← Адаб

Адаб · id 12815

خريدة القصر وجريدة العصر - أقسام أخرى

العماد الأصبهاني الكاتب

Полный текст (895 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وأنشدني سيدنا الصفوة البالسي معيدنا للفقيه معدان في غلام يدلّكه القيّم في حمام بيتين، كدُرّتين توأمين، أنشأهما، وما سبق إلى معناهما، وهما: بُشْرى لقَيِّمِه إذْ باشرتْ يدُه ... جِسْماً تَوَلَّدَ بين الماءِ والنورِ ما زالَ يُظْهِرُ لُطْفاً من صناعته ... حتى جَنى المِسْكَ من تِمْثالِ كافورِ وأنشدني له في غلام من آل ظبيان، قوم بالشام: يا آلَ ظبيان ما أغناكُمُ شَرفاً ... صَرْعُ الفوارس بالعَسّالِةِ الذُّبُلِ حتى تفَرَّس من أبنائِكم رَشَأٌ ... فصار يَصْرَعُ أُسْدَ الغِيل بالمُقَلِ وحكى لي أنه كان في أيامه شاعر بدمشق يقال له المُشتهى وكان مٌستهتراً بغلامٍ أسنانه قُلْحٌ، وما كان يسمح خاطره بوصف صفرة ثناياه، فسأل الفقيه معدان البالسي أن يعمل أبياتاً فعمل: ومُشَهَّرٍ غَضَّتْ مَحاسِنُه ... عنه العيونَ فصارَ مُحتجِبا خافتْ ثناياه القِصاصَ وقد ... سَفَكَتْ دمي فتصفَّرتْ رُعْبا فكأنَّما رَصّافُ مَبْسِمِه ... حَقَرَ اللُّجَيْنَ فصاغَهُ ذَهَبَا وقال له: قد صرّحتُ بالصفرة فيها ولكن أنظِم غيرها، فنظم تلك الليلة: وبابليِّ اللِّحاظِ يمزُج لي ... كَأْسَيْن من طَرْفِه ومن فَمِهِ تَظْمَا إلى ريقِه مَراشِفُنا ... ورِيُّها تحت وَرْدِ مَلْثَمِهِ من واضحٍ يحسب الحَسودُ به ... تصَفُّراً، ضلَّ في توَهُّمِهِ وإنما تيكَ خَمْرُ ريقتِه ... تَشِفُّ من تحت دُرِّ مَبْسِمِهِ فقال له المشتهى: إن معك جِنّيّاً ينظم لك الشعر. أقول هذه أبيات نوادر، كأنها جواهر، في صفرة الأسنان ومدحها لم يسبقه إلى معناه شاعر، ولم يسمح بأحسن منها خاطر، أرق من شكوى الحبيب، وأطيب من غفلة الرقيب، ولم يقع إلي من شعره أكثر مما أوردته، وإن ظفرت بشيء آخر واستحسنته أثبتّه. أبو حسّان الضرير التدمريِّ المعريّ هو أبو حسّان نعمة بن حسان بن نعمة بن حسان المقري، من أهل تَدْمُر، من بني جرير بن عامر. قارئ بصير من أهل النحو والأدب، قدم مُتظلِّماً من والي تدمر في صفر سنة اثنتين وسبعين إلى المخيم الملكي الناصري الصلاحي بحماة وأنشده قصيدة طويلة منها: أَسلطانَ أرضِ الله ذا الطَّوْلِ والقَهْرِ ... حليفَ المعالي والمناقِبِ والفخرِ ومَن عمَّ شَرْقَ الأرضِ والغربِ عَدْلُهُ ... كما عَمَّها غَيْثُ السَّحابِ من القَطْرِ أفي عَدْلِك المبسوط والشَّرْعُ حاكمٌ ... بملكيَ أُقصى عنه بالدَّفع والزَّجرِ وتُنْعِمُ بالخطِّ الشريف فأنثني ... إلى تَدْمُرٍ أطوي المَفاوز في القفرِ على ثقةٍ بالدولة الناصريّة ال ... منيعِ حِماها داعياً ناشرَ الشُّكرِ فأُمنعُ من عَوْدٍ إليك تَحُكُّماً ... ويُقْصَدُ بالإيذاءِ قلبيَ والكسرِ ويُجعلُ إكرامي لحُرْمَةِ خطك الشريف مَذاق الهُون والمَجْرَع المُرِّ ويُطلَبُ مني فوق ما أستطيعه ... على فاقةٍ مِن ضِيقةِ اليد والعُسْرِ أَلَمْ تُرْعَ للشهر المعظم حُرْمةٌ ... ولا لكتاب الله أتلوه في صدري وذاك لما قد حدَّثَتْهم ظُنونُهمْ ... بأن صلاح الدين ماضٍ إلى مصرِ وقالوا قليلٌ جُندُه وجُموعُه ... وليس من الشرقيّ في موقع العُشْرِ ولم يعلموا أنَّ الإله مُؤَيِّدٌ ... له ومُمِدٌّ بالمَعونةِ والنَّصرِ وقد عَمَّتِ الآفاقَ أخبارُ نصرِه ... وجاوزَ قِنَّسْرين مُخْتَرِقَ الجِسْرِ أبو الفضل يحيى بن نزار بن سعيد المَنْبِجي

стр. 352

نزيل بغداد وداره حذا باب النوبي. أحد الباعة والتجار المعروفين المتميزين ببغداد. كان شيخاً ظريفاً مُتودِّدا، سديداً مُسدَّدا، متطرِّفاً من العلوم، حافظاً لكثيرٍ من المنثور والمنظوم، كنت أحاوره ويستنشدني شعري، ويُنشدني ما كان قد استحسنه من الأشعار، وما كنت أظن أن له شعرا، وما أجرى معي لنظمه ذِكرا، حتى طالعتُ تاريخ السمعاني فوجدته يقول فيه: أنشدني يحيى بن نزار التاجر لنفسه: لو صَدَّ عني دلالاً أو مُعاتبةً ... لكنتُ أرجو تلافيه وأعتذِرُ لكن مَلالاً، فلا أرجو تعَطُّفَهُ ... جَبْرُ الزُّجاجِ عزيزٌ حينَ ينكسرُ قال وأنشدني لنفسه: واغْيَدَ غَضٍّ زاد خَطُّ عِذارِهِ ... لعاشقه في همّه والبلابِلِ تموج بحارُ الحُسنِ في وجَناتِه ... فَتَقْذِف منها عَنْبَراً في السواحل وتُجري بخَدَّيْهِ الشَّبيبةُ ماءَها ... فتُنْبِتُ رَيْحَاناً جَنوبَ الجداول قال وأنشدني لنفسه. وما أظن أنه ليحيى بن نزار لكن السمعاني ربما سمع منه فاعتقد أنه له، وربما كان له: شَمْسُ النهارِ أم الصهباءُ في الكاس ... وذاك لأْلاؤُها أم ضَوْءُ نِبْراسِ تالله لو لم تكن شَمْسُ النهار لما ... بدالها شفقٌ في وَجْنَةِ الحاسي وفاتر الطَّرْف مَعْسُول الشَّمائلِ عسّالِ القَوامِ كغُصْنِ البانِ مَيّاسِ أدارها ساقياً لَيْلاً فقدَّرها ... ناراً فأطفأَها بالمزج في الكاس توفي ﵀ ببغداد وأنا بواسط بعد سنة اثنتين وخمسين وخمسماية وأخوه أبو الغنائم قام مكانه. الشيخ علي المغربي النحوي المقيم بقلعة جعبر أصله من المغرب ووجب إيراده من المغاربة، لكنا ذكرناه ها هنا لإقامته بقلعة جعبر. أنشدني الشريف علي بن محمد بن أبي زيد العباسي المالكي بأصفهان في سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، وكان شاباً ظريفاً، قال: أنشدني الشيخ علي النحوي بقلعة جعبر. ما كنتُ لولا كَلفي بالعِذارْ ... أصبو إلى الشُّرب بكأس العُقارْ سال كَذَوْبِ المِسْكِ في وَجْنَةٍ ... وَرْدِيَّةٍ تجمع ماءً ونارْ هذا، وما تمّ، غرامي به ... فكيف لو تمَّ بها واستدارْ وفاترِ الألحاظ ما زلتُ مِنْ ... نواظر الناس عليه أغارْ مَلَّكْتُه رِقّي على أنه ... يُجيرُ قلبي فَتَعَدَّى وجارْ وَيْلاهُ من صِحّة أجفانه ... وما بها من مَرَضٍ واحوِرارْ حرّان أبو محمد سعيد بن الحسن بن سلمان الحراني قرأت بخط السمعاني في التاريخ المُذيّل يقول: لقيتُه بنيسابور، وذكره شرف الدين أبو الحسن البيهقي في كتاب وشاح دمية القصر قال: زرته بنيسابور فوجدته كفيفاً، مُلئ ظرفاً وفضلا، وعلماً ونبلا، وقلت مرحباً بهذا اللقاء الذي أطلع علينا سعده، وأهلاً بهذا التعريف وما بعده، وحمداً لغَيْمٍ حمدنا بلسان الصدق بَرْقَه ورعده، قال وأنشدني لنفسه: ألا إنَّ طَرفي بالسُّهادِ بُعَيْدكُمْ ... أَخِلاّيَ مَطْرُوفٌ وجَفنيَ مَقْرُوحُ وشوقي إليكمْ زائدٌ غَيْرُ ناقصٍ ... ودمعيَ إن نَهْنَهْتُهُ الدَّهرَ مسفوحُ ولله قلبي ما أَجَنَّ إذا شَدَتْ ... سُحَيْراً على الأغصان وُرْقٌ مَصاديحُ ألا كيف يصحو مَن غَدا وهو بالأسى ... يدَ الدهر مَغْبُوقٌ وبالوَجْدِ مَصْبُوحُ قال السمعاني: وأنشدني لنفسه: جاءَتْ تُسائِلُ عن لَيْلِي فقلتُ لها ... وَسَوْرَةُ الهمّ تمحو سِيرة الجَذَلِ لَيْلِي بكَفَّيْكِ فاغْنَيْ عن سؤالِكِ لي ... إنْ بِنْتِ طال وإن واصلتِ لم يَطُلِ الرقّة القاضي الرَّقيّ هو أبو الحسن علي بن مُشْرِق بن الحسن الرّقّيّ ذكره وُحيش الشاعر وقال: كان شاعراً مَنْشَؤه ومسكنه بدمشق، ووُلد بالرقة وتوفي بدمشق سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، وله قصيدة وازن بها قصيدة ابن الخياط الدمشقي التي يقول فيها:

