنا بها حَلَب الكروم
فما رقأَتْ دموعي حين غابت ... جواسقُها ولا اندملت كُلومي
إِذا ما طُفت حول دروب مقرى ... فعرِّج بي إِلى دَيْر الحكيم
وبادرْ نحو رَبْوتِها ففيها ... إِذا واجهتها بُرْءُ السقيم
وحيِّ النّيْرَبين فكم مضى لي ... على الشرفَيْن من شجنٍ قديم
إِذا الخُطباء في الأَغصان قامت ... تهُزُّ النائمين عن النعيم
إِذا كأْس الصَّبا دارت سُحَيْراً ... تحُلُّ معاقد الدُرّ النظيم
لقد أَهدت لها الخضراء بُرْداً ... بديع النَّسج مختلف الرُّقوم
وفي تلِّ الثعالب راح عنها ... ففيها منشإي وبها تميمي
لقد حلّت جِنانُ الخُلد فيها ... وفي حلبٍ هَوْت نارُ الجحيم
إِذا عُرضت عليك رأَيت فيها ... عِراصَ الخير دائرةَ الرُّسوم
مُناخُ للأَراذل منذ كانت ... محرَّمَةٌ على الحرّ الكريم
أَقمتُ بها فلم يظفر طِلابي ... بذي أَدبٍ ولا خِلٍّ حميم
وأَرذلُ من ترى فيها وأَخزى ... ذوو الأَقداء والحسب الصميم
تُرى يحنو الزمان عليَّ يوماً ... فأَشكو ما لقِيت إِلى رحيم
لعلّ الله أَن يُدني زماناً ... تَهُبّ لنا به ريحُ القُدوم
وأبناء الزمان كما تراهم ... أَفاعٍ دأْبُها نَفْثُ السّمومِ
فلا يحنو القويُّ على ضعيفٍ ... ولا يصل المَخوف إِلى رَؤوم
стр. 218
وسُقت إليهم الآمال حَثّاً ... فما وجدتْ سوى مرعىً وَخيم
رأَيتُ سحائباً فظننتُ فيها ... رَذاذاً مُنْعِشاً لثرىً عديم
يحاربني الزمان وأَيّ والٍ ... يناصفني وأَيامي خُصومي
تَبَلَّغْ باليسير وعِش كريماً ... وغُضّ الطرف عن نظر اللئيم
فقد عقمت عن الكرم اللّيالي ... فلا تَرْجُ الوِلادة من عقيم
وناديتُ العفاف: إِذا اقتسمنا ... فكن ما عشتُ في الدنيا قسيمي
وقلت لما خرجت من حلب متوجهاً إلى الملك الناصر صلاح الدين أدام الله دولته، وكان حينئذ بحمص، ولم يسمعها:
سرى ما بيننا سِرُّ الغُيوبِ ... يُبَشِّرُنا بنصرك عن قريبِ
ركبتَ إِلى الحروب جِيادَ عزمٍ ... مصرَّفةً عن الرأْي المُصيب
تبسّمتِ البلادُ إِليك أُنساً ... وكانت قبلُ مُوحِشةَ القُطوبِ
لقد ولّت شَمال الشِّرْك لمّا ... أَنار الدينُ من أُفقِ الجَنوب
تركت صوارخَ الأَعداء فيها ... مُخَرَّقةَ المَدارع بالحريب
تكاد قلوبُهم بالخوف منها ... تطير عن المساكن بالوَجيب
وما سهِرتْ رماحُك فيه إِلاّ ... لترقُد في التَّرائب والجُيوب
عصت حلبٌ وقاتل ساكنوها ... وليس قتالُهم لك بالعجيب
لأَنك ناصرُ الإِسلام حقّاً ... وهم رهط المُغيرة أَو شَبيب
وقد قالت سُعودك عن قريبٍ ... إِليك أَسوقهم سَوْق الجَنيب
جِهادُك إِن طلبت الغزوَ فيهم ... أَهَمُّ إِليك من غزو الصليب
فَزُرْ باب العراق وما يليه ... بكل مُزَنّرٍ طرِبِ الكُعوب
وفَجِّرْ مَنْبَع الأَوْداج حتى ... تَخوضَ الخيلُ في العَلَق الصبيب
ترى الإِسلام قد وافاك يعدو ... إِلى لُقياك مشقوق الجُيوب
وقد نادى مُؤَذِّنهم، فنادى ... ليوثُ الغاب: حيَّ على الحروب
أُناسٌ دَبّت الأَعلالُ فيهم ... وليس لهم كسيفك من طبيب
وقد وَلّى الوزيرُ وعن قريبٍ ... سينقلب الوزير إِلى الَقليب
أَحاط بجمعهم في كلِّ نادٍ ... ظلامُ الكفر في ليل الذُّنوب
ومُذ أَطلعتَ شمس النَّصل فيهم ... علا أَعناقَهم شَفَقُ الغروب
فلا يَغْرُرْكُمُ أَن كفّ عَنْكُمْ ... فإِنّ الأُسْدَ تجثِمُ للوُثوب
إِذا ابتسمتْ سيوفُ الهند يوماً ... فمَبْسِمُها يدلُّ على النّحيب
ولم يَذْخَرْك نور الدين إِلاّ ... لتدفع عنه نائبةَ الخُطوب
فخلِّص ابنه بالسيف منهم ... فقد حبسوه في بلدٍ جديب
يَبيتُ وقلبُه المحزون أشهى ... إِلى لُقياك من ضمِّ الحبيب
صغيرٌ بينهم، لا بل أَسيرٌ ... غضيضُ الطرف مبخوس النصيب
تذكَّرْ عهده واحْنُن عليه ... ونَفِّسْ عنه تضييق الكُروب
ولا يَغْرُرْكَ من يُوليك وِدّاً ... ويَلْوي عنك أَجفان المُريب
أَتيتُك والرِّماحُ تَخُبُّ نحوي ... وخُضت عَجاجةَ اليوم العصيب
رأيتُ كواسرَ الأَبطال حولي ... مُحَدَّدة المخالب والنُّيوب
وسِرتُ إليك محزوناً فلمّا ... رأَيتُك قلتُ للأَحزان: غيبي
رأَيتُ المارقين ومَنْ يليهم ... جميعاً من عَصِيّ أَو مُجيب
إِذا غنّت صواهِلهم وأَبدى ... لها الخطيُّ أَخلاق الطّروب
فَراشاً عاينتْ ناراً فأَبدت ... تهالُكَها على جمر اللهيب
فأَوْسِع طَعْنَ من عاداك ظُلماً ... كما وسَّعْتَ رِزق المُسْتَثيب
أَماتتني الهمومُ بأَرض قومٍ ... بما فعلوا وأَخذلني كُروبي
وها قد قمتُ من قبري لِتحيا ... بقُربك مُهجة الميت الغريب
стр. 219
وقد هاجرتُ إِنكاراً لما قد ... رأيتُ من المثالب والعيوب
ولي دهرٌ يُراقبني فأَرْمِدْ ... بلَحظٍ منك أَلحاظ الرّقيب
وشمسي تحرُق الحُسّاد كَبْتاً ... وتُعيي وصفَ ذي اللَّسَنِ الخطيب
عَلَتْ في أَوْجها وحَضيضُ حظّي ... يُجاذِبها بأَرسان المغيب
وقلت في سنة سبع وخمسمائة، وكتبتها إلى بعض الأصدقاء في سبب اقتضاه:
أَتطمعُ في عِقالك أَن يُحلاّ ... وتُدرك في ظلام الصُّدغ مَحْلا
وكنتُ أَقول لي صبرٌ مُعينٌ ... فلمّا صحّ هجرُك لي تخلّى
أَتسمع في مُحِبّك قولَ واشٍ ... وما سَمِع المُعَنّى فيك عَذْلا
لقد حلّلتَ من قتلي حراماً ... وحرَّمتَ الوصال وكان حِلاّ
وتسمح لي بخمر اللَّحظ صِرْفاً ... وتمنعني مِزاجَ الرّيق بُخلا
لقد عذَّبْتني، وأَصبتَ فيه ... لأَنّ الحبّ بالتعذيب أَحلى
لقد نصحت دعاوى العشق قوماً ... يظنّون البَلا في الحبِّ سهلا
فواحدُهم يَلَذُّ له زماناً ... ويطمع أَن يرى أَمناً وعدلا
إِذا ابتسم الوِصال يهيم عِشقاً ... وإِن عَبَس الصّدودُ سلا ومَلاّ
وشرطُ العِشق أَن تبقى أَسيراً ... وتجعلَ حُبَّهم قَيْداً وغُلاّ
فيا دهرُ ارتدِع عني وإِلاّ ... ستلقى من مُعين الدين نَصْلا
فتى إِن زُرْتَه أَلفيتَ عزماً ... يدافع من كُروب الدّهر ثِقْلا
وتلقى للخطوب حِمىً مَنيعاً ... وتُبصر جانباً للهْو سَهلا
فآلاءُ المكارم منك تَتْرى ... وآيات المحامد فيك تُتْلى
مدحتك لا لأَجلِ يسيرِ حَظٍ ... ولكن مطلبي أَوفى وأَغلى
أُؤَمِّلُ همةً لك أَمتطيها ... وأَبلغ في خفارتها المَحَلاّ
فَتنْعَشُ قوةً وتُزيلُ هَمّاً ... وتُحيي مَيِّتاً وَتَرُبُّ شَمْلا
وأنشدني لنفسه:
الصَّفْوُ من ماءِ العِنَبْ ... يا صاح أَحلى ما شُرِبْ
راحٌ تُريك بمَزْجها ... في الكأْس سِلسلة الذهب
طُبِخَتْ بنار الدّهر لا ... نارِ التَّضَرُّم واللَّهبْ
لا يَمْنَعَنَّكَ شُرْبَها ... شهرُ المحرَّم أَو رجب
وانهب زمانك إِنه ... لِشباب عمرك يَنْتَهب
وأنشدني لنفسه:
أَصوغ الحُلى في كلِّ يومٍ وليلةٍ ... وأُتْعِبُ منّي في صياغتها النَّفْسا
ولو مُتُّ ضَرّاً ما عَقدْتُ قِلادةً ... على جيدِ مَنْ لا يستحقُّ لها لُبْسا
وأنشدني أيضاً لنفسه بمصر:
صَيْدُ السرور أَجلُّ في المعقولِ منْ صَيْد الطُّيور
كم بين حَملك للكؤو ... س وبين حملك للصُّقور
الفقيه الوجيه برهان الدين
مسعود بن شجاع الحنفي
مدرس المدرسة النورية بدمشق. قرأ على برهان الدين البلخي ﵀ في عنفوان عمره ثم هاجر في طلب العلم إلى بخارى وسمرقند، فغاص من بحره في غمره، ثم عاد إلى الشام، وأقام بمدرسة حلب، وتنقلت به أحواله، وتحولت في البلاد رحاله، ورتبه نور الدين قاضياً بعسكره سنة، ثم توسلنا له عنده في تفويض التدريس بالمدرسة الكبيرة إليه، فحصل له ما لم يخطر بباله، وظهر بذلك حالي حاله، ورفع نفسه عن درجة الشعر، وكان له في الغربة أنجع وسيلة، وأنجح فضيلة.
وسألته مراراً أن ينشدني ما أثبته، ويسمعني ما أطريه وأنعته، فماطل بما طلب منه بعد عدة، وادعى الإملاق عن جدة، ولم يخش من الصديق أثر موجدة. ووقفت على قطعة بخطه كتبها ببخارى إلى بعض علمائها وليست من جيد نظمه، ولا من النمط اللائق بعلمه، وإنما جنى هو على أدبه، حيث لم يرد أن ينوه به. فمن جملة أبياتها، وأنا مضطر إلى إثباتها:
أَيصبر قلبي عنهمُ بعد ما ساروا ... ودمعي من الشوق المُبَرِّح مِدْرارُ
стр. 220
همُ جيرةٌ جاروا عليّ ببُعدهم ... فليتهُم عادوا إِليّ وإِن جاروا
الفقيه سديد الدين أبو عبد الله
محمد بن يوسف العقيلي الحوراني
وعثقيل قرية من قرى اللوى بحوران. من فقهاء أصحاب أبي حنيفة ﵀، صحب برهان الدين أبا الحسن علي بن الحسن البلخي بدمشق، وأخذ عنه، واستفاد منه، ورسخت في العلوم قدمه، وسمت إلى الفضائل هممه، وهمت بالفوائد ديمه، ودرس بجامع قلعة دمشق الفقه، وعدم في مجاراته المثل والشبه.
ذكره القاضي شمس الدين محمد بن محمد، وأثنى عليه، وعلى محاروته ومذاكرته. وقال: لم أر أكثر منه إنصافاً، وإمهاء للخاطر في البحث النظري وإرهافاً، وتوفي سنة أربع وستين وخمسمائة، وله شعر ما بجودته باس، وله من الأدب والحكم قاعدة وأساس.
وأنشدني شمس الدين له من أبيات:
ما أَليق الإِحسانَ بالأَحسن ... عقلاً إِلى الكافر والمؤمنِ
وأَقبح الظلم بذي قُدرةٍ ... حُكِّم في الأَرواح مُستأْمن
يا من تولّى عابتاً مُعرِضاً ... يُعْذَل في هجري فلا ينثني
شمس الدين أبو الحسن
علي بن ثروان بن الحسن الكندي
كان أديباً فاضلاً، أريباً كاملاً، قد أتقن الأدب، وقرأ اللغة على ابن الجواليقي وغيره من صدور العلم وبحوره، ولم يزل الأدب بمكانه مشرقاً في دمشق بنوره، في آفاق ظهوره. وقد ذكرت تاج الدين الكندي ابن عمه من أهل بغداد، وهذا، لإقامته بدمشق، أوردته مع أهلها، والأصل من الخابور. رأيته بدمشق مشهوداً لفضله بالوفور، مشهوراً بالمعرفة بين الجمهور، موثوقاً بقوله، مغبوقاً مصبوحاً من نور الدين بطوله. وتوفي بعد سنة خمس وستين وخمسمائة. وله شعر كثير، وفضل نظم ونثير، ولم يقع إلي ما أشد يد الانتقاد عليه، وأصرف عنان الانتقاء إليه.
ومن جملة ذلك أنه قصد بعض رؤساء الزبداني وهو الأمير حجي بن عبيد الله فلم يجده، فكتب على بابه هذين البيتين، أنشدنيهما التاج البلطي بمصر:
حَضَر الكِنديُّ مَغْناكم فلم ... يَرَكم مِنْ بعدِ كدٍّ وتعبْ
لو رآكم لتجلّى همُّه ... وانثنى عنكم بحُسن المُنْقَلَبْ
وله أيضاً من قصيدة أولها:
هتك الدَّمعُ بصوبٍ هَتِنٍ ... كلَّ ما أَضمرتُ من سِرٍّ خَفيّ
يا أَخلاّي على الخَيْف أَما ... تَتَّقون الله في حَثِّ المَطيّ
باب في ذكر فضائل جماعة من الفضلاء
أيضاً بدمشق من الكتاب والأجناد وغيرهم
ابن النقار الكاتب الدمشقي
أدركت حياته بدمشق، وكان شيخاً قد أناف على التسعين وقيل على المائة. وكان مليح الخط حلوه، فصيح الكلام صفوه، وتولى كتابة الإنشاء بدمشق لملوكها إلى أن تملكها نور الدين محمود بن زنكي ﵀، وكتب له أيضاً مدة يسيرة. وله نظم مقبول، وشعر معسول، وتوفي سنة ثمان أو تسع وستين وخمسمائة.
فمن شعره السائر ويغنى به:
الله يعلم أَنني ما خِلتُهُ ... يَصْبو إِلى الهِجران حين وصلتُهُ
مَنْ مُنصفي من ظالمٍ مُتَعَتِّبٍ ... يزداد ظُلماً كلَّما حكَّمْتُهُ
ملَّكتُه روحي ليحفظَ مُلكَه ... فأَضاعني وأَضاع ما ملَّكته
لا ذنبَ لي إِلاّ هواه، لأَنّني ... لمّا دَعاني للسَّقام أَجبته
أَحبابنا، أَنفقتُ عُمري عندكم ... فمتى أُعوّض قَدْر ما أَنفقته
وبمن أَعود إِلى سواكم قاصداً ... والقلب في عَرَصاتكم خلّفته
وَلِمَنْ أَلوم على الهوى وأَنا الذي ... قُدتُ الفؤاد إِلى الغرام وسُقته
أَأَرومُ غيركمُ صديقاً صادقاً ... هيهاتَ، ضاق العمر عمّا رُمته
ياذا الذي جعل الخلاف سجيّةً ... فعصيْتُ فيه عواذلي وأَطعته
قد كنتُ أَعذِلُ كلَّ صَبٍّ في الهوى ... وأَلومه في العِشق حتى ذُقته
ما لي سوى قلبي وفيك أَذبتُه ... ما لي سوى جمعي وفيك سكبته
ومن جملة مولدي الأتراك الأجناد بدمشق
أحمد بن طرخان
стр. 221
سافر إلى ديار بكر، وصار والياً بقلعة قريبة من ميافارقين، وغزا الأرمن، وأبلى في جهادهم بلاء حسناً. وكان نحوياً ذكياً لسناً، وتوفي في سنة سبع أو ثمان وستين وخمسمائة، وله شعر.
فمن ذلك قوله في أبيات يغنى بها:
قلبي أَشارَ بِبَيْنِهِمْ ... وعليه كان وَبالُهُ
فسَلوه بعد فِراقهم ... وبِعادهم ما حالُه
ابن الزغلية الكاتب
من أهل دمشق زين الكتاب أبو الحسن علي بن جعفر بن أسد بن علي المعروف بابن الزغلية، قال: جدي جوهري، وأبي صائغ، فلا جرم، ورثتهما في الصناعة والصياغة، والخط والبلاغة، فأنا فيهما مبالغ. منظوم طروسه كالجواهر، وعقود نقوده كالحلي الفاخر، بل كالنجوم والزواهر. شيخ بهي، رواؤه شهي، وخطه مقلي، للعلم طراز وللنظم حلي، لقلمه حلاوة، ولكلمه طلاوة.
كان يكتب كل سنة لنور الدين مصحفاً، ويصير ببره في صرف الصروف عنه متصرفا، خطه كالروض الأنف، والوشي المفوف، والعذار المقتض عذرة الهوى العذري، والزلال الصافي لعين الحائم عند رؤيته في طلب الري. وقد نيف على السبعين، وتوفي بدمشق في شهر رمضان سنة إحدى وسبعين.
وأنشدني بدمشق لنفسه سنة إحدى وسبعين من قصيدة زعم أنه مدح بها الصالح بن رزيك وأنفذها إليه إلى مصر سنة أربع وخمسين وهي:
أَبُثّكما لو أَن نائبة تَعْرو ... تُفَرَّج بالشكوى إِذا غُلب الصبرُ
ولكنّ داء الحُبِّ أَعيا دواؤه ... وما لي إِلى ما لست أَغنى به فقر
خليليّ هل أَلفيتُما أَو أَلِفتُما ... سوى الوصل يشفي داءَ من شفَّه الهجر
دعا للهوى مَنْ تَلْحَيان، فقد دعا ... مُجيباً، وكُفّا العَذْل إِن لم يكن عُذر
ستُبدي شؤوني عن شؤونيَ كُلِّها ... وهل لامرئٍ نمّت مدامعُه سِرّ
وخالبةٍ بالحُسنِ حاليةٍ به ... مُنىً صدقُها خَتْلٌ وصُحبتها خَتْر
تَشابه جفناها وجسمي وخصرها ... وجانس منها لفظَها العِقد والثغر
يهون عليها أضن يَعِزَّ رُضابُها ... بَروداً على مَنْ حَشْوُ أَحشائه جَمر
مُنيتُ بما يُوهي الجليدَ وحبّذا ... لو انقاد لي ذا القلب أَو أَصحبَ الفكر
ومنها في المديح:
ولو شئتُ أَعداني على الدهر إِذْ عدا ... أَميرُ الجيوش المالك الصالح الغَمْرُ
مليكٌ يَعُمّ الأَرضَ واكفُ كفّهِ ... ففي كل قُطرٍ من سحائبها قَطر
ومنها:
حوى قصباتِ السَّبْق في المجد والعُلى ... ومَنْ دونَه مِنْ دونِه المَسْلكُ الوَعْرُ
فيُخفِق عن غاياته كلُّ من سعى ... ويَخفِقُ في راياته العزّ والنصرُ
تمنَّتْ خراسانٌ سياسةَ عدله ... وتاهت على أَرض العراق به مِصر
ومنها:
وأَكرم نفساً أِن يُهَزَّ إِلى ندىً ... وأَكبر قَدراً أَن يُرى وبه كِبرُ
يميلُ إِلى الشكر الجميل سيادةً ... ويأْبى، وَقاراً، أَن يَميل به السُّكر
فلا طربٌ إِلاّ على نغم الظُّبى ... ولا سُكرَ إِلاّ أَن يُرنِّحه شُكر
ومنها:
أَرى ما وراء الحُجبِ عَيْناً بها عَمىً ... وأَسْمَعَ ما في النفس أُذْناً بها وَقْرُ
إِذا ما دجا ليلٌ من الخَطب مُظلمٌ ... تَبلَّج من إيراء آرائه فجر
ولا عَيْبَ في أَخلاقه غير أَنها ... صفتْ فَنَقَتْ ظنَّ الورى أَنها الخمر
ولا تِيهَ فيه غير أن يمينه ... بها أَنَفٌ من أَن يُقاس بها البحر
فقد غمر العافين ساكنُ يَمِّها ... فما ظنُّهم إِن هاج آذِيُّها الغَمْر
فَمن في النُّهى قيسٌ وفي الجودِ حاتِمٌ ... وفي عدله كسرى وفي بأْسه عمر
له قلمٌ يَعْنو له مُبرَمُ القضا ... وتعجِز عن أَفعاله البيض والسُّمرُ
وساحةُ صدرٍ ضاق عن رُحبها الفضا ... وراحةُ جودٍ شحَّ عن سَحِّها القَطر
ومنها:
стр. 222
مِنَ القوم إِن أَبدَوْا أَعادوا وإِن عَدَوْا ... أَبادوا، وإِن أَجْرَوْا إِلى غاية جَرّوا
بُحورٌ إِذا أَجدّوْا، بدور إِذا بدَوْا ... لُيوث إِذا كرّوا، غُيوث إِذا برّوا
إِذا قيل هذا صائلُ الدّهر أَقدموا ... وإِن عَرضت إِحدى الدّنايا لهم فرّوا
تطيع المنايا والأَمانيُّ أَمرَهم ... فإِن حاربوا ساءوا وإِن سالموا سرّوا
ومنها:
أَيا كاشف الغماء إِن جلّ فادحٌ ... ويا مُسبغ النَّعماء إِن مَسّنا ضُرُّ
حفِظتَ ثُغور المسلمين وصانعتْ ... صروفَ الرَّدى عنهم صنائعُك الغُرُّ
فلا دعوةٌ إِلاّ وأَنت مُقيمها ... ولا دولةٌ إِلاّ وأَنت لها ذُخر
ولا مُقتِرٌ إِلاّ وأَنت له غنىً ... ولا مُعْسِرٌ إِلاّ وأَنت له يُسر
ومنها:
فَهُنِّئتِ الأَيّام منك بمالكٍ ... به انتصر الإِسلام وانخذل الكفرُ
ومنها:
طوتني خطوبٌ للزمان شديدةٌ ... وأَنت امرؤٌ في كفّه الطيُّ والنَّشْرُ
أَقمتُ على رَغمي وقلبيَ راحلٌ ... فجاء إِلى عُلياك يعتذرُ الشِّعر
وأنشدني له في الصالح بن رزيك من قصيدة، في سنة ثلاث وخمسين:
مُناصِح الفكرِ في نَجْواك مُتَّهَمُ ... وفاخر الشّعر مِنْ لُقياك مُحتشِمُ
ومنها:
يا أَيُّها الملك الأَعلى الذي شهدتْ ... بفضله الأُمّتان العُرْبُ والعجمُ
أَنت الذي بك يَدري من له أَربٌ ... قَدْرَ الكلام إِذا لم تُعرَف القِيَمُ
شَمْسٌ، وكلُّ ضياءٍ بعده ظُلَمُ ... بُرْءٌ، وكلُّ صلاحٍ بعده سَقَمُ
ومنها:
وحلّ في صدر دَسْت الملك منه فتىً ... يستوقف الطَّرْف، في عِرنينه شَمَمُ
حالٍ بِدرِّ المعالي جِيدُ همّته ... عالٍ على رأسه من مجده عَلَم
يُرجى نَداه ويُخشى حَدُّ سطوته ... كالغيث والليث، مِفْضالٌ ومنتقم
ومنها:
وهل يخاف صُروفَ الحادثاتِ فتىً ... أَضحى بحبل أَبي الغارات يعتصمُ
بمطفئٍ جَمراتِ الرَّوْع وهي لظىً ... تُذْكى بوقع المواضي فهي تضطرم
بخائِضٍ لججَ الهيجاء يسبحها ... وموجُها من قلوب الدَارعين دم
بمُشْرقِ الرأْي، والآراءُ مظلمةٌ ... وثابتِ الجَأْش، والأَبطال تصطدم
ومُبْصِر الأَمر، والأَقدارُ تستره ... عن أَن يراه البصير الحاذِق الفَهِم
غيثٌ إِذا انهلّ روَى كلَّ ذي ظمأٍ ... له السّماح سماءٌ والندى دِيَم
ليثٌ مَخالبه بيضٌ مُجَرَّدةٌ ... بُتْرٌ، وسُمْر العوالي حوله الأَجم
ومنها:
يا مالكاً في مواليه له نَعَمُ ... تَتْرى وعند مُعاديه له نِقَمُ
ومنها:
فمن يناوئك في هذا الأَنام وفي ... يمينك الماضيان: السيف والقلمُ
أَمْ مَنْ يباريك في حزمٍ ومأْثَرَةٍ ... وعندك المُسْعِدان الرأْي والحِكمُ
ومنها:
إِنّي أُجِلُّك أَن أَلقاك مُشتكياً ... إِلى عُلاك هموماً كلّها هِمَمُ
أُغالط النفسَ بالتسويف في زمني ... فعَيْن حاليَ تبكيني وأَبتسم
وكم معافىً تروق العينَ صورتُه ... وحشْوُ أَحشائه من همِّه أَلَمُ
وإِن قضى لي بتأخير الندى ومضى ... فمُقتضيك العُلى والجود والكرم
وأنشدني له من قصيدة يهنئ فيها ببرء الملك العادل نور الدين ﵀:
بُرءٌ أَبرَّ على إِرواءِ باكرةً ... من السّحائب ظمآنَ الثرى جَدِبا
شفى به اللهُ مجداً قد أَلَمَّ على ... شَفاً، وأَحْيا حيَاً أَبلَلْتَ فانسكبا
ومنها:
يا أَفصح العَرب العَرْباء قاطبة ... وإِن غدا لملوك التُّرك مُنتسِبا
ما جال طرفُ الكرى في جفنِ مأْثَرَةٍ ... حتى تصرّم عنك الداءُ وانجذبا
стр. 223
عفَّتْ عوافيك آثارَ الهموم فما ... أَبقت لها في فيافي فكرةٍ أَربا
وردَّ دونك، نورَ الدين، قاصرةً ... أَيدي المُلِمِّ أَيادٍ تُخْجِل السُّحُبا
يا رحمةً عمَت الإِسلام قاطبةً ... ونعمةً خصّتِ الأَهلين والقُربا
حاشا جمالك أَن يكساه طيفُ ضنىً ... وثوب عزِّك أَن تُنضاه مُسْتَلَبا
ولا عَرَتْك من الآلامِ حادثةٌ ... تَضْحي لها عن عيون الناس مُحْتَجِبا
ومنها:
وعش مُنيلَ ذوي ودٍّ، مُبيدَ عدىً ... ما شئت، مَرْجُوَ آلاءٍ، مَخُوف شَبا
إِن أَمَّ سعدَك طرفُ الحادثات كبا ... أَوْ رام مجدَك نابُ النائبات نبا
وأنشدني له من قصيدة في نور الدين محمود بن زنكي ﵀ وكان قد أهدى له مصحفاً بخطه:
يا جُنَّةً إِن رماني سهمُ حادثةٍ ... وجَنَّةً ليَ إِن خُوِّفتُ بالنارِ
وفي القناعة لي عِزٌّ أَصولُ به ... لكنّ عائلتي يهوَوْن إيساري
إِذا ذكرتُ لهم فضل القناعة لم ... يسمَعْن وعظي ولم يقبلْن أَعذاري
وليس لي شافع أَرجو النجاة به ... سوى كتاب عظيمِ المُلك جبّار
لو أَن حظّي كخطّي كنت أَكسِب من ... دون الورى كلَّ يومٍ أَلف دينار
فليت حظّي كخطّي في ملاحته ... وليت رزقي كآدابي وأَشعاري
زيادةُ الحِذْق نقصُ الرزق فارْضَ بما ... تُؤْتى ولا تتكفّر فِعْلَ كفار
وقد طوى الله سرّ الغيب مقتدِراً ... عنا لنيفذ فينا حُكمه الجاري
يقوى رجائي وفرطُ اليأْس يَضعِفُه ... فتنقضي مُدَّتي في غير إِيثاري
ذقتُ النعيم وذُقت البؤس في زمني ... فما وفى ليَ إِحلائي بإِمراري
واحَسْرتا لتقضّي العمر في لعبٍ ... أَقضي ولم أَقضِ أَغراضي وأَوطاري
عسى إِلهي، إِذا ما مِتُّ، يغفر لي ... فإِنه خير مَنّانٍ وغفّار
وأنشدني له في المؤيد ابن العميد بدمشق من قصيدة:
وله من ضوامر الصُّمِّ رُقشٌ ... جارياتٌ بوعده والوعيدِ
فإِذا نمنم الكتابة في الطِّرْ ... س أَرانا وشياً كوشي البرود
وإِذا أَنشأَ الكلام ووشّا ... هـ شأى فيه فنَّ عبدِ الحميد
وأَبو الفضل ابن العميد مُقِرٌّ ... ذو اعترافٍ بالفضل لابنِ العميد
وله في القريض غُرُّ مَعانٍ ... حار فيها الوليد وابنُ الوليد
وأَيادٍ من الصنائع بيضٌ ... تَسترقُّ الأَحرار رِقّ العبيدِ
عرَف العارفون فضلك بالعلم وقال الجُهّال بالتقليد
وأنشدني له من قصيدة في مدح القاضي كمال الدين ابن الشهرزوري:
بكُتْبك تَنْفَلُّ الكتائب نُكَّصاً ... مُنَكَّسةً راياتُها لا تُعَقِّبُ
إِذا تُليت خال العدوُّ كلامها ... كِلاماً، وما عنها فؤادٌ مُحَجَّبُ
وأَقلامُك اللاتي بها تَصْدَع القنا ... وتقضي على حدِّ السيوف وتقضِب
إِذا ما علت فوق الطُّروس حِسبتها ... خطيباً على أَعلى المنابر يخطب
بأَسودِها تبيذُّ كلُّ مُلِمَّةٍ ... وتخضرُّ منها الأَرض، والعامُ أَشهب
وما طاب في الأَرض العريضة نفحةٌ ... لِعِرْض امرئٍ إِلاّ ونَشْرُكَ أَطيب
وأنشدني له من قصيدة في كمال الدين ابن الشهرزوري:
أَصلى فؤادَك ذكرُه أَهلَ الغضا ... لمّا استقلَّتْ عيسُهم جَمْرَ الغضا
وحدا بركبهمُ شُروقاً سائقٌ ... عَجِلٌ، إِذا وَنَتِ الركائبُ حَرّضا
وظللتَ تَتْبَعُهم وقلبك خافقٌ ... كالبرق في جُنح الدُّجَنَّةِ أَوْمضا
ودموع عينك قد مَرَتْها زَفْرةٌ ... مُذْ خَيَّمَتْ رَحَلَ السّرورُ وَقُوِّضا
وبأَيْمُن الأَظعان في اَحْداجهم ... نَجْلاءُ يَشْهَر لحظُها سيفَ القضا
стр. 224
غرّاءُ تحكيها الغزالة في الدُّجى ... نُوراً ويحكيها الغزال تَعَرُّضا
ميّالةُ الأَعطاف ناعمة الصِّبا ... لو لامستْ حجراً أَصمَّ لَرَوَّضا
فتانةٌ مِلء المجاسد، أَوْدَعَتْ ... في القلب داءً للمنيَّة عرّضا
نجني الشقيقَ مُذَهَّباً من خدِّها ... بلحاظنا، والأُقحوانَ مُفَضَّضا
صَدَّ وشطّ مزارها وتنكَّرت ... وغدا مُمَرَّ عهودها مُتنَقَّضا
قد كنت جاراً يا هنيدةُ برهةً ... ما بين كاظمةٍ إِلى ذات الأَضا
لَهْفي على زمنٍ بقُرْبكِ فاتني ... يا ليتني استقبلت منه ما مضى
واهاً لدهر غالنا بصُروفه ... وأَعارنا إِحسانه ثم اقتضى
فسقى زمانَ وصالنا مُتراكِمٌ ... كندى كمال الدين أضعني المرتضى
ومنها:
لو لم يكن لِبنانه شِيَمُ الحيا ... ما أَزهر القِرطاسُ منه ورَوّضا
ما جاش في صدر المُلَطَّف صدره ... إَلاّ ظننت الجيشَ قد ملأَ الفضا
ومنها:
قومٌ إِذا عبس الزّمان تهلّلوا ... بمكارمٍ زَخَرت بحوراً فُيَّضا
شرعوا على دين السماح شريعةً ... قضتِ المكارمُ أَن تُسَنّ وتُفْرَضا
نشو الدولة أبو الفضل
أحمد بن عبد الرحمن بن علي بن المبارك السلمي من دمشق من بني نفاذة شاب محب للفضل، حريص على تحصيله، بجملته وتفصيله، وقد كتب ديوان شعري ورسائلي، وهو يتولى الإشراف على الهري بالقلعة.
أنشدني له من قصيدة يمدح بها الملك الناصر صلاح الدين سنة سبعين حين أخذه دمشق:
بدا في سماء المُلْكِ من شخصك البدرُ ... وقابله الإِقبال والفتح والنصرُ
ومُذْ حلَّ برجَ السَّعْد في خير طالعٍ ... وأَيْمَنِه، مِنْ حوله الأَنْجُمُ الزُّهْر
وجلَّى ظلامَ الشِّركِ إِقبالُ نوره ... فأَصبح مخذولاً له الذُّلُ والقهر
أتى بعدما نادت دمشقُ لبعده ... إِلى ربّها: تالله مسّنيَ الضرّ
شكت بعده لمّا توطّن غيرَها ... وقالت، وكم أَمثالها، ليتني مِصر
وكانت له يعقوبَ إِذ هو يُوسُفٌ ... فأَضحت به تزهو وباشَرَها البِشْرُ
ومنها:
إِذا اسودّ خطبٌ دونه الموت أَحمرٌ ... أَتت بالأَيادي البيض أَلامه الصُّفْرُ
فمذ ظهرت منصوبةً جُزِمَتْ بها ... ظهورُ العدى، من رفعها انخفض الكُفْر
فلله حمدٌ لا يزال مُجَدَّداً ... على ما حَبا من فضله وله الشكر
أَتاح لنا من بعد يأْسٍ مبرِّحٍ ... مليكاً غدا من بعض خُدّامه الدهر
ومنها:
ولِمْ لا يجوز الأَرض شرقاً ومَغرِباً ... ولله في إِعلاء تُتْبته سِرُّ
وكم لصلاح الدين، مُذْ كان، من ندىً ... إِذا ضوّع النادي به خَجِل العِطْر
فيا ملِكاً أَعيا الملوك اقتدارُه ... عَياناً، فقالوا: صغّر الخَبَرَ الخُبْر
وقد أَدْنتِ الأَيام مَنْ كان يُرْتجى ... وَكَرَّ غِنى جَدْواك وانهزم الفقر
ومدحني بدمشق، وقصدني بقصيدة نسج فيها على منوالي في طلب التجنيس أولها:
إِنّ مَنْ أَمرضتُمُ لا يُعادْ ... فاستمعوا عنه حديثاً يُعادْ
واستخبروا ريح الصَّبا هل صَبا ... إِلى سواكمْ أَو عنا لحدِّ حاد
وهل هواءٌ مُخْبِرٌ عن هوىً ... يُقْصَر، فالوجد به ذو امتداد
إِنْ قلّ يومَ البيْن صبري فقد ... أَضحى سَقامي بكم ذا ازدياد
ومنها:
أَظلُّ من فَرْط ضلالي أَسىً ... أَسأَلُ عن أَخباركم كلَّ غادْ
ما ضَرَّكم لو طاف بي طيفكم ... وهل يزور الطيفُ إِلفَ السُّهاد
فإِن سمحتم بِسُراه إِلى ... أَسيركم، فلْتأْذنوا بالرُّقاد
يا ساكني قلبيَ، يا ساكبي ... ماءً بجفني، يا مُضيعي الوداد
стр. 225
كيف تجورون على جيرةٍ ... وقد حَلَلْتُمْ منهم في السَّواد
ضَنَّتْ سُلَسْماكم بتسليمها ... ولم تساعدنا بوصلٍ سعاد
واهاً لوَصْلٍ بالجفا ما وفى ... منكم، وقُرْبٍ بالقِلى ما أَفاد
إِذا دنوتم ونأَى وصْلُكم ... سِيّان عندي قُرْبُكم والبِعاد
أَبلغتُمُ الأَعداء فيّ المُنى ... ونال منّي حاسدي ما أَراد
يا طيبَ أَيامٍ مَضتْ بالحِمى ... وعَيْشنا بالخَيْفِ لوْ كان عادْ
مرّ كأِيّام الصِّبا وانقضى ... وكان أشهى من بلوغ المراد
وشادنٍ دام ثنائي على ... قَوامه لما تثنَّى وماد
ريمٌ رماني بشَبا لحظه ... وصدّ عني حين للقلب صاد
جرَّد سيفاً جفنُه جفنُه ... يَزينه من عارِضَيْه نِجاد
قد كتب الحُسْنُ على خدِّه ... خطاً له أَسودُ قلبي مِداد
ظبيٌ تصيد الأُسْدَ أَلحاظُه ... يا لأُسودٍ بظِباء تُصاد
يقتل من أَضحى له عاشِقاً ... ولا يعاف القتل من لا يُقاد
يا صنماً كلُّ محبٍّ له ... مِنْ حسنه يعبده أَو يكاد
راقت معانيه وأَوصافُه ... فأَشبهت رِقَّةَ ماء الثِّماد
دقَّتْ عن الأَفهام حتى حكت ... عبارةَ المولى الأَجلِّ العِماد
الواضح المشكل من علمِه ... للخلق، والناهج سُبلَ الرشاد
هَداه بل أَهداه ربُّ الورى ... فهو لمن ضلَّ عن الحق هاد
جِداله يُنبيك عن خاطرٍ ... يَفُلُّ غَرْبَ العَضْب يوم الجِلاد
يا مَنْ غدا دينهمُ واحداً ... واختلف المَذهب والاعتقاد
دعوا الدعاوى وإِليه ادّعوا ... فإِنما تقليدُه الإِجتهاد
واعتمدوا تسليم ما قاله ... لِتربحوا منه عناءَ العِناد
كَبْتُ الأَعادي ما حوت كُتبه ... مِن حِكَمٍ تُحْييه حتى المَعادْ
ما روضةٌ غنّاءُ، أَشجارُها ... أَضحى قريباً عهدُها بالعِهاد
أَغاثها الغيثُ وأَحيا الحَيا ... ما كان منها قد تعفّى وباد
إِذا بكى الغيثُ بها يلبس البنفسَجُ الغضُّ ثِياب الحِداد
والقطرُ لمّا عمَّ أَقطارَها ... عمّم بالنبت رؤوسَ النِّجاد
وكلُّ غُصن قد نشا وانتشى ... مُنذ تربّى في مُهود المِهاد
تختالُ تيهاً بالصِّبا لا الصَّباد ... والزَّهر يُزْهى إِذا له الجَوْد جاد
أَبهجَ مما أَوْدَعَتْ طِرْسَهُ ... يَدٌ لَها منه علينا أَياد
وخاطر يُشهِدنا أَنه ... أَفصح من ينطِق علماً بضاد
يقدَحُ فِكراً ما خَبتْ ناره ... قطُّ ولا تَصْلِد منه الزِّناد
أَقلامه أَضحت بها قسمةُ الأَرزاق والآجال بين العباد
طاب نِجاداً وزَكا مَحْتِداً ... وشاد بنيان المعالي وساد
ومنها:
أَيا عِماد الدين يا مَنْ به ... قد راج سوقُ الفضل بعد الكسادْ
أَنتَ جوادٌ وِردُ إِنعامه ... واردُه لم يخش يوماً جُواد
ومنها:
وكيف أُهدي نحوه مِدْحةً ... ولفظها من فضله مُستفاد
أَتته في وزنٍ سريعٍ إِلى ... خدمته تسعى بغير اتّئاد
رَوِيُّها روّاه إِنعامه ... فما لها، لولاه، قوتٌ وزاد
ومنها:
فاسلم لعبدٍ أَنت أَنشأَته ... فهْو بما أَوْلتَه ذو اعتداد
وعِش، سَمِيّ المصطفى، راقياً ... ذُرى المعالي، والعِدى في الوِهاد
المهذب أبو طالب
محمد بن حسان بن أحمد بن الحسن بن الخضر
стр. 226
الدمشقي المولد، اليمني الأصل، كهل من أهل الفضل، عديم المثل، في النظم والنثر الممتنع السهل، الرائق الجزل، له الفصول المسجوعة في كل فن، والكلم المطبوعة بكل حسن، وكلامه بضاعة وعاظ دمشق وقصاصها، وهو مسبوك من إبريز الحكم وخلاصها، محوك من لب المعاني ومصاصها، ونثره كالدر النظيم، يرصعه بالنطق الإيادي، في نطاق كلام العبادي، وله مبتكرات رائعة، ومخترعات رائعة، ومبتدعات مليحة، ومذكرات صحيحة.
زارني في دمشق في المدرسة التي أدرس فيها، لمودة يصفيها، في رابع عشر ربيع الأول سنة إحدى وسبعين وخمسمائة. وهو قليل الانبساط في قصد الناس، كثير الاحتراز والاحتراس. فحين ظفرت به شددت يدي عليه، وملت بجانبي إليه، وقلت له: طالما ماطلني الزمان بدين لقائك، وناضلني في دين إخائك، وعاقتني الأٌدار عنك، وراقتني الآثار منك، حتى صدق الخبر الخبر، وحقق النظر الأثر، والآن حين سمح القدر، ومنح الظفر، فنصرف هذه الأوقات إلى اقتناء أقوات الأرواح، وندير بمحاورتك لصرف هم الفضل من مغناك المستلذ صرف الراح. وجاذبته أطراف الكلام، وأعطاني المعاني الحسان الكرام، ونشدت عند إنشاده ضالة الفضائل، وحاورت منه سحبان وائل. فمما أنشدنيه لنفسه من قصيدة:
أَظُبىً تُجَرَّدُ من عيون ظِباءِ ... يوم الأُبيرِق تحت ظِلِّ خِباءِ
أَمْ أُسدُ خِيسٍ أُبرزت لطعاننا ... ورماحُهُنَّ لواحِظُ الأَطلاء
عَلِقت أَسِنَّتُهنّ في عَلَق النُّهى ... منا، فلم تخرج بغير دماء
وهززْنَ أَعطاف الغصون فَشُقْننا ... بل سُقْننا بأَزِمّة البُرَحاء
والرَّكْب بين أُثَيْل مُنْعَرَج اللِّوى ... والجِزْع، مُزْوَرٌّ إِلى الزَّوْراء
تخْفي هوادِجُه البدورَ وقلّما ... تَخْفى بدورُ التِّمِّ في الظلماء
ويَلُحْنَ من خَلَل البَراقِع مثلما ... في الدَّجْن لاحتْ غُرَّة ابنِ ذُكاء
بين الحواجب والعيون مَصارع العشاق لا في ملتقى الأَعداءِ
وقُدود أَغصان الحُدوج كأَنها الأَلِفات فوق صحائف البيداء
من كل هَيْفاءِ القَوام مُزيلةٍ ... باللحظ منها عَقْل قلب الرائي
تُملي أَحاديثَ الجوى بجفونها ... سِرّاً، وتشكو الشوق بالإِيماء
وحديث أَبناء الغرام بحاجبٍ ... أَو ناظرٍ، من خَشية الرُّقباء
واهاً لقتلى عِشقِ كلِّ مُذيبةٍ ... بالصدّ قلبَ الصخرة الصمّاء
قتلوا بأَسياف العيون، وضائعٌ ... دمُ من يطالب مُقلَة الحسناء
وإِذا الهوى سُلَّتْ صوارمُه على ... قلبٍ فصاحبُه من الشهداء
ومُهَفْهفٍ نَضِر الصِّبا، ثَنَتِ الصَّبا ... منه كقَدِّ الصَّعْدة السمراء
مُتَلثّم بالشمس خَشيةَ ناظرٍ ... يُدميه منه بصارم الإيحاء
قمر منازله القلوب، وشرقهُ ... فلك الجُيوب، وغَربه أحشائي
سقت المَلاحةُ وَرْدَ روضة خدِّه ... طلَّ الحيا وسُلافة الصّهباء
فحماه عن لثم الشِفاه بعقرب ... سوداء، في كافورةٍ بيضاء
دبّتْ فأَحرقها الشُّعاع فأَمسكت ... عن سعيها من خيفة الألآء
أَمُعيرَ غُصْنِ البان هَزَّة عِطفة ... تيهاً، ورقةَ جسمه للماء
ومجرِّداً بيد الجمال على الورى ... هِنْدِيَّ لحظ المُقلةِ الحَوْراءِ
أَترى ظهير الدين فيما ينتضي ... عيناك يوم تشاجُرِ الآراء
وأنشدني له من قصيدة أولها:
أَرأَيت أَحداقاً قُلِبْن قواضِبا ... يَفْلُلْن مُرْهَفَة السيوف مَضاربا
تالله ما استصوبتُ رأْي أُولي نُهىً ... جعلوا مديح الباخلين مكاسبا
واستمطروا سُحُب الأَكُفِّ فأُمطروا ... نِعماً، ولكن تستحيل مصائبا
وقوله من قصيدة في المعنى أولها:
أَذكى صَبابتك الخليطُ الرّاحل
ومنها:
لا أَبتغي عَرَضاً ولا تصحيفه ... والوُدّ منك يقلّ عنه النّائلُ
стр. 227
فَعَلام يخضعُ ذو النُّهى لمحقَّرٍ ... فانٍ، وأَيام الحياة قلائلُ
ومنها في المدح:
ولرمحه وحسامه وسهامه ... رعدٌ وبرق في العَجاج ووابلُ
وأنشدني له من قصيدة:
هتك الدُّجى برقُ الخيالِ السّاري ... سَحَراً، فنارُ الشوقِ أَيّة نارِ
سمحت به خِدَع المُنى فرأَيتُه ... وَهْماً بوحي لواحظ الأَفكار
والليلُ ممدودُ الرُّواق مخيّمٌ ... مُرْخٍ ذوائبَه على الأَقطار
فكأَنّه الزِّنْجيُّ جرَّ ذُيولَه ... مَرحاً، عليه حُلّةٌ من قار
وأَلذُّ زَوْرةِ عاشقيْن تناجيا ... بعد الكرى في خَلْوة الأَستار
حيث الجُسوم من الفُسوقِ طواهرٌ ... والفِسق في الأَرواح ليس بعار
لا تُخْدَعنّ، فما البدور كواملاً ... إِلا بدور معاقد الأَزرار
من كلّ خطّارِ القَوام إِذا انثنى ... أَزرى بقَدّ الأَسمر الخطّار
حَمَلَ الدُّجى في طُرَّةٍ من تحتها ... فلق الصباح يضيء للنُّظَّار
ومشى يُعربد بالعيون كأَنما ... سُقيت لواحظه كؤوسَ عُقار
وَسْنان، في رشَفات بَرْد رُضابه ... حرُّ الجوى وتلهُّب التَّذْكار
سلب القلوبَ بوَرْدِ خدٍّ أَحمرٍ ... وسُطورِ مسكٍ لُقِّبَتْ بعِذار
فكأَنما أَضحى كمال الدين في ... نهب القلوب له من الأَنصار
وأنشدني له في وصف الخصر من قصيدة أولها:
قُضُب النَّقا هزَّتْ عليك قدودا ... وأَرتْك آرامُ الخيام خُدودا
ومنها:
وبمُهجتي مَنْ هزَّ تيهاً قدُّها ... بيد الجمال على النَّقا أُمْلودا
هيفاء، جاذَبَ رِدْفُها من عِطْفها ... خصراً، تراه على الضَّنا مَعْقودا
دَقَّتْ معاقدُه، ورقَّ فخِلْته ... عَدَماً يصارع في الظنون وُجودا
ونقلت له من رسالة وَسَمها:
بالنَّسْر والبُلبل
فاختصرتها وأولها: طار طائر عن بعض الشجر، وقد هب نسيم السحر، وانفلق عمود الفلق، وانخرق قميص الغَسَق. مشهورٌ بالقَسْر، موسوم بالنَّسْر، والليل قد شابت ذؤابته، وابيضَّتْ قِمّته، وانهزم زِنْج الظلماء، من صَوْلة روم الضياء.
والفجر مثلُ عِذار مَنْ صارت له ... سِتّون عاماً بعد حُسن سَواده
أَو ثغرِ محبوبٍ تبسّم في الدَّجى ... إِذ زار من يهواه بعد بِعاده
وعلا حتى صار روحاً لأجساد السحب، ونديماً لدراري الشُّهُب، وعديلاً للأَفلاك، ونزيلاً للأَملاك.
فكأَنّه للشّمس جسمٌ، والسُّهى ... عينٌ، وللمِرِّخ قلبٌ يخفِقُ
ولكلّ نجمٍ في السّماءِ شَرارةٌ ... تُردي شياطين الرُّجوم وتحرقُ
غابوا لمطلِعه إِليهم واختَفوْا ... ورأَوْه يجمع نفسه فتفرّقوا
كأنما أجنحته ركبت من العواصف، واستلبت من البروق الخواطف، وأخذت من رمز الألفاظ، واستعيرت من غمز الألحاظ.
كأَنها مُقلة الحبيب إِذا ... خاف حُضور الرقيب أَوحَذِرا
أَوحى بها والعيون ترمُقه ... وهماً إِلى من يحبّه فَدَرى
منفرداً في طريق طلبه انفراد البدر، متوحداً في مضيق أربه توحد ليلة القدر، كأنه سهم رشق عن قوس القضاء، أو نجم أشرق في أفق السماء. والأرض تحته دخانية اللون، مائية الكون، مستبحرة الأكناف، متموجة الأطراف، كأنه صرح ممرد من قوارير، أو سطح الفلك الكري في التدوير.
أَو لجّة البحر إِثر عاصفة ... صافحت المتنَ منه فاصطفَقا
فطار عقل النُّوتيّ من فَرَقٍ ... وخرَّ موسى جَنانِه صَعِقا
يقبض أجنحته ويبسط، ويصعد إلى السماء تارة ويهبط، يجرح بأسنة قوادمه أعطاف القبول وأطراف الصبا، ويقد الشمأل بخوالف كأنها غروب الظبى، ويفتق بخوافيه جيوب الجنوب، ويخرق بصدره صدر الرياح في الهبوب.
فكأَنّ لمعَ البرق خطفُ هُوِيِّه ... وكأَنّ رشْق السهم نفضُ سُمُوِّهِ
وكأَنما جعل الرّياح خوافياً ... لجناحه في خفضه وعُلوّهِ
стр. 228
حتى أشرف من شرف مدائن الهواء، واطلع من رواشن أبراج السماء، على روض أريض، وظل عريض، وأنهار متدفقة، وأشجار مونقة، وطل منثور، وورد ومنثور؛ ومكان بهج، وزهر أرج؛ وحديقة ندية النبات، وبقعة مشكية النفحات، عنبرية الأرجاء، كافورية الهواء، قد صقلت بمصاقل القطر مرايا أزهارها، وعقدت لرؤوس أغصانها تيجان نوارها، وأكاليل جلنارها، ونشرت النسائم مطويات حللها من سفاطها، ورقصت حور نباتها على سعة بساطها.
كليالي الوِصال بعد صُدودٍ ... من حبيبٍ كالبدر بل هو أَبهى
إِن رأَيت الغنى ونيل المنى جَمْعاً وقابلتَه بها فهي أَشهى
ذات نبات خضر، وماء خصر، ضاحكة القرار، مشرقة الأنوار، وكأن شجراتها عرائس أبرزت للجلاء، أو قباب زبرجد نصبت في الروضة الخضراء، وكأن الفلك دنا إشليها، فتناثرت نجومه عليها.
رَوْضٌ أَريض وصوبٌ صائب وحياً ... مُحْيٍ، وغيثٌ مُغيثٌ دائم الدِيَمِ
تبارك الله ذو الآلاء كم سَفَرَتْ ... وُجوه أَحكامه للخلق عن حِكَمِ
فمن وَرْدٍ فِضّيّ الأَوراق، ذَهبيّ الأَحداق، كافوريّ الصبغة، مسكي الصيغة، مائي الجسم، هوائي الرسم، حاكت الصبا إهابه، وخاطب الشمال أثوابه، وفتحت الجنوب أكمامه، وحسرت الدبور عن وجه جماله لثامه، فظهر في أفق الشجر، كأنه شهب السحر، أو خدود الحور في القصور، ظهرت في غلائل من الكافور، أو أعشار المصاحف ذهبت أوساطها، أو غرر الوصائف عظم اغتباطها
أو وجنة الحِبِّ قَرَّت في ملاحتها ... عينُ المُحِبّ فأَبدتْ حُمرةَ الخَجَلِ
رقَّتْ فأَيسرُ وَهْمِ الفكر يجرحُها ... فكيف إِن لمستها راحة القُبَل
ومن آمن زمردي الإهاب، زبرجدي الجلباب، ذي ورقكأسنة الصعاد، أو كالصفاح جردت للجلاد من الأغماد، قد أخذ خضرة الفلك لوناً، وحلة جبل قاف كوناً، أشبه في اخضراره مرائر قلوب العشاق، عقيب الانشقاق، لروعة يوم الفراق.
كأَنه ودُّ مَنْ تمّت مودّته ... باقٍ مع الدّهر لا يَبْلى مدى الأَمد
يُهجى إِلى مَنْ له حُسْنٌ يضنُّ به ... أَي قد غسلتُ بماءِ اليأْس منك يدي
ومن نرجس كأجفان الملاح، أو كإشراق تبلج الصباح، منكس الأعراق، مطرق الأحداق، قائم على ساق خضرة، ألفية نضرة كأنه مدافات فضة قد رصعت خشية الانفطار، بمسامير من نضار.
متشوِّفٌ كالصبّ خوفَ رقيبه ... إِذا حان وقت زيارةٍ لحبيبه
فله إِلى جانيه نظرةُ خائفٍ ... منه، وشكوى مُدْنَفٍ لطبيبه
ومن بنفسج استعير لونه من زرق اليواقيت، وأخذ من أوائل النار في أطراف الكبريت، أو ثاكلات الأولاد، أظهرن الحزن في ثياب الحداد، أو بقايا قرص في خد وردي، أو أثر عض في عضد فضي، ذي أوراق خمرية، وأعراق عطرية، صاغت الأنداء من الزمرد قوامه، ونسجت الأهواء من الطل أكمامه، وأخذت من نسمات المسك نسمته، ومن أنفاس العنبر رائحته.
وكم في الرَّوْض من بِدَع وصُنْعٍ ... وآياتٍ تدل على القديمِ
وأَسرارٍ يحار العقلُ فيها ... فليس تكون إِلاّ من حكيمِ
ومن غصون تجتمع وتفترق، وتترنح وتعتنق، والنسائم تحل عقد أزرار الزهر، والأهوية تفتح أقفال أبواب الحصر، والشمس تسفر وتنتقب، وحاجب الغزالة يبدو ويحتجب، والعهاد يتعاهد بالقطار أكنافها، والسحب تطرز بالبروق عذبها وأطرافها. وهي آية من آيات الربيع أظهرها للعيان، ومعجزة من معجزات القدير أقامها على الزمان.
تُجْلى عرائسها بكلّ مُصَبَّغٍ ... وتميس تحت غلائل الأَزهارِ
فكأَنما فَتَقَ الربيعُ لأَرضها ... بيد النسيم نَوافِجَ العطّار
стр. 229
فوقف في الهواء حين رآها، وقال: هذه غاية النفس ومناها، ها هنا ويلقي المسافر عصاه، وتستقر بالغريب نواه، وفي قرار هذا الوادي يثبت سيلي، ولمثله شمرت عن ساق الجد ذيلي. أين المذهب، وقد حصل المطلب، وأين الرواح، وقد أسفر الصباح! ومن بلغ غاية مراده، لم يلتفت إِلى حساده، ومن نال الأماني، لم يبالي بالمباني. ماء مصطخب الأوتار، وظل ممدود الإزار، وروض يمرح فيه الطرف، ولا يقطعه الطرف، وأزهار كقراضة الذهب، تناثرت من حرارة اللهب، أو كالفضة أخلصها سبك الكير، ونثرت في زوايا المقاصير، أو مصبغات أصناف الحلل، نشرت للناظرين بعد إتقان العمل. وخلوة من واش ورقيب، وبعيد يخشى أو قريب.
على مثلها ظلت فرداً أهيم وجداً وأمعن وحدي المطارا
فأَستخبرُ الشُّهُبَ النيّرا ... تِ عنها وأَقطع داراص فدارا
فبينا هو صافُّ الأَجنحة عليها، ينظر من الأُفق بعين التعجّب إِليها، إِذ سمع صوتعاً من بلبلٍ سِحريّ، على وكرٍ شَجَريّ، يناغي النسائم بنعمة مِزماره، ورَنَّة أَوتاره، ودساتين حناجر كالحناجر، وأَلحانٍ أَعذب من نقرات المزاهر، ينثر دُرّاً من عُقود أَلحانه، ولؤلؤاً من أَصداف افتنانه بين أَفنانه، ويرجّع قراءة مكتوب غرامه، ويتلو آيات حزنه من مصحف آلامِه.
ويهتف طوراً بذكر الفراق ... وطوراً بذكر بِعاد الحبيبْ
ويغتنم الوقت وقت الوصا ... ل حين خلا من حضور الرقيب
فقال هذه غريبة أخرى من غرائب القدر، وعجيبة ثانية لم ترها العين ولا هجست في الكر، وكاسات خمر تدار في الخمر، وعقود سحر تحل في السحر، ونغمة لم أسمعها من ذي منقار، وألحان ما رئي مثلها لسار ولا قار، كأنها ما قيل عن مزامير آل داوود، وتسابيحهم في الركوع والسجود، أو معبد والغريض، يتباريان في الطويل والعريض، أو إسحاق الفريد، يعدل عوده عند الرشيد، أو هزج شداة العجم، أو رجة حداة العرب في الظلم، أو أصوات رهبان الصوامع، أو تلاوة من تتجافى جنوبهم عن المضاجع.
نغمة تجلِب السُّرور وتحيي ... ميَّت القلب من ثرى الأَحزانِ
وتردّ الشباب بعد ثمانين وتُزري برنَّةِ العيدان
ما أُدبرت إِلاّ وقيل اسمعوا دا ... وود يتلو زَبوره في الجِنان
ثم هوى إلى القرار، لينظر من النافخ في المزمار، فرأى البلبل يتلو سور بلباله، في محراب وباله، ويرجع سجع ألحانه، في ربع أحزانه.
فكأَنه ثَكْلى على ولدٍ ... فَقَدَتْهُ بعد الضَّعفِ والكِبَرِ
فلها انتحابٌ حين تذكره ... ينسيك لذّة نغمة الوَتَرِ
فقال السلام عليك من طائر صغير حقير، يظهر في صورة كبير خطير، وشاد ظريف طريف، بغير أليف ولا حليف، ذي جسم كأنه سواد خال في بياض خد الحبيب، أو ظلمة حال المحب شاهد وجه الرقيب، أنت صاحب هذا اللحن المطرب، والصوت المعجب، ما أراك إلا صغير الحبة، بادي المحبة، ضئيل الجسم، نحيل الرسم، ليلي الإهاب، ظلمائي الجلباب، تقتحمك العين لحقارتك، وتنبو عنك لصغرك ودمامتك، قد اصفر منقارك لأحزانك، ولبست حداد أشجانك، وصوتك والمسرة فرسا رهان، ونغمتك والطرب رضيعاً لبان.
يُثير صوتك في القلب إِن ترنمتَ حُزْنا
وتُخجل النايَ حُسْنا ... وتعجز العود لَحْنا
وأنا مع عظم صورتي التي حازت خلال الكمال، وأحرزت خصال الجمال، صبحي الريش، لا أتغذى بالحشيش، ذو العمر الذي أفنى لبد، واستنفد الأبد، وقد تعجب منه لقمان، واحتاج إليه فرعون وهامان. ليس للطيور مطاري، عند طارئ أوطاري. أنا ملك الطيور، وسلطان ذوات الأجنحة على مر الدهور، ومالي حلاوة هذه النغمات، ولا لذاذة هذه الأصوات.
ولِعمري كذلك الدهر لا ير ... فع إِلاّ مَنْ كان بالخفض أَوْلى
ينظر العاقلُ اللبيب بعينٍ ... هي لا شكّ حن تنظر حَوْلا
стр. 230
ويحك! من أين لك هذه الملح المسكية النشر، والمنح العنبرية العطر، جبلتك عنصر هذه الفضائل، أم استمليت طرف أخبارها من قائل؟ فقال له البلبل: يا من سبح في بحر التخليلط وعام، وظن أن القدر يعطي ويمنع بالأجسام، فيعرض عن الصغار ويقبل على العظام.. أما صغري فلا أقدر على تغييره، والأمر للصانع الحكيم في تدبيره، أما علمت أن الأرواح لطائف وهي أشرف من الأجسام، والأجسام كثائف والمعتبر فيها جودة الأفهام، وإنسان العين صغير ويدرك الأكوان والألوان، والإنسان عظيم والمعتبر منه الأصغران: القلب واللسان، ما يكون الدر بقدر الصدف، وشتان ما بينهما في القيمة والشرف، ولا الآدمي كالفيل، وبينهما بون في التفضيل، واللؤلؤ قطر يقع في أعماق البحور، ويعلق بعد ذلك على الترائب والنحور، وليس الاختصاص بظواهر المباني، وإنما هو بلطائف المعاني. وكم من صغير وهو في عين ذي النهى كبير، وفي فكر اللبيب أخي الفضل خطير.
وما نطق الفيلُ الكبير بعُظْمه ... وقد نطقت قِدْماً مُقَدَّمة النمِل
كذلك ما أَوحى إِلى النَّسر ربُّنا ... وإِن كان ذا عُظْمٍ وأَوحى إِلى النحل
وأما النغمة التي قرع طرف سمعك سوط لذتها، ورشق هدف قلبك نبل طيبتها، فإنني رصعت شذرها في عقد ألحاني، على نغم بعض الأغاني. وذلك أن هذه الروضة فجرت أنهارها، وغرست أشجارها، وفتقت نوافج عطرها، وأشرقت مباهج زهرها، وأقيمت عمد قبابها، وعلقت أستار أبوابها، وهيئت على أمر مقدر، لبعض ملوك البشر، فهو يأتيها كل ليلة إذا ولى النهار، وأظلمت الأقطار، وصبغ الليل ثوب الكون بظلمته، فأشبه لباس العباسي في خلافته مع من يختار من ندمائه، ويؤثر من أصفيائه، وقد أشعلت له فيها الشموع، واتقدت بأشعتها الربوع، ونصبت ستائر القيان، واصطفت صنوف الحور والولدان، وأفرغت شموس الخندريس في أفلاك الكؤوس، بأيدي بدور الرهبان ونجوم القسوس، وعقدت الزنانير على الخصور، وأسبلت طرر الشعور، على غرر البدور، ورجعت أناجيل الألحان، وقبلت صلبان الصور بأفواه الأشجان، ونقرت أوتار المثالث والمثاني، وقامت العقول ترقص في قصور الصور والمباني.
وينقضي ليلهم في لهو وطرب، وجد ولعب، وهزج ورمل، واعتناق وقبل، وأحاديث كقطع الرياض، ومحادثات كبلوغ الأغراض، حتى يخرج الليل من إهابه، ويعرج على ذهابه، ويسفر الصباح، وقد هز عطفي ذلك الارتياح، وأنا خبير بشد دساتين عيدان الألحان، بصير بحل عرى النغمات الحسان، فمنهم تعلمت طرفها، وشددت وسطها وطرفها، وصرت فيها إلى ما ترى، وعند الصباح يحمد القوم السرى.
فقال النسر: إنك سقيتني بحديثك أسكر شراب، وفتحت لي بأخبارك أغرب باب، كيف السبيل إلى المبيت لتعلم هذه النغم الشهية، والفوز بحفظ هذه الأصوات الأرغلية؟ فقال البلبل: بالجد والاجتهاد، تدرك غاية المراد، وبالعزمات من استوطأ فراش الكسل، وأم العجز أبداً عقيم، والخمول لا يرضى به إلا مليم، وبالحركات، تكون البركات، وثمار السعود، لا تطلع في أغصان القعود، وبالهز تسقط الثمار، وبالقدح توجد النار، والحياء توأم الحرمان، والهيبة والخيبة أخوان،
ومن هاب أَمراً ثم لم يك مُقْدِماً ... عليه بصدق العزم والقول والفعلِ
يفوت ولا يعطيه منه مُرادَه الزّمان، وبعد المَقْر يُجنى جَنى النحل
إِذا تقوست قامة النهار، وجعلت رجل الشمس في قيد الاصفرار، وولت مواكب النور، لقدوم سلطان الديجور، وأنارت روضة السماء بزهر الكواكب، وطلعت الشهب فيها من كل أفق وجانب، فأت إلى هذا المكان، عسى أن تسعدك بمطلوبك عناية الزمان، واختف عن رامق يراك، فإنه أعون على مبتغاك، وإياك أن تقول: إن قدر شيء وصل، وإن كان في الغيب مقضي حصل، فكم قد غر سراب هذا المقال من العقال، وما حصلوا إلا على الآمال.
ومُدْمِنُ القرع للأَبواب منتظرٌ ... بكثرة القرع للأَبواب أَن يلِجا
فانهض إِذا ضقت ذَرْعاً بالأُمور ولا ... تقعد، وقم مستثيراً وانتظر فرجا
стр. 231
فلما سمع النسر مقاله ودعه وطار، وقال لعل في الانتظار، بلوغ الأوطار. وأثبت في نفسه الرجوع، وقال أمنع عيني هذه الليلة لذة الهجوع، وقال أصبر على العذاب الأليم، ومن طلب عظيماً خاطر بعظيم، وبالصبر يحلو صاب المصاب، وبالجلد تصاب أغراض الصواب، ومن لم يتحمل أعباء الأثقال، ولم يصبر لصعاب الأهوال، تكدر صفاء مسرته وقعد قائم سعادته، وخذله الزمان، وقتله الحرمان.
ثم سقط على بعض الأشجار، متوخياً بزعمه مضي النهار، وأدركه الليل فنام، وغرق في بحر الكرى وعام، وكلما حركت سواكنه داعيات الطلب، وأقامت قاعدة مزعجات الأرب. قال: الليل بعد في إبان شبابه، ولعله ما جاء الملك مع أصحابه، وساعة تكفي العاقل، ولمحة تشفي الفاضل، وكثرة الحرص سبب الحرمان، وربما أفضت فوارط الطلب إلى الهوان، واغتنام راحة ساعة من العمر، فرصة جاد بها بخيل الدهر، وكم نائم حصل مراده، وساهر أخطأه إسعاده.
ولم يزل في رؤيا أحلام الأباطيل، وإقامة المعاريض الفاسدة التأويل، حتى وضح فلق الصبح من مشرقه، وتمزقت عنه جلابيب غسقه، وبدا حاجب أم النجوم، وامتدت أشعتها على التخوم، فتنبه من رقدة غفلته، وطار من وكر جهالته، وأم روضة البلبل طائراً، ونزل عليها دهشاً حائراً، وقد تفرق جمع الملك في السكك، تفرق الشهب في الفلك، وغلقت أبوابها، وتفرقت أصحابها.
فقال له البلبل: يا هذا! ما الذي شغلك حتى أشغلك، وما الذي مناك، حتى عدمت مناك؟! وأن من شد وسط اجتهاده، وصل إلى بلوغ مراده، وبصدق الطلب، تدرك قاصية الأرب، ومن ركن إلى إطالة البطالة، استحالت منه صورة الحالة، والليل مطايا الأحرار، إلى بلوغ الأوطار، ونجائب ذوي الألباب، إلى بلوغ المحاب.
فلما أكثر البلبل على النسر العتاب، وانغلقت عنه أبواب الصواب، ودعه وطار، وقد عدم الأوطار. وكذلك حال ذوي الأحوال، ومن له دعوى الصدق في المقال، والعقال يؤاخذون بخطراتهم، ويطالبون بعثراتهم، ويهجرون لأجل لحظة، ويقطعون بسبب لفظة، ويتكدر عليهم مشرب أوقاتهم لأجل هفوة، ويمر حلو خلواتهم بأقل جفوة، فكيف من تفرش له فرش الغفلة، ويتوسد وساد حب المهلة، ويلذ له كرى اللعب والبطالة، ويستمرئ مرعى الغي والجهالة، ويعتقد أنه بمثل ذلك لا يطالب، وعلى مثل ذلك الحال لا يعاتب، هيهات إن سعداً لغيور، وإن الله لأغير من سعد، نامت عين الخليل، فأمر بذبح إسماعيل، ونام يوسف متلقياً لأسرار الغيوب، ففرق القدر بينه وبين يعقوب، ونام محمد صلى الله عليه فقيل له: يا أيها المدثر، قم فأنذر. نحن لا نرضى لبعض أصحابك بالمنام، فكيف نرضاه لك وأنت سيد الأنام.
وأم هذه الرسالة بفصل وعظي ليس من شرط الكتاب.
الأمير يغمر بن عيسى
ابن العكبري
من موليد الأتراك بدمشق وأمرائها المعروفين. لقيته بدمشق، وهو ذو فضائل مقرظة، وشمائل حلوة وفظنة متيقظة. شاب من جملة الأمراء شجاع مقدم مقدام متظرف، من الأدب متطرف. خان أمله، وحان أجله، وفل الشبا الطرير من شبابه الطري، وجرى القدر بأفول كوكبه الدري، وكبوة جواده الجري، وذلك في سنة ثمان أو تسع وخمسمائة، وأخلفت وعود رجائه، وذوى عود بهائه.
وجدت رسالة له بخطه ذكر فيها ما يتضمن معاشرة الإخوان، وتعب الزمان، والحث على اغتنام الفرص، ووصف الصيد والقنص، وشرب المدام، وتقلب الأيام. ونقحناها وصححناها، وحذفنا منها وأصلحناها، وكللناها ورصعناها، وأوردنا منها ما وقع الاختيار عليه نظماً ونثراً، وأحيينا له بإيرادها ذكراً. وهي: للصبا أطال الله بقاء مولاي الأخ الكامل الفاضل، روح جسد الإخاء وقلبه، وحلى معصم الصفاء وقلبه، ومدار فلك الوفاء وقطبه، وختام رحيق الحياء وقطبه، ويتيمة جيد الفضل وعقده، وفريدة حبل الطول وعقده، ويمين شخص البراعة وشماله، وجنوب مهب الشجاعة وشماله، وإنسان عين الزمان، والملاذ به من الحدثان.
أَخ لي على جَوْر الزمان وعَدْله ... وعوني على استهضامه واشتماله
إِذا غالني خَطْبٌ وقاني بنفسه ... وإِن نالني جَدْبٌ كفاني بماله
فتىً جعل المعروف من دون عِرْضه ... ولم يقتنع عنه بزُرْقِ نِصاله
أَباد أَعاديه بغَرْبِ حُسامه ... وجاد لِعافيه بسَيْب نَواله
стр. 232
كريمٌ فما الغيثُ الهَتون إِذا همى ... يُباريه باسْتهلاله وانْهماله
وكما الرِّزق إِلاّ من طَلاقةِ وَجهه ... وما الموتُ إِلاّ لمحةٌ من جَلاله
وما البحر إِلاّ قطرةٌ من مَعينه ... ولا البدر إِلاّ دُرّةٌ من كماله
وما العلمُ إِلاّ لفظةٌ من مقاله ... ولا الفضلُ إِلا خَلّةٌ من خِلاله
وما الأَرض إِلاّ حيث مَوْطِئ نَعْلِه ... ولا النّاس إِلاّ من ذَوِيه وآله
فلا زال مَعْمورَ الجَناب مُسَلَّماً ... ولا زالت الأَقدارُ طَوْعَ مقاله
رب الفصاحة ومنشيها، ومعيد السماحة ومبديها، أخي المكارم وخدينها، رأس المفاخر وعرينها مسلماً من أوقات الزمن، معصوماً من إحنات المحن، ذا صبوة يؤذن باجتلاب السرور معينها، ويذعن لانتصاب الحبور معينها، ويحدو إلى اغتنام العمر حاديها، ويشدو بغرام الدهر شاديها. إذ هو دهر تدل أفعاله على غدره، وتنبئ أقواله عن مكره، يسترد ما وهب، ويعيد ما نهب ويفرق ما ألب، ويحمق من أدب.
نَكِدٌ يُشتِّتُ ما التأَمْ ... وَيَلُمُّ شَعْباً مُنْثَلِمْ
ويُكَدِّر الصافي ويمْزُجه لِوارده بِدَم
ويُغِضُّ إِن هَنّا وليْس يفي وإِن أَعطى الذِّمم
ذو النَّقْص مَرزوقٌ لديْه وذو الفضائل قد حُرِمْ
فالحازمُ اليقِظُ الذي ... بعُهوده ما يَعْتَصِم
ويفوز بالعيش اللذيذ وللمسرَّة يَغتنم
من قبل أَن يُمْسي ويُصبحَ في حساب ذوي الرِّمَم
وينالَ قِسْم تُراثِه ... عَصَباتُه وذوو الرَّحِم
فاللبيب من انتهز فرصة، قبل أن تصير غصة، وبذل في نيل آرائه جهده وحرصه، وأنفق فاضل شبابه قبل أن يعاين فيه نقصه، قبل أن يصير ما كنزه لنفسه، وما أحرزه عن نابه وضرسه، بعد حلوله في رمسه، مأكلة لزوج عرسه. أيقظنا الله وإياك عن سنة الغفلة، ووفقنا لاستخدام المهلة، وأعاننا على دنيا لا يدوم نعيمها، ولا يبرأ سقيمها، ولا تندمل كلومها، ولا يسلم سليمها، غرارة تضل مبتغيها، مكارة تخيب روادها ومنتجعيها:
دارُ سوءٍ فما تقيم على حا ... لٍ ولا تستقيم في الأَفعالِ
طبعها اللُّؤْم والخِلابة والحِقد ونقضُ العُهود والأَحوال
وانتزاعُ الغِنى بنازلة الفقر وحُلْوِ النَّعما بمُرّ الزوال
فالأَريب اللبيب يستنفد الدنيا وأَعراضَها ببذل النوال
فليس للمقيم بها مقام، ولا للمنتقم من صرفها انتقام، إلا بمداومة الصهباء، في الإِصباح والإمساء، لصرف الهم عن قلبه بصرف الراح، وجعل قدحه الكبير من الأٌداح، ومباكرة دنه وخماره، ومراوحة عوده ومزماره.
ولقد استنفدت كل المجهود، في بلوغ المقصود، فرأيت تحصيل الجار، قبل الدار، والرفيق، قبل الطريق، إذ لا سبيل إلى جمع المسرة إلا بالمصافي من الإخوان، ولا إلى دفع المضرة إلا بالكافي من الأعوان، وفتح الله لي بسادة أمراء، وقادة كبراء، يجزون عن الإساءة بالإحسان، ويقابلون الذنب بالغفران، إن قطعوا وصلوا، وإن خزن عنهم بذلوا، وإن فوضلوا فضلوا، وإن نوضلوا نضلوا، وإن فوخروا فخروا، وإن جني عليهم اعتذروا.
عِصابةٌ من سَراة الناس مُنْجِبَةٌ ... صِيدٌ، غطارفة، ليسوا بأَغمارِ
غُرٌّ ميامينُ، وصّالون قاطِعَهم ... شُمْس العَداوةِ، أَخّاذون بالثار
هُم، إِذا المَحْلُ وافى، سُحْبُ أَمطارِ ... وإِن رَحا الحرب دارتْ، أُسدُ أَخْدار
المُنْعمون فلا مَنٌّ يُنَكِّدُه ... والمانعون حِمى الأَعراض والجار
والطاعنون وساقُ الحرب قائمةٌ ... والمُطعمون على عُسْرٍ وإِيسار
يُغْضُون عَمَّن أَتى ذنباً بِحِلْمِهمُ ... ولا يُجازون عن عُرْفٍ بإِنكار
مَناظرٌ حَسُنتْ والفعلُ يَشْفَعُها ... منهم فنالوا بهذا طيب أخبار
تراضعوا دَرَّة الإِنصاف بينهمُ ... فما يجول لهم جَوْرٌ بأَفكار
تَجَلْببوا بِجَلابيب المكارم والآداب لكنهم عارون مِنْ عار
من تَلْقَ منهم تَقُلْ لاقيتُ سيِّدَهم ... مثلُ النجوم التي يسري بها الساري
стр. 233
آراؤهم سديدة، وأنباؤهم رشيدة، وأقوالهم مفيدة، وأفعالهم حميدة، وطرائقهم مستقيمة، وخلائقهم كريمة، يجودون إن ضنت الغيوم، ويكتمون السر إذا أذاعه النموم، وينيرون إذا جن الظلام، ويجيرون إذا جارت الأيام، ويغدقون إذا غبر العام. فَصِرْتُ من عَقدهم، وانتظمتُ في عِقدهم، فرأَيت كلاَّ منهم قد حاول من هذا الأَمر ما حاولت، وتناول في تحصيله أَكثر مما تناولت، وأجمعت آراؤهم على ما رأيت، ووافقت رواياتهم ما رويت.
فلما اتفقت الشهوات، وزالت الشبهات، شرعنا في استدامة المدام، وأتبعنا الليالي فيها والأيام، لا نفيق من صبوح وغبوق، ولا نسأم من خلاعة وفسوق، ما بين نغم أوتار ودلف راووق، مستوطنين منزلاً للخلوة، وارتشاف القهوة. فاقتضى ما بيننا من اقتراح الألفة والتألف، واطراح الكلفة والتكلف، أن قسمنا الأيام والليالي بيننا أقساماً، فكل يعد في نوبته للاجتماع طعاماً ومداماً، ويعرف يومه وليلته، ويستعمل قدرته، ويستنفد طاقته في إظهار الأفانين العجيبة. ويجمع بين آلات الطرب والطيبة، وساعاتنا بالسرور تمضي، وأوقاتنا بالحبور تنقضي.
ولم نزل على ذلك المنهاج، متمازجين بأعدل المزاج، حتى انتهت النوبة إلى سيد كريم من الجمع، ألف حلو العطاء وما عرف مر المنع، فنادى مناديه في نادينا، يجمع حاضرنا وبادينا: إلي، قدموا الحضور إلى المنزل الرحب، وثقوا بالأهل والرحب. فأجبنا المنادي، وحللنا النادي، وولجنا داراً قد دار على المكارم سورها، وأجد بالجد العامر معمورها.
فلما اطمأن بنا المكان، وساعد الزمان والإمكان، جاء غلام حسن القوام، عذب الكلام، كأنه بدر التمام، ومصباح الظلام، إذا رنا فالربيب ينظر من عينيه، والقضيب يهتز من عطفيه.
ما في الوجود له شَكْلٌ يُماثِلُهُ ... من البرية لا أُنْثى ولا ذَكَرُ
تحيَّر الحُسْنُ في تكوين صُورتِه ... وأَظلم النيّران: الشمسُ والقمرُ
إِذا تبدّى فبدرٌ طالعٌ حَسَنٌ ... وإِن تثنَّى فغصنٌ ناعمٌ نَضِر
قد كمل حسنه وخلقه، وحسن زيه وخلقه، فقال بلسان عذب، وكلام كاللؤلؤ الرطب: عرفتم أيها السادة، ما جرت به العادة، وأكل الطعام، قبل شرب المدام، فاعزموا إذا دعيتم، ولا تأبوا إذا استدعيتم. فنهضنا ملبين نداه، مجيبين دعا، فسار أمامنا، واتخذناه إمامنا، إلى طعام تكل عن وصفه الألسن، ويشتمل على ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، فاعتمدنا مذهب الإيثار، وأكلنا حسب الاختيار، ورفعنا فاضل الخوان إلى الحاشية والغلمان، ثم استحضرنا الطسوت والأباريق، والغسول المتخذ من ماء الورد والمسك السحيق، فغسلنا الأيدي والأفواه، واستعملنا الطيب والأفواه. فلم نلبث حتى أقبل غلام أحسن من الأول وصفاً، وأكمل رشاقة وظرفاً.
مُهَفْهَفٌ جَلَّ حُسناً أَن تُكَيِّفَه ... في الخَلْقِ دِقَّةُ أَفهامٍ وأَفكارِ
حاز الجمال فكلُّ الخَلْق يَمْنَحُه ... مَحَبَّةً بين إِعلان وإِسرار
في وجهه آيةٌ للحُسن باهرةٌ ... جَلَّتْ فَذَلَّ لديْها كلُّ جَبّار
تمازَجَ المِسْكُ والكَافور واتفقا ... بِوَجْنَتَيْه ولاذ الماءُ بالنّار
قد تحلى بالجمال، وتردى بالكمال، سكران من خمرتي صباً ودلال، يتمايل كأنه غصن عبثت بعطفيه ريحاً صباً وشمال، وفي يمينه ثلاثية ذات شعاع ونور، وفي يمينه كأس من بلور.
حَمْراء في كأْسها السَّرَّاءُ تَطَّرِدُ ... فما تَحِلّ بها الضَّرّاءُ والكَمَدُ
كأَنَّها جذوةٌ قد ضمها بَرَدُ ... إِذا صببتَ عليها الماءَ تتقدُ
يسعى بها شادِنٌ أَلمى أَغَنُّ كحيل الطَّرْفِ نمّ به التَّوْريد والغَيَد
فقال بلسان فصيح، وكلام عذب صريح، ولفظ مليح، ومعنى رجيح: السلام عليكم يا مسرة نفوس الأوطان، وقرة عيون الإخوان. فقلنا: وعليك السلام يا بدعة الزمان، ومجمع الحسن والإحسان، ويا مفحم قس وسحبان، فقال: اعلموا أحلكم الله دار الأمن والأمان، وأمتع ببقائكم الإخوة والندمان، أني رسول إليكم من جامع اللذات والأفراح، ومحلها في الكاسات والأقداح، بنت الكروم المنقذة من الهموم، المفرحة على الخصوص والعموم.
стр. 234
راح لا يلوذ النصب بساحتها، ولا يكدر التعب صفو راحتها، ولا يحل الحزن بدارها، ولا يطفئ الماء ضوء نارها. بكر ما أيمت، ومرة حلت لما حرمت، كلما عتقت زادت جدة، وإذا كسرت بالمزج ازداد حدة، قد قصر عن وصفها الواصفون، وحار في إدراك نعتها العارفون. وأنا أقول بلسانها، والذي في يدي عنوانها، وها هي الآن قد برزت من خدرها، وتجلت بحبابها لا بدرها، وقد أنالتكم رضاع درها، وأعفتكم من وزن جذرها، وكفي تدعوكم إلى نفسها، وتمنحكم ثمار غرسها، وتبيحكم حمى مسها وتنبيكم أن هذه ليلة عرسها، فهلموا، وألموا.
وتقدم فسرنا خلفه، واجتنبنا خلفه، وهو ينحرف إلينا كالظبي الغرير، ويتعطف لدينا كالغصن النضير، ويشرق علينا كالبدر المنير. فأدخلنا مجلساً صغر عندنا ما رأيناه، وأنسانا كل ما رويناه.
مجلِسٌ حُفّ بالسَّنا والسَّناءِ ... بايَعَتْنا فيه يدُ السرّاءِ
في زمانٍ صفا وراق ورقّ الجوُّ لما وافى نسيمُ الهواء
وكسا رَبْعَه الربيعُ وحلاّ ... هُ بلون الصفراء والحمراء
ضاع عَرْفُ الصَّهْباء والوقت والنَّدْ ... مان فيه وطيبُ نَشْر الكِباء
فبلغنا كلَّ المُنى والأماني ... وغَنينا عن الغِنى بالغِناء
وشُغِلْنا عن القَنا بالقَناني ... والتَهَيْنا عن الظُّبى بالظِباء
وانْعَكفنا على ارتشاف دم العنقود ضَرْباً عن قصد سفك الدِّماء
بين إِخوان نَجْدةٍ وأُولى بأْ ... سٍ وفضلٍ ويقظةٍ وحِباء
وسخاءٍ وحكمةٍ ووقارٍ ... ووفاءٍ وفطنةٍ وحياء
وجمالٍ وحُسْن خَلْقٍ ولطفٍ ... وكمالٍ ونَخْوةٍ وذَكاء
قد أطلعت بدر الكمال سماؤه، وأبرزت نجوم الإقبال أفناؤه، وحف بالنور والنور، والورد والمنثور، ونضد بالزهر والريحان، بين الحور والولدان، بكؤوس مدام كالأرجوان، بين اتفاق أوتار، واختلاف ألحان. وهم يسكرون بكاستهم قبل كاساتهم، وبسوالفهم لا بسلافاتهم، فناول كل واحد رطلاً، ولم يترك أحداً منا عطلاً، وقال:
باكِرْ كُؤوسك يا نديمي ... وذَر الوُقوفَ على الرُّسومِ
واشرب هنيئاً واسقِني ... كأْساً تُريح من الهُموم
بِكراً مُعَتَّقَةً وِلا ... دَتُها من الدَّهر القديمِ
من قبل مَهْبِط آدمٍ ... والكونُ في دار النعيم
حمراء يُشرِق نورها ... في ظُلْمة الليل البهيم
وتَخال نَظْمَ حَبابها ... في كأْسها زُهرَ النُّجومِ
من كفّ أَحورَ يَنْثني ... كالغصن من مَرِّ النسيم
رشأٌ مَلاحته تُحَيِّرُ كلَّ ذي لُبٍّ سليم
أَحوى أَحمٌ عليه جلْباب النَّضارة والنّعيم
في مجلسٍ مُسْتَنْزَهٍ ... ما بين كاعبةٍ ورِيم
ونحن ما بين قيام وقعود، واشتمام رائحة ند وعود، واستماع ناي وعود، إلى أن أخذت الراح منا بعض حقها، وصرنا في قبضتها وتحت رقها، وتقضى أكثر النهار، ولاح علينا دلائل الفرار، وهدأت منا النزوة، وبان فينا الفتور والنبوة، ومالت الرؤوس طيباً وطرباً، وارتاحت النفوس عجباً وعجباً، فحينئذ قر لنا القرار، واطمأنت بنا الدار، فتذاكرنا الأخبار، وتناشدنا الأشعار، فقام فينا سيد القوم خطيباً، وأوسعنا لوماً وتثريباً، وعنفنا بالوعظ، وأغلظ في اللفظ، وقال: يا غافلين عن الزمن الأنيق، والعيش الرقيق، أما تستمتعون ما سمحت به يد الزمان البخيل، وتستلذون المقام قبل الرحيل. ثم تناول رطلاً كبيراً، وأطرق يسيراً، ونظر إليه شزراً، وأطال روية وفكراً، فتطاولت إليه الأعناق، ورمقت نحوه الأحداق، فقال:
أُنطر إِلى الماء فيه النّار تلْتهبُ ... كأَنه فِضّةٌ قد شابها ذَهبُ
واستغنم العيش واشربها مُعَتَّقةً ... وانهب زمانك واللَّذاتُ تُنْتَهَب
من كفّ أَحورَ في أَجفانه مَرَض ... به قلوبُ ذوي الألباب تُسْتَلَب
أَحمّ أَحوى رَخيم الدلّ مُنْفرد ... في حسنه، وإِليه الحسن يَنتسب
стр. 235
للخمر من ذاته وصفٌ يشرِّفها ... ما لا يجود به من مائه العنبُ
من خدِّه لونُها القاني، وسكرتُها ... من ريقه، ولها من ثغره حَبَبُ
ونادى بلسان قد أطلقته النشوة، واعتقلته القهوة: يا إخوتي اشتغلوا بالعقار عن إنشاد الأشعار، وبسماع الأوتار، عن اتباع الأوتار، وبالإصغاء إلى الألحان، عن البكاء على من نفد عمره وحان، وتأملوا بدوراً يحملون شموساً، ويجلون لديكم عروساً، ويديرون لديكم خندرياً، ويغادرون رسم العقل بها دريساً، ويحيون بقتلها مزجاً مهجاً ونفوساً، إن أقبلوا فالبدور متجلية، وإن انثنوا فالغصون مائلة مستوية. وانظروا شعوراً زينها التجعيد، وخدوداً طرزها التوريد، وعيوناً صحتها السقام، ويقظتها المنام، ونظرتها الحمام، ولحافظها السهام، وأصداغاً مبلبلة، وقدوداً معتدلة، وأفواهاً ضمنت مسكاً وكافوراً ودراً ومداماً، وشفاهاً ضمنت شفاء وطيباً ومداماً، وخصوراً توشحت بالنحول، وأردافاً استغنت بالعرض عن الطول، فتلقينا قوله بالقبول، واشتملنا على ارتضاع در الشمول، وعدلنا إلى مشاهدة الشهود العدول، إلى أن بعث الليل رسوله، وأرخى علينا ذيوله، وزحف بعساكره، وخيم بدساكره، فنورنا ظلمه بغرر الجمع، وطعنا بهمه بأسنة الشمع. ولم نزل كذلك إلى أن هب النسيم، وسكر النديم، ورق من الليل الأديم، وامتد الضياء ولاح، وغرد الطائر وتاح، وانفرقت طرة الظلام عن جبين الصباح، ونادى المؤذن: حي على الفلاح، ونحن ما بين قتيل من كاسه، صريع من نعاسه، ساه عن جلاسه، لاه بوسواسه، همود جمود خمود، لا نسمع لنا ركزاً، ولا يكلم بعضنا بعضاً إلا رمزاً.
غيَّبَتْنا شواهدُ الصَّهْباءِ ... وتلاها سَماعُ طيبِ الغِناء
فبقينا صَرْعى سماعٍ وسُكْرٍ ... واعترانا خَطْباً بَقاً وفَناء
مَنْ رآنا رأَى مناظر أَموا ... تٍ وفينا مَخابر الأَحياء
قد كملت أدوات الفرحة، وعزمنا على الصبحة، إذ طرقنا مخبر، وبما شاهده لنا مبشر. فسألناه عن قصته وما رواه، وحقيقة ما عاينه ورواه، فقال: العجائب لا تورد على وهلة، والغرائب تفتقر في وصفها إلى مهلة، والعجول ما يحمد فعله، والرائد لا يكذب أهله. رأيت صيداً لا يصيده إلا الصناديد، ولا يناله إلا الصيد، في مكان لا أصفه إلا بالحصر عن صفته، ولا أعرفه إلا بالجهل عن معرفته. فأصغينا نحوه، ونحونا صغوه، وملنا عن الاصطباح إلى اللاصطياد، وأمرنا بإصلاح الزاد. فحين سفرت الشمس وحسرت نقابها، ورفعت عنها يد النهار حجابها، أسرجت الخيول، وأجريت كأنها السيول، واستصحبنا كل جارحة وجارح، وركبنا كل سابحة وسابح.
فمن أدهم اجتاب برد الليل واتخذ الصباح غرة، وأحمر لبس قميص سهيل يملأ القلب مسرة، يسبقان في الشوط هبوب الرياح، ويطيران لوقوع السوط بغير جناح، ومن أشقر كلون المريخ أديمه، قد تم خلقه وكرم خيمه، وأبلق امتزج الليل فيه بالنهار، مأمون العثار، ميمون الآثار، لا يعرفان الوجى، وما ركبهما إلا من نجا. ومن أشهب موشي الإهاب، كأنه مشيب من باقي شباب، وأصفر كالشمس حين توارت بالحجاب، وكلون الحبين عند معاينة الأحباب، يفوتان البرق في لمعانه، ويفوقان الطائر في يطرانه. ومن كميت كالكميت لوناً وصفاء، وورد كالورد احمراراً وبهاء، ومن حصان كحصن، أو برق في مزن، ومن حجر ذات حجر، كأنها سحرة مسفرة عن فجر، ومن خضراء كستها خضرة الفلك أبهى وشاح، وأعارتها الريح سرعة بغير جماح، نادرة العينين، قليلة لحم الفخذين، واسعة المنخرين. ومن بيضاء قدت من فلق الصباح، وحكت ترائب الصباح.
جيادٌ تفوتُ الطَّرْفَ سَبْقاً وسُرعةً ... عِتاقٌ عِرابٌ من مَعَدٍّ وعدنانِ
يُنالُ عليها كلُّ صعبٍ مَرامُه ... ويغدو لها النائي، إِذا استُحضِرت، دانِ
تَمُتُّ بأَنسابٍ كرامٍ، نجارُها ... نِجارٌ قديمٌ من جِياد سليمان
ويمنعها من أَن تطير عَرامةً ... إِذا قُرِعَت بالسّوط، فَضلات أَرسان
стр. 236
طول الدلائل، مشرقات الكواهل، دقيقات السوالف، لينات المعاطف، جَثْلات السَّبائب، قويّات المَناكِب، عظيمات الهياكل، قُبُّ الأَياطِل، تحثّ بنا المسير إلى حيث نصير، فكلما ننتهي إلى غدير، أن نمر بنمير، وقفنا عليه، وشربنا دوراً لديه، وإذا حللنا بمرج أقمنا فيه، ونهلنا القهوة في أرجائه ونواحيه. فما توسط نهارنا، إلا وقد انكسر بالخمر خمارنا، ونشأت نشوة النفوس، وتلاشت الدوخة من الرؤوس. وما حاولنا النزول، حتى قاربت الشمس الأفول، فوصلنا إلى الموضع الذي أعرب عنه، ولم نر أطيب منه، فألقينا به العصا، وما ألفينا من عصا، ونزلنا عن المراكب، إلى المراتب، وآثرنا مفارقة الجنائب، واخترنا مقارفة الحبائب، وقد أجهدنا اللغوب، واضطهدنا الركوب. فنلنا من الطعام، وملنا إلى المنام، في روضة أريضة، طويلة عريضة.
أَقامت السُّحبُ فيها غيرَ وانيةٍ ... تَسْقي ثَراها بهطّالٍ من المَطَرِ
مُخَيِّماتٍ عليها مُسْيَ ثالثةٍ ... لكنها قُوِّضَتْ محمودةَ الأثر
أَدارها الفَلَكُ الدوّار مُحْتفِلاً ... بها فزيَّنَها بالأَنْجُم الزُّهُر
زهت أزهارها، وبهر بهارها، وأنار نوارها، مهتزة أعطافها، معتزة أطرافها، صافية نطافها، ضافية أريافها، نضرة أكنافها، عطرة أردافها، قد سلت عليها يد الأفق، سيفاً من البرق، وصوت هنالك الرعد، فوفى له من السحاب الوعد، وحلت السماء أفواه عزاليها، فجادت عليها بكل ما فيها، فاهتزت الأرض وربت، وأخذت زخرفها وازينت، وأنبتت من كل زوج بهيج، وتنسمت بكل نشر أريج، من شقيق كالعقيق، في بهج الرحيق، ووهج الحريق، وأقاح كالثغور، ومنثور كالدر المنثور، وورد كالخدود، وبانات كالقدود، ونفل وحوذان، وشقائق نعمان، وخزامى وأقحوان، ما بين أبيض بقق، وأحمر قان، ضاحك من بكاء الغيوم، مفاخر بناجمات زهره زهر النجوم، دال على وحدانية الحي القيوم، إذا حاول الثناء على الحيا منعه الخجل والحياء، وحصره الحصر والإعياء، فشدا بذكر رائحته، مدحاً لغاديته ورائحته. وهذه في تقريظه وتحميده. قد أحدقت بها أشجار مختلفات الأجناس، مثقفات الأغراس، قد تساوين في الطول والطلل، وتسامين عن المثل والمثل، تسقى بماء واحد ويفضل بعضها على بعض في الأكل.
دَوْحٌ زكا فعليه من أَوراقه ... كِلَلٌ ومن أَزهارها إِكليلُ
تُصْبي الوَرى منه بدائعُ مَنْظرٍ ... بَهِجٍ يَرُدُّ الطَّرْف وهو كليل
تَخِذَتْه أَصنافُ الطيور مواطِناً ... فَلهنّ فيه تنقُّلٌ ومَقِيل
وتجاورٌ وتَزاورٌ وتذاكرٌ ... وتَحاوُرٌ وتَشاوُرٌ وهَدِيل
شَدْوٌ وتسبيحٌ وبَثُّ صَبابةٍ ... وتسجُّعٌ وترنُّمٌ وعَويل
стр. 237
كلما هب عليهن الهواء أمالهن كالشارب الثمل، وأدنى بعضهن إلى بعض للضم والقبل، وعطف على كل قضيب قضيبا، كما اعتنق محب حبيبا. والورق قد أخفين بأوراقهن بديع ألوانهن، وهتكن أستارهن بفنون ألحانهن في أفنانهن، ينحن ويبحن، ويغنين ويغردن، ويصدحن تارة ويسبحن، ويعجمن طوراً ويفصحن، كأنهن قينات حجبتهن ستور، أو قينات ضمتهن خدور، يتزاورن بلا رسل، ويتواصلن عن غير ملل، قد أمن المغيب، واطرحن الكاشح والرقيب، وسكن أطيب منزل، ووردن أعذب منهل. وهنالك نهر، كأن حصاه الدر والجوهر، وتراه المسك الأذفر، وماءه من نهر الكوثر، المدخر ليوم المحشر، مغدودق المشارع، سهل الشرائع. فبتنا بها ليلتنا، ونلنا أمنيتنا. فلما تبلد وجه الصباح، نادى منادي الراح: حي على الاصطباح. فقلنا ما قصدنا إلا الصيد، ولا كرامة ولا كيد. ونهضنا إلى خيولنا فركبناها، وإلى آلات القنص فاشتملناها، وإلى الجوارح فجردناها، وإلى المناهل فوردناها. فرأينا صيداً تحار لكثرته الأفكار، وتقصر عن إدراكه الأبصار. فمن أرانب وغزلان، وحبارج وكروان، وحجل ودراج، وطير مما قد هاج، وهي في عدد الرمل والنجوم. فجعل كل صنف من الجوارح جزء مقسوم، فأفردنا الكلاب للأرانب والفهود للظباء، والبزاة للحجل، والشواهين لطير الماء. وسرنا صفاً، كأننا نحاول زحفاً. والظباء في مرابضها نائمات، وعما يراد بها غافلات، في بلهنية من العيش ودعة، وخصب في المرعى وسعة، قد أمنت البوائق، ونسيت العوائق. والأرانب في مجاثمها لبود، تحسبها أيقاظاً وهي رقود. والحجل قد فارق ثبجه، وضيع مدخله ومخرجه، منتصباً على الإكام، لا يفتر عن الكلام، كأنه وامق مستهام، أو طافح خبلته مدام، في غفلة من فتكات القدر، وأمنة من آفات الغير. والدراج قد أخذ في الصياح، لما أحس تبسم الصباح، والبوزجات تجاوبه بالنباح، كأنما الدراج يدعوها إليه، أو كأن الكلاب تطلب ثأراً لديه. وطير الماء في ذلك النهر العجاج، المتلاطم الأمواج، قد شرع في الازداوج، يطرب مع إلفه ويمرح، ويختال عجباً به ويسبح، قد اتخذ الماء معقلاً يحميه، ولا يعلم أن حتفه فيه.
فما كان إلا عن قليل، ولا سرنا إلا جزءاً من ميل، حتى نفرت الظباء من مرابضها وكنسبها، مستبدلة منا وحشة بعد أنسها. فمن غزالة تزجي خشفها، وتتشوف حذراً عليه وتقلب طرفها، وتود لو تحفظه وتقيه، وبروحها من البلاد تفديه. ومن فحل قد طار روقاه، واشتد أزره وقواه، وقد تقدم على السرب، كأنه طالب للحرب، غير محتفل بنا يمشي الهوينا ويرعى، ويلتفت تارة إلينا ويسعى، قد اعتمد على السبق في الإباق، وأمن من وشك الطلب واللحاق. ومن ظبيات يرتعن ويلعبن، ويجئن ويذهبن، غافلات عما يراد بهن، غير حافلات بما أتى إليهن.
فعمدنا إلى الفهود، وهن خلف الرجال قيام وقعود، فما منها فهد إلا وقد سمي باسم، ووسم بوسم، فاستدعينا طريفاً، وكان خفيفاً ذفيفاً، إذا عدا سبق وميض البرق المتألق، وإذا نزا كان كالسيل المتدفق.
كأَنّ الريح حين يلوحُ سِرْبٌ ... أَعارتْه مُعاجَلَة الهُبوبِ
يُغير فيجعل النائي قريباً ... ويسلُب مهجة الظبي الرّبيب
تُلاحِظ منه حين يَجُول جسماً ... تدرّع حالياً حَبَّ القلوب
وجاء الفهاد بفهد نبيل، عريض طويل، صغير الراس، قوي الأساس، يقظ الحواس، صعب المراس، شرس الأخلاق، أهرت الأشداق، قد لبس حلة الأرقم، واقتبس خلة الضيغم، فأخذ جله وبرقعه، ولوهدة من الأرض أودعه، فانساب انسياب الصل مسرعا، وجد لما وجحد إلى مراده مشرعا، وهو يتستر استتار المريب، ويتبع الجري بالتقريب، وكلما حان من السرب التفات، وقف حتى يظن أنه نبات. فلم يزل على كلتا حالتيه، حتى دنا منه وشد عليه، ودخل في جمعه ففرقه، وعمد إلى شمله فمزقه، فطلب كل طريق النجاة، رغبة في الحياة، فما شاف، إلى الأخشاف، ولم يكن إلا أسرع من أن يرد الناظر طرفا، حتى جعل إهاب الفحل ظرفا. فجاء الفهاد إليه، ونزل عليه، وذبح ما صاده، وناوله فؤاده، وقال: ما تقولون في الشبعة، والعمل بمقتضى الصنعة، فقد أحسن الطريف، وصدر منه الفعل الظريف، ولم يبق عليه للذم مكان، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان. فقلنا: الرأي ما تراه، فدونك وإياه.
стр. 238
ثم أحضر الفهاد فهدة وحشية، تخال ظهرها حشية، قريبة عهد بالبرية، قد جرعت الوحوش كؤوس المنية، طويلة الرقبة والظهر والفخذين، عريضة الأذنين والصدر قصيرة الساعدين، وجهها عبوس، مستوحشة لا أنوس، قد حل في براثنها البوس، فطريدتها من الحياة يؤوس.
وَجْهٌ كأَنّ البدر حالة تِمّهِ ... أَهدى له تدويره وكمالَهُ
وَجَناته مَنْموشةٌ فكأَنما ... أَلقى عليها كلُّ خدٍّ خالَه
فاعترضتنا شاةٌ وطَلاها وهيَ بعينها تُراعيه، ومن أَطيب النبات تُرْعيه، فاستترنا منها، وتخفَّيْنا عنها، وقلنا للفهّاد: امض وانفرد، واقض واقتصد، فهذا مكان قصير النبات، قليل الشجرات، لا يتهيأ فيه النزول، ولا يمكن للفهد فيه الدخول، فنحن ندور عليها ونردها إليك، ولا شك أنها تطمع فيك وتحمل عليك. فلما عاينتنا وقفت، ولأغنها استوقفت، وهاج بها القلق، وبان عليها الفرق، فتشاغلنا عنها حتى قر قرارها، وسكن نفارها، وخمدت نارها، وتوارى أوارها، وانعكفت على مرعاها، ظناً أنه يخفى مرآها، ليتم ما قدر في الأزل، وتستوفي ما بقي لها من الرزق والأجل. ثم عدنا فيه راغبين، وللفتك بها راغنين، فقمصت مليا، وخلصت نجيا، وطلبت مخرجا، فلم تجد معرجا، فقصدت الجانب الخالي نحو الفهاد، وهو لها ولخشفها بالمرصاد، فلما تمكن من الإرسال، أخذ برقع الفهدة بلا استعجال، وأرسلها فشدت، وقويت واشتدت، فأشفقت الغزالة على خشفها، فرضيت دونه بحتفها، إذ كان غير عارفٍ بالهرب، ولا قادر على التعب. ونظرت مداها، فقصرت خطاها، وتثاقلت في عدوها، وتكاسلت عن نزوها، لتطمع الفهدة في صيدها، وتحظى بسلامة وليدها، ولم تعلم بماذا الدهر دهاها، وبأي فادحة رماها، وبأي لافحة أصلاها، وبأي دمنة طل دم طلاها، فاستقامت الفهدة على العنز، فلم ينجها سرعة العدو والجمز، فتلتها للجبين، وأخذت منها بالوتين، وشغلتها بحينها عن الحنين، وانفرد الخشف كالحزين، يتفلت، ويتلفت، ويتأسف، ويتخوف، فأدركتنا عليه الشفقة، وملكتنا له الرقة، وعزمنا أن نخلي سبيلها، ولا نفرد عنها سليلها، فتراكضنا إليها، وترامينا عليها، فوجدنا الفهاد قد ذكاها، وأباح الفهدة حماها، فقلنا فات ما ذبح، وفاز من ربح. ثم قال: ما ترون في الاقتصار على هذا الطلق، والاقتناع بما اتفق، فالفهود معكم كثيرة، ومدة نهار الصيد قصيرة، وإصلاح الجارح أصلح، والإحسان إليه أربح، فما تركتم فيه وجدتموه، وما شرهتم عليه حرمتموه. فقلنا: افعل ما بدا لك، ودع جدك وجدالك.
ثم قدم الفهاد فهداً ربيباً، عاقلاً أديباً، كامل الأنس، كأنه من الإنس، قد هذبت التربية أخلاقه، وأذهبت شقاقه، وحلى الإصلاح مذاقه، فهو ولاج خراج، مهتاج كأنه محتاج، دخال إذا أدخل، نزال إن أنزل، مرواح إن أرسل.
يَشُدّ على الطّريدة ثم يَهوي ... فليس ترى به إِلاّ التماحا
فيُرديها مُعاجَلَةً كأَنْ قد ... تضمّن كفُّه القَدَرَ المُتاحا
له خُلقُ اللّيوث فكلّ وقت ... يزيد على بَسالتها جِماحا
وخَلْقٌ تنظر الأَبصار منه ... كأَنّ عليه من حَدَقٍ وِشاحا
стр. 239
الريح حاسرة في مجراه، والظباء حائرة في مرجاه، قد نقي بياضه، وحلك سواده، وأمن إعراضه، فملك قياده، فأخذنا معنا، والتأمنا واجتمعنا، وجئنا إلى أرض سبخة لا حشيش بها ولا مدر، ولا شيح ولا حجر، وبها قطيع قد نيف على العشرين، ولم يبلغ الثلاثين، فلما قربنا من السرب، طبنا أنفساً بالخصب، ووثقنا بالكسب، وهو في الهرب، ونحن في الطلب، نخشى أن يفوتنا، ونحرم منه قوتنا، فأجمعنا على أن نطرحه وندور عليه، ونرده إليه. فتركنا الفهد من تحت الهواء، ومضينا في طلب الظباء، وهو قد لم بعضه في بعض، كي يخال قطعة من الأرض، وقورنا حتى جئناها من أمامها، كأننا نسوقها بزمامها، فانقلبت على أعقابها، ملتفة بأصحابها، ملتفتة إلى طلابها، ونحن نقودها إلى حتفها، ونذودها عن إلفها، فحين ضيقنا عليها الحلقة والخناق، اعتمدت على الإباق، وأمنت اللحاق، فرماها صرف القدر على الفهد، ووفى له فيها بالعهد، فقام عليها مستطيلاً مغيرا، فخلناه من سرعته برقاً مستطيرا، فأفرد منها عنزاً حائلا، رعت العشب حولاً كاملا، فنظرنا وإذا بالعجاج قد ثار، ودم الأدماء قد فار، فأسرعت بنا إليه الجياد، وقد سبقنا عليه الفهاد، وهو يرقص فرحاً، ويرتجز مرحا؛ ويقول: ما في الحق مرية، وليس بعد عبادان قرية، ولا بد أن نكتفي بالحصة من خلاله وحلاله، ونكفيه الغصة في خطاه وملاله، فالشقي من طمع، والسعيد من قنع، والرزق مقسوم، والحريص محروم، والتلويح يغني عن التصريح، وهل جزاء الجميل غير الجميل، وما على المحسنين من سبيل. فقلنا إليك فوضنا أمره، ومنك نطلب نفعه وضره.
فلما قضينا من الفهود الوطر، أفضينا إلى المرج ويممنا النهر، وجعلنا طريقنا مظنة الأرنب، وتقاسمنا لصيدها جياد الأكلب.
شَمَرْدَلاتٌ واسِعاتُ الآماقْ ... سُودُ الزلاليم وَشُهْلُ الأَحْداقْ
غُلْبٌ مَهاريت طِوالُ الأَعناقْ ... قُبٌّ سَواطٍ شَرسات الأَخلاقْ
يلثُمن تُرْبَ الأَرض لَثْمَ المُشْتاق ... كأَنهن يستَمِحْن الأَرزاق
للوحش من سُلْطانهن إِفراق ... لا عاصمٌ منها له ولا واق
ولا مجيرٌ لا ولا شافٍ راق
فجر كل واحد منا كلبا، وتفرقنا كأننا نحاول نهبا، فطفقت الأرانب نافرات، والكلاب لهن كاسرات، فحصلنا منهن على الفرج والنزه، ونكبنا عنهن وتركنا إلحاح الشره.
واستحضرنا البزاة والشواهين، وعرضناهن علينا أجمعين.
فاستدعى النقيب بالكلاب، فجيء بباز أصفر نقي، شاطر ذكي، طويل عريض، أزرى بلونه على البيض، نادر الأحداق، طويل الساق، قصير الجناح، يسبق في الطيران عاصف الرياح، صحيح سمين، قوي أمين، لا يرجع عن كل ما يرسل عليه، ويسبق حمامه إليه.
شَهْمٌ غدا يَزينه اصفرارُهُ ... محمودةٌ في صَيْده آثارُهُ
طائرُه لم يُنْجِه فِرارُه ... ولم يُوَقِّ نفسَه فرارُه
ولم يردّ فتكه حِذارُه ... كأَنّما سفكُ الدِّما شِعارُه
أَو حلَّ في مِنْسره شِفارُه
ثم استدعى بالفاره، فأتي بباز أحمر، أسود المنسر، رحب المنخر، مليح المنظر، أزرق الحجر، أسود القفا، أحدب الظهر، شديد القوى حديد البطش والقهر.
فاق البُزاةَ بلَوْنِه المتمرّجِ ... وعلا بحمرته على الإصبهرجِ
ذو مِنْسرٍ رَحْبِ المَناخِرِ أَسودٍ ... شمطاءُ هامته كرأس الزُّمَّج
وكأَنّ زُرْقَة عينه في ماقها ... سَبَجٌ أَداروه على فَيْروزج
سَلَبَ العُقاب سَوادَه فتراه من ... كلّ الجاورح حالياً بنَموذج
غطراف عريض الصدر قوي الأكتاف، من أحسن الأنواع والأصناف، يحسن النزول، ولا يعرف عما يرسل إليه النكول.
ثم استدعى بالفاتك، فجاءوا بالباز الأسود الحالك، قد ادرع بحلة الغراب، وارفتع عن خلقة العقاب، زمجي الراس، قوي الأساس.
جَوْنٌ تُلاحِظ منه منظراً حسناً ... له تَصيرُ البُزاة البيض كالرَّخَمِ
يَنال حامِلُه من حَمْله تعباً ... يَفِرّ منه إِلى الإِعراض والسَّأَم
كأَنّ ما بين هاديه ونَيْفَقه ... تَلَهُّبُ النّار في دِقٍ من الفَحَم
стр. 240
مقرنص حيل، في كل خصاله مكمل، لا يستنكف من صيد السمانى والحجل، ولا يضعف عن الكركي والحرجل.
ثم استدى بالجسرة فحضر زرق أبيض لطيف، رشيق ظريف، كبير الراس، سهل المراس، قد حير عقول الناس، أحمر العينين، قصير الجناحين، غليظ الساقي، حسن الكف، مدور ملتف.
مُوَضَّنٌ، كبياض الثّلج ما سمحت ... بمثل صورته كلُّ الأَعاصيرِ
كأَنّ حُمْرَة عينيه وهامته ... سُلافةٌ فَضِلتْ في كأْس بَلُّور
فانظر إِلى نُقَطٍ في جُؤْجؤٍ لطُفَتْ ... كأَرجل النَّمل في تِمْثال كافور
مقرنص بيت، قد سلم من لعل وليت، تصير الطيور له كسيرة، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة.
ثم استدعى بالشهاب فأقبل بشاهين بيضاء كافورية، من كل عيب برية، مدنرة الصدر مدرهمة القفا، شيمتها ترك الغدر والأخذ بالوفا.
بيضاء كافوريّة اللون ما ... تنجو سباع الطير من كَيْدها
إِن أُطْلِقَتْ فالطيرُ من خوفها ... حاصلةٌ بالرّغم في قيْدها
وكلُّ ما يعلوه ريشٌ ففي ... قبضتها كرْهاً ومن صَيْدها
فكلية الدوران، بريقية الطيران.
ثم استدعى بالصاعقة فرأوا شاهين حمراء كالدينار، شديدة الاحمرار، طويلة الجناحين، قصيرة الساقين.
بحريّة أَرْبَتْ على العُقْبانِ ... جَلَّتْ عن الأَشكال والأَقرانِ
تَرْقى فما تُدْرَك بالعِيان ... الطائرُ القاصي لها كالدَّاني
تنقضّ كالنّجم على الشيطان
عريضة بعد الأكتاف والصدر، غير متعرضة للخلاف والغدر.
ثم استعدى بالمنجنيق فحضرت شاهين صفراء محية، نادرة بحرية، كثيرة النشاط، كبيرة الأقراط، طرية الأرياش، فرية الاستيحاش.
بُحَيْرِيةٌ مُحِّيَّةُ اللّوْن طُرِّزَتْ ... بأَفعالها المُسْتحسناتِ نُعوتُها
إذا أُرسِلتْ رامت عُلُوّاً كأَنما ... أُعدّ لها في منتهى الجوّ قوتُها
فإِنْ نحن أَقلعنا الطيور تحدَّرت ... كصاعقةٍ حِرصاً عليها تُميتها
صيدها الخفاف والثقال، وعثرة طائرها ما تقال.
ثم استدعى بالحطام فعبر بكرك أسود بحري، حسن سري، مردد ملتف، واسع الصدر قوي الكف.
مُشْرَئِبٌ ماضي البراثن ساطٍ ... مُستحيلٌ للطَّيْر منه النَّجاءُ
مُسْتَحِلٌّ سفك الدماء فما يسكن يوماً حتى تُراق الدِّماء
كم وكم لاذ بالهواءِ عِتاقُ الطّير منه فلم يَصُنْها الهواءُ
وكذاك استجار بالماء طير الماء خوفاً فما أجار الماء
مشمر عن ساق، كأنه متنمر لإباق، يثب إلى فوق، كأن به إلى السماء داعي شوق.
فلما استكملنا العدد، واستتممنا العدد، أخذ كل واحد منا بسباقة بازه وشاهينه، وسرنا على التؤدة والهينة، والسواعد والأنامل، لهن قواعد وحوامل، وحذرنا السهو والتغافل، وتحريق اليد والتراسل، وكل من طار بين يديه طائر أرسل عليه، والباقون ينظرون إليه، والبوزجات على الخيل قيام وقعود، كأنهن فهود.
فمِنْ أَبيضٍ ساطس أَقبَّ شَمَرْدَلٍ ... يفوق بياضَ الأُقْحُوان المُنَضَّدِ
ومن أَبلقٍ يلقى العيونَ بحُلَّتَيْ ... بياضٍ نقيٍّ واحمرارٍ مُوَرَّد
إِذا طائرٌ رام النَّجاة تبادرا ... إليه كسهمَيْ قوسِ رامٍ مُسَدّد
فإِن غاب شمّا التُرْبَ قصّاً كأَنما استعانا عليه بالدّليل المُجَوِّد
فهي تنظر طائراً تبيره، أو كامناً في نبجة تثيره، فطار بين يدي صاحب الزرق حجلة، وارتفعت إلى السماء فأرسله، فلزم لها وجه التراب ينظر إليها بإحدى عينيه شزرا، ويخفي نفسه عنها نكراً، فلما بعدت همت بالنزول، وأرخت رجليها، فنزا طالعاً إليها، فلقفها ونزل، وحسن فيما فعل، وسارع صاحبه إليه، وذبح في رجليه، ولم يقم حتى أشبعه، وبالشقة رفعه، وقال: ما كل من وعد وفى بالوعد، وليس في كل واد بنو سعد.
стр. 241
ثم طار عن يسار صاحب الباز الأصفر فحل دراج وعلا، ولحق بأعنان السماء فأرسله عليه فتواطى واعتنق الكلا، يجر فاضل سباقيه، ولا يفتر من النظر إليه، فعاين الدراج مدرجا، ورأى نبجا، وعزم على النزول به، طمعاً في حمايته وتأشبه، وشآه الباز محلقا، وتلقفه متعلقا، فقال صاحبه قد حصل، فقرط من كفه ونزل، وولج النبج، وأقسم أن لا يخرج، وانغمس الباز معه في العوسج، انغماس القرم المحوج، فدنا منه صاحبه وقرب، وأقام يده له فركب، فصرنا بأجمعنا نطلبه، وألقينا الكلاب لعلها تجذبه، وهن ينشقنه، كأنهن يشتقنه، ينبحن ويشخرن، ويبصبصن بأذنابهن ويكشرن، وقد قاسين محنا، كأن له عندهن إحنا، فعجبنا من كيده، وعجنا عن صيده، والكلاب تشم رائحته ولا ترى له جرما، كأنما أتى إليها جرما، تجد الفتك به غنما، والترك له غرما، فوقفنا حوالي النبجة، ونظرنا من خلال العوسجة، فإذا هو فيها كامن، وبها واثق آمن، فوكزناه بمنسأة فطار، وعجل الفرار. فأرسل الباز في كتفه، فأذاقه مر حتفه، ونزل عليه، وذبح في رجليه، وأطعمه ما اشتهى، وخلص منه الباقي لما اكتفى، وتمثل بقول من نطق بالحكمة، ما كل بيضاء شحمة.
وانحرفنا فأقلع من ورائنا ديك حجل، كمذعور وجل، يجد في الطيران، مرتفعاً إلى كيوان. فنام الغطريف له ففتح يده عليه وأرسله، فخرج مبرياً إليه وواصله فحصله، فأعجبنا ما رأيناه، وعوذناه بالله وفديناه، فمضى صاحبه وذبح في كفه، وأشبعه إلى أنفه، وقال: ليس الخبر كالعيان، ماء ولا كصداء ومرعى ولا كالسعدان.
وسرنا فرأينا من بعد أشباحا، فقربنا إليها ارتياحا، فألفينا كراكي، كأنهن بخاتي، واقفات على غدير الماء، متعلقات على المرعى، فرمقننا بأحداقهن، وتطاولن بأعناقهن، ولما رآهن صاحب الباز الأسود ستره، وما أظهره. فقام الباز على دابرتيه إليهن، وحملق عينيه عليهن، فقال: أرى بازي تقاضاهن، لما ضاهاهن فما ترون في الإرسال، وعلى نتكل في جميع الأحوال. فقلنا: بازك قادر، وأنت به خابر، فأرسله إن قوي العزم، وأسرع فهو الحزم، فأنزل يده له فسقط عنها كالورقة، يفتح جناحيه ويقلقهما كالبوتقة، وأطلق فرسه، خلفه ليحرسه. فأقلعن، وعن الأرض ارتفعن، فحصل بينهن، وقصد حينهن، وسلب أكبرهن وأصلبهن، فصار صاحبه إليه، وجعل رجله على رجليه، وفتح فكيه، وذبح في كفيه وكتف جناحيه، وناوله رأسه وأشبعه عليه، وهو يقول: زاحم بعود أو دع، إذا قالت حذام فصدقوها، إن الجبان حتفه من فوقه.
وانتهينا إلى مظنة طير الماء فوجدنا نقيعاً كبيرا، وطيراً كثيرا، فتقدم الذي على يده الشهاب وصفر لها، وخلى سبيلها، فدارت أضيق حلقة، وأخذت أوفى طبقة، ولحقت بالحبك، ولاحقت قبة الفلك، فأقلعنا إليها الديازج مع الملاعق، فانقلبت أسرع من نزول الصواعق، فزجت ديزجا وعلقت ملعقا، فجاء وشق لها جنبه، وأطعمها قلبه، وقال: الخير لا يؤخر، والمحسن بالإحسان إليه أجدر، فقلنا له: رأيك صائب، ومخالفك خائب.
ومشينا قليلا، فألفينا فيضاً عريضاً طويلا، وعاينا طيراً مهولا، فأرسل الصاعقة عن يده فأسرعت في الدوران، وارتفعت في الطيران، كأن لها في السماء أربا، أو كأن بينها وبين الملائكة نسبا. فطيرنا لها الذكور والإناث، واعتمدنا في إطارتها الاستحثاث، فانقلبت أسرع من الكوكب المنقض، والشؤبوب المرفض، فصادت أنثى، فعاد فحلها إليها حثا، ليخلصها منها، ويذود دونها عنها، وجاء إليها ضرباً بالجناحين، فلم يعلم أنه جان جنى الحين، فعلق الشاهين برجله رأسه، وجرعه من الحتف كأسه، فأسرع صاحبه النزول، وذبحهما وهو يقول: على مثل ليلى يقتل المرء نفسه، ما كل غانية هند، فتى ولا كمالك، لكل مقام مقال، ولكل مقال رجال، ولكل رجال فعال، ولكل فعال مآل، وما بعد الهدى إلا الضلال.
وسقنا فرأينا نهرا، ووجدنا عنده إوزا، فأطلق المنجنيق، فارتفعت إلى العيوق، فأقلعنا لها الإوز، وقلنا: من عز بز. فانقلبت كالبرق الخاطف، بدوي الرعد القاصف، وهبوب الريح العاصف، وقصدت سمتهن، وصارت من إشفاق الغرق تحتهن، وحملت عزة، واحتملت إوزة. فقال صاحبها: كل الصيد في جوف الفرا، والحق ما فيه مرا، وفي اللجاج حرمان، والزيادة ما لها نقصان. وفداها وعوذها، وأشبعها وأخذها.
стр. 242
ثم أتينا إلى ساقية فرأينا فرافير فرفعنا الحطام عليهن فارتفع، ودار وما وسع، يحفظ رؤوسنا، ويطيب نفوسنا، إلى أن غاب عن الأبصار، وتوارى عن النظار، فأشفقنا من أفوله، وشككنا في نزوله، فطيرنا له الفرافير وكانت عشرا، فنزل كأن له عندهن وترا، فصاد واحداً فأخذناه وخلصناه، ثم عدنا وأرسلناه، فأعاد من دورانه أحسن مما أبدى، ثم انقلب إلى الطيور ولآخر أردى. ولم يزل كذلك يصيد ونرفعه، ويحسن وما نشبعه، حتى أتى على الجميع، وأبدع في الصنيع، فعند ذلك وفيناه طعمه، ووفرنا قسمه.
ثم عدنا إلى المضارب، لقضاء المآرب، فوجدنا من تخلف من الأصحاب، قد أعد يابس الأحطاب، فأضرمت النيران، وقدم الخوان، وحضر عليه الإخوان، وشرعنا في تناول ما أعده الطاهي وهياه، وحضرنا ما قنصناه فاشتويناه، ثم شرعنا الخيام، وأقعدنا القيام، وأحضرت الراح وآلاتها، ودارت بالأقداح سقاتها، فاجتلينا شموس العقار، من أيدي الأقمار، وحركت الأوتار، وجاوبتها الأطيار، وعلت الأصوات، وحلت الأوقات، والقمر طالع، والماء للنسيم دارع، والغدير لمقابلة النجوم له كأنه سماء، ونحن إلى ما في أيدي السقاة ظماء، نستجلي محياها، ونستحلي حمياها.
نستغنم العمرَ والأَقدارُ غافلةٌ ... عنّا، وغَرْبُ شَبا الأَيام مكفوفُ
ونقطع الدَّهر ف أَمنٍ وفي دَعةٍ ... وَصْلاً، وطَرْفُ صُروف الدهر مَطْروف
وأَطيبُ العيش ما جاد الزمان به ... مُسَلَّما، ليس تعروه الأَراجيفُ
فما الحياة ولو طالت بدائمةٍ ... فلا يَغُرَّكَ تعليل وتسويف
وما برحنا كذلك إلى أن غرب القمر، ودنا السحر، وكره السهر، فأخذنا من النوم نصيبا، وضاجع كل محب حبيبا، فلام طوى الليل سرادقه، ونشر الصبح بيارقه، انتبهنا من الرقاد، وانتهبنا آلات الاصطياد، وفزنا في اليوم على الأمس بالازدياد.
ولم نزل عشرة أيام، في صيد وشرب مدام، حتى مللنا ما كنا فيه، وعزمنا على ما ينافيه، فملنا عن الحركة إلى السكون، وانتقلنا من الصحاري إلى الوكون، وقلنا: إلى متى سفك الدما، والفتك بالدمى، وحتمام نفرق بين الألاف، ونفوق سهم البين إلى الأحلاف، فهل وثقنا بالأقدار، ونسينا تقلب الليل والنهار، وهل أمنا أن نصاب بما أصبنا به، وننتاب بظفر الزمان ونابه، فرجعنا نطلب منازل، خوالي منالمكاره حوالي بالمكارم أواهل، فلما دنونا من العمران، ووجدنا رائحة الأوطان، قال بعض الإخوان: ما ترون في النزول بالبستان؟ فامتثلنا أمره، والتثمنا صدره، والتزلمنا حكمه، وارتسمنا رسمه، ودخلنا إلى بستان، كأخلاق الجان، معمور بالروح والريحان، تتشاجر الورق في اوراق أشجارها، وتنفث في عقد سحرها نفحات أسحارها، وتتجاوب البلابل ببلابل أشجانها، وتتناوب العنادب بفنون ألحانها في أفنانها.
فمن فائزٍ بالوَصْل لم يذق النَّوى ... يُناغي جِهاراً إلفَه وينوحُ
وراقٍ ذُرى غُصنٍ رطيب فدأَبه ... ينادي إِلى محبوبه ويصيح
وذاتِ قرينٍ لم تفارقه لحظةً ... فمِنْ شَعفٍ تغدو به وتروح
ومِنْ فاقدٍ إِلفاً يَهيم صبابةً ... إِليه ويُبدي حُزنَه وينوح
وانتهينا منه إلى قصر قصرت عن نعته الهمم، وصغرت عنده إرم، شاهق البناء، رائق الفناء، فائق الأرجاء، فاستدللنا بالظاهر على الباطن، ويحسن المسكون على إحسان الساكن، فيه بركة قد حركت راؤها، وفي وسطها فوارة قد ارتفع إلى السماء ماؤها، كأنها رمح قد طعن به في نحر السحاب، فجاد عليها بواكف الرباب، قد أديرت بأكواب وأباريق، مملوءة من سلسبيل ورحيق، فاستوينا في الإيوان، وتناولنا ما حضر من الألوان، وارتحنا إلى الراح، واستهدينا كيمياء الأفراح.
فأقبل شادن رخيم الدلال، عديم المثال، منتشي الطرف، متثني العطف، فصيح اللهجة، مليح البهجة، خفيف الخصر نحيفه، ثقيل الردف كثيفه، ساجي اللحظ، شاجي اللفظ، متأود القد، متورد الخد، قد أطلع البدر من أزراره، وأودع الدعص في إزاره.
رَشَأٌ يتيه بحُسنِه وجَمالِهِ ... فاق البدور بِتِمِّه وكمالِهِ
أَزْرى بكل مُوَحَّدٍ في حُسْنه ... حتى ببهجة شمسه وهلاله
стр. 243
يسقي الشَّمول بلحظه وبلفظه ... ورُضابه ويَمينه وشِماله
فالسُّكر من لحظاته وفُتورها ... لا ما يعاطي الشَّرْب من جِريالِه
حيّا فأَحيانا بوَردة خدِّه ... وشدا فأَطربنا بسحر مقاله
ريا من ماء نضارة ونعيم، وفي يده كأس مزاجها من تسنيم، فأسكرنا النظر إليه، قبل تناول ما في يديه، وحيانا بنرجس عينيه، وحبانا بورد خديه، فعقرنا الألباب بالعقار، وخلعنا العذار في حب العذار، وقضينا الأوطار بالأوتار، وتوفرنا على معاطاة الشراب، ومناغاة الأحباب، وما توقرنا عن الرضا برشف الرضاب، والاقتضاء بكشف الحجاب.
وما زلنا على تلك الحال، حتى استهلت من رجب غرة الهلال، فخالفنا الهوى، وحالفنا التقى، وانتجعنا صوب الصواب، وادرعنا ثوب الثواب، واستدركنا فارط الزلل، وخفنا حابط العمل، ومنينا من تلك الرفقة بالفرقة، ودقعنا من تلك الصحبة إلى الغربة، وتفرقنا في البلاد، وتشتتنا في الأغوار والأنجاد.
وهذه سيرة الأيام في الأنام، وفعالها بالخاص والعام، لذتها كالأحلام، ويقظتها كالمنام، جعلنا الله من الفائزين بالخلود في دار السلام.
قد كتبت هذه الرسالة على ما بها، ورددت غلطها إلى صوابها.
ومن شعره في غير الرسالة قوله في حبيب حرم وداعه، نقلته من خطه:
وكنتُ إِذا ذِكْرُ التفرُّق راعني ... أُطمِّن قلبي منكم بوَداعِ
فحالتْ أُمورٌ دون نفسي وسُؤلها ... فقنَّعْتها من ذكركم بسماع
وقوله يذم صاحباً له:
وصاحبٍ لا أَعاد الدهرُ صُحْبته ... صَحِبْتُه، وأَراه شَرَّ من صُحِبا
لا يستقيم على حالٍ فأَعرفَه ... ولا يفوه بخيرٍ، جَدّ أَو لعِبا
إِن زرتُه قاضياً حقَّ الإخاء له ... غاب احتجاباً وإِن أَهملتُهُ عَتِبا
وإِن تنصَّلتُ مما قال مُعتذِراً ... أَبى القَبُول، وإِن عاتبتُه غضبا
أبو طالب بن الخشاب
وهو عقيل بن يحيى، من أهل باب شرقي من دمشق من عوامها. رأيته شيخاً في دار العدل بدمشق في شعبان سنة إحدى وسبعين. وقد خدم الملك الناصر بقصيدتين. فمما أثبته له من القصيدتين قوله:
من لي بِخِلٍّ جائر في حبِّهِ ... أَبداً يعنّفني بكثرة عَتْبِهِ
إِنْ بان آلم مُهجتي بِبِعاده ... أَو آب أَوْدعني الأَسى في قُربه
لو كان يعلم ما أُلاقي في الهوى ... من صدِّه لانتْ قَساوة قلبه
ومنها:
والدهر لا يبقى على حال فلا ... تأْمن لياليَ جَدْبه أو خِصْبه
ومنها في المدح:
وقد ظمئتُ فلم أَجد بدلاً من الماء الزُّلال سوى مَواطِر سُحْبه
ومن القصيدة الأخرى:
أَطاعتك أَطراف الرُّدَيْنية السُّمْرِ ... وسالمك التوفيق في البرّ والبحرِ
وعشتَ مدى الأَيّام لا قال قائل ... كبا بك زَنْدٌ في عظيمٍ من الأَمر
وكان عرقلة الشاعر ينبزه بالرقبة. وله فيه شعر.
أبو الحسن بن أبي الخير
سلامة النصراني الدمشقي
كاتب تاج الملوك أخي الملك الناصر. فيه أدب وذكاء. كتب لي من شعره قوله:
يا حبّذا يومنا، والكأْس ناظمةٌ ... نظمَ الحَباب عليها شَمْلَ أَحبابِ
ونحن ما بين أَزهارٍ تحفّ بأَنْهارٍ وما بين أَقداح وأَكواب
والماءُ تلعب أَرواحُ النسيم به ... ما بين ماضٍ وآتٍ، أَيَّ تلعاب
كأَنه زَرَدُ الزَّغْف السوابغ، أو ... نقش المَبارد، أَو تفريك أَثواب
وقوله:
سَلِ الحبيب الذي هام الفؤاد به ... هل يذكر العَهد، إِنّ العهد مذكورُ
أَيّام نأخذُها صَهْباءَ صافيةً ... يُمْسي الحزين لديْها وهو مسرور
يسعى بها غُصن بانٍ في كثيب نقاً ... له على القوم ترديد وتكرير
إِذا أَتاك بكأْسٍ خِلْتَها قَبَساً ... يسعى به في ظلام الليل مَقْرور
يُعْطيكه وهو ياقوتٌ، ويأْخذه ... إِذا أَشرت إليه، وهو بَلُّورُ
والأَرضُ قد نَسَجتْ أَيدي الربيع لها ... وشْياً تردَّتْ به الآكام والقُور
стр. 244
كأَنّ منثورها، والعينُ ترمُقه ... دراهمٌ حين تبدو أَو دنانير
ما شئتَ من منظرٍ في روضها نَضِرٍ ... كأَنما نَوْرُه من حسنه نُور
تظلُّ أَطيارُها تشدون بها طرباً ... إِذا تبدَّتْ من الصبح التباشير
من بُلبلٍ كلّما غنّاك جاوَبَه ... فيها هَزارٌ وقُمْرِيّ وشُحْرور
كأَنما صوت ذا صَنْجٌ، يجاوبه ... من ذاك نايٌ، وذا بَمٌّ، وذا زِير
وله في مدح تاج الملوك أيضاً في زمن الربيع:
تاجُ الملوك، أَدامَ الله نعمته، ... أَسْخى البريَّة من عُجْم ومن عَرَبِ
مولىً، أَياديه في أَرض يَحُلُّ بها ... أَجدى وأَحسن آثاراً من السُّحُبِ
يُفَتِّح النَّورُ فيها من أَنامله ... فتنجلي منه في أَثوابه القُشُبِ
حتى ترى روضَها يحكي مواهبَه ... فالبعض من فضّةٍ والبعض من ذهب
وله من قصيدة فيه بعث بها إليه في المعسكر في أيام الربيع:
مولايَ، مجدَ الدين، قد عاودتْ ... دمشقَ مِنْ بعْدِك أَشجانُها
نَيْرَبُها قد مات شوقاً إِلى المَوْلى وواديها ومَيْدانُها
مالتْ إِليه في بساتينها ... من شدَّ الأَشواق أَغصانُها
وأَقسمْت من بعده لا صحا ... من لوعةِ الأَشجان نَشْوانها
وماسَ من أَشواقِه آسُها ... واهتزّ إِذْ بان له بانُها
وغنَّتِ الأَطيارُ من شَجْوِها ... واختلفت في الدَّوْح أَلحانها
واصفرّ في الرَّوْضة مَنْثُورها ... مِنْ شوقِه واخضرّ رَيْحانها
رقرقت الدمعَ عليه كما ... ترقرقت بالماء غُدرانها
فلا خَلَتْ يا خيرَ هذا الورى ... بُطْنانها منك وظُهْرانها
تلك هي الجنة، لكنّها ... مُذْ غِبْتَ عنها غاب رضْوانها
وله فيه وقد وعده بخلعة:
يا من له الشُّكر، بعد الله مُفْتَرَضُ ... عليّ، ما عِشْتُ في سِرّي وفي علني
إِن كان غيرُك لي مولىً أُؤَمِّلُه ... وأَرتجيه، فكانت خِلعتي كفني
وله يقتضيه بالخلعة وقد عزم على المسير إلى العسكر المنصور:
مولايَ جُدء لي بوَعْدي ... من قبل سَيْرِ الرِّكابِ
أَنعِمْ عليَّ بثوبٍ ... تَرْبَحْ جزيل الثواب
ثوب تكاملَ حُسْناً ... كخُلْقِك المستطاب
كأَنّه زمن الوصْل في زمان الشباب
وفوطة مِثل شَعْري ... رقيقة أَو شرابي
طويلة مثل ليلي ... لمّا جفا أَحبابي
كأَنها رَمَضان ... إِذا أَتى في آب
وله فيه:
يا حبَّذا أَبواه إِذ ... وَلَداه من كرمٍ وخِيرِ
وكذاك قد يُستخرج الدُّرّ النفيس من البحور
والشّمس من أَنوارِها ... يبدو سَنا القمر المُنير
ما زال مُنذُ فِطامه ... في عَقْلِ مُكْتَهِلٍ كبيرِ
مولىً حوى فضل الأَكا ... بر وهو في سنّ الصغير
ولقد رَقى دَرَج الأَوا ... ئل وهو في الزمن الأخير
وله فيه:
يا مَنْ يَعُمُّ سَماحُه ونوالُه ... كرماً كما عَمَّ السَّحابُ المُمْطِرُ
ويفوح ما بَيْنَ الأَنام ثناؤه ... فكأَنه في كلّ حيٍّ عَنْبَرُ
إِني شقيتُ وفي ظِلالك أَنعُمٌ ... ولقد ظمئت وفي يمينك أَبْحُر
ولقد ذَلَلتُ وأَنت حِصْنٌ مانعٌ ... ولقد ضَلَلْت وأَنت بدرٌ نَيِّر
أَغنى نداك الناسَ إِلاّ فاقتي ... فاللهُ يُغني من يشاء ويُفْقِر
فلئن نظرتَ إِليّ نظرة مُجْمِلٍ ... فلأَنت أَولى بالجميل وأَجدَر
ومدحني في مصر بهذه القصيدة، وهي في حسن الفريدة، في ذي القعدة من سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة:
أَمُطيلَ عَذْلي في الهوى ومُفَنِّدي ... هل أنت في غَيِّ الصَبابة مُرْشدي
هيْهاتَ، ما هذا المَلامُ بزاجري ... فانقُض، أَبَيءتَ اللعن، منه أَو زِد
стр. 245
أَنت الفِداء ومَنْ يلوم لشادنٍ ... أَنا في هواه مضلَّلٌ لا أَهتدي
يجلو لعينك غُرَّةً في طُرّةٍ ... فيُريك أَحسن أَبيضٍ في أسود
يسطو على عُشّاقه من قَدّه ... وجفونِه، بمُثَقَّفٍ ومُهَنَّد
قمرٌ يظَلُّ الماءُ في وَجَناته ... والنارُ بين تَرَقْرُقٍ وتَوَقُّد
ومن العجائب أَنّ ناراً خالطت ... ماءً وأَن ضِرامها لم يَخْمَدِ
وكذاك ماءُ الدَمع إِن أَنْضَجْ به ... نارَ الصَّبابة والأَسى، تَتَوَقَّد
فصَبابتي لمّا تَخِفَّ، وأَدمُعي ... لمّا تجِفّ، وزفرتي لم تَبْرُد
كم بِتُّ أَرعى الفَرْقَدَيْن كلاهما ... شَعفاً بمن يرنو بِعَيْنَيْ فَرْقَد
آليتُ أَرقُدُ في هواه، ومن يكن ... ذا لوعةٍ وعلاقةٍ لم يَرْقُد
علّ الليالي يكتَسِينَ بشاشةً ... يوماً فتُنْجِز بعد مَطلٍ موعدي
إِنْ رقّ لي بعد القساوة قلبُه ... فالماء يقطُر مِنْ صِفاح الجَلْمَد
فأَجِلْ لحاظَك في محاسن وجهه ... إن تستطع نظراً إِليه وَرَدِّد
تنظرْ إِلى الأَنوار بين مُمَسَّكٍ ... ومسبج ومُنَرْجَسٍ ومُوَرَّج
فكأَنها نَوْرُ الربيع إِذا بدا ... أَوْ حسنُ خَطِّ محمَّدِ بن محمد
هذا عماد الدين والدنيا معاً ... وملاذُ كلِّ مُؤَمِّلٍ أَو مجتدي
هذا الذي ما أُغْلِقَتْ أَبوابُه ... من دون مُسْتَجْدٍ ولا مُسْتَنْجِد
هذا الذي أَحْيا العُلومَ وأَهلَها ... بعد الرَّدى، والعُرْفُ إِحياءُ الرَّدي
وأَبان منها كلَّ نَهْجٍ دارسٍ ... دَرْسَ الرُّسُوم من الدِّيار الهُمَّد
بيضاء حسنٍ ما دجت إِلاّ بدا ... فأَضاء مثلَ الكوكب المُتَوَقِّد
لو عاش حينئذٍ فرام تشبُّهاً ... عبدُ الحميد بخطِّه لم يُحْمَد
يَقِظٌ له القلمان في إنشائِه ... وحسابه، في مَصْدَرٍ أَو مَوْرِد
إِن حاول الإنشاء يوماً ما، فيا ... ناهيك من دُرٍّ هناك مُنَضَّد
ويُضَمِّنُ اللفظَ البديع معانياً ... أشهى من الماء الفُراتِ إِلى الصَّدى
وكأَنّ خطَّ حِسابه في طِرْسِه ... شَعرٌ تَنَمْنَمَ في عوارضِ أَغْيَدِ
لو قُلِّدَ الدُّنْيا كفاها وحدَه ... في الحالتين، ولم يُرِدْ من مُسْعِد
ولقام منتهِضاً بكلّ عظيمةٍ ... فبعلمه في الفقه كلٌّ مقتدي
فلوَ انّ أسعد عاش بعد وفاته ... يوماً فساجله به لم يَسْعَد
وإذا انبرى للشعر خِلْتَ قريضَه ... أَطواقَ دُرٍّ في نحورِ الخُرَّد
شِعْرٌ ترشَّفُه النفوس كأَنّه ... لفظُ الحبيب مقرِّراً للمَوْعِد
أو طيبُ وَصْلٍ بعد كُرْهِ قطيعةٍ ... من ذي انبساط بعد طولِ تَجَعُّد
وإِذا تفاخر بالأرُوم مَعاشِرٌ ... فله العلاءُ عليهم بالمَحْتِد
مازال يُخْبِر فضلُه بل نيلُه ... عن حُسْنِ شيمته وطيبِ المولد
جَلَّ الذي أَعطاك يا ابن محمّدٍ ... في كلّ فضلٍ باهرٍ طولَ اليد
أَقسمتُ بالكرم الذي أُوتيتَه ... لولاك ما اتّضحتْ سبيلُ السُّؤْدُد
وكتب إلي أيضاً:
أَلا قُلْ لمن ذَمّ الزمان جَهالةً ... وَعَنّفه فيما جَناه وفَنّدا
دَعِ العجز وانهض غير وانٍ إِلى امرئٍ ... يكُنْ لك فيما أَنت راجيه مُسْعِدا
فإِنّك لم تبلغ من الدهر طائلاً ... وتحمَدُه حتى تزورَ مُحَمّدا
стр. 246
وإِنّ عماد الدين أضمنعُ مَعْقِلٍ ... إِذا ما رَماك الدَّهرُ يوماً تَعَمُّدا
وأَسيرُ هذا الناس فضلاً وسُؤْدُداً ... وأَعوزُهم نِدّاً وأَكثرهم نَدى
تَفَرَّدَ إِلاّ أَنه الناسُ كُلُّهُم ... وإِن كان في عَلْيائه قد تفرّدا
مُعِزٌّ مُذِلٌّ مانِح مانعٌ معاً ... يُرَجَّى ويُخْشى واعِداً مُتَوَعِّدا
إِذا ما رمى يوماً بإيعاده العِدى ... أَقام لخوف الانتقام وأَقْعدا
جديرٌ بحلّ الأَمر أَشكل حلُّه ... برأيٍ به في كل عَشْواءَ يُهْتَدى
له قلمٌ ما هزّه في مُلِمَّةٍ ... من الدهر إِلاّ هزّ سيفاً مُهَنّدا
إِذا انْسَلَّ من بين الأَنامل خِلْتَهُ ... يُنَظّمُ في القرطاس دُرّاً مُبَدّدا
إِذا ما رنا يوماً بعين كحيلةٍ ... رأَيتَ لَدَيْه ناظرَ الرمح أَرْمدا
وإِن يتحرَّكْ يسكُنِ الخطْبُ فادحاً ... ويبيضُّ وجهُ الرُّشْدِ إن هو سَوَّدا
لأَنت عماد الدين أَحسنُ شيمةً ... وأَطيبُ هذا الناسِ أَصلاً ومَحْتِدا
فلو جاز يوماً أَن يُخَلَّدَ سيِّدٌ ... كريم بما أَسدى لكنتَ المُخَلَّدا
باب في ذكر محاسن جماعة
من الفضلاء من حمص وحماة وشيزر
حمص
القائد أبو العلاء الحمصي
المحسن بن أحمد بن الحسين بن معقل الأزدي، من أهل حمص، سمعت وحيش الشاعر بدمشق يقول: إنه توفي سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وله ثلاثة أولاد فاقتسموا ديوانه أثلاثاً، وظنوه تراثاً، فقلت لهم: هذا لا يجديكم نفعاً، وإثبات شعر والدكم يوجد لكم رفعاً، فما قبلوا مني وتفرقوا به وفرقوه، ولا ثبتوا على حفظه ولا أثبتوه. له من قصيدة:
هل لسارٍ في دُجى هجركَ هادِ ... أَم لعانٍ أَسَرَتْ عيناكَ فادِ
قد تعدَّيْتَ فأَشمتَّ العِدى ... وتمادَيْتَ فجاوزتَ التَّمادي
يا صحيحَ الجسم من داء الضَّنا ... وَخَلِيَّ القلب من ضَرِّ البعاد
خَفْ مع القُدْرة من ظلمي فقد ... نُهِي القادر عن ظلم العباد
نِمْتَ عما بي وجَفْني أَرِقٌ ... لم يَدُق من كَلَفٍ طيبَ الرُّقادِ
وثَنَيْتَ العِطف عنّي لاهياً ... مُؤثراً عكس طِلابي ومُرادي
فأَبِنْ لي مُخْبِراً بالله هل ... أَنت من أَولاد شَدّادِ بن عاد
وَيْحَ قلبي ما الذي أَوْقعه ... في هوى صَعْبِ الرِّضا صعب القياد
يتجنَّى والتجنّي أَبداً ... سببٌ داعٍ إِلى نقض الوداد
وله:
دَعا مُهْجَتي رَهْنَ أَوصابها ... وَحِلف هواها وأَطرابها
وَكُفّا فلي عنكما شاغِلٌ ... بتسهيد عَيْني وتَسْكابها
فَيا لِيَ من ظبيةٍ بالحِمى ... تَتيهُ بإِفراط إِعجابها
مُقَسَّمة الحُسْن بين القِناع ... وبين اللِّثام وجِلْبابها
فبدْرُ الدُّجى فوق أَطواقها ... وحِقْف النَّقا تحت أَثوابها
ولو أَنّ يوسُف في عصرها ... لأَصبح مِنْ بعض حُجّابها
رُوَيْدكُما بو قِيذ الصُّدود ... ومُدْوى لواعجِ أَوْصابها
فأَيْن السُّلوُّ وأَين الخلاصُ ... لنفسٍ أُصيبت بأَحبابها
تملَّكها مَنْ لأَجفانه ... نِصالُ الرُّماة ونُشّابها
هذه رقيقة، رفيقة، لطيفة، طريفة، ولعل ناظمها قصد بها معارضة الرئيس أبي منصور بن الفضل الكاتب المعروف بصر بعر فيكلمته التي أولها:
تفيض نفوس بأوصابها ... وتكتمُ عُوّادَها ما بها
وما أَنصفتْ مُهجةٌ تشتكي ... هواها إِلى غير أَحبابها
ومنها:
ومن شرف الحبّ أَنّ الرِّجا ... ل تَشْري أَذاه بأَلبابها
وفي السِّرْب مُتْرِبةٌ بالجمال ... تُقَسِّمه بين أَترابها
стр. 247
فللبدر ما فوق أَزرارها ... وللغُصن ما تحت جلبابها
كأَني ذَعَرْتُ بها في الخِبا ... ءِ وَحْشيةً عند مِحرابها
أُتَبِّعها نظراً معجلاً ... يُعَثِّر عيني بُهدّابها
متى شاء يقطِف وردَ الخدود ... وَقَتْهُ الأَكُفِّ بعُنّابها
وكم ناحلٍ بين تلك الخيا ... م تحسِبه بعض أَطنابها
لا يعارض هذا السحر، ولا يناقض هذا الشعر، إلا من يفتضح، وبينة قصوره تتضح، فإن الشاعر المفلق، إذا في قصيدة ووفق، فالألسنة تصقلها، والرواة تنقلها، ولا يتفق لشاعر في مدة عمره إلا قصائد معروفة، وهمته لاستحسان الناس لها مصروفة، فالأريب، اللبيب الأديب، ذو القريحة الصحيحة يتعرض لقبول النصيحة، ولا يعرض بمعارضتها نفسه للفضيحة، فإن نظم مثلها، واحكم صقلها، فمن أين له قبولها، ومتى ينفق ويتفق سوقها وسولها، وما كل حسن مبخوت، وإن نظم دونها فهو ممقوت، ومن ملك القدرة على حر الكلام في سر البلاغة، وسحر الصياغة، غاص بحر الفكر، لاستخراج الدرر، ولم ير من همته إلا التفرد بالثناء الغرر، لتتفرد بالقبول فرائده، ولتفد العقول فوائده، وتنير بالإشراق مقاصده، وتسير في الآفاق قصائده.
سعادة بن عبد الله الأعمى
من أهل حمص يعرف بسعادة، ويكتب على قصائده سعيد بن عبد الله، وكان مملوكاً لبعض الدمشقيين مولدا. شاب ضرير، شبا خاطره طرير، قد توفرت بصيرته وإن ذهب بصره، وأقرحت قريحته وشبت فكره.
لقيته بحمص مراراً، وسافر إلى مصر في أول مملكة السلطان الملك الناصر، وعاد بوفر وافر، وغنى ظاهر، وحصلت له زيادة على ألف دينار، وهو محظوظ مرزوق من نظم الأشعار.
كتب جالساً بين يدي الملك الناصر صلاح الدين بدمشق في دار العدل، أنفذ ما يأمر به من الشغل، فحضر سعادة الضرير ووقف ينشد هذه القصيدة في عاشر شعبان سنة إحدى وسبعين:
حَيَّيْتك أَعطافُ القُدود ببانها ... لمّا انثنتْ تيهاً على كُثْبانها
وبما وقى العُنّابُ من تُفّاحها ... وبما حماه اللاّذ من رُمّانها
من كلِّ رانيةٍ بمُقلةٍ جُؤْذَرٍ ... يبدو لنا هاروت من أَجفانها
وافَتْك حاملة الهلال بصَعْدَةٍ ... جعلت لواحظها مكانَ سنانها
حوريّةٌ تَسقيك جَنَّةُ ثغرها ... من كوثرٍ أَجْرَتْه فوق جُمانها
نزَلت بوَاديها منازلَ جِلَّقٍ ... فاستوطنت في الفِيحِ من أَوطانها
فالقصرِ فالشَّرَفَيْنِ فالمرجِ الذي ... تحدو محاسنه على استحسانها
فجِنان برْزَتها فيا طوبى لمن ... أَمسى وأصبح ساكناً بجِنانها
بحدائقٍ نُظِمت حليُّ ثمارِها ... نظمَ الحليّ على طُلى أَغصانها
فكأَنهنّ عرائس مَجْلُوَّةٌ ... وكأَنها الأَقراط في آذانها
ومرابع تُهدي إِلى سُكّانها ... طيباً إِذا نَفَحت على سكّانها
أرجاً لدى الغَدَوات تحسب أَنه ... مِسْكٌ إِذا وافاك من أَردانها
فالنَّوْر تيجان على هاماتها ... والنُّور أَثواب على أَبدانها
والوُرْق قَيْناتٌ على أَوراقها ... تَفتَنّ بالألحان في أَفنانها
أَحنو إِلى الهَضبات من أَنشازها ... لا بل إِلى الوَهَدات من غيطانها
وأَحنّ من شوقٍ إِلى مَيْطورها ... وأَهيم من توْقٍ إِلى لَؤانها
وأَبيتُ من وَلَهٍ وفَرْط صبابةٍ ... أَبكي على ما فات من أَزمانها
أَيّام كنتُ بها وكانت عيشتي ... كالرَّوْضة المَيْثاء في إِبّانها
والربوةُ الشماء جنّتيَ التي ... رضوان منسوب إِلى رضوانها
دارٌ هي الفردَوْس إِلاّ أَنها ... أَشهى من الفردوس عند عِيانها
ومنها يصف البركة والفوارة:
لنُهود بركتها قدودٌ، رقصها ... أَبداً على المزموم من أَلحانها
ومعاطفٌ عَطَفَ النسيمُ قِسِيَّها ... فَهَوَتْ بنادقها على ثعبانها
دُحِيَتْ كُراتُ مياهها بصوالجٍ ... جالت فوارسهنّ في مَيْدانها
стр. 248
واعتدَّ شاذروانها بعساكرٍ ... لمعت جواشنها على فرسانها
وتقلَّدت أَجيادُها بقلائدٍ ... نُثرت نظائمُهنّ فوق جِرانها
وتضاحكت أفواهها بمباسمٍ ... تُرْوي مَراشفُها صَدى ظمآنها
بمروَّقٍ صاف كأَنَّ زُلاله ... مُتَدَفِّقٌ من راحتيْ سلطانها
سلطانِها الملك ابن أَيوب الذي ... كفّاه لا تنفك عن هطلانها
بمواهبٍ لو لم أكن نوحاً لما ... نُجّيتُ يوم نداه من طُوفانها
سَمْح يروح إلى النّدى براحةٍ ... قد أَعشب المعروف بين بَنانها
وفتىً إِذا زخَرت بحارُ نواله ... غرقت بحارُ الأَرض في خُلجانها
غيث يكُرّ من الظُّبى بصواعق ... ماء الرَّدى يجري على نيرانها
بصوارمٍ أَجفانها قِمم العِدى ... لا ما كساها القَيْنُ من أَجفانها
فضيّةٍ ذهبية فلُجَيْنها ... يختال يوم الرَّوع في عِقيانها
محمرّة بدم الفوارس خُضْرها ... فالوَرْد منثور على رَيْحانها
من كلّ لامعةٍ بليلِ قَتامها ... كالنّار لامعةٌ بليلِ دُهانها
تلك السيوف المُرْهَقات بكفّه ... أَمضى على الأَيّام من حدثانها
قُطُبٌ إِذا اقترنت كواكب بيضها ... بكريهةٍ كانت ردى أَقرانها
مهزوزةٌ للضرب في يد ماجدٍ ... ضرب أَطاح الروس عن أبدانها
ملك إِذا جُلِيتْ عرائس ملكه ... رصعت فريدَ العدل في تيجانها
وإِذا جحافله أَثَرْنَ سحائباً ... لمعت بُروق النصر في أَحضانها
من كل شهباء الحديد كأَنما الأَمواج مائجة على شجعانها
وكتيبةٍ كم قد كتبن لها الظُّبى ... كتباً يلوح العِزُّ من عُنوانها
وإِذا ذوابله هُزِزْن رأَيتها ... والموت مُشْتَمِلٌ على خِرصانها
من كلّ جاعلةٍ بكلِّ كريهةٍ ... رأسَ الفتى رأساً على جُثمانها
سمراء لا يثني حطيماً صدرّها ... إِلاّ ومن نَحْرٍ فمٌ للسانها
وإِذا صواهله مَزَعْن حسِبتها ... ما دقَّ يومَ الرَّوْع من أَرسانها
من كلَ سَلْهَبةٍ أَلحّ بها الطّوى ... حتى طواها الضُّمْر طيّ عِنانها
جرداء تطّرِح البروق إِذا دَنَتْ ... وتفوت ما قد فات من لمعانها
خيْلٌ هي العِقبان في طيرانها ... لا بل هي السِّيدان في عَسَلانها
فالشُّهْب ما حملتْه في أَرماحها ... والغُلْب ما نقلته في عَدَوانها
كم قُدْتَّهُنَّ أَبا المظفر ظافراً ... والأُسْدُ صائلةٌ على عِقْبانها
متواثباتٍ للطِّعان، فلا كبَتْ ... تلك العِتاق الجُرْد يومَ طِعانها
عثقِدتْ سبائبُهنّ بالهمم التي ... أَشطانُهُنّ تنوب عن أَشطانِها
هِمَمٌ رَقَتْ بك فارتقيت من العُلى ... رُتباً، مكانُ الشمس دونَ مكانها
أَقسمتُ ما هَدَّمْنَ أَركان العِدى ... إِلاّ بما شَيَّدْتَ من أَركانها
فكواكب الأَفلاك من خُدّامها ... وعصائب الأَملاك من اَعوانها
فلذاك بَهْرام إِلى بَهْرامها ... يُعْزى، وكِيوان إِلى كيوانها
فإِذا سَلَلَتْ سَللتَ بيض حِدادها ... وإِذا هززت هززت سُمْر لِدانها
فافْخر فلو رَوَّعْتَ روميةً بها ... خَرَّتْ كنائسها على رُهبانها
أَو لو بها صبّحتَ قُسطنطينةً ... خفّضتَ ما رَفعتْه من صُلبانها
فانهض إِلى فتح السواحل نهضةً ... قادتْ لك الأعداء بعد حِرانها
واسلم صلاحَ الدّين وابقَ لدولةٍ ... ذَلّت لدولتها ملوكُ زمانها
خضعتْ لها الشُّجْعان عند صِيالها ... وَعَنَتْ لها الأَقران عند قِرانها
فَلَكَ ابنَ أَيّوب بن شاذي ملكها الضّافي وللشّاني قذى شَنَآنها
стр. 249
ولك الذي قد سرَّ من أَفراحها ... وله الذي قد ساء من أَحزانها
فاسعدْ بها يا أَيُّها الملكُ الذي ... دانتْ لديْه على جلالة شانها
واستجْلِ من مِدَحي الحسانِ خريدةً ... حَسّانُ مفتقرٌ إِلى حُسّانها
وافَتْكَ ترفُل في ثياب بهائها ... وإِبائها وحيائها وصِيانها
كالكاعب العذراء حين تبخترتْ ... في دُرّها المنظوم أَو مَرْجانها
وأَتَتْكَ تنشرُ ما طواه حَسُودها ... من فضلها وسَدادها وبيانها
في دارِ عدلٍ مُذْ طلعتَ بأُفْقِها ... بدراً جَلوْتَ الظُّلْم عن سُكّانها
فبقيتَ مُعْتَصِباً بتاج بهائها ... في دَسْتِ مجلسها وفي إِيوانها
ما أَصبحت أَيدي الرعيّة تجتني ... عَفْواً ثِمار الأَمْن من بستانها
وقام إليه اليوم الذي يليه، وقد جلس السلطان في دار العدل، وقد احتفل الحفل، بحضور أهل الفضل، فأنشده:
لا يُقْعِدَنّك ما حَلُّوا وما عَقَدوا ... هُمُ الذئاب وأَنت الضَّيْغَمُ الأَسدُ
كم يخطِفون بروقاً ما بها مَطكَرٌ ... ويقصِفون رُعوداً ما بها بَرَدُ
والقوم قد قعدوا عمّا نهضتَ به ... من السِّداد، فلا قاموا ولا قعدوا
فلا ثيابُ المعالي فوقَهُم جُدُدُ ... ولا طريق الأَماني نحوهم جَدَد
إِيّاك تغفُل عنهم مثل ما فعَلوا ... إِيّاك ترقُد عنهم مثل ما رَقدوا
ماذا الكرى يا صلاح الدين عن أَرِقٍ ... من قبل سيفك قد أَودى به السَّهَد
ولْهان تَزْفِر نارٌ في جوانحه ... يَشُبُّها القاتلان: الخوفُ والحَسَدُ
لا يستطيع اهتداءً فهو مرتبكٌ ... حيران، فيه وفي آرائه أَوَد
مخيَّبُ السَّعْي لا يعتاده ظَفَرٌ ... مُضَلَّلُ الرأي لا يقْتاده رَشَد
فكيف يَرْقَع خَرْقاً وهو مُتَّسِعٌ ... أَم كيف يُصْلِح أَمراً وهو مُنْفَسِد
لمّا رآك وقد أَقبلت تَقْدُمُها ... أُسداً عرائنها الإِقدام والعدد
أَلقى السلاح وما فُلّتْ ظُبى قُضُبٌ ... تَفْري الرؤوس، ولا دُقَّت قَناً مُلُد
وراح مِنْ بعد ذاك الجمع مُنفرداً ... وَمَنْ نَحاك بِجَمْعٍ سوف ينفرد
يَطوي الحُزونَ فيَطويه ويَنْشُرُه ... حُزْنٌ له منه وَجْدٌ فوق ما يَجِدُ
وفي شَباه الذي أَغْمدتَهُ فَلَلٌ ... وفي حشاه الذي أَقلقته كَمَدُ
وحوله عُزَّلٌ لو أَنهم قصدوا ... أَضحى القنا وهو في لَبّاتِهم قَصَد
خانوا فخانوا، وما حازوا الذي طلبوا ... خابوا فآبوا وما نالوا الذي قَصَدوا
لمَّا دَعَوْك أَجبت القوم في لِجَبٍ ... السيفُ ناصره والواحدُ الصَّمَد
حتى إِذا ما رأَوْا في الدِّرع منك فتىً ... كأَنه من ثباتٍ في الوغى أُحُد
صَدُّوا وما عَطَفُوا، أَلوَوْا وما وقفوا ... ولَّوْا وما رجَعوا، ذلّوا وما أَسِدوا
فرّقتهم فِرقاً، فاستسلموا فَرَقاً ... بِظاهر القَرْن، والأَقرانُ تطّرِد
صدَعْتَ ما شعبوا، قطعتَ ما وصلوا ... فَلَلْتَ ما شَحَذوا، حللتَ ما عقدوا
حقَنْتَ منهم دِماءً لو تُراقُ جَرَتْ ... منها مُدودٌ لها من هامِهم مَدَد
عَفَفْت من قتلهم يومَ الوغى فنجَوْا ... ولو ترى القتلَ رأياً ما نجا أَحد
فهم عبيدُك إِن لانوا وإن خَشُنوا ... وإِن أَقرّوا بما أَوليتَ أَو جَحَدوا
وهم أَساءوا فأَحسنتَ الغَداةَ بهم ... صُنْعاً يُحَدِّث عنه الفارس النَّجِدُ
стр. 250
أَوْسعتَ فِرْعونهم لما طغى غَرَقاً ... بزاخرٍ: لُجَّتاه النَّقْعُ والنَّجَد
حَبابُه البَيْضُ، والبِيضُ الحداد له ... خُلجٌ، وأَمواجُه لما طَغى الزَّبَدُ
إِذا تلامعَ مَوْجُ السّابغات به ... على الكُماةِ عَلاه من دَمٍ زَبَدُ
عَرَمْرَمٌ كالدَّبى الطيّار مُنْتَشِرٌ ... تُحْصى الرِّمال ولا يُحًصى له عدد
إِذا نَهَدْتَ إِلى أَرض العدوِّ به ... لم يَبْق من مائها غَمْرٌ ولا ثَمَدُ
تسمو عليه سَماءٌ من عَجاجته ... مبنيَّةٌ من قناه تحتها عُمَدُ
سماءُ نَقْعٍ لشيطان العدوّ بها ... من الأَسنّة شُهْبٌ كلُّها رَصَد
وفي دياجيه نارٌ من صوارمه ... تكاد تقطُر ماءً وهي تَتَّقِد
نار تُشَبّ على أَيدي غطارِفةٍ ... لا يَبْرُق الجوّ إِلاّ كلّما رَعَدوا
شُمّ الموانيف في أَفعالهم رَشَدُ ... في النائبات وفي أَقوالهم سَدَد
ما جِنّ عبقرَ جِنٌّ كلّما عَزَفوا ... ما أُسْدُ بِيشَة أُسْدٌ كلّما حَرِدوا
من كلِّ أَرْوَعَ، أَمّا رُمْحُه ثَمِلٌ ... لا يَسْتَفيق، وأَما سيفه غَرِد
في كلِّ يومِ جِلادٍ لو أَلمّ به ... عَمرو بن وُدّ عَداه الصَّبْر والجَلَد
شِمْ بالشآم سيوفاً من عزائمهم ... إِذا غَمَدْتَ المواضي ليس تنغَمِد
ولا تَخَفْ فالعوالي شوْكُها ثَمَرٌ ... حُلْوُ الجَنا، والمعالي صابُها شُهَدُ
واخْطُب بحدّ المواضي كلَّ شامخةٍ ... في أَنْفِها شَمَمٌ في جِيدها غَيَدُ
فمن يكن بالمواضي خاِباً أَبداً ... زُفَّت إِليه بلادٌ كُلُّها خُرُد
هل بعد جِلّق إِلاّ أًَنْ ترى حَلَباً ... وقد تَحَلَّلَ منها مُشْكِلٌ عَقد
وقد أَتتك كما تختار طائعةً ... وقد عنا لك منها الحِسن والبلد
أَبا المُظَفَّر كم قد نلتَ من ظَفَرٍ ... لؤلؤه بلواءِ المُلْك مُنعقِد
وكم هززتَ قُدوداً من رِفاقِ ظُبىً ... بها رِقابُ الأَعادي في الوَغى قِدَد
وكم شَهِدْتَ جِلاداً فاسْتَلَبْتَ به ... حُشاشةَ الجَلْد والشُّجعان تَجْتَلِد
بصارمٍ مُرْهَف الحَدَّيْن ذي شُطَبٍ ... كأَنّها شُعْلةُ البرقِ التي تَقِد
صافي الحديدة لا يعْتاقُه عَذَلٌ ... عن المَضاء ولا يعتادُه فَنَد
وتحت سَرْجِك ممّا أَنتَ راكبُه ... رُوحٌ من البرق، من مُزنٍ لها جَسَد
أَمَقُّ أَجْرَدُ صُلْب الصُلْب مُنْدَمِجٌ ... أَصكّ لا صَكَكٌ فيه ولا جَرَد
مُلَمْلَمُ الرِّدْف مَحْبُوك القَرا مَرِجٌ ... يَزِينه الثابتان الرُّسْغ والعضد
سَهْل القياد على ما فيه من شَرَسٍ ... صعبٌ ففيه الرِّضى المحبوب والحَرَد
وفي الصَّفاة وفي أَردافه زَلَقٌ ... وفي القناة وفي أَعطافه رَوَد
ترمي به الأَملَ الأَقصى فتدركه ... حتى كأَنّك فوق الريح مُقْتَعِد
وكيف لا تدرك الآمال يا أَسداً ... له الرِّماح عَرينٌ والظُّبا لَبَد
يا ابن الذين إِذا ما استُمْنِحوا مَنَحوا ... وابنَ الذين إِذا ما استُرْفِدوا رَفَدوا
هذي صفاتُك إِلاّ أَنها دُرَرٌ ... غُرٌّ فمنتثرٌ منها ومُنْتَضِد
следующие страницы →