← Адаб

Адаб · id 12815

خريدة القصر وجريدة العصر - أقسام أخرى

العماد الأصبهاني الكاتب

Полный текст (895 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وإِنّ عماد الدين أضمنعُ مَعْقِلٍ ... إِذا ما رَماك الدَّهرُ يوماً تَعَمُّدا وأَسيرُ هذا الناس فضلاً وسُؤْدُداً ... وأَعوزُهم نِدّاً وأَكثرهم نَدى تَفَرَّدَ إِلاّ أَنه الناسُ كُلُّهُم ... وإِن كان في عَلْيائه قد تفرّدا مُعِزٌّ مُذِلٌّ مانِح مانعٌ معاً ... يُرَجَّى ويُخْشى واعِداً مُتَوَعِّدا إِذا ما رمى يوماً بإيعاده العِدى ... أَقام لخوف الانتقام وأَقْعدا جديرٌ بحلّ الأَمر أَشكل حلُّه ... برأيٍ به في كل عَشْواءَ يُهْتَدى له قلمٌ ما هزّه في مُلِمَّةٍ ... من الدهر إِلاّ هزّ سيفاً مُهَنّدا إِذا انْسَلَّ من بين الأَنامل خِلْتَهُ ... يُنَظّمُ في القرطاس دُرّاً مُبَدّدا إِذا ما رنا يوماً بعين كحيلةٍ ... رأَيتَ لَدَيْه ناظرَ الرمح أَرْمدا وإِن يتحرَّكْ يسكُنِ الخطْبُ فادحاً ... ويبيضُّ وجهُ الرُّشْدِ إن هو سَوَّدا لأَنت عماد الدين أَحسنُ شيمةً ... وأَطيبُ هذا الناسِ أَصلاً ومَحْتِدا فلو جاز يوماً أَن يُخَلَّدَ سيِّدٌ ... كريم بما أَسدى لكنتَ المُخَلَّدا باب في ذكر محاسن جماعة من الفضلاء من حمص وحماة وشيزر حمص القائد أبو العلاء الحمصي المحسن بن أحمد بن الحسين بن معقل الأزدي، من أهل حمص، سمعت وحيش الشاعر بدمشق يقول: إنه توفي سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وله ثلاثة أولاد فاقتسموا ديوانه أثلاثاً، وظنوه تراثاً، فقلت لهم: هذا لا يجديكم نفعاً، وإثبات شعر والدكم يوجد لكم رفعاً، فما قبلوا مني وتفرقوا به وفرقوه، ولا ثبتوا على حفظه ولا أثبتوه. له من قصيدة: هل لسارٍ في دُجى هجركَ هادِ ... أَم لعانٍ أَسَرَتْ عيناكَ فادِ قد تعدَّيْتَ فأَشمتَّ العِدى ... وتمادَيْتَ فجاوزتَ التَّمادي يا صحيحَ الجسم من داء الضَّنا ... وَخَلِيَّ القلب من ضَرِّ البعاد خَفْ مع القُدْرة من ظلمي فقد ... نُهِي القادر عن ظلم العباد نِمْتَ عما بي وجَفْني أَرِقٌ ... لم يَدُق من كَلَفٍ طيبَ الرُّقادِ وثَنَيْتَ العِطف عنّي لاهياً ... مُؤثراً عكس طِلابي ومُرادي فأَبِنْ لي مُخْبِراً بالله هل ... أَنت من أَولاد شَدّادِ بن عاد وَيْحَ قلبي ما الذي أَوْقعه ... في هوى صَعْبِ الرِّضا صعب القياد يتجنَّى والتجنّي أَبداً ... سببٌ داعٍ إِلى نقض الوداد وله: دَعا مُهْجَتي رَهْنَ أَوصابها ... وَحِلف هواها وأَطرابها وَكُفّا فلي عنكما شاغِلٌ ... بتسهيد عَيْني وتَسْكابها فَيا لِيَ من ظبيةٍ بالحِمى ... تَتيهُ بإِفراط إِعجابها مُقَسَّمة الحُسْن بين القِناع ... وبين اللِّثام وجِلْبابها فبدْرُ الدُّجى فوق أَطواقها ... وحِقْف النَّقا تحت أَثوابها ولو أَنّ يوسُف في عصرها ... لأَصبح مِنْ بعض حُجّابها رُوَيْدكُما بو قِيذ الصُّدود ... ومُدْوى لواعجِ أَوْصابها فأَيْن السُّلوُّ وأَين الخلاصُ ... لنفسٍ أُصيبت بأَحبابها تملَّكها مَنْ لأَجفانه ... نِصالُ الرُّماة ونُشّابها هذه رقيقة، رفيقة، لطيفة، طريفة، ولعل ناظمها قصد بها معارضة الرئيس أبي منصور بن الفضل الكاتب المعروف بصر بعر فيكلمته التي أولها: تفيض نفوس بأوصابها ... وتكتمُ عُوّادَها ما بها وما أَنصفتْ مُهجةٌ تشتكي ... هواها إِلى غير أَحبابها ومنها: ومن شرف الحبّ أَنّ الرِّجا ... ل تَشْري أَذاه بأَلبابها وفي السِّرْب مُتْرِبةٌ بالجمال ... تُقَسِّمه بين أَترابها

стр. 247

فللبدر ما فوق أَزرارها ... وللغُصن ما تحت جلبابها كأَني ذَعَرْتُ بها في الخِبا ... ءِ وَحْشيةً عند مِحرابها أُتَبِّعها نظراً معجلاً ... يُعَثِّر عيني بُهدّابها متى شاء يقطِف وردَ الخدود ... وَقَتْهُ الأَكُفِّ بعُنّابها وكم ناحلٍ بين تلك الخيا ... م تحسِبه بعض أَطنابها لا يعارض هذا السحر، ولا يناقض هذا الشعر، إلا من يفتضح، وبينة قصوره تتضح، فإن الشاعر المفلق، إذا في قصيدة ووفق، فالألسنة تصقلها، والرواة تنقلها، ولا يتفق لشاعر في مدة عمره إلا قصائد معروفة، وهمته لاستحسان الناس لها مصروفة، فالأريب، اللبيب الأديب، ذو القريحة الصحيحة يتعرض لقبول النصيحة، ولا يعرض بمعارضتها نفسه للفضيحة، فإن نظم مثلها، واحكم صقلها، فمن أين له قبولها، ومتى ينفق ويتفق سوقها وسولها، وما كل حسن مبخوت، وإن نظم دونها فهو ممقوت، ومن ملك القدرة على حر الكلام في سر البلاغة، وسحر الصياغة، غاص بحر الفكر، لاستخراج الدرر، ولم ير من همته إلا التفرد بالثناء الغرر، لتتفرد بالقبول فرائده، ولتفد العقول فوائده، وتنير بالإشراق مقاصده، وتسير في الآفاق قصائده. سعادة بن عبد الله الأعمى من أهل حمص يعرف بسعادة، ويكتب على قصائده سعيد بن عبد الله، وكان مملوكاً لبعض الدمشقيين مولدا. شاب ضرير، شبا خاطره طرير، قد توفرت بصيرته وإن ذهب بصره، وأقرحت قريحته وشبت فكره. لقيته بحمص مراراً، وسافر إلى مصر في أول مملكة السلطان الملك الناصر، وعاد بوفر وافر، وغنى ظاهر، وحصلت له زيادة على ألف دينار، وهو محظوظ مرزوق من نظم الأشعار. كتب جالساً بين يدي الملك الناصر صلاح الدين بدمشق في دار العدل، أنفذ ما يأمر به من الشغل، فحضر سعادة الضرير ووقف ينشد هذه القصيدة في عاشر شعبان سنة إحدى وسبعين: حَيَّيْتك أَعطافُ القُدود ببانها ... لمّا انثنتْ تيهاً على كُثْبانها وبما وقى العُنّابُ من تُفّاحها ... وبما حماه اللاّذ من رُمّانها من كلِّ رانيةٍ بمُقلةٍ جُؤْذَرٍ ... يبدو لنا هاروت من أَجفانها وافَتْك حاملة الهلال بصَعْدَةٍ ... جعلت لواحظها مكانَ سنانها حوريّةٌ تَسقيك جَنَّةُ ثغرها ... من كوثرٍ أَجْرَتْه فوق جُمانها نزَلت بوَاديها منازلَ جِلَّقٍ ... فاستوطنت في الفِيحِ من أَوطانها فالقصرِ فالشَّرَفَيْنِ فالمرجِ الذي ... تحدو محاسنه على استحسانها فجِنان برْزَتها فيا طوبى لمن ... أَمسى وأصبح ساكناً بجِنانها بحدائقٍ نُظِمت حليُّ ثمارِها ... نظمَ الحليّ على طُلى أَغصانها فكأَنهنّ عرائس مَجْلُوَّةٌ ... وكأَنها الأَقراط في آذانها ومرابع تُهدي إِلى سُكّانها ... طيباً إِذا نَفَحت على سكّانها أرجاً لدى الغَدَوات تحسب أَنه ... مِسْكٌ إِذا وافاك من أَردانها فالنَّوْر تيجان على هاماتها ... والنُّور أَثواب على أَبدانها والوُرْق قَيْناتٌ على أَوراقها ... تَفتَنّ بالألحان في أَفنانها أَحنو إِلى الهَضبات من أَنشازها ... لا بل إِلى الوَهَدات من غيطانها وأَحنّ من شوقٍ إِلى مَيْطورها ... وأَهيم من توْقٍ إِلى لَؤانها وأَبيتُ من وَلَهٍ وفَرْط صبابةٍ ... أَبكي على ما فات من أَزمانها أَيّام كنتُ بها وكانت عيشتي ... كالرَّوْضة المَيْثاء في إِبّانها والربوةُ الشماء جنّتيَ التي ... رضوان منسوب إِلى رضوانها دارٌ هي الفردَوْس إِلاّ أَنها ... أَشهى من الفردوس عند عِيانها ومنها يصف البركة والفوارة: لنُهود بركتها قدودٌ، رقصها ... أَبداً على المزموم من أَلحانها ومعاطفٌ عَطَفَ النسيمُ قِسِيَّها ... فَهَوَتْ بنادقها على ثعبانها دُحِيَتْ كُراتُ مياهها بصوالجٍ ... جالت فوارسهنّ في مَيْدانها

стр. 248

واعتدَّ شاذروانها بعساكرٍ ... لمعت جواشنها على فرسانها وتقلَّدت أَجيادُها بقلائدٍ ... نُثرت نظائمُهنّ فوق جِرانها وتضاحكت أفواهها بمباسمٍ ... تُرْوي مَراشفُها صَدى ظمآنها بمروَّقٍ صاف كأَنَّ زُلاله ... مُتَدَفِّقٌ من راحتيْ سلطانها سلطانِها الملك ابن أَيوب الذي ... كفّاه لا تنفك عن هطلانها بمواهبٍ لو لم أكن نوحاً لما ... نُجّيتُ يوم نداه من طُوفانها سَمْح يروح إلى النّدى براحةٍ ... قد أَعشب المعروف بين بَنانها وفتىً إِذا زخَرت بحارُ نواله ... غرقت بحارُ الأَرض في خُلجانها غيث يكُرّ من الظُّبى بصواعق ... ماء الرَّدى يجري على نيرانها بصوارمٍ أَجفانها قِمم العِدى ... لا ما كساها القَيْنُ من أَجفانها فضيّةٍ ذهبية فلُجَيْنها ... يختال يوم الرَّوع في عِقيانها محمرّة بدم الفوارس خُضْرها ... فالوَرْد منثور على رَيْحانها من كلّ لامعةٍ بليلِ قَتامها ... كالنّار لامعةٌ بليلِ دُهانها تلك السيوف المُرْهَقات بكفّه ... أَمضى على الأَيّام من حدثانها قُطُبٌ إِذا اقترنت كواكب بيضها ... بكريهةٍ كانت ردى أَقرانها مهزوزةٌ للضرب في يد ماجدٍ ... ضرب أَطاح الروس عن أبدانها ملك إِذا جُلِيتْ عرائس ملكه ... رصعت فريدَ العدل في تيجانها وإِذا جحافله أَثَرْنَ سحائباً ... لمعت بُروق النصر في أَحضانها من كل شهباء الحديد كأَنما الأَمواج مائجة على شجعانها وكتيبةٍ كم قد كتبن لها الظُّبى ... كتباً يلوح العِزُّ من عُنوانها وإِذا ذوابله هُزِزْن رأَيتها ... والموت مُشْتَمِلٌ على خِرصانها من كلّ جاعلةٍ بكلِّ كريهةٍ ... رأسَ الفتى رأساً على جُثمانها سمراء لا يثني حطيماً صدرّها ... إِلاّ ومن نَحْرٍ فمٌ للسانها وإِذا صواهله مَزَعْن حسِبتها ... ما دقَّ يومَ الرَّوْع من أَرسانها من كلَ سَلْهَبةٍ أَلحّ بها الطّوى ... حتى طواها الضُّمْر طيّ عِنانها جرداء تطّرِح البروق إِذا دَنَتْ ... وتفوت ما قد فات من لمعانها خيْلٌ هي العِقبان في طيرانها ... لا بل هي السِّيدان في عَسَلانها فالشُّهْب ما حملتْه في أَرماحها ... والغُلْب ما نقلته في عَدَوانها كم قُدْتَّهُنَّ أَبا المظفر ظافراً ... والأُسْدُ صائلةٌ على عِقْبانها متواثباتٍ للطِّعان، فلا كبَتْ ... تلك العِتاق الجُرْد يومَ طِعانها عثقِدتْ سبائبُهنّ بالهمم التي ... أَشطانُهُنّ تنوب عن أَشطانِها هِمَمٌ رَقَتْ بك فارتقيت من العُلى ... رُتباً، مكانُ الشمس دونَ مكانها أَقسمتُ ما هَدَّمْنَ أَركان العِدى ... إِلاّ بما شَيَّدْتَ من أَركانها فكواكب الأَفلاك من خُدّامها ... وعصائب الأَملاك من اَعوانها فلذاك بَهْرام إِلى بَهْرامها ... يُعْزى، وكِيوان إِلى كيوانها فإِذا سَلَلَتْ سَللتَ بيض حِدادها ... وإِذا هززت هززت سُمْر لِدانها فافْخر فلو رَوَّعْتَ روميةً بها ... خَرَّتْ كنائسها على رُهبانها أَو لو بها صبّحتَ قُسطنطينةً ... خفّضتَ ما رَفعتْه من صُلبانها فانهض إِلى فتح السواحل نهضةً ... قادتْ لك الأعداء بعد حِرانها واسلم صلاحَ الدّين وابقَ لدولةٍ ... ذَلّت لدولتها ملوكُ زمانها خضعتْ لها الشُّجْعان عند صِيالها ... وَعَنَتْ لها الأَقران عند قِرانها فَلَكَ ابنَ أَيّوب بن شاذي ملكها الضّافي وللشّاني قذى شَنَآنها

стр. 249

ولك الذي قد سرَّ من أَفراحها ... وله الذي قد ساء من أَحزانها فاسعدْ بها يا أَيُّها الملكُ الذي ... دانتْ لديْه على جلالة شانها واستجْلِ من مِدَحي الحسانِ خريدةً ... حَسّانُ مفتقرٌ إِلى حُسّانها وافَتْكَ ترفُل في ثياب بهائها ... وإِبائها وحيائها وصِيانها كالكاعب العذراء حين تبخترتْ ... في دُرّها المنظوم أَو مَرْجانها وأَتَتْكَ تنشرُ ما طواه حَسُودها ... من فضلها وسَدادها وبيانها في دارِ عدلٍ مُذْ طلعتَ بأُفْقِها ... بدراً جَلوْتَ الظُّلْم عن سُكّانها فبقيتَ مُعْتَصِباً بتاج بهائها ... في دَسْتِ مجلسها وفي إِيوانها ما أَصبحت أَيدي الرعيّة تجتني ... عَفْواً ثِمار الأَمْن من بستانها وقام إليه اليوم الذي يليه، وقد جلس السلطان في دار العدل، وقد احتفل الحفل، بحضور أهل الفضل، فأنشده: لا يُقْعِدَنّك ما حَلُّوا وما عَقَدوا ... هُمُ الذئاب وأَنت الضَّيْغَمُ الأَسدُ كم يخطِفون بروقاً ما بها مَطكَرٌ ... ويقصِفون رُعوداً ما بها بَرَدُ والقوم قد قعدوا عمّا نهضتَ به ... من السِّداد، فلا قاموا ولا قعدوا فلا ثيابُ المعالي فوقَهُم جُدُدُ ... ولا طريق الأَماني نحوهم جَدَد إِيّاك تغفُل عنهم مثل ما فعَلوا ... إِيّاك ترقُد عنهم مثل ما رَقدوا ماذا الكرى يا صلاح الدين عن أَرِقٍ ... من قبل سيفك قد أَودى به السَّهَد ولْهان تَزْفِر نارٌ في جوانحه ... يَشُبُّها القاتلان: الخوفُ والحَسَدُ لا يستطيع اهتداءً فهو مرتبكٌ ... حيران، فيه وفي آرائه أَوَد مخيَّبُ السَّعْي لا يعتاده ظَفَرٌ ... مُضَلَّلُ الرأي لا يقْتاده رَشَد فكيف يَرْقَع خَرْقاً وهو مُتَّسِعٌ ... أَم كيف يُصْلِح أَمراً وهو مُنْفَسِد لمّا رآك وقد أَقبلت تَقْدُمُها ... أُسداً عرائنها الإِقدام والعدد أَلقى السلاح وما فُلّتْ ظُبى قُضُبٌ ... تَفْري الرؤوس، ولا دُقَّت قَناً مُلُد وراح مِنْ بعد ذاك الجمع مُنفرداً ... وَمَنْ نَحاك بِجَمْعٍ سوف ينفرد يَطوي الحُزونَ فيَطويه ويَنْشُرُه ... حُزْنٌ له منه وَجْدٌ فوق ما يَجِدُ وفي شَباه الذي أَغْمدتَهُ فَلَلٌ ... وفي حشاه الذي أَقلقته كَمَدُ وحوله عُزَّلٌ لو أَنهم قصدوا ... أَضحى القنا وهو في لَبّاتِهم قَصَد خانوا فخانوا، وما حازوا الذي طلبوا ... خابوا فآبوا وما نالوا الذي قَصَدوا لمَّا دَعَوْك أَجبت القوم في لِجَبٍ ... السيفُ ناصره والواحدُ الصَّمَد حتى إِذا ما رأَوْا في الدِّرع منك فتىً ... كأَنه من ثباتٍ في الوغى أُحُد صَدُّوا وما عَطَفُوا، أَلوَوْا وما وقفوا ... ولَّوْا وما رجَعوا، ذلّوا وما أَسِدوا فرّقتهم فِرقاً، فاستسلموا فَرَقاً ... بِظاهر القَرْن، والأَقرانُ تطّرِد صدَعْتَ ما شعبوا، قطعتَ ما وصلوا ... فَلَلْتَ ما شَحَذوا، حللتَ ما عقدوا حقَنْتَ منهم دِماءً لو تُراقُ جَرَتْ ... منها مُدودٌ لها من هامِهم مَدَد عَفَفْت من قتلهم يومَ الوغى فنجَوْا ... ولو ترى القتلَ رأياً ما نجا أَحد فهم عبيدُك إِن لانوا وإن خَشُنوا ... وإِن أَقرّوا بما أَوليتَ أَو جَحَدوا وهم أَساءوا فأَحسنتَ الغَداةَ بهم ... صُنْعاً يُحَدِّث عنه الفارس النَّجِدُ

стр. 250

أَوْسعتَ فِرْعونهم لما طغى غَرَقاً ... بزاخرٍ: لُجَّتاه النَّقْعُ والنَّجَد حَبابُه البَيْضُ، والبِيضُ الحداد له ... خُلجٌ، وأَمواجُه لما طَغى الزَّبَدُ إِذا تلامعَ مَوْجُ السّابغات به ... على الكُماةِ عَلاه من دَمٍ زَبَدُ عَرَمْرَمٌ كالدَّبى الطيّار مُنْتَشِرٌ ... تُحْصى الرِّمال ولا يُحًصى له عدد إِذا نَهَدْتَ إِلى أَرض العدوِّ به ... لم يَبْق من مائها غَمْرٌ ولا ثَمَدُ تسمو عليه سَماءٌ من عَجاجته ... مبنيَّةٌ من قناه تحتها عُمَدُ سماءُ نَقْعٍ لشيطان العدوّ بها ... من الأَسنّة شُهْبٌ كلُّها رَصَد وفي دياجيه نارٌ من صوارمه ... تكاد تقطُر ماءً وهي تَتَّقِد نار تُشَبّ على أَيدي غطارِفةٍ ... لا يَبْرُق الجوّ إِلاّ كلّما رَعَدوا شُمّ الموانيف في أَفعالهم رَشَدُ ... في النائبات وفي أَقوالهم سَدَد ما جِنّ عبقرَ جِنٌّ كلّما عَزَفوا ... ما أُسْدُ بِيشَة أُسْدٌ كلّما حَرِدوا من كلِّ أَرْوَعَ، أَمّا رُمْحُه ثَمِلٌ ... لا يَسْتَفيق، وأَما سيفه غَرِد في كلِّ يومِ جِلادٍ لو أَلمّ به ... عَمرو بن وُدّ عَداه الصَّبْر والجَلَد شِمْ بالشآم سيوفاً من عزائمهم ... إِذا غَمَدْتَ المواضي ليس تنغَمِد ولا تَخَفْ فالعوالي شوْكُها ثَمَرٌ ... حُلْوُ الجَنا، والمعالي صابُها شُهَدُ واخْطُب بحدّ المواضي كلَّ شامخةٍ ... في أَنْفِها شَمَمٌ في جِيدها غَيَدُ فمن يكن بالمواضي خاِباً أَبداً ... زُفَّت إِليه بلادٌ كُلُّها خُرُد هل بعد جِلّق إِلاّ أًَنْ ترى حَلَباً ... وقد تَحَلَّلَ منها مُشْكِلٌ عَقد وقد أَتتك كما تختار طائعةً ... وقد عنا لك منها الحِسن والبلد أَبا المُظَفَّر كم قد نلتَ من ظَفَرٍ ... لؤلؤه بلواءِ المُلْك مُنعقِد وكم هززتَ قُدوداً من رِفاقِ ظُبىً ... بها رِقابُ الأَعادي في الوَغى قِدَد وكم شَهِدْتَ جِلاداً فاسْتَلَبْتَ به ... حُشاشةَ الجَلْد والشُّجعان تَجْتَلِد بصارمٍ مُرْهَف الحَدَّيْن ذي شُطَبٍ ... كأَنّها شُعْلةُ البرقِ التي تَقِد صافي الحديدة لا يعْتاقُه عَذَلٌ ... عن المَضاء ولا يعتادُه فَنَد وتحت سَرْجِك ممّا أَنتَ راكبُه ... رُوحٌ من البرق، من مُزنٍ لها جَسَد أَمَقُّ أَجْرَدُ صُلْب الصُلْب مُنْدَمِجٌ ... أَصكّ لا صَكَكٌ فيه ولا جَرَد مُلَمْلَمُ الرِّدْف مَحْبُوك القَرا مَرِجٌ ... يَزِينه الثابتان الرُّسْغ والعضد سَهْل القياد على ما فيه من شَرَسٍ ... صعبٌ ففيه الرِّضى المحبوب والحَرَد وفي الصَّفاة وفي أَردافه زَلَقٌ ... وفي القناة وفي أَعطافه رَوَد ترمي به الأَملَ الأَقصى فتدركه ... حتى كأَنّك فوق الريح مُقْتَعِد وكيف لا تدرك الآمال يا أَسداً ... له الرِّماح عَرينٌ والظُّبا لَبَد يا ابن الذين إِذا ما استُمْنِحوا مَنَحوا ... وابنَ الذين إِذا ما استُرْفِدوا رَفَدوا هذي صفاتُك إِلاّ أَنها دُرَرٌ ... غُرٌّ فمنتثرٌ منها ومُنْتَضِد

стр. 251

مواهبٌ هُنّ في ثغر النَّدى شَنَبٌ ... مناقبٌ هنّ في جيد العُلى جَيَد رغائب لك لا تفنى غرائبُها ... فعند كلِّ يدٍ من بيضهن يَد فللمُحاسِن منها نافِخ صَرِدُ ... وللمُخاشن منها لافِحٌ وَمِد فاسلم وجيشُك لا يُنْنى له عَلَمٌ ... واسعد وبيتُك لا تهوي له عُمَدُ بحيثُ من مُخْطَفٍ لَدْنٍ له طُنُبٌ ... وحيث من مُرْهَفٍ عَضْبٍ له وَتَد وحيث شأنُك سامٍ ما له صَبَبٌ ... وحيث شانيك هاوٍ ما له صُعُد ثم لقيت سعادة الضرير فاستنشدته الكلمة الطائية التي مدح بها الملك الناصر بمصر، لما وفد إليه بها في مبدإ الأمر، وقد حبي بالنصر، فأعطاه ألف دينار من التبر. وأملى من حفظه: وقفتُ وأَنضاءُ المَطِيّ ضُحىً تُمْطُو ... وُقوفَ جَوٍ أَنْحى على قُرْبِه الشَّمْطُ على دارساتٍ من رُسومٍ كأَنّها ... صحائف كُتْبٍ لا يَبينُ لها خَطُّ معالم دارٍ بل معاهد عَرْصةٍ ... بها للقَطا من بعدِ ساكِنها لَغْط فلو لَقَطَتْ يوماً عقيقَ مدامعي ... بدِمْنَتِها ظمياءُ أَمْلَلَها اللَّقْط ولو سفَح الكِنديُّ بالسِقْط مثلَ ما ... سَفَحْتُ بها أَثنى على دَمعه السِقْطُ خليليّ هلْ مِنْ حاملٍ لي تحيّةً ... إِلى قمرٍ نجمُ الثريّا له قُرْط نَشَدْتُكما بالشام عُوجا فسَلِّما ... على ظَبَياتٍ أُسْدُ أَلحاظها تَسْطو على المائسات اللاءِ رَنَّحها الصِّبا ... على الآنسات اللاءِ نَفَّرَها الوَخْط وقولا لِمَنْ يَعْطو إِليها صَبابةً ... فتنفِرُ عنّا كالمَهاةِ ولا تَعْطو أَشَرْطُك يا ظمياء أَن لا تهاجرٌ ... مُقيمٌ لِمَنْ يَهْواك أَم عُدِم الشَّرْط بنفسي وأَهلي أَنتِ مِنْ بابليّةٍ ... لها وإِليها الحَلُّ، في السِّحْر، والرَّبْط وبي دُمْيَةٌ مِنْ دونها تُحْطَمُ القنا ... ويجري على أَعطافهنّ دمٌ عَبْط مُخَفَّفَةُ العِطْفين مَهْضُومة الحَشا ... مُثَقَّلَةُ الرِّدْفَيْن يوهِنُها المِرْط أَتَتْ بين حِقْفِ مائج وأَراكةٍ ... مُنَعَّمَةٍ أَوراقها الشَّعَرُ السَّبْ فنصّت على الكافور منها سوالفاً ... على الجُلَّنار الغضّ من مِسْكها نَقْط وعَنّتْ بِعُنّابٍ تَنوء بحمْله ... أَنابيبُ دُرٍّ زانها الخَلْقُ لا الخَرْطُ ونار شفاهٍ حَوْلَ جَنَّةِ مَبْسِمٍ ... مَزاجاهما شَهْدٌ جَنِيٌّ وإِسْفَنْط فلا، ولمّاها العذبِ، لا كنتُ ناقضاً ... عهودَ هواها لا ولا سالياً قطّ وكيف وعندي من هواها صَبابةٌ ... تكاد بها مني الجوانح تنقطُّ ووَجْدٌ كوَجْد الناصر المَلْك بالعُلى ... وبالشَّرف السامي الذي ما له هَبْط فتىً مُهْتَدي الآراء في كلِّ حادثٍ ... مُضِلٌّ لآراءِ الملوك بها خَبْط له هَيْبَةُ الليث الذي ما به ونىً ... وأُكْرومةُ الغَيْثِ التي ما لها غَمْط وما كُتْبُه، مُذْ كان، إِلاّ كتائبٌ حُروفُ ظُباها في الطُّلى ما لها كَشْطُ وليس له، ما عاش، إِلاّ من القَنا ... قَنا الخطِّ، أٌَلامٌ إِذا ذُكِرَ الخَطّ يَخُطُّ بها ما شاء من صُحُف الظُّلى ... فطوراً لها شَكْلٌ وطَوْراً لها نَقْط أَنابيب تجري كالأَنابيب من دَمٍ ... إِذا بَرْيُها في الرَّوْع أَتْبَعَهُ القَطّ أَفاعي رِماحٍ أُضْرِيَتْ في عُداتِه ... فليس لها من غير أَرواحهم نَشْط

стр. 252

يُجيدُ بهنّ الطعنَ ضَرْبٌ بضربه ... غداةَ الوغى ينقدّ هامٌ وينعطّ فتىً من بني أَيّوب إِن همَّ أَوْ همى ... فما الغيثُ إِذ يحبو وما الليث إِذ يسطو وما يُوسُفٌ في الملك إِلاّ كيوسُفٍ ... ولكن له من غير إِخوته رَهْط ملوكٌ حُجورُ الأَرْيحيّات مذ نَشَوْا ... مُهودُهم، والمَكْرماتُ لهم قِمْطُ شبابٌ وشيبٌ مذ تسامَوْا ومذ عَلَوْا ... على صَهَواتِ السَّبْعَة الشُّهْبِ ما حَطّوا شبابٌ وشيبٌ مذ تسامَوْا ومذ عَلَوْا ... على صَهَواتِ السَّبْعَة الشُّهْبِ ما حَطّوا ومذ أنبضوا رَمْياً بنَبْلِ ذكائهم ... أَصابوا المعاني المُبْهَماتِ ولم يُخْطوا شآبيبُ في سِلْمٍ، محاريب في وغىً ... يطير لِقَدْح المُرهَفات بها سِقط ومنها يصف غارته على غزة، وعوده من تلك الغزوة بالعزة: فتىً مُذْ غزا بالخيل والرَّجْل غَزَّةً ... نأى عن نواحيها الرِّضا ودنا السُّخْط رماها بأُسْدٍ ما لهنّ مَرابِضٌ ... ولا أُجُمٌ إِلا ّالذي يُنْبِت الخَطّ وعاث ضواحيها ضُحىً بكتائبٍ ... من التُّرك، لا رزمٌ طَغامٌ ولا قِبْط رماهم بأَمثال السَّراحين شُزَّباً ... عليها أُسودٌ بل أَساوِدَةٌ رُقْط وطاحت على تلك الرمال جُسومُهم ... ففي كل سَقْطٍ من جماجمهم سُقْط ومنها: أَلا أَيُّها الصّدّيق يوسُف مَسَّنا ... من الضُّرِّ ما لا نستطيع به نخطو فأَوْفِ لنا كَيْل النَّدى متصدِّقاً ... فإنّ جزاء المحسنين هو الشَّرْط فأنشد، ليلة أخرى بدمشق وأنا حاضر، فيه هذه القصيدة. منها: في أَعين البِيض والأَسَلِ ... صِيدَ الرِّجال بأَشراكٍ من الحِيَل فالأَعينُ النُّجْل داءٌ لا دواءَ له ... فكن عليماً بداء الأَعيُنِ النُّجُل ومنها: بواضحات الثّنايا ما ثَنَيْنَ فتىً ... على الثنيّة إِلاّ وهو غير خلي أَقْبلْن يضحكن عن بيضٍ لآلِئُها ... أَصدافهنّ شِفاهٌ حُلوةُ القُبَل من كلِّ هيفاء في أَوراقِ حُلَّتِها ... غصن من القدِّ في دِعْصٍ من الكَفَل كالخيزُرانة وافتْ وهي حاملةٌ ... روضاً من الحسن في روضٍ من الحُلَل فما ترى سَوْسَناً يُصْبيك من طُرَرٍ ... حتى ترى نَرْجِساً يُضْنيك من مُقَل فإن ضممتَ ضممتَ البان من هَيَفٍ ... وإِن لَثِمتَ لثمت الورد من خجل وإِن شربتَ شربت الرّاح من شَنَبٍ ... يجري على واضحٍ عَذْب اللَّمى رَتِل وَرُبَّ باديةٍ من بيت باديةٍ ... في ريقها عَلَقٌ يَشْفي من العِلَل وخَمْرَةٍ عندنا منها خُمارُ هوىً ... وعندها حين تمشي نَشوة الثَّمِل صهباء ممزوجة بالمسك أو بشذى ... ذكر ابن شاذِي صلاح الدين والدُّوَلِ القائدِ الخيلَ تهوي في أَعنّتها ... مثلَ الأَجادل، والأَبطالُ في جدل والليلُ من رَهَجٍ والصبح من قُضُبٍ ... والبحر من مُهَجٍ والبرّ من قُلَل والأَرضُ من نَزَوات اللَّمْ في شُعَلِ ... والجوّ من هَفَواتِ النَّقْعِ في طَفَل والبيضُ من عَلَق الأَقران في حُلَلٍ ... حُمْرٍ، ومن قُمَم الشُّجْعان في خِلَل والشمسُ، شمس الضحى، في النَّقْع آفلةٌ ... وشمسُ هِمَّتِه الغرّاء لم تَفِل كالغيث والليث، هذا منه في خَجَلِ ... عند العطاء، وهذا منه في وَجَل يلقى القنا وهو أمضى من عواملها ... في القول والفعل والآراء والعمل ويَنْثَني ولها في كفّه قَصَدٌ ... يُثْني عليه ثناءً غير مُنفصِل

стр. 253

تُثْني على مَلِكٍ أَعطى أَسنّتَها ... من الفوارس أَقصى السُؤْل والأَمل مُعَذَّلٌ في النَّدى صَبٌّ به أَبداً ... وكيف يُعْذَل صَبٌّ غير مُعْتَذِل أَغرُّ يَعْذُبُ صابُ الحادثات له ... فصابُها عنده أَحلى من العسل جَذْلان، أَبهج في الظَّلْماءِ من قمرٍ ... يقظان، أَثبت في الهيجاء من زُحَل صعب العريكة، سَهْل الرّاحتين، له ... رأيٌ حصيفٌ قويمٌ غيرُ ذي مَيَل رأيٌ شديد القِوى، ما فيه من خَوَرٍ ... لا بل سدي النُّهى ما فيه من خَلل ورايةٌ ما هَفَتْ يوماً ذوائبها ... إِلاّ على قدّ عَسّالٍ من الذُّبُلِ صفراءُ، خافقةٌ بالنّصر، حائزةٌ ... بالحَوْل ما لم يَحُزْه الغير بالحِيَل منشورة ليس يُطوى عزمُ ناشرها ... حتى ينالَ مكاناً قطّ لم يُنَل وصارمٌ مُرْهَفٌ خَفَّتْ مضاربُه ... فليس يَسْبق إِلاّ سُرعةَ الأَجل سيفٌ ليُوسفَ ما قُدَّت حديدتُه ... إِلاّ من الظَّفَر المقرون بالجَدَل محمرّةٌ بالدَّم المسفوح خُضرته ... فآسُها نابتٌ في وَرْدِه الخَضِل كأَنّه وهو في يُمْناه مُنْصَلِتٌ ... برقٌ جلا عارضاً في عارضٍ هَطِل وذابِلٌ عَطْفُه يهتزّ من طَرَبٍ ... إِلى الطِّعان ولا يهتزُّ من خَطَل صُلبُ المَكاسِر، لَيْن المَتْنِ، فارسُه ... له من الجيش ما يَهْوى من النَّفَل بلَهْذَمٍ من نجوم القذف، طاعنُه ... يكاد يُنْفِذُه من صَفحة الجبل يزداد من طَوْله طُولاً براحته ... إِذا طِوال الرُّدَيْنِيّات لم تَطُل وسابحٌ لو يُجاري الريحَ عاصفةً ... لقُيِّدَت خطوات الرّيح بالفشل سهلُ القياد فما يُعزى إِلى شَغَبٍ ... جَمُّ النَّشاط فما يُدْعى إِلى كسل ثَبْتُ الشَّوى والقَرا، والرِّدف مجتمعٌ ... مُلَمْلَمٌ مُشمخرُّ المَنْكِبَيْن عَلي إِذا تَأَمَّلْتَ أَعلاه وأَسفلَه ... رأَيت حُسْناً مقيماً غير مُرْتَحِل صافي الأَديم صقيل، لونُ كُمْيَتِه ... من الكُمَيْت فلم يَنْقص ولم يَحِل بادي الحُجُول تُريك النجمَ غُرَّتُه ... بواضحٍ كصِقال المشرفيّ جَلي إِذا دنى وَجَرى من تحتِ راكبه ... نال المُنى بين ذاك الرَّيْثِ والعَجَل نجمٌ يمرّ ببدرٍ في دُجى قَتَمٍ ... صقرٌ يكُرّ بليثٍ في شَرى أَسَل بماجدٍ من بني أَيّوبَ طينَتُه ... من طينة الجود لا من طينة البَخَل بواحدٍ حَوْلَه في كلّ نائبةٍ ... من العزائم جيشٌ غيرُ مُنْخَذِل ومنها: يا أَيّها البطلُ المعروف بالكرم الموصوف، والرّجل المُوفي على الرَّجل يا أَيُّها النّاصِرُ المَلْك الذي قَهَرَتْ ... بسيفه مِلَّةُ الإِسلامِ للمِلَل ومنها: فلا بَرِحْتَ لدُنْيا أضنتَ مالكُها ... شمساً مدى الدهر لا تنأَى عن الحَمَل وأنشدني لنفسه قصيدة فيه، منها في صفة الجيش والخيل: جيشٌ تَجيش على مِثْل الصُّقورِ به ... أُسْدٌ بارثِنُها من كلّ ذي شُطَبِ في صفة الخيل: من كلِّ مُنْجَرِد الخدَّيْن تحسبه ... رُوحاً من البرق في جسمٍ من السُّحبِ وأنشدني لنفسه في الشمعة: وقائمةٍ لا تَمَلُّ القيام ... على بِرْكةٍ من لُجَينٍ بديعِ إِذا ابتسمتْ بين جُلاّسها ... حَباها التَّبَسُّمُ فَيْض الدموعِ وأنشدني لنفسه أيضاً في الشمعة: وشادنٍ نادمتُه ... تحت رُواق الغَيْهَبِ بدرُ دُجىً مُقترِنٌ ... من كأسه بكوكب

стр. 254

يطعن أَحشاء الدُّجى ... عند الرِّضا والغضب بصَعْدَةٍ من فضّةٍ ... لَهْذَمُها من ذهب وأنشدني لنفسه في النار: يا حُسْنَ نارٍ أَتَتْنا ... في حِنْدِس الظَّلْماءِ وافتْ إِلينا تَهادى ... في حُلَّةٍ حمراءِ حتى إِذا ما توارت ... عن ذلك الإِيراء أَبدتْ قُراضةَ تِبْرٍ ... في خِرْقَةٍ دَكْناءِ وأنشدني لنفسه في كانون النار: وجاثمٍ بيننا على الرُّكبِ ... لا يتشكَّى الغَدَاةَ من تَعَبِ مُسَلْسَلٌيَعْذُبُ العَذابُ له ... فهو كقلبِ المُتَيَّم الوَصِبِ بينما أن تراه في سَبَحٍ ... يختال، حتى تراه في ذهب وأنشدني لنفسه في قصيدة أولها: كم بين شَدّي بأَشْطان النَّوى عِيري ... وبين شُربي على شَدْوِ النَّواعيرِ ما بين مُنْتَسِجٍ ضافٍ ومُطَّرِدٍ ... صافٍ كمِثْل الصَقيلات المباتير ومنها: ونَرْجِسٍ أَدمعُ الأَنداء حائرةٌ ... منه على عَسجَدٍ في وَسْط كافور ومنها في صفة الورد، وقال هذا معنى ما سبقت إليه: والوردُ ما بين أَغصانٍ تُحارِبنا ... عند القِطاف بأَظفار السَّنانير ومنها: قُمْ للصَّبوح فقد لاح الصَّباح لنا ... وبَشَّر الدّيكُ عنه بالتباشير وقامَ مُرْتَقِصاً ما فوق مِنْبَرِهِ ... مُصَفِّقاً بين تهليلٍ وتكبيرِ يقول هُبُّوا إِلى الّلذات وابتدِروا ... فقد صفا عَيْشُكم من كلِّ تكدير إِيّاكمُ أَن تَعُقُّوا بنتَ خابيةٍ ... كانت وِلادتها من عهد سابور كأَنّها ونَميرُ الماء يُرْهِقُها ... نارٌ تَسَرْبَلُ سِرْبالاً من النُّور كأَنّها، وَيَدُ الساقي تكُرّ بها ... ياقوتةٌ رقصت في ثوب بَلُّور وأنشد الملك الناصر أيضاً قصيدة منها: جِبالُ عُلاً تُطاوِلُها هِضابُ ... وأُسْدُ وغىً تُواثِبها ذئاب وكيف تساجِل الصُّبْحَ الدّياجي ... وكيف يُماثِلُ البازَ الغراب سيُخْمِدُ نارَ هذا الخطب مَلْكٌ ... لنيرانِ الحروب به التهاب فتىً للمُعْتَدين به عِقابُ ... كما للمُجْتَدين به ثواب فتىً دانتْ لِعِزَّتِه الليالي ... وذَلَّت تحت أَخْمَصِه الصِّعاب ومنها: سيَرتُق فَتْقَ هذا المُلْك منه ... قواضبُ، للرؤوس بها انقضابُ ويمرِعُ بالبَوار جَنابُ قومٍ ... لهم عن نُصْرة الدين اجتنابُ فلا تقبل لهم، ما عِشْتَ، عُذراً ... وإِنْ خضعوا لَدَيْكَ وإِن أَنابوا همُ حَشضدوا عليك بكلّ وادٍ ... عصائبَ، بالضَّلال لها اعتصاب وجيشاً مُذْ دعاك على اغترارٍ ... صلاحَ الدين، عاجَلَه الجواب بأَرعنَ مثلِ رُعْن الطَّوْد مَجْرٍ ... تَضيق به من الأَرض الرِّحاب خميس سوف ترضى البيض عنه ... إِذا زأَرت ضراغِمُه الغِضاب تكُرّ على الصُّقور به أُسودٌ ... عليها للقَنا الخَطِّيِّ غاب كأَنّ مُثار قَسطَلِه عليهم ... إِذا طلَعت شُموسُهم ضَباب فلمّا أَقدموا للطعن وَلَّوْا ... ولمّا أَيقنوا بالنُّجْح خابوا ظفِرتَ أَبا المظفّر بالأَعادي ... وفُلِّلَ منهمُ ظُفْرٌ وناب وكانوا كالحديد، فحين أُصْلُوا ... صلاحَ الدين، نارَ سطاك ذابوا أَصابوا بالهزيمة حين وَلَّوْا ... ولو وقفوا الغداةَ لما أَصابوا غداةَ هزمتَهم فلَوَوْا وقالوا: ... غنيمتُنا السَّلامةُ والإِياب ومنها: وما ضَحِكتْ ثُغور الشام إِلاّ ... وفيها من مَحاسِنكم رُضاب فأَوجُهُكم كواكبُها الدّراري ... وأَيديكم مشارِبُها العِذاب

стр. 255

عَصَمْتُم بالعَواصِم كلَّ ثَغْرٍ ... بِذَبٍّ لا يُفَلّ له ذُبابُ أَطَرتم عنه عاديةَ الأَعادي ... كما طارتْ من الرّيح الذُّباب وَصَلْتُمْ فالعذاب بكم نعيمٌ ... وصُلْتُم فالنَّعيم بكم عذاب سيشكُر صُنْعَك عنه رِجالٌ ... فهم فيكم دعاءٌ مُستجاب وأنشده في تلك الأيام قصيدة أخرى موسومة، أولها: أَلا حبّذا وصْلُ الحبيب الذي شفا ... مُحِبّاً من الداء الدّويّ على شَفا ومنها: ويا حَبّذا صِرْفٌ من الرّاح قَرْقَفٌ ... صَرَفْتُ بها عني الأَسى فَتَصَرَّفا عفا الله عنها من كريمةِ كَرْمَةٍ ... بها منزل الأَحزان والهمّ قد عفا يطوف بها ساقٍ رشيقٌ مُهَفْهَفٌ ... تكامَلَ فيه الحسن لما تَهَفْهَفا غزالُ نَقاً، لمّا براه إِلهُه ... بَرى جسمَ ماءٍ فيه قلبٌ من الصَّفا من الغيد أَجْزيه عن الغَدْرِ بالوفا ... صفاءً، فَيَجْزيني عن الوَصْل بالجَفا ومن عجبٍ أَن لا يزيد تَعَطُّفاً ... ومن شِيَمِ الأَغصان أَن تتعطفا فواشَقوتي إِن لم يكن ليَ مُسْعَداً ... وواضَيْعَتي إِن لم يكن لي مُسْعِفا وقائلةٍ ماذا الكَلال عن السُّرى ... وعزمُك عَضْبٌ كلّما هُزَّ أُرْهِفا وقد أضجزلت كفُّ ابن أَيذوب للوَرى ... عَطاءَ إِذا ما أَشفق السَّمْحُ أَسرفا فقلتُ لها: إِني كيعقوب أَكمَهٌ ... فقالتْ: لك البُشْرى إِذا زُرْتَ يُوسُفا إِلى ملكٍ إِن جاد زاد، وإِنْ سطا ... أَبادَ، وإِن أَعطى أَفاد وأَتْحفا ومنها في صفة السيف والقلم: إِلى مَن له باعٌ طويلٌ، وصارمٌ ... صقيلٌ، إِذا ما أَنصفَ الهامَ نَصَّفا وأَرقشُ من صُمِّ اليراع مُثَقَّفٌ ... إِذا هزّه فاق الوَشيجَ المُثَقَّفا فهذا من الأَعناق يكشِط أَحرفاً ... وهذا من الأَرزاق يَسْطُر أَحرفا فذاك الذي يُجري نَجيعاً مُضَرَّجاً ... وذاك الذي يُسْدي صنيعاً مُفَوَّقا ومنها: كريمٌ إِذا ما جاءه معدِمٌ حبا ... حَليمٌ إِذا ما جاءه مُجْرِمٌ عَفا ومنها: أَيا مَنْ يخاف الشِّرْكُ عَزْمتَه التي ... بها أَمِنَ التوحيدُ لمّا تَخَوّفا ويا من إِذا ما ضَلَّ عن سنَن الهُدى ... سِواه، قضى بالعدل فينا وأَنصفا أَثِرْها نِحافاً كالسَّراحين سُزّباً ... وَقُدْها خِفافاً كالشّواهين شُرَّفا عليهنّ من راياتك الصُّفْر رايةٌ ... إِذا زحفت لم تُبْقِ في الأَرضِ مَزْحَفا وغابُ قناً سُمْرٍ إِذا طَعَنَتْ به ... أسودُ بني شاذي الحُماة تَرَعَّفا وكُنْ قائداً أَعلام جيشٍ عرموم ... كأَعلام رَضْوى كلّما سار مُوجِفا لهُامٍ إِذا ما رفرف النَّقْعُ فوقه ... رأَيت له فوق السِّماكَيْن رَفْرَفا فما إِن ترى صُبْحاً من اللَّمْعِ فوقه ... إِلى أَن ترى ليلاً من النَّقْع مُسْدِفا بكلِّ صقيلٍ يقطُر الدمَ حَدُّه ... كأَنّ على مَتْنَيْه حمراءَ قَرْقَفا شَققتَ به لمّا تبسّم ثغرُه ... عيونَ جِراحٍ في الجماجم ذُرَّفا ستُنْصَر نصرَ المُصْطفى يوم بدرِه ... وما يَنْصُر الرَّحْمنُ إِلاّ مَنِ اصطفى ولسعادة الضرير الحمصي من قصيدةٍ أنشدها للملك الناصر بحماة في ثامن صفر سنة اثنتين وسبعين أولها: يا وابلَ المُزْنِ إِن حَيَّيْتَ حُيِّيتا ... عنّا العِراق وإِن رَوَّيْت رُوِّيتا ومنها: للهِ كم من فتاةٍ في مَرابعها ... تَهْدي إِلى كَبِد العُشّاق تَفْتيتا ومِنْ مَهاةٍ مَهاةُ الرَّمْل تُشْبِهها ... عَيْناً وتشببهاً أُمُّ الطَّلى لِيتا

стр. 256

بيضاء تُسْبِلُ سُوداً من ذوائبها ... ما زال منهنّ ذَوْب المِسك مَفْتوتا وتنِفُث السِّحرَ من أَجفان فاتنةٍ ... تُعَلِّمُ السّحرَ هاروتاً وماروتا ومنها في صفة السيف: كم زُرْتُها والقنا من دونها أُزُرٌ ... فما نَكِلْتُ ولكن زِدْت تَثْبيتا ولي خليليٌ خَلِيٌّ أَستعينُ به ... عَضْبٌ به الماذِيُّ مَبْتوتا يرعى نبات الطُّلى في كل مُعْتَرَكٍ ... وليس ترعى المنايا فيه تَنْبيتا أَجرى الفِرَنْدُ على صَفْحَيْه جَدْوَلَه ... وصافح الحتفُ حتفاً فيه مَسْؤُوتا وأَشبه الذَرَّ ذَرٌّ فيه مكتَمِنٌ ... لا يرتضي غير أَرواح العِدى قُوتا أَجاده بسَرَنْديب وأَخْلَصه ... قَيْنٌ فجاء صقيل المَتْن إِصْليتا يَظَلُّ يُرْعِدُ لا من خِيفةٍ فإِذا ... سَقْيتَه من دمٍ غَنّاك ما شِيتا ومنها: ورُبّ ليلٍ جعلنا في دُجُنَّتِه ... كأْسَ المُدامِ إِلى اللذات خِرِّيتا كأْساً تُجَمِّعُ أَشتاتَ السرورِ لنا ... كما تُشتِّت شملَ الهمِّ تَشْتيتا فَسَقِّنيها بلا رَيْثٍ ولا مَهَلٍ ... ولا ازورارٍ إذا زُرْت الحوانيتا واضرِم بنار السواقي نار ساقيةٍ ... لم نَكْرَ عَن شربها ليلاً بتكريتا وغَنِّني ومغاني اللهو آهلةٌ ... هاتِ الحديثَ عن الزَّوْراء أَوهِيتا وعَنْ سميّ ابن يعقوبَ الذي حِجَجي ... إِلى أَياديه لا يَلْزَمْن توقيتا الناصرِ العادلِ المَلْكِ الذي بشَبا ... إِنصافه عاد عُود الظلم مَنْحوتا والطاعِن الغرّ آلافا مَصاليتا ... والواهب الْحُمر آلافاً يواقيتا حماة ابن قسيم الحموي هو أَبو المجد مسلم بن الخضر بن مسلم بن قسيم الحموي التنوخي. أبو المجد مجيدٌ للشعر، وحيدٌ للدهر، فريدٌ للعصر، ذو رقةٍ للقلوب مسترقة، وللعقول مسترقة، ولطفٍ للب سالب، وللخلب خالب، وللصبر غالب، ولدر البحر جالب، ولدر الفكر حالب، وفي عقد السحر بعقوده نافث، وبنسيم السحر في نسيبه عابث، نهجه محكم، ونسجه معلم، ومذهبه مذهب، وأسلوبه مهذب، وحوكه رفيع، وسبكه بديع، وسلكه متسق، ومطلعه مشرق، وروضه مونق، وعود فضله مورق. كان ثالث القيسراني وابن منير في زمانها، وسبقهما في ميدانهما، نبغ في عصر شيخوختهما، وبلغ إلى درجتهما، وراق سحرهما سحره، وفاق شعرهما شعره، لكنه خانه عمره، وفل شبا شبابه، وحل حبي آدابه، وأمر جنى جنابه، وحل شعوب بشعابه، وذلك في سنة نيفٍ وأربعين وخمسمائة. ووجدت في ديوانه لحناً فاحشاً، ووهناً بالخطل جائشا، ونظرت في ديوان شعره، فالتقطت فرائد دره، وقلائد سحره، وشحذت من غراره ما قبل الشحذ، وأخذت من خلاصته ما استوجب الأخذ، وأوردت لمحاً من ملحه، ونبذاً من منتقاه ومنتقحه. الباء فمن ذلك قوله: أَهلاً بطيف خيالٍ زارني سَحَراً ... فقمتُ والليلُ قد شابت ذوائبهُ أُقبّل الأَرضَ إِجلالاً لزَوْرته ... كأَنْما صَدَقت عندي كواذبه وكِدتُ لولاه وُشاةُ الصُّبح تُزْعجه ... بالبَيْن أُصغي لما قالت خَوالبه ومودِع القلبِ من نار الجوى حُرَقاً ... قضى بها قبل أَنْ تُقْضى مآرِبه تكاد من ذِكْر يوم البين تَحْرُقه ... لولا المدامعُ، أَنفاسٌ تُغالبه وصار من فَرْط ما أَضناه يَحْذَره ... فَرْطُ الضَّنا، فهو بالي الجسم ذائبه فللمدامع ما تُخفي ضمائره ... وللضَّنا منه ما تُخْفي جلاببه ومنها في مدح الرقيب: عابوا الرّقيب ولولاه لما حُمِدتْ ... عواقبُ الحُبّ وانساغت مَشارُبُه ولست أعذِلُه فيما يحاول من ... حفظ الأَحبّة بل لا كان عائبه إِني لأَعشقُ عذّالي على كَلَفي ... به ويحسُن في عيني مُراقبه ومنها:

стр. 257

لم تُبق عندي النَّوى لُبًّا أَحارُ به ... يوم الفِراق ولا قلباً أُحارِبُه ومنها: وُمْنَتضٍ صارماً من لَحظ مُقلتِه ... على مُضاربه تُخْشى مَضاربُه بدرٌ كأَن الثريّا في مُقَلَّدِه ... نِيطت بأَحسن ما ضَممَّتْ ذَوائبه يا وَيْحَهُ أَنجومُ الليل تعشقه ... أَم قُلِّدَتْ مِدَحي فيكم ترائبه وقال من قصيدة: أَما والذي أَهدي الغرام إِلى القلبِ ... لقد فتنتني بالحِمى أَعينُ السِّرْبِ رَمْتنا ولكن عن جُفونٍ مريضةٍ ... عَرَفْن مكان الحُبِّ من كَبِدِ الصَّبّ وَأَطْلعنِ مِنْ سِجَفْ الخُدور أَهِلّةً ... جَعَلْنَ سماء الحسن أَسِنمَة النُّجْب وما كنت أَدري أَنّ غِزلان عالجٍ ... مَراتعُها بين الأَكِلَّةِ والحُجْب لقد أَخذوا بالبَيْن من كلّ عاشقٍ ... بَقِيَّةٍَ نَفْسٍ لا تُفيق من الحُبّ رأَتْهُنّ من حَمْل السِّهام عوارياً ... وما عندها أَنَّ الكنائن في النَّقْبِ ولو علم المُشتاق أَنّ حِمامه ... مع الرَّكْب لم يقرأْ سلاماً على الرَّكْب ولمّا رأَيْنَ القُرْبَ عَوْناً على الجَفا لِذي الحُبِّ سَلَّطْنَ البِعاد على القُرْب قيا قُرْبَ ما بين الصَّبابة والحَشى ... ويا بُعدَ ما بين المَسَرَّة والقلب وما صَدّ عني النومَ مثلُ مُهَفْهَفٍ ... كأَنَّ به معنىً من الغُصُن الرَّطْب ثنى عن نفيس الدُّرِّ فضلَ لِثامِه ... كما افترّ بدرٌ في الدُّجُنَّةِ عن شُهْب ومنها: تَقَلَّد من أَلحاظه مِثْلَ عَضْبِه ... فأَصبح يعتدّ الجُفونَ من القُربِ وقد كنت أَخشى السيفَ والسيفُ واحدٌ ... فما حيلتي إِذ قلد العَضْب بالعضب خليليّ هل أَلقى من الدَّهر مُسْعِداً ... يعرّفني مُرَّ الزَّمان من العَذْب وقال من أبيات: يا مالكَ القلبِ أَنت أَعلمُ مِنْ ... كلِّ طَبيبٍ بعلَّةِ القلبِ إِن كنتُ أَذنبتُ في هواكَ فقد ... أَصبح هجري عقوبَة الذنب إِنّي لأَرضى البِعاد منك إِذ ... كنتَ له مُؤثراً على القُرْب وهجرُك المُرُّ إِن رضيتَ به ... أَطْيبُ عندي من وَصْلك العَذْب ولائمٍ في هواك قلتُ له ... قبلَ سماعِ الكلامِ والعَتْبِ قُمْ يا عَذولي فإِنّ قلبك لا ... تخِطُرُ فيه وَساوسُ الحبّ جسمَك أَبلى السَّقامُ أَم جسدي ... وقلبُك المُسْتهام أَم قلبي دَعْني بِداء الهوى أَموت فما ... أَطيبَ في الحبّ مِيتَةَ الصَّبّ وقال في غلامٍ مجدورٍ: رأَوا جُدَرِيّاً لاح في صَحْنِ خَدّه ... كدُرِّ العقود في نُحور الكواعب وما هو إِلاّ البدرُ لمّا تكاملت ... مَحاسُنه نقَّطْنه بالكواكب وقالوا رمتْه النائبات ضَلالةً ... وماعلموا أَنّ العُلى بالنوائب الجيم وقال يصف الشقيق: وترى الشقيق كأَنّ روضتَهُ ... لمّا سقاه مُضاعفُ النَّسْجِ حُلَلٌ مُعَصْفَرةٌ شُقِقْن على ... مُتَقابلاتِ ثَواكِلِ الزَّنِجْ وله في زهر الباقلاء: لله في زمن الربيع وصائفٌ ... حُفَّتْ بزَهْرَةِ باقلاءٍ مُبْهِجَهْ وَلَوَتْ بمَفْرَقِهِا عِصابَة لؤلؤٍ ... فكأَنّ شمساً بالنجوم مُتَوَّجَهْ وكأَنّ أنملها حَبَتْكَ بدُرّةٍ ... بيضاء مُطْبِقَة على فَيْروزَجه الحاء وله من قصيدةٍ: بِمثلِ ذا لا يُعالَجُ البَرْحُ ... كيف يُداوي بقاتلٍ قَرْحُ عابو ضلالي به فلا رَشِدوا ... واستقبحوا عِلّتي فلا صَحّوا يا وَجْبَةَ القلب حين قُلتُ له ... علّك من نشوةِ الهوى تصحو

стр. 258

هذا وكم لي أرَاك تنصحُه ... فما ثنى من عِنانه النُّصْحُ لكنه ينطوي على حُرَقٍ ... لِنارها في فؤاده قَدْح وكلما زُيِّن السُّلُوُّ له ... قال أَعنديَ يَحْسُن القُبْح ويا مُمِيتي بالهجر حَسْبُك قد ... أَتْعَبَني قصدُك الذي تنحو وكان مَزْحاً هواك أَمْسِ فيا ... هَوْلة ما جرّ ذلك المَزْح ومنها في وصف فرس: ومُقْرَبٍ لو أَعرتَه اللَّمْحَ بالعي ... ن كبا في غُباره اللَّمْحُ على الدُّجى منه مَسحةٌ وعلى ... مَتْن الضيا من يمينه مَسْح أَغرّ، صافي الأَديم أَدهم لا ... يخجل إلّا من لونه الجُنِح كأَنما قُدَّ جسمه من دُجا ال ... ليل ومنوجهه بدا الصُّبح قصّر عن شأوه الجِياد كما ... قصّر عن مَكْرُماتك المَدْحُ ومنها في المدح: كأَنني البُحتِريُّ أُنْشِدِه ... وهو على عِظْم شأنه الفتح فكلُّ مجدٍ لمجده تَبَعٌ ... وكلُّ طَوْدٍ لِطوده سَفْح ومنها: قد كنتُ خرباً للدهر قبلُ وفي ... أَيّامه تم بيننا الصُّلْح ومنها: فاْسلم فأَنت السواد من مقلة الدّ ... هر ومن بَيْضة العُلى المُحّ وقال من قصيدة: سَلْه مِنْ سُكْرِ الهوى كيف صَحا ... فسقى الدَّمْعُ الجفونَ القُرَّحا زاده في الحبّ وَجْداً بكم ... لائمٌ لام عليكم ولحا فاستلذّ الهجر واستدنى النّوى ... وارتضى السُّخْط وخان النُّصَحا وسقى الأَطلالَ مِن أَجفانه ... مَدْمعاً لولاكمُ ما سفحا لا رَعاهُ الله إن مال إِلى ... سَلْوَةٍ بعدكمُ أو جَنَحا وصحيح الشَّوْق مصدوع الحشا ... نَطَق الدَّمْع به فافتضحا بات لا يطرُقُه طَيْفُكمُ ... ربَّ طَيْفٍ ضَلَّ لمّا سَنَحا وقال من أبياتٍ في وصف كتاب: حَيِّ كتاباً فَضَضْتُ خاتِمَه ... عن مثل وَشْي الرّياض أَو أَملحْ يا كرّم الله وجه كاتبه ... عرّض لي بالجَفاء أَو صَرَّح شحّ بأَلفاظه وخاطِرُه ... بالدرّ من كلّ خاطرٍ أسمح حتى أَتاني كتابُه فشفا ... كلَّ فؤادٍ بِبَيْنِه مُقْرَح الدال وقال من قصيدة: وَحَقِّ الهوى لا خُنْتُ ميثاق عهدِهِ ... وإِني لأُغري من فُؤادي بوجدهِ وخَلْفَ الثنايا الغُرِّ ما يَبْرُدُ الجَوى ... ويَذْهب من جَمْرِ الغرام بوَقْدِه ومنها: وَحَيٍّ على الماء النّميرِ طرقْتُه ... وقد مَلَّ ساري الليل من طُول وَخْدِه فلم تر عيني والخيامُ كأَنّما ... تُزَرّ على غِزْلان خَبْتٍ وأُسْده بأَصبرَ من قلبي على فَقْدِ صبره ... ومني على فَقْد الحبيب وبُعْده ومنها: وقد كان مفتوناً بمُرْسَلِ صُدْغه ... على وَجْنَةٍ كالبدر ليلةَ سَعدِهِ فلما رأَت أَن ليس في حِمْص عَقْرَبٌ ... مَواشِطُه أَخْفَيْنَ عقرب خدّه وَقُلْن لساقيها ودُرُّ حَبابها ... مُوَكَّلَةٌ أَيدي المِزاج بنَضْده: أَأَنْتَ أَعرتَ الكأْسَ واضحَ ثغره ... أَمِ انتثرت فيها فرائد عِقده؟ وقال من أخرى: هذا الفِراق وأَنت شاهُدُه ... فإِلامَ تكتمُ ما تكابِدُهُ خَلِّ السُّلُوَّ لمن يَليق به ... ولْيُبْدِيَنَّ هواكَ جاحِدُه فالبيْنُ ما ظهرت علائمه ... والحبّ ما نطقت شواهده ومنها: ولقد رقَبْتُ الطَّيْفَ أَسأَلهُ ... عنكم فما صدَقت مواعدُهُ والمستمرُّ على قطيعتهِ ... في الحبّ فاسدةٌ عقائده ومن العجائب أَن يَزيد به ... داءُ السَّقام وأَنت عائده

стр. 259

ومنها في المدح: مُتَيَقِّظٌ ورِث الكمال فما ... يخَشى اعتراضَ النقص زائدُهُ فالرِّزق والأَجلُ المُتاحُ معاً ... في ضمن ما رَقَشَتْ أَساوِده وتكفَّلَ الفَلكُ المُدارُ له ... بأَسدَّ ما يَقضي عُطارِدُهُ ومنها: لو قاستِ الكُرَماءُ حاتِمها ... بك أَيُّها المقصودُ قاصدُه لتَستَّرْت خجلاً مكارمُه ... وتحَوّلت بُخْلاً عوائده لم يَرْقَ مجداً أَنت فارعُه ... من نام ليلاً أَنت ساهده وقال من أخرى في ابن منير: وأَين البِيض من لحظاتِ بيضٍ ... قطعتُ بها الليالي غيرَ سُودِ وفي الحيّ المُمَنَّع من عقيلٍ ... عقائلُ كالصَّوارم في الغُمود نواعمُ مثلُ أَيّام التداني ... قُرِنَّ بمثل أَيّام الصُّدودِ تَذُبّ عن اللِّحاظ بكل عَضْبٍ ... وتُدْني للقلائد كلَّ جيد ومنها: ودونَ مَها الخُدورِ أُسودُ حربٍ ... تواثَبُ في الكريهة كالأُسود فوارسُ تَجْتنى ثمرَ المعالي ... بأَيدي النصر من ورق الحديد ومنها: وما وادٍ كأَنّ يد الغوادي ... كَسَتْهُ قلائد الدُّرِّ النضيدِ حَلَلْن فما حَلَلْن به نِظاماً ... وقد غادَرْنُه أَرِجَ الصَّعيد يضوع تُرابه مِسْكاً إِذا ما ... سَحَبْنَ عليه أَذيالَ البُرود فَبِتْنَ وما حَطَطْنَ به لِثاماً ... يَخْلْنَ حَصاه من دُرِّ العقود بأَحسنَ من صفاتك في كتابٍ ... وأَنفسَ من كلامك في قصيد وقال يصف الرمانة: ومُحْمَرَّةٍ من بنات الغصو ... ن يمنعها ثِقْلُها أَن تميدا مُنَكَّسة التّاجِ في دَسْتها ... تفوق الخُدودَ وتحكي النُّهودا تُفَضُّ فَتَفْتَرُّ عن مَبْسِمٍ ... كأَنَّ به من عَقيقٍ عُقودا كأَنّ المقابل من حَبِّها ... ثُغورٌ تُقَبِّل فيها خُدودا وقال من قطعة: مَنْ لِصَبٍّ مَسَّهُ فَرْطُ الكَمَدْ ... وفؤادٍ خانه فيك الجَلَدْ أَنا مأسورٌ وما أَرجو فِدىً ... ومريضٌ غير أَني لم أُعَد أَنا مقتولٌ ولكن قاتلي ... في الهوى ليس عليه من قَوَد يا قضيباً ماس في دِعص نقاً ... وغزالاً بين جَفنيْه أَسد سُقْم جفنيْك الذي أَلبسني ... ثوبَ سُقْم وعذابٍ مُسْتَجَدّْ لك وجهٌ جَلَّ مَنْ صوَّره ... لو رآه بدرُ تِمٍّ لسجد وقال، وهذه الأبيات على خمسة أوزانٍ وخمس قوافٍ: قل للأَمير أَخي الندى والنائل ... الهطّال للشعراءِ والقُصّادِ لا زلتَ تنتهك العِدى بالذابل ... العسّالِ في الأَحشاءِ والأَكباد ووُقيتَ من صَرْف الرّدى والنازِلِ ... المُغتالِ بالأَعداءِ والحُسّاد وقال في قصيدة: يا باكي الدارِ بكاظمةٍ ... وبكاءُ الدّارِ من الكَمَدِ أَفنيتَ الدَّمْعَ على حجرٍ ... وأَضعت الصبر على وَتَدِ فاذخَرْه مخافَةً نازِلةٍ ... أَأَمنتَ اليومَ صُروفَ غَد هي عينُك لو لم تَجْن لما ... عاقبتَ جفونك بالسَّهد ومنها: فأَتيتَ الماء تحاوله ... والماء مُنْيَةُ كلِّ صَدِ فالوَيْلُ لنفسك إِن وردتْ ... والويل لها إِنْ لم ترد أَقبلتَ فقلت أُقبّلهُ ... ولو أنّ الموت على الرَّصَد فرشفت مُجاجَةَ مُبْتَسَمٍ ... أَشهى وأَلَذَّ من الشَّهد ومنها: يا أَين الصبرُ فأَنْشُدَه ... وعساي أُدَلُّ على الجَلَد ظَعَنَ الأَحبابُ وعندهم ... قلبي سَلبوه ولم يَعُد وبراني السُّقْم بهم فبق ... يتُ بلا قلبٍ ولا جسد الذال وقال: الوصلُ من الحياة أَحلى وأَلذّ ... لو يُنْصِف من أَضاع عهدي ونَبَذْ

стр. 260

لم يَشْقَ بحُكْمه الذي فيّ نَفَذْ ... لو رَدّ إلى المحبّ ما منه أَخذ الراء وقال: وأَهيفِ القدِّ سهل الخد أَسمر كال ... خَطِّىّ صِرتُ به بين الورى سَمَرا إنّ القلوب لتَهواه وما برِحت ... منه على خطرٍ إِن ماس أَو خَطَرا وكان غير عجيبٍ من ملاحته ... أَن يجمع الحُسْنُ فيه الغُصْنَ والقمرا عاثتْ لِحاظُكَ في بُستانِ وَجْنَتِه ... فقام مُفْتَرِساً باللَّحظِ مُنْتَصِرا وقال لي القلبُ لمّا صار في يده ... هذا الذي لُمْتني فيه فكيف ترى دَعْني أُهَتّكُ سِتري في مَحّبته ... وما أُبالي ألآمَ الخَلْقُ أَم عَذَرا وقال من قصيدة: وأَشهى ما إِلىَّ إذا أَضاءَت ... سماءُ الكأْس من شمس العُقارِ وأَغْيد مثل مَتْن الرِّيح لِيناً ... تَفُلّ جُفونُه جَفْنَ اصطباري كأَنّ بخدّه ماءً وناراً ... تولّد منهما ليلُ العِذار وتَسْكَر مُقْلتَاه براح فِيهِ ... ففي لحظاته أَثر الخُمار سقاك على تورُّد جُلَّنار ال ... خدود مُدامةً كالجُلنَّار ومنها في المديح: أَفِرُّ إِليك من وَشَل العطايا ... وأَسْبح من نوالك في الغِمار وإِنكمُ إذا طلَعت نجوم الْأ ... سّنة في دُجى ليل الغُبار لَآباءُ المكارم والمعالي ... وأَبناء الضَّراغِمَة الضّواري فأَنت الشمس لم يكْفُرْك ليلٌ ... دَجا والبدرُ جَلّ عن الِسَّرار وقال، وقصد أن لا تخلو كلمةٌ من صاد وكلمة من سين، وفي الأبيات تعسف: تُصْغي لتستمع اصطِخا ... بَ لسانه الصُّمُّ السَّوادِرْ وَصَل السَّجاحَة بالصَّبا ... حِة سالبٌ بالصوتِ ساحِرْ صَلَتان يَسْتَثْنى لعْصم ... ته وسيرته الخَناصر ساعٍ لمصلحة المُجا ... لس والمُصاحب والمُسامِر مُتَوَصِّلٌ سرَّ الصد ... يق وآسِفُ الخَصْمِ المُساورِ وَلَصيتُه السامي الصّفا ... ت بسائر الأمصار سائر صَدَقَتْ فِراسةُ واصفيه ... فسَلْ بمُصْمي السهم ناصر نِدْسٌ بصائب حِسِّه انْت ... صر السَّوالف والمُعاصِر وَسَما بأَخْمَصِه سما ... ءَ الخالصين سَنا العناصِر وقال من أبياتٍ يصف المطر ووقوعه على الماء: والغيثُ منسكِبٌ كأَنّ حَبابه ... دُرٌّ يُبَثُّ على المياه وُيْنَشرُ فحسِبْتُ أَنّ الروض منه مُنَوِّرٌ ... والأَرض غَرْقى والغدير مُجَدَّر وقال من قصيدة: أَلآلٍ ضَواحِكٌ أَمْ ثغورُ ... وليالٍ حَوالِكٌ أَمْ شُعورُ وشمُوسٌ من القَراطق تبدو ... سافراتٍ وجوهُها أَم بدور كتَمَتْها الخدُور عنّا غداةَ الب ... ين يا حُسْنَ ما كَتَمْنَ الخُدور وتراءتْ لنا فَخِلْنا بأَنْ قد ... وُشِّحَتْ بالثُّغور منها النُّحور حاسرات سُجْفَ الأَكِلَّة تيهاً ... ولها من قَنا الوشيج سُتور ومنها: وقفوا للْوَداع والَأرضُ من ثِقْ ... ل التّشاكي يوم الفِراق تمورُ ثم ساورا والعيسُ من وَلَه البْي ... ن على أَنْفُسِ الكُماةِ تسير آه يا مُلْبسي السُّهادَ لِمَنْ بَعْ ... دَهُمْ حُلَّةَ الرُّقاد أُعير كدّر العَيْشُ عيشتي واللّيالي ... رُبّما شابَ صَفْوَها التكدير ومنها في المدح: صاحَ بالسيف مُصْلَتاً في الأَعادي ... فأَجابته هامُها والنُّحورُ ولو أنّ الأرواحَ تُعْطى أماناً ... منه كانت خوفاً إليه تطيرُ وكأَنّ الطُّلى تفاريد لفظٍ ... وكأَنّ السّيوف فيها ضمير وقال، وقد أوردت هذه الأبيات لبعض المغاربة فوجدتها في ديوان ابن قسيم:

стр. 261

ما كنتُ لولا كَلَفي بالعِذارْ ... أَصبو إِلى الشُّرْب بكأْس العُقارْ سال كَذَوْبِ المِسْكِ في وَجْنةٍ ... وَرْدِيّةٍ تجمع ماءً ونار هذا وما دبَّ جُنوني به ... فكيف إن تَمَّ به واستدار وفاتِر المُقْلَة ما زِلتُ من ... نواظر الخلقِ عليه أَغار ملّكتْهُ رقِيّ على أَنه ... يُجيرُ قلبي فتعدّى وجار وَيْلاهُ من صِحَّةِ أَجفانه ... وما بها من مَرضٍ واحوِرار وآهِ من وَجْنَتِه كّلما ... تعقربَ الصُّدْءغ عليها ودار أَهْيَفُ ما تحت مَزَرِّ القَبا ... أَبْلَجُ ما تحت مَدَبِّ العِذار مثلُ قضيب البانِ لكنّه ... يحمل في أَعلاه شمسَ النهار وكلّما تاه عليّ اسْمُه ... وجدته في الورد والجُلَّنار وقال: خير ما أَصبحتَ مَخْلوعَ العِذارِ ... فانِفِ عنك الهمَّ بالكأْسِ المُدارِ قُمْ بنا ننتهبِ اللذَّة في ... ظلِّ أَيام الشّباب المُسْتعار إِنما العارُ الذي تحذَره ... أَن تراني من لباس العار عاري لا وَمَنْ داويتُ قلبي باْسمه ... لا تَدَرَّعْتُ بأَثوابِ الوَقار وَلَخَيْرٌ منه أَنْ أَشرَبها ... في سَنا الصُّبْح على صَوْتِ القَمارِي قهوة تُعْشَق مِنْ ذي هَيَفٍ ... قَمَرِيِّ الوجهِ ليْليِّ العِذار تَسْكَرُ الأَلبابُ من أَلفاظِه ... فهي تُغْني الشَّرْب عن شُرْبِ العُقار وإِذا حدَّثْتَه عن وَصْلِه ... راح لا يلْقاك إلاّ بازوِرار قمرٌ قبَّلْتُ منه وَجْنَةً ... حَشْوُها ما شئتَ من ماءٍ ونار نالَ منه اللَّحْظُ ما نال به ... فهو فينا أَبداً طالبُ ثار تفِرس الصهباءُ منه فارساً ... بَدويَّ اللَّفظِ تُرْكِيَّ النِّجار وإِذا طاف بها تحِسَبُه ... بدرَ ليلٍ حاملاً شمسَ نهار وسعيدٌ مَنْ تقضَّي عُمْرُه ... بين كاساتِ رُضابٍ وعُقار في اصطباحٍ واغتباقٍ واقترا ... بٍ واغترابٍ وانتهاكٍ واستتار شغلتْه الراحُ أَن تُبْصِرَه ... واقفاً يندب أَطلال الديِّار نِعْمَ دُنْياه التي راح بها ... طرباً يعثر في فَضْل الإِزار فإِذا ماتَ التْقى من ربَّه ... رحمةً تُسْكِنه دارَ القَرار وقال من قصيدة: سَفَرَتْ فخِلْتُ سَوادَ مِعْجَرِها ... ليلاً تَقَنَّعَ جُنْحَه بَدْرُ برزت لنا يومَ الوَداعِ وقدْ ... بَهَرَ الكواعبَ حَوْلَها الخَطْر من كلِّ جائلة الوِشاح إِذا ... قامت وناءَ بِرِدْفها الخصرُ فكأَنها شمسُ الضُّحى طَلَعَتْ ... وكأَنهنّ كواكِبٌ زُهْر نَفِد الزّمانُ ولم أَنل أَرَباً ... مِنْ وصِلهم وتصرَّمَ العُمْر كم أَجتنى ثمر الوفا ويدي ... مِنْ فضلِ ما عَلِقَتْ به صِفر وإِذا الهوى عَذُبَتْ موارده ... للعاشقين فَحُلْوُه مُرُّ يا مَنْ جفا طَرْفي فأَرَّقَهُ ... وخلا بقلبٍ حَشْوُه جَمْر عاقِبْ بسلبِ سوى الرُّقادِ فلي ... إلاَّ على فَقْد الكرى صَبْر فلعلّ طيْفاً منك يَطْرُقني ... تحت الظّلام فيُحَمَد الهَجْرُ ومنها في المخلص: أَأَلُوم دهراً ما لِحادثِه ... نَهْيٌ عليّ ولا له أَمرُ أَم كيف أَشكو صَرْف نائبةٍ ... ونَوالُ نصرِ الله لي نصر وقال: كم يهتِك الدهرُ سِتري ثم أَسْتُرُهُ ... وكم يقابل إِقبالي بإِدبارِ

стр. 262

وكلّما رُمْت منه مَخْلَصاً قعدت ... بيَ العوائقُ بين الباب والدار ؟؟؟ السين وقال: يا مَنْ يَعيب عليَّ حُبَّ مُدَلَّلٍ ... تَرِفٍ بأَردية الجمالِ نفيسِ لا دَرَّ دَرّكُ هل أَصابك عارضٌ ... حتى رجَعتَ بصورة المَنْكوس قمرٌ عصْيتُ اللهَ من كلَفي به ... وتبِعت طاعة شيخنا إبليس ونقضتُ توبتيَ التي أَبرمتُها ... نقضاً أَباح مُحَرَّماتِ كؤوسي يسطو وتفرِسه المُدامةُ بغتهً ... فَفَديتْهُ من فارسٍ مَفْروس قد كان يعتقد المسيحَ ويرتضي ... عند الصّباح بضجةً النّاقوس ولَطالمَا حمل الصليبَ وَعظَّمَ ال ... هوت بالتسبيح والتقديس وأَتى على مَهْلٍ يَقُصُّ طرائق الإْن ... جيل بين شَمامسٍ وقُسوس كالبدر كالطّاووس إلاّ أَنه ... في الحُسن فوق البدر والطّاووس وبسينِ طُرَّتِه من التعويج ما ... في نُون حاجبه من التّقْويس يرضى ويغضب فهو في حالاته ... حُلْوُ التبَسُّم قاتلُ التعبيس إن زار نلتُ به المرادو إِن يَغِبْ ... فالذِّكر منه مُضاجعي وجَليسي وإذا رمى باللَّحظ قال قتيلُه ... والدَّمْعُ في الوَجناتِ غيرُ حبيس: لولاك يا سَقِم النواظر لم يكن ... ظبْيُ الكِناس يصيد لَيْثَ الخِيس وقال: يا قلْبُ على فِراقهم لا تاسا ... تُخْطي وتلوم في خَطاك النّاسا لو كنتَ زجَرتَ طَرْفك الخَلاّسا ... ما رُحْتَ لأَسْهُم الهوى بُرجاسا الشين وقال: كَمْ ذي جَلَدٍ حَشاه بالوَجْدِ حَشا ... مَنْ طَرَّز بالعِذار خدّاً ووشى سْطَرا شَعَرٍ كلاهما مُنْذُ نشا ... بالمِسْك على حديقِ وردٍ نُقِشا الصاد وقال: ما مِنْ أَحدٍ يَزيد إلاّ نَقَصا ... فارحم أَسفي وَداوِ هذي الغُصَصا لم تَلْقَ فُديتَ مثلَ قلبي قَنَصَا ... الشوقُ أَطاع فيكَ والصبرُ عَصى الضاد وقال في حب أهل البيت ﵈: ويدٍ بآلِ مُحّمدٍ عَلِقَتْ ... مِنّي فلستُ بغيرهم أَرضى جعل الإلهُ عليَّ حُبَّهُمُ ... وعلى جميع عباده فَرْضا فأَثارَ ذلك مِنْ زنادقةٍ ... حَسَداً فسَمَّوْا حُبَّهْم رِفضا وعَجِبْتُ هل يرجو الشَّفاعة مَنْ ... ينوي لآلِ محمدٍ بُغْضا وقال في صديقٍ له مرض وشفي: تَمَرَّض الجُودُ لمّا اعتادك المَرَضُ ... وأَصبح الدّهرُ للعلياء يعترِضُ أَضحى قذًى في عيون المكرُمات كما ... أَمسى يُرى وهو في أَحشائها مَضَض مَهْلاً شقيقةَ نفسِ المجد كلُّ أَذىً ... بالأَمس أُبْرِم عاد اليوم ينتقِض سهمٌ رمته الليالي وهي غافلةٌ ... فما تمكَّنَ حتى فَلَّه الغَرَض وقال رباعية: يا مَنْ سلب الفؤادَ أَين العِوَضُ ... أَصْمَيْتَ وقلّما أُصيب الغَرَضُ إِن كان بكيده لك المُعْتَرِض ... فالجَوْهر أَنت والأَنام العَرَض الظاء وقال من قصيدة: يا مُسْعِراً بالعَذْل أَثناءَ الحَشا ... عذلاً أَضرَّ على الجوانح مِنْ لَظى ما الوَجْدُ إلاّ أَنْ تُقَبِّلَ مَبْسِماً ... خَصِراً فيوسعَ نارَ شوقك مُلْتَظى ما نام عَزْمي عن مُعاودةِ السُّرى ... إلاَّ وجدتُ من الصَّبابةِ مُوقِظا ومنها في المدح: جمع المَهابَة في طلاقة وَجْهه ... كَمَلاً فكان الحازِم المُتَيَقِّظا وثَنا نداه له ثَنايَ فلن أُرى ... يوماً بغير مديحه مُتلِّفظا وقال في الغزل: ومُهَفْهفٍ جعل الغرامُ مَحله ... قلبي فخِفْتُ عليه حَرَّ شُواظِه

стр. 263

قمر هجرتُ لهجره سِنَةَ الكرى ... وسئمتُ من بصري ومن إيقاظه تخشى القلوبُ عليه فاترَ طَرْفِه ... فكأَنهنّ نَفَرْنَ من أَلحاظه ما شِمتُ وَجَه البدر من أَعطافه ... حتى جَنَيْتُ الدُّرَّ من أَلفاظه هذا الذي لمّا استمال قلوبَنا ... قامتْ بخالص ودّه وحِفاظه العين وقال: وَصَلَ الكتابُ فما فضَضتُ خِتامَه ... حتى تأَرَّجَ طِيبُه وتضوَّعا كالرَّوض إلاَّ أَنّ وَشْيَ سُطوره ... أَسنى ندًى عندي وأَحسنُ مَوْقِعا فأَزَرْتُ منّي الطرفَ أَحسنَ ما رأَى ... منشورُه والسمعَ أَطيبَ ما وعا الغين وقال: ولقد سَنَحْنَ لنا بِحْمصَ جآذِرٌ ... عُقِدَتْ ذوائبهن بالأَرْساغِ وما بالهم حُجِبتْ عقاربُ أَرضهم ... وقتْلَننا بعقارب الأَصداغ الفاء وقال: أَسيرُ حُزْنٍ كَلِفُ ... نِضْوُ سَقامٍ دَنِفُ لم يَخْلُ جَفْنُ عينه ... من عبراتٍ تَكِف قد فعل الحبُّ به ... أَكثرَ ممّا أَصف بين ضلوعي كَبِدٌ ... حَرّى وقلبٌ يَجِف والنفسُ بالذُّلِّ لكمْ ... مُقِرَّةٌ تعترف كأَنّ قلبي كُرةٌ ... يخطَفها مُخْتَطِف أَصرِف همّي بالمُنى ... لو أَنه ينصرف والحبّ لا يعرفه ... إلاّ المُحبُّ الكَلِف يعلمُ مَنْ يظلمني ... أَنّيَ لا أَنتصف سَقْياً لأَيِام مضتْ ... وليس منها خَلَف وعيشنا مجتمعٌ ... وشَمْلُنا مُؤْتَلِفُ وقال: أَنت لي غيرُ مُنصِفِ ... يا كثيرَ التَّعَسُّفِ يا هِلالاً مُرَكّباً ... في قضيبٍ مُهَفْهَفِ أَنت ناري وجَنّتي ... وطبيبي ومُدْنِفي أَنت يا قاتلي بسف ... ك دمي غيرُ مُكْتَف وعلى العهد لا تدو ... م وبالوعد لا تفي وإذا زُرْتَ بان في ... ك دليلُ التَكَلُّف والذي بان مِنْ غرا ... مِيَ بعضُ الذي خفِي أَنت غرَّرْتني بصَفْ ... حة خّدٍ مُزَخْرَف وَجْنَةٌ مثل ما يُصَفَّ ... ق ماءٌ بقَرْقَف فمتى يكمُلَ العِذا ... رُ عليها وأَشتفي وقال من أخرى يمدح بها معين الدين انر بدمشق سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة: وكم ليلةٍ عاطانيَ الراحَ بدرُها ... ونادمني فيها الغزالُ المُشَنَّفُ ومنتَقش بالمِسْك وَشْيُ عِذاره ... كما انتظمتْ في جانب الطِّرْس أَحرفُ وقد يتبادى لفظُه وهو أَعجم ... كما يتقاوى خَصْرُه وهو مُخْطَف أَدقّ من المعنى الغريبِ وفوقه ... أَرقُّ من الماء المَعين وأَلطف معانٍ من الحسن البديع كأَنها ... خِلالُ مُعينِ الدين تُتْلى وتُوصف ومنها في المدح: ومُسْتَصِغْرٍ في الله كلَّ عظيمةٍ ... ولو أَنه منها على الموتِ مُشْرِفُ كأَنّ الملوك الغُرَّ حول سريره ... نجومٌ على شمس الظهيرة عُكَّفُ ومنها: فإن تَلْقَهُ تَلْقَ ابنَ هيجاءَ دهُره ... يريك عِنان الدَّهر كيف يُصَرَّف سَخِيٌّ جَرِيٌ لَوْذَعِيٌّ كأَنه ... إِذا ما بدا، غَيْثٌ ولَيْث ومُرْهَف ومنها: وقد هتف الداعي إلى الحمد باسمِه ... وقام مُنادى النصر باسمك يهتِفُ تألَّفَ شَمْلُ الدين عندك والعُلى ... وشَمْلُ العِدى والمال لا يتأَلَّف القاف وقال من قصيدة: أَبَتْ عبارت العَيْن بعدك أَن تَرْفا ... ولوعُة ما بين الجوانح أَن تُرْقى أَعُدُّ لقاء الحتف من بعض ما أَرى ... ويَصْغُر عندي الخطبُ في جَنْب ما أَلقى

стр. 264

ويخِطُر في معنًى البانِ منكمُ ... فأَبكى وأَستبكي حمائمَه الوُرْقا ومنها: ووَجْدٍ إلى يوم الفراق شَكَوْتُهُ ... فلا لانَ لي قلبُ الفِراق ولا رَقّا وَلِمْ فرّقوا بين المَنّيِة والنَّوى ... ولم يجدوا في الفعل بينهما فَرْقا أَأَحبابنا واللِه ما رُمت عنكم السُّ ... لُوَّ ولا عَوَّدْتُ حُبَّكم المَذْقا ولا لمحتْني مُقلةُ الشوق قائلاً ... لحادثِة الأَيام بعدكمُ: رِفقا ومنها: وأَذكر أَيام الوِصال وطيبَها ... وتلك الليالي البيضَ والزمنَ والطَّلْقا فأَلزَمُ أَحشاءً أقام بها الجوى ... وقلباً أَبى إلا الصَّبابَة والخَفْقا وما كنتُ أَبقى ساعةً لا أَراكمُ ... ولكنّ دهراً سدّ دوَنكُمُ الطُرْقا فصِرْتُ إذا ما ازدَدْتُ شَوقاً إِليكمُ ... أُعِّللُ قلبي بالخيال الذي يلقى وقال في جواب كتاب ابن منير الشاعر وشعره على الوزن والقافية: بعثتَ الكتابَ فأَهلاً به ... يَسُرّ النواظرَ تنميقُهُ لئن أَخْجَلَ الرَّوْضَ مَوْشِيُّه ... لقد فَضَحَ الدُرَّ مَنْسوقه غريبُ الصناعة تجنيسُه ... نفيسُ البِضاعة تطبيقه ومنها: وواصلني بعد طول الجفا ... كما وصل الصَبَّ معشوقُه فزايلَ جفنيَ تأريقُهُ ... وعاود غُصْنِيَ تَوْريقه وَبِتُّ أُراقب مَسْطورَه ... كما راقب النجمَ عَيّوقُه فلمّا بدتْ ليَ أَلفاظُه ... تستّرَ فِكري وتلفيقه وكاسدُ نقصيَ أَخشى يُرا ... م في سوق فَضِلك تنفيقه أَما خاف يُهْتَك مَسْتوره ... أَما خاف يظهر مسروقه وقال من أخرى: صدَقوا ما لأَنْفُسِ العُشّاقِ ... قَوَدٌ من قواتِلِ الأَحداقِ ومنها: أَنت صَبٌّ وتلك أُولى المطايا ... فامزُج الدَّمعَ بالدم المُهْرَاَقِ يا مريضَ الجُفون إنّ سَقام الْأع ... ين النُّجْلِ صِحَّةُ العُشّاق شغلتني الأَيام أَن أتلقَّى ... زائراً من خيالِكَ الطَرَّاق ومنها: يا رعى اللهُ سالِفاتِ الليالي ... بالحِمى والزمانُ حُلْوُ المَذاقِ وسقاها مُنْهَلُّ دمعي إِذا لم ... يَجْرِ دمعُ السّحابة الغَيْداقِ ومنها: لستُ مِمّنْ يَثْني على كبدٍ حرّ ... ى يداً منه أو حشًى خفّاقِ كَذَبوا هلْ رأَيتَ مُهْجَةَ صَبٍّ ... قطُّ تجري في إثِر دمَعٍ مُراق إنّما الوجد أَن تَرَدَّدَ نفسُ المَ ... رءِ شوقاً بين الحَشى والتراقي ولهذا أَبيت أَرتقب الطَّيْ ... فَ وأَشتاقُ بَرْقَ أَهل البُرِاق وقال من قصيدة: مُتَيِّقظ لولا تضرُّم بأسه ... كاد الوشيج على يَدْيه يُورِقُ لو لم يَشُبْ فَرْطَ الشجاعة بالنَّدى ... لأَثار من سَطَواته ما يُحْرِق وقال: هل لك من داءِ الفِراق إِفراقْ ... يا صاحبَ القلبِ الشديد الأَشواقْ إيّاكَ والطَّرْفَ الكثير الاعلاق ... فإنِه آفةُ قلبِ المشتاق ومنها: أَهْيَفُ القامة حُلْو الَأخلاقْ ... له إِذا مال الكرى بالأَعناقْ حِجْلٌ صَموتٌ ونِطاق نطّاقْ ... والله لو عيشٌ صفا لي أَو راقْ ما قلت من أَجل غُصون تُشْتاق ... لها من الَجْعدِ الأَثيثِ أَوراق هلْ من طبيبٍ لسَقامي أَوْ راق الكاف وقال من قصيدةٍ يمدح بعض الأمراء، ويلقب ببدر الدولة: بكتِ الخُطوبُ وثغرُ مجدك ضاحكُ ... ونبا الحُسامُ وسيفُ عزمك باتِكُ يا ابن الأُلى اغتصبوا الممالك بالقَنا ... وإلِى العُلى لهمُ الطريقُ السالك

стр. 265

ولقد عِجَرْتُ عن الهناء بدولةٍ ... نحن العبيدُ لها وأَنت المالك عربّية الأَوصاف ذات مكارمٍ ... جُبِرَ الكسيرُ بها وعاش الهالك عجميّة قُرِنتْ بخيرِ مُتَوَّجٍ ... زُفَّتْ إليه مدائحٌ وممالك ملكٌ إذا برَقتْ أَسِرَّةُ وجهه ... ضَحِك المُقَطِّب واسنتار الحالك فكأَنه فوق الحشّية جالساً ... أَسدٌ على مَتْنِ الفريسة بارك فيغارُ منه البدرُ وهو سمُّيهُ ... ويخاف فَتكته الشجاع الفاتك ومنها: فاسلم فما لكَ في الشّجاعة والنَّدى ... مِثْلٌ ولا لك في الجَمال مُشاركُ وسَقَتْكَ غاديةُ الشّباب كما سقى ... راجيك صَوْبُ نَوالك المُتدارِك فنداك مبذولٌ ومدحك سائر ... وحِماك ممنوع وطيبك صائكُ وقال من قصيدة أخرى: سرى مَوْهِناً واستكْتَمَتْهُ المهالكُ ... حبيبٌ أضاء الليلَ والليلُ حالكُ ومنها: وكم من قَوامٍ في الأَكلّةِ مُرْهَفٍ ... يُضي له بدرٌ ويرتجّ عانكُ من اللاءِ لا تلك الزيانب تنتمي ... إِليها ولا تلقاكَ منها العواتك تصُدُّ الفتى عن قلبه وهو حازمٌ ... وتَثْنيه عن سُبل الهدى وهو ناسك كأَن ضنى أحداقها وخُصورها ... تقاسَمَه عُشّاقُها والبواتك ومنها في المخلص: ويهماءَ باتتْ كالقِسِيِّ ضوامراً ... من الأَيْنِ فيها اليَعْمَلاتُ الرّواتِكُ وأَصبحْن من جذب البُرِين حواكياً ... أَِزَّمَتُهَّن المُسْنَماتُ التَّوامِك ولما أَحسّتْ أَنها من قواصدِ ... نَدى بنِ عليّ لم تَرُعْها المَهِالك ومنها: لقد جادَ لي حتى توهَّمتُ أنَني ... له في الذي تحوي يَداه مُشارِكُ وخَوَّلني فوقَ الذي كنتُ آمِلاً ... فعُدتُ ونظمُ الشعر للجودِ مالك فلا ناكبٌ عن سُبل ما أَنا قائلٌ ... ولا آخِذٌ إلاّ لما أَنا تارك ومنها في صفة الحرب: إذا اليومُ أَذْكى نارَ حربٍ تصافحتْ ... بساحته هامُ العِدى والسَّنابك وللشمس لأَلاءٌ يلوح كأَنّهُ ... على البِيَض من تحت العَجاج سبَائك وتُضْحي عِتاقُ الأعَوْجِيّاتِ ضُمَّراً ... يَعِلُ دماً منها القنا المُتشابك لها لُجُمٌ زُرْقُ الأسنَّةِ في الوغى ... فهنَّ لأطراف العوالي عَوالِكِ إذا صادفتْ جَلْداً من الأَرض رفَّعتْ ... بأَيدٍ وفيها أَوجهٌ وترائك وضاقت خُروق الأَرض وهي فسيحةٌ ... عليها وما ضاقت عليها المعارك لِيَهْنِ المعالي والعوالي وما حوَتْ ... سُروج المَذاكي منكمُ والممالك تزولُ الجِبال الصُّمُّ وهي رصينةٌ ... ومجُدكمُ باقٍ على الدهر آرِك لك العيدُ لا بل فيك للعيد رؤيةٌ ... أتيناك نستجدي بها ونُبارك وأَنت أَمَتَّ البخل وهو مُخَلَّدٌ ... عطاءً وأَحْيَيْتَ النَّدى وهو هالك وَجُدْتَ ولم تُسأَل وغيرُك واهبٌ ... إِذا سيل من دون العَطِيَّةِ ماحِك وقال من أبيات: مُلِّكوا حتى إِذا مَلَكوا ... أَخذوا فوق الذي تركوا ما على الأحباب إِن تلِفت ... مُهجتي في حُبِّهم دَرَكُ عاقَبوني بالجفا ويدي ... بذُيول العفوِ تَمْتِسك هتكوا سِتر الوِصال فوا ... حَرَبا من عُظِمْ ما هتكوا وطريقُ الحبّ واضحةٌ ... فلماذا غيرَها سَلَكوا ثم عادوا بالوِصال كما ... عاد بدرُ الدولة الملك اللام وقال من قصيدةٍ أولها: متى نَجَعَتْ في لوعتي وبلابلي ... نميمةُ واشٍ أَو نصيحةُ عاذلِ

стр. 266

وحسبُ الهوى أَني إذا رُمتُ نُصرةً ... من القلب لَبّاني بِنِيَّةِ خاذل كأَنّ نسيماً من صَباً وشمائلٍ ... أَلمَّ بمعشوقِ الصِّشبا والشمائِل فرنَّح في ثوب المَلاحة قَدَّه ... تَرَنُّحَ خُوطِ البانَةِ المُتمايل ولمّا رمى باللَّحْظِ قلتُ لِجَفْنِه ... أخَلْفَك طَرْفٌ أَم كِنانُة نابِل وما هي إلاّ مُقْلةٌ رَشَيِئَّةٌ ... أَصاب بها طَرْفي خَفِيَّ مَقاتلي ومنها: وإنّ بقاء النفس بعد فِراقه ... دليلٌ على أَنّ الهوى غيرُ قاتل ومنها في المدح: وكمْ قائلٍ لمّا فَضَضْتُ حقائبي ... لَدَيْكَ وسارتْ في عُلاك عقائلي أَأَنتَ الذي صُغتَ النجوم قِلادةً ... ليَلْبَسَها في الحفل شَمْس الأَفاضل وللهِ أَخلاقٌ إذا شئت أَنتجتْ ... فصاحَة قُسٍّ من فَهاهِة باقِل سعى الدّهر في هضمي فلما كفَلْتني ... إِليك تناهى في نُموّ فضائلي فها أَنا منه بين شاكٍ وشاكرٍ ... وَجُودُك فيه خيرُ كافٍ وكافل ومنها في التهنئة بالعيد ووصف الهلال: وقد زارك العيدُ الذي أَنت عيدُه ... بأَبلجَ في بيتِ السّعادة نازِل براه إِليك الشَّوقُ حتى أَصاره ... بِفَضْلَة جِسمٍ كالقُلامِةٍ ناحل وقال من أبيات في ممدوحٍ اسمه عبد الله: وحقِّ نصف اسمه الأَخير لقد ... كنتُ له قديماً كأَوَّلِه لا تُولِني من نَداك فوق مَدى ... شُكري فتوهي قِوُى مُحَمَّلِه وقال: ما لِمَنْ مَلّني ولي ... ساءه قَوْلُ عُذَّلي لَيْتَه بالذي بُلي ... تُ به في الهوى بُلي يا خَليلَّي والمَلو ... لُ كثيرُ التنقُّل آه من سَطوة الحبي ... ب وفَرْطِ التَّدلُّل وقال في غلامٍ مُغرى بالبدال: ومُغْرَمٍ بالبِدال قلتُ له: ... صِلْني فكان الجواب: لا أَفعلْ كأَنّه والذي يديم له النّع ... مة مني يخاف أن يَحْبَل لو قيسَ بالرُّمْح قَرْنُ والده ... لكان منه بمثله أَطْول يأتي ويؤتى إذا مخافة أَن ... يقالَ هذا عليه قد أفَضْل فهو قليل الخلاف لو شئت أَن ... يبِذُلَ عَشْراً بالفَرْد لم يَبْخل لا يعرِف الغدرَ بالحَريف ومِنْ ... عادته أَن ينام في الأوّل لكلِّ مِيلٍ بِعَيْنِه أَثَرٌ ... وكلُّ عَيْنٍ بِمِيله تُكْحَل أَحسن ما كان رامحاً يَقِص الْأب ... طال حتى رأَيته أَعزل يكون من فوقُ راكباً فإذا ... تمَّ له الدَّسْتُ صار مِنْ أَسفل ومنها: فاغتنِم الوقتَ قَبْلَ ينبُت في ... خدَّيْك ما لا يُحَشَّ بالمنِجْلَ فاستعِمِل النَّتْفَ ما استطعت فما ... أَقبحَ زَرْعَ اللِّحى إذا سَنْبَل وإنّ وجهَ الإقبال عنك إذا ... وَلى رأَيت التَّعذير قد أَقبل الميم وقال من قصيدة: سقاني على عَينْيه كأْسَ رُضابِه ... فأَسكرني أَضعافَ سُكرِ مُدامِه وَأحسسُت قلبي بِداراً إلى الهوى ... فقلتُ له كُنْ منهما في ذِمامه وما كنتُ أدري أَنّ خَمّار طَرفِهِ ... يُرَوِّق لي ما خَلْف دُرِّ لثِامه هبوه أَعار الشمسَ ضوءَ جَبينه ... فمِنْ أَين للخَطِّيِّ حُسْنُ قَوامه وإِن أنَتمُ أَنكرتمُ أَنّ قَدَّه ... تَقَلَّدَ مِنْ عينيه مثلَ حُسامه فلا تنكروه إنّ حِلْيَةَ جِيده ... مُفَصَّلةٌ من ثَغْره وكَلامه ومنها: كأَنّ العيون النُّجْلَ قاسَمْنَه الهوى ... لأِنْ عليها مَسْحةً من سَقامِه ومنها في المدح: فتىً لم تزل أموالُه وعُداتُه ... على خَطَرٍ مِنْ بَذْله وانتقامِه

стр. 267

ولو خاف مَنْ يسري إلى ظِلِّ مجدِه ... ضَلالاً لنَاداه النَّدى مِنْ أَمامه ولم أَكْسُه دُرَّ المديح وإِنما ... أَعرتُ نجوَم الليلِ بَدْر تَمامِه وقال ملغزاً بالسفرة: وجائِلة الوِشاح تُريكَ وَجْهاً ... جِنانِيَّاً تكوّن في الجحيمِ فتاةُ السِّنِّ صاحَبَها كثيراً ... سَراةُ الناس في الزمن القديمِ وكم جعل النِّطاقُ لها عِناناً ... تُقاد به إلى دار النعيم حياةٌ في البِعاد وفي التداني ... وأُنسٌ للمُجالس والنديم تجيء إِليك مُفْعَمةَ النّواحي ... وترجِع وهي ذاتُ حَشاً هَضيم وأَحسن ما تكون إِذا أَتتْنا ... أَناةَ الخَطْو حالِيَةَ الأَديم وقد كتبتْ أنَاملُنا عليها ... أَساطيراً مُلَوَّنَة الرُّقوم إِذا هي أَقبلت تسعى إِلينا ... رأَيت الشمسَ تُحْمَلُ بالنّجوم وقال في القطائف: ومجدَّرٍ عذُبَتْ مَراشفُ ثَغرِه ... فغدَوْتُ أَلِثَمُها ولستُ بآثمِ مُترقِرقٌ ماءٌ الجمالِ بوجهه ... أَندى وأَكرم راحةً من حاتِم يبدو فتمَحقُه الأكفّ تَناولاً ... وهو الحبيب إلى نفوس العالَم قَسَماً به وبما تجنّ ضُلوعُه ... يا خيرَ من جُذِبت إِليه عزائمي ما كنتُ قبل نَداك أَلمحُ شخصه ... إلاّ بأَعيادٍ لنا ومواسم ومنها في المائدة والسفرة: ورأيَتُ في دارِ الحبيب وصيفةً ... كالشمس تُحْمَل وهي ذاتُ قوائمِ وكثيرة الأَحداق تحت وِشاحها ... شمسُ الظهيرة في عُقود الناظم ولربّما جاءتك بينَ وَصائفٍ ... نَقَّطْنَ دائرَ وجهها بدراهم وقال من قصيدة يمدح بها أتابك زنكي بن آقٍ سنقر، أولها: بعزمك أَيها الملكُ العظيمُ ... تَذِلُّ لك الصِّعابُ وَتستقيم إِذا خَطَرتْ سيوفُك في نفوسٍ ... فأَوّلُ ما يفارقها الجُسوم ولو أَضمرتَ للأَنواءِ حَرْباً ... لما طَلَعْت لهَيْبَتِك الغيوم أَيَلْتَمِس الفِرنج لديك عَفْواً ... وأَنت بقَطْع دابِرِهِا زَعيم وكم جَرَّعْتَها غُصص المنايا ... بيومٍ فيه يَكْتَهِل الفطيم فسيفُك من مَفارِقهم خَضيبٌ ... وذِكْرُك في مواطنهم عظيم وكلُّ مُحَصَّنٍ منهم أَخيذٌ ... وكلُّ مُحَضَّنٍ منهم يَتيم ولمّا أَنْ طلبتَهُمُ تمنَّى المَنِيّ ... ة جُوسَلِينهُم اللئيم أَقام يطوّف الآفاق حيناً ... وأَنت على معاقله مُقيم فسار وما يُعادِلُه مَليكٌ ... وعاد وما يُعادلِهُ سَقيم أَلم تَرَ أَنّ كلب الروم لمّا ... تَظَنَّن أَنك المَلِك الرحيم فحينَ رَمْيَته بك في خميسٍ ... تيّقن أنّ ذلك لا يدوم كأَنّك في العَجاج شِهابٌ نورٍ ... تَوَقَّدَ وهو شيطانٌ رجيمُ أَراد بَقاء مُهْجته فَوَلَّى ... وليس سوى الحِمام له حَميم يؤمِّلُ أَن تجودَ بها عليه ... وأَنت بها وبالدُّنيا كريم رأَيتُك والملوكُ لها ازْدحامٌ ... ببابك لا تزول ولا تَريم تُقَبِّل من رِكابك كلَّ يومٍ ... مكاناً ليس تبلُغه النُّجوم تَوَدُّ الشمسُ لو وَصَلْت إِليه ... وأَين من الغَزالة ما تروم أَردتَ فليس في الد؟ ُّنيا منيعٌ ... وجُدْتَ فليس في الدُّنيا عديم وما أَحْيَيْتَ فينا العدل حتى ... أُمِيتَ بسيفك الزَّمن الظَّلوم وصِرتَ إلى الممالك في زمانٍ ... به وبمثلك الدُّنيا عقيم تزَخْرَف للأَمير جِنانُ عَدْنٍ ... كما لِعِدَاه تَسْتَعِرُ الجحيم أَقرّ الله عينك من مَليكٍ ... تُخامِرُ غير هِمّته الهموم

стр. 268

فلا برِحت لك الدُّنيا فِداءً ... ومُلْكك من حوادثها سليم وإن تَكُ في سبيل الله تَشْقى ... فعند الله أَجرُك والنّعيم وقال من أخرى في الشيب: ومُرْتَدٍ بقِناعِ الشّيْبِ جاذَبَهُ ... من أَطْيَبَهْ عِنانَ اللَّذة القِدَمُ قضى ولم يَقْضِ من عَصْر الصِّبا أَرَباً ... كأَنّما هو في أَجفانه حُلُم ومنها: لو كنت أَعلم أَنّ الدهر يَعْقِبُنُي ... بُؤسي لما اختَرتُ أَنْ تُهدي ليَ النِّعَم وحاسدٍ سرّه أَني ابتدأتُ به ... لما تيقَّن أَني منه مُنتقم لقد سعى طالباً نَقْصي فزِدتُ به ... فضلاً وكان دليلَ الصِّحةِ السَّقَم النون وقال من قصيدة يهني بالبرء: زعموا أَنك اعتللتَ وحاشا ... ك وقالوا زلَّتْ بك القَدمانِ كذَبَ الحاسدون ما بك داءٌ ... غيرَ بَذْل اللُّهى وعِشق الطِّعان وقال من أخرى: أَلزمتَ طَرْفَك حِفظَ قلبك ضِلَّةً ... لقد ائْتمنتَ عليه غيرَ أَمين لا تُنْكِرَنَّ عليّ فَيْضَ مَدامعي ... فالدَّمعُ يَنْقَع غُلَّة المحزون بَخِل الغَمامُ وما حَلَلْت بمَعْهدٍ ... إلاّ حللتُ عليه عَقْد جُفوني ومنها: وبمهُجتي يا صاحبيَّ مُدَلَّلٌ ... أَنا بالحياة عليه غيرُ ضنين وأَبيك لو تُسْقى المُدامَ وريقَه ... لجهِلتَ أَيّهما ابنة الزَّرَجون وقال من قصيدة في مدح نور الدين محمود بن زنكي ﵀: قِفْ حيث تُخْتَلَس النفوسُ مُهَابةً ... ويَغيض من ماء الوجوه مُعينُه فمن المُهنَّدِة الرِّقاق لَبوسُه ... ومن المُثقفة الدِّقاق عرينه تبدو الشجاعُة من طَلاقِة وَجْهه ... كالرُّمْح دَلّ على القَساوةِ لِينُه ووراء يَقْظته أَناةُ مُجَرِّبٍ ... لله سَطْوةُ بأْسه وسُكونه هذا الذي في الله صحّ جهادُه ... هذا الذي في الله صحّ يقينه مَلَك الورى مَلِك أَغرُّ مُتَوَّجٌ ... لا غدرُه يُخْشى ولا تلوينُه إن حلّ فالشَّرفُ التليد أَنيسُه ... أَو سار فالظفرُ العزيز قرينه والدّهر خاذِلُ من أَراد عِناده ... أَبداً وجَبّارُ السّماء مُعينه والدّينُ يَشْهَدُ إنّه لَمُعِزُّه ... والشِّرْك يعلم إِنّه لَمُهِينه وقال من أخرى: أَما ومكانِ خَصْرك من قَوامٍ ... ضعيفٍ عن مُعاقرةِ التثنّي لقد أَجللتُ وجهكَ أَن يُباري ... ببدرٍ في الدُّجُنَّةِ مُرْجَحِنِّ وَهَبْكَ أَعرتُ فيك العَذْلَ سمعي ... أَيدري العَذْلُ أَين هواك منّي أَبَعْدَ البُعْدِ أَطمعُ في التّواني ... وبعد الوصل أَقنع بالتمنّي وقد هتك العَواذِلُ فيك سِتري ... وأَخْلَفَتِ المَواعِدُ فيك ظنّي وقال من أخرى: مُدامي من مُقَّبِله ... ومن صُدْغَيْه رَيْحاني تكاد الرّاح تُطْلِعه ... على سِرّي وإِعلاني أَلا لله ليلَة با ... ت يأْمرني وينهاني وواظمأي للذّةِ ما ... قُبيل الصُّبح سَقّاني وذي مَرَضٍ بمُقلته ... صحيح اللحظ وَسْنان أَقَرِّبه فيُبْعِدني ... وَأَطلُبه فيأباني وكم يَجْني فأَعْذِرُه ... ويزعم أَنّيَ الجاني أُمُتّهمي بما قد قيل ... من زُورٍ وبُهتانٍ سعى دمعي بسفك دمي ... وهَتْكي سِرَّض كتمِاني فلا واللِه ليس الغدْ ... رُ في حُبِّيكَ مِن شاني وقال: باكِرا شمسَ القناني ... تُدْرِكا كُلّ الأَماني وخُذا في لذّةِ العْي ... ش على رغم الزمان من عُقارٍ تبعث النَّجْ ... دَةَ في قلب الجبانِ

стр. 269

قهوة أَلبسها المز ... جُ قميصاً من جُمان فهي من أَبيضَ صافٍ ... لاح في أَحمرَ قان كخُدودِ الوَرد من تح ... ت ثُغور الأُقْحُوان عاصِيا الخَلْقَ إِذا الخْل ... قُ عن الغَيِّ نهاني وإِذا الله إِلى الرُّشْ ... د دعاني فَدَعاني إنّما البُغيةُ أَن أُصب ... ح مخلوعَ العِنان ساجداً في قِبلة الكأْ ... س لتسبيح المثاني حيث لا يعلم دهري ... أَبداً أين مَكاني وتكاد الكأْس أَن تخ ... ضِب أَطراف البَنان يا غزالاً شرِبَ الرّا ... حَ ثلاثاً وسقاني آه للرّيق الرَّحيق ... ي على الثَّغْر الجُماني ولِطَرْفٍ هتكتْ أجفانُ ... هـ سِتْرَ جِناني ليس يا قُرَّةَ عيني ... لك في العالم ثان قمرٌ بان لنا في ... غُصُنٍ ليس ببان جَلَّ من أَهبط ذا الحُو ... رِيَّ من دار الجِنان وأَرانا البدر من جي ... ب القَباء الخُسْرواني فتعالى الله ما أحس ... نَ هذا التُّركُماني وقال من قصيدة: ومن الحبائب في الرَّكائب هاتِكٌ ... بجبينه ظُلَمَ اللّيالي الجون ما شامَ صارمَ جَفْنه وجُفونه ... إِلاّ لسفك دمي وماءِ جفوني هتك الظلامَ وسار من أَترابه ... في الرَّكب بين أَهِلَّةٍ وغصون يَبْيرن أَفئدةَ الرّجال بما حَوَتْ ... أَعطافُهنّ وليس من يَبْرين ومنها في المدح: ولقد بَلَوْتُ خِلالَه فوجدتُه ... لَدْنَ المَهَزَّة شامخ العِرْنين يُنْبيك عن وَثباتِه وثَباتِه ... ما عنده من يَقْظة وسكون الواو وقال في جواب أبياتٍ لابن منير، من أبيات: لو كان إِبليس قبلُ لاح له ... آدمُ من نقش فصِّكِ الغروي لَخَرَّ ما شئتَ ساجداً وَعَنا ... للهِ طَوْعاً وكان غيرَ غَوِي والدّهرُ قد ماتَ منهُ حادثُه ... خَوْفاً فأَنىّ يكونُ غيرَ سَوِي الهاء وقال من قصيدة: حَتْامَ أَنتَ عن الذي بك ساهِ ... وإِلامَ قلبُك بالصَّبابِة لاهي ومنها: لِلّه أَيامُ الوِصال فإِنّها ... أَمَلُ النّفوس وطيبُ لَهْوِ الّلاهي أَيّام صُحْبَتِناالمِلاحَ ودأْبُنا ... فيها اعتناقُ ظِبا ورَشْفُ شِفاه وَمَهاً تُضاحكها البدور مَلاحَةً ... معدومة الأَمْثال والأَشباه من كلِّ فاتكة اللِّحاظِ إذا انثنت ... فتكتْ بقلب الخاشع الأوّاه ومنها في المخلص: وَتَعَمَّدَتْني النائباتُ ولم تزل ... حَتى انتصرتُ بنصر نصِر الله ومنها: ما زلتَ تلهو بالمَكارِم واللُّهى ... حتى ظَننّا أَنّهن مَلاهي وإِذا تناهى جُودُ كلِّ مُتَمّم ... فنوالُ كفِّك ليس بالمُتناهي كم مِنْ ندًى خلفي الغَداةَ نَبَذْتُه ... وأَرى نوالك لا يَزال تَجُاهي يا مَنْ إذا مَطَرَتْ سحائبُ جُودهِ ... جاءت بلا مَطْلٍ ولا استِكْراه ما زِلتُ أَفُتِك بالزمان بِعِزِّ ما ... أَوْلَيْتَنيه وللكرام أُباهي ومنها: فاقبل به دَعْوى ابنة الفكر التي ... جاءتك في ثَوْبَيْ حِجىً وتَناهى لا تُشْتِمَتنَّ بها الحَسودَ فإنها ... ذهب القلوب وجوهر الأَفواه أَلبستُها دُرَّ المديح قِلادةً ... فاضمن لها بلِباس ثَوْبِ الجاه ابن رواحة الحموي الفقيه أبو علي الحسين بن عبد الله بن رواحة، ذكر أنه من ولد عبد الله بن رواحة صاحب النبي ﷺ وشاعره الذي يقول: وفينا رسولُ الله يتلو كتابهَ ... وقد لاح مفتوقٌ من الصُّبْح طالعُ

стр. 270

يَبيت يُجافي جَنْبَه عن فِراشه ... إِذا اسْتَثْقَلَتْ بالمُشركين المَضاجِع لقيته كهلاً، لكل فضيلةٍ أهلاً، وهو مقيم بحماة للاحتساب، وإقراء فقة الشافعي والآداب، شعر ابن رواحة روح الشعر، وروح السر، وريحان أهل الأدب، وراحة ذوي التعب، معنى لائق، ولفظٌ رائق، ورويٌ شائقٌ، وكلام فائق، وأسلوب موافق، سمح الغريزة، سهل النحيزة، معسول الكلم، مغسول الحكم، لا يتكلف صنعةً، ولا يتعسف صيغةً، ولا يركب إلا الذلول، الذي يسلب العقول، إن أقصد، بلغ المقصد، وإن أقطع أحسن المطلع والمقطع، وإن نسب أهب نسيم النسيب متأرج الريا، وإن تغزل شبه بالغزالة والغزال الحبيب المتبلج المحيا. رأيته في سني صحبتي لنور الدين يتردد في كل سنةٍ ويمدحه، وهو بتشريفه وبجائزته يمنحه، وكان ينشده قصائد فيما يتفق من الوقائع، وينشد لديه مقاصد بما يتسق له في تلك الصنائع، وسافر إلى مصر في زمان الصالح ابن زريك، فنفقت بضائع رجائه في سوق الرواج، وظفر داء أمله عنده من دواء النجح بالعلاج. ولما أراد الرجوع إلى الشام ركب البحر إليه، فقطع فرنج صقلية الطريق عليه، وحملوه إليها أسيراً، وأقام هناك في الأسر كثيرا، حتى توصلب بسحر الشعراء إلى حل عقدته، ونشط عقلته، وعاد إلى حماة في حمى من السلامة منيع، وذرى من الكرامة مريع، وجعل نور الدين له من إنعامه إدراراً يكيفيه، وكان يقبله ويقبل عليه ويروي فيه، أنشدني لنفسه في قلعة حلب سنة ثلاث وستين في ذي الحجة: يا ماطلاً لا يرى غَليلي ... لديه ورداً سوى السراب تَعَلَّمَ الطَّيْفُ منك هجري ... فلا أَراه بلا اجتناب كم كتبَ الدَّمعُ فوق خدي ... إِليك شكوى بلا جواب أَغلقتَ باب الوِصال دوني ... فَسُدَّض للصّبر كلُّ باب إِن كان يحلو لديْك ظُلْمي ... فَزِدْ من الهجر في عذابي عسى يُطيلُ الوقوفَ بيْني ... وبَيْنَك اللهُ في الحساب وأنشدني لنفسه أيضاً: من لِعْينَّي بالكَرى ... فأَرى الطيفَ إِن سرى طال عهدي فعاد قلْب ... ي لِطَرْفي مُخَبِّرا كُلَّما اشْتَقْتُ أَن أَرا ... ك أَطلتُ التَّفكُّرا يا هِلالاً وبانةً ... وكَثِيباً وجُؤْذُرا لم أَبُحْ بالهوى الخف ... يّ اختياراً فأُهْجَرا إِنما السُّقْم نمّ عنه ... ودمعي به جرى أَنت أَبديتَ لي بوجه ... ك عُذراً إلى الورى أَنت فرّقت بين أَجف ... ان عَيْنَيَّ والْكرى دَعْ نُوَدِّعْ خَدَّيْك لَثْم ... اً وإنْ شئتَ مَنْظرا قبل أَن يكْمُل العِذا ... رُ عليه فما يُرى وأنشدني له من قصيدة في العذار: قمرٌ أَعار الصُّبْحَ حُسنَ تَبَسُّمِ ... وأَعار منه الغصنَ لِينَ تَأَوُّدِ واخْضَرَّ شارِبُه فبان لغُلَّتي ... منه اخضِرارُ الرَّوْض حَوْلَ المَوْرِد ومتى يُباحُ لعاشقيه مُقَبَّلٌ ... كالدُّرِّ في الياقوت تَحْتَ زَبَرَجْدَ وأنشدني لنفسه سنة أربعٍ وستين: مالي على السُّلْوانِ عَنْك مُعَوَّلُ ... فإِلامَ يَتْعَبُ في هواك العُذَّلُ يزدادُ حُبُّكَ كلَّ يَوْمٍ جِدَّةً ... وكأَنّ آخِرَه بقلبي أَوَّل أَصبحتَ ناراً للمُحِبِّ وَجَنَّةً ... خَدَّاك جَمْرُ غَضاً وريقُك سَلْسَل لك لِينُ أَغصان النَّقا لو لِنْتَ لي ... ولك اعتدالُ قَوامِها لو تَعْدِل يا راشقاً هَدَفَ القلوبِ بأَسهمٍ ... خَلِّ السِّهامَ فِسْحُر طَرْفِك أَقْتَلُ ما لِلْوُشاةِ سَعَوا بنا يا لَيْتَهْم ... ثَكِلوا أَحِبَّتَهم كما قد أَثْكَلوا جَحَدوا الذي سمعوا وقالوا غيرَه ... ولو انَّهمْ لا يسمعون تَقَوَّلُوا هَبْ أَنَّ أَهلك أَوْعدو وتهدَّدوا ... مَنْ يَرْعَوي مِنْ ذاك أَوْ مَنْ يَقْبَل

стр. 271

وَيْلاهُ منهم يُشْفِقون عليك مِنْ ... أَجْلي، وإِشفاقي أَشَدُّ وأَكمل مالي أُعاينُ وجهَ ودِّكَ مُعْرِضاً ... حَذَرَ الرَّقيب وَوَجْهُ ودّي مُقْبِل وأنشدني له في غلامٍ لبس الكحلي: برزتَ للنّاسِ في قميصٍ ... أَكْحَلِ مِنْ طَرْفِكَ الكحيلِ فيك من الحُسْنِ كلُّ فنّ ... وفيك للنفس كلُّ سُول كيف اتَّخَذْتَ الحِدادَ لُبْساً ... ولستَ تَأْسى على القتيل وأنشدني لنفسعه في موفق خالد بن القيسراني مستوفي نور الدين: دَعَوْتُك مُشتاقاً لِنَيْلِ صَنيعةٍ ... فكنتَ إِلى بذل الصنائع أَشْوَقا وكم عُقَدٍ حُلَّتْ بعزمك لم تكن ... تُحَلُّ بعزمٍ مِنْ سِواك ولا رُقا تفاءل نورُ الدّين باسمك مثلما ... حَوى بك نَعْتاً في الأُمور مُحَقّقا فأَصبح في الملك المُخَلَّضد خالداً ... كما كان في الرأي السعيد مُوَفَّقا وأنشدني لنفسه في العذار: لا تلوموا عليه قلبَ مُحِبٍّ ... فجميع القلوبِ طَوْعُ يَدَيْهِ لا تظنّوا عِذاره طرّز الخدّ ... فما كان ذا افتقاراً إليه إنما لحظُه أَراق دماءً ... وبدا أُثْرها على وَجْنَتَيْه فرأى وَردَها بقتليَ نمّا ... ماً فأَوْلى بنفسَجاً عارِضَيْه فتيقنتُ أنني ضاع ثأْري ... حين لم يبق شاهدٌ لي عليه وأنشدني أيضاً له من قصيدة: تودُّون عَوْدي لو قَدَرِتْ إِليكم ... وقد أَبْعَد المِقْدار في الَبْين شُقِتّي كأَنّيَ سَهْمٌ كلّما جرّني الهوى ... إِليكم رمتْني الحادثات فأَقصتِ ومن الغزل: كأَني سأَلتُ الرّيح عن لين قَدِّها ... فهزّت قضيبَ البان لي حين هَبَّتِ ومن مديحها: له سائِلاً عِلْمٍ وجود يُجيب ذا ... على عَجَل منه وذا عن تَثَبُّتِ فذا بنوالٍ للمُؤالف مُنْطِقٍ ... وذا بمَقالٍ للمُخالِفِ مُسْكِت وأنشدني له في صبي مقرئ في سنة سبع وستين: تلا فدعا قلبي إلى حُبِّ وَصْلِه ... وعهدي بما يتلوه يَنْهى عن الحبِّ فكيف اصطباري عنه لو كان مُسْمِعي ... غِناءُ الغواني من مُقَبَّلِه العَذْبِ وأنشدني له في غلامٍ أهدى له ورداً: أَقول للوَرْدِ ونَشْرُ الذي ... أَهداه لي أَذْكى مِنَ الوَرْدِ أَشْبَهْتَه في النَّشْرِ طِيباً فِلْم ... خالفَتُه في الحفظ للعهد ومن مقطعاته في الألغاز والمعمى: أنشدني لنفسه قوله في الجلنار ملغزاً: وما تاجُ رُومّيٍ لبَيْضَةِ باسلٍ ... عليها دَمٌ إِذ فَلَّلَتْها المَضارِبُ تُناسِبُ أَقراط الدُّيوكِ ذُيولها ... كما العُرْفُ للتَّشْريف منها مُناسِب لها باطنٌ كالزَّعْفَرانِ تَعَلَّقَتْ ... به من شَرارٍ أَوْ نُضارٍ كواكب حَكَتْها صِغاراً بالخُدودِ شَبيه ما ... حَكَتْها كِباراً بالنُّهودِ الكواعِب إذا فُرِطَتْ فهْي العَقيقُ مُبَدَّداً ... وإِن رُشِفَتْ فالشهْدُ بالثَّلْجِ ذائب وقوله في مليحٍ اسمه إبراهيم: صدَّني بعد اقترابٍ وجفاني ... قَمَرٌ يخَجلُ منه القَمرانِ لستُ أَدعو باسمه ضَنّاً به ... غير أَني الذي أخْفِيه كانِ ظَمَأي فيه ظَما آخِره ... ليتين أَوَّلُه ممّا عَراني وقوله في اسم مبارك: وأَغَيَدلا تحكي الأَسِنَّةُ لَحْظَه ... ولا يَمْلِكُ الَخطِّيُّ لِيناً بِقَدِّهِ تألفَّنَي قُرْبُ السَّقام لبُعْدِه ... وحالفني وَصْلُ الغَرام لصِدَهَّ صباحي إذا ما زارني فيه مثلهُ ... وعَيْشي إِذا ما صدَّ عني بِضِدِّه وقوله في اسم إلياس: أَتَيْتُ مَنْ أَهواه عَكْسَ اسمِه ... فلم أَنَلْ منه سِوى الإِسمِ

стр. 272

وكلَّما أَطْمَعني ضدُّه ... عاد به التيهُ إلى الرَّسْم وقوله في إسماعيل بن بكار: أَسْمَرُ عِيلَ الصَّبْرُ في حُبِّه ... ليس له في الحُسْن من مُشْبِهِ إِنْ شِئْتَ أَنْ تَعْرِفَه باسْمِه ... أَفْرِدْه من رابِع حَرْفٍ به طُوبى لِمَنْ بات لهُ ليلةً ... عكس أَبيه لهِوى قلبه وقوله في اسم يحيى بن عطية: مَنْ نال مِنْ يَحْيى اسمَ والدِهِ ... أَيْقَنْتُ حقّاً أَنّه يحيا وَمَنِ ابتلاه بطُولِ هِجرته ... وجفا عليه فليس في الأَحْيا وأنشدني له في الاستطراد بمن كان زاهداً في شبابه ثم حرص في مشيبه ورغب في الدنيا: تَجَلَّدْتُ عنها في الشّبابِ لِعِزَّةٍ ... وأَبْدَيْتُ بعد الشَّيْب ذِلَّة مَفْتونِ فقالتْ: أَزُهداً في شَبابٍ، ورغبةً ... بِشَيْبٍ أَنا المشتاق وأنت ابنُ فضلون وأنشدني له في هجو إنسانٍ بمصر: أَحكمتْ عِرسُه ضُروبَ الأَغاني ... من ثقيلٍ في رأسه وخفيفِ وتمنّتْ عليه كلَّ الملاهي ... غيره وحدَه لمعنًى لطيف فقضيباً لاسمٍ وناياً لشكلٍ ... ورَباباً للجرِّ والتصحيف وله من قصيدة: عُدني وإلاّ فِعْدني ... إنْ صحّ جسمي تزورُ تاريخُ وَصلك عندي ... مُذْ لَمْ أَنَلْهُ شُهور وإِنّ هِجرانَ يومٍ ... على المحبّ كثير وأنشدني لنفسه: قُلْ للرّوافض: إنّكُمْ في سَبِّكم ... أَهلَ الهدى مَع حُبّنا عَلَم الهُدى مِثْلُ النّصارى لا نَسُبُّ لأَجلهم ... عيسى وقد سَبُّوا النَّبَّي مُحَمَّدا ثم سافر إلى مصر وأقام في ظل الملك الناصر، وإنعامه الوارف الوافر، وفاز بالجاه الظاهر والإحسان المتدارك المتواتر، وكنا مخيمين بمرج الفاقوس، مصممين على الغزاة إلى غزة، مرنحين أعطاف نشاطنا المهتزة، وقد وصلت أساطيل ثغري دمياط والاسكندرية بسبي الكفار، وقد أوفت على ألف رأسٍ عدة من وصل في قيد الإسار، فحضر ابنر رواحة منشداً مهنئاً بالعيد، ومعرضاً بما وهبه الملك الناصر من الإيماء والعبيد، بقصيدةٍ منها، وذلك في عيد النحر سنة اثنتين وسبعين: أَيَحْسُن بعد ضَنِّكَ حُسْنُ ظنّي ... فأَجمعَ بين يأسي والتَّمنّي وما نَفْعي بعَطْفِك بعد فَوْتٍ ... كَرِقّة شامتٍ من بعد دفن أَأَطْمَعُ أَن أَكون شهيدَ حُبٍّ ... فأَصْحبَ منك حُوريّاً بعَدْن قيل له هذا البيت حسنٌ لولا أن الحوري مذكر. ملكتَ عليَّ أَجفاني وقلبي ... فأَبعدتَ الكرى والعَذْل عنّي فكم أَرعيتَ غير اللَّوْمِ سمعي ... وكم أَوْعيتَ غير النوم جفَني صَدَدْتَ وما سوى إِفراطِ وَجْدي ... لك الداعي إلى فَرْط التجنّي لقد أَبديتَ لي في كلّ حُسْنًٍ ... ضروباً أَبدعت كلَّ حُزن فكم فنٍّ من البلوى عَراني ... لِعْشق الوصفِ منك بكلِّ فنِّ كأَنّكَ رُمْتَ أَن أَسلوك حتى ... أَقمتَ الشِّبْه في بَدْرٍ وغُصْن فأَلْبَسَ وجهُك الأَقمارَ تمّاً ... وعلَّم قَدُّك البانَ التثنّي رماني في هواك طِماحُ طَرْفي ... إلى حُسْنٍ فأَخلف فيك ظنّي فكم دمعٍ حَمَلْتُ عليه عيني ... وكم نَدَمٍ قَرَعْتُ عليه سِنّي غدرتَ وما رأَيتَ سوى وفاءٍ ... فهّلا قبل يَغْلَقُ فيك رَهْني ولو حكم الهوى فينا بعدلٍ ... لكنتَ أَحَقَّ بالتعذيب مِنّي ومنها: أَقمتَ الموتَ لي رَصَداً فأَخشى ... زيارتَه وإِن يك لم يَزُرني كما رَصد العِدى في كلِّ يومٍ ... صلاح الدين في سَهْلٍ وحَزْن يَرَوْن خياله كالطيف يَسْري ... فلو هَجَعوا أَتاهم بعد وَهْن أَبادَهُمُ تَخَوُّفُه فأَمسى ... مُناهُمْ لو يُبَيِّتُهم بأَمْن

стр. 273

تملَّكَ حولهم شرقاً وغرباً ... فصاروا لاقتناصٍ تحتَ رَهْنِ يشير إلى أنه مالك مصر ومالك الشام والإفرنج بينهما: أَطاف عليهمُ مِنْ كلِّ فَجٍّ ... قبائلَ يُقبلون بغير وَهْنِ أَقام بآل أَيوب رِباطاً ... رأَت منه الفَرَنْجُ مَضيقَ سِجن فهم للدّين والدُّنيا جبالٌ ... رواسٍ لا تُرى أَبداً كَعِهْن إذا اتبّعوا له عَزماً ورأْياً ... غَنُوا في الحرب عن ضربٍ وطعن وإِنْ نادى: نَزَالِ، فلن يُبالوا ... قتالَهُمُ لإِنسٍ أَو لجنّ رجا أَقصى الملوكِ السّلمَ منهم ... ولم ير جهده في البأس يُغني وخافتهم ملوك الناس جَمْعاً ... فلم تقِلب لهم ظَهْرَ المِجَنِّ لهم من بأسه رُكْنٌ شديد ... ولو طُلِبوا لما آوَوْا لِرُكْن حِوتْ آفاقُ مِصْرِهُمُ حُصوناً ... فكيف إِذا أَداروا كُلَّ حِصْن غَطارِفَةٌ لهم سُلْطانُ عَدْلٍ ... يَسُنُّ لهم مَكارِمَهم ويُسْني ومنها: وكم معنًى من الإِحسان فاقوا ... به كرماً على كَعْبٍ ومَعْنِ لهم من يوسفَ الدُّنيا جميعاً ... وليس له نصيبٌ غيرُ مُثْنِ أَرى رأى التناسخ مِصْرَ حقّاً ... بضمّ اسمٍ إِلى عَدْلٍ وحُسْن ولم أَر مثله ملكاً جواداً ... خزائنُه قِفارٌ وهو مُغْن غدا كالشمس يوم وغىً بنَقْعٍ ... فَشَقّ النورُ منه مِلاءَ دَجْن ومنها يصف الداوية من الفرنج، وهو لا يرون مقاربة النساء لترهبهم: أَرى داويَّةَ الكفّار خافت ... به داءً يُضَعِّف كُلَّ مَتْنِ أَبَوْا نَسْلاً مَخافَة نَسْلِ بنتٍ ... تُفارِق دينَهم أَو قَتْلَه ابن فقد عقموا به من غير عَقُمٍ ... كما جَبُنوا به من غير جُبْن ومن أَفناهم عدماً حقيقٌ ... بِحَمْدٍ مثلما وجدوا ويغني ومنها يصف الأساطيل المنصورة والسبايا المأسورة: لقد خَبر التجارِبَ منه حَزْمٌ ... وقلّبَ دهَره ظهراً لبطن فكفَّ الكفرَ أَن يَطْغى بمَكْرٍ ... يُحَيِّرُ كلَّ ذي فكرٍ وذهن فساق إلى الفرنج الخيلَ برّاً ... وأَدركهم على بحرٍ بسُفْنٍ لقد جلب الجواري بالجواري ... يَمِدْن بكلّ قدٍّ مُرْجَحِنِّ يَزيدُهُم اجتماعُ الشَّمْل بُؤْساً ... فمِرنانٌ تنوح على مُرِنٍّ فما مِنْ ظبيةٍ تُفْدى بليثٍ ... ولا ليْثٌ فِدى رشإٍ أَغَنِّ زهتْ إِسكندرِيَّةُ يومَ سيقوا ... ودِمياطٌ فما مُنِيا بِغَبْن وخَيْرُهما هناءً ما أَتاها ... بقُرْب الملك كلُّ عُلىً يُهَنّي فلو لَبِسَتْ به للفخر بُرْداً ... لجرّت فَضْلَ أَذيالٍ ورُدْن لقد سبق النَّدى منه السَّبايا ... فكم عَزَبٍ بأَهلٍ بات يبَنْي وأَعْجَلُه السّماحُ عن ادّكاري ... ولو أَلقاه مَنَّ بغير مَنِّ فأَسْلِحةٌ تَخافُ لَدَيْه خَزْناً ... وأَموالٌ تطير بغير خَزْن وكيف يصون بحراً جودُ بحرٍ ... فيحمِل مِنّةً لأخٍ وخِدْن وإِن الناصر الملك المُرجّى ... لَأْولى من وَلي حَيّاً بَهتْن يُبيد عدُاته ويَشيد مَجْداً ... لآلٍ فهو يُفْني حين يُقني إذا لاقى العِدى فأَشدُّ لَيْثٍ ... وإِن بَذَل النَّدى فأَسحُّ مُزْن ومنها في التهنئة: يُهنّي الملك عيداً لو عداكُمْ ... لما ظَفِرَ المُهَنّا بالمُنَهّي الأمراء بنو منقذ الكنانيون من شيزر

стр. 274

كانوا من أهل بيت المجد والحسب، والفضل والأدب، والحماسة والسماحة، والحصافة والفصاحة، والفروسية والفراسة، والإمارة والرئاسة، اجتمعت فيهم أسباب السيادة، ولاحت من أساريرهم وسيرهم أمارات السعادة، يخلفون المجد أولاً لآخر، ويرثون الفضل كابراً عن كابر، أما الأدب فهو شموعه المشرقة، ورياضة المونقة، وحياضة المغدقة، وأما النظم فهم فرسان ميدانه، وشجعان فرسانه، وأرواح جثمانه. قال مجد العرب العامري بأصفهان في سنة نيفٍ وأربعين وهو يثني عليهم، ويثني عنان مجده إليهم: أقمت في جنابهم مدة، واتخذتهم في الخطوب جنة، وللأمور عدة، ولم ألق في جوارهم جوراً ولا شدة. وممدوحه منهم، الأمير عماد الدولة أبو العساكر سلطان بن علي بن مقلد بن منقذ، وما زالوا مالكي شيزر ومعتصمين بحصانتها، ممتنعين بمناعتها، حتى جاءت الزلزلة في سنة نيفٍ وخمسين فخربت حصنها، وأذهبت حسنها، وتملكها نور الدين عليهم وأعاد بناءها فتشعبوا شعباً، وتفرقوا أيدي سبا، فمنهم: الأمير مؤيد الدولة أبو المظفر أسامة بن مرشد ابن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ بن محمد بن منقذ بن نصر بن هاشم بن سوار بن زياد بن رغيب بن مكحول بن عمرو بن الحارث بن عامر بن مالك ابن أبي مالك بن عوف بن كنانة بن بكر بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة بن مالك ابن حمير بن مرة بن زيد بن مالك بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عابر بن ارفخشذ بن سام بن نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ بن يرد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم ﵇. أسامة كاسمه، في قوة نثره ونظمه، يلوح من كلامه أمارة الإمارة، ويؤسس بيت قريض عمارة العبارة، نشر له علم العلم، ورقي سلم السلم، ولزم طريق السلامة، وتنكب سبل الملامة، واشتغل بنفسه، ومحاورة أبناء جنسه، حلو المجالسة، حالي المساجلة، ندى الندي بماء الفكاهة، عالي النجم في سماء النباهة، معتدل التصاريف، مطبوع التصانيف، أسكنه عشق الغوطة، بدمشق المغبوطة، ثم نبت به كما تنبو الدار بالكريم، فانتقل إلى مصر فبقي بها مؤمراً مشاراً إليه بالتعظيم، إلى أيام ابن رزيك فعاد إلى الشام، وسكن دمشق مخصوصاً بالإكرام، حتى أخذت شيزر من أهله، ورشقهم صرف الزمان بنبله، ورماه الحدثان إلى حصن كيفا مقيماً لها في ولده، مؤثراً بلدها على بلده، حتى أعاد الله دمشق إلى سلطنة الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن أيوب في سنة سبعين، ولم يزل مشغوفاً بذكره، مستهتراً بإشاعة نظمه ونثره، والأمير العضد مرهف ولد الأمير مؤيد الدولة جليسه، ونديمه وأنيسه، فاستدعاه إلى دمشق وهو شيخ قد جاوز الثمانين وكنت قد طالعت مذيل السمعاني ووجدته قد وصفه وقرظه، وأنشدني العامري له بأصفهان من شعره ما حفظه، وكنت أتمنى أبداً لقياه، وأشيم على البعد حياه، حتى لقيته في صفر سنة إحدى وسبعين بدمشق وسألته عن مولده، فقال: سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، يوم الأحد السابع والعشرين من جمادى الآخرة، وأنشدني لنفسه البيتين اللذين سارا له، في قلع ضرسه: وصاحبٍ لا أَمَلُّ الدَّهْرَ صُحْبَتهُ ... يشقى لنفعي ويسعى سَعْيَ مُجْتَهِد لم أَلْقَه مُذْ تصاحَبْنا فحين بَدا ... لناظريَّ افترقنا فُرقَةَ الأبَدِ لو أنصفت فهمك إن كنت منتقداً، فرقيت عن مرقب وهماك مجتهداً، وغصت بنظر فكرك في بحار معانيه، لغنمت من فرائد درره ولآليه، ولعلمت أن الشعر إذا لم يكن هكذا فلغوٌ، وأنه إذا لم يبلغ هذا الحد من الجد فهجرٌ ولهو، ومن الذي أتى في وصف السن المقلوع، بمثل هذا الفن المطبوع، فهل سبقه أحدٌ إلى معناه، وهل ساواه في هذا النمط سواه. وأنشدني أيضاً لنفسه، في معنى قلع ضرسه: وصاحبٍ صاحبني في الصِّبا ... حتى تَرَدَّيْتُ رِداءَ المشيبْ لم يَبْدُ لي ستين جَوْلاً ولا ... بَلَوْت من أَخلاقه ما يَريب أَفْسده الدَّهْرُ ومن ذا الذي ... يحافظ العهدَ بظَهْر المَغيب ثم افترقا لم أُصِبْ مِثْلَه ... عُمْري ومثلي أَبداً لا يُصيب

стр. 275

فاعجب لها من فُرْقة باعدتْ ... بين أَليَفْين وكلٌّ حبيب وأنشدني لنفسه من قديم شعره: قالوا نَهَتْهُ الأربعون عن الصِّبا ... وأَخو المَشيب يجور ثُمَّتَ يَهْتدي كم حار في لَيْلِ الشَّبابش فَدَلَّهُ ... صُبْحُ المَشيب على الطريق الَأْقَصد وإذا عَدَدْت سِنِيَّ ثم نَقَصْتها ... زَمَنَ الهُموم فَتِلْك ساعُة مَوْلِدي تعجب من مقاصد هذه الكلم، وتعرض لموراد هذه الحكم، واقض العجب كل العجب، من غزارة هذا الأدب، ولولا أن المداد أفضل ما ترقم بن صحائف الكتب، لحررت هذه الأبيات بماء الذهب، فهذا أبلغ من قول أبي فراس بن حمدان: ما العمرُ ما طالتْ به الدّهورُ ... العمرُ ما تَمَّ به السرورُ أَيّامُ عِزّي ونَفاذ أَمري ... هي التي أَحْسُبها من عمري فالفضل للمُتقدِّم في ابتكار المعنى وللمتأَخر في المبالغة، حيث ذكره في بيتٍ واحد ولم يجعل له نصيباً من العمر إلاّ ساعةَ مَوْلِده. فجميع الحياة على الحقيقة نصب، وألم وتعب. وأنشدني أيضاً لنفسه من قديم نظمه: تَجَرَّمَ حتى قد مَلِلْتُ عِتابَهُ ... وأَعرضتُ عنه لا أُريدُ اقترابَهُ إذا سقَطتْ من مَفْرَقِ المرء شَعْرَةٌ ... تأَفَّف منها أَن تَمَسَّ ثِيابَه وأنشدني من قديم قوله في السلوان أيضاً: لم يَبْقَ لي في هَواكُمُ أَرَبُ ... سَلَوْتُكُمْ والقُلوبُ تَنْقَلبُ أَوْضَحْتُمُ ليَ سُبْل السُّلُوِّ وقد ... كانت ليَ الطُّرْق عنه تَنْشَعِبُ إلامَ دَمعي من هَجْركمُ سَرِبٌ ... قانٍ، وقلبي من غَدْرِكم يَجِبُ إِن كان هذا لِأَنْ تعبَّدني ال ... حُبُّ فقد أَعْتَقَتْنِيَ الرِّيبَ أَحْبَبْتُكُمْ فوق ما توهَّمَه ال ... نّاس وخُنْتُمْ أَضعافَ ما حَسبوا تأمل هذه المعاني والأبيات، بعين التأني والثبات، تعرف أن قائلها من ذوي الحمية، والنفوس الأبية، والهمم العلية، وكل من يملكه الهوى ويسترقه، قلما يطلقه السلو ويعتقه، إلا أن يكون كبيرا غلب عقله هواه، واستهجن في الشهوات المذمومة نيل مناه. وقوله: " فقد أعتقتني الريب " في غاية الجودة ونهاية الكمال، أعذب من الزلال، وأطيب من السحر الحلال، وألعب بقلوب المتيمين من نسيم الشمال. وقوله أيضاً من قديم شعره: إذا اختفت في الهوى عني إساءتُهُ ... أَبدى تَجَنِّيه ذنبي قَبْل أَجْنيه كذاك إنسانُ عيني لا يزال يرى ... عَيْبي، ولستُ أَرى العيبَ الذي فيه وقوله أيضاً: يا دهرُ ما لك لا يَصُ ... دُّك عن إساءَتيَ العِتابُ أَمْرَضتَ من أَهوى ويأْ ... بى أَن أُمَرِّضَهُ الحِجابُ لو كنتَ تُنْصِف كانت ال ... أَمراض لي وله الثّوابُ قد قيل في مرض الحبيب كل معنًى بكر، مخترع لديه ومبتدع فكر، إلا أن هذه الأبيات لطيفة المغزى طريفة المعنى، مقصدها سهيل، وموردها سهل، لو سمعتها في البادية عقيل لم يثبت لها عقل، ولا شك أن حبيبه عند استنشاق هوائها، فاز ببرء مهجته وشفائها. هذه الأبيات كنت نقلتها من تاريخ السمعاني فلما لقيت مؤيد الدولة قرأتها عليه وكنت أثبتها على هذا الوجه. أبصر مني العينان، وإن لم يحط السمعان، من أنباء تاريخ السمعاني، الحاوي للمعاني، أبياتاً رواها، وناظمها بماء الحكمة رواها، وقد بددتها في كتابي هذا غيرةً من الملتقط، وحفظا لها من العيي المشتط المشترط. وأما أشعاره التي أنشدنيها بدمشق سنة إحدى وسبعين من نظمه على الكبر قوله حين قلت له: هل لك معنًى مبتكرٌ في الشيب: لو كان صَدَّ مُعاتِباً ومُغاضِبا ... أَرضيتُه وتركتُ خَدّي شائبا لكن رأى تلك النَّضارة قد ذَوَتْ ... لمّا غدا ماء الشّبيبِة ناضِبا ورأى النُّهى بعد الغَواية صاحبي ... فثنى العِنان يُريغ غيري صاحبا وأَبيه، ما ظَلَم المَشيبُ وإِنّه ... أَمَلي، فقلت عساه عني راغبا

стр. 276

أَنا كالدُّجى لما تناهى عُمُره ... نَشَرتْ له أَيدي الصّباح ذَوائبا وهذا معنًى مبتكرٌ في الشيب لم يسبق إليه. وقوله: أَنْستنَي الأيّام أَيامَ الصِّبا ... وذَهَلْت عن طِيب الزّمان الذّاهِب وتنكَّرتْ حالي فكلُّ مآربي ... فيما مضى ما هُنّ لي بمآرب وقوله: نهارُ الشَّيْبِ يكشِف كُلَّ رَيْبٍ ... تَكَفَّلَ سَتْرَه لَيْلُ الشَّبابِ يَنِمُّ على المَعايب والمَساوي ... كما نَمّ النُّصُول على الخِضاب فهل لي بعد أَن ضَحَّى بِفَوْدي ... نهارُ الشَّيْب، عُذْرٌ في التّصابي وقوله: أَفْدي بُدوراً تمالَوْا ... على المَلال ولجوّا قد كنت أَحسب أَني ... من هجرهمْ لست أَنجو هذا الذي كنتُ أَخشى ... فأَين ما كنت أَرجو وقوله: قُلْ للذي خَضَب المَشيبَ جَهالةً ... دَعْ عنك ذا فلكلّ صِبْغٍ ماحِ أَوَ ما ترى صِبْغَ اللّيالي كلّما ... جَدَّدْنَه يَمْحُوه ضَوْءُ صباح وقوله في محبوس: حَبَسوك والطَّيْرُ النواطق إِنّما ... حُبِسَتْ لِمِيزتها على الأنَدادِ وتهيبَّوك وأَنت مُودَعُ سِجْنهمْ ... وكذا السُّيوف تُهابُ في الأَغماد ما الحبسُ دارُ مَهانةٍ لِذوي العُلى ... لكنه كالْغِيلِ لِلْآساد وأنشدني قوله في الشمعة: أُنظر إلى حُسنِ صبرٍ الشمعُ يُظْهِرُ للرّ ... ائين نُوراً وفيه النار تَسْتَعِرُ كذا الكريم تراه ضاحكاً جَذِلاً ... وقلبُه بدخيل الهَمّ مُنْفَطِر وقوله: لَأَرْمِيَنَّ بنفسي كُلَّ مَهْلَكَةٍ ... مَخُوَفةٍ يَتَحامها ذَوو الباس حتى أُصادِفَ حَتْفي فهو أَجملُ بي ... من الخُمول وأَستغني عن الناس وقوله: العجز لا يَنْقُصُ رِزْقاً ولا ... يَزيدُه حَوْلٌ ولا فَحْصُ كلٌّ له رِزْقٌ سيأْتيه لا ... زيادةٌ فيه ولا نَقْص قد ضمِن اللهُ لنا رزقَنا ... جاءت به الآثار والنَّصّ فما لنا نطلبُ من غيره ... لولا قنوطُ النَّفس والحِرْص وقوله في نفاق الدهر: نافقتُ دَهْري فوجهي ضاحِكٌ جَذِلٌ ... طَلْقٌ وقلبي كئيبٌ مُكْمَدٌ باكِ وراحَةُ القلب في الشَّكْوى ولَذَتُها ... لو أَمكنت لا تُساوي ذلِةَّ الشاكي قد تمكنت كلمة لو أمكنت فما أحسنها موقعا، وأجملها موضعا، ثم قارن اللذة بالذلة وهما متجانسان. وقوله: إِذا حال حالِكُ صِبْغِ الشَّباب ... سقى عَهْدَه الغيثُ من حائلِ فماذا الغُرور بِزُورِ الخِضا ... ب لولا التَّعَلُّلُ بالباطل وقوله من قديم شعره: أَأَن غَضَّ دَهْرِي من جِماحِيَ أَو ثَنى ... عِنانَي أَوْ زَلَّتْ بأَخْمَصِيَ النَّعْلُ تظاهر قَوْمٌ بالشَّماتِ جَهالةً ... وكم إِحْنَةٍ في الصدر أَبرزها الجهلُ وهل أَنا إلاّ السَّيْفُ فَلَّلَ حَدَّه ... قِراعُ الأعادي ثم أَرْهَفَهُ الصَّقْل وقوله: لا تُوصِ عند المَوْت إِل ... لا بالوديعة والدّيونِ وَدَعِ التَّشاغُل بالحُطا ... م كفاكِ شُغْلُك بالمَنون فَوَصِيَّةُ الأَموات بالأ ... حياء من شُعبٍ الجُنون وما أحسن بيت المعري: يُوَصّي الفتى عند المَماتِ كأَنه ... يَمُرُّ فيَقْضي حاجةً ويعودُ ورأيته وقد أهدي له دهن البلسان، فسألت عنه، فقال: كتبت إلى المهذب الحكيم ابن النقاش هذه الأبيات على لسان: رُكْبَتي تَخْدم المهذَّبَ في العِلْم ... وفي كلّ حِكمةٍ وبيانِ وهي تشكو إِليه تأْثير طولِ الْعُم ... ر في ضَعْفِها وَمَرّ الزمان فَبِها فاقةٌ إلى ما يُقَوِّيها ... على مَشْيِها من البَلَسان

стр. 277

كلُّ هذا عُلالةٌ ما لمن حا ... ز الثمانين بالنُّهوض يدان رَغبةٌ في الحياة من بعد طول العُمْ ... ر والمَوْتُ غاية الإنسان وقوله: لا تَحْسُدَنّ على البَقاء مُعَمَّراً ... فالموتُ أَيْسَرُ ما يؤول إليه وإذا دعوتَ بطول عُمْرٍ لامرئً ... فاعلم بأَنك قد دَعَوْتَ عليه وقوله: يا ربّ عفواً عن مُسي ... ئً خائفٍ ما كان منهُ مُتَيَقِّن أَنْ سوف يَصْل ... ى النارِ إِن لم تَعفُ عنه لما أنشدني في الشيب أنشدته لنفسي: ليلُ الشَّباب تولىّ ... والشيْب صُبْحٌ تأَلّقْ ما الشَّيْبُ إِلا غُبارٌ ... من رَكْضِ عُمري تعَلّقْ وقلت: ما أظن أني سبقت إلى هذا المعنى. فأنشد لبعضهم بيتين وهما: قالوا غبارٌ قد عَلا ... كَ فَقلتُ: ذا غيرُ الغُبارِ هذا الذي نقل الملو ... كَ إلى القبور من الديار قلت: ولكن حققت أنه من غبار ركض العمر، وهو معنى مبتكر. وحضرت عند الأمير مؤيد الدولة أسامة يوماً آخر بدمشق سنة إحدى وسبعين، فأنشدني قوله في القديم في استدعاء صديقٍ إلى مجلس المنادمة بالموصل وقد غاب عنها: أَمُهَذَّبَ الدين استمِعْ من عاتبٍ ... لولا وِدادُك لم يَفُهْ بِعتابِ أَتُطيعُ فيَّ الدهرَ وهو كما ترى ... يقضي عَلَيَّ بفُرْقة الأَحباب أَمَلْلَتني وجعلتَ سُكْرك حُجَّةً ... ونهضت أَم لم تستحلَّ شرابي قَسَماً لئن لم تأْتني مُتَنَصِّلاً ... مُتَبرِّعاً بالعُذْر والإِعتاب لأَحُرَمِّنَّ الخَنْدريس وأَغتدي ... مُتَنَسِّماً بالماء والمِحراب وتَبُوءُ مُعْتَمِداً بإِثْمِ تَنَسُّكي ... وَبِعابِه، أَعظم به مِنْ عاب وقوله في الشوق والمكاتبة: لو أَن كُتْبي بقَدْر الشَّوْقِ واصلةٌ ... تَتَابَعَتْ كَدُموعي أَو كأَنفاسي وإِن وجدتُ سبيلاً أَو قَدِرَتْ على ... خلاص عَقْلِ أَسيرٍ في يد الكاسِ أَجْرَيْتُ أَسودَ عَيْني فوق أَبيضها ... بمائها لا مِداداً فوق قِرطاسِ وقُلتُ للشَّوق يا سَحبانُ أَمْلِ على ... يدي، أُعيذُكِ مِنْ عِيّ وإِبلاس حتى أَبوحَ بما أَشكو إِليك كما ... باح المريض بَشْكواه إلى الآسي وقوله في العذار: أُنظر شَمَاتَةَ عاذلي وسُرورَه ... بكُسوف بَدْري واشتهار محاقِهِ غطَّى ظلامُ الشِّعْرِ من وَجَناته ... صُبْحاً تُضيءُ الأَرضُ من إِشراقه وهو الجهول يقولُ هذا عارضٌ ... هو عارضٌ لكن على عُشّاقه وأنشدني أيضاً لنفسه: ما أَنت أَوّل مَنْ تناءَتْ دارُه ... فَعَلامَ قلبُك ليس تخبو نارُه إِمّا السُّلُوُّ أَو الحِمام وما سِوى ... هذَيْن قسمٌ ثالث تختاره هذا وُقوفُك للوَداع وهذه ... أَظْعان مَنْ تَهْوى وتلك دياره فاستَبْقِ دمعك فهو أَوَّلُ خاذلٍ ... بعد الفِرَاق وإِن طما تَيّاره فَذَرِ الدُّموعَ تَقِلُّ عن أَمد النَّوى ... إِن لم يكن من لُجَّةٍ تَمْتاره لَيْتَ المطايا ما خُلِقْن فكم دمٍ ... سَفكَتْه يُثْقِلُ غيرَها أَوزراه ما حَتْفُ أَنفِسنا سواها إنها ... لَهِيَ الحِمام أُتيح أَو إِنذاره لو أَنّ كلَّ العِيس ناقةُ صالحٍ ... ما ساءني أَني الغَداة قُداره وتناشدنا بيتاً للوزير المغربي في وصف خفقان القلب وتشبيهه بظل اللواء الذي تخترقه الريح وهو: كأَنَّ قلبي إِذا عَنّ اذّكاركُمُ ... ظِلُّ اللواء عليه الريحُ تَخْتَرِق فقال الأمير مؤيد الدولة أسامة: لقد شبهت القلب الخافق وبالغت في تشبيهه وأربيت عليه في قولي من أبياتٍ هي: أَحبابَنا كيف اللقاءُ ودُوَنكُمْ ... عرضُ المَهامِه والفيافي الفيحُ

стр. 278

أَبْكَيْتُمُ عيني دماً لفِراقكم ... فكأَنّما إِنسانها مجروح والبيت المشار إليه: وكأَنّ قلبي حين يَخْطُرُ ذكركُمْ ... لَهَبُ الضَّرام تعاورته الرّيح فقلت: له صدقت، فإن الوزير المغربي قصد تشبيه خفقان القلب وأنت شبهت القلب الواجد باللهب، وخفقانه باضطرابه عند اضطرامه لتعاور الريح، فقد أربيت بالفصاحة على ذلك الفصيح. وأنشدني أيضاً من قوله أيام شبابه وهو مُعْتَقَلٌ وقد جرى ذكر الخيال: ذَكَر الوفاءَ خيالُك المُنْتابُ ... فأَلَمّ وهو بودّنا مُرْتابُ نفسي فِداؤك من حبيبٍ زائرٍ ... مُتَعَتَّبٍ عندي له الإعتاب مُسْتَشْرِفٍ كالبدر خَلْفَ حجابِه ... أَوَ في الكرى أَيضاً عليك حِجاب ودّي كعهدِك والدّيارُ قريبةٌ ... من قبل أَن تتقطَّع الأَسباب ثَبْتٌ فلا طولُ الزّيارة ناقِصٌ ... منه وليس يزيده الإِغْباب حَظَر الوفاءُ عليّ هَجْرَك طائعاً ... وإذا اقُتِسرتُ فما عليّ عِتاب قلت له أحسنت، وتذاكرنا قول أبي العلاء المعري في الخيال: لو حَطَّ رحليَ فوق النجم رافعُه ... أَلفيتُ ثَمَّ خَيالاً منكَ مُنْتَظِري وأبلغ من هذا في بعد المسافة: وذكرتُ كم بين العَقِيق إلى الحمى ... فَجِزْعُت من أَمد النَّوى المُتَطاوِل وعَذَرْتُ طَيْفَك في الجفاء فإِنه ... يَسْري فيُصْبِحُ دونَنا بمراحِلِ ثم أنشدني الأمير أسامة قصيدةً نونية، لنفسه، منها: مُحَيّاً ما أَرى أَمْ بَدْرُ دَجُنْ ... وبارُق مَبْسِمٍ أَم برقُ مُزْنِ وثغرٌ أم لآلٍ أَم أَقاحٍ ... وريقٌ أَم رَحيقٌ بنت دَنّ ولحظٌ أَم سِنانٌ ركّبوه ... بأَسمرَ من نبات الخَطّ لَدْن ومنها: فيا مَنْ منه قلبي في سعيرٍ ... وعيني منه في جَنّاتِ عَدْنِ إِذا فكَّرتُ في إِنفاق عُمري ... ضَياعاً في هواك قَرَعْتُ سِنّي وآسَفُ كيف أَخْلَق عهدُ ودّي ... وآسي كيف أَخلف فيك ظنّي وأَعجبُ ما لقيتُ من الليالي ... وأَيُّ فِعالها بي لم يَسُؤْني تَقَلُّبُ قَلْبِ مَنْ مَثْواه قلبي ... وجَفْوَةُ مَنْ ضَممتُ عليه جفني وأنشدني لنفسه من قصيدة: حتّامَ أَرغبُ في مَودَّة زاهدِ ... وأَروم قُرْبَ الدّار من مُتباعِدِ وإِلامَ أَلتزمُ الوفاء لغادرٍ ... جانٍ وأُسْهِرُ مُقْلَتَّي لراقد وأَقول هِجْرَتُه مَخافَةَ كاشحٍ ... يُغْري بنا وحِذَارَ واشٍ حاسِدِ وأَظُنُّهُ يُبدي الجفاءَ ضَرورةً ... وإِذا قطيعُته قطيعةُ عامد يا هاجراً أَفنى اصِطباري هَجْرُه ... وابتَزَّ ثوبَ تَماسُكي وتَجالُدي كيف السّبيلُ إلى وِصالك بعدما ... عَفَّيْتَ بالهِجران سُبْلَ مَقاصدي ويلومُني في حَمْلِ ظُلْمِك جاهلٌ ... يَلْقى جَوى قلبي بقلبٍ باردِ يَزْري على صَبْري بصبرٍ مُسْعِدٍ ... ويَصُدُّ عن دمعي بطرفٍ جامد أَتُراك يعطِفُك العِتابُ وقلّما ... يَثْني العِتابُ عِنانَ قلبٍ شارد هَيْهات وصْلُك عند عَنْقا مُغْرِبٍ ... ورضاك أَبْعدُ من سُهًى وفراقد وَمِنَ العَناءِ طِلابُ ودٍّ صادقٍ ... من ماذقٍ وصلاحُ قلبٍ فاسد وأنشدني لنفسه في الحباب من أبيات: وقدعلاها حَبابٌ ... كاللؤللؤ المنظومِ رأَيت شمسَ نهارٍ ... قد رُصِّعتْ بالنُّجوم واجتمعنا عند الملك الناصر صلاح الدين بدمشق ليلةً، وكان يلعب بالشطرنج، فقال لي الأمير أسامة: أما أنشدك البيتين اللذين قلتهما في الشطرنج. فقلت: هات فأنشدني لنفسه: أُنْظُر إلى لاعبِ الشِّطْرَنْج يجمعُها ... مُغالِباً ثم بعد الجمعِ يَرْميها كالمرءِ يكدحُ للدُّنْيا ويجمعُها ... حتى إِذا مات خَلاّها وما فيها

стр. 279

وأنشدني لنفسه، وقد نظمه في غرضٍ له في نور الدين ﵀: سلطانُنا زاهِدٌ والناس قد زهَدِوا ... له فكلٌّ على الخيراتِ مُنْكَمِشُ أَيّامُه مثلُ شهِر الصوم طاهرةٌ ... من المعاصي وفيها الجوع والعطش وأنشدني لنفسه: أَأَحْبابنا هَلاّ سَبَقْتُمْ بوَصْلِنا ... صُروفَ اللّيالي قبل أَن نتفرّقا تشاغلتمُ بالهَجِر والوَصلُ مُمْكِنٌ ... وليس إِلينا للحوادث مُرْتَقى كأَنّا أَخذنا مِنْ صُروفِ زماننا ... أَماناً ومن جَوْرِ الحوادثِ مَوْثِقا وقال: قمرٌ إذا عاينتُه شَغَفاً به ... غَرَسَ الحياءُ بوجْنَتَيْه شَقيقا وتلهّبتْ خجَلاً فلولا ماؤُها ... مُتَرَقْرِقا فيها لصار حَرِيقا وازورّ عني مُطْرِقاً فأَضّلني ... أَنْ أَهتدي نحو السُّلُوِّ طريقا وقال: صَدَّ عنّي وأَعْرَضا ... وتناسى الذي مضى واستمرّ الصدود وانْ ... قطع الوصلُ وانقضى واختفتْ في الهوى ذُنو ... بٌ بَدَتْ حين أَبْغضا صرَّح الآن هَجْرُه ... لي بما كان عَرَّضا كلُّ عَيْبٍ يبين في السُّ ... خْط يخفى مع الرِّضا وإِذا اسُتْعِطف المَلو ... لُ تجنّى وأَعرضا ليتَ مَنْ مَلّني وأَنْ ... حَل جِسْمي وأَمرضا عاد بالوصلِ أَو قضى ... فيَّ بالعدل إِذْ قضى وقال: أَقولُ للعينِ في يومِ الوَداعِ وقدْ ... فاضتْ بدمعٍ على الخدَّيْنِ مُسْتَبِقِ تَزَوّدي اليومَ مِنْ توديِعهم نَظَراً ... ثم افَرُغي في غدٍ للدَّمْعِش والأَرق وقال في المعنى: يا عينُ في ساعِة التَّوْديع يَشْغَلُكِ الْبك ... اء عن آخر التّسْليم والنّظَرِ خُذي بحَظِّكِ مِنْهمْ قبلَ بَيْنِهِم ... ثم اجهَدي بعدَهُمْ للدَّمْعِ والسَّهَر وقال: يا مُدَّعي الصَّبر عن أَحبابه ولهُ ... دَمْعٌ إذا حَنَّ ذِكْراهُمْ يُكَذِّبُهُ خَلَّفَتْ قلبك في أَرضِ الشآم وقد ... أَصبحتَ في مصر يا مغرورُ تَطْلُبه هلاّ غداةَ النّوى استصحبته وإِذا اخْت ... ار المُقامَ فهّلا كنتَ تَصْحَبُه أَفردتَه بالأَسى في دار غُرْبَته ... وعُدتَ لا عُدتَ تَبْكيه وتَنُدُبه هَيْهاتَ قد حالتِ الأيّام بَيْنَكُما ... فَعَزِّ نَفْسَك عمّا عَزَّ مَطْلَبه وقال: صبري على فَقْدِ إِخواني وفُرْقَتِهمْ ... غَدْرٌ وأَجْمَلُ بي من صَبْرِيَ الجزَعُ تقاسَمَتْهُمْ نوًى شَطَّتْ بهم ورَدًى ... فالحيُّ كالمَيْتِ ما في قُرْبِه طَمَعْ وأَصبحتْ وَحْشَةُ الغَبْراء دونَهُمُ ... مِنْ بَعْدِ أُنْسي بهم والشَّمْلُ مُجْتَمِعُ وعِشْتُ مُنْفِرداً منهم وأُقْسم ما ... يكاد مُنْفَرِدٌ بالعيش ينَتْفع وقال: ما حِيلتي في المَلول يَظْلِمُني ... وليس إن جار منه لي جارُ وِدادهُ كالسَّحاب مُنْتَقِلٌ ... وعهده كالسَّرابِ غَرّارُ آمَنَ ما كنتُ منه فاجأَني ... بغدره والمَلولُ غدّار عَوْني عليه مدامِعٌ سُفُحٌ ... وزَفْرَةٌ دون حَرّها النار وقال: أَصبحتُ لا أَشكو الخطوبَ وإِنما ... أَشكو زماناً لم يَدَعْ لي مُشْتكى أَفنى أَخّلائي وأَهلَ مَوَدَّتي ... وأَباد إِخوانَ الصّفاء وأَهلكا عاشوا براحَتِهم ومُتُّ لِفَقْدِهم ... فَعَليَّ يَبْكي لا عليهم مَنْ بكا وبَقِيتُ بعدَهُمُ كأَنَّي حائرٌ ... بمفَازةٍ لم يَلْقَ فيها مَسْلَكا وقال: ونازحٍ في فُؤادي مِنْ هَواه صَدًى ... لم يُرْوِ غُلَّتَه عَلِّشي ولا نَهَلي

стр. 280

في فيهِ ما في جِنانِ الخُلْد من دُرَرٍ ... ومن رُضابٍ ومن خمرٍ ومن عسل لو كنتُ أَعلمُ أَنّ البين يفجَؤني ... رَوَّيْتُ قبلَ النَّوى قَلبي من القُبَل وقال: إِن يحسُدوا في السِّلْم مَنزِ ... لتي من العِزّ المُنيفِ فبما أُهين النَّفْس في ... يومِ الوغى بين الصُّفوف ولطالما أَقدمتُ إِقد ... ام الحُتوفِ على الحُتوف بعزيمةٍ أَمضى على ... حدِّش السيوف من السيوف وقال: إِلقَ الخُطوبَ إِذا طرقْ ... نَ بقلبِ مُحْتَسِبٍ صبورِ فسينقضي زمنُ الهمو ... م كما انقضى زمنُ السّرور فمن المحال دوامُ حا ... لٍ في مدى العُمْرِ القصير وقال: بكاءُ مِثْلِيَ مِنْ وَشْك النَّوى سَفَهُ ... وأَمرُ صَبْرِيَ بعد البَيْنِ مُشْتَبِهُ فما يُسَوِّفُني في قُرْبِهمْ أَمَلٌ ... وليس في اليأس لي رَوْحٌ ولا رَفَه أُكاتِمُ الناسَ أَشْجاني وأَحِسَبُها ... تَخْفى، فيُعْلِنُها الِإْسقامُ والوَلَه كأَنني من ذُهول الهمّ في سِنَةٍ ... وناظري قَرِحُ الأَجفانِ مُنْتَبِه أَذنبتُ ثم أَحلتُ الذنبَ من سَفَهٍ ... على النَّوى وَلَبِئْس العادُة السَّفَه أَقمتُ طَوْعاً وساروا ثم أَنَدُبُهمْ ... هلاّ صَحِبْتُ نواهم حيثُ ما اتّجهوا أضرَّ بي ناظرٌ تدمى مَحاجِرُه ... وخاطرٌ مُذْ نَأَوْا حَيْرانُ مُنْشَدِه فما يلائمُ ذا بعد النّوى فَرَحٌ ... ولا يروق لهذا منظرٌ نَزِه سَقُيْاً لدهرٍ نِعْمنا في غَضارته ... إذ في الحوادث عما ساءنا بَلَهُ وعيشُنا لم يخالط صفوَه كَدَرٌ ... وودُّنا لم تَشُبْ إِخلاصَه الشُّبَه مضى وجاء زمانٌ لا نُسَرٌّ به ... كلُّ البريَّةِ منه في الذي كرهوا وقال في الزهد: مَثُوبةُ الفاقِد عن فَقِده ... بصبره، أَنفعُ مِنْ وَجْدِه يَبْكيه في حُزْنٍ عليه فهل ... يَطْمَعُ في التّخليد منْ بَعْدِه ما حيلةُ النّاس وهل مِنْ يدٍ ... لهمْ بدفع الموت أو صَدِّه وُرودُه لا بدّ منه فما ... يُنْكَرُ مالا بُدَّ مِنْ وِرْده سِهامُه لم يَسْتَطِعْ رَدَّها ... داوودُ بالمُحْكَمِ من سَرْدِه ولا سليمانُ ابْنُه ردَّها ... بِمُلْكِه والَحْشِد من جُنْدِهِ عَدْلٌ تساوى الخَلْقُ فيه فما ... يُمَيَّزُ المالِكُ من عبده كلٌّ له حَدٌّ إِذا ما انتهى ... إِليه وافاه على حَدِّه تجمعُنا الأرضُ وكلُّ امرئٍ ... في لحده كالطفل في مَهده أَما ترى أَسلافنا عَرّسوا ... بمنزلٍ دانٍ على بُعْدِه تَبَوّءوا الأرضَ ولم يُخبِروا ... عن حَرِّ مَثْواهُمْ لا بَرْدِه لو نطَقوا قالوا التُّقى خيرُ ما ... تَزَوَّد العبدُ إلى لَحدِه فارجِع إلى الله وثِقْ بالذي ... أتَاك في الصّادقِ مِنْ وعده للصابرين الأَجرُ والأَمْنُ مِنْ ... عذابه والفوزُ في خُلْده وقال: أَيُّها المَغْرورُ مَهْلاً ... بَلَغَ العُمْرُ مَداهُ كم عسى مَنْ جاوز السب ... عين يبقى كم عساه أَنَسِيتَ الموتَ أَم، أَمَّنَ ... ك الله لظاه تظِلمُ الناسَ لِمَنْ تر ... جوه أو تخشى سطاهُ أَنت كالتَّنور يَصْلى الن ... ار في نفع سِواه وقال يرثي ولداً له: أَزور قبرك والأشجانُ تمنعُني ... مِنْ أَن أَرى نَهْجَ قَصْدي حين أَنصرفُ

стр. 281

فما أَرى غير أَحجارٍ مُنَضَّدَةٍ ... قد احْتَوَتْكَ ومأْوى الدُّرَّةِ الصَّدَفُ فأَنْثنى لستُ أَدري أَين مُنْقَلَبي ... كأَنّني خائف في الليل يَعْتَسِف إِن قصّر العُمْرُ بي عن أَن أَرى خَلَفاً ... له ففي الأَجر عند الله لي خَلَف أَقول للنفس إِذ جدَّ النِّزاعُ بها ... يا نفسُ ويَحْكِ أَين الأهلُ والسَّلف أَليس هذا سبيل الخَلْق أَجمِعِهم ... وكلُّهُم بوُرودِ الموت مُعْتِرف كم ذا التأَسُّفُ أم كم ذا الحنين وهل ... يَرُدُّ مَنْ قَدْ حواه قَبْرُه الأَسَف وقال: تَقَلُّبُ أَحوالِ الزّمان أَفادني ... جميلَ الأسى في يَنُوب من الخَطْبِ إِذا حَلَّ ما لا يُستطاع دِفاعُه ... فما أَجملَ الصبرَ الجميل بذي اللُّبّ وقال: صَبْراً لأَيامٍ تنا ... هتْ في مُعاندتي وعَضّي فالدَّهْرُ كالميزان ما ... يَنْفكُّ مِنْ رفعٍ وخَفْضِ هذا مع الأَفْلاكِ مُرْ ... تفعٌ وذا بحَضيض أَرْضِ وإِلى الفناء جميعُ مَنْ ... خَفَضَتْه أَو رَفَعَتْهُ يُفْضي وقال: أَرجأْتُ كُتْبي إِلى حين اللقاءِ فقد ... أَكْدى رَجائي وزاد الشوقَ إِرجائي وأَلجأَتْني إِلى صبري مَوانِعُ أَيّ ... امي فلم يُسْلِني سَعْي وإِلجائي حتى أَحاطَتْ بيَ الأشواقُ واشْتملتْ ... عليَّ واسْتحوذَتْ مِنْ كل أَرجائي فهل سبيلٌ إِلى قُربٍ يُميط شَجَا ... صَدْري فقد طال تَبْريحي وإِشجائي وقال: حُسْنْ التّواضعُ في الكريم يَزيدُه ... فَضْلاً على الأَضْراب والأَمْثالِ يكْسُوه مِنْ حسن الثَّناءِ مَلابِساً ... تَنْبو عن المُتَرَفِّع المُخْتال إِنّ السيول إِلى القَرارِ سَريعةٌ ... والسّيْل حَرْبٌ للمكان العالي وقال وكتب بها إلى ولده الأمير مرهف من حصن كيفا جواباً عن كتاب أنفذه إليه مع مستميحٍ لم يتمكن من بلوغ مآثره من بره: أَبا الفوارس ما لاقْيتُ من زمني ... أَشدَّ من قَبضِه كَفّي عن الجُودِ رأى سَماحي بِمَنْزورٍ تجانفَ لي ... عنه وُجُودي به فاجْتاح مَوْجُودي فِصرْتُ إِن هَزّني جانٍ تَعَوَّدَ أَنْ ... يَجْني نَدَايَ رآني يابِسَ العُود وقال في المعنى: أَبا الفوارس إِن أَنكرتَ قَبْضَ يَدي ... مِنْ بعد بَسْطَتِها بالجُودِ والكَرَمِ فالذَّنْبُ للموتِ أَرجاني إِلى زَمنٍ ... غَلَّتْ أَكُفَّ النّدى بُؤْساه بالعَدَم وقال: حَذَّرَتْني تَجارِبي صُحْبَةَ الع ... لَمَ حتّى كَرِهْتُ صُحْبَة ظّلِي ليس فيهم خِلٌّ إِذا ناب خَطْبٌ ... قلتُ ما لي لدِفَعْه غيرُ خِلّي كُّلُهْم يَبْذُل الوِداد لدى اليُسْر ... ولكنهم عِدىً للمُقِلِّ فاعْتَزِلْهُم ففي انفرادِك مِنْهُم ... راحةُ اليَأْسِ من حِذار وذُلٍ وقال: سُقُوفُ الدُّورِ في خَرْبِرْتَ سُودٌ ... كَسَتْها النّارُ أَثوابَ الحِدادِ فلا تَعَجبْ إذا ارتفعتْ علينا ... فلِلْحَظِّ اعتناءٌ بالسَّواد بياضُ العَيْنِ يكسُوها جَمالاً ... وليس النّورُ إلاّ في السَّواد ونور الشَّيْب مكروهٌ وَتْهوى ... سوادَ الشَّعْرِ أَصنافُ العِباد وطِرْسُ الخطِّ ليس يُفيدُ عِلْماً ... وكلُّ العِلْم في وَشْي المِداد وقال يرثي ولده عتيقاً: غالَبَتْني عليك أَيدي المَنايا ... ولها في النّفوس أَمرٌ مُطاعُ فَتَخَلَّيْتُ عنك عَجْزاً ولو أَغ ... نى دِفاعي لطال عنك الدِّفاعُ وأَرادتْ جَميلَ صَبْري فرامَتْ ... مَطْلباً في الخُطوب لا يُسْتطاع وقال فيه:

стр. 282

كلما امتدّ ناظري ردّهُ الدَّمْ ... عُ حَسِيراً عن أَن يرى لكَ شِبْها لم يَرُقْني مِنْ بعد فَقْدِك مَرْأًى ... فيه للعَيْنِ مُسْتَرادٌ وَمْلهى كنتَ عندي أَلذَّ مِنْ رَغَد العَيْ ... شِ وأَحلى من الحياة وأَشهى وقال في مدح الملك الناصر صلاح الدين سلطان مصر والشام واليمن: سَمِعَتْ صُروفُ الدَّهْرِ قولَ العاتِبِ ... وَتَجَنَّبَتْ حَرْبَ المَليكِ الحارِبِ وَتجافتِ الأيّامُ عن مَطْلوبه ... ومُرادِه، أَكْرِمْ به من طالب هُوَ مَنْ عَرَفْنَ فلوْ عَصاهُ نهارُه ... لرماه نَقْعُ جُيوشِه بَغياهِب وإِذا سَطا أَضْحَتْ قلوبُ عُداتِه ... تُلْوى كَمِخْراقٍ بِكَفَّيْ لاعِبِ مَنْ ذا يُناوي النّاصرَ المَلك الذي ... في كفه بَحْراً ردًى ومَواهِب وإِذا سرى خِلْتَ البَسيطَة لُجَّةً ... أَمواجُها بَيْضٌ وبيضُ قَواضِب مَلَكَ القُلوبَ مَحَبَّةً وَمهابةً ... فاقتادَها طَوْعاً بَهْيَبِة غاصِب وله في الشيب والانحناء والعصا: حَنانيَ الدَّهْرُ وأَب ... لَتني اللّيالي والغِيَرْ فصِرْتُ كالقَوْسِ وَمِنْ ... عَصَايَ للقوْسِ وَتَرْ أَهْدِجُ في مَشْي وفي ... خَطْوي فُتورٌ وَقِصَر كأَنني مُقَيَّدٌ ... وإِنّما القَيْدُ الكِبَرُ والعُمْرُ مِثْلُ الماء في ... آخره يأْتي الكَدَر وله في الخيال: يا هاجِراً راضياً وغَضْبانا ... ومُعْرِضاً هاجِداً ويَقْظانا هَجَرْتَ إِمّا لِهَفْوَةٍ فَرَطَتْ ... منّي وإِمّا ظُلْماً وعُدْوانا طَيْفُك ما باله يُهاجِرني ... مَنْ أَعْلَمَ الطَّيْفَ بالذي كانا وله: يُهَوِّنُ الخطبَ أَنَّ الدهرَ ذُو غِيَرٍ ... وأَنّ أَيامَه بَيْنَ الوَرى دُوَلُ وأَنّ ما ساء أَو ما سَرّ مُنْتَقِلٌ ... عنّا وإِلاّ فإنّا عنه نَنْتَقِل وله: تناسَتْنِيَ الآجالُ حتى كأَنّني ... رَذِيَّة سَفْرٍ بالفَلاةِ حَسِيرُ ولمّا تَدَعْ مِنْي الثّمانُون مُنَّةً ... كأَني إِذا رُمْتُ القِيام كَسِيرُ أُودّي صَلاتي قاعداً وسُجودُها ... عليَّ إِذا رُمتُ السُّجودَ عَسير وقد أَنذرتْني هذه الحالُ أَنني ... دَنَتْ رِحْلَةٌ مني وحان مَسِير وله من قصيدةٍ يصف ضعفه في كبره من قطعة: فاعجبْ لضعفِ يدي مِنْ حملِها قلماً ... مِنْ بعد حَطْمِ القَنا في لَبَّةِ الأسَدِ وأنشدني أيضاً لنفسه: ليَ مَوْلىً صَحِبْتُه مَذْهَب العُمْ ... رِ فلَمْ يَرْعَ حُرْمَتي وذِمامي ظنّني ظِلَّه أُصاحِبُه الدَّهْ ... رَ على غير نائلٍ واحترام فافْترقنا كأَنّه كان طَيْفاً ... وكأَني رأَيْتُه في المنامِ وللأمير مجد الدين مؤيد الدولة ابن منقذ في مدح الملك الناصر: لَهْفي لِشْرخِ شَبِيبتي وزَماني ... وتَرَوُّحي لفُتُوَّةٍ وطِعانِ أَيّامَ لا أُعطي الصَّبابَة مِقْوَدي ... أَنَفاً، ولا يَثْني الغَرامُ عِناني وإذا اللّواحي، في تَقَحُّمِيَ الوَغى ... لا في المُدامِ ولا الهوى تَلْحاني وإِذا الكُماةُ على يقينٍ أَنَّهُمْ ... يَلْقى الرَّدى في الحرب مَنْ يَلْقاني أَعْتَدُّهُمْ وهُمُ الأُسُود فرائِسي ... فهمُ دَرِيئةُ صارِمي وسِناني والأُسْدُ تلقى مِثْلها مني إِذا ... لاقَيْتُها بقُوى يدٍ وجَنانِ كم قد حَطَمْتُ الرُّمْحَ في لَبّاتِها ... فَتَرَكْتُها صَرْعى على الأَذقان حتى إذا السَّبْعُون قَصَّرَ عَشْرُها ... خَطْوي وعاث الضَّعْفُ في أَركاني

стр. 283

أَبْلَتْنِيَ الأيّامُ حتى كلَّ عَنْ ... ضَرْبِ المُهَنَّدِ ساعِدي وَبناني هذا وكمْ للدّهرِ عندي نَكْبَةٌ ... في المال والأَهلين والأوطان نُوَبٌ يَروض بها إِبايَ وقد عَسا ... عُودي فما تَثْنيه كَفُّ الحاني لا أَستكينُ ولا أَلينُ وقد بَلا ... فيما مضى صَبْري على الحِدْثان فالآن يطمَع في اهتضامي إنه ... قد رام أَمراً ليس في الإِمكان والناصرُ الملك المُتَوَّجُ ناصِري ... وعُلاه قد خَطَّتْ كتابَ أَماني قد كنتُ أَرهَبُ صَرْفَ دَهْري قبلَه ... فأَعاد صَرْفَ الدَّهْرِ من أَعواني أَنا جارَه ويدُ الخُطوبِ قصيرةٌ ... عن أَن تنال مُجاوِرَ السُّلطْان مَلكٌ يَمُنُّ على أسارى سَيْبِه ... فيُعيدهُم في الأَسر بالإِحْسان خَضَتْ له صِيْد المُلوكِ فِمِنْ بُرى ... أَقلامِه غُرَرٌ على التيجان مَلأَ القلوبَ مَحبَّةً وَمهابةً ... فَخَلَتْ من البغضاء والشَّنَآن لي منه إِكرامٌ عَلَوْتُ به على ... زُهْرِ النُّجوم ونائلٌ أَغناني قَرَنَ الكَرامَة بالنَّوالِ مُوالياً ... فعَجِزَتْ عن إِحصاء ما أَولاني فَنَداهُ أَخْلَفَ ما مضى مِنْ ثَرْوَتي ... وبقاؤه عن أُسْرتي أَسْلاني فَلأَهْدِيَنَّ إِلى عُلاه مَدائحاً ... تَبْقى على الأَحْقاب والأَزْمان مِدَحاً أَفوقُ بها زُهَيْراً مثْلَما ... فاقَ المليكُ الناصرُ ابنَ سِنان يا ناصِرَ الإِسلام حينَ تخاذَلَتْ ... عنه الملُوك ومُظْهِرَ الإِيمان بك قد أَعزّ اللهُ حِزْبَ جُنودِه ... وأَذَلَّ حِزْبَ الكفرِ والطُّغْيان لمّا رأَيْتَ النّاسَ قَدْ أَغواهمُ الشّيْ ... طانُ بالِإلْحادِ والعِصْيانِ جَرَّدْتَ سَيْفَكَ في العِدى لا رَغْبَةً ... في المُلكِ بل في طاعِة الرَّحمانِ فضربْتَهم ضَرْبَ الغرائب واضِعاً ... بالسَّيْفِ ما رفعوا من الصُّلْبان وغَضِبتَ للهِ الذي أَعطاك فَصْ ... لَ الحُكْمِ غِضْبَةَ ثائرٍ حَرَّان فقتلتَ مَنْ صَدَق الوَغى ووسَمْتَ مَنْ ... نجَّى الفِرارُ بِذِلَّةٍ وهَوان وبذلتَ أمَوالَ الخَزائن بعد ما ... هَرِمَتْ وراء خَواتمِ الخُزَّان في جمع كلِّ مُجاهدٍ ومُجالِدٍ ... ومبارزٍ ومُنازِلِ الأَقران من كلِّ مَنْ يَرِدُ الحروبَ بأَبيضٍ ... عَضْبٍ ويصْدُرُ وهو أَحْمَرُ قان ويخوض نيران الوغى وكأنّه ... ظَمْآنُ خاضَ مَوارِدَ الغُدْران قومٌ إِذا شِهدوا الوغى قال الورى ... ماذا أَتي بالأُسْدِ مِنْ خَفّان؟ لوْ أَنهم صَدَموا الجبال لَزَعْزَعوا ... أَركانها بالبِيض والخِرْصان فهمُ الذّخيرةُ للوقائع بالعِدى ... ولفتحِ ما اسْتَعْصى من البُلدان أَنت الذي علمتهم ... فارس الفرسان فاسلم مدى الأيام يا مَنْ ما له ... ثان واسْعَد بشهر اللِه فهو مُبَشِّرٌ ... لعُلاكَ بالتَّأْييد والغُفْران في دَوْلةٍ عَمَّتْ بنائلها الورى ... فدعا لها بالخُلْدِ كلُّ لِسان وله في الهزل: خَلَعَ الخَليعُ عِذاره في فِسْقِه ... حتى تَهَتَّك في بُغًي ولِواطِ يأْتي ويُؤْتى ليس يُنْكِر ذا ولا ... هذا كذلك إِبرُة الخيّاط وله: يا عاتِبينَ عِتابَ المُسْرتيب لنا ... لا تَسْمَعوا في الهوى ما تَدّعي التُّهَمُ

стр. 284

مَنْ لي بأَنّ بَسيطَ الأَرض دوَنكُمُ ... طِرْسٌ وأَنّيَ في أَرجائه قَلَم أَسعى إِليكم على رأَسي ويمنعني ... إِجلاليَ الحُبَّ أَنْ يَسْعى بيَ القَدَم وله قصيدة مشهورة كتبها إلى دمشق بعد خروجه منها إلى مصر في زمان بني الصوفي كتبها إلى الأمير أنر، ويشير إلى بني الصوفي، أنشدنيها لنفسه وهي ذات تضمين: وَلُوا ولمّا رَجَوْنا عَدْلَهُمْ ظَلَموا ... فليتَهُمْ حَكَموا فينا بما عَلمِوا ما مَرّ يوماً بفكري ما يَريُبُهمُ ... ولا سعتْ بي إلى ما ساءُهمْ قَدَمُ ولا أَضَعْتُ لهم عهداً ولا اطّلَعَتْ ... على ودائعهم في صَدْرِيَ التُّهَم فليتَ شِعْري بِمَ استْوجَبْتُ هَجْرَهُمُ ... مَلُّوا فَصَدَّهُمُ عن وَصْلِيَ السَّأَم حَفِظْتُ ما ضَيَّعُوا أَغضيْتُ حينَ جَنَوْا ... وَفَيْتُ إِذ غدروا واصلتُ إذْ صَرَموا حُرِمْتُ ما كنتُ أَرجو مِنْ وِدادِهمُ ... ما الرّزقُ إلّا الذي تَجْرِي به القِسَم مَحاسِني مُنْذُ مَلُّوني بأَعْيُنِهِمْ ... قَذًى وِذكرِيِ في آذانِهمْ صَمَم وبعدُ لوْ قيلَ لي ماذا تُحِبّ وما ... هَواكَ من زِينة الدُّنْيا لقلتُ هُمُ هُمُ مجالُ الكَرى من مُقْلَتَيَّ ومن ... قلبي مَحَلُّ المُنى جارُوا أَوِ اجْتَرَمُوا تَبَدَّلُوا بي ولا أَبغي بهم بَدَلاً ... حسبي هُمُ أَنصفوا في الحُكمِ أَو ظلموا يا راكِباً تَقْطَعُ البْيداَء هِمَّتُه ... والعِيسُ تعِجَزُ عمّا تُدْرِكُ الهِمَمُ بَلِّغْ أَميري مُعينَ الدّين مَأْلُكَةً ... مِنْ نازح الدار لكن ودُّه أَمَم وقُلْ له أَنتَ خَيْرُ التُّرْك فَضَّلَك الْح ... ياء والدّينُ والإِقدام والكَرَم وأَنتَ أَعدلُ من يُشْكي إِليه ولي ... شَكِيَّةٌ أَنت فيها الخصمُ والحَكَمُ هَلْ في القضّية يا مَنْ فَضْلُ دَوْلَتهِ ... وعدلٌ سيرته بين الورى عَلَم يضيعُ واجِبُ حقّي بعد ما شَهِدَتْ ... به النّصيحةُ والإخِلاصُ والخِدَم وما ظنَنْتُك تنسى حقَّ مَعْرِفتي ... إِن المعارف في أَهل النُّهى ذِمَم ولا اعتقدتُ الذي بيني وبينك مِنْ ... ودٍّ وإِن أَجلب الأعداءُ ينَصَرِم لكن ثِقاتكُ ما زالوا بعَتْبِهِمُ ... حتَّى استوتْ عندك الأنوارُ والظُّلَم باعُوك بالبَخْس يَبْغُون الغِنى ولهمْ ... لَوْ أَنَّهم عَدِمُوك الوَيْلُ والعَدَم وللهِ ما نصحوا لما استشرتَهُمُ ... وكلُّهمْ ذو هوًى في الرأي مُتَّهَم كم حَرَّفوا من مَعانٍ في سَفِارتَهِمِ ... وكم سَعَوْا بفسادٍ ضَلّ سَعُيُهُم أَين الحِمَيَّةُ والنفسُ الأَبِيَّةُ إِذ ... سامُوكَ خُطَّةَ خَسْفٍ عارُها يَصِم هَلاّ أَنِفْتَ حياء أَو مُحافظةً ... من فعل ما أَنكرته العُرْبُ والعَجَم أَسْلَمْتَنا وسُيوفُ الهندِ مُغْمَدَةٌ ... ولم يُرَوِّ سِنان السَّمْهَرِيِّ دَم وكنتُ أَحسِبُ مَنْ ولااك في حَرَمٍ ... لا يعتريه به شَيْبٌ ولا هَرَم وأَنَّ جارك جارٌ للسَّمَوْأَلِ لا ... يَخْشى الأعادي ولا تَغْتالُه النِّقَم وما طُمانُ بأَوْلى من أُسامةَ بالْو ... فاءِ لكن جرى بالكائن القلمُ هَبْنا جَنَيْنا ذُنوباً لا يُكَفِّرُها ... عُذْرٌ فماذا جَنى الأطفالُ والحُرَمُ أَلقيتَهُمْ في يد الإِفْرَنْج مُتَّبِعاً ... رضى عِدًى يُسْخِط الرَّحْمنَ فِعْلُهُم

стр. 285

هُمُ الأعادي وقاك اللهُ شَرَّهُمُ ... وهمْ بَزْعِمهمُ الأعوانُ والخَدمَ إذا نهضتَ إِلى مَجْدٍ تُؤَثِّلُهُ ... تقاعدوا، فإِذا شَيَّدْتَه هَدَموا وإِن عَرَتْكَ من الأَيّام نائبةٌ ... فكُلُّهُمْ للذي يُبْكيك مُبْتَسِم حتّى إِذا ما انْجَلَتْ عنهم غَيابتَهُا ... بِحَدِّ عَزْمِك وهو الصّارِمُ الخَذِم رَشَفْت آخر عَيْشٍ كُلُّه كَدرٌ ... وَوِرْدُهُمْ مِنْ نَداك السَّلْسَلُ الشَّبِم وإِن أَتاهُمْ بقَوْلٍ عنك مُخْتَلَقٍ ... واشٍ فذاك الذي يُحْبى وُيْحَتَرم وكُلُّ مَنْ مِلْتَ عنه قَرَّبوه وَمَنْ ... وَالاكَ فَهْو الذي يُقْصي ويُهْتَضَم بَغْياً وكُفْراً لِما أَوْلَيْتَ مِنْ مِنَنٍ وَمَرْتَعُ البَغْي لولا جَهْلُهُمْ وَخِم جَرِّبْهُمُ مِثْلَ تجريبي لِتَخْبُرَهُمْ ... فللرّجال إِذا ما جُرّبوا قِيَمُ هل فيهمُ رُجُلٌ يُغْني غِنايَ إِذا ... جَلَّى الحوادثَ حَدُّ السَّيْفِ والقلم أَمْ فيهُم مَنْ له في الخَطْبِ ضاق به ... ذَرْعُ الرجال يَدٌ يَسْطو بها وَفَمُ لكنّ رأيَك أَدْناهُمْ وأَبْعدني ... فلَيْتَ أَنّا بقدر الحُبّ نَقْتَسِم وما سَخِطْتُ بِعادي إذْ رضِيتَ به ... وما لِجُرْحٍ إذا أَرضاكم أَلم ولستُ آسى على التَّرْحال من بلدٍ ... شُهْبُ البُزاةِ سَواءٌ فيه والرَّخَم تعلَّقَتْ بحبال الشَّمْسِ فيه يدي ... ثم انثنتْ وهي صفْرٌ مِلْؤُها نَدَم فاسلم فما عشْتَ لي فالدَّهْرُ طَوْعُ يدي ... وكلُّ ما نالني من بُؤْسِه نِعَم وأردت أن أورد من نثره ما يزهر فجره ويبهر سحره، فوجدت له جواب كتابٍ كتبه القاضي الفاضل ابن البيساني إليه من مصر عند عوده إليها ونحن بدمشق سنة إحدى وسبعين، وأثبت أولاً الرسالة الفاضلية وهي أديبة غريبة، صنيعةٌ بديعة، جامعة للدرر، لامعة بالغرر، وهي: وصل كتاب الحضرة الشامية الأجلية، المؤيدة الموفقة المكرمة، مجد الدين، قدوة المجاهدين، شيخ الأمراء، أمين العلماء، مؤيد الدولة، عز الملة، ذات الفضيلتين، خالصة أمير المؤمنين، لا زالت رياض ثنائها متناوحة، وخطرات الردى دونها متنازحة، والبركات إلى جانبها متوالية، والليالي بأنوار سعادتها متلالية، والأيام الجافية، عن بقية الفضل بها متجافية، وأحكامها الهافية، تاركةً للمجد فيها فئةً تتحيز إليها المكرمات إذا لم يكن لها فيه. فأنشده ضالة هوى كان لنشدانها مرصدا، ورفع له ناراً موسويةً سمع عندها الخطاب وآنس الخير ووجد الهدى، وكانت نار الغليل، في فؤاده بخلاف نار الخليل، فإنها لا تقبل ندى الأجفان بأن يكون برداً وسلاما، ولا ترى بمائها إلا أضرى ما كانت ضراما، وشهد الله حوالةً على علمه بما هو فيه، لا إحالةً بما يخالفه الضمير وينافيه، ولقد كان العبد ناكس الرأس خجلاً، غضيض الطرف حياء، مقيد النظر إطراقاً، حصر القول تشورا منه، فارقها على تلك الصفة فلا هو قضى من حقها فرائض لزمت، والله وتعينت، ولا الضرورة في مقامها بحيث تبلغه أنسها أذنت، ولا مدت هذه الطيفية والسحابة الصيفية بالنوى المستأنفة ما اقتربت، ولا الأيام بالبعد ما أساءت فإنها بالقرب ما أحسنت: وإن امرءًا يَبْقى على ذا فؤادُه ... ويُخْبِرُ عنه إِنه لصبور ويعود إلى ذكر الكتاب الكريم، وسجد لمحرابه وسلم، وحسب سطوره مباسم تبسم، ووقف عليه وقوف المحب على الطلل يكلمه ولا يتكلم، وهطل جفنه وقد كان جمادى ودمعه وقد كان على صفحة المحرم، وجدد له صبابةً لا يصحبها أمل، وخاف أن لا يدرك الهيجاء حمل، وقال الكتاب: إنّا مُحَبُّوكَ فاسْلَمْ أَيُّها الطَلَلُ وعز والله عليه أن يدخل كاتبه القلوب ويخرج من المقل، وأنشد نيابةً عنها: وإِن بلاداً ما احْتَلتْ بي لعاطِلٌ ... وإنّ زماناً ما وفى لي لَخَوّانُ
следующие страницы →