стр. 353

لو كُنتَ شاهِدَ عبرتي يوم النَّقا ... لَمَنْعتَ قلبكَ بعده أن يَعْشَقا وأنشدني من قصيدة القاضي الرّقي بيتاً واحداً وهو: وعلى الأديب بأن يُجيد وما على ... ذي الحرص في حركاته أن يُرْزَقا وله: أَسِحْرٌ في جُفونِكِ أم عُقارُ ... وبي وَجْدٌ بلَحْظِكِ أمْ خُمار متى واصلتِ ثمّ صَدَدْتِ صَبّاً ... فخامَرَهُ سُلُوٌّ أَوْ قرارُ الفقيه ابن المُتَقَّنة مدرس الرحبة أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد بن الحسن تأدّب على الشيخ أبي منصور بن الجواليقي، وله معرفة بالأدب، إلاّ أن اشتهاره بالفقه أكثر. هو فقيه فاضل من أصحاب الشافعي ﵃، مدرّس بالرحبة. أنشدني الشيخ الفقيه أبو الفتح نصر بن عبد الرحمن الفَزاري الاسكندري قال: أنشدني الشيخ العالم أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد المدرس الرحبي المعروف بابن المتقّنة برحبة مالك لنفسه: ما الأَمَةُ الوَكْعاءُ بين الورى ... أَخَسَّ مِن حُرٍّ أخي مَلأَمَهْ فَمَهْ إذا استُجديتَ عن قَوْلِ لا ... فالحُرُّ لا يَمْلأُ منها فَمَهْ قال: قال لي: كان سبب عملها أنّ بعض المتأدّبين كان يقرأ علي مقامات الحريري فمرّ بالبيتين اللذين له وهما: سِمْ سِمَةً يَحْسُنُ آثارها ... واشكُرْ لمن أعطى ولو سِمْسِمَهْ والمَكْرُ مَهْمَا اسْطَعْتَ لا تَأْتِهِ ... لتَقْتَني السُّؤْدُدَ والمَكْرُمَهْ وقال ابن الحريري عقِبُهما: وأمِنّا أن يُعَزَّزا بثالث، فعملت هذين البيتين. ولقيتُه بالرحبة عند وصولي إليها في محرّم سنة ست وستين وسمعت من نوادره طرفا. أبو علي الحسن بن علي الرحبيّ أخذت شعره مما نظمه بالبحرين، وأنشدني ذلك الأديب علي بن الحسن بن إسمعيل العبدي البصري بها في سنة سبع وخمسين وخمسمائة وذكر لي أنه رآه قد عاد إلى البصرة ومات بعد مفارقته إيّاها بعد سنة خمسين وخمسمائة، أنشدني له من قصيدة طويلة يمدح فيها الأمير أبا علي صاحب البحرين قال: أنشدنيها غير واحد من أصحابنا أوّلها: تذَكَّرَ هنداً بعد أنْ نَزَحَتْ هِنْدُ ... فؤادٌ حليفاه الصَّبابةُ والوَجْدُ وكيف بها والمَشْرَفِيَّةُ دُونَها ... وسُمْرُ العوالي والمُضَمَّرَةُ الجُرْدُ وأُسْدُ طِعانٍ لا يُبِلُّ طَعينُهم ... إذا زأروا خَرَّتْ لأذقانها الأُسْد ومنها: ألَمَّ بنا بعد الهُجوعِ خَيالُها ... فمَزَّق جُنْحَ الليل، والليلُ مُسْوَدُّ وطاب ثَرى البيداء حتى كأنّما ... تضوَّعَ من بَوْغَائِها المِسْكُ والنَّدُّ وقال أُصَيْحابي أَنَحْن بتُبَّتٍ ... فقلتُ لهم لا بل ألَمَّتْ بنا هِندُ ومن مدحها: بهم أصبحَتْ عَدْنَانُ للفخر مَعْدِناً ... وحازَتْ مَعَدُّ الفَخْرَ وافتخرَتْ أُدُّ وأضحى لعبد القيس فضلٌ على الورى ... كأنَّ لفضل القيس كلَّ الورى عَبْدُ وأنشدني له من قصيدة يهجو فيها بني بشار، وقوماً من أُوال، بلدةٍ من البحرين: لا تَأْمَنَنَّ على ثيابك غَدْرَةً ... إمّا نزلتَ على بني بَشّارِ ومنها: إنْ كان بينكُمُ وبين ربيعةٍ ... نسبٌ حِرُ امِّ ربيعة بن نزارِ وأنشدني عليّ العبدي بالبصرة قال: أنشدني مُؤمِّل الأحساوي قال: أمره الأمير أبو علي الحسن بن عبد الله بن علي صاحب القَطيف أن يصنع قصيدة على منوال: يا سلسلة الرمل باللويلب فالحالْ فصاغ هذه القصدية أنشدنيها علي العبدي وكتبها لي بخطّه قال: أنشدنيها مُؤمّل الأحساوي وكتبها لي بخطه فمنها: يا مَنْزِلَ سَلْمَى بذي الكَهَنْبَلِ فالضَّالْغاداكَ من المُزْنِ كلُّ أَسْحَمَ هَطَّالْ يحيى بن النقاش الرحبي كان أسد الدين شِيرْكوه قد وَلّى الرحبة يوسفَ بن الملاّح الحلبي وآخر معه من بعض الضياع فكتب إليه: كم لك في الرَّحبةِ من لائمٍ ... يا أسدَ الدينِ ومِن لاحِ دَمَّرْتَها من حيثُ دبَّرْتَها ... برأْي فَلاّحٍ ومَلاّحِ وله فيه:

стр. 354

يا أَسَدَ الدين اغتنمْ أَجْرَنا ... وخَلِّصِ الرحبة من يوسُفِ تَغْزُو إلى الكفر، وتغزو به ال ... إسلامَ ما ذاك بهذا يفي وله من قصيدةٍ في جمال الدين الوزير بالمَوصل يُغنّى بها: أما استحى الطائرُ في غصونِهِ ... أنِ ادَّعى شَجْوِيَ مِن شُجونِهِ باب في ذكر محاسن جزيرة بني ربيعة وديار بكر وما يجاورها من البلاد الموصل الفقيه أحمد بن علي المشكهري الموصلي من أهل عصرنا ذكره لي القاضي أبو القاسم بحماة قال: كان غزير الفضل وهو مدرس الشافعية بحماة، ولجّ في العود إلى المَوصل فأدركته يوم وصوله إليها الوفاة، وما وَفَتْ له الحياة. ومن شعره السائر: إذا العشرونَ من شعبانَ ولَّتْ ... فَواصِلْ شُرْبَ ليلك بالنهارِ ولا تشرب بكاسات صِغارٍ ... فإن الوقت ضاق عن الصّغارِ النقيب ضياء الدين أبو طاهر زيد بن محمد بن محمد بن عبد الله الحسيني نقيب السادة العلويين بالمَوصل، وولده الآن نقيبها، هو من الأفاضل والأماثل، العديمي المماثل، والشِّراف الظِّراف، والعلماء الحكماء، والكرماء العظماء، والسادة القادة، والطاهرين الظاهرين، والمُصطفَيْن المُجتبين، المنتسب إلى السلف الكريم، والشرف الصميم، والمَحْتِد المجيد، والعنصر الحميد، والبيت الزاكي العلوي، والنبت الوصي، المنتمي من الدوحة النبوية الممتدة الأفياء المورقة الأفنان، النامية الفروع السامية الأغصان، المترويِّة من الكوثر الأعلى، المتضوِّعة من نسيم طوبى، المتوضحة بأضواء القرى، الضاحكة عن ثمرات المنى، الجامعة محاسن الدين والدنيا، المثمرة بكلمات الله العليا، إلى شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، ونجاره من الأسرة العلوية الهاشمية الذين أوجب الله لهم المودّة على العباد، وجعلهم وسائل إلى رحمته يوم المعاد، وهم أطواد الوقار، وأعلام الفخار، وكواكب الظلماء، وموارد الظِّماء، وسفائن النجاة، ومعادن الكرامات، بمنزلة الحديقة الناضرة، والحدقة الناظرة، والعين الباقية الشعاع، واليد الطويلة الباع، قد بزغت من فجر ذكاء الذكاء، وبلغت أضواء مجده عنان السماء، ولم يزل المُصافح بيُمن نقيبته يمين النقابة، والمناصح بقرب ولائه أُولي القرابة، وله مع فضل الشرف شرفُ الفضل، شريف الهمة لنسبه، كبير القدر في حسبه، عديم النظر في أدبه، يقطر ماء الظرف من نظمه ونثره، ويبسِم ثغر اللطف في وجه شعره، ويتحلّى جيدُ الحسن بعقود سحره، نقيب لمعادن المعالي نَقّاب، وللآلئ الكلام ثَقّاب، مقيم ببلدٍ وفضلُه جَوّاب، وهو سيد متأيّد، شعره جيد، وكلامه متين أيّد، محكم الرصف، مُمدَّح الوصف. لقيته في حضرة الوزير الجواد جمال الدين محمد بن علي بن أبي منصور عند إلمامي بها في ذي القعدة سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة وكان يُبجّلني جمال الدين مع صغر سني ويقدمني في موضعي على الأكابر، أتكلم في المسائل الشرعية، وأباحث العلماء بين يديه في الغوامض الفقهية، وكان لحقوق عمي العزيز عليه يكرّمني، ولما يتفرّس فيّ من النجابة يُقدّمني، وقد حملني قرب القرابة على نظم قصيدة فيه، وأنا حينئذٍ أقصد إليه القرب بما أُنشيه، وهممتُ بإنشاده، فمنعني من إيرادها، حتى دخل فاستدعاني، وأكرم مكاني، وقال أنا أُجلُّك عن قصدي بالقصائد، وأُكبِرك لحقوق العم والوالد، وكان النقيب ضياء الدين وحده، حاضراً عنده، فألحّ عليه في سماع شعري، ليعرف قيمتي في الأدب وسِعري، فلما سمعه عَجِبَ وطَرِبَ، وبالغ في الإطراء، وأكثر من الثناء، وما كان نظمي حينئذٍ يستحق ذلك، فملك رِقَّ حمدي هنالك، وحَبَّبَ إليّ النظم، وشجع مني الفهم، وقوّى لي المُنّة، وقلّدني بتحيته إيايّ المِنّة، وكنت سمعت بفضله وأدبه وظرفه، وشرفه ولطفه، ولم ألبث إلا قليلاً بالموصل حبّاً لسرعة عودي إلى بغداذ، وهجري في طلب العلم بها الملاذ، وما صادفت فرصة وقتٍ أظفر من شعره ولو ببيت، فلما عدتُ من الحج لقيت بهمذان ابن عمي ضياء الدين المُفضَّل ابن ضياء الدين محمود بن حامد وقد عاد من الموصل في سنة تسع وأربعين وهو ينشد للسيد النقيب أبياتاً نظمها في ذلك الصدر الكبير وهي:

стр. 355

أبا جعفرٍ إنَّ الأمور إذا الْتوتْ ... وأعْيَتْ بزَيْغ الخُلْف كلَّ مُقَوِّمِ تداركْتَها بالرأي تَرْأَبُ صَدْعَها ... وأَغْنَيْتَ فيها عن حُسامٍ وَلَهْذَمِ وكم ذي يَراعٍ راضَ شامسَ فِتنةٍ ... فلانتْ ولم يُصحَبْ بجيشٍ عَرَمْرَمِ فَدُمْ لابتِناءِ المجد والجودِ والتُّقى ... مدى الدهرِ ما زِينَتْ سماءٌ بأَنجُمِ فإنك فَذٌّ في الزمان وإن غَدَتْ ... أياديك تَتْرَى بين فَذٍّ وَتَوْأمِ ودونكَها عن مُخلِص في وَلايةٍ ... إذا كَشَفَ الإخوان عن لَمْسِ أَرْقَمِ قصيرةَ أعداد البيوت طويلة ... بغُرِّ معان كالجُمانِ المُنَظَّمِ وسمعت ببغداد أبياتاً يُغنّي بها، نسبها بعض الشآميين إليه. ومنها: يا بانةَ الوادي التي سَفَكَتْ دَمي ... بلِحاظِها بلْ يا فَتاة الأَجْرَعِ لي أن أَبُثَّ إليكِ ما أَلْقَاهُ مِن ... ألم الهوى وعليكِ أن لا تسمعي كَيْفَ السبيلُ إلى تناولِ حاجةٍ ... قَصُرَتْ يَدي عنها كَزَنْدِ الأَقْطَعِ وأنشدني تاج الدين البلطي النحوي أبياتاً لضياء الدين النقيب: بين صَدٍّ لا ينقصني ومَلالِ ... يَئِسَ العائدون من إبْلالي كلَّفَتْني حَمْلَ الهوى ثم نامت ... في لياليّ بالغُوَيْرِ الطِّوالِ وأنشدني أيضاً لضياء الدين النقيب من قطعة يُغنّى بها: ما عليكمْ أيها النَّفَرُ ... إن برا أجفانيَ السَّهَرُ ألكُمْ رُشدي فأتْبَعَهُ ... أم عليكم منه ما أَزِرُ لا تَلِجُّوا في مَلامِكُمُ ... لمُحِبٍّ ليس يَنْزَجِرُ أَخَذَتْ خَيْلُ الغرام به ... حيثُ لا يُنْجي الفتى حَذَرُ وله: راحوا وفي سِرِّ الفؤاد راحوا ... ذَمّوا فلمّا مَلكوا اسْتَباحوا فضلي على أهل الهوى لأنَّني ... كتمتُ أسرار الهوى وباحوا ابن الحاجب الموصلي هو الحاجب علي بن أبي الجُود حاجب نقيب العلويين بالموصل. كان شيخاً أنقى، توفي سنة خمسين وخمسمائة وأبقى ذكرُ فضله ما أبقى، أنشدني شعرَه المُرتضى وزير عبد المسيح المرتضى، قوله: تَرَكْتُ البحارَ لرُكّابها ... وَجَوْبَ الفَلاةِ لأَعْرابها وأعْمَلْتُ نحوك يا عَبد ليّ عِيساً قَرَنّا رَجانا بها وكنتُ كما قيل فيما مضى ... أَتَيْتُ المُروءةَ مِن بابِها وله مما يُغنّى بها: هل لأيامنا الأُولى من مُعيدِ ... بين دَيْرِ الأعْلى ودَيْرِ سَعيدِ وزمانٍ لهوْتُ فيه فأفْنَيْتُ شبابي ما بين نايٍ وعُودِ بين باب العراق فالباصلوثا ... ت بأكناف بِيعَةِ الجارودِ مَنْزِلٌ قد خَلَعْتُ فيه عِذاري النجم الموصلي كان فقيهاً بالنظامية ببغداذ، وله نظم حسن، وشعر رائق. أنشدني الشيخ أبو المعالي الكتبي قال أنشدني النجم المَوصلي لنفسه مما يكتب على كمران أَمْرَد: لمّا اسْتَدرْتُ بخَصرِهِ ... حُزْنُ الكمال بأَسرِهِ أَضْحَى أَسيري شادِنٌ ... كلُّ الورى في أَسْرِهِ قال وأنشدني لنفسه: سَمَّوْه باسم جُنَيْدٍ ... وفعلُه فعلُ جُنْدي شرف الدولة أبو المكارم مسلم بن قريش ابن قرواش بن مسلم بن مسيَّب

стр. 356

ملك الشام، من الطبقة الأولى، وكان لقبه مجد الدين، سلطان الأمراء، سيف أمير المؤمنين، مَلَكَ بلاد الشام صُلحاً وعنوةً، وفرع إذ عَصَمَ عواصمها من العز ذروة، ونال بملكه إياها وملكه لها حُظوة، وأوثق للمتمسكين به من عدله عُروة، وكان منصور الرأي والراية، منتهياً في اكتساب المحامد إلى أقصى الغاية، أبو المكارم ككُنيته، إسعاف الآمل من مُنيتِه، مُسلمٌ كاسمه، زاده الله بَسْطَةً في علمه وجسمه، جسيم الأيادي، رحيب النادي، مدحه ابن حَيّوس في آخر عمره فأقطعه الموصل، ولم يلبث ابن حيوس بعدها إلا ستة أشهر وإلى جوار الله انتقل، سمعت أنه لما قصده بقصيدته قيل لشرف الدولة: كان رسمه على بني صالح ألف دينار عن كل قصيدة فقال: همتي تسمو إلى أن أزيد على عطاياهم فقال له وزيره: شيخ قد بلغ القبر، واستوفى العمر، فالصواب أن تُقطِعه الموصل، ليسيرَ الذكر فيه ويحصل، فلما أُقطع لم يتهنَّ بالإقطاع، ولم يعش إلى أوان الارتفاع. طالعت ديوان ابن حيوس فوجدت له في شرف الدولة قصيدة يمدحه بها حين فتح حلب وعلّقتُ منها حيث استحسنتها: ما أدرك الطَّلِبات مِثلُ مُصَمِّمٍ ... إنْ أقدمتْ أعداؤه لم يُحْجِمِ تَرَكَ الهُوَيْنا للضعيفِ مَطِيّةً ... مَن بَطْشُه كقِراه ليس بمُعْتِمِ إن همَّ لم يُلْمِمْ لعَينَيْه كَرىً ... أو سِيلَ لم يَلْؤُم ولم يَتَلَوَّمِ أَحْرَزْتَ ما أَعْيَا الملوكَ مُضارِباً ... غِيَرَ الحوادثِ واحتمال المَغْرَمِ وَلَقْدْ تحَقَّقَتِ العَواصِمُ أنّها ... إنْ لم تَحُزْ أقطارَها لم تُعْصَمِ ومنها: إنَّ الرَّعايا في جِوارِك أُومِنَتْ ... كَيْدَ الغَشومِ وفَتْكَةَ المُتَغَشْرِمِ لا يشكوُنَّ إليك نائبةً سِوى ... تقصيرِهِمْ عن شُكرِ هذي الأنْعُمِ فالأمنُ للمُرْتاعِ والإنعامِ للباغي النَّدى والعَدلُ للمُتَظَلِّمِ لا الظَّبْيةُ الغَيْداءُ تخشى القَسْوَرَ الضاري ولا الذِّمِّيُّ حَيْفَ المُسْلِمِ قُدتَ الجيوشَ بصدقِ بأسك تقتدي ... وبها الفِجاجُ إلى مُرادِك تَرْتَمي فَتَضَمَّنَتْ أبطالُها إبْطِالَها ... خُدَعَ المُنى وتوَهُّمَ المُتوَهِّمِ والخيلُ يَحْمِلْنَ المَنايا والمُنى ... مِن كلِّ سَلْهَبةٍ وأجْرَدَ شَيْظَمِ كم حُجِّلَتْ بدَمِ الطُّغاةِ وأُعجِلَتْ ... عن نهضةٍ في مُسْرِجِ أو مُلْجِمِ علَّمْتموها الصبرَ فهي كليمةٌ ... تَغْشَى الوَغى وكأنها لم تُكْلَمِ أَقْدَمتَ أمنعَ مُقْدَمٍ، وغَنِمْتَ أوْ ... في مَغْنَمٍ، وقَدِمْتَ أَسْعَدَ مَقْدَمِ ومنها: ولقد جمعتَ فضائلاً ما اسْتَجْمَعَتْ ... يفنى الزمان وذكرُها لم يَهْرَمِ كرماً يُبيح حِمى الغِنى ومآثراً ... وُضُحاً تُبيحُ بَلاغةً للمُفْحِمِ في صِدقِ قولِكَ تبتدي وإلى فَعا ... لِكَ تنتهي، وإليك أَجْمَعُ تنتمي مِثلُ الكلام تفَرَّقَتْ أجزاؤُه ... فِرَقاً وتجمعُه حروفُ المُعجَمِ ومنها: وأراكَ تَعْلُو قائِلاً أو صائِلاً ... بقِرا سَريرٍ أو سَراةِ مُطَهَّمِ وَهِيَ النباهةُ فُرصةُ العَذْبِ الجَنا ... لا فُرصةُ المُتَهوِّرِ المُتهَكِّمِ وإذا جرى الأمجادُ برَّزَ سابقاً ... خُلُقُ الكرام تخَلُّقُ المُتَكَرِّمِ كم فِضْتَ إنعاماً وخُضْتَ مَخاوِفاً ... ما هَوْلُها لولاكَ بالمُتَجَشِّمِ مُسْتَنْقِذاً من كُرْبَةٍ، أو مانِحاً ... في لَزْبَةٍ، أو صافحاً عن مُجرمِ في يَوْمِ قارٍ رايةٌ لك فهَّمَتْ ... مِن قادةِ الأتراكِ مَن لم يَفْهَمِ لمّا تقاصَرَتِ الصَّوارمُ والخُطى ... حَذَرَ البَوارِ وَثَبْتَ وِثْبَةَ ضَيْغَمِ في عُصبةٍ كَعْبِيَّةٍ تركوا القَنا ... مُتَعَوِّضين بكُل عَضْبٍ مِخْذَمِ

стр. 357

يَلْقَوْنَ أعراءٍ بكلِّ كَريهةٍ ... يَجْتَابُ فيها اللَّيْثُ ثوبَ الأَرْقَمِ ومنها: ما عايَنَتْها التُّرْكُ تَحْكُمُ في الطُّلى ... إلاّ تولَّتْ طائشاتِ الأَسْهُمِ مِن نابِذٍ لسِلاحِه فاتَ الرَّدى ... سَبْقَاً ومِن مُسْتَلْئمٍ مُسْتَسْلِمِ فَخَصَصْتَ بالإذلالِ كلَّ مُقَلْنَسٍ ... وَعَمَمْتَ بالإعْزازِ كلَّ مُعَمَّمِ ومنها: أَمِنَتْ قبائلُ عامِرٍ صَرْفَ الرَّدى ... والجَدْبَ في ظِلِّ المُعِزِّ المُنْعِمِ مُسْتَعْصِمينَ بذِرْوةٍ لا تُرْتَقى ... مُسْتَمْسكينَ بعُرْوَةٍ لم تُفْصَمِ أَصْفَيْتَ للعُرْبِ المَشاربَ بعدما ... كانت كرمحٍ لا يُعانُ بلَهْذَمِ لا راعَتِ الأيامُ مَن بفِنائِهِ ... كَنْزُ الفقير وعِصْمةُ المُسْتَعْصِمِ أنتَ الذي نَفَقَ الثَّناءُ بسُوقِه ... وجرى الندى بعروقه قبلَ الدمِ وأنالَ والآمالُ غيرُ مُهابَةٍ ... بفِنائه والمالُ غيرُ مُكَرَّمِ ماضٍ إذا ما الصارم الماضي نبا ... قاضٍ بأحكام الكتابِ المُحْكَمِ وله، مَخافَةَ أن تَضِلَّ ضُيوفُهُ ... في الليل، نارٌ ما خَلَتْ من مُضْرِمِ أبداً يُشَبُّ على اليَفاعِ وُقودُها ... ووَقودها قِصَدُ القَنا المُتَحَطِّمِ ممّا تحَطَّمَ في نُحورِ عَرامِسٍ ... كُومِ الذُّرى أوفى كَمِيٍّ مُعْلَمِ ومنها: فالمجدُ شِنْشِنَةٌ لآلِ مُسَيَّبٍ ... ما كلُّ شِنْشِنَةٍ تُناطُ بأَخْزَمِ بيت بنى قِرْواشُهُ وقُرَيْشُهُ ... شَرَفَاً أطَلَّ على محَلِّ المِرْزَمِ واستخلفاك فنَوَّهَتْ بك همّةٌ ... أربى الأخيرُ بها على المُتقدِّمِ فأبو المنيع أبو المعالي في عُلىً ... أضعافها لأبي المكارم مُسلِمِ فبَقِيتَ ما بَقِيَ البقاءُ مُعظَّماً ... وسقى الغمامُ رميمَ تلك الأَعظُمِ ومنها: يُفْضي إلى الشمسِ العَقيمِ كُسوفُها ... ونَراك شمساً أُفْقُها لم يُظْلِمِ أشرقتَ لمّا أشرقَتْ فَبَهَرْتَها ... وَكَثَرْتَها فَوَلَدْتَ سبعةَ أَنْجُمِ حَبَسَتْ رِكابي عن ذَراكَ حوادثٌ ... يحيا بها المُثري حياة المُعدِمِ وتُشَرِّدُ الآباءَ عن أبنائهم ... فتَعيشُ ذاتُ البعلِ عَيْشَ الأَيِّمِ لولا تواليها لزُرْتُكَ وافِداً ... كوُفودِ حَسّانٍ على ابنِ الأيهَمِ بغرائِبٍ بَيْنَ الكلامِ وبيْنها ... كالفرْقِ بين مُصرِّحٍ ومُجَمْجِمِ تَنْأَى عن الفُصَحاءِ إلاّ أنّها ... أَدْنَى إليَّ من اللسانِ إلى الفَمِ حتى أتاحَ اللهُ لي نَيْلَ المُنى ... بقدومِ مولىً كان يَرْقُبُ مَقْدَمي وكذا الغَمام تَزورُ مَهْجُورَ الثَّرى ... أمطارهُ وتَؤُمُّ غَيْرَ مُيَمَّمِ ولَئِنْ حَنَتْ ظهري السُّنون بمَرِّها ... فالرُّمْحُ ينفع وهو غيرُ مُقَوَّمِ وَلَدَيَّ مدْحٌ لا يُمَلُّ سماعُه ... فَتَمَلَّ باقيَ عُمْريَ المُسْتَغْنَمِ ولشرف الدين مسلم بن قُرَيْش شِعرٌ يقطر منه ماء الملك، وتفوح منه رائحة المجد، فمن ذلك ما أنشدني بعض الشامييّن: إذا قَرَعَتْ رحلي الرِّكابُ تزعزعتْ ... خُراسان واهتزَّ الصَّعيدُ إلى مصر وله: الدهر يومان، ذا أمنٌ وذا خطَرٌ ... والماء صِنفان، ذا صافٍ وذا كَدِرُ وكانت بينه وبين بهاء الدولة منصور بن دُبيس المَزيدي الأسدي مكاتبات ومجاوبات، فمنها ما أنشدنيه الرئيس أبو سعد حسين الهمذاني من بَنْدنيجَيْن لشرف الدولة مسلم يستنجد بهاء الدولة منصوراً: أَمُدَّرِعَ الدُّجى خَبَباً وَوَخْدا ... ومُزْجي العيسِ إرْقالاً وشَدّا

стр. 358

إذا عايَنْتَ من أسدٍ حِلالاً ... بها النَّعْماءُ للوُرَّادِ تُسْدى فبَلِّغْ ما عَلِمْتَ من اشتياقي ... بهاءَ الدولةِ المَلكَ المُفَدَّى وقل يا ابن الذينَ سَمَوْا وشادُوا ... مناقِبَ زَيَّنَتْ مُضَراً وأُدَّا أَأُنْسِيتَ الوفاءَ وكنتَ قِدْماً ... عَقَدْتَ على الوفاء بهنَّ عَقْدَا وأنتَ فأشْرَفُ الأُمراء بَيْتَاً ... وأعظمُ هِمّةً وأعزُّ مَجْدَا ترقَّبْتُ السّرِيّةَ منك تأتي ... بفُرسانِ الوغى شِيباً ومُرْدا عوائِدُ قد عهدناها لعَوفٍ ... فما يُوفي بها المُحْصون عَدّا فلمّا لم تناجِدْنا السَّرايا ... عَزَمْنا عَزْمَةً سَرَّتْ مَعَدّا وحالفْنا الصَّوارِمَ والعَوالي ... وخيلاً كالظِّباءِ الحُمرِ جُرْدا وسِرْنا مُوجِفين إلى نُمَيْرٍ ... ولم نرَ من لِقاءِ القوم بُدّا وقد حَشَدَتْ بأجمعها كلابٌ ... وكان الصُّبحُ للعَيْنَيْنِ وَعْدَا فلمّا أن تواجَهْنا توَلَّوْا ... كعِين عايَنَتْ في السِّرْبِ أُسْدا وغُرِّق في الفُرات بنو نُمَيْرٍ ... وقد كانوا لجَمعِ القوم سَدّا وأُسْلِمَتِ الظعائِنُ فاستغاثَتْ ... بخير العالمين أباً وجدّا قُرَيْشيُّ الفَخارِ مُسَيِّبِيّ ... من السُّحُبِ العِذابِ نَداه أَنْدَى إذا عُدَّ الملوك يكونُ منهمْ ... أجلَّ جَلالةً وأعزَّ مَجْدَا فكتب بهاء الدولة منصور في جوابها من قصيدة: أبا مُهدي المديح وأيُّ شيءٍ ... أَجَلُّ من المديح إليَّ يُهدى بَدَأْتَ تفَضُّلاً والفضلُ حَقّاً ... يدُلُّ على مكارم مَن تبَدّا ألسنا نحنُ للعجّاج ذُدْنا ... أعاديَكم وأنقذنا معَدّا وقُدْناها مُسَوَّمةً عِراباً ... عوابسَ قد عَرَفْنَ الحرب، جُرْدا تَخُبُّ بكلِّ أَرْوَعَ مَزْيَدِيٍّ ... نَخِيٍّ يُوقِدُ الهيجاءَ وَقْدَا عوائِد من أبي عُوِّدْتُموها ... متى قَدَحَتْ يَدُ الحَدَثانِ زَنْدَا ألا ترد المِصاع تَجِدْ رجالاً ... لنا لم يَلْحَدوا في الأرض لَحْدَا وَلَوْ أني جَرَيْتُ على اختياري ... قَدَدْتُ إليكمُ الفَلَواتِ قَدّا لتعلمَ أنَّ بَيْتَ بني عَلِيٍّ ... لكم وبكم يُعِدُّ إذا اسْتَعدّا وله مطلع قصيدة في أهل البيت ﵈ يوازن بها قصيدة دِعْبِل التي أولها: مَدارسُ آياتٍ خَلَتْ من تِلاوةِ ... ومنزل وَحْيٍ مُقْفِر العَرَصاتِ سلامٌ على أهلِ الكساءِ هُداتي ... ومن طاب مَحْيَايَ بهم ومماتي وقوله: أُشهِدُ الله بصِدقٍ ... ويقينٍ وثباتِ أنَّ قتلي في هوى الغُرِّ الميامينِ حياتي وقوله من أخرى: غلامٌ أحور العينين صَعْبٌ ... أبى بعد العَريكة أن يَلينا الأستاذ ناظر الملك أبو طالب عبد الوهاب بن يَعْمُر ذكره أبو الفتح نصر الله بن أحمد بن محمد بن الفضل الخازن أنه كتب إلى والده أبي الفضل بن الخازن بباب نَصيبين مُلغِزاً: أيا أهل البلاغةِ هل وجدتمْ ... خريرَ الماءِ بين زَفيرِ نارِ وهل عايَنْتُمُ فَلَكَاً عليهِ ... كواكبُ ما تَغيبُ مع النهارِ به موسى يُكلِّمُ قومَ عيسى ... وأحمد من صغارٍ أو كبارِ بلا لحنٍ ليُوشَع أو بيانٍ ... لهارون الوَصِيّ على اختيارِ ويسكن مثلَ يونسَ بطن حوتٍ ... ويسبَحُ معلناً غُبْرَ القِفارِ يُنَشِّرُ من ذؤابة كلِّ ظبيٍ ... ويمسحُ ما بهم من كل عارِ إذا جرّدته جرّدتَ منهُ ... لساناً كالحُسامِ بلا عِثارِ

стр. 359

فأجابه والده ابن الخازن: أيا ناظرَ المُلْكِ الفضائِلُ كلُّها ... إلى بحرك الطامي العُبابِ انْسِيابُها جَلَوْتَ كؤوساً لَفْظُكَ الجَزْلُ خَمْرُها ... وغُرُّ معانيكَ الحِسانِ حَبابُها وَصَفْتَ جَحيماً فيه للنفسِ راحةٌ ... وحَجْناءَ مردوداً عليها نِصابُها بديهة حِبْرٍ لم يَشِمْ نَوْءَ غُمّةٍ ... بفطنته إلاّ استهلَّ سحابُها ونقلت من خط أبي المعالي الكتبي لأبي طالب بن يَعْمُر: نُجومُ شيبيَ في ليلِ الشباب بَدَتْ ... فبَصَّرَتْ عَيْنَ قلبي مَنْهَج الدّينِ فصِرْنَ راجمةً شَيْطَانَ مَعْصِيتي ... إن النجومَ رُجومٌ للشياطينِ ابن نقيش ذكر لي أبو المعالي بن سلمان الذهبي ببغداد أنه كان معلِّماً من المَوصل ببغداد في زمان الوزير جلال الدين أبي علي بن صدقة وزير الإمام المسترشد بالله ﵁. وأنشدني له من قصيدة سمعها منه في الوزير: مَهاً أُسُودُ الفَلا تحاذِرُ مِنْ ... لِحاظِها مِثلَ ما نُحاذِرُها مِنْ كلِّ خَوْدٍ خُدورُها أبداً ... بيضُ الظُّبا، والقَنا ستائرها تَبَرْقَعَتْ بالصَّباحِ غُرَّتُها ... واعْتَجرَتْ بالدُّجى غدائرها هاجرةٌ لا تزالُ واصلةً ... هِجْرانَها، والوَصالُ هاجرُها تستنجدُ الوَجْدَ والغرامَ على ... قلبي إذا ما غدا يُظافِرُها لوَصْلِها في الضُّلوعِ نارُ أسىً ... قد مازَجَتْ أدمعي شرائرُها تُردي وتُحيي بلَحْظِ مُقْلَتِها ... مُميتُ أرواحِنا وناشِرُها كأنّما تستعير عزمَ جَلا ... لِ الدين يومَ الوغى مَحاجِرُها مَلْكٌ، بِحارُ النَّدى أناملُه ... وغُرُّ آلائِه جواهِرُها يُعطي العطايا العُفاةَ مُبتسماً ... كأنّما عنده ذخائِرُها ما بين أموالِهِ وراحتِه ... حِقْدٌ طَوَتْهُ له ضمائِرُها جواحة العين نصر بن جامع من أهل المَوصل مولده بمَشهد الكُحيْل، وهو في التصرّف طويل الذيل. خدم مدة بالبوازيج وحظي من سوء حظه بالترويج، ثم عاد إلى الموصل وخدم وتقدّم، وافترّ ثغر إقباله وتبسّم، واتّسم بالكفاية وارتسم، وله الخط المليح، والشعر الفصيح، والكلام المليح، ذكره لي المرتضى بدمشق في جمادى الآخرة سنة إحدى وسبعين وخمسمائة وقال: هو الآن حيّ يتصرف ويدأب، شيخ ولكنه يَخْضِب، وأنشدني من شعره القديم في نصير الدين والي الموصل من قصيدة: قِفْ بمَغانٍ طُلولُها طُمْسُ ... لم يَطْوِها قبل إنسها إنْسُ طال عليها هَطْلُ الغمائم أنواءً زَجَتْها العواصِفُ الرُّمْسُ حتى غدا الغاربُ التليعُ بها ... وَهْدَاً وصار الذُّرى لها الأُسُّ وِقْفَةَ مَن صارتِ الهُموم على ... فؤاده واستكانتِ النفسُ نَبْكِ بها علّها تَرِق وَهَيْهات تَرِقّ الصفائح المُلْسُ ومنها في المديح: ولست أشكو سوى الزمانِ إلى ... قَيْلٍ أَشَمَّ به العلى ترسو إلى نصير الدين الذي شَهِدَتْ ... بفضله والشجاعة الفُرْسُ والرومُ والترك والأعاريب والْ ... إفرَنجُ وهي القبائلُ الخَمْسُ كلٌّ لبرهانه أقَرَّ وقدْ ... زال صُراحاً عن عَيْنِه اللَّبْسُ رَبُّ العطايا للمُعْتفين فما ... مِن دونها عائقٌ ولا حَبْسُ رَبُّ الرزايا للمارقين فَمِنْ ... كلِّ مكانٍ يُحيطُهمْ نَحْسُ يا أسدَ الدولة المُؤيَّدِ بالنصرِ، حسامَ الملوكِ، يا شَمْسُ عَبْدُكَ عَبدٌ قِنٌّ أتاك على البُعدِ وقد مَسَّ حالَهُ المَسُّ فاجْبُر قوىً هاضَها الزمان وأَوْ ... هاها، وعُضواً قد عَضّهُ ضَرْسُ أَدْخِلْه في زُمرة العبيد ولا ... تَقْسُ فما يستحق أنْ تقسو

стр. 360

جاءتْكَ تسري إليك حاملةً ... هَديّةً أَصْغَرت لها عَبْسُ الرئيس أبو الحسن علي بن مُسْهِر المَوصلي عاش إلى زماننا هذا، ولما كنت بالموصل في سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة صادفته شيخاً أناف على التسعين وقال علم الشاتاني: توفي ابن مُسهر سنة ست وأربعين. أبو عُذرة النظم وابن بَجْدَتِه، ومُفتَرِع عذارى الكلام وفارس نجدته، وفارع مَراقب البيان وراقي مراقيه، وإنسان طرف الفضل ومقلة مآقيه، ونافث سحر البلاغة وراقيه، أعرق وأشأم، وأنجد وأتْهم، فهو السائر المقيم، كأنما تنسّم رقّته النسيم، وسرق حُسنه السّرَق، وغبط وضوح معانيه الفلق، وكأنما ألفاظه مدامة تُعَلُّ بماء المُزن، ومعانيه سُلافةٌ فيها جلاء الحُسن، أصفى من دَرِّ السحاب، وأجلى من دُرِّ السِّخاب، وأضفى من بُرد الشباب، وأحلى من برد الشراب، فابن مُسهرٍ مُسهرُ المعاصرين حسدا، ومميت القاصرين عن شأوه كمدا، قرأت في مجموع لأبي الفضل بن الخازن، أنشدني ابن مُسهر لنفسه: رِدُوا ترابك دَمْعِي فهي غُدرانُ ... ونَكِّبوا زَفَرَاتي فهي نيرانُ وإنْ عَدَتْكُمْ سَواري الحَيِّ فانتجعوا ... ما روَّضَتْ من ثرى الأطلال أجفانُ بانوا فأرْسلتُ في آثارِهمْ نَفَسَاً ... ترَنَّحَ الأَيْكُ منها وانْثنى البانُ لم أَدْرِ عَوْجَاءُ مِرْقالٌ بسهم نوىً ... أَصْمَت فؤاديَ أم عَوْجَاء مِرْتانُ إني لَأَعجبُ من سُمْرٍ مُثَقَّفَةٍ ... جَنَوْا بها شَهْدَ عِزٍّ وهي مُرّانُ والغِيدُ إنْ تَرْنُ نحوَ السِّرْبِ مائلةً ... قلت اشْرَأَبَّتْ إلى الغِزلانِ أو تستظِلَّ غصون البان كانِسَةً ... نَقُلْ تفَيَّأَت الأغصانَ أغصانُ وإن يَنَمْنَ على كُثْبِ النَّقا لعباً ... نَقُلْ توَسَّدَتِ الكُثبانُ كُثْبانُ يا ذا السياسةِ لو يومَ الرِّهانِ بها ... فَتَكْتَ ما احْتَرَبَتْ عَبْسٌ وذُبْيانُ والحزمِ لو علمت لِحْيان أَيْسَرَه ... لما نجا ثابِتٌ والموت خَزْيَانُ والفضلِ لو لعَبيدٍ من بدائعِهِ ... بَدَتْ تلَقّاه بالنَّعْماءِ نُعمانُ وذا الكتابة لو عبدُ الحميدِ لها ... أودى بمُلك بني العباس مروانُ على أنّي سمعتُ أن هذه القصيدة مسروقة من غيره. وهي قصيدة طويلة، لها على جمع قصائد فضيلة، قد سارت في الآفاق، وسافرت من خراسان إلى العراق، ولم يقع إليّ منها غير هذه الأبيات، المخصوصة بالإثبات. وقرأت في مجموع هذين البيتين، إلى ابن مُسهر منسوبين، وهما في عدّة العَين، ونضرةِ اللُّجين، معناهما رقيق، ولفظهما سَلِس بالثناء عليه حَقيق: أُعاتِبُ فيكِ اليَعْمَلاتِ على السُّرى ... وأسأَلُ عنكِ الريحَ إنْ هيَ هَبَّتِ وأُمْسك أحناءَ الضلوع على جوىً ... مُقيمٍ وصبرٍ مستحيلٍ مُشَتَّتِ وقرأت في تاريخ السمعاني: سمعتُ أبا الفتح عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن الأخوّة البغدادي بأصفهان مُذاكرةً يقول: رأيت في المنام كأنّ مُنشِداً يُنشدني هذين البيتين، أحدهما وأعجب من صبري، والآخر وأُطبِق أحناء الضلوع، فلما انتبهت جعلت دأبي البحث عن قائل هذه الأبيات، ومضت عدة سنين، واتفق نزول الرئيس أبي الحسن بن مُسهر الموصلي في ضيافتي، فتجارَينا في بعض الليالي ذكر المنامات وذكرت له حال المنام الذي رأيته وأنشدته البيتين فقال أقسم أنهما لَمِنْ شعري من جملة قطعة، ثم أنشدني لنفسه: إذا ما لسانُ الدَّمع نَمَّ على الهوى ... فليس بسِرٍّ ما الضلوعُ أجَنَّتِ فواللهِ ما أدري عَشِيَّةَ وَدَّعتْ ... أناحتْ حَماماتُ اللِّوى أمْ تغنّتِ وأعجب من صَبري القَلوصَ التي سَرَتْ ... بهَودَجِكِ المَزْمومِ أنّى استَقَلَّتِ أُعاتِبُ فيكِ اليَعْمَلاتِ على الونى ... وأسألُ عنكِ الريح إن هيَ هبَّتِ

стр. 361

وأُلصِقُ أحناءَ الضلوعِ على جوىً ... جميعٍ وصبرٍ مُستَحيلٍ مُشَتَّتِ ثم أنشدني علم الدين الشاتاني عنه هذه الأبيات. وأنشدني المعلم الشاتاني لابن مُسهر: حَسَرَتْ عن يَوْمِنا النُّوَبُ ... واكْتسى نُوّارَهُ العُشُبُ واستقامت في مجَرَّتِها ... بالأماني السبعَةُ الشُّهُبُ يا خليلي أين مُصْطَبَحٌ ... فيه للَّذّاتِ مُصْطَحَبُ وثُغورُ الزهر ضاحكةٌ ... ودُموع القَطْر تَنْسَكِبُ ولنا في كلِّ جارحةٍ ... من غِنا أطيارِهِ طرَبُ اسقِنيها بنتَ دَسْكَرةٍ ... وهي أمٌّ حين تَنْتَسِبُ خَنْدَريسٌ دون مُدَّتِها ... جاءتِ الأزمان والحِقَبُ طاف يَجْلُوها لنا رَشأٌ ... قَصُرَتْ عن لحظه القُضُبُ أَوْقَدَتْها نارُ وَجْنَتِه ... فهي في كَفَّيْهِ تلتهبُ ولها من ذاتها طَرَبُ ... فلهذا يَرْقُصُ الحبَبُ هذا البيت الأخير كنت أعلم أنه للأبِيوَرْدي من قطعةٍ أولها: بأبي ظَبْيٌ تبلّج لي ... عن رضا في طَيِّه غَضَبُ وأراني صُبْحَ وَجْنَتِه ... بظلام الليل يَنْتَقِبُ ثم ذكر لي كمال الدين أنه كان إذا أعجبه معنىً لشاعر أو بيتٌ له عمل عليه قصيدة وادّعاه لنفسه. واجتمع هو والأبيوَرْدي وهو لا يعرف ابنَ مُسهِر فجرى حديث ابنِ مسهر وأنه سرق بيت الأبيوردي فقال ابن مسهر بل الأبيوردي سرق شعري. وأنشدني المهذَّب لابن مُسهر أيضاً: هَجَرَتْ يدي فضلَ اليرا ... عِ، وذَمَّها السيفُ القَطوعُ وشَكا مخاطبتي النديمُ وذمَّني الضيفُ القَنوعُ ونفى همومي عن طِلا ... بِ العِزِّ مَطْلَبُهُ المنيعُ إن لم أُجَشّمْها الطُّلو ... عَ بحيث أَنْجُمها طُلوعُ وأنشدني المهذّب علي بن هدّاف العُلَثِيّ ببغداد سنة ستين للمهذّب ابن مُسهر الموصلي من قصيدة طويلة: هي المواردُ بين السُّمْرِ والحَدَقِ ... فَرِدْ فإنّ المنايا مَوْرِدُ الأَبِقِ وأطْيَبُ العيش ما تَجنيه من لَغَبٍ ... وأعذبُ الشُّربِ ما يَصفو من الرَّنَقِ يا دارُ دَرَّتْكِ أخْلاف الغَمام على ... مَرِّ النسيم بجاري الغرب مُنْبَعِقِ وإن عدَتْكِ أخْلاف الغَمام فانْتجعي ... ما رَوَّضَ الأرضَ من أجفان ذي حُرقِ ومنها في صفة الفهد أبيات مُستحسنة أنشدنيها غيره، الأبيات التي فيها في وصف الفهد: من كلِّ أَهْرَتَ بادي السُّخطِ مطَّرِحِ الحياءِ جَهْم المُحَيّا سَيِّئَ الخُلُقِ والشمسُ مُذْ لقّبوها بالغَزالةِ لم ... تَطْلُع على وجهه إلاّ على فَرَقِ ونَقِّطَتْهُ حِباءً كي تسالمَها ... على المنون نِعاجُ الرَّمل بالحَدَقِ قال قاضي القضاة كمال الدين الشهرزوري: هذه الأبيات سرقها من ابن السراج شاعرٌ بصور، ما أبدل إلاّ قوله القافية حيث يقول: والشمسُ مُذْ لقّبوها بالغَزالةِ لم ... تَطْلُعْ لخَشْيَتِه إلاّ على وَجَلِ ونَقِّطَتْهُ حِباءً كي تسالمَها ... على المنون نِعاجُ الرَّمل بالمُقَلِ قال: ومن قصيدة ابن مُسهر في وصف الخيل: سودٌ حوافرها بيضٌ جحافلُها ... صِبْغٌ توَلَّدَ بين الصُّبْحِ والغَسَقِ من طولِ ما وطئتْ ظَهر الدُّجى خَبباً ... وطولِ ما كَرَعَتْ من مَنْهَلِ الفَلَقِ وأنشدني المرتضى لابن مُسهرٍ من قصيدة أولها: الوجدُ ما قد هيّج الطَّللانِ ... مِنّي وأذكَرني حَمامُ البانِ أنا والحمائم حيث تَنْدُبُ شَجْوَها ... فوق الأرائكِ سُحْرَةً سِيّانِ فأنا المُعنّى بالقُدودِ أما لها ... شَرْخُ الشباب وهُنَّ بالأغصانِ ومنها أنشدنيها التاج البلطي: فافْخَرْ فإنك من سُلالةِ مَعْشَرٍ ... عقدوا عمائمهم على التيجانِ

стр. 362

كلُّ الأنام بَنُو أبٍ لكنّما ... بالفضل تُعرَفُ قيمةُ الإنسانِ المهذب ابن أسعد الموصلي الفقيه المدرّس بحمص أبو الفرج عبد الله بن أسعد بن علي بن عيسى، ابن الدهان الموصلي. ما زلتُ وأنا بالعراق، إلى لقائه بالأشواق، فإنني كنت أقف على قصائده المستحسنة، ومقاصده الحسنة، وقد سارت كافيّتُه بين فضلاء الزمان كافة فشهدت بكفايته، وسجّلت بأن أهل العصر لم يبلغوا إلى غايته، فلما وصلتُ إلى حمص أوّل ما صحبت الملك العادل نور الدين ابن زنكي ﵀ منتصف صفر سنة ثلاث وستين جمعت بيني وبينه المدرسة، وحصلت لأحدنا بالآخر الأنسة، وشفيتُ بالرِيّ من رؤيته الغُلّة، ونفيت بالصحة العلة، وبسطته فانبسط، وحلَّ السفَط، وفضّ عن الدرِّ الصدف، وجلا عن البدر السُّدَف، وأنشد فأنشر الرِّمم، ونشد الحكم، ونثر الدر المنظوم، وأحضر الرحيق المختوم، وأظهر السر المكتوم، وأبرز الروض المرهوم، ونشر الوشي المرقوم، ورأيت المهذَّب مهذّب الروي، ذا المذهب القوي، في النظم السويّ، وهو ذو رويّة رويةّ بغير بديهة، وقريحة صحيحة بالنار شبيهة، جيد الفكر لا يُبْدَه، أيِّد الحلم لا يُسفه، جودته على الجِدّ مقصورة، وفائدته في الجيد محصورة، ورايته في الشعر منصورة، ومأثُرته في الأدب مأثورة، فأما الفقه فهو إمام محرابه، ومحزّب أحزابه، ومقدام شجاعته، ومُقدَّم جماعته، وسراج ظلامه، وسريجي أحكامه، وذُكاء ذَكائه، وغزالة سمائه، وغزّالي أسمائه، ورضوان جنّته، ودهّان جُنّته، وأما سائر العلوم فهو ابن بجدتها، وأبو عُذرتها وأخو بجدتها، والشعر من فضائله كالبدر في النجوم، والبازل في القروم، وصفناه به لشرط الكتاب، وأدخلناه وإن كان معدوداً من الأئمة المذكورين في هذا الحساب، بحر زاخر، وحبر فاخر، وناقد بصير، وعالم خبير، وجوهريٌّ لفرائد الفوائد مُروّج، وصَيْرَفيّ لنقود المزيفين مُبهرج، سائر الشعر، شاعر العصر، محسن النظم ناظم الحسن، لَسِن القوم وقويم اللسن، فيه تمتمة تسفر عن فصاحة تامة، وعقدة لسان تبين عن فقه في القول وبلاغة من عالم مثله علامة، ارتدى قناع القناعة أَنَفَاً من القُنوع، وانتأى عن جِمام الجماعة رِضاً ببرق حظّه اللموع، وأوى إلى كِسْرِ الانكسار، وانزوى في سِترِ الاستتار، ولبس خَميلةَ الخُمول، على أنه قِبلة القبول، وعُقلة العقول، ومَشْرَع المعقول المشروع، وموضع المحمول والموضوع. فما أنشدني من شعره بحمص سنة خمس وستين القصيدة الكافية التي سارت له في مدح أبي الغارات طلائع بن رُزِّيك وأنفذها إليه بمصر فنفَّذ له الجائزةَ السنيّة، والعطيّة الهنيّة، وهي: أما كفاكَ تلافي في تَلافيكا ... ولست تَنْقِمُ إلاّ فَرْطَ حُبِّيكا يا مُخجِلَ الغُصن ما يَثْنِيك عن مَلَلٍ ... هوىً وكلُّ هواءٍ هبَّ يثنيكا أصبحتُ للقمر المأسور في صَفْدَيْ ... أَسْرٍ وللرِّشإ المملوك مَمْلُوكا أَبِيتُ أَغْبِطُ فاهُ طِيبَ ريقتِه ... ليلاً وأَحُسدُ في الصُّبحِ المَساويكا يا حاملَ الراح في فيه وراحتِه ... دَعْ ما بكفّك رُوح العَيش في فيكا أليسَ سِرُّكَ مستوراً على كلَفي ... فما يَضُرُّك أن أصبحتُ مهتوكا وفيم تَغْضَب إن قال الوُشاةُ سَلا ... وأنتَ تعلمُ أني لستُ أَسْلُوكا لا نِلْتُ وَصْلَك إن كان الذي زعَموا ... ولا سقى ظمأي جودُ ابنِ رُزّيكا هادي الدعاة أبي الغارات خير فتىً ... أدنى عَطِيّاتِه أقصى أمانيكا القاتِل الألْف يلقاهُم فيَغلِبُهمْ ... والواهبِ الألف تلقاه فيُغْنيكا على أنه مأخوذ من قول بعضهم: القاتل الألف إلاّ أنها أُسُدٌ ... والواهب الألف إلاّ أنها بِدَرُ قد نظمت أنا في قصيدة طويلة هذا المعنى ووفّيتُ الصنعة حقّها بحيث لا يعوزها في الكمال شيء وهو: في حالتَيْ جودٍ وبأسٍ لم يزلْ ... للتِّبر والأعداءِ منك تَبارُ تَهَبُ الألوفَ ولا تهاب أُلوفَهُمْ ... هان العدوُّ لديك والدينارُ رجعنا إلى القصيدة:

стр. 363

يا كاشفَ الغُمّة الكُبرى وقد نَزَلَتْ ... بشَعْب شَمْلِ العُلا لولا تَلافيكا بَرَّزْتَ سَبْقَاً فما داناك في أَمَدٍ ... خَلْقٌ قديماً ولا خَلْقٌ يُدانيكا أَرَتْ مساعيك سُبْلَ المجدِ جاهِلَها ... فَلَوْ سعى كان أيضاً من مَساعيكا يخافُك المَلْكُ ناءٍ عنك مَنْزِلُه ... ويُقْتِرُ المرءُ عن بُعدٍ فَيَرْجوكا يَشْكُو إليكَ بنو الآمال فقرَهُمُ ... فينْثَنون وبيتَ المال يَشْكُوكا وَفَيْلَقٍ يملأُ الأقطار ذي لَجَبٍ ... يُضْحي له ثابتُ الأطْوادِ مَدْكُوكا من كلِّ أَغْلَب تلقى عِرْضَه حَرَمَاً ... مُوَفَّراً وتُلاقي المالَ مَنْهُوكا سَنَّ الحديدَ على كالماءِ شَيَّعَهُ ... مثلُ الحديد براه الله فِتّيكا صُمٌّ عن الذّامِ لا يَأْتُون داعيَهُ ... فإن دعوتَ إلى حربٍ أجابوكا بَعَثْتَهُم نحو جيش الشِّركِ فانْبعثوا ... يَرَوْنَ أَكْبَرَ غُنْمٍ أنْ أطاعوكا ساروا إلى الموتِ قُدماً ما كأنَّهمُ ... رَأَوْا طريق فِرارٍ قَطُّ مَسْلُوكا فأوردوا السُّمْرَ شُرْباً من نحورِهمُ ... وأوطأوا الهامَ بالقاع السَّنابيكا ضَرْبَاً وَطَعْناً يَقُدُّ البِيضَ مُحْكَمةً ... ويَخرُقُ الزَّرَدَ الماذِيَّ مَحْبُوكا وباتَ في كلِّ صُقْعٍ من ديارِهُمُ ... نَوْحٌ على بَطلٍ لولاك ماشِيكا أَمْسَوْا ملوكاً ذوي أَسْرٍ فصَبَّحَهمْ ... أُسْدٌ أَتَوْكَ بهم أسرى مَماليكا ولم يَفُتْهُمْ سوى من كان مَعْقِلُه ... مُطَهَّماً حَثّهُ ركْضاً وتحريكا يا كَعْبَةَ الجود إن الفقر أَقْعَدني ... ورِقّةُ الحال عن مفروضِ حَجّيكا قد جادَ غاديك لي جَوْدَاً وأطمَعني ... سماحةٌ فيك في استسقاء ساريكا مَن أَرْتَجي يا كريمَ الدهر تَنْعَشُني ... جَدْوَاه إنْ خاب سَعْيِي في رَجائيكا أأمدحُ التُّرْكَ أبغي الفضلَ عندهمُ ... والشعرُ ما زال عند التُّرْك مَتْرُوكا أمْ أَمْدَحُ السُّوقَةَ النَّوْكى لرِفْدِهمُ ... وا ضيعتا إن تخَطَّتني أياديكا لا تتركنّي، وما أمّلتُ في سفري ... سواك، أُقْفِل نحو الأهل صُعْلوكا أرى السِّباخَ لها رِيٌّ وقد رَضِيَتْ ... منك الرِّياض مُساواةً وتشريكا ولما وصل الملك الناصر صلاح الدين يوسف من مصر إلى الشام بعد نور الدين في سنة سبعين وخيّم بظاهر حمص وقصده المهذَّب ابن أسعد بقصيدة قال القاضي الفاضل لصلاح الدين هذا الذي يقول: والشعر ما زال عند الترك متروكا فعجّل جائزته لتكذيب قوله وتصديق ظنّه فشرّفه وجمع له بين الخِلعة والضيعة. وكان قد أنشدني أبياتاً من هذه القصيدة قبلُ ولا شك أنه أتمّها في مدحه وهي: ما نامَ بعد البَيْن يَسْتَحلي الكَرى ... إلاّ ليطرُقَه الخَيالُ إذا سرى كَلِفُ بقُرْبِكُمُ فلمّا عاقهُ ... بُعْدُ المَدى سلك الطريقَ الأخَصْرا ومنها: ومُودَّعٍ أَمَّ التَّفَرُّقُ دمعَهُ ... ونهتْهُ رِقْبَةُ كاشحٍ فتحيَّرا يبدو هلالٌ من خلال سُجوفِه ... لولا مُحاذَرَةُ العيون لأبدرا ومنها في المديح: تُردي الكتائبَ كُتْبُهُ فإذا غدتْ ... لم تَدرِ أَنْفذَ أَسطراً أمْ عَسكرا لم يَحْسُنِ الإترابُ فوقَ سُطورها ... إلاّ لأنَّ الجيش يَعقُدُ عِثْيَرا قال: هذا معنى ما سُبِقْتُ إليه. وللأستاذ أبي إسماعيل الطُّغرائي من قصيدة وقد ألَمَّ بالمعنى وأحسَن: عليها سُطورُ الضَّرْبِ يَعجُمها القَنا ... صحائف يغشاها من النَّقْع تَتريبُ وأنشدني أيضاً لنفسه:

стр. 364

كم في العِذار إلى العُذَّال لي عُذُرُ ... وكم يُحاورُهمْ عن لومِيَ الحَوَرُ وكم أرى عندهم من حبِّه خبَراً ... يرويه عن مُقلَتّيَّ الدَّمْعُ والسَّهَرُ يبغونَ بالعَذْل بُرئي من علاقته ... والقولُ يُصلِحُ من لم يَجرحِ النَّظَرُ قالوا تركتَ البوادي قلت حُبُّهُمُ ... محرَّمٌُ حظَرَتْه التُّركُ والحضَرُ ما منزل الحيِّ من قلبي بمنزِلَةٍ ... ولا لآثار ظَعنٍ عنده أثَرُ ولا أُعلَّقُ مَحبوباً يُساعدُه ... على الصُّدود سُتورَ الخِدرِ والخُمُرُ أَميلُ عن حُسْنِ وَجه الشَّمس مُستتراً ... إلى مَحاسِنَ يجلوها ليَ القمر قضيبُ بانٍ على أَعلاه بَدرُ دُجىً ... من أينَ لِلبانِ هذا الزَّهرُ والثَّمَرُ وأنشدني له من قصيدة في مدح الملك الصالح طلائع بن رُزِّيك: إذا لاحَ بَرقٌ من جَنابكَ لامِعٌ ... أَضاءَ لِواشٍ ما تُجِنُّ الأضالِعُ تَتابع لا يحتَثُّ جَفني فإنَّه ... بدا فتَلاهُ دَمعِيَ المُتتابع فإن يكنِ الخِصْبُ اطَّباكُمْ إلى النَّوى ... فقد أَخصبَتْ من مُقلَتّيَّ المَرابع مطالع بَدرٍ منذُ عامَين عُطِّلَتْ ... وما فقدَتْ بَدراً لذاكَ المَطالع وسِرُّ هوى هَمَّتْ بإظهاره النَّوى ... فأمسى وقد نادتْ عليه المَدامِعُ ولمّا برَزنا للوداع وأَيْقَنَتْ ... نُفوسٌ دهاها البَيْنُ ما اللهُ صانِعُ وقفنا ورُسْلُ الشَّوقِ بيني وبينها ... حَواجِبُ أَدَّتْ بثَّنا وأصابع فلا حُزننا غَطَّى عليه تَجَلُّدٌ ... ولا حسنُها غطَّتْ عليه البراقع أَتنسَينَ ما بيني وبينكِ والدُّجى ... غِطاءٌ علينا والعيونُ هواجع وهَبْكِ أَضَعْتِ القلبَ حين ملكْتِه ... تَقي في العهود اللهَ فهي ودائع تمادى بنا في جاهليَّة بُخلِها ... وقد قام بالمعروف في الناس شارع وتَحسَب ليلَ الشُّحِّ يمتَدُّ بعدَما ... بدا طالعاً شمسُ السَّخاء طلائع وأنشدني له ما نظمه في صباه وهو في المكتب في مَرثيَة صبيٍّ كان في الكتّاب معه: أَمسيتَ تحت الأرض تُرغِبُ في الأسى ... مَن كان نحوك في الحوائجِ يَرغَبُ يَهدي إليك بِعَرْفه طيبُ الثَّرى ... مَن كان يهديه الثَّناءُ الطَّيِّبُ وأنشدني له قصيدةً عملها في الملك العادل نور الدين محمود بن زَنكي ﵀ سنة أغارت الإفرنج على مُعسكره ومخيَّمه بالبقيعة تحت حصن الأكراد وكانت نