← Адаб

Адаб · id 12815

خريدة القصر وجريدة العصر - أقسام أخرى

العماد الأصبهاني الكاتب

Полный текст (895 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

فقيهٌ عارفٌ بالأصول، أديب شاعر عروضي، وهو أخو أبي جعفر وكان له شعر طيّب، دخل عليه جماعة في داره بالمعرة ليلاً فقتلوه وذلك في سنة ثمان أو تسع وخمسين وخمسمائة. وهو فقيه شاعر أديب عارف بالعروض. أنشدني له عبد القاهر بن المهنّا قاضي معرّة مصرين: يا خليليَّ سَقِّياني كُمَيتاً ... لقَّبوها بدرَّة الأقداحِ أنقذاني من نشوة الهمِّ بالرّا ... حِ فصَحوي في نشوةٍ من راحِ بينما أذَّنَ المؤذِّنُ بالعُو ... د اتّئدْ للصَّبوحِ قبل الصّباح إذ تجلّى من مشرق البيت بدرٌ ... يحمل الشمس في عمودِ صباحِ فحَبا أوجُهَ النَّدامى شُعاعاً ... حسَرَت منه مُقلَةُ المِصباح وله: يا هند ما هذا الجفاء، أما له ... من آخرٍ، ولكلِّ شيءٍ آخرُ ووَعَدْتِ من طيف الخيال بزَورَةٍ ... أنّى، ودونَ الطَّيف طَرفٌ ساهرُ ومن شعره كتبه إلى أبي العلاء المُحسِّن بن أبي النّدى الفقيه سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة في مهرجان وافق أوّل شهر رمضان: للَّه يومُ المِهرجان وطيبُه ... لو لمْ يكدِّرْهُ الصِّيامُ المُقبلُ ما كان أحلاه لشُربِ مُدامَةٍ ... ووِصال معشوقٍ يجودُ ويبذُل وسلافةٍ خُلِقَتْ، وآدم طينةٌ ... فمضت بأصلاب الكروم تنقَّل حتى إذا ما حان وقت ظهورها ... عنباً أُتيحَ لها الزمان الأعدلُ وسقى فروَّى من ثرى زرَجونها ... نَوءُ الثُّريّا والسِّماك الأهطلُ سمحتْ لها الأنواءُ ماءَ عُيونها ... من قبل أن سمحَتْ بها قُطْرُبُّلُ فبدا كما صنع الثُّريّا ربُّها ... عنقودُها المُتَنَظَّمُ المُتهلِّلُ أبو جعفر محمد بن حوّاري من المعرة شاب من تُنّائها. مسكنه بحلب. أنشدني لنفسه بدمشق في ذي الحجة سنة سبعين: توَقَّ زوالَ الحسنِ عند كماله ... ولا تكُ من صَرفِ النَّوى غيرَ خائف أَلم ترَ أنَّ الوَردَ لما تكاملتْ ... محاسنُه أودت به كفُّ قاطف وأنشدني لنفسه: لاحظتُه فبدا النَّجيعُ بخدِّه ... فاقتصَّ، لا متعدِّياً، من ناظري فكلاهما حتى الممات مُضرَّجٌ ... بدمائه من جائر أو ثائر وأنشدني لنفسه: خَفِ الزَّمانَ ولا تأمن غوائلَه ... فما الزمان على شيءٍ بمأمونِ غداً ترى الشَّعرَ قد غطَّت غياهبه ... ضياءَ خدِّكَ فاستسعيتَ في الهون الشيخ عبد الرحمن الواعظ المعري

стр. 317

الملقّب بشمس الدين، من المعاصرين، يعرف في الشام بابن المنجِّم، وتوفي بدمشق بعد العَود إليها سنة ستين وخمسمائة، ذو البديهة المستجيبة، والقريحة العجيبة، والمنطق واللسن، والكلام الحسَن، والقالة والحالة، والتحقيق والتدقيق، والمنظر الصبيح، والمِقوَل الفصيح، اجتمعت له الصباحة والفصاحة، والبهجة واللهجة، مواعظه مبكية مضحكة، وكلماته بالوعيد منجية مهلكة، إذا وعظ كانت عباراته أرقّ من عبرات الباكين، وإذا انشد كانت غرره آنَقَ من درر الناظمين، وثغور الضاحكين. حضرت ببغداد مجالسه وشهدت محاسنه فألفيته جوهريّ الوقت، جهوريّ الصوت، وهو كما قال الحريريّ: بزواجر وعظه يقرع الأسماع، وبجواهر لفظه يطبع الأسْجاع، وبكلامه يأسو الكُلوم، ويجلو الهموم، وبنكته يَنكُتُ العقولَ ويَبهَتُ الحُلوم، فما رأيت في مجلسه إلاّ قلوباً ترقّ، ودموعاً تترقرق، وجيوباً تُشَقَّق، ونفوساً تكاد من وجدها تزهَق، وأنفاساً تتصاعد، وحُرَقاً تتزايد، وأيدياً إلى قابل التوب تُرفَعْ، وشعوراً لقِطْع الحَوب تُقطع. قال يوماً وقد قصَّ شعر شاب، من التوّاب. شابٌّ جفا، قصَّ شعره بمقصّ الوفا، وألبسه قميصاً كان عليه وقال: من وافقَ وفَّق، فقصَّ بقصصه وأشعاره شُعوراً، فكأنَّه بنغماته داوُدُ يتلو زَبورا، وخرج أعيان أهل من ثيابهم إليه، وخلعوها عليه، فقلتُ يجب أن نُسَمِّيَه المَعرّي المُعرّي، وأنا في حدود خمس عشرة سنة، وكان ذلك يوم عاشوراء بالمدرسة النظامية سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، ولم أزل إلى آخر سنة إحدى وخمسين ألقاه في محافل الأماثل، ومجالس الأفاضل، ولم يزل شحّاذاً أخّاذاً، فصّالاً قوّالاً، نتّاشاً حوّاشا، فاتقاً راتقا، ماهراً حاذقا، لا يخلو يوماً شرَكُه من صيد، لو رآه الحريريُّ لم يذكر أبا زيد، له في كلِّ حادثٍ حديث، وفي كلِّ خطبٍ خطبة، وفي كلِّ نائبٍ نوبة، وفي كلِّ ملِمٍّ إلمام، وفي كلِّ جمعة جمع، وفي كل سبت وقت، وفي كل نادٍ نداء، وفي كل ناشئٍ إنشاء، وفي كل فصلٍ فصل، وفي كلِّ سهم نصْل، وفي كل مدخَلٍ دُخول، وإلى كل مَحفِلٍ وصول، وإلى كل موردٍ ورود، وفي كل مشهَدٍ شهود، وفي كل مأتمٍ نِياحة، وفي كلِّ يَمٍّ سِباحة. حضرت عند شيخ الشيوخ إسماعيل الصوفي ببغداد وهو قائم يورد فصلاً، ويملأ الجمع فضلاً، ومما أنشأه على البديهة وأنشده فيه بيتين علِقا بالحفظ، لرقة المعنى واللفظ، وهما: يا أخلاّئي وحقِّكُمُ ... ما بقي من بعدِكم فَرَحُ أيُّ صَدرٍ في الزمان لنا ... بعد صدر الدين ينشرحُ وسمعته يُنشد في سيدنا وأستاذنا شرف الدين يوسف الدمشقي المفتي ببغداذ: مَن ذا يُباهي أو يُضا ... هي في الخليفة أو يُلاسنْ لفقيهها الشرفِ الذي ... جمع المكارمَ والمحاسنْ وكان له على الواعظ علي الغزنويّ، الملقب ببرهان الدين، رسمُ تعهُّدٍ، فسمعته يُنشده يوماً: يا مَن يطوفُ بكعبة ال ... إحسانِ منه المُستميحُ إن طاف طوفانٌ بنا ... من عُسرةٍ فنَداكَ نوح أو ظَلَّ عازَرُ قصدِنا ... ميتاً فجَدواكَ المسيح وأثْرَتْ ببغداد حاله، ونمى مالُه، وحلَت عيشته، وحَلِيَت معيشته، وكان مولعاً بالاستكثار، من نكاح البكار، وهو ذو حظٍّ من النسوان، وقَبولٍ عند الحِسان، أنشدني له في بعضهنّ: جارةٌ قد أجارها الْ ... حُسْنُ من كلِّ جانب فهي بين النساء كال ... بدر بين الكواكب وأقام ببغداد حتى تبغدذ، وتمتع فيها وتلذّذ، وكان نظيفاً عفيفا، نظيفاً ظريفا، غلب على نظمه الإكثار، واستوى في نظمه الصُّفْر والنُّضار، قوّة إيراده وحسن إنشاده يُطَرِّقان بين يدي الضعيف من شعره، ويُنَفِّقان الزّيف من نظمه ونثره، وربما سمحت بديهته بما تضِنُّ به رَوِيَّة الفضلاء، من نوادر تبْهَر خواطر الشعراء، وتُفحِم شقاشق البلغاء. ومما أنشدنيه لنفسه ببغداذ سنة خمسين وخمسمائة بيتين في الطبقة العليا، في ذم الدنيا وهما: أُفُِّ للدُّنيا وأُفُّ ... كلُّ مَنْ فيها يلفُّ مثلُ خيّاطٍ حريص ... كلّما شلَّ يكُفُّ وآخران في وصف فرسٍ أدهم: وأدهَمَ يستعيرُ الليلُ منه ... وتطلعُ بين عينيه الثَّريّا

стр. 318

إذا لاح الصباحُ يطير طيراً ... وتُطوى دونه الأفلاكُ طَيّا وأنشد له من غزَلِ قصيدةٍ عمِلها في مدائح الإمام المقتفي لأمر الله ﵁: يا ساهراً عبراتُه ذُرُفٌ ... في الخَدِّ إلاّ أنَّها علَقُ أتُقيمُ بعدَهُمُ وقد رحلوا ... ومطيّتاك الشوقُ والقلق وقال بديهاً وقد سمعني انشد بعض الأصدقاء قطعة سمعتها في الجرب من جملتها: دب في الجسم والتهب، فقطع علينا الإنشاد وأنشأ يقول: دبَّ في الجسم والتهبْ ... فهو كالنار في الحطبْ صِحْتُ من حَرِّ نارهِ ... صيحةَ السُّخط والغضب مُتعِبٌ قلبيَ الجَرَبْ ... ومُطيلٌ ليَ النَّصَبْ فمتى يأمُلُ الخَلا ... صَ مُعنّىً به تعِب مطَرَتْ قلبَهُ الهمو ... مُ فأودت به السُّحُب فهو ما فوق جسمه ... طافياتٌ من الحَبَب وأنشدني أيضاً لنفسه: ولمّا أصبح الوصلُ ... صحيحاً ما به داءُ أتى الهَجرُ فلا سِينٌ ... ولا هاءٌ ولا لاءُ ولا ميمُ ولا راءُ ... ولا حاءُ ولا باءُ يعني أتى الهجر فلا سهلاً ولا مرحبا. واحسن ما أنشدنيه لنفسه في وصف الشارب والخال والوجنة: وشاربٍ مثل نصفِ الصاد صادَ به ... قلبي رشاً ثغرُه أنقى من البرَدِ كأنَّما خالُه من فوق وجْنتِه ... سوادُ عينٍ بدا في حُمرَةِ الرَّمَدِ وأنشدني لنفسه في تفاحةٍ ذات لونين حمرة وصفرة: تفّاحةٌ ذكَّرني نصفُها ... خدَّ حبيبي حين قبَّلْتُهُ ونصفُها الآخر شبَّهْتُه ... صفرةَ لوني حين ودَّعته بنو المهنّا في المعرّة قاضي معرة مصرين هو: أبو محمد عبد القاهر بن علويّ بن المُهنّا شابٌّ لقيتنه بحماة في شوال سنة إحدى وسبعين وخمسمائة. وأنشدني لنفسه يخاطب قاضي حلب في نائبه وكاتبه: لا عجَبٌ إن خرِبَ الشامُ أو ... أَقْوَتْ مَغانيه ولا غَرْو قد أصبح المجدُ به حاكماً ... وأصبح المُنشي له ضَوْ مولايَ مُحيي الدين، غيِّرهما ... عنّا فتَحْوى شُكرَنا أو وأنشدني لنفسه، في المُعَمّى، في الدّواة: وما أمٌّ يجامِعُها بنوها ... جِهاراً فهي حاملةٌ عقيمُ ترى أولادَها فيها رُقوداً ... يُضَمُّ عليهم رحِمٌ رحيمُ تُصانُ عن الغبيِّ الغمر ضَنّاً ... بها وينالُها النَّدبُ الكريمُ ومما أنشدنيه أيضاً قوله: وشادنٍ أهيَفَ عاتبتُه ... على تمادي الهَجر والصَّدِّ فأرسل الدمع على خدِّهِ ... فكان كالطّلِّ على الورد وقوله: يلومني اللائم في الْ ... حُبِّ لعلّي أنتهي وفي فؤادي حسرَةٌ ... لفَرطِ وجدي أنت هي وقوله: لا غروَ إن كنت ذا فقرٍ وآخرُ قد ... نالَ الأمانيَّ من مالٍ ومن ولدِ فالجهلُ والمالُ ملزوزان في نمَطٍ ... والفضل والفقر مقرونان في صفدِ وقوله: لهَفي على مهفهفٍ ... يتيه دَلاًّ وصِبا أصبحتُ بعدَ بينِه ... نِضواً كئيباً وصِبا مال فؤادي في الهوى ... إليه عمداً وصَبا يحنو عليه كلّما ... هبَّت جَنوب وصَبا وقوله من أول قصيدة: أَشاقَكَ رَبْعٌ بالعواصم ماحِلُ ... فدمعُكَ مسفوحٌ وجسمُكَ ناحِلُ وجَفنُكَ مَقروحٌ وقلبك خافقٌ ... وصبرك مسلوبٌ وحالُكَ حائِلُ وما ذاك إلاّ أنَّ سكان رامةٍ ... تولَّوا فأقوَتْ أَرْبُعٌ ومنازل عمُّ أبيه: أبو سلامة محمود بن علوي ابن المهنا بن الفضل بن عبد القاهر بن الرشيد بن المهنا ذكره ابن ابن أخيه قاضي معرة مصرين، وذكر أنه كان تاجراً بحلب وتوفي سنة خمس وخمسمائة عن سبعين سنة ومن شعره في المعرة: أنا من بلدةٍ قضى اللهُ يا صا ... ح عليها كما ترى بالخرابِ

стр. 319

قتلوا أهلها وبادوا جميعاً ... من شيوخٍ وصِبيةٍ وشَبابِ وله في بني منقذ: تَمَفْضَلْتُمُ يا بني مُنقذٍ ... وجهلُكمُ واضحٌ ظاهرُ وأنكرتمُ فضلَنا في الورى ... وذلكُمُ بَيِّنٌ باهرُ ومنّا البليغ ومنّا الرشيد ... ومنّا المرصّع والناظر وهمْ فضلاء لهم في القريض ... يدٌ لا يطاولها شاعر وحيث ذكر هؤلاء في شعره فنحن نورد لكل واحد منهم أبياتاً. فمن شعر: المرصَّع وهو أبو المكارم الفضل بن عبد القاهر جد أبي سلامة قوله: ليلي وليلى نفى نومي اختلافَهما ... بالطول والطَّوْلِ، يا طوبى لو اعتدلا يجودُ بالطُّول ليلي كلما بَخِلَتْ ... بالطَّوْلِ ليلى وإن جادتْ به بَخِلا وقوله في الناظر ابن أخيه: يا ابن أخي إن أردت ظلمي ... وأَخْذَ مالي بغير حقِّ صبرتُ، واللهُ ذو امتنانِ ... ما عاش خَلْقٌ بغير رزق وقوله: قلَّ الحفاظُ فذو العاهات في دَعَةٍ ... والشهمُ ذو الرأي يُرْزى في سلامتِه كالقوسِ تُحفَظُ عمداً وهي مائلةٌ ... ويُبعَدُ السهمُ قصداً لاستقامته وقوله في فاصد: لم أَنْسَ دستَ حكيمٍ ... أبداه يوماً لفَصْدِ ترى المباضع فيه ... قد نُضِّدَتْ أيَّ نَضْدِ كمِثل أقلام تِبرٍ ... تُمَدُّ من لازَوَرْدِ ومن شعر: الناظر أبي نصر المهنّا بن علي بن عبد القاهر قوله: جَرادٌ وأعاريبُ ... ورومٌ وأبو مُسلمْ أيا ربِّ لك الحمدُ ... فأنت المُفْضل المنعمْ وقوله في الشقائق: كأنّ الشقائق والأُقْحوان ... خدودٌ تُقَبِّلُهُنَّ الثغورُ فهاتيك أخجلَهُنَّ الحَيا ... وهاتيك أضحكهنَّ السرور ومن شعر: البليغ وهو أبو الماجد أسعد بن علي، أخو الناظر، وكان من معاصري أبي العلاء بن سليمان. قوله يرثي أبا المجد محمد بن عبد الله بن سليمان: جليلٌ رزؤنا فيه جليلُ ... عليه لكل عايلةٌ عويلُ فأكثِرْ ما استطعتَ الوَجدَ فيه ... ولا تُقْلِلْ، فمُشْبههُ قليلُ أَضيقُ بحملِ هذا الخطب ذَرْعَاً ... على أني لك أسىً حَمول ولو قُصِدَ التناصفُ كان أَوْلَى ... من العَبراتِ أرواحٌ تَسيل ومنها: إذا أعطَتك دنياكَ الأماني ... فقد أعطتك همّاً لا يزول ومنها: تقَضَّى العمر فيه وما تقضَّى ... عليه الوجدُ والحزن الطويل ومن شعر: أبي اليُمن الرشيد بن علي بن المهنا في القطايف: شفاءُ نفسي لو به أُسْعِفَتْ ... قطايفٌ تَعْذُبَ في اللَّقْمِ يشهدُ بالشَّهدِ لنا ظاهر ... وباطنٌ في اللون والطعم كأنها الإسفَنجُ في مائه ... غريقةً في دُهنِها الجَمِّ القطيط ويلقب أيضاً ب البديع هو أبو الحسن علي بن محمد بن علي العبسي من معرة النعمان. كتب لي القاضي أبو اليسر الكاتب من شعره مما كتبه إلى جده القاضي أبي المجد محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن سليمان: نداك، ابنَ عبد الله، ليس بمقتضي ... ومثلُك في اللَّزْبات مَن دفع الجُلَّى وأَعتدُّ تقليدي لغيرك مِنّةً ... وإن هي حَلَّتْ منه في عُنقي غُلاّ تعافُ سؤالَ الفرع نفسي نفاسةً ... إذا وجدتْ فيما تحاوله أصلا ولا سيَّما العَضْب الذي منك جَرَّدتْ ... يدُ المجد، ما أَنْبَاه خَطبٌ ولا فلاَّ أَعَمُّ الورى جُوداً وأمنعُهم حِمىً ... وأوفاهُمُ قَوْلاً وأحسنُهم فعلا أبو سعيد يحيى بن سند المعلم بالمعرة ذكر القاضي أبو اليسر أنه كان معلماً. وأنشدني من شعره هذه الأربعة أبيات وهي تُقرأ على سبعة أوزان: جودي على المُسْتَهْتَر الصَبِّ الجَوِي ... وتعطفي بوصاله وترحّمي

стр. 320

ذا المبتلى المتفكرِ القلبِ الشجي ... ثم اكشِفي عن حاله لا تظلمي وصلي ولا تستكبري ذنبي الدني ... وترأَّفي بالوالِه المُتَتَيِّمِ يبدو القِلى بتغيُّرِ الحِبِّ الأبي ... المتلفي بكماله المُستَحكِمِ أبو عبد الله بن واصل كان من المعروفين لقيت يحيى ابن ابنه أبي سالم وكان نائب جمال الدين وزير الموصل بحلب في الأيام الأتابكية، ثم أقام بدمشق وتوفي بها، وابنه الآن مستوفي دمشق. وكان هذا، أبو عبد الله، معاصر أبي المجد جد أبي اليسر. وأنشدني أبو اليسر لأبي عبد الله بن واصل في جده: لا أَمْلَكَ اللهُ هذا الحكمَ غيرَكُمُ ... ولا انقضى من أبٍ إلاّ إلى ولدِ ولا خَلَتْ منكمُ الدنيا فإنكمُ ... بني سليمانَ، منها الرُّوحُ في الجسدِ الفيّاض بن جعفر من أهل المعرة أنشدني القاضي تقي الدين أبو اليسر الكاتب للفياض من قصيدة في مرثية جد أبيه القاضي أبي محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله بن سليمان: يا عاذلي أَقْصِرْ، عدمْتُك عاذلا ... فلقد غدوتَ بمن رُزِئْنا جاهلا ومنها: يا قاضياً ما زال في أحكامه ... كبني أبيه الغُرِّ بَرَّاً عادلا لله أيُّ نهىً وأيُّ جلالةٍ ... أَوْدَعْتُ منكَ صفائحاً وجَنادلا ومنها: قاضٍ قضى الرحمن فيه أنّه ... مُذْ كان يحكم حكم عَدلٍ فاصلا متواضعاً لله جلَّ ثناؤه ... وإن اعتدى للنَّيِّرَيْن مُطاوِلا يُمضي اليراعَ عواملاً في كفه ... فيرُدُّ ماضيةَ الرماح عواطلا ودُروج كُتْبٍ قد ثَنَيْنَ كَتائباً ... أَدْرَاجَها وقنابلاً وقبائلا بذّالُ ما يحويه في طلبِ العُلى ... أيامَ يَغْدُو كلُّ خَلقٍ باخلا ومنها: من ذا يُجيب مَسائلَ الفقه التي ... ما غيرُه عنها يجيب السائلا أبني سليمانَ الأكارم إنكمْ ... ما زِلتمُ للخائفين معاقِلا سُدْتُمْ وساد جُدودكم فهناكم الرّ ... حمنُ عاجلَ فضلكم والآجلا أبو المواهيب المعري عبد المحسن بن صدقة بن عبد الله بن حديد من شعراء المعرة المعروفين، وعاش بعد سنة خمسمائة، ووقعت إليّ له قصيدة في مدح القاضي أبي علي عمار بن محمد بن عمار، بطرابلس، فخر الملك ذي السعدين يهنئه فيها بعيد الفطر سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة وذلك قبل استيلاء الفرنج خذلهم الله عليها وهي نقلتها من خط ابن النقار الكاتب الدمشقي: مُحِبٌّ من البَيْن المبرِّحِ مُشفِقُ ... يكاد من التفريق في النوم يَفْرَقُ إذا سَجَعَتْ وُرْقُ الحمام خوالياً ... شَجاه وإن هَوَّمْن فهو مُؤَرَّق وغيرُ عجيبٍ أن ينوح مُقَيَّدٌ ... إذا ما تغنّى في الأراك مُطوَّق أَأَحبابَنا جُرْتُم مع البَيْنِ فاعدِلوا ... وجُزْتُمْ مدى هِجرانكم فَتَرَفَّقوا ففيكم على طبع الجفاء نواعمٌ ... يُرِينَ لُباناتِ الهوى كيف تَعْلَق سَدَلْنَ دُجى لَيْلِ الذّوائب واعتلت ... وجوهٌ بها مثل الأهلَّة تُشرقُ فلا صبحَ إلاّ ما تنفّسَ مُسفِرٌ ... ولا ليلَ إلاّ ما يعسعسُ مَفرِقُ ولا نارَ إلاّ ما تجُنُّ أَضالعي ... ولا ماء إلاّ دمعيَ المُترقرق ولمياءِ أطرار الظلال، تمايلت ... علينا غصون بالنسيم وأَسْؤُقُ تثنّى على شَدْو الحمام وإنَّها ... لتُصْبَحُ من كأس الجِمام وتُغْبَقُ إذا ذَكَتِ الشِّعرى العَبورُ أَقالَنا ... بها الحَرَّ دوحٌ ممطِرُ الظِّلِّ مُورِقُ لجأْنا إليها عائذين ببانِها ... وغدرانُها من تحتها تتدفّقُ وقد رشفتنا الشمس حتى سيوفنا ... على وَقدها لم يبق فيهنَّ رونق

стр. 321

إذا ورَدَ الظمآنُ صلَّ بغِمده ... مَشوقاً إلى الماء الحسامُ المُذَلَّقُ ولم يغنه شربٌ من الدم أحمرٌ ... وقد شاقه وِردٌ من الماء أزرق ورُبَّ فلاةٍ جبتُها وهو مؤنسي ... وخَيفانَةٍ تجري مِراراً وتُعنِق إذا سابقتها الرّيح شدَّت بأربعٍ ... فآلت وبَرَّت أنها ليس تُسبَق قطوفٌ على جذب العِنان وإنَّها ... من السهم ما بين الخميسين أَمرق وردتُ بها في الشام ماءَ معاشرٍ ... نداهم على وُسْعٍ من المال ضيِّق مكارمهم وعدٌ ولا خيرَ خلفَها ... وودّهمُ المصنوعُ منهم تملُّق تمخَّضَ لي بالوعد عاماً أَكُفُّهم ... وخلَّفتُها خلفي به وهي تُطلَقُ يَمُنّونَ إن مَنَّوا ومَنُّوا بنَزره ... ولا خيرَ في طوقٍ من التبر يَخنُقُ وظِلْتُ أُخَطِّيها البلادَ ودونَها ... طرابُلُسٌ حيث الأماني وجِلّق ورجَّحتُ ما بين الملوك فمال بي ... رجاءٌ بذي السَّعدين أوفى وأوفق مليكٌ به الآمالًُ ألقَتْ عصا النّوى ... فقرَّتْ وفي اوصافه المدح يصدُق زجرْتُ به طيرَ المُنى فسَنَحْنَ لي ... وطائرُه الميمونُ فيها مُحلِّق وعرَّضَ لي غيثٌ على الشَّيْم مُرعِدٌ ... من الشام ثجَّاجُ السحائب مُغدِق توالى فلولا رحمةٌ منه أقلعَتْ ... لَخُيِّلَ أنّي فيه لا شكَّ أَغرَقُ هو البحر إلاّ أنَّه غيرُ مالحٍ ... هو البدرُ إلاّ أنَّه ليس يُمْحِقُ له خُلُقٌ كالرّوضِ حُسناً وبهجةً ... هي السيف بل أمضى، ورأيٌ موفَّق ومن ذا الذي يستصعبُ الرزقَ بعدما ... درى أنَّ يُمناهُ عن الله تَرزُق وَفَيْنَ الليالي خِيفةً عنه من فتىً ... يُصمِّم في أحداثها ويُطَبِّق حمى الثَّغرَ من رشف المواضي فقد كفى ... تأَشُّبَ ما يحميه سورٌ وخندَق لكم، آل عمّارٍ، على الجود مَسحَةٌ ... سحابُ النّدى فيها من التِّبر مُغدِقُ مُساويكُمُ في الدهر طَولاً برغمه ... جَهولٌ بما فيكم من المجد أحمق فلا تشكر الأقدارَ يا بنَ محمدٍ ... على الملك إنَّ الله فيك محقِّق أَلاق عليٌّ شَمله وسما له ... به الدَّسْتُ إلاّ أنَّه بك أَلْيَق فلا زلتَ فخرَ الملك، تؤمن خائفاً ... ويخشاك حسّاد ويرجوك مُملِق وهُنِّيتَ داراً وطَّد السَّعدُ أُسَّها ... فصار إلى النّجم البناءُ المُوَثَّق تقابل فيها الحُسن من كلِّ وِجهةٍ ... فأقطارُها من نور وجهكَ تُشرق متمَّمَةُ الطّول الذي ليس يُرتَقى ... مُجدّدة السّعد الذي ليس يَخلُق سمَتْ بك عن إيوان كسرى جلالةً ... فليس يدانيها على الأرض جَوسَق ولا زلتَ تلقى العيدَ، جيشك وافرٌ ... به ولواء المجد فوقك يخفق وقد رُفعتْ راياته فكأنّها ... مصوَّرةٌ، عن صدق بأسك تنطق أَساودُها وثّابةٌ وأُسودها ... بِشَرْي مُجاجات الرّدى تتَمَطَّق سواكن ما لم تقلَقِ الرّيحُ بُرهةً ... وتسكن فيها الريح طَوراً فتقلَق فقل للعِدى آراؤه الدّهرُ فاحذروا ... سُطاه، ومن راياتِه الأُسْدُ فافرَقوا فليثُ الشَّرى يُخشى على الأرض وَثْبُه ... فكيف به إن جاء وهو محلِّق وقد رسَفَتْ في السّابِرِيِّ مَقودَةٌ ... تهادَى بها خيلٌ حوالَيكَ سُبَّق تَخالَجُ في الأبصار حُسناً كأنّما ... تَجافيفُها الضافي عليهنَّ زِئبق

стр. 322

تَزِلُّ بناتُ الدّهر عن صفَحاته ... فليس به للحادثات تَعَلُّق تَمطّى بها وَرْدٌ كُمَيْتٌ وأشهبٌ ... وأحمرُ وضّاحٌ وجَوْنٌ وأبلق ولمّا كبَت عن شأْوِها الرّيحُ وكَّلوا ... بجامحِها مَقلاً عسى الريحُ تلحَق المَقلَةُ حَصاةٌ تلقيها في الماء تعرف قدره وأظنُّها ثقلاً. ولم يُعيِها ما حُمِّلَتْهُ كأنّها ... هِضاب أقلّت ما تحوك الخدَرْنَق لكَ الله مولىً، حيث مجتَمع المُنى ... من الخَلق أضحى مالُك المُتفرِّق فتحتَ يداً تُعطي الرّجاءَ ودونها ... كما شئت بابٌ دون قذعِك مُغلَق ومن مَزّقتْ كفاه في الحمد مالَه ... فليس له بالذمِّ عِرضٌ مُمَزَّق إليكَ مديحاً راحَ فيك، ونشرُه ... من الروض أذكى بل من الطّيب أعبق أَسيرُ أياديك الجِسام مُقيَّدٌ ... عليك ثناءً وهو في الأرض مُطلَق يَضوع به النادي نشيداً كأنّما ... صفاتُك فيه فأْرُ مِسكٍ تفتَّق ويشدو به الحادي فيرتاح نحوه ... مُصيخاً إلى ذِكراك غربٌ ومشرق وفيك أطاعتني القوافي كأنّها ... لمدحك تهوى أو لنظمي تعشق وقد كسُدَت هذي البضاعةُ برهةً ... ولم تك إلاّ في زمانك تَنفُق فلا قلَصَ الظلُّ الذي قد مددتَه ... ولا انجاب هذا البارقُ المتأَلِّق وكان هذا الممدوح قد أمر بمدِّ مرَسٍ طويلٍ من أعلى داره الجديدة إلى ظاهر البلد وفيه هياكل من الوحش والخيل يتبع بعضها بعضاً على ما جرت به العادة من قبل في قلعة حلب في الميلاد وكان ذلك مقاماً مشهوداً، ومن العجائب معدودا. فقال يصف الحال ويمدحه: لك أوَّلٌ وَجْداً ولي بك ثانِ ... يا رَبعُ بعدَ تحمُّل الأظعانِ فامْزُجْ بلَدْنِ ثراكَ دمعي مُبدِياً ... لك منه نَوْرَ معالمٍ ومَغان من أسودٍ جَوْنٍ وأصفرَ فاقعٍ ... من أبيضٍ يقَقٍ وأحمرَ قانِ لو مسَّ تُربَك قبل مَنشَر آدمٍ ... لغدَوْتَ أوَّلَ نشأةِ الحيوان لَيُساجِلَنَّ الغيثَ دمعي حِقبةً ... لأَعَزِّ صَحبٍ في أعزِّ مكان يا لَلهوى كم لَجَّ فيه مُواصِلاً ... قلبي لِمَنْ قد لَجَّ في هِجراني قرَنَ التّدَلُّلَ بالتّذَلُّلِ، والرِّضا ... بالسُّخط منه، وشِدَّةً بلَيان شِبه الأُسود خلائقاً وبدائهاً ... للناس في خَلْقٍ من الغِزلان فتراه يَحرُن بعد ما ينقاد لِلْ ... عُشّاق أو ينقادُ بعدَ حِرانِ فكأنه أحوال إخواني به ... عند التقلُّب أو صروف زماني يتخلَّقون الوُدَّ إلاّ أنَّهم ... خُلقوا من البغضاءِ والشَّنآن قد أجلبوا غيظاً عليَّ ولم أُبَلْ ... بدراً طلعتُ لحاسدي فعواني فهُمُ الكتابُ لبعضِ ما في طيِّهِ ... ما يُستدَلُّ عليه بالعنوان ولقد أمِنتُهمُ بواحد عصره الط ... ائيّ في بذل السماح الثاني خِفتُ الزّمان فمُذْ حلَلْتُ ببابه ... جاءت إليَّ صروفه بأمان أبدى مناقبه لأُحسن وصفَها ... فكفيته وأنالني فكفاني وثنى مكارمَه إليَّ ووجهَه ... فاقتادني بالحُسن والإحسان وافى إلى هرِمٍ زهيرٌ وانتهت ... بالأخطل الدنيا إلى مروان ولوِ ابنُ ثابت نال نيلي لم يَفُهْ ... بمدائح ابن الأيهم الغسّاني ولقد غدوت أَعدُّ منه قرابةً ... مَتّ النبيُّ بها إلى سلمان عزَّتْ طرابُلُسٌ فيالكِ بلدةً ... طالت بمالكها على البلدان موجٌ بظاهرها وموجٌ باطنٌ ... سبحان مُحرزِها من الطّوفان

стр. 323

يا حسنَها في ليلةٍ راحتْ بها ... في الله وهي كثيرة النيران ميلادُ مَن لم تشتهر أعمامُه ... لكن خُؤولته بنو عمران هذا البيت يدلُّ على قلَّة دين قائله بل على المُروق منه فإن عيسى ﵇ لم يكن له أب، وهو يقول لم تشتهر أعمامه. والدارُ رابية البناء كأنما ... حَلَّ الوفود بها على كيوان لاثوا بها مَرَساً وقد بَطِرَت بما ... نظرت به خوفاً من النَّزَوان بذَّ الخيولُ بد الأُسودَ وأُدركتْ ... غِزلانه بكواسر العِقبان وانقضَّ فارسه به فكأنّه ... نجمٌ يصوِّبُه على شيطان يا منعماً آمنته من ذايمٍ ... حَمداً وآمَنني من الحِرمان لو كان ما أُثني عليك بقدر ما ... أوْلَيْتَني لمَدَحْتُ بالقرآن لكنني في وصف فضلك باقلٌ ... وأَزيد عند سواك عن سَحبان يَفديك قومٌ ضاع شِعري فيهمُ ... وغدوتُ جارَهُمُ فضاع زماني أزرى بفضلي نقصُه إذ لم أكن ... كُفؤاً له ومدحتُه فهجاني أنتَ الّذي أَعذبتَ وِرْدَ مطالبي ... وأطلت في أمد الرّجاء عِناني أَنْسَتْ طرابُلُسٌ بما أوليتَ لِلْ ... مملوك طيب معرَّة النُّعمان ومن شعر: مواهيب بن حديد المعرّي هذي الخميلةُ للربيع المُونِقِ ... من وَشْيِ ذاك البارق المُتأَلِّق ومنها: والشِّعر مثل الشَّعر يُسعدُ أَسْوداً ... فإذا تبيَّضَ عاد بالحظِّ الشّقي في كلِّ يومٍ للقوافي عَثْرَةٌ ... يَشْقى بها حظّي وخِجْلَةُ مُطرق أُسقى الثِّماد، وليتني مع قِلَّةٍ ... فيه بأول نهلةٍ لم أَشْرَق ومنها: وتلفَّتتْ بغدادُ ترجو مَقدَمي ... فِعلَ المُحبِّ إلى الحبيب الشَّيِّق فصرفتها شوقاً إلى ذي جبلَةٍ ... وتركت كلّ مُلوك أهل المشرق وجعلت أنتقد الكرام وأصطفي ... ملكاً يليق به المديح وأنتقي فحللت بالمتبرِّع المُتطوِّل الْ ... هَطِل الجواد الماجد المتحلق جُمعَت محاسنُه إلى إحسانه ... فتأَلَّفَتْ فيه ولم تتفرَّق طبعاً بغير تطبُّعٍ، صُنعاً بغيْ ... رِ تصنُّعٍ، خُلْقاً بغير تخلُّق فَتَكاتُه بنواله في ماله ... فتكاته يوم الوغى في الفيلَق الطَّلقُ وجهاً، والفوارسُ تدَّعي ... والثَّبْتُ جأْشاً، والمواكبُ تلتقي غَمْرُ المطاعم، والسحاب بخيلةٌ ... فسحُ المطاعن في المجال الضيِّق ترك الملوك له الشجاعةَ والنَّدى ... رغماً لأدْرَبَ بالأُمور وأَحْذَق فاحْلُلْ به يَفضِل، وسَلْ يفصِلْ، وقل ... يسمع، وصِفْهُ على غُلُوِّكَ تَصْدق واجلِبْ إذا نزل الملوكُ محامداً ... كَسُدَت إلى سوق المُقَدَّم تَنفُق ومتى عداك الرزق فاسأل فَضْلَ مَن ... أجراه من كفِّ المُفضّل، تُرزق فتحَ الرّجاءُ لكلِّ حاجب حاجةٍ ... من عند بابكَ كلَّ بابٍ مُغلَق فأَصِخْ بسمعكَ نحو روضِ سجيَّةٍ ... من راحتيك وزهرةٍ من منطقي مدْحٌ سرى في الأرضِ وهو مُقيَّدٌ ... بك وصفُه، يا لَلأَسير المطلقِ وسمعت أنه كان كثير التخليط، مائلاً إلى جانبي الإفراط والتفريط، أوضَع في تلف نفسه عَنَقَه، فضرب بعض ملوك اليمن عُنُقَه. أبو الحسن علي بن جعفر بن الحسن بن البوين من أهل المعرّة ذكره لي الأمير مؤيد الدولة أسامة بن منقذ وقال: كان يخدم جدّي، ثم انتقل إلى مصر وكتب إلى والدي قصيدةً، وكتب والدي إليه في جوابها قصيدةً. وأنشدني الأمير أسامة لابن البوين: ليلُ الشباب يُغطِّي كلَّ سيِّئةٍ ... فاحذر نهار مَشيبٍ كاشف الرِّيَب

стр. 324

إيّاك أن تصبحَ الأيّامُ تاليةً ... من سوء فعلك ما يبقى على الحقب وذكره أبو الصلت أمية بن عبد العزيز في رسالة له وقال: لمْ يُقبِل الأفضل على أحد من الشعراء كإقباله على رجل من أهل معرة النعمان يُدعى أبا الحسن علي بن جعفر بن البوين، فإنَّه أفاض عليه سحائب إحسانه، وادرَّ عليه حَلوبَةَ إنعامه، ولقبه بأمين الملك وأدناه واستخلصه، ولم يكن شعره هناك بل متكَلَّفاً، ولست أعرف أحداً من أهل تلك البلاد يروي له بيتاً واحداً فما فوقه لمنافرة الطِّباع كلامه، ونُبوّ الأسماع عن طريقته. فأمره الأفضل يوماً أن يصف مجلساً عُبِّيت فيه فواكه ورياحين، فقال من مزدوَجَةٍ طويلةٍ يصف الأُتْرُجّ المُصَبَّع: كأنّما أُتْرُجُّه المُصبَّعُ ... أيدي جُناةٍ من زُنودٍ تقطَعُ فغلِطَ ولم يفطَن وأساءَ أدبه ولم يشعر، لأنَّه قصد مدح الأُترجِّ فقفَّزَ نفس الملك منه، وصرفها عنه، ولو قصد ذمَّه لما زاد على ما وصفه من الأيدي المقطوعة من زنودها. والبليغ الحاذق من إذا وصف شيئاً أعطاه حقَّه، ووفّاه شرطَه، ووصفه بما يناسبه في حالتي مدحه وذمِّه، ووضع كل شيءٍ مكانه من نثره ونظمه. وأين هذا الشاعر في أدبه ومعرفته بالصناعة وفطنته من أبي علي حسن بن رشيق حين أمره المُعزّ بن باديس بوصف أُترُجَّةٍ مُصبَّعةً كانت بين يديه فقال على البديهة: أُتْرُجَّةٌ سَبْطَةُ الأطراف ناعمةٌ ... تلقى العيونَ بحسنٍ غير مبخوس كأنَّما بسطت كَفّاً لخالقِها ... تدعو بطول بقاءٍ لابن باديس ومن شعر ابن البوين قوله: يا من تنافَسَ فيه السمعُ والبصرُ ... كما تغاير فيه الشمس والقمر ومَن تحكَّم في الأرواح فاحتكمت ... أن لا يُحكَّم فيها بعده بشر وقوله: مَنْ لا يُجازي على الإحسان مادحَه ... لم يخشَ هاجيه منه خِجلَةَ النّدم إن كنتُ قد جُرتُ في المدح المُعارِ فقد ... عدلْتُ في الهَجو إباءً على الكرم وابتعت كتباً من خزانة القصر بالقاهرة فوجدت مكتوباً بخط ابن البوين على بعضها ما ذَكر أنّه له فمن ذلك قوله: الكاتبين بأقلام السيوف على ... هام العِدى أسطُراً يَحْمِدْنَ مَنْ سطَرا الناقطين بخُرصان الذَّوابل مِن ... حروف ما زَبروا ما تُخجِل الزُّبُرا وقوله: فيم التنافسُ والحياةُ ذميمةٌ ... والدهر في صدق المواعد مائنُ عُدِمَ البقاءُ وعيشةٌ مَرضِيَّةٌ ... وسلامةٌ من سوء ما هو كائن لا تأْسَ إن منعتْكَ دَرَّةَ ثديها ... وجفَتْكَ، فالمغبون فيها غابن السابق المعري أبو اليمن بن أبي مهزول هو قريب العهد، داني العصر، سافر إلى العراق في زمان ابن جهير، واجتمع بابن الهبارية، وأحسن ما سمعت له قوله في الهجو، أنشدنيه غير واحد: إليَّ أرسلْتَ مقالَ الخَنا ... ستحرق النارُ فمَ النّافخ أقدمْتَ يا أوقحَ مِنْ أَيِّلٍ ... على ابتلاع الأرقم السّالخ يا حلقة الخاتَم يا إبرةَ الْ ... خيَّاطِ يا مِحبرَةَ الناسخ وأنشدني القاضي أبو اليسر الكاتب له بيتين في مرثية عم أبيه وادع من قصيدة: أبا مسلِمٍ لا زلتَ منّا على ذِكْرٍ ... ولا درسَتْ آياتُ عَلياك في الدهر وكنّا نُعِدُّ الصبرَ للخطب يعتري ... إلى أن أُصِبنا عند يومك بالصبر وله في غلام ينظر في مرآة: وظبيٍ قابل المرآةَ زَهواً ... فأحرق بالصّبابة كلَّ نفس وليس من العجائب أن تأَتَّى ... حريقٌ بين مرآةٍ وشمس وقوله وقد سافر إلى خراسان: قالوا تزوَّجْ بأرضٍ مَرْوٍ ... تعيشُ في غِبطةٍ وخير قلتُ صدقتم بأيِّ مالٍ ... أعيش فيها وأيِّ أَيْرِ وقال يهجو ابن البوين الشاعر: شعر البويني له روعةٌ ... ليس لها في النَّقد محصول مثلُ حِبال الشمس ممدودةً ... ما فاتها عَرْضٌ ولا طول أبو المُعافى بن المُهذَّب هو سالم بن عبد الجبار بن محمد بن المهذَّب

стр. 325

بنو المهذب كانوا في المعرة ذوي الفضل المُذْهَب، والمذهب المُهذَّب، وهذا أبو المُعافى كان في عصر مسلم بن قريش وهو أمير حلب فقال فيه: أَمُسلِمُ لا سُلِّمْتَ من جاذب الرَّدى ... تَخِذْتَ وزيراً ما شددْتَ به أزرا كسَبت، ولم تربح، بحرب ابن مُنقذٍ ... من الله والناس المذمَّة والوِزرا فمُتْ كمداً بالجسر لستَ بجاسرٍ ... عليه وعايِنْ شيزراً أبداً شَزْرا فقال شرف الدولة مسلم لما سمع: مَن هذا الرجل؟ فقالوا: من أهل المعرة رعيتك فقال: أَوْصوا به الوالي ليُحسن إليه، وحذِّروه أن يجني عليه. فهذا ما يعرفنا ولو لم تكن له شكاية من والينا لما قال هذا. وله في الخِيريّ: أُنظر إلى الخِيريّ ما بيننا ... مُقمَّصاً بالطَّلِّ قمصانا كأنما صاغته أيدي الحَيا ... من أحمر الياقوت صُلبانا وله يصف الوباء والإفرنج بالشام: ولقد حلَلتُ من الشآم ببُقعةٍ ... أَعْذِرْ بساكن ربعها المسكينِ وُبْئَتْ وجاورَها العدوُّ فأَهلُها ... شهداءُ بين الطّعن والطاعون حلب حَمَاد الخرّاط هو حماد بن منصور البُزاعيّ وبِزاعا بين حلب ومنبج، ليس بالشام في عصرنا هذا مثله رِقّةَ شِعرٍ وسلاسةَ نظمٍ، وسهولة عبارة ولفظ، ولطافة معنى، وحلاوة مَغزى، بأُسلوبٍ سالبٍ للُّبِّ، خالبٍ للخِلْبِ، وصنعةٍ عاريةٍ من التكلُّف، نائيةٍ من التعسُّف، تترنَّح له أعطاف السامعين، وتُنبِع رِقَّته في رياض اللطف الماء المَعين،. لمّا كنت بحلب وعند تردّدي إليها في عهد نور الدين، سقى الله ثراه عِهاد الرحمة مازلت أسمع من شعره ما يزيدني طرَباً، ويفيدني عُجْباً به وعَجَبا. ومن جملة ما علقته من شعر حماد، وهو يُحيي كلَّ جماد، قوله: مَنْ لعليل الفؤاد مَحزونِ ... مُتيَّمٍ بالمِلاحِ مَفتون نافسَ مجنونَ عامرٍ بهوىً ... يُعَدُّ فيه بألف مجنون غرَّر بالنفس في هوى قمرٍ ... بائعها فيه غير مغبون لَدْنِ مَهَزِّ الأعطاف يخطِر كالْ ... قضيب في دِقةٍ وفي لين جوّال عقد النِّطاقِ يجذبه ... نقاً، نبا عن أديم يَبرين يكسر بالوعد لي ممرَّضَةً ... تميتُني تارةً وتُحييني كأنما شامَ من لواحظها ... غِرارَ صافي المَتْنَينِ مَسنون يأمنُ قلبي على هواهُ وإنْ ... كان على القلب غيرَ مأْمون أقولُ للنفسِ إذ تَعَزَّزُ بالْ ... جمال عِزِّي إن شئتِ أو هوني لا صبرَ لا صبر عن محبَّة مَنْ ... أُطيعه في الهوى ويَعصيني يُسخطُني بالجفا فأَلحَظُ مِنْ ... سُخطي رِضاه به فيُرضيني وله: أما أنْباكَ طيفُك إذْ أَلَمّا ... بأَني لم أَذُقْ للنوم طَعما تؤَرِّقُني وتبعثُ لي خيالاً ... لقد أوسعتَ بالإنصاف ظُلما ولم تسمحْ به سِنةٌ ولكنْ ... يمثّله لقلبي الشَّوْقُ وَهما فدَتْكَ النَّفسُ كم هذا التجنّي ... وفيمَ تصُدُّ مُجتنباً ومِمّا وحَقِّ هواك ما أذنبتُ ذنباً ... فتهجُرَني، ولا أجرمتُ جُرما ألا يا مالكي في الحبّ عِشْقاً ... حكمتَ فمن يردّ عليك حُكما أذَلَّني الهوى لك بعد عِزّي ... وقادَتْني لك الأشواق رغْما فلا واللهِ ما أضمرتُ صبراً ... ولا والله ما أزمعت صُرْما ولا راجعتُ في الهِجران رَأْيَاً ... ولا أَمْضَيْتُ في السُّلوان عَزْمَا لِعَيْنِكَ ما أسأل العينَ دمعاً ... وجسمِك ما أذاب الجسمَ سُقْما وله: أفي اليوم يا بَيْنَ الحبيبِ أمِ الغدِ ... يُحَقُّ وعيدي أم يُقَرَّب مَوْعِدي أرى عِيسَ مَن أهواهُ تُحْدَج للنَّوى ... بعينِ ضعيف الصبر واهي التجَلُّدِ فيا لفؤادي من غرامٍ مُجَمَّعٍ ... ويا لَجفوني من مَنامٍ مُبَدَّدِ

стр. 326

ومهزوزةِ الأعطاف مال بها الهوى ... إليَّ مَميلَ الريحِ بالغصنِ النَّدي تُوَدِّعني والطَّرْفُ للطَّرْف باذِلٌ ... لطائفَ لم تسمح بها اليدُ لليدِ تقولُ وسِلْكُ الدمعِ ينثرُه البُكا ... على صَحْنِ مَطلولِ الأديم مُوَرَّد وقد زَحزحتْ ياقوتَتَيْن أضَلَّتا ... شَتيتَ أَقاحٍ كالجُمانِ المُنَضَّد تَوَقَّ بعهدي وارْعَهُ إنها نوىً ... لها أمَدٌ في جَرْيِها وكأنْ قَدِ فللهِ ما قالتْ وولَّتْ لو أنَّه ... يَبُلُّ ويَشْفي غُلَّةَ الهائم الصَّدِي قفي واسْعدينا يا سُعاد ونَوِّلي ... قليلاً وإنْ لم يُجْدِ نفعاً وزوِّدي وله: توَلَّعي يا نَسَمَاتِ نَجْدِ ... بالشِّيحِ في ذاك الحِمى والرَّنْدِ لعلّ رَيّاكِ إذا ما نَفَحَتْ ... تعودُ حَرَّ لَوْعَتي ببَرْد أصبو إلى ريح الصبا لو أنها ... تُهدي حديث الحيِّ فيما تُهْدي أسألُها هل صافحتْ مَواقِفاً ... أَوَدُّ لو صافحتُها بخَدّي أشتاق تقبيلَ ثَراها كلّما ... هاجَ اشتياقي واستطار وَجْدِي أَستودِعُ اللهَ بها قلبي فقد ... طال به بعد الفِراق عَهْدِي كان معي قبلَ رحيلي عنهمُ ... ثم رحلتُ وأقام بعدي يا قمري متى تلوحُ طالعاً ... تُطْفي بماءِ الوَصْلِ نارَ الصَّدِّ لَهْفِي على زمانِ قُرْبٍ ما وفى ... بما أُلاقي من زمانِ البُعدِ أبكي ويبكي رحمةً لي مَعْشَرٌ ... ما عندهم منَ الهوى ما عندي تجَمَّعوا فيكَ على الحبِّ معي ... لكنني كنتُ المُعَنَّى وَحْدِي ويلاهُ من شوقٍ تبيتُ نارُه ... تَشُبُّ بين أَضْلُعي وجِلْدي ومن غليلٍ في الفؤادِ كلّما ... ذكرتُ في حُبِّك صَفْوَ وِرْدي يا بَيْنُ أنجزتَ وعيدي فمتى ... تُنجِزُ أيام اللقاءِ وَعْدِي ولائمٍ عنَّفني وما درى ... أنّ ضلالي في هواك رُشْدي قلتُ له دعني فلا وحقِّه ... لا حُلْتُ عن نُصحي له وودّي أول من نظم على هذا الأسلوب ابن المعلم من بلد واسط في كلمته التي أولها: تنَبَّهي يا عَذَبَاتِ الرَّنْدِ ... كم ذا الكرى هَبَّ نسيمُ نجدِ وقد أوردتُ ذلك في أشعار الواسطيّين. وقال حمّاد الخراط: تذكَّر بالحمى عهداً فحنّا ... وأظهر من هواه ما أجنّا ولاح له على هضَبات نجدٍ ... بريقٌ يخطَفُ الأبصار وهْنا تعرَّضَ والعواذل هاجعاتٌ ... ولم يطْرُق له التغميضُ جَفنا فأنَّ صبابةً ولو أنَّ رضوى ... تحمَّلَ بعضَ لوعته لأنّا أهاتفةَ الأراكِ بكَيتِ شَجْواً ... لِوَشْكِ البين أم رجَّعْتِ لحنا دعيني والبكاءَ فلستِ منّي ... وإن هَيَّجْتِ لي شوقاً وحُزنا وما مَن ناحَ عن ثكلٍ وفَقدٍ ... كمن أوفى على فنَنٍ فغنّى كلانا يا حمامةُ، حينَ تَبلى ... سرائرُ حبِّه، الصَبُّ المُعَنّى نسيمَ الريحِ هل راوَحْتَ سهلاً ... لذاكَ الجَوِّ أم غاديْتَ حَزْنا أعِدْ نفحاتِ أنفاسِ الخُزامى ... لتنشُرَ ما طواه البينُ عنّا منىً ليَ أن أَسُفَّ شذاهُ غَضّاً ... لو انَّ المرءَ يُدرِكُ ما تمنّى وأن أُحْبى بِرَيّا البان إمّا ... ترنَّحَ في هبوبك أو تثنّى بحقِّكِ هل مسحتِ كثيبَ رملٍ ... على العلَمَيْن أم جاذَبْتَ غُصنا ألا لله أيّامٌ تقضَّتْ ... به ما كان أعذبَها وأهنا أراني كلّما أبديتُ فنّاً ... من الذِّكرى أجَدَّ لشوقُ فَنّا سقى تلكَ العهودَ عِهادُ دَمْعٍ ... يجودُ لها إذا ما الغيثُ ضَنّا

стр. 327

وقال: بدْرٌ بدا للعيونِ تَرمُقُه ... يرشُقها لحظُه وترشِقُه طالعَنا والقلوبُ مغربُهُ ... عَلاقةً والجيوبُ مَشرِقُه تيَّمني شكلُه وقامتُه ... وصادني قُرطُه وقَرْطَقُه ثناه دَلُّ الصِّبا فأَرَّقَني ... قضيبُ بانٍ يهتزُّ مُورِقُه يشكو كما أشتكي مؤَزَّرُه ... إذا تلوّى به مُمَنْطَقُه يفترُّ عن لؤلؤٍ يُنظِّمُه ... لناظري ثغرُه ومَنطِقُه أقولُ والقلبُ مُغرمٌ بهوىً ... تلذعُه نارُه وتَحرقُه مولاي مولايَ ذا الأسير أما ... تَفُكُّه بالرِّضى وتُطلِقُه وإنَّه العبدُ ليس يملكُه ... غيرُ رحيمٍ، بالوصل يعتقُه يا باخلاً ما يكادُ يسمحُ لل ... صّبِّ ولا بالخيال يطرقه لا روَّع الله مَن يُرَوِّع بالصّ ... دود قلبي عمداً ويُقلقه وأصلحَ الله غادراً أبداً ... يكذبُني في الهوى وأصْدُقُه وقال: فديْتُ بدراً في القلب مطلعُه ... يسير فيه وليس يقطعُه أنزله الحُبُّ منه مَنزلةً ... زعزعَ منه ما لا يزعزعُه ما ضرَّه، لا عدِمْتُ سطوتَه ... لو رقَّ ممّا ينال موضعه ضنَّ ببعض الرِّضى على كَلِفٍ ... لولا هواه المصون أجمَعُه مولاي أسرفتَ في تحَيُّن مَن ... يعطيكَ ما عنده وتمنعه شفيعُه ذلُّه إليك إذا ... أعزَّكَ الحُسْنُ لو تُشَفِّعُه أما ترى ما تقولُ شاكيةً ... إليكَ أنفاسُه وأدمعُه حسبُك بادي شحوبه خَبَراً ... عن بعض ما تحتويه أضلعُه بالله راجعْ جميلَ رأيكَ في ... وِداد خِلٍّ إليكَ مرجعُه ولا تُضِعْ عهدَ ذي محافظةٍ ... فأظلمُ الناس مَن يضيِّعُه وقال: ألا هل لماضي العيشِ عندكِ مرجِع ... وهل فيه بعد اليأس للصَّبِّ مطمَعُ لقد أُولِعَتْ بالصَّدِّ عنّي وإنَّني ... لفُرقتها، ما عشتُ، بالوجْدِ مُولَعُ أُضاحِكُ حُسّادي فيغلبُني البُكا ... وأكتُم عُوّادي وإنّي لمُوجَع إذا خطرت من ذكرها ليَ خطْرَةٌ ... تكاد لها أنياطُ قلبي تقطَّع وقال: عاقرَني لحْظُ عينِه السِّحْرا ... حتّى تطفَّحْتُ بالهوى سُكْرا ومال نشوانَ غيرَ مُحتشِمٍ ... والرّاحُ قد سوَّلَتْ له أمرا فملتُ حتّى الصّباح معتنِقاً ... منه قضيباً، مقبِّلاً بَدرا إذا تناولْتُ من مراشِفِه ... كأْساً سقاني بلحظِه أُخرى كان وِصالي نَذراً عليه فقد ... جادَ ووفّى، فديْتُه، النَّذْرا يا مَن دعاني إلى الغرام به ... لبَّيكَ أَلْفاً في الحبِّ لا عَشرا جئتُكَ طَوعاً فاعصِ المَلامَ وصِلْ ... فيه بنا الوصلَ واهجَرِ الهَجرا ليتكِ يا ليلةَ السّرور به ... بُدِّلْتِ في كلِّ ساعةٍ دهرا وباخِلٍ جادتِ المُدام به ... فبِتُّ أُولي مذمومَها شُكرا لمّا أباحتْ سُلافَ رَبقتِه ... وصرَّفَتْني في صِرفها جَهرا غنَّيْتُ أُدني لوائمي طرباً ... حَلَّت ليَ الخمرُ فاسقني الخمرا زِدْ، عَمرَك الله، من مُجاجتها ... ولا تراقب زَيداً ولا عَمرا طالعْ معي دَنَّها تَجِدْ عجباً ... ليلةَ بينٍ قد أطلعَتْ فجرا وابتدرَتْ للغروب أنجمُها ... نحو فُرادى بدُورِنا تَتْرى يا حبَّذا والكؤوسُ دائرةٌ ... أجسامُ ثلجٍ تقاذفَتْ جَمرا ترى اليواقيتَ من مُشَعْشَعِها ... قد كُلِّلَتْ من حَبابها شَذْرا

стр. 328

فاشرب على مَن تُحِبُّ مِن زَهَرِ الْ ... حُسْنِ وناوِلْ أحبابَكَ الزَّهرا واعْتَضْ عن الوَرد وَجْنَةً وعنِ الْ ... مِسْكِ لِثاثٍ تضوَّعَتْ نَشرا هاكَ بديلاً عن كلِّ نَرجِسَةٍ ... عيناً وعن أُقحوانةٍ ثَغرا فالعمْرُ يوماً إذا ظفِرْتَ به ... فلا تُضَيِّعْ بتركِه العُمرا نِعمَ شعارُ الفتى السّرور فإنْ ... عدِمتَه فانتجِعْ له الشِّعرى واستمطرِ الجودَ من أبي الحَسَنِ الْ ... ماجد واسأَلْ سماءَه القَطرا يغشاكَ بحرٌ إذا تبجَّسَ بالنّ ... والِ والبِرِّ أخجلَ البحرا إيه عليّاً شِدِ العلاءَ بما ... تحوي به في زمانك الفخرا وانهضْ إلى المجد نهضةً تثمِرُ الْ ... حَمدَ وتُبقي الثّناءَ والذِّكْرا فلا ترعْكَ الصِّعابُ واسْعَ لها ... بجِدِّ عزمٍ يُسَهِّلُ الوَعرا فربَّ ذي همَّةٍ ينال بها ... على ثنائي مَنالةَ اليُسرا وما المعالي وَقفٌ على وَرِمٍ ... يَعقِدُ للتّيه أنفَه كِبرا بشرى لعبدٍ يلقاكَ عائده ... بوجه سَفرٍ منوّرٍ بِشرا عَرفُكَ أزكى وأنت أطهرُ أخْ ... لاقاً وأعلى بينَ الورى قَدرا تهَنَّ واسلَمْ وابسط لشاكرِكَ الْ ... مُقِرِّ بالعجز دونه العُذرا وله: ما لثناياكَ وللخمر ... وما لأجفانكَ والسِّحْر تريدُ أنْ تقتلَني كان ما ... تريدُ أو تبلُغَ بي شكري يكفيك أنّي من ضلال الهوى ... لا أعرف العرفَ من النُّكْر ليتَك تدري أنّني بالذي ... ينال قلبي منك لا أدري عوَّدْتني الصَّبرَ، وصدقُ الهوى ... يحكم بالتسليم والصّبر وها أنا أحملُ ثِقلَ الهوى ... فيكَ على المَقصوف من ظهري أُقسم يا مولاي حقّاً بمَن ... ملَّكَ سلطان الهوى أمري لم ترَ أبهى منك عيني ولا ... أسكنتُ أحلى منك في صدري فدَيْتُ من لو قابل البدرَ في ... تمامه أوفى على البدر ولو مشى والغصنَ في روضةٍ ... كان على قامته يُزري مُرْتَدَفُ الرِّدْفِ إذا ما انْثَنَتْ ... أعطافُه، مختصَرُ الخصر وله: فدَيتُ أميراً له حاجِبٌ ... يُفَوِّقُ عن قوسه أسهُما يصيدُ النّفوسَ إذا ما رَنا ... ويُصمي القلوبَ إذا ما رمى أغارَ على سَرْحِ ألبابِنا ... فصيَّره للهوى مغنَما إذا هزَّ من قدِّه صَعْدَةً ... وأشْرع من لحظه لَهْذَما دعوتُ الأمانَ، ومَنْ لي به ... إذا جيشُ بهجته صَمّما تعلَّقْتُه من بني التُّركِ لا ... يَرِقُّ لتَركي به مُغرَما خلعتُ عِذارِيَ في حبِّه ... فلستُ أُبالي بمَن أو بما فمالي أُجَمْجِمُ زُورَ الحديث ... ووَيلي على رَشف ذاك اللَّمى فما ذقتُ لا وحياة الحبيب ... ألذَّ وأعذب منه فما إذا ما تأَمَّلْتَني باكياً ... فقل قد تذكرُه مَبسِما ومثَّل باردَ ذاكَ الرُّضاب ... على ما به نحوه من ظما أيا قمرَ الأرض أخجلتَ في ... تمامكَ والحسنِ بدرَ السّما وأشبهْتَه في النّوى والبعاد ... فقل أهيمُ بمَن منكما وله: مرحباً مرحباً بوجْ ... هِكَ يا بدْرُ مرحبا ما أَلذَّ العذاب في ... كَ وأحلى وأَعذبا إنَّ لي في هواك يا ... قمرَ الأرض مذهَبا أشتهي أنْ أُلامَ في ... كَ وأُلْحَى وأُعْتَبا ليَرُدَّ اسمَكَ العَذو ... لُ إليَّ المُحبَّبا

стр. 329

يا قضيباً تهزُّه ... نشوةُ الدَّلِّ والصِبا كلّما ماسَ في الغِلا ... لة واهتزَّ في القِبا استُخِفَّتْ له القلو ... بُ وحُلَّتْ له الحُبا وله: اللهُ للجائرينَ جارُ ... أين استقلّوا وأين ساروا لا أَوْحشَتْ منهمُ المغاني ... ولا خلتْ منهمُ الديارُ قومٌ بعُدْنا على التّداني ... منهم فلم ينفعِ المَزار فِداهُمُ قلبيَ المُعَنّى ... بهم وأحشائيَ الحِرار وظالمٍ ليس لي عليه ... بحكم عِشقي له انتصارُ ما لأَميرٍ سوى هَواهُ ... على قلوب الهوى اقتِدارُ وله: يا لَقلبي لِمَريضٍ ... في الهوى ليس يُعادُ وقتيلٍ بالعيونِ النُّجْ ... لِ فيه لا يُقاد يا مُرادَ النّفس لو ت ... مُّ لِمَعشوقٍ مُرادُ في سبيل الحب بذلُ ال ... نَّفس فيكم والجِهادُ صادني منكم غزالٌ ... نافرٌ ليس يُصادُ بين أحشائي له مرْ ... عىً فسيحٌ ومَراد دارَه القلبُ على النّأ ... يِ ومأْواهُ الفؤادُ وله الحبُّ على ما ... كان منه والوِدادُ لا تقولوا لي تقاضا ... هُ دُنُوٌّ أو بِعادُ كلُّ حسْنٍ وهَوىً من ... هُ ومنِّي مُستَفاد فمتى أصحو وغَيُّ الْ ... حُبِّ في عيني رشاد وسماع اللَّوم قدْحٌ ... وهوى النَّفس زِنادُ هذه وَقدَةُ نارٍ ... ما لأقصاها رماد وله: نَمْ هنيئاً لكَ محبوبُ الكرى ... إنَّ طرفي فيك يهوى السَّهَرا حبَّذا يا بدرُ ليلٌ بِتُّه ... فيك حتى الصبح أرعى القمرا طالَ بالهجر وقد كان الذي ... أشتكي في الوصل منه القِصَرا ليلُ يا ليلُ فقدْنا جُملةً ... أنا محبوبي وأنت السَّحَرا فعسى تأْخُذُ أَو آخُذُ عن ... ذاك أو هذا بحقٍّ خبَرا عجباً لي أتركُ العينَ، وقد ... عزمَ البينُ، وأقفو الأثَرا بيدي أطلقتُ قلبي من يدي ... حيثُ لم أسْرِ بجسمي إذْ سَرى أَتَّقي الغَيرانَ في صحبته ... وأُحاشى درَكاً أو خَطَرا كذَبَتْكَ النَّفسُ ما العاشِقُ مَنْ ... يتحامى في هواه الضَّررا ينظرُ الآراءَ مختاراً وهل ... صدقَ الحبُّ فأبقى نظرا يَطرُقُ الشّهرةَ في الحبِّ وما الْ ... تَذَّ صَبٌّ لمْ يرُحْ مُشتهِرا وعلى رِسلِكَ في كتمانه ... إنَّ ما أَخفيتَهُ قد ظهرا وله من أُخرى: صافِحْ بصدرِ العيسِ صدرَ النهارْ ... وانهضْ مع الشمسِ لشمسِ العُقارْ حَيِّ بها وجهَ الربيع الذي ... من جوهر الزَّهْر عليه نِثار وقال: يا قمري تَعْلَمُ مَن ... أصبحَ فيكَ مُمْتَحَنْ يا صَنَمَ الحُسْن وما ... نُصِبَتْ إلاّ للفِتن فانعكفتْ منك القلو ... بُ في الهوى على وَثَن يا قوتَ نَفسٍ شَرِبَتْ ... أشجانَها مع اللبَنْ يا مُلبسي ثوبَ الضَّنا ... وسالبي طِيبَ الوَسَنْ يا حَسَنَ الوجهِ الذي ... يدينُ بالفِعل الحَسَن يَفديك عَبدٌ طائعٌ ... مُلِّكْتَه بلا ثمن وحَقِّ مَن أسكن في ... قلبي هَواك فَسَكَن لا حُلتُ عن حُسن الوفا ... ما صَحِبَتْ رُوحي البدن وله من أبيات شائقة رائقة يُغَنَّى بها: لا تَتْعَبِ العواذِلُ ... فالحُبُّ شُغْلٌ شاغِلُ باطلُه حَقٌّ وحقُّ الناصحين باطل يا مَوْقِفاً غالت به ... ألبابَنا الغوائل كيف النجاةُ منه والناصِرُ فيه الخاذل

стр. 330

أشكل من أين أصبت بينه الشَّواكِل كلُّ العيون أَسْهُمٌ ... وكلُّها مَقاتِل وكلُّ عِطفٍ كَرْمةٌ ... وكلُّ طَرْفٍ بابل فكيف يصحو أو يُفيق ثَمِلٌ أو ذاهل ما تفعل الشَّمول ما ... تفعله الشّمائل يَهُزُّها من القدو ... دِ الأَسَلُ النّواهل أَعْدَلُها أَجْوَرُها ... والمستقيمُ المائلُ يا قانصَ الظِّباء في ... أعينِها الحبائل وبين كلِّ لحظتيْن سائفٌ ونابل تَوَقَّ يا مخدوعُ في الغِزلان مَن تُغازِل من تَبِعَ الصيدَ دها ... هُ الصيدُ وهو غافل إن الأسود هذه الضعائفُ المَطافِل يصرَعْن أرشاقاً وهُنَّ الشُّرَّدُ الجَوافِل يرمينَنا عن نفثا ... تٍ سمُّهنَّ قاتل وله: تكلَّمَ بالأَدْمُعِ ... وقال فلم تَسْمَعي شكا بالبُكا لو رَحِمْتِ شكوى فتىً مُوجَع ودلَّ بماءِ الجفون ... على النار في الأضلُع وأشفَق يوم النَّوى ... على سِرِّه المُودِع فأومضَ باللَّحظ ثمَّ عضَّ على الأصبع يقول علامَ عَزَمْتِ ... فَدَيْتُكِ، أن تصنعي أليس لهذا المغيب يا شمسُ من مَطْلَع ولا لذهاب القرا ... ر والنومِ من مَرْجِع ويا عَيْنُ قد أزمع اصطباري مع المُزْمِع وأسرع قلبي الرحيلَ ... مع الراحلِ المُشْرِع فهل لك أن ترقُدي ... وهل لك أن تهجَعي عسى لطُروق الخيال ... طريقٌ على مَضْجَعي يُعلّلني بالدواء ... وإن كان لم يَنْجَع ويُقنعه خادعاً ... بما ليس بالمُقنِع إذا أُولِعَ اليَأْسُ بي ... فَزِعْتُ إلى المَطْمَع وقلتُ لنفسي خذي ... عُلالته أو دعي وله: صدقَ الحُبُّ لستَ لي بصديقِ ... فالْهُ عني وخَلِّني وطريقي أيها النائم الذي ماله عِلْمٌ إذا نام كيف ليلُ المَشوق إنّ برِّي، والوجْد مالِكُ أمري ... بالهوى، بالمَلام عَيْنُ العُقوق ولَغِشُّ المُريدِ لي السوءَ بالإغراءِ فيه كِفاءُ نُصْح الشفيق ضِلَّةً ما اهتديتُ والليلُ داجٍ ... دون صَحْبِي إلى اشتيامِ البروق وتعرَّضتُ للنسيم عسى أُبْرِدُ قلباً من لوعتي في حريق وعقيقُ الدموعِ ينثُرُه نَظْمُ بُكائي على ظِباء العقيق يا رَفيقي وقد تفَرَّدْتُ في نَهْجِ وَلوعي ما أنت لي برفيق تَتَأَنَّى إفاقتي ومنَ الصَّحْوِ رَواحي سَكْرَانَ غيرَ مُفيقِ أَتَرَى، أم قذىً بعَيْنَيك، ما ها ... ج غرامي يوم افتراقِ الفريق من بُدورٍ تطلَّعت لمغيبٍ ... وشموسٍ تولَّعَتْ بشروق ما علِمنا مغارِباً قبل يوم البَيْن تسْتَنُّ في غَوارِب نُوق قَرُبَتْ والمَرامُ غيرُ قريبٍ ... وَنَأَت والغرام غير سحيق وأعادتْ تَعِلَّةً بدأ الطَّيفُ بها أَمْسِ في طريق الطُّروق يوم ردَّتْ على الكرى جَفْنَ عيني ... عِدَةٌ ليس عهدُها بوثيق لاحَ فيها الخليقُ لي بوَفاءٍ ... تحت جُنْحِ الظلام غيرَ خَليق زَوْرَةٌ كان زُورُها، وأبي الصبْوَة، أحلى عندي من التحقيق أثرٌ ردَّ لي على اليأْس عَيْنَاً ... فاتني لحظُ حُسنِها المَوْموق مِن حبيبٍ وافٍ وخِلٍّ مُصافٍ ... ووصالٍ شافٍ وعيشٍ أنيق تحت ظلٍّ من النعيم ظَليلٍ ... فوق غُصن من الشباب وَريق وقال: مُوسى هواكمْ بجانب الطُّورِ ... يسعى بقلبٍ في الحُبِّ مكسورِ حَيْرَانَ في ظُلمة الجفاء فهل ... نارُ انعطافٍ تُدْنيه من نور فبادروه ببَدْرِ ضاحيةٍ ... من طُرَّتَيْه في شَكْلِ دَيْجُور نادوه لطفاً بعبدِ ودِّكُمُ ... سِرَّاً وناجوه بالمَعاذير

стр. 331

ما الشان أنّا على محبّتنا ... لم نَخْلُ من هاجرٍ ومهجورٍ نهجُ سبيلٍ يسعى الوشاةُ به ... لصفوِ لَذّاتنا بتكدير قولوا لفرعونِ تيهِ ظالِمتي ... ما مثلُ عِشقي لها بمَكْفور قد شاع في الناس أنني كَلِفٌ ... بذاتِ لحظٍ كالسيف مَشهور فُتورُ أجفانها المِراضِ جَنى ... تمَرُّضي في الهوى وتَفْتيري بَكَتْ لِتَبْرا من ظُلْمِ مُقلَتِها ... إليّ والدمعُ شاهدُ الزُّور غداةَ قامت بصورةٍ هي أُنموذَجُ مُستحسَنِ التَّصاوير بغُصنِ قَدٍّ وحِقْفٍ رادِفَةٍ ... نيطت إليه بخَصْر زُنْبور زَنَّرَ مَجْرَى نِطاقها هَيَفٌ ... نُزِّه عن مَعْقِدِ الزَّنانير بيضاء شفّافة الأديم كما ... غَشَّيْتَ ياقوتَةً ببَلُّور ذات جبينٍ تَحُفُّه طُرَرٌ ... عَنْبَرُها مُحدِقٌ بكافور لو أنّ بستان وجهِها الجامع الأفنان حُسناً بغير ناطور داويتُ دائي بعَطْفِ نَرْجِسه الناعس لَثْمَاً ووَرْدِه الجُوري وكنتُ عالَيْت دُرَّ مَبْسِمها المنظومِ من أدمعي بمنثور أذاكَ أَشْفَى أم طِيبُ زَوْرَتِها ... أيام قال الكرى لها زوري دَنَتْ علي نَأْيها وأَسْعدَها ... إباحةُ النومِ كلَّ مَحظور فبِتُّ أَلْهُو بما أحاوله ... من بِدَع الحُسن غيرَ مَوْزُور رُؤيا تمَلَّيْتُها وأَحْسِبُني ... حقَّقْتُها في الهوى بتعبيري ويا عَذولي دَعْ ذكر مَسْأَلةٍ ... مُشْكِلَةٍ عُرِّضَتْ لتفسير فما أنا في النفير إنْ حضرت ... لذّاتُ أَهْلِ الهوى ولا العِير وليس خُبْري ما صافَحَتْكَ به ... فدع عُلالاتِها أخابِيري حماقةٌ ضاع في تتَبُّعِها ... مَحْفُوظُ شعري وضَلَّ تفكيري أين اشتغال الهموم مما تَقا ... ضاه فراغُ القوم المسارير بياض وَصفٍ للحبّ سوّد لا ... صحائفي ثَمَّ، بل دفاتيري ولم يُفِدْ غير أنه سببٌ ... خِفَّتُه أَصْلُ كلِّ توقير عاد إلى الجِدِّ هَزْلُه فغدا ... مَعْذُولُه وهو جدُّ مَعْذُور وله في وصف الخال: ومُهَفْهَفٍ كالغصن ما ... ل بعِطْفه مَرُّ النَّسيمِ في وجهه نارُ الحيا ... ءِ يَشُبُّها ماء النعيم يا حبَّةَ القلب التي ... فرَّتْ إليه من الصميم بَطَنَ الهوى فظهرتِ جا ... ئلةً على صافي الأديم حتى دُعيتِ وقد أقمتِ عليه بالخالِ المُقيم يا من أقام قيامتي ... بالخدِّ والقدِّ القويم وَجَنَى سَقامي في الهوى ... بفُتورِ ناظره السَّقيمِ ورمى فؤادي إذْ رنا ... تيهاً إليّ بلحظِ رِيم يا جَنّةً تدعو القلو ... بَ إلى مُباشرة الجَحيم وجَلا صباح جَبينِه ... في لَيْلِ طُرَّتِهِ البهيم انظُرْ لذُلّي يا عزيزُ بعينِ مُقتدِرٍ رحيم واعطِفْ عليَّ تكَرُّماً ... فالعَطفُ أولى بالكريم وله: أما لذا الليلِ سَحَرْ ... يا أملي فَيُنْتَظَرْ يا مُسْهِري بصَدِّهِ ... حاشاك مِن طُولِ السَّهَر يا قمراً بِتُّ لفَرْ ... ط حبّه أَرْعَى القمر ويا قضيباً رُحْت من ... خَطْرَته على خَطَر ويا غزالاً كلّما ... جاذبْتُه الأُنْسَ نَفَر إن قُلتُ قد رَقَّ قسا ... أو قلت قد أوفى غَدَر أو قلتُ قد عاد إلى العادة في الوَصْل هَجَر إحْذَرْ خِلافي فعسى ... يُنْجي منَ الخوف الحَذَر مَوْلاي عُدْ من قبل أن ... يَشيع في الناسِ الخَبر ويُصبحَ السِّرُّ الذي ... تعرِفُه قد اشتهر وله:

стр. 332

جِدُّ الهوى أوَّلُه مُزاحُ ... وكلُّ نارٍ فلها اقتداحُ آهاً لقلبي من حِمىً مُمنَّعٍ ... أغرى به تعرُّضٌ مُباح ونظرةٍ فتحتُ عنها ناظري ... وهيَ لبابِ شِقْوتي مِفتاح يا قمراً صَوْنِي لديه بِذْلةٌ ... إذا بدا وسَتريَ افتضاحُ ماذا يقول فيك عُذّالي وما ... أدري غَدَوْا بلَوْمِهم أم راحوا الغَيُّ ما يَزْعُمُه مُرْشدهمْ ... والغِشّ ما تقوله النُّصّاح سِرُّ الهوى المُودَعُ فيه أنه ... لولا الهوى لم تُخْلقِ المِلاح الناسُ أبناءُ الهوى شَقُوا به ... أو نَعِموا أو كتموا أو باحوا فسادُهُمْ فيهِ هو الصلاحُ ... وَفَرْطُ خُسْرانِهمُ رَباح الحبُّ في ليل الورى صَباحُ ... فيه البُدورُ الأوْجُهُ الصِّباح للقَطْف منها الوَرْدُ والتُّفّاحُ ... والشّهْدُ للرَّشْفِ بها والرّاح مَواطنٌ مالي، ولو بَرَّحَ بي ... وَجْدِيَ، عنها أبداً بَراح وله من قطعة: يا سيِّدي، دعوةَ الذّليلِ ... إعطِف على المُدْنَفِ العليلِ أَطْفِ بماءِ اللِّقاءِ ناري ... واشْفِ ببرد الرِّضا غَليلي يا واحدَ الحُسن حارَ فكري الدّ ... قيقُ في وصفك الجليل لكنني أكتفي بمعنىً ... مُخْتَصَرٍ واضِح الدّليل ما لكَ بينَ الورى ولا لي ... في الحسن والحُزْن من عَديل سعيد الحلبي شاب من جملة المهاجرين إلى مصر في الدولة الملكية الناصرية الصّلاحيّة، وفيه شيمة أدب وصلاحية. أنشدني بعض الأصدقاء بمصر له من قصيدة نظمها في محيي الدين ابن الشّهرزوري قاضي حلب أوّله: أساكنةَ العقيق كمِ العُقوقُ ... نشَدْتُكِ هل إلى صِلةٍ طريقُ سلبتِ الغُمْضَ عن أجفان عيني ... فبانَ لبينه الطَّيفُ الطَّروق وأسلمتِ الفؤادَ إلى خُفوقٍ ... فلا، وأبيكِ، ما سكن الخفوق صِلي يا عَلْوُ منّي حبلَ وُدٍّ ... له بوَكيد حبِّكُمُ عُلوق جُعِلْتُ فِداكِ كيف أصبتِ قلباً ... إلى غير اقترابِك ما يتوق رمتْ عيناكِ حبَّتَه بنَبْلٍ ... له من كلِّ جارحةٍ مُروقُ وما أصغى إلى عَذْلٍ فتُلْغى ... عهودٌ أو تُضاعَ له حقوق إذا تبِع العواذِلَ فيك قلبي ... فلا تبعَتْهُ أحشاءٌ وَمُوق فتاةٌ لا تُفيق من التَّجنّي ... فها أنا من هواها لا أُفيق تحمَّل خصرُها من مَنكبيها ... ومن أردافها ما لا يُطيق فيا للَّه من رِدْفٍ كثيفٍ ... يقوم بحمله خَصْرٌ دقيق حلفْتُ بها سَوالِكَ كلِّ فَجٍّ ... يكلِّفُها السُّرى ما لا تُطيق نِياقٌ كلّما قضَّتْ صَبوحاً ... مِن المَسرى تداركها غَبوق تُساق على الكَلال وقد تشكَّتْ ... من الإدلاجِ أعناقٌ وسوق إذا حملَتْ إلى جَمْعٍ فريقاً ... أراق دماءها بمِنىً فريق على أكوارها كلُّ ابن سَفْرٍ ... أُشَيْعِثُ مِن وَجاها يستفيق أبى إلاّ عِتاقَ العيسِ ما لا ... يبينُ لعينه البيتُ العتيق يميناً لا يُمازِجُها نُكولُ الْ ... يمينِ ولا يُلائمها فُسوق لقد قامت حدود الدِّين فينا ... بمحيي الدين واتَّضحَ الطَّريق بطَلْق الوجه ما يلقاكَ إلاّ ... ووجه نوالِه بهِجٌ طليق ومنها: دنا التَّوديعُ عنك فوا ضَياعي ... إذا سِيقَتْ بنا عنك الوُسوق أَتيتُ مُوَدِّعاً لكمُ وقلبي ... جَزوعٌ من فراقكُمُ فَروق وقُودُ العِيس تنتظر انقيادي ... وها أنا والمطايا والطّريق

стр. 333

غداً أُومي إليكم من بعيدٍ ... كما يومي بإصبعه الغريق الوأْواء الحلبي شيخ بحلب قريب العصر منا. أنشدني الشيخ الفقيه عليّ بن الخيمي الواسطيّ بها، وكان شابّاً قد سافر إلى الشام وعاد في تلك المدة سنة أربع وخمسين وخمسمائة - وأنا حينئذٍ نائب الوزير عون الدين فيها - ولما وصلت إلى الشام سنة اثنتين وستين سألت عنه فقيل لي توفي من سنتين. قال أنشدني الوأْواء الحلبي بحلب لنفسه في المناظرة: طال فكري في جَهولٍ ... وضميري فيه حائر يستفيد القولَ منّي ... وهو في زِيّ مُناظِر وذكر أنه لقيه شيخاً مسناً، وأنشده لنفسه من قصيدة: أبى زمني أنْ تستقرَّ بيَ الدّارُ ... وأَقسم لا تُقضى لنفسيَ أوطارُ أَخِلاّيَ، كيف العدلُ والدَّهر حاكمٌ ... وكيف سُلوِّي والمُقدَّر أقدارُ فما غِبتمُ عن ناظري فيراكُمُ ... ولم ينسَكُمْ قلبي فيحْدُثَ تَذكار لئنْ غربَتْ شمس النّهار فمنكُمُ ... شموسٌ بقلبي ما تغيب وأقمار تَجُنُّ الدَّياجي إذ تُحَلَّ ذوائب ... ويسطو نهار حين تُعقَد أزرار وبي فرَقٌ بادٍ إذا ما تفرَّقوا ... ولي مدمع جارٍ إذا ما همُ جاروا وماءُ جُفوني فاض من نار مُهجتي ... فمَن مُخبري هل تُجمَعُ الماءُ والنّار لئنْ عِفتمُ نَصري إذا حلَّ حادثٌ ... فلي من دموعي في الحوادث أنصار وأَقتَلُ داءٍ للفتى في حياته ... قَتيرٌ بدا في العارضَيْنِ وإقتار الشيخ الزكي أبو علي الحسن بن طارق الحلبي من المتأخِّرين ذو نَظمٍ كاسمِه حسَنٍ حالٍ، وعِلمٍ عالٍ، وذكاءٍ ذكيّ، وأصل زكيّ. سافر إلى بلادنا تاجراً ببضاعتَي أدبه ونشَبه، عارضاً في سوق الفضل عقود دُرره وغُرره، ذكره السيد الشريف أبو الرّضا الرّاونديّ، فقال: أنشدني ابن طارق الحلبي لنفسه في الدار التي بناها بهاء الدين عبد الله بن الفضل بن محمود بقاشان. ومن العجيب أن ابن طارق لم يخرج من قاشان إلاّ بعد موته وكان بين نظمه هذه الأبيات وموت بهاء الدين أشهر قريبة: عَمَرْتَ دارَ فَناءٍ لا بقاءَ لها ... ظَنّاً بأَنَّكَ عنها غيرُ مُنتقِلِ أَتعبْتَ نفسَك، لا الدُّنيا ظفرتَ بها ... وأنتَ لا شكَّ في الأُخرى على وجَل دارُ الإقامَةِ أوْلى بالعِمارة من ... دارٍ نعيمُكَ فيها غيرُ متَّصل فاعملْ لنفسِك ما ترجو النَّجاةَ به ... فليس يُنجيكَ إلاّ صالحُ العمل قال وأنشدني ابن طارق لنفسه: لِعَيْنِكُمُ ما قد لقِيتُ وما ألقى ... وحُقَّ لمِثلي أن يبوحَ بما يَلقى ترحَّلْتُمُ عنّي فلم تبْقَ لذَّةٌ ... يلَذُّ بها قلبي، وهيهات أن تبقى وودَّعتموني فاستهلَّت مدامعي ... فلا ذكركم يُنسى ولا أَدمُعي تَرقا شَقِيتُ بما لاقَيتُ بعد فِراقِكُمْ ... ومَن غِبتُمُ عنه فلا بدَّ أن يشقى الشيخ أبو محمد الحسن بن إبراهيم التَّنوخيّ من المتقدمي العصر ذكره لنا سيدنا الأفضل عبد الرحيم بن الأُخوّة الشيباني البغدادي بأصفهان، وقال طالعتُ ديوانه وهو يشتمل على أكثر من عشر آلاف بيت فلم أختر منها غير عشرين بيتاً من جملتها: لم يبْقَ من مهجتي شيءٌ سوى الرَّمَقِ ... واخجلتاه من الأحباب كيف بقي ويا فؤادي وطَرفي قد أبحْتُكُما ... يومَ الرَّحيل نِهابَ الهمِّ والأَرق ودَّعتُهم ودموع العين جاريةٌ ... والوجدُ قد ألهب الأنفاسَ بالحُرق حتى لقد خِلتُ ماء البحر من نفسي ... يفنى ودمعي يَعُمُّ البرَّ بالغرق وما افترقنا بملتفِّ الأراك ضُحىً ... حتى تعلَّقَ وهْجُ الشوق بالورق وقرأت في مجموع بيتين لأبي محمد الحلبي وهما: قالت وأَبثَثْتُها مُغازَلَةً ... أَذعتُه في بديع أشعاري فضحتَني في الهوى فقلتُ لها ... أَخذتُ للبدر منكِ بالثار

стр. 334

وقرأت في كتاب المُذيّل للسّمعاني في التاريخ أنشدني عبد الرحيم بن الأخوة البغدادي بأصفهان، أنشدنا أبو محمد الحلبي لنفسه: شرُفَتْ نفسُ كريمٍ ... هي للذل تُنافي وتصونُ النَّفسَ عن تط ... لاب ما فوق الكفاف قال وأنشدني لنفسه: يا مَن كساني سَقاماً ... وجسمُه منه عار رَضيتُ لو كنتَ ترضى ... فيه بذُلِّي وعاري الرئيس جمال الملك أبو غانم الحلاوي الحلبي ممن ظرفاء المتأخرين، هو بالحقيقة حَلاويّ أهل الأدب، ذكره مجد العرب العامريّ لنا وأثنى عليه، وقال هو من أعيان المتأَدِّبين بالشام، ذو رياسة وكياسة، ورقَّة في الطبع وسلاسة، وحلاوة وطلاوة، وأدب غير مفتقر إلى علاوة، قال أنشدني لنفسه: إنَّ الأعاريبَ الذين تحضَّروا ... وقَلَوْا مصاحبةَ الفضاء النّازح لم يسكنوا ظِلَّ الجدار وإنّما ... هم بين غادٍ في القلوب ورائحِ الأثير أبو المعالي الفضل بن سهل الحلبي شيخ بهيّ، له منظر شهيّ، لقيته ببغداد، وكان يستنشدني ما انظمه في زمان الصِّبا متعجِّباً به، مستغرباً له، وتوفي ببغداد سنة سبع أو ثمان وأربعين وخمسمائة. ومن شعره: مُدْنَفٌ وصحتُه ... بَعْدكُمْ من العجبِ بالعراق مسكنُه ... والطبيب في حلب المُفدَّى الشامي أنشدت له بيتاً واحداً، من شعرٍ له في مسلم بن قريش في عصره وهو على حصار حرّان، وهو: بقيَّة صِفّين والنَّهروان ... فدونك ما سنَّ فيهم علي نصر بن إبراهيم بن أبي الهيجا البازيار الحلبي ذكره لي وُحيش الشاعر، وقال ما معناه أنَّ مولد نصر ومنشأَه بدمشق، وكان لصبيان المكتب سائقاً، ثم صار معلّماً فائقاً، ثم صار شاعراً حاذقاً، مُجيداً في حلبة النَّظم سابقاً، وفي ذروة العلم سامقا، ثم عاد طبيباً حاذقا، رابح السوق نافقا، موفّقاً في كلِّ صنعة موافقا، وتوفي بها سنة اثنتين وأربعين، وقد بلغ السبعين. وأنشدني من قصيدة له في مدح الوزير المزدقاني، وكان إذ ذاك وزير صاحب دمشق: تجافى الكرى ونبا المَرقَدُ ... وقلَّ مُعينُكَ والمُسعدُ لقد كنت أطمع في زَورةٍ ... من الطَّيف لو أنّني أَرقُدُ وصفراء كالتِّبر كرخِيّة ... يطوف بها شاذِنٌ أَغيَد جلا الصبح وهْناً بلألائها ... فصُبْحُ النّدامى به سرمد وفي المستقِلّين رُعبوبةٌ ... بأَنوارها الرَّكبُ يسترشد لقد كنتُ أجحدُ وَجدي بها ... فنمَّتْ جفوني بما أجحد ومنها في المدح: أيا ابن الّذين بنَوا في العُلى ... منازلَ من دونها الفَرقَدُ وأحيَوا لمَن قهروا ذِكرَه ... فإن قيل أَفنَوا فقد خَلَّدوا وأنشدني وُحَيش لنصر البازيار الحلبي من قصيدةٍ في مدح الرئيس المحيي بن الصوفي، عند فتكه بالباطنيّة في دمشق، وكان ذلك عصر يوم الأربعاء سابع عشر شهر رمضان سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة: أَطيف المالكيّة زار وَهْناً ... حماكَ الغُمْضَ أم داءٌ دفين وفي العيس التي بكَرَت بُدورٌ ... تُرَنِّحُها على كُثُبٍ غُصون وأنت تسومني صبراً جميلاً ... وهل صبرٌ إذا خفَّ القَطين أَتلتمسُ العَزاءَ وقد بدا لي ... حبيبٌ ظاعنٌ ونوىً شَطون وتأْمر أَن أًصون دموع عيني ... أفي يوم النّوى دمعٌ مَصون لقد جنتِ العيونُ عليَّ حَتفاً ... أيا للهِ ما جنتِ العيون ومنها: عجبتُ لمَن يقيمُ بدار سوءٍ ... يَذِلُّ على الخُطوب ويستكين نُسامُ الخسف بين ظهور قومٍ ... تساوى الغَثُّ فيهم والسَّمين وما أهل العُلى إلاّ سيوفٌ ... ونحن لها الصّياقلُ والقُيون ومنها في التخلُّص: لِيَوْمِ الرَّوعِ سابغَةٌ دِلاصٌ ... ولِلتَّرحال شَوشاةٌ أَمون وفي الآفاق مضطَرَبٌ فسيحٌ ... ولم تضِق السُّهولَةُ والحُزون

стр. 335

وفي جدوى الوجيه رجاءُ صِدقٍ ... إذا كذبَت على الناس الظُّنون فمَن يُنضي المَطِيَّ إلى سواه ... فما حركاته إلاّ سكون ومنها في وصف فتكه بالإسماعيلية وقتل في ذلك الأسبوع بدمشق أكثر من عشرة آلاف نفس، ولم يتعرَّض لِحُرَمِهم وذَراريهم: فقل لذوي النفاق بحيث كانوا ... أبادَ حِماكُمُ الأَسَدُ الحَرونُ ملكناكُمْ فصُنّا مَنْ وراكم ... ولو مُلِّكتمونا لم تصونوا أَسلنا من دمائكم بحوراً ... جُسومكمُ لجائشها سَفين الدُّمَيْك بن أَبي الخُرجَين هو الشيخ أبو منصور بن المسلم بن علي بن أبي الخرجين الحلبي التَّميميّ السَّعديّ، كان معلِّماً بدمشق، ذكر لي الكاتب زين الكتّاب علي بن جعفر المعروف بابن الزغلية وهو شيخ مليح الخط والعبارة، أنه كان في المكتب عنده وهو أُستاذه، وتوفي سنة نيف وعشرين وخمسمائة، وكتب لي قصائد بخطِّه من شعره وأعارني الجزء وهو يشتمل على قوله: رأيتُ عذابي في محبَّتكم عَذبا ... وبُعدَ دياري من دِياركُمُ قُربا جنيتم علينا إذْ جَنينا ودادَنا ... لكم، ومنحناكم على بغضكم حُبّا وخُنتم فما خِبتم رجاءً ورغبةً ... كأنَّكمُ الأيّام في منعها تُحبى تخالَفَ نوعُ الحُسن فيمن عشقتُه ... هِلالٌ غَلا لمّا علا غُصُناً رَطبا أَحلَّ فراقي حين فارقَه الصِّبا ... وشبَّ فؤادي بالجوى عندما شبّا وجسَّره الواشي على الجَوْر فاعتدى ... وقد كنت أرجو منه أنْ يُحسِنَ العُقبى كذا الدّهرُ يقضي بالنَّعيم وبالشَّقا ... فيأْخذ إن أعطى ويبغض إن حبّا رأيت الفتى يأْتيه ما لا ينالُه ... بسعيٍ ولو أَنضى الرَّكائبَ والرَّكْبا وإن رامَ إدراكَ المُنى بفضيلةٍ ... فقد رام أمراً ليس يدركُه صعبا وإنَّ صديق المرء أوسع رحمةً ... وأكثرُ إنصافاً له من ذَوي القُربى تجاور فيه هيبةٌ ومودَّةٌ ... فلم يخْل من ودّ ومن هيبةٍ قلبا ويذهب بالودِّ المِراء ويمتري ... حفائظَ لا تُبقي على صاحبٍ صَحْبا إذا حُرمَ الإنسانُ قلَّ نصيرُه ... وصار قضاءُ الحادثات له ذَنبا وإن هي أعطتْه السعادةَ صيَّرَتْ ... له الجهلَ حِلماً والعدوّ له حِزبا تحيَّرت الألباب في الجدِّ واغتدتْ ... تَعُدُّ خَفاهُ عن بصائرها خَطبا تساوى ضُروب النّاس فيه جَهالةً ... ولو عرفوه رامَ كلٌّ له كَسبا توقَّ قليل الشَّرِّ خوفَ كثيره ... ولا تحقِرَنَّ النَّزْرَ رُبَّتما أَربى فإنَّ صغير الشيء يَكبُر أمرُه ... وكم لفظةٍ جرَّتْ إلى أهلها حربا وقوله: توالَفَ في زَمِّ الرَّكائب إخوانُ ... وخالف في حثِّ النَّجائب جيرانُ فباكٍ من الوَخْدِ الوَحِيِّ وضاحكٌ ... وصاحٍ من الوجد النَّجيِّ وسكران أُناسٌ سُقوا كأْساً من البَيْنِ مُرَّةً ... شُجونُ نَداماهم عليها وأَشجان تحيَّتهم نجوى تَلوعُ وصَبوَةٌ ... غِناؤهم شكوى تَروعُ وإرْنان إذا قُرِعوا مَسَّ الأسى قرعوا له ... ظنابيبَ صبرٍ ما لِفحواه وجدان وما كلُّ شيءٍ ظنَّه المرءُ كائناً ... يقوم عليه للحقيقة برهان أَأَحبابَنا إنْ خلَّفَ البعدُ بَعدكمْ ... قلوباً ففيها للتَّقرُّق نيران رَجَونا مَعيناً من زفير وَقودِها ... مُعيناً فما جفَّتْ من الدَّمع أجفان فلا تعجبوا من بعدكم في بقائها ... عشِيّاً وقد بانتْ حُمولٌ وأَظعان وهل ينفعُ الإنسانَ قلبٌ ترادفَتْ ... عليه همومٌ طارقاتٌ وأحزان

стр. 336

رحلتم على أنَّ القلوبَ ديارُكمْ ... وأنَّكم فيها، على النّأْي سُكّان يقول أُناس بحْتَ بالشَّوق، والحِجى ... دليلاه فعلٌ يقتضيه وكتمان فقلتُ خَفِيُّ الشوق للمرء جَهْرةٌ ... طِباعاً وسِرُّ الحبِّ للمرء إعلان بنفسي حبيبٌ فاتن الطرف أَحْوَرٌ ... شهيّ الثَّنايا فاتر الطَّرف وَسنان ترقرقَ ماء الحسن في صحن خدِّه ... ليُسقى به غصنٌ من البان ريّان إذا ما أذاعتْ بالسِّرار لِحاظُه ... إلى اللبِّ لبّاها من اللبِّ إذعان عَرَفتُ به عكس القضيَّة في الهوى ... فمنه وصالٌ لي ومنِّيَ هِجرانُ أَبَنْتُ له عند الوَداع تَجَلُّدي ... ولي كبدٌ حرَّى به وهو حيران وما باختيار المرء تشعَبُ نِيَّةٌ ... فتبرَحُ أَوطارٌ وتَنزح أوطان عسى مَوردٌ من ماء جَوشَن ناقعٌ ... فإني إلى تلك الموارد ظمآن تُجاذبني عن عَزمةٍ الهجر هِجرَةٌ ... ويُوبِقني من طاعة الصبر عِصيان أحِنُّ حنين الوالهات إليكُمُ ... وتمنعني منكم خطوبٌ وأزمان زيادة حدّي نقصُ جدّي وإنّما ... زيادة فضل المرء للحَظِّ نقصان وما كلُّ إنسان ينال مراده ... ويسعدُه فيما يحاولُ إمكان وعيشُ الفتى طعمانِ حُلْوٌ وعلْقَمٌ ... كما حاله قِسمان رِزقٌ وحِرمان وأمنيّة الإنسان رائد نفسه ... وراضٍ بأفعال الزَّمان وغضبان وما كلُّ نظّارٍ بناظِرِ فكرِه ... وما كلُّ من يهديه نَهْجٌ وتِبيان سأُعمِلُ نَصَّ العِيس تَذرَعُ بوعُها ... تنائِفَ لا إنسٌ بهنَّ ولا جان وأَدَّرِعُ الليل البهيمَ وأمتطي ... عزائمَ ترجوها صِفاح وخُرصان فإنَّ الهُوَينا للهَوان أَمارةٌ ... إذا لم يكن عن قدرة المرء عُدوان أبا حسنٍ ما انفكَّ يأْتي مُواتِراً ... إليَّ جميلٌ من نَداك وإحسان مَلَكْتَ به منّي ثناءً ثنيتُه ... فسارت به في البرِّ والبحر رُكبان شكرتُك شُكر الأرض للغيث واصباً ... أصابَ ثراها منه سَحٌّ وتَهتان تحلَّت بأنواع الرِّياض كأنَّها ... تجلَّت لعين الدَّهر، فالدَّهر جَذلان وإنّي على إسهابه لَمُقَصِّرٌ ... ويَبْسُطُ عُذراً للمُقصِّر عِرفان أَخذْنا بأقسام الفضيلة بيننا ... فإن كنت سَحباناً فإنَّكَ لقمان لقد وَجدتْ منك الأمانةُ كافياً ... بها وافياً إن معشَرٌ عهدَها خانوا حَصيفٌ إذا خَفّوا، عفيفٌ إذا عَفَوْا ... عَيوفٌ إذا اشتفّوا، أمينٌ إذا مانوا بلغتَ من العلياء أشرفَ منزلٍ ... يُقصِّرُ عن كونٍ بنجواه كيوان دلَلْتَ على أخلاقِكَ الغُرِّ بالذي ... فعلتَ من المعروف، والفعلُ عُنوان وأَلسنةُ الأقوام في البعد كتْبُهُمْ ... تَناجى بها عند اللُّبانةِ أَذهان فصِلْني بكُتْبٍ تشْفِني بوصولِها ... فإنِّي إليها شَيِّقُ القلب ولهان فلا عدِمَتْ منك المكارمُ نِسبةً ... فإنَّك من طرْف المكارم إنسان وقوله: غرامٌ على طول البِعاد يزيدُ ... وحبٌّ على مرِّ الزَّمان جديد وصبرٌ إذا حاولتُ أَثني عِنانَه ... لِيُصْحِبَ طَوعاً صدّ وهو كنود أَبى القلبُ إلاّ أن يُتَيِّمَهُ الهوى ... ويُسلِمَه التَّذكار فهو عَميد فرَتْهُ على نأْي المنازل وَفرَةٌ ... وجاد عليه بالصّبابة جِيد

стр. 337

وأَصْباهُ مُرتاحاً قضيبٌ على نقاً ... تَهُبُّ له ريحُ الصَّبا فيَميد أيا سائقَ الأظعان من أرض جَوشَنٍ ... سَلِمْتَ ونِلتَ الخِصبَ حيثُ تَرود أبِنْ ليَ عنها تشْفِ ما بي من الجَوى ... فلم يَشْفِ ما بي عالجٌ وزَرود هَلِ العَوَجان الغَمْرُ صافٍ لواردٍ ... وهل خضَبَتْهُ بالخَلوق مُدود وهل عينُ أَسمونيث تجري كمقلتي ... عليها وهل ظِلُّ الجِنان مَديد إذا مرِضَتْ وَدَّتْ بأَنَّ ترابَها ... لها دون أكحال الأُساة بَرود وهل ساحرُ الألحاظ تُحفَظُ عنده ... مواثيقُ فيما بيننا وعهود تُمَثِّلُ لي عيني على النّأْي شخصَه ... فيَقرُبُ مني والمزارُ بَعيد أراحَ عليَّ الشَّوقُ عازبَ زَفرتي ... وردَّ إليَّ الهمَّ وهو طريد وقد غرَّني قلبٌ أرانيَ أنَّه ... على طول أيّام الفِراق جَليد وأعجَبُ منّي أن صبرْتُ ليالياً ... وإنَّ اصطباري ساعةً لشديد وما كنت أدري أن تَشُطَّ بك النّوى ... ويسعى عدوٌّ بيننا وحَسود وأن نصيبي من ودادك لوعةٌ ... لها في فؤادي والضُلوع وَقود قَسوتَ فما يُدني ثَواكَ تَقَرُّبٌ ... إليك ولا يثني نواك صدود وأفنيتُ عُذرَ النفس فيك ولم أزل ... أَسُدُّ طريقَ العُذر وهو سديد وقد يُحْبِبُ الإنسانُ ما فيه نقصُه ... ويُبغِضُ ما يَنمي به ويزيد ويؤثِرُ من غير الضَّرورة ضُرّهُ ... ويرغب عمّا سرَّه ويَحيد هو الجَدُّ لا يُعطي المَقادةَ صعبُه ... ويبدئ في إسماحه ويُعيد نُريد من الأيّام تصفو من الأذى ... وتضْفو ولا يقضي بذاك وُجود وكيف نرومُ العيشَ خِلواً من القَذى ... وللماء من بعد الصَّفاء رُكود تجَمَّعَ من بعد اجتماع مودةٍ ... خليل، وعن ذوب النُّضار جُمود وأين الذي يبقى عليك ودادُه ... وأين الذي تختاره وتُريد إذا كان يُعطى المرءُ ما يستحقّه ... تساوى شقيٌّ في القضا وسعيد ومِن حُبِّنا الدُّنيا، على سوء فعلها ... يُعافُ ذميمُ العيش وهو حميد وأَنّى ترى طَرْفاً عن الحِرص طارِفاً ... لِيسأَمَهُ والزُّهدُ فيه زهيد وليس لمرءٍ في القناعة بُغيَةٌ ... فتُلفى، وشيطان المَراد مَريدُ إذا لم تجدْ ما تبتغيه فخُضْ بها ... غِمارُ السُّرى، أُمُّ الطِّلاب وَلود فكم خرَّقَتْ بطنَ الجَبوب أَساوِدٌ ... وكم ركبت ظهر الصعيد أُسود فلا قرةٌ إلاّ وأنت مؤمَّلٌ ... ولا ثروةٌ إلاّ وأنت تجود وله: إذا الله أعطاكَ الغِنى فأفِدْ به ... سِواكَ ولا تَحرمْهُ يَحرِمْكَ فضلَهُ فذاك امتحان، إنْ تُنِلْه تنَلْ به ... مَزيداً وإن تمنعه يجتَثُّ أصلَه ولابن أبي الخرجين: الناسُ كالأرض ومنها همُ ... منْ خَشِنِ اللَّمْس ومِن لَيْنِ مَرْوٌ تَوَقَّى الرِّجْلُ منه الأذى ... وإثْمِدٌ يُجعَلُ في العين وله: تُنمَى إليه السَّمهَرِيَّةُ والظُّبى ... فتطولُ للقربى به وتصول يُجدي ويُردي فهو في محْل الحيا ... خِصْب وفي خِصب الحياة مُحول وله في مُغَنٍّ: خَفَّ الثَّقيلُ فجاء طَوْعَ بَنانه ... لما دعاه وأَصْحَبَ المَزمومُ لا يخرج النَّقَراتِ عن موضوعها ... فكأَنَّه في ضَربه معصوم وله: يا أبا البِشْر بشَّر الله رَبعاً ... أنتَ فيه ثاوٍ، بصَوبِ الربيع

стр. 338

لم أجِدْ للزَّمان غيرَكَ خِلاًّ ... أَصطفيه، كم واحدٍ بجميع وله: فارقْتنا إذْ لا رِضىً منّا به ... مَن يرتضي بُعْدَ السَّحاب الهامِرِ ما كنتَ إلاّ السيفَ فارق غِمدَه ... للضَّرْب ثُمَّتَ عادَ عودةَ ظافر وله من قصيدة: تَظَلُّ الملوكُ له طائعين ... إذا ما عفا أو وَفى أو بَذَلْ وينتحلون الذي يصنعون ... وأين الطِّباع وما يُنتَحَل مَناقب طُلْتَ عليهم بها ... غَلَتْ وعلَتْ في مَداها زُحَل سبقتْ بها شيبَهم والشبابَ ... صَبِيّاً كسَبْقِ الشُّروقِ الطَّفَل تَمَنّى عِداك بقولٍ مَداك ... وأينَ المُنى من بلوغ الأَمَل ومجداً تليداً فما أدركو ... هُ بالحَوْلِ منهم ولا بالحِيَل فلا زال أمرُك في كلِّ ما ... تُحاوله أَبداً مُمْتَثَل ومنها في وصف بلدٍ آمنَهُ: فأَعْتَقْتَها من مُثار العَجاج ... وأَقطعْتها لمُباح الأَجل أبو النَّصر بن النحاس الحلبي كان من المجيدين المفيدين المعاصرين لابن سنان الخفاجي قبل سنة خمسمائة، ومن بديع شعره قوله: ملكتَ قلبي مُستَرِقاً له ... وكان حرّاً غيرَ مُستعبَدِ سكنتَ فرداً فيه حتى لقد ... خِفتك تشكو وَحشة المفرد فلو تنازعنا إلى حاكمٍ ... قضى لك استحقاقه باليد وقوله يصف عُجَّةً: أبا الحسن استمِعْ قولي وبادِرْ ... إلى ما تشتهي، تفديكَ نفسي فعندي عُجَّةٌ تُزهى بلونٍ ... كلَون البدر في عشرٍ وخمس أجادت في صناعتها عجوزٌ ... لها في القلي حِسٌّ أَيُّ حِسِّ فلم أرَ قبل رؤيتها عجوزاً ... تصوغ من الكواكب عَيْنَ شمس وقوله، أورده أبو الصَّلت في الحديقة: انظر إلى حظِّ ابن شِبْلٍ في الهوى ... إذ لا يزال لكلِّ قلبٍ شائقا شغلَ النِّساءَ عن الرجال وطالما ... شغل الرجال عن النِّساء مُراهقا عَشِقوه أمرَدَ فالتحى فعَشِقْنَه ... اللهُ أَكبرُ ليس يعدَمُ عاشقا أبو محمد إسماعيل بن علي الدمشقي المعروف ب ابن العينزربي له: أَعينيَّ لا تستبقيا فيضَ عَبرَةٍ ... فإنَّ النَّوى كانت لذلكَ موعدا فلا تعجبا أن تُمطِرَ العينُ بعدَهُمْ ... فقد أبرقَ البينُ المُشِتُّ وأَرعدا ويومٍ كساه الغيمُ ثوباً مُصنَّعاً ... وصاغتْ طِرازَيه يدُ البرق عَسْجَدا كأنَّ السّما، والرعد فيها، تَذكرا ... هوىً لهما فاستعبرتْ وتنهَّدا ذكرتُ به فيّاضَ كفَّيْكَ في الورى ... وإن كانتا أَهمى وأبقى وأَجودا وله: عراني جَوىً شُبَّتْ به في الحَشا نارُ ... وأَرَّقني شوقٌ شديدٌ وتَذكار فرِفقاً بقلبي حيث شطَّتْ بكم نوىً ... وحِفظاً له والجارُ يحفظُه الجارُ فيا عجبا أنّي أعيش مع النّوى ... جَليداً على ما يفعل الدّهر صبّار وما كنتُ أرضى أن أحِلَّ ببلدةٍ ... وتنأَى، ولكن لا تُغالَبُ أَقدارُ وما ليَ فيما شتَّتَ الشَّمْلَ حِيلةٌ ... هو الدّهر نهّاءٌ عليَّ وأَمّارُ فيا راكباً إمّا عرَضْتَ فبلِّغَنْ ... سلامَ أخي شوقٍ به الدّهر غدّار إلى ساكني مصرَ فإنَّ بها المُنى ... وإن كثُرَتْ في صفحة الأرض أَمصار ومنها: لئن لم أسِرْ سعياً إليك مبادراً ... فكم ليَ بيتٌ في مديحك سيّار ترى في سماء المجد عبدَك كوكباً ... ولكنه للناظم الشِّعر غرّار نجم بن أبي درهم الحلبي ذكره وُحَيْشٌ الشاعر وقال مولده بحلب ونشأ بدمشق وتخيّل من ابن الصّوفي ومضى إلى حلب، ثم عاد بعد ذلك، وتوفي بحلب سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، وكان شاعراً هجّاءً، قال ومن جملة أهاجيه قوله في قوم من دمشق يقال لهم بنو نُفايَة:

стр. 339

أَبني نُفاية إن سَعْدَكُم ... جاءت به الأيّام عن غلَطِ قد صار هذا النّاس أَكثرُهم ... سقَطاً فكيف نُفايةُ السَّقَط قال وله في غلام يسبح في نهر ثورا وهو يتجنَّب ويتجبَّن النزول في الماء: يا واقفاً متحيِّراً ... في الماء من خوف الغرَقْ أَجِرِ الغريقَ بدمعه ... ففؤادُه يشكو الحُرَق مَنْ قال إنَّكَ مالكٌ ... رِقّ القلوب فقد صدق الشَّعرُ أسودُ حالكٌ ... والثَّغْرُ مُبيَضٌّ يقَق وكأنَّ طُرَّةَ رأْسِه ... ليلٌ أكَبَّ على قَلَق هل في الورى أحدٌ رأى ... شمساً تبدَّت في غسق ي لائمي في حبِّه ... ما اخترتُ ذاكَ بل اتَّفق لا يأْمَنُ الإنسانُ في ... شُرْبِ الزُّلال من الشَّرَق قال ابن رُواحة الشاعر ما رأيت أحداً أبلغ منه في محبة السنة وهو في حلب، وأنشدني له في شريفٍ بدمشق: أَصبحتَ كالكِشْكِ في أَضْلَيْه مُفتخراً ... ويستحيلُ إلى ضُرٍّ وتخليط ما أنت إلاّ كباناسٍ فأوَّلُه ... عذبٌ فراتٌ ومنه ماء قلّوط وله في ابن أبي قيراط بديهةً: يا ابن أبي قيراط لِمْ لَمْ تكنْ ... تَرعى حقوقَ ابن أبي درهَمِ هذا وفيما بيننا نِسبةٌ ... مثلُ انتساب الكَفِّ والمِعصَم وله مطلع قصيدة: سأنفُضُ بُردي من جميع مطامعي ... فليستْ عَشِيّاتُ الحِمى برواجِعِ جرجس الفيلسوف الأنطاكي النصراني ذكره أبو الصّلت أُميّة في رسالته عند ذكر الطبيب اليهودي أبي الخير سلامة بن رحمون، قال وكان بمصر طبيب من أهل أنطاكية يسمى جرجس ويلقب بالفيلسوف على نحو ما قيل في الغراب أبو البيضاء واللديغ سليم، قد تفرغ للتولع به، يعني بابن رحمون، والإزراء عليه، يزوّر فصولاً طبية وفلسفية يبرزها في معارض ألفاظ القوم وهي مُحال لا معنى لها، وفارغة لا فائدة فيها، ثم يُنفذ بها من يسأله عن معانيها ويستوضح أغراضها، فيتكلم عليها ويشرحها بزعمه دون تيقظ ولا تحفظ بل باسترسال واستعجال وقلة اكتراث فيؤخذ فيها عنه ما يضحك منه. وأُنشدت لجرجس هذا فيه وهو أحسن ما سمعته في هجو طبيب: إن أبا الخير على جهلِه ... يَخِفّ في كِفَّتِه الفاضلُ عليلُه المسكين من شُؤْمِه ... في بحر هُلْكٍ ما له ساحل ثلاثةٌ تدخل في دفعةٍ ... طَلْعَتُه والنعش والغاسل قال أبو الصلت ولبعضهم يعني به نفسه: لأبي الخير في العِلا ... جِ يدٌ ما تُقَصِّرُ كلُّ من يَسْتَطِبُّه ... بعد يَوْمَيْن يُقْبر والذي غاب عنكم ... وشَهِدْناه أكثر وقال آخر في بعض أطباء عصرنا: قل للوَبا أنتَ وابنُ زُهْرِ ... قد جُزْتُما الحَدَّ في النِّكايَه ترَفَّقا بالورى قليلاً ... في واحدٍ منكما كِفايه وقال آخر: ما خطر النَّبْضُ على بالِه ... يوماً ولا يعرفُ ما الماءُ بل ظنّ أنّ الطِّبَّ دُرّاعَةٌ ... ولِحيةٌ كالقُطنِ بَيْضَاء وقال شاعر آخر في مثلهم: وطبيبٍ مُجَرَّبٍ ماله بالنُّجْح في كلّ ما يُجرِّبُ عادَهْ مرَّ يوماً على مريض فقلنا: ... قُرَّ عيناً، فقد رُزِقْتَ الشَّهاده ولجرجس في هذا الطبيب: جنونُ أبي الخير الجنونُ بعَينِه ... وكلُّ جنونٍ عنده غايةُ العَقْلِ خذوه فغلُّوه وشُدُّوا وَثاقه ... فما عاقلٌ مَن يستهين بمُخْتَلِّ وقد كان يؤذي الناس بالقول وحدَه ... فقد صار يؤذي الناس بالقول والفعل أبو طالب عبد الله بن علي بن غازي الحلبي

стр. 340

من أهل هذا العصر. ذكره لي الفقيه الشاب أبو الفضل محمد بن يوسف الغَزنوي وقال لقيته بحلب وهو من مقدّميها المُقدَّمين، ومُميَّزيها المحترمين، فأعارني جزءاً استملاه من ديوانه، فأعرته نظري لأخرج منه ما يُعرب عن إحسانه، فانتخبت ما حَلِي من نظمه أوزان من أوزانه، وأضربت صفحاً عما شان من شانه، وأوردت ما يروق جني ورده، ويشوق هَنِيُّ وِرْده، ويصوب وبل فضله، ويصيب نبل نُبله، ويحلو حلبُ درِّه، ويجلو جلبُ دُرِّه، فمن ذلك قوله: قد قلتُ في وقتِ الصباحِ ... والراحُ مَحمولٌ براحِ يا صاح دونك والخلا ... عة والتهتك بالمِلاح لا تَأْلُ جهداً عن طِلا ... بك واعْص فيه كلَّ لاح وقوله: ليس الحِذار عن الأهوال يَثْنِيني ... ولا السِّنون لأخذ الثارِ تَنْسِيني فالعُودُ مني صليبُ العَجْم ليس له ... في كلِّ حادثةٍ للدهر من لين ولي من السيفِ عَونٌ ليس تخذلُه ... كفّي وَفاءً إذا الإخوان خانوني أرضيْتُ كلَّ خليطٍ في مُخالَطةٍ ... وما رأيتُ أخاً في البؤس يُرْضيني وقوله: إن أخملت أرضُ الشآم فضائلي ... في أهلها للجَهلِ من رؤسائها فالعينُ تَقْصُرُ أن ترى أجفانها ... وترى الكواكبَ في مَنار سمائها وقوله: أَصِلُ الأحِبّة في الغِنى فَقْرَاً إلي ... حُسنِ الثَّنا وأَصُدِّ في الإعدام وأنا الذي لو أنّ روحي في يدي ... نزَّهْتُها عن صُحبة الأيّام وقوله: لكلٍّ على مرِّ الزمان تنَقُّلُ ... وهمي على مَرِّ الزمان مُقيمُ فحتى متى يا دهرُ ما لي مسَرّةٌ ... وحتى متى عَيْشِي لَدَيْكَ ذميم وقوله من قصيدة: وغدوتُ أقتنِصُ الظِّباءَ فمرَّ بي ... قمرٌ على غُصُن بدا في يَلْمَقِ فعيوننا حُبُكُ النِّطاق بخَصرِه ... ولحاظُه بقلوبنا كاليغلق لا مُسْعِدٌ للعاشقين سوى الدُّجى ... والصُّبح واشٍ بينهم بتفرُّق وقوله: لا خيرَ في صُحبة الدنيا وزُخْرُفِها ... وآخِرُ الأمر من حالاتها العَطَبُ يظنُّ كلُّ جَهولٍ أن تسالِمَهُ ... وسِلْمُها أبداً في أهلها الحَرَب اُنْظُرْ منازل مَن قد كان مُحْتَكِماً ... تُغْنيك عن كلّ ما تأتي به الكُتُب وقوله: إذا أرضاك ذو لؤمٍ بقولٍ ... فإنك منه تَسْخَط في الفِعال فَخَفْ منه العواقب ما تَدانى ... وجانِبْ منه أسباب الوِصال وقوله: وقائل ليَ إذ لفَّقْتُ مَدْحَهُمُ ... زُوراً وَمَيْناً وقد أزرى به الخَرَص مُبْيَضُّ مَدْحِك في مُسْوَدِّ فِعلِهمُ ... كأنما هو في أعراضهم بَرَص وقوله: إغتنم يا صاحِ إمْكانَ الفُرَصْ ... إنما دنياك لهوٌ يُفْتَرَصْ يا خليليَّ على عهد الصِّبا ... كلُّ من أدعو لبلواي نَكَصْ كم صديقٍ شَبِثَتْ كَفّي به ... فإذا رُمت به النصر ملص وقوله: حِفْظُ اللسان سلامةٌ للراس ... والصمت عِزٌّ في جميع الناسِ والفكر قبل النُّطق يُؤمَنُ شَرُّه ... والفكر بعد النُّطق كالوَسواس وقوله: اغتنم الصَّوْنَ بالسكوت ولو ... تنال بالقول غايةَ الأمَلِ فكم كلامٍ أضرَّ صاحبَهُ ... وعنده كان مُنتهى الأجَلِ وقوله: بساطُ العمر يُطوى بعد نشرٍ ... بهَزْل ثم جِدٍّ في التمادي ولا شيءٌ من الثَّقَلَيْن يبقى ... فما هذا التنافس في النَّفادِ وقوله: لمّا نظرتُ حُمول الحيِّ سائرةً ... وَمَنْ أُحِبُّ بذاك الظَّعْن قد رحلا غدا الرِّكاب بدمعي غارقاً وبدا ... ذاك الغريق بنار الوَجْد مُشتعلا فلو أتَتْني المنايا يومَ بَيْنِهمُ ... كانت تلاحظني بالبَيْنِ مُشْتَغِلا وقوله:

стр. 341

راحٌ إذا ما بَدَتْ في كفِّ كاعِبةٍ ... تُخالُ شمساً بَدَتْ في هالةِ القمر دقَّت لطافَتُها عن عين شاربها ... فلا تُحَسُّ بغير الوهم في البَشر وقوله: مُهَفْهَفُ القامة مَمْشُوقُها ... يختال في تيهٍ من الشَّكْلِ والدُّرُّ والياقوت في خَدِّه ... قد خالطته أَرْجُلُ النَّمْلِ وقوله: ومُهفهفٍ كالغُصنِ في هَيَفٍ ... أُسْقى شَمولاً من شمائله دَبَّ العِذار بخدِّه فَبَدَتْ ... شَعَرَاتُه عَوْنَاً لعاذِله ومنها: لا دولةٌ تبقى على أحدٍ ... والدهرُ ذو لهوٍ بآمله وقوله: إذا هاجَ بي شوقي مررتُ بداركمْ ... مُرورَ مَشوقٍ ذاهل العقل جازِعِ ويعظُمُ عندي أن أُدِلّ بشافعٍ ... إليكم وآبى أن أَذِلَّ لمانع وقوله: قد بَدَتْ شمسٌ على غصنٍ ... كهلالِ الفِطر تُرْتَقَبُ ثم وَلَّتْ وهي قائلةٌ ... حيثُ ما أسفرتُ يَنْتَقِبُ أُنظروه بعد مُنْصَرفي ... فَسَنَا خَدّي له حُجُب وقوله: إغْنَمْ نعيمك في الشبابِ ... وامْزُجْ كؤوسَك بالرُّضابِ واقْطُفْ بها ثمر النعيم وخُذْ لنفسك في الذَّهابِ وقوله: باتَ نديمي والكأْسُ يمزُجها ... بالدمع مني ومنه بالأُشَرِ ظَبْيٌ كحدّ الظُبى لواحظُه ... قد كُحِلَتْ بالفُتور والحَوَر ونحن في غفلةِ الزمان وما ... يشوبها روعةٌ من الحذر والكأس شمسٌ وكفُّه فلكٌ ... ووجهه البدر في دُجى الطُّرَرِ ما خِلْتُ يا صاح قبلَ ليلتِنا ... يُجمَعُ ليلٌ للشمس والقمر ولا حَسِبْتُ الزمان يسمح لي ... بابن ذُكاءٍ في صورة البشر وقوله: قطعتُ الرّجا بالزُّهد في سائر الناسِ ... ونزَّهتُ روحي بالتَّفَرُّدِ والياسِ ولا هَمَّ ممّن ليس تعرف في الورى ... وهَمُّكَ ممّن قد صَحِبْتَ من الناسِ وقوله: بَدَرَتْ كالبدر في يدِها ... قهوةٌ كالشمسِ تَشْتَعِلُ ثم قالتْ وهي باسمةٌ ... اغْتنمنا أيها الرجلُ انتهزها فرصةً سَنَحَتْ ... إنما أيّامنا دُوَل وقوله: مُقامنا بديارٍ لا صديق بها ... وسوف نطلُب بالتَّرْحال إخوانا اِطْوِ السُّهوبَ وسِرْ في الأرض مُغترِباً ... عسى تصادف في الآفاق إنسانا وقوله: فلا تَغْتَرَّ من خِلٍّ ببِشْرٍ ... ولا بتَوَدُّدٍ عند التلاقي فكم نَبْتٍ نضيرٍ راق حُسْناً ... عِياناً وهو مُرٌّ في المذاق وقوله في الحثّ على العلم: العلم يزكو على الإنفاق فاغتنموا ... تعليمَه لذوي الأحساب والكرَمِ ليَسْنَحَ الفخرُ ممن قد تعلَّمه ... منكم وتشتهروا بالفضل في الأُمَم وقوله: لا تَشْكُرِ الإنسان عن ... خَبَرٍ ولكن لاختبارِ الناس مثلُ معادنٍ ... خبُتْ وطابت في النِّجار وقوله: تَهونُ رزايا الدهر في كلّ حادثٍ ... إذا لم تكن مقرونةً بفراقِ وأعظمُ لذّات الزمان لأهله ... بشيرٌ أتى مِن عازبٍ بتلاق وقوله: بالثّنايا العِذاب زِدْ في عذابي ... إنني صابر لعُظْمِ المَنابِ ليس يشكو الغرامَ غيرُ ظَلومٍ ... ضَيَّع الحزمَ في هوى الأحباب وقوله: قطعتُ وِصالك لا عن قِلىً ... ونَكَّبْتُ عنك حِذار الرقيبِ وما كلُّ ناءٍ بعيد المحلِّ ... إذا كان مسكنه في القلوب وإني بعين اشتياقي أراك ... بفكري تلاحظني من قريب وقوله: أرى الرُّشْدَ سوءَ الظنّ والغَيَّ حُسْنَه ... ومن قد أضاع الحَزمَ يَصْبِر للنُّوَبْ وحفظُك للأسرار يُبلغك الرَّجا ... وهتكُك للأسرار يُوردُك العَطبْ وقوله:

стр. 342

هل لجَدٍّ عاثرٍ من وَثْبَةٍ ... أم لحظٍّ قاعدٍ بي من قيام فأنا المُغْفَلُ ما بين الورى ... لا لنقصي بل لنقصٍ في الأنام وقوله في الشيب: يا مُشيراً بعد شيبٍ بالتَّصابي ... ضاق ذَرْعِي عن حبيب وصِحابِ لستُ ذا حِرصٍ على لذّاته ... قَصُر الخَطْوُ فما لي من طِلابِ القاضي ثقة الملك أبو علي الحسن بن علي بن عبد الله بن أبي جرادة من أهل حلب، سافر إلى مصر وتقدم على وزرائها وسلاطينها خاصة عند الصالح أبي الغارات ابن رُزّيك، وهو من بيت كبير من حلب، وذو فضل غزير وأدب، وتوفي بمصر في جمادى الأولى سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، ومن سائر شعره ما يغنَّى به، أنشدني له بعض أصدقائه بدمشق: يا صاحبيَّ أَطيلا في مؤانستي ... وذكِّراني بخُلاّنٍ وعُشّاق وحَدِّثاني حديث الخَيفِ إنَّ به ... رَوحاً لقلبي وتسيلاً لأخلاقي ما ضرَّ ريحَ الصَّبا لو ناسَمَتْ حُرَقي ... واستنقذَتْ مُهجَتي من أسْرِ أَشواقي داءٌ تقادم عندي، مَن يُعالجُه؟ ... ونَفثَةٌ بلغَتْ مِنّي، مَنِ الرّاقي؟ يفنى الزَّمانُ وآمالي مُصَرَّمةٌ ... مِمَّن أُحِبُّ على مَطْلٍ وإملاق يا ضيعةَ العمْر لا الماضي انتفعْتُ به ... ولا حصلت على علمٍ من الباقي وأنشدني الشّريف إدريس بن الحسن بن علي بن يحيى الحسني الإدريسي المصري لابن أبي جرادة قصيدةً في الصالح بن رُزّيك يذكر قيامه بنصر أهل القصر بعد فتكة عباس وزيرهم بهم وقتله جماعةً منهم وقيام ابن رزّيك في الوزارة أَولها: مَنْ عَذيري مِنْ خليلي مِن مُرادِ ... مَن خفيري يوم أرتاد مُرادي ومنها في مدحه: حامل الأعباء عن أهل العَبا ... آخذٌ بالثّأْر من باغٍ وعاد من عُصاةٍ أضمروا الغدر فهم ... أهل نَصْبٍ ونِفاق وعِناد قتلوا الظافر ظلماً وانتحَوا ... لبني الحافظ بالبيض الحِداد واعتدى عبّاس فيهم وابنُه ... فوق عُدْوان يزيد وزياد مثل سَفرٍ قتلوا هاديَهمْ ... ثم ضَلّوا مالهم من بعدُ هادِ جاءهم في مثل ريحٍ صرصرٍ ... فتولّوا مثل رَجْلٍ من جراد بعد ما غرَّهُمُ إملاؤه ... ولهيب الجمر من تحت الرَّماد وتظَنَّوا أَنْ سترتاعُ بهم ... هل تُراعُ الأُسْدُ يوماً بالنِّقاد وأنشدني لابن أبي جرادة في ابن رزّيك لما قتل ابن مدافع محمداً سيّد لوائه قبل الوزارة من قصيدة: لعَمري لقد أفلح المؤمنونا ... بحَقٍّ وقد خسر المُبطلونا وقد نصر الله نصراً عزيزاً ... وقد فتح الله فتحاً مُبينا بمن شاد عُلياهُ واختاره ... ولقَّبه فارس المسلمينا وكان محمد ليثَ العرين ... فأَخلى لعَمرُك منه العرينا وقد كاد أن يتبين الرّشاد ... فأعجله الحَيْن أنْ يستبينا ولا بدَّ للغاصب المُستدين ... على الكُره من أنْ يُوَفّي الدُّيونا ومن يخذُل الله ثمَّ الإمامَ ... فليس له اليوم من ناصرينا ولمّا استجاشت عليه العِدى ... وشبَّ له القوم حرباً زَبونا سقاهم بكأْسٍ مريرِ المَذا ... ق لا يَعذُبُ الدَّهرَ للشاربينا وأشبعَ منهم ضِباعَ الفلاة ... فظلُّوا لأَنعُمِه شاكرينا وأنشدني الأمير مرهف بن أُسامة بن منقذ، قال: أنشدني أبو عبد الله بن أبي جرادة لنفسه: لَهفي لفَقد شبيبةٍ ... كانت لديَّ أجَلَّ زاد أنفقْتُها مُتَغَشْمِراً ... لا في الصلاح ولا الفساد ما خِلْتُ أَنّي مُبتلىً ... بهوى الأصادِق والأعادي حتى بكَيْتُ على البيا ... ضِ كما بكيت على السّواد

стр. 343

قال ومن شعره قوله: أَحبابَنا شَفَّنا لِهَجركُمُ ... وبُعدِنا من وِصالِكُمْ، خَبَلُ فإن قطعنا لا تَحفِلون بنا ... وإن وصلناكُمُ فلا نصِلُ فأرشدونا كيفَ السبيلُ فقد ... ضاقت بنا في هواكُمُ الحِيَلُ شأْنُ المحِبِّين أنْ يدوموا على الْ ... عَهد وشأْنُ الأحِبَّة المَلَل ثم طالعت بمصر ديوانه فكتبت منه ما ارتضيتُه، وذَخَرت من نقده ما وفَّيته حق الانتقاد، وأنجزته بعد ما اقتضيته. فمن ذلك قوله: لقاؤكَ أغلى من رُقادي على جفني ... وقُرْبُكَ أَحلى من مُصاحَبة الأمن أَيا مَنْ أَطَعْتُ الشوقَ حتى أتيتُه ... وأَيقنتُ أَنّي قد لجأْتُ إلى رُكْنِ لئن لم أَفُزْ منكَ الغَداةَ بنظرةٍ ... تُسَهِّلُ من وَعرِ اشتياقي فواغَبْني وقوله: وَجدٌ قديمٌ وهوىً باقِ ... ونظرةٌ ليس لها راقِ ودمعُ عينٍ أبداً حائرٌ ... ليس بمنهَلٍّ ولا راقِ أَحبابنا هل وَقفةٌ باللِّوى ... تُسعِفُ مُشتاقاً بمُشتاق وهل نُداوَى من كُلوم النَّوى ... بلَفِّ أَعناقٍ بأعناق ما زلتُ من بينِكُمُ مُشْفِقاً ... لو أنَّه ينفع إشفاقي أعوم في لُجَّة دمعي إذا ... ما أُضرِمَتْ نيرانُ أَشواقي وَجْدي بكم نَقْدٌ، وميعادُكم ... مُنكسرٌ في جملة الباقي يا ساقياً خمرةَ أجفانه ... لهفي على الخمرة والساقي أما تخافُ الله في مُقلةٍ ... لا عاصمٌ منها ولا واقِ كأَنَّها كَفُّ الأَجَلِّ انبرَتْ ... تَعْدو على المال بإنفاق وقوله: إنَّ بين السُّجوف والأرواقِ ... فتنةً للقلوب والأحداق ومَريضُ العهودِ تُخبرُ عَيْنا ... هُ بما في فؤاده من نِفاق أنا منه في ذِلَّةٍ وخُضوعٍ ... وهو مني في عِزَّة وشِقاق سدَّدَ السَّهْمَ من جفونٍ إذا ما ... فُوِّقَتْ لم يكن لها من فواق وليالٍ من الصِّبا بتُّ أَسْتَعْ ... رِضُ فيها نفائس الأعلاق حيث لا نَجمُها قريبٌ من الغر ... بِ وليست بُدورُها في مَحاق فُزْتُ بالصَّفْو في دُجاها ولم أَدْ ... رِ بأَنَّ الإشراقَ في الإشراق يا خليليَّ هل إلى معهد الحَيِّ ... سبيلٌ للهائم المُشتاق إنَّ وَجدي به وإن طال عهدي ... لحديدُ القُوى سديدُ الوَثاقِ مثلُ وَجد القاضي المُوَفَّق بالمج ... دِ وقِدماً تصاحَبا بوِفاق ذاكَ مولىً كأنَّما سلَّم اللَّ ... هُ إليه مفاتح الأرزاق ذو مَعالٍ مُقيمةٍ في ذُراه ... وثناءٍ يسيرُ في الآفاق وندىً لا يزال يدأبُ في طُرْ ... قِ النَّدى سائراً إلى الطُّرّاق وقوله كتبه إلى أخيه بالشام من مصر: فؤادٌ بتَذكار الحبيب عميدُ ... وشوقٌ على طول الزّمان يزيد وعينٌ لبعد العهد، بين جُفونِها ... قريبٌ، ولكن اللقاء بعيد وما كنت أدري أنَّ قلبي صابرٌ ... وأنّي على يوم الفراق جليد ومنها: أريدُ من الأيّام ما لست واجِداً ... وتوجدُني ما لا أكادُ أُريدُ وقوله: سريرةُ حُبٍّ ما يُفَكُّ أَسيرُها ... ولوعةُ قلبٍ ليس يخبو سعيرُها ونفسٌ أبتْ أنْ تعرف الصبر عنكُمُ ... وكيف وأنتمْ حُزنُها وسرورها وهل حاملٌ منّي إليكم تحيَّةً ... إذا تُليَتْ يوماً يضوعُ عبيرها ومنها: رعى اللهُ أَيّامَ الصِّبا كلَّما هفَتْ ... صَباً، فشفى مرضَى القلوب مُرورُها فهل لي إلى تلك المنازل رَجعَةٌ ... أُجَدِّد من وَجدي بها وأزورها لئنْ نزحَتْ داري فإنَّ مودَّتي ... على كدَر الأيّام صافٍ غديرُها

стр. 344

وقوله فيمن تردَّد إليه فتعذَّر لقاؤه عليه: عزَّني أنْ أراكَ في حالة الصَّحْ ... وكما عَزَّني أوانُ المُدام وكما لا سبيل أن نتناجى ... من بعيدٍ بألسن الأقلام فعليك السّلامُ لم يبقَ شيءٌ ... أَترجّاه غيرُ طيف المنام وقوله من قصيدة: يا غائبين وما غابت مودَّتُهم ... هل تعلمون لمن شَفَّ الغرامُ شِفا إن تَعتِبوني فعندي من تذَكّرِكُمْ ... طَيْفٌ يُطالع طَرفي كلما طَرَفا أو تجحدونيَ ما لاقيتُ بعدَكُمُ ... فلي شواهدُ سُقمٍ ما بهِنَّ خَفا واهاً لقلبٍ وهى من بعدِ بينكُمُ ... وكنتُ أعهد فيه قوَّةً وجَفا فالريح تُذكي الجَوى فيه إذا نفحتْ ... والوَجد يقوى عليه كلّما ضعُفا فارقتُكم غِرَّةً مني بفرقتكمْ ... فلم أجد بدلاً منكم ولا خلَفا ومنها: وقد فضَضْتُ لعَمري من كتابكُمُ ... ما يشبه الوُدَّ منكم رقَةً وصفا فبِتُّ أَستافُ منه عنبراً أَرِجاً ... طَوراً وأنظرُ منه روضةً أُنُفا أودُّ لو أنّني من بعض أسطره ... شوقاً وأحسد منه الّلام والألِفا آليتُ إن عادَ صرْفُ الدَّهر يجمعُنا ... لأَعفوَنَّ له عن كلِّ ما سلفا لهفي على نفحةٍ من ريح أرضكُمُ ... أَبُلُّ منها فؤاداً مُوقِراً شَعِفا ووَقفةٍ دونَ ذاكَ السَّفح من حلبٍ ... أَمُرُّ فيها بدمعٍ قَطُّ ما وقفا أنفقتُ دمعي قصداً يومَ بينكُمُ ... لكنَّني اليومَ قد أنفقتُه سَرَفا ما لي وللدهر ما ينفكُّ يقذفُ بي ... كأنني سهمُ رامٍ يبتغي هدفا وقوله: ما على الطَّيف لو تعمَّد قَصدي ... فشفا غُلَّتي وجَدَّد عهدي وأتاني ممن أحبُّ رسولاً ... وانثني مُخبراً حقيقةَ وَجدي إن أحبابنا وإن سلكوا اليوْ ... مَ، وحاشاهُمُ، سبيلَ التَّعدِّي ونسُونا فلا سلامَ يوافي ... بوفاءٍ منهم ولا حُسْنَ رَدِّ لهُمُ الأقربونَ في القرب منّي ... وهمُ الحاضرونَ في البعد عندي ما عهِدناهُمُ جُفاةً على الخِ ... لِّ ولكن تغيَّر القوم بعدي ليتهم أسعفوا المحِبَّ وأَرْضَو ... هُ بوَعْدٍ إذ لمْ يجودوا بنَقد حبَّذا ما قضى به البينُ من ض ... مٍّ ولثْمٍ لو لمْ يشُبْهُ ببُعْدِ لكَ شوقي في كلِّ قربٍ وبعد ... وارتياحي في كلِّ غَورٍ ونَجد ولئن شطَّ بي المَزارُ فحسبي ... أنني مُغرَمٌ بحبِّك وحدي وقوله من أبيات كتبها إلى الأمير مؤيد الدين أسامة بن منقذ: أحبابَنا فارقتُكُمْ ... بعد ائتلافٍ واعْتِلاق وصفاءِ ودٍّ غير مَمْ ... ذوقٍ ولا مُرِّ المَذاق ووثائقٍ بينَ القلو ... ب تظَلُّ مُحكمةَ الوِثاق نفَقَتْ بسوق المَكْرُما ... تِ فليس فيها من نِفاق لكنني وإن اغتربْ ... تُ وعَزَّني قربُ التلاقي لا بدَّ أن أتلو حقي ... قةَ ما لقيتُ وما أُلاقي أمّا الغرامُ فما يزا ... لُ به التّراقي في التّراقي وكذلكُمْ وَجدي بكم ... باقٍ وصبري غيرُ باق وطليق قلبي مُوثَقٌ ... وحبيسُ دمعي في انطلاق ومنها: أَمْلَلْتُهُمْ مِن طول ما ... أَمْلَلْتُهُمْ وصفَ اشتياقي يا ويحَ قلبي ما يزا ... ل صريع كاسات الفراق بل ليتَ أيّامي الخوا ... لي باقياتٌ لا البواقي وقوله: غرامٌ بدا واشتهر ... ووَجْدٌ ثوى واستقرّْ وجسمٌ شجَتْه النَّوى ... فلِلسُّقْمِ فيه أَثَرْ وقلبٌ إلى الآن ما ... علمتُ له من خبَر

стр. 345

وليلٌ كيوم الحسا ... ب ليس له من سحَرْ ولي مقلةٌ ما يزا ... ل يعدو عليها السَّهَر كأنَّ بأجفانها ... إذا ما تلاقت قِصَرْ بنفسيَ من لا أرا ... هُ إلاّ بعين الفِكَرْ ومَن لستُ أسلو هوا ... هُ واصَلني أم هجَرْ ألينُ له إن جفا ... وأعذره إن غدر وأركبُ في حبِّه ... على الحالتينِ الخطرْ وقوله: عنَّفَ الصّبَّ ولو شاءَ رَفَقْ ... رَشأٌ يرشُق عن قوس الحَدَقْ فيه عُجْبٌ ودلال وصِباً ... وتَجَنٍّ ومَلالٌ ونزَق ليَ منه ما شجاني وله ... من فؤادي كلُّ ما جلَّ ودَقّْ ومنها: يا خليلَيَّ أَعيناني على ... طول ليلٍ وسَقامٍ وأَرَقْ أتظنّان صلاحي مُمكناً ... إنَّما يَصْلُح مَن فيه رمَقْ وقوله: ما على طيفِكُمُ لو طرقا ... فشفى منّا الجوى والحُرقا ومنها: قاتل الله فؤاداً كلَّما ... خفَقَ البرقُ عليه خَفَقا وجُفوناً بَلِيَتْ مُذْ بُدِّلَتْ ... منكمُ بعد نعيمٍ بشقا وبنفسي شادنٌ يوم النَّقا ... كهلالٍ في قضيبٍ في نَقا أسرتني نظرةٌ من لحظه ... فاعجَبوا مني أَسيراً مُطلَقا وبِوُدّي عاذِرٌ من غادرٍ ... نكثَ العهدَ وخان المَوثِقا لم أزل أصحَبُ في وَجدي به ... جسداً مُضنىً وطَرفاً أَرِقا يا خليليَّ على الظَّن ومَنْ ... ليَ لو أَلقى خليلاً مُشفِقا حَلِّلاه ما سبى مِن مُهجَتي ... واستذِمّاهُ على ما قد بقا وانشُدا قلبي وصبري فلقد ... ذهبا يوم فراقي فِرَقا وقوله: مَن صَحَّ عُقدةُ عَقدِه ... وصفَتْ سريرَةُ وُدِّه لم يعترض في قربه ... رَيْبٌ ولا في بعده وقوله مما يُكتب على سيف: أنا في كفِّ غلامٍ ... بأْسُه أَفْتَكُ مِنّي أنا عند الظَّنِّ منه ... وهو عند الظَّن منّي وقوله كتبه إلى أخيه: هل لِلمُعَنّى بَعد بُعد حبيبه ... إلاّ اتِّصالُ حَنينِه بنحيبِه جُهدُ المُحبِّ مَدامِعٌ مَسجومَةٌ ... ليست تقومُ له بكشف كُروبِه أَحبابَنا بانَ الشَّبابُ وبِنتُمُ ... عن مُدنَفٍ نائي المحلّ غريبه أمّا المدامعُ بعدكم فغزيرةٌ ... والقلبُ موقوفٌ على تعذيبه لي أُلفةٌ بالليل بعد فراقكم ... والنَّجمِ عند شُروقه وغُروبه وأكاد من ولَهي إذا ما هبَّ لي ... ذاك النَّسيمُ أطيرُ عند هُبوبه وقوله من قصيدة: بِوُدّي لو رَقّوا لفيض دموعي ... ومَن ليَ لو مَنُّوا برَدِّ هُجوعي بُليتُ بمُغتال النَّواظِر مُولَعٍ ... بهجري، ولا يرثي لطول وَلوعي فحَتّامَ أَدنو من هَوى كلِّ نازحٍ ... وأرعى بظهر الغيب كلَّ مُضيع وهل نافعي أَنّي أَطعتُ عواذلي ... إذا ما وجدتُ القلبَ غيرَ مُطيع وما ليَ أخشى جَورَ خصميَ في الهوى ... وخصمي الذي أَخشاه بين ضلوعي فيا ويحَ نفسي من قِسِيِّ حواجِبٍ ... لها أسهمٌ لا تُتَّقى بدروع ومن عَزْمَةٍ أَذْكَتْ غرامي وأَبعدَتْ ... مَرامي وأَلقتني بغير رُبوع وقوله من أُخرى: عُهودٌ لها يومَ اللِّوى لا أُضيعُها ... وأَسرارُ حبٍّ لستُ ممَّن يُذيعها أَصاخَتْ إلى الواشينَ سمعاً ولم يزل ... يقولُ بآراءِ الوُشاة سَميعُها ومنها: وما كان هذا الحبُّ إلاّ غَوايةً ... فوا أَسفا لو أَنّني لا أُطيعُها تقضَّتْ ليالٍ بالعقيق وما انقضت ... لُبانةُ صَبٍّ بالفريق وَلوعُها ولمّا أفاضَ الحيُّ فاضتْ حُشاشَةٌ ... أَجَدَّ بها يومَ الوداع نُزوعُها

стр. 346

وقفنا وللألحاظ في مَعْرَك النَّوى ... سِهامُ غَرامٍ في القلوب وُقوعُها ومنها: وبِيضٍ أَعاضَتني نَواها بمثلها ... أَلا رُبَّ بِيضٍ لا يَسُرُّ طُلوعُها خلعتُ لها بُردَ الصِّبا عن مناكبي ... وعِفْتُ الهوى لمّا عَلاني خليعُها وقوله كتبها إلى والده يتشوَّقه: شوقي على طول الزّما ... نِ يزيدُ في مِقداره وجَوى فؤادي لا يَقِ ... رُّ وكيف لي بقراره والقلب حِلفُ تقلُّبٍ ... وتحَرُّقٍ في ناره والطَّرْفُ كالطِّرْفِ الغر ... يق يعومُ في تيّاره وتأسُّفي وتلهُّفي ... باقٍ على استمراره من ذا يرِقُّ لنازِحٍ ... عن أهله ودياره لعبَ الزّمانُ بشَمْله ... وقضى ببُعد مَزارِه فالسُّقمُ من زُوّاره ... والهَمُّ من سُمّاره والصبر من أعدائه ... والدمع من أنصاره وهمومُه مقصورةٌ ... أبداً على تذكاره وقوله إلى القاضي الأجلّ الأشرف ابن البيساني متولي الحكم بعسقلان: لعلَّ تَحَدُّرَ الدَّمع السَّفوحِ ... يُسَكِّنُ لوعة القلب القريحِ وعلَّ البرقَ يروي لي حديثاً ... فيرفعهُ بإسنادٍ صحيحِ ويا ريحَ الصَّبا لو خبَّرتني ... متى كان الخيامُ بذي طُلوحِ فلي من دمع أجفاني غَبوقٌ ... تُدار كؤوسه بعد الصَّبوح وأشواقٌ تقاذف بي كأني ... عَلَوْتُ بها على طِرْفٍ جَموح ودهرٌ لا يزال يحُطُّ رحلي ... بمَضْيَعةٍ ويُرويني بِلُوحِ كريمٌ بالكريم على الرَّزايا ... شحيحٌ حين يُسأَل بالشَّحيح وأيّامٌ تُفرِّقُ كلَّ جَمعٍ ... وأحداثٌ تجيزُ على الجريح فيا لله من عَوْدٍ بعُودٍ ... ومِنْ نِضْوٍ على نِضوٍ طليحِ وأعجبُ ما مُنيتُ به عِتابٌ ... يؤرِّقُ مُقلتي ويُذيبُ روحي أتى من بعد بُعدٍ واكتئابٍ ... وما أنكى الجروح على الجروح وقد أُسرى بوجدي كلُّ وفدٍ ... وهَبَّتْ بارتياحي كلُّ ريح سلامُ الله ما شَرَقَتْ ذُكاءٌ ... وشاق حنينُ هاتفةٍ صَدوح على تلك الشَّمائل والسَّجايا ... وحسن العهد والخُلُق السَّجيح على أُنْس الغريب إذا جفاه الْ ... قريبُ ومَحْتِد المجدِ الصَّريح على ذي الهِمَّة العَلياء والمِنَّ ... ةِ البيضاءِ والوجهِ الصَّبيح ومنها: صَفوحٌ عن مؤاخذة المَوالي ... وليس عن الأعادي بالصفوح هُمامٌ ليس يبرَح في مقامٍ ... كريم، أو لدى سعي نجيح حديدُ الطَّرف في فعلٍ جميلٍ ... وقورُ السَّمع عن قولٍ قبيح مددتُ إليه يدي فشدَّ أزري ... وذادَ نوائب الدَّهر اللَّحوح وفزتُ بوُدِّه بعد ارتيادٍ ... ولكن صدَّني عنه نُزوحي وما أدركت غايته بنظمي ... ولو أدركت غايةَ ذي القروح ولكني وقفت على عُلاه ... عَتادي من ثناءٍ أو مديح وقوله من قصيدة: إلامَ ألومُ الدَّهر فيكمْ وأعْتِبُ ... وحتّامَ أرضى في هواكمْ وأغضبُ أما مِن خليلٍ في الهوى غير خائنٍ ... أما صاحبٌ يوماً على النُّصح يصحَب بأَيَّةِ عُضوٍ ألتقي سَورةَ الهوى ... ولي جسَدٌ مُضنىً وقلبٌ معذَّبُ عذيريَ مِنْ ذِكرى إذا ما تعرَّضت ... تعرَّضَ لاحٍ دونها ومؤنِّبُ ومنها: أرى الدَّهرَ عوناً للهموم على الفتى ... وضِدّاً له في كلِّ ما يتطلَّب فأبعَدُ شيءٍ منه ما هو آمِلٌ ... وأقرب شيءٍ منه ما يتجنَّبُ

стр. 347

وقد يحسب الإنسان ما ليس مدرِكاً ... كما يدرِكُ الإنسانُ ما ليس يحسب وقوله من قصيدة كتبها إلى والده سنة ثلاث وأربعين: ظنَّ النَّوى منك ما ظنَّ الهوى لَعِبَا ... وغرَّه غَرَرٌ بالبَيْنِ فاغْتربا فظلَّ في رِبْقَةِ التَّبْريح مُؤْتَشِباً ... مَن مات من حُرْقَةِ التَّوديع مُنْتَحِبا مُتَيَّمٌ في بني كعبٍ به نسبٌ ... لكنه اليوم عُذْريٌّ إذا انتسبا أجاب داعي النَّوى جهلاً بموقِعها ... فكانَ منها إلى ما ساءه سببا يا عاتِبَيَّ رُوَيْداً من مُعاتَبتي ... فلستُ أوّلَ مُخْطٍ في الورى أَرَبَا رُدّا حديثَ الهوى غَضّاً على وَصَبٍ ... يكادُ يقضي إذا هبَّتْ عليه صَبا وجَدِّدا عهده بالسَّمع عن حلبٍ ... فإنَّ أَدْمُعَه لا تَأْتَلي حَلَبَا ومنها: للهِ قلبي ما أغرى الغرامَ به ... وحسنُ صبريَ لولا أنه غُلِبا يا قاتلَ اللهُ عَزْمَاً كنتُ أَذْخَرُه ... رُزِيتُه في سبيل الحب مُحْتَسِبا إذا تفَكَّرْتُ في أمري وغايتِه ... عَجِبْتُ حتى كأني لا أرى عَجَبَا ومنها: أَسْتَودِع اللهَ أحباباً أُشاهِدهمْ ... بعين قلبي وليستْ دارُهم كَثَبَا أصبحتُ لا أرتجي مِن بعد فُرْقتهم ... خِلاًّ أُفاوضه جِداً ولا لَعِبَا فإن سُرِرتُ فإني مُضْمِرٌ حَزَنَاً ... أوِ ابْتسمتُ وجدتُ القلب مكتئِبا وقوله: قالوا تَرَكْتَ الشِّعرَ قلتُ لهم ... فيه اثنتان يعافُها حسبي أمّا المديح فجُلُّهُ كذبٌ ... والهجوُ شيءٌ ليس يَحْسُنُ بي وقوله في كسرِ الخليج بمصر: حبَّذا كَسْرُ الخليجِ ... وهو ذو مرأى بهيجِ حبَّذا ما نحنُ فيه ... مِن دُعاءٍ وضجيج والشَّواني فيه تجري ... كالصَّياصي في النَّسيج نحن في جوِّ سماءٍ ... ما لَدَيْها من فُروج كبُدورٍ في بُروجِ ... أو سُطورٍ في دُروجِ أو زُهورٍ في مُروجِ ... أو ملوك في سروجِ وله منها في المدح: قلتُ إذ أقبل كالد ... رِّيِّ في الليلِ الدَّجُوجي ما رأينا قطُّ بحراً ... سائراً نحو الخليج وقوله من قصيدة: من لي بأَحورَ قُربي في محبَّته ... كالبعدِ، لكن رجائي منه كالياسِ مُستعذِبٌ جَوْرَه فالقلب في يده ... مُعذَّبٌ، ويدي منه على راسي ودَّعْتُه مِن بعيدٍ ليس من مَلَلٍ ... لكن خَشِيتُ عليه حَرَّ أنفاسي وقوله: ما ضرَّهُم يومَ جَدَّ البَينُ لو وقفوا ... وزَوَّدوا كَلِفَاً يودي به الكَلَفُ تخلَّفوا عن وَداعي ثُمَّتَ ارتحلوا ... وأخلفوني وُعوداً ما لها خَلَفُ ومنها: أَسْتَودِعُ الله أحباباً أَلِفْتهُمُ ... لكن على تَلَفي يوم النَّوى ائتَلفوا تَقَسَّموني، فقِسْمٌ لا يُفارِقُهمْ ... أَيْنَ اسْتَقلّوا وقسمٌ شَفَّه الدَّنَفُ عَمْرِي لَئِنْ نَزَحَتْ بالبين دارُهمُ ... عنّي فما نزَحوا دمعي ولا نزَفوا يا حبّذا نظرةً منهم على وَجَلٍ ... تكادُ تُنْكِرني طوْراً وتعترِف وتوفي أبو علي بن أبي جرادة بالقاهرة في جمادى الأولى سنة إحدى وخمسين وخمسمائة. أخوه: القاضي الأعز أبو البركات بن أبي جرادة كان أميناً على خِزانة الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي بن آق سُنقُر وهو عدلُها، وبيده عَقدُها وحَلُّها، إلى أن توفي بعد سنة خمسٍ وخمسين وخمسمائة، ووجدتُ من شعره في ديوان أخيه من قصيدة كتبها إليه بمصر: يميناً بما ضمَّتْ غداةَ المُحصَّب ... جَنوبُ مَنىً من ذي بِطاحٍ وأخشَب ومنها: وشُعْثٍ على شُعْثٍ كأنَّ وجوههمْ ... شُموسُ نهارٍ أو أهلَّةُ غيهب

стр. 348

فهم يقصدون البِرَّ في كلِّ وِجهةٍ ... ويجتلبونَ الأجر من كل مجلَب لَبَرَّحَ بي شوقٌ على إثر ظاعنٍ ... مقيمٍ على حُكمِ القِلا والتَّجَنُّب ومنها: أَسُكّانَ مِصرَ هل إليكم لذي هوىً ... ولو في منام العَين وَجهُ تَقَرُّب سقى جانب الوادي الذي عُقدَتْ به ... قِبابُكُمُ، صوبُ الحَيا المُتهدِّب فروَّضَ من مَغناكُمُ كلَّ تَلْعَةٍ ... وطَفَّحَ من بطحائكم كلَّ مِذْنَب وهبَّت لكم ريحُ الصَّبا بتحيَّةٍ ... أرقَّ من الشَّكوى إليكم وأعذب ومنها: خليليَّ من عُليا ربيعةَ مالنا ... عَقَقنا وكُنّا من أبرِّ بني أَبِ رحلنا وخلَّينا أعِزَّةَ أهلنا ... يُراعونَ مَسْرى الطّارق المُتأَوِّب وصرعى بأكناف الرِّحال كأنَّهمْ ... سُكارى ولم تُقرَعْ كؤوسٌ بأكؤبِ يئنّونَ مِمّا أثخَنَ البينُ فيهمُ ... أنينَ أسيرِ الثائرينَ المُعذَّب لهم بقدوم الرَّكْبِ أُنسٌ وغِبطةٌ ... وإن لم يكن من نحونا شَدُّ أركَب فإن آنسوا ذِكراً رَمَوا بأكفِّهمْ ... إلى كلِّ قلبٍ في لظىً متقلِّب وإن عاينوا منّا كتاباً تطالَعَتْ ... بَوادِرُ دمعٍ بالدِّماء مخضَّب قصدنا لهم ضِدَّ الذي قصدوا له ... لقد عاقبتْ آراؤنا غيرَ مُذنِبِ إلى أيِّ حيٍّ غيرهم أنا راحِلٌ ... وفي أَيِّ أهلٍ بعدهم مُتطلَّبي أعاتبَ نفسي في اصطباري عنهمُ ... وأذهبُ في تأنيبها كلَّ مذهب وإمّا رأى الأقوامُ مني تجلُّداً ... فما الشأن إلاّ في الضَّمير المُغيَّب فكتب جوابَه إليه من مصر إلى حلب: أتاني ومَنْ طابتْ به أرضُ يثربِ ... على شِدَّةِ البَلوى وطول التَّرقُّب أمينٌ إذا ما استُودِعَ السّرَّ صانه ... وإن خانَ فيه كلُّ خِلٍّ مُهذَّب فأكرِم به من زائرٍ متعَمِّدٍ ... وأحسِن به من واصلٍ مُتعَتِّب سرَرْتُ به نفسي وأقرَرتُ ناظري ... وأكثَرتُ إعجابي به وتعجُّبي وقبَّلْتُه في الحال ثم وضعتُه ... على كبدٍ حرَّى وقلبٍ معذَّب وقابلت ما وافى به من تحيَّةٍ ... بما شئت من أهلٍ وسهلٍ ومَرحَب وأَمَّلْتُ منه أن يُسَكِّنَ لوْعتي ... فهيَّجَ بَلبالي وزادَ تلهُّبي ومنها: أَأَحبابَ قلبي والذينَ أَوَدُّهُمْ ... وأَشتاقُهُمْ في كلِّ صبحٍ وغيهَب بغير اختياري فاعلموا وإرادتي ... نزلتُ على حكم القِلا والتَّجَنُّب رحلتُ بقلبٍ عنكمُ غيرِ راحلٍ ... وعِشتُ بعيشٍ بعدكم غيرِ طيِّب لقد فلَّ غربي غُربَتي عن بلادكُم ... وأجرى غُروبَ العينِ مني تغَرّبي وما زلتُ أصفيكم على القرب والنَّوى ... هواكُمْ وأرضاكمْ بظهر المُغَيَّب فلا تحسبوا أَني تسلَّيتُ عنكمُ ... فما الهجر من شأني ولا الغدر مَذهبي سعيتُ لكم سَعْيَ الكريمَ لأهله ... وما كلُّ ساعٍ في الأنام بمُنجِب لعَمري لقد أبلغْتُ نفسيَ عُذرَها ... وإن كنتُ لم أَظفرْ بغايةِ مطلبي وصاحبتُ أيّامي على السُّخطِ والرِّضى ... بعزمةِ مَصقولِ الغِرارَيْنِ مِقضَب سقى حَلْباً جَودُ الغَوادي وجادَها ... وحيّا ثراها بالحَيا المُتحلِّب بكلِّ مُلِثٍّ وَدْقُه غيرُ مُقلعٍ ... وكلُّ مُلِبٍّ بَرقُه غيرُ خُلَّب ومنها: وقد كنتُ قبلَ اليومِ جَلداً على النَّوى ... فهدَّ الأسى رُكني وضعضعَ مَنكِبي فما وَجدُ مِقلاتٍ تذَكَّرُ بالضُّحى ... طَلاها ولا وَحشِيَّةٍ أُمِّ تَوْلَبِ

стр. 349

ولا ذاتِ طَوقٍ ما تَمَلُّ هديلَها ... رَقوبٍ إذا لم تذرَفِ الدَّمعَ تَندُبِ كَوَجدي إذا ما جنَّني الليل وانتفى ... رُقادي وصبري واستمرَّ تكرُّبي لحا الله دهراً فرَّقتنا صروفُه ... فشَعَّبَ منّا الشَّملَ في كلِّ مَشعَبِ خُلقتُ على ريبِ الحوادثِ صابراً ... كأني على الأيّام قُنَّةُ مَرْقَب ولكنني أرجو من الله أنه ... سيُنعم بالي منكمُ بالتَّقرُّب ووجدت أيضاً في ديوان أبي علي الحسن بن أبي جرادة أنه وصلته من والده رقعة فيها شعر بخط أخيه ومن جملته: أَمالِكَ ناظري والقلبِ حقّاً ... يقيناً في الدّنُوِّ وفي البِعاد قنعتُ بأن أراكَ بعَين سَمعي ... على أَنَّ اشتياقي في اتِّقاد وكنتُ أُطيلُ في الشَّكوى اجتهاداً ... فلم تُغْنِ الإطالة باجتهادي ولمّا لمْ أَفُزْ ببلوغِ قصدي ... عَدَلتُ إلى اقتصارٍ واقتصاد فلا تبخلْ عليَّ بفضل طِرْسٍ ... عليه رَقْشُ كفِّك بالمداد ففيه قوَّةٌ لذِماءِ نفسٍ ... كَدِقِّ الجمر في هابي الرَّماد فلا برحَتْ تخصُّكَ كلَّ يومٍ ... تحيّاتي وإن شَحَطَتْ بلادي أَحِنُّ إلى اللِّقاءِ وأنت عندي ... مقيمٌ في السُّويدا والسَّواد فأجابه عن ذلك بقصيدة منها: أَطعتُ ولم أكن طوعَ القِيادِ ... وغالبَني الزَّمان على مُرادي وباعدتُ الأحِبَّةَ بعدَ قربٍ ... وقاربتُ النَّوى بعدَ البِعاد ومنها: فبِتُّ كأَنَّني في عَقد عَشْرٍ ... وأفكاري تُطّوِّفُ في البلاد أَسيرَ صبابةٍ ونجِيَّ شكوى ... وحِلْفَ كآبةٍ وأخا سُهاد غريبَ الدّار أصحَبُ غيرَ أهلي ... وأُصبحُ ساكناً بسوى بلادي وما استأْخَرْتُ سُلواناً ولكن ... عَدَتْني عن زيارتِك العوادي والده عليّ بن أبي جرادة لم أعرف أنه كان شاعراً، لكنني وجدت في ديوان ولده وردتْ إليه من أبيه أبياتٌ وكانت بغير خطِّه فأوردت منها: أما اقتنع الدَّهرُ الخَؤون ولا اكْتفى ... بِفُرْقَتِنا حتى أَشَطَّ وأسرَفا وغادرَ قلبي بالهموم موَكّلاً ... وصيَّره طبعاً له لا تكلُّفا وخالفَ فيما بينَ عينيَّ والكرى ... وحالف فيما بين جفْنَيَّ والجَفا وأضرَمَ في الأحشاء نارَ صبابةٍ ... لها لهبٌ لو باشرَ اليمَّ ما انطفى لئن كان ذا وِتْرٍ لقد بان وِترُهُ ... وإن كان ذا غَمْرٍ لقد فاز واشتفى وكنتُ على وَعدٍ من الصَّبر صادقٍ ... متى رُمْتُهُ في حادثٍ جادَ بالوفا فلما تناهى في هواك صبابتي ... تقاضيته فيما عهِدتُ فأخلَفا ومنها: فإنْ تُعقِبِ الأَيّامُ قرباً نَلَذُّهُ ... فنُعمى بها مَنَّ الإلهُ وأسعفا وإن تكنِ الأُخرى فإنِّيَ قائلٌ ... عليكَ سلامٌ ما بدا النَّجمُ أو خفا وداعُ مُحِبٍّ قد تطاوَلَ عمرُهُ ... وأصبحَ من نَيلِ الرَّجاءِ على شَفا فكتب ولده في جوابها قطعة منها: تملَّكني صَرفُ الزَّمان فصرَّفا ... وأنهلَني كأْسَ الهُموم وصرَّفا وعوَّضني ممَّن أُحِبُّ تأَسُّفا ... وهل ينفعُ المحزونَ أن يتأَسَّفا ومنها: خليليَّ شَفَّ الوَجْدُ قلبَ مُتيَّمٍ ... فأصبحَ من نَيلِ الشِّفاء على شَفا وضاعفتِ الأحزانَ عندي صحيفةٌ ... على أنَّني صيَّرْتُها ليَ مُصحَفا الفقيه أبو المجد مَعدان بن كثير بن الحسين البالِسيّ

стр. 350

وبالس مدينة بالشام بين الرقة وحلب، معدن الذكاء والفهم، كثير الرقة واللطف في النّظم، محسن الشِّعر مُجيده، مقبول القول سديده، أوحد العصر فريده. حكى لي سيِّدنا الصفوة البالِسيّ المُعيدُ بالنِّظامِيَّة ببغداد في أواخر جُمادى الأولى سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة بها أن الفقيه مَعدان البالسي كان في زمان أبي بكر الشاشي تلميذه في النظامية يتفقَّه عليه فأنشده يوماً من قصيدةٍ مدحه فيها: يا كعبةَ الفضل افْتِنا لِمْ لَمْ يَجِبْ ... فرضاً على قُصّادِكَ الإحرامُ ولِما تُضَمِّخُ زائريكَ بطيب ما ... تُلقيه وهو على الحجيج حرامُ ثمَّ طالعت ما صنَّفه أبو سعد عبد الكريم السَّمعاني، وسمّاه المُذيّل لتاريخ بغداد وذلك في سنة ست وخمسين وخمسمائة ببغداد وكان بعد التاريخ من مرو إلى بغداد قبلها بسنة، فقرأْت فيه تمام غزل هذه القصيدة قال: أنشدني أبو الحسن علي محمويَه اليَزْدِيّ قال: أنشدَنا الفقيه مَعدان البالسي لنفسه وقتَ التَّفقُّه يمدح شيخنا أبا بكرٍ الشّاشيّ: نظرَ العواذلُ ما نظرتُ فهاموا ... من بعدِ ما عنُفوا عليَّ ولاموا وعلَتْ لسُلطان الهوى عزَماتُهُم ... إذْ عنَّ جيشُ الحُسنِ وهو لُهامُ أقول لعلَّه قال: وعنَتْ، لأجل التَّجنيس لكنَّ المَروي: وعلت. وبه منَ الهِيفِ الرِّشاقِ ذَوابِلٌ ... ومنَ اللِّحاظِ صَوارِمٌ وسِهامُ جَيْشٌ به ذَلَّتْ ضراغِمُ بِيشَةٍ ... عند اللِّقاءِ وعَزَّتِ الآرامُ ما بَيْنَه إذ بثَّ رائعَ سِرْبه ... سرباً وبين الناظرينَ ذِمامُ فاحْفظْ فؤادَك من نِصالِ ذوابلٍ ... إن أُشرِعَتْ لم يُنْجِ منها اللامُ وغَريرةٍ إن سَلَّ صارِمَ لحظِها ... تيهُ الدَّلال ففي القلوب يُشامُ أَدْمَاه مُغْزِلَة إذا ما بَغَّمَتْ ... ضَجَّ الزَّئيرُ وثعْلَبَ الضِّرْغامُ بدويّة لولا تأرُّجُ طيبِها ... ما طابَ شِيخٌ بالفَلا وثُمامُ عَرَضَ الفِراقُ على الفريق جمالَها ... ما كلُّ ما عَرَضَ الغَيورُ يُسام ولربّما غَرَّ الجَهولَ جبينُها الْ ... وضَّاحُ ثم وثغرُها البسّام والسيفُ مُبْتَسِمُ الفِرَنْد وعنده ... حَدٌّ تُجَذُّ به الطُّلى والهامُ يا صاحِبَيَّ ذَرا المَلامَ فقلّما ... يَثْنِي عن القَصدِ الجَموحِ لِجامُ ولربّما سَكَنَتْ صَبابَةُ مُدْنِفٍ ... يَأْسَاً فحرَّكَها عليه مَلامُ مَن لي بتَسْكين الفؤادِ إذا خَفا ... بَرْقٌ وناح معَ العَشِيِّ حَمامُ كُفّا فكلُّ لَذاذةٍ لرِضاعِها ... حَتْمَاً من الدهر الخَؤونِ فِطامُ ومُنَعَّمٍ لا وَصْلُه في يَقْظَةٍ ... يُرْجى ولا تسخو به الأحلامُ في وَجْنَتَيْه ومُقْلتيْه وريقِه ... وَرْدٌ يشوقُ ونَرْجِسٌ ومُدامُ البدرُ وجهٌ والأَقاحي مَبْسِمٌ ... والدِّعْصُ رِدْفٌ والقضيبُ قَوامُ مِن سَيْفِ ناظرِه وصَعْدَة قَدِّهِ ... يَتَعَلَّمُ الخَطِّيُّ والصَّمْصامُ ضَلَّ الأنامُ به فلم يَرَ بعدَه ... إبليسُ أنْ لا تُعْبد الأصنامُ ولقد خَشِيتُ فُتونَه فأجارني ... عَزْمٌ يَفُلُّ الخَطْبَ وهو حُسامُ ومنها في المدح: قد قلتُ للمُتَكَلِّفين لِحاقَه ... كُفُّوا فما كلُّ البحور يُعامُ غَلَّسْتَ في طُرُقِ الرَّشادِ وهَجَّروا ... وسَهِرْتَ في طلبِ المَعادِ وناموا هيهاتَ أينَ من النعائم مَذْهَباً ... ومقاصداً ما تقصِد الأنعامُ والبيتان اللذان سبق ذكرهما وما أعدتهما. وراوية هذه القصيدة علي مَحْمُويه اليَزديّ شيخي سمعت عليه الحديث ولي منه إجازة فيجوز أن أرويها عنه إجازة.

стр. 351

وأنشدني سيدنا الصفوة البالسي معيدنا للفقيه معدان في غلام يدلّكه القيّم في حمام بيتين، كدُرّتين توأمين، أنشأهما، وما سبق إلى معناهما، وهما: بُشْرى لقَيِّمِه إذْ باشرتْ يدُه ... جِسْماً تَوَلَّدَ بين الماءِ والنورِ ما زالَ يُظْهِرُ لُطْفاً من صناعته ... حتى جَنى المِسْكَ من تِمْثالِ كافورِ وأنشدني له في غلام من آل ظبيان، قوم بالشام: يا آلَ ظبيان ما أغناكُمُ شَرفاً ... صَرْعُ الفوارس بالعَسّالِةِ الذُّبُلِ حتى تفَرَّس من أبنائِكم رَشَأٌ ... فصار يَصْرَعُ أُسْدَ الغِيل بالمُقَلِ وحكى لي أنه كان في أيامه شاعر بدمشق يقال له المُشتهى وكان مٌستهتراً بغلامٍ أسنانه قُلْحٌ، وما كان يسمح خاطره بوصف صفرة ثناياه، فسأل الفقيه معدان البالسي أن يعمل أبياتاً فعمل: ومُشَهَّرٍ غَضَّتْ مَحاسِنُه ... عنه العيونَ فصارَ مُحتجِبا خافتْ ثناياه القِصاصَ وقد ... سَفَكَتْ دمي فتصفَّرتْ رُعْبا فكأنَّما رَصّافُ مَبْسِمِه ... حَقَرَ اللُّجَيْنَ فصاغَهُ ذَهَبَا وقال له: قد صرّحتُ بالصفرة فيها ولكن أنظِم غيرها، فنظم تلك الليلة: وبابليِّ اللِّحاظِ يمزُج لي ... كَأْسَيْن من طَرْفِه ومن فَمِهِ تَظْمَا إلى ريقِه مَراشِفُنا ... ورِيُّها تحت وَرْدِ مَلْثَمِهِ من واضحٍ يحسب الحَسودُ به ... تصَفُّراً، ضلَّ في توَهُّمِهِ وإنما تيكَ خَمْرُ ريقتِه ... تَشِفُّ من تحت دُرِّ مَبْسِمِهِ فقال له المشتهى: إن معك جِنّيّاً ينظم لك الشعر. أقول هذه أبيات نوادر، كأنها جواهر، في صفرة الأسنان ومدحها لم يسبقه إلى معناه شاعر، ولم يسمح بأحسن منها خاطر، أرق من شكوى الحبيب، وأطيب من غفلة الرقيب، ولم يقع إلي من شعره أكثر مما أوردته، وإن ظفرت بشيء آخر واستحسنته أثبتّه. أبو حسّان الضرير التدمريِّ المعريّ هو أبو حسّان نعمة بن حسان بن نعمة بن حسان المقري، من أهل تَدْمُر، من بني جرير بن عامر. قارئ بصير من أهل النحو والأدب، قدم مُتظلِّماً من والي تدمر في صفر سنة اثنتين وسبعين إلى المخيم الملكي الناصري الصلاحي بحماة وأنشده قصيدة طويلة منها: أَسلطانَ أرضِ الله ذا الطَّوْلِ والقَهْرِ ... حليفَ المعالي والمناقِبِ والفخرِ ومَن عمَّ شَرْقَ الأرضِ والغربِ عَدْلُهُ ... كما عَمَّها غَيْثُ السَّحابِ من القَطْرِ أفي عَدْلِك المبسوط والشَّرْعُ حاكمٌ ... بملكيَ أُقصى عنه بالدَّفع والزَّجرِ وتُنْعِمُ بالخطِّ الشريف فأنثني ... إلى تَدْمُرٍ أطوي المَفاوز في القفرِ على ثقةٍ بالدولة الناصريّة ال ... منيعِ حِماها داعياً ناشرَ الشُّكرِ فأُمنعُ من عَوْدٍ إليك تَحُكُّماً ... ويُقْصَدُ بالإيذاءِ قلبيَ والكسرِ ويُجعلُ إكرامي لحُرْمَةِ خطك الشريف مَذاق الهُون والمَجْرَع المُرِّ ويُطلَبُ مني فوق ما أستطيعه ... على فاقةٍ مِن ضِيقةِ اليد والعُسْرِ أَلَمْ تُرْعَ للشهر المعظم حُرْمةٌ ... ولا لكتاب الله أتلوه في صدري وذاك لما قد حدَّثَتْهم ظُنونُهمْ ... بأن صلاح الدين ماضٍ إلى مصرِ وقالوا قليلٌ جُندُه وجُموعُه ... وليس من الشرقيّ في موقع العُشْرِ ولم يعلموا أنَّ الإله مُؤَيِّدٌ ... له ومُمِدٌّ بالمَعونةِ والنَّصرِ وقد عَمَّتِ الآفاقَ أخبارُ نصرِه ... وجاوزَ قِنَّسْرين مُخْتَرِقَ الجِسْرِ أبو الفضل يحيى بن نزار بن سعيد المَنْبِجي

стр. 352

نزيل بغداد وداره حذا باب النوبي. أحد الباعة والتجار المعروفين المتميزين ببغداد. كان شيخاً ظريفاً مُتودِّدا، سديداً مُسدَّدا، متطرِّفاً من العلوم، حافظاً لكثيرٍ من المنثور والمنظوم، كنت أحاوره ويستنشدني شعري، ويُنشدني ما كان قد استحسنه من الأشعار، وما كنت أظن أن له شعرا، وما أجرى معي لنظمه ذِكرا، حتى طالعتُ تاريخ السمعاني فوجدته يقول فيه: أنشدني يحيى بن نزار التاجر لنفسه: لو صَدَّ عني دلالاً أو مُعاتبةً ... لكنتُ أرجو تلافيه وأعتذِرُ لكن مَلالاً، فلا أرجو تعَطُّفَهُ ... جَبْرُ الزُّجاجِ عزيزٌ حينَ ينكسرُ قال وأنشدني لنفسه: واغْيَدَ غَضٍّ زاد خَطُّ عِذارِهِ ... لعاشقه في همّه والبلابِلِ تموج بحارُ الحُسنِ في وجَناتِه ... فَتَقْذِف منها عَنْبَراً في السواحل وتُجري بخَدَّيْهِ الشَّبيبةُ ماءَها ... فتُنْبِتُ رَيْحَاناً جَنوبَ الجداول قال وأنشدني لنفسه. وما أظن أنه ليحيى بن نزار لكن السمعاني ربما سمع منه فاعتقد أنه له، وربما كان له: شَمْسُ النهارِ أم الصهباءُ في الكاس ... وذاك لأْلاؤُها أم ضَوْءُ نِبْراسِ تالله لو لم تكن شَمْسُ النهار لما ... بدالها شفقٌ في وَجْنَةِ الحاسي وفاتر الطَّرْف مَعْسُول الشَّمائلِ عسّالِ القَوامِ كغُصْنِ البانِ مَيّاسِ أدارها ساقياً لَيْلاً فقدَّرها ... ناراً فأطفأَها بالمزج في الكاس توفي ﵀ ببغداد وأنا بواسط بعد سنة اثنتين وخمسين وخمسماية وأخوه أبو الغنائم قام مكانه. الشيخ علي المغربي النحوي المقيم بقلعة جعبر أصله من المغرب ووجب إيراده من المغاربة، لكنا ذكرناه ها هنا لإقامته بقلعة جعبر. أنشدني الشريف علي بن محمد بن أبي زيد العباسي المالكي بأصفهان في سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، وكان شاباً ظريفاً، قال: أنشدني الشيخ علي النحوي بقلعة جعبر. ما كنتُ لولا كَلفي بالعِذارْ ... أصبو إلى الشُّرب بكأس العُقارْ سال كَذَوْبِ المِسْكِ في وَجْنَةٍ ... وَرْدِيَّةٍ تجمع ماءً ونارْ هذا، وما تمّ، غرامي به ... فكيف لو تمَّ بها واستدارْ وفاترِ الألحاظ ما زلتُ مِنْ ... نواظر الناس عليه أغارْ مَلَّكْتُه رِقّي على أنه ... يُجيرُ قلبي فَتَعَدَّى وجارْ وَيْلاهُ من صِحّة أجفانه ... وما بها من مَرَضٍ واحوِرارْ حرّان أبو محمد سعيد بن الحسن بن سلمان الحراني قرأت بخط السمعاني في التاريخ المُذيّل يقول: لقيتُه بنيسابور، وذكره شرف الدين أبو الحسن البيهقي في كتاب وشاح دمية القصر قال: زرته بنيسابور فوجدته كفيفاً، مُلئ ظرفاً وفضلا، وعلماً ونبلا، وقلت مرحباً بهذا اللقاء الذي أطلع علينا سعده، وأهلاً بهذا التعريف وما بعده، وحمداً لغَيْمٍ حمدنا بلسان الصدق بَرْقَه ورعده، قال وأنشدني لنفسه: ألا إنَّ طَرفي بالسُّهادِ بُعَيْدكُمْ ... أَخِلاّيَ مَطْرُوفٌ وجَفنيَ مَقْرُوحُ وشوقي إليكمْ زائدٌ غَيْرُ ناقصٍ ... ودمعيَ إن نَهْنَهْتُهُ الدَّهرَ مسفوحُ ولله قلبي ما أَجَنَّ إذا شَدَتْ ... سُحَيْراً على الأغصان وُرْقٌ مَصاديحُ ألا كيف يصحو مَن غَدا وهو بالأسى ... يدَ الدهر مَغْبُوقٌ وبالوَجْدِ مَصْبُوحُ قال السمعاني: وأنشدني لنفسه: جاءَتْ تُسائِلُ عن لَيْلِي فقلتُ لها ... وَسَوْرَةُ الهمّ تمحو سِيرة الجَذَلِ لَيْلِي بكَفَّيْكِ فاغْنَيْ عن سؤالِكِ لي ... إنْ بِنْتِ طال وإن واصلتِ لم يَطُلِ الرقّة القاضي الرَّقيّ هو أبو الحسن علي بن مُشْرِق بن الحسن الرّقّيّ ذكره وُحيش الشاعر وقال: كان شاعراً مَنْشَؤه ومسكنه بدمشق، ووُلد بالرقة وتوفي بدمشق سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، وله قصيدة وازن بها قصيدة ابن الخياط الدمشقي التي يقول فيها:

стр. 353

لو كُنتَ شاهِدَ عبرتي يوم النَّقا ... لَمَنْعتَ قلبكَ بعده أن يَعْشَقا وأنشدني من قصيدة القاضي الرّقي بيتاً واحداً وهو: وعلى الأديب بأن يُجيد وما على ... ذي الحرص في حركاته أن يُرْزَقا وله: أَسِحْرٌ في جُفونِكِ أم عُقارُ ... وبي وَجْدٌ بلَحْظِكِ أمْ خُمار متى واصلتِ ثمّ صَدَدْتِ صَبّاً ... فخامَرَهُ سُلُوٌّ أَوْ قرارُ الفقيه ابن المُتَقَّنة مدرس الرحبة أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد بن الحسن تأدّب على الشيخ أبي منصور بن الجواليقي، وله معرفة بالأدب، إلاّ أن اشتهاره بالفقه أكثر. هو فقيه فاضل من أصحاب الشافعي ﵃، مدرّس بالرحبة. أنشدني الشيخ الفقيه أبو الفتح نصر بن عبد الرحمن الفَزاري الاسكندري قال: أنشدني الشيخ العالم أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد المدرس الرحبي المعروف بابن المتقّنة برحبة مالك لنفسه: ما الأَمَةُ الوَكْعاءُ بين الورى ... أَخَسَّ مِن حُرٍّ أخي مَلأَمَهْ فَمَهْ إذا استُجديتَ عن قَوْلِ لا ... فالحُرُّ لا يَمْلأُ منها فَمَهْ قال: قال لي: كان سبب عملها أنّ بعض المتأدّبين كان يقرأ علي مقامات الحريري فمرّ بالبيتين اللذين له وهما: سِمْ سِمَةً يَحْسُنُ آثارها ... واشكُرْ لمن أعطى ولو سِمْسِمَهْ والمَكْرُ مَهْمَا اسْطَعْتَ لا تَأْتِهِ ... لتَقْتَني السُّؤْدُدَ والمَكْرُمَهْ وقال ابن الحريري عقِبُهما: وأمِنّا أن يُعَزَّزا بثالث، فعملت هذين البيتين. ولقيتُه بالرحبة عند وصولي إليها في محرّم سنة ست وستين وسمعت من نوادره طرفا. أبو علي الحسن بن علي الرحبيّ أخذت شعره مما نظمه بالبحرين، وأنشدني ذلك الأديب علي بن الحسن بن إسمعيل العبدي البصري بها في سنة سبع وخمسين وخمسمائة وذكر لي أنه رآه قد عاد إلى البصرة ومات بعد مفارقته إيّاها بعد سنة خمسين وخمسمائة، أنشدني له من قصيدة طويلة يمدح فيها الأمير أبا علي صاحب البحرين قال: أنشدنيها غير واحد من أصحابنا أوّلها: تذَكَّرَ هنداً بعد أنْ نَزَحَتْ هِنْدُ ... فؤادٌ حليفاه الصَّبابةُ والوَجْدُ وكيف بها والمَشْرَفِيَّةُ دُونَها ... وسُمْرُ العوالي والمُضَمَّرَةُ الجُرْدُ وأُسْدُ طِعانٍ لا يُبِلُّ طَعينُهم ... إذا زأروا خَرَّتْ لأذقانها الأُسْد ومنها: ألَمَّ بنا بعد الهُجوعِ خَيالُها ... فمَزَّق جُنْحَ الليل، والليلُ مُسْوَدُّ وطاب ثَرى البيداء حتى كأنّما ... تضوَّعَ من بَوْغَائِها المِسْكُ والنَّدُّ وقال أُصَيْحابي أَنَحْن بتُبَّتٍ ... فقلتُ لهم لا بل ألَمَّتْ بنا هِندُ ومن مدحها: بهم أصبحَتْ عَدْنَانُ للفخر مَعْدِناً ... وحازَتْ مَعَدُّ الفَخْرَ وافتخرَتْ أُدُّ وأضحى لعبد القيس فضلٌ على الورى ... كأنَّ لفضل القيس كلَّ الورى عَبْدُ وأنشدني له من قصيدة يهجو فيها بني بشار، وقوماً من أُوال، بلدةٍ من البحرين: لا تَأْمَنَنَّ على ثيابك غَدْرَةً ... إمّا نزلتَ على بني بَشّارِ ومنها: إنْ كان بينكُمُ وبين ربيعةٍ ... نسبٌ حِرُ امِّ ربيعة بن نزارِ وأنشدني عليّ العبدي بالبصرة قال: أنشدني مُؤمِّل الأحساوي قال: أمره الأمير أبو علي الحسن بن عبد الله بن علي صاحب القَطيف أن يصنع قصيدة على منوال: يا سلسلة الرمل باللويلب فالحالْ فصاغ هذه القصدية أنشدنيها علي العبدي وكتبها لي بخطّه قال: أنشدنيها مُؤمّل الأحساوي وكتبها لي بخطه فمنها: يا مَنْزِلَ سَلْمَى بذي الكَهَنْبَلِ فالضَّالْغاداكَ من المُزْنِ كلُّ أَسْحَمَ هَطَّالْ يحيى بن النقاش الرحبي كان أسد الدين شِيرْكوه قد وَلّى الرحبة يوسفَ بن الملاّح الحلبي وآخر معه من بعض الضياع فكتب إليه: كم لك في الرَّحبةِ من لائمٍ ... يا أسدَ الدينِ ومِن لاحِ دَمَّرْتَها من حيثُ دبَّرْتَها ... برأْي فَلاّحٍ ومَلاّحِ وله فيه:

стр. 354

يا أَسَدَ الدين اغتنمْ أَجْرَنا ... وخَلِّصِ الرحبة من يوسُفِ تَغْزُو إلى الكفر، وتغزو به ال ... إسلامَ ما ذاك بهذا يفي وله من قصيدةٍ في جمال الدين الوزير بالمَوصل يُغنّى بها: أما استحى الطائرُ في غصونِهِ ... أنِ ادَّعى شَجْوِيَ مِن شُجونِهِ باب في ذكر محاسن جزيرة بني ربيعة وديار بكر وما يجاورها من البلاد الموصل الفقيه أحمد بن علي المشكهري الموصلي من أهل عصرنا ذكره لي القاضي أبو القاسم بحماة قال: كان غزير الفضل وهو مدرس الشافعية بحماة، ولجّ في العود إلى المَوصل فأدركته يوم وصوله إليها الوفاة، وما وَفَتْ له الحياة. ومن شعره السائر: إذا العشرونَ من شعبانَ ولَّتْ ... فَواصِلْ شُرْبَ ليلك بالنهارِ ولا تشرب بكاسات صِغارٍ ... فإن الوقت ضاق عن الصّغارِ النقيب ضياء الدين أبو طاهر زيد بن محمد بن محمد بن عبد الله الحسيني نقيب السادة العلويين بالمَوصل، وولده الآن نقيبها، هو من الأفاضل والأماثل، العديمي المماثل، والشِّراف الظِّراف، والعلماء الحكماء، والكرماء العظماء، والسادة القادة، والطاهرين الظاهرين، والمُصطفَيْن المُجتبين، المنتسب إلى السلف الكريم، والشرف الصميم، والمَحْتِد المجيد، والعنصر الحميد، والبيت الزاكي العلوي، والنبت الوصي، المنتمي من الدوحة النبوية الممتدة الأفياء المورقة الأفنان، النامية الفروع السامية الأغصان، المترويِّة من الكوثر الأعلى، المتضوِّعة من نسيم طوبى، المتوضحة بأضواء القرى، الضاحكة عن ثمرات المنى، الجامعة محاسن الدين والدنيا، المثمرة بكلمات الله العليا، إلى شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، ونجاره من الأسرة العلوية الهاشمية الذين أوجب الله لهم المودّة على العباد، وجعلهم وسائل إلى رحمته يوم المعاد، وهم أطواد الوقار، وأعلام الفخار، وكواكب الظلماء، وموارد الظِّماء، وسفائن النجاة، ومعادن الكرامات، بمنزلة الحديقة الناضرة، والحدقة الناظرة، والعين الباقية الشعاع، واليد الطويلة الباع، قد بزغت من فجر ذكاء الذكاء، وبلغت أضواء مجده عنان السماء، ولم يزل المُصافح بيُمن نقيبته يمين النقابة، والمناصح بقرب ولائه أُولي القرابة، وله مع فضل الشرف شرفُ الفضل، شريف الهمة لنسبه، كبير القدر في حسبه، عديم النظر في أدبه، يقطر ماء الظرف من نظمه ونثره، ويبسِم ثغر اللطف في وجه شعره، ويتحلّى جيدُ الحسن بعقود سحره، نقيب لمعادن المعالي نَقّاب، وللآلئ الكلام ثَقّاب، مقيم ببلدٍ وفضلُه جَوّاب، وهو سيد متأيّد، شعره جيد، وكلامه متين أيّد، محكم الرصف، مُمدَّح الوصف. لقيته في حضرة الوزير الجواد جمال الدين محمد بن علي بن أبي منصور عند إلمامي بها في ذي القعدة سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة وكان يُبجّلني جمال الدين مع صغر سني ويقدمني في موضعي على الأكابر، أتكلم في المسائل الشرعية، وأباحث العلماء بين يديه في الغوامض الفقهية، وكان لحقوق عمي العزيز عليه يكرّمني، ولما يتفرّس فيّ من النجابة يُقدّمني، وقد حملني قرب القرابة على نظم قصيدة فيه، وأنا حينئذٍ أقصد إليه القرب بما أُنشيه، وهممتُ بإنشاده، فمنعني من إيرادها، حتى دخل فاستدعاني، وأكرم مكاني، وقال أنا أُجلُّك عن قصدي بالقصائد، وأُكبِرك لحقوق العم والوالد، وكان النقيب ضياء الدين وحده، حاضراً عنده، فألحّ عليه في سماع شعري، ليعرف قيمتي في الأدب وسِعري، فلما سمعه عَجِبَ وطَرِبَ، وبالغ في الإطراء، وأكثر من الثناء، وما كان نظمي حينئذٍ يستحق ذلك، فملك رِقَّ حمدي هنالك، وحَبَّبَ إليّ النظم، وشجع مني الفهم، وقوّى لي المُنّة، وقلّدني بتحيته إيايّ المِنّة، وكنت سمعت بفضله وأدبه وظرفه، وشرفه ولطفه، ولم ألبث إلا قليلاً بالموصل حبّاً لسرعة عودي إلى بغداذ، وهجري في طلب العلم بها الملاذ، وما صادفت فرصة وقتٍ أظفر من شعره ولو ببيت، فلما عدتُ من الحج لقيت بهمذان ابن عمي ضياء الدين المُفضَّل ابن ضياء الدين محمود بن حامد وقد عاد من الموصل في سنة تسع وأربعين وهو ينشد للسيد النقيب أبياتاً نظمها في ذلك الصدر الكبير وهي:

стр. 355

أبا جعفرٍ إنَّ الأمور إذا الْتوتْ ... وأعْيَتْ بزَيْغ الخُلْف كلَّ مُقَوِّمِ تداركْتَها بالرأي تَرْأَبُ صَدْعَها ... وأَغْنَيْتَ فيها عن حُسامٍ وَلَهْذَمِ وكم ذي يَراعٍ راضَ شامسَ فِتنةٍ ... فلانتْ ولم يُصحَبْ بجيشٍ عَرَمْرَمِ فَدُمْ لابتِناءِ المجد والجودِ والتُّقى ... مدى الدهرِ ما زِينَتْ سماءٌ بأَنجُمِ فإنك فَذٌّ في الزمان وإن غَدَتْ ... أياديك تَتْرَى بين فَذٍّ وَتَوْأمِ ودونكَها عن مُخلِص في وَلايةٍ ... إذا كَشَفَ الإخوان عن لَمْسِ أَرْقَمِ قصيرةَ أعداد البيوت طويلة ... بغُرِّ معان كالجُمانِ المُنَظَّمِ وسمعت ببغداد أبياتاً يُغنّي بها، نسبها بعض الشآميين إليه. ومنها: يا بانةَ الوادي التي سَفَكَتْ دَمي ... بلِحاظِها بلْ يا فَتاة الأَجْرَعِ لي أن أَبُثَّ إليكِ ما أَلْقَاهُ مِن ... ألم الهوى وعليكِ أن لا تسمعي كَيْفَ السبيلُ إلى تناولِ حاجةٍ ... قَصُرَتْ يَدي عنها كَزَنْدِ الأَقْطَعِ وأنشدني تاج الدين البلطي النحوي أبياتاً لضياء الدين النقيب: بين صَدٍّ لا ينقصني ومَلالِ ... يَئِسَ العائدون من إبْلالي كلَّفَتْني حَمْلَ الهوى ثم نامت ... في لياليّ بالغُوَيْرِ الطِّوالِ وأنشدني أيضاً لضياء الدين النقيب من قطعة يُغنّى بها: ما عليكمْ أيها النَّفَرُ ... إن برا أجفانيَ السَّهَرُ ألكُمْ رُشدي فأتْبَعَهُ ... أم عليكم منه ما أَزِرُ لا تَلِجُّوا في مَلامِكُمُ ... لمُحِبٍّ ليس يَنْزَجِرُ أَخَذَتْ خَيْلُ الغرام به ... حيثُ لا يُنْجي الفتى حَذَرُ وله: راحوا وفي سِرِّ الفؤاد راحوا ... ذَمّوا فلمّا مَلكوا اسْتَباحوا فضلي على أهل الهوى لأنَّني ... كتمتُ أسرار الهوى وباحوا ابن الحاجب الموصلي هو الحاجب علي بن أبي الجُود حاجب نقيب العلويين بالموصل. كان شيخاً أنقى، توفي سنة خمسين وخمسمائة وأبقى ذكرُ فضله ما أبقى، أنشدني شعرَه المُرتضى وزير عبد المسيح المرتضى، قوله: تَرَكْتُ البحارَ لرُكّابها ... وَجَوْبَ الفَلاةِ لأَعْرابها وأعْمَلْتُ نحوك يا عَبد ليّ عِيساً قَرَنّا رَجانا بها وكنتُ كما قيل فيما مضى ... أَتَيْتُ المُروءةَ مِن بابِها وله مما يُغنّى بها: هل لأيامنا الأُولى من مُعيدِ ... بين دَيْرِ الأعْلى ودَيْرِ سَعيدِ وزمانٍ لهوْتُ فيه فأفْنَيْتُ شبابي ما بين نايٍ وعُودِ بين باب العراق فالباصلوثا ... ت بأكناف بِيعَةِ الجارودِ مَنْزِلٌ قد خَلَعْتُ فيه عِذاري النجم الموصلي كان فقيهاً بالنظامية ببغداذ، وله نظم حسن، وشعر رائق. أنشدني الشيخ أبو المعالي الكتبي قال أنشدني النجم المَوصلي لنفسه مما يكتب على كمران أَمْرَد: لمّا اسْتَدرْتُ بخَصرِهِ ... حُزْنُ الكمال بأَسرِهِ أَضْحَى أَسيري شادِنٌ ... كلُّ الورى في أَسْرِهِ قال وأنشدني لنفسه: سَمَّوْه باسم جُنَيْدٍ ... وفعلُه فعلُ جُنْدي شرف الدولة أبو المكارم مسلم بن قريش ابن قرواش بن مسلم بن مسيَّب
следующие страницы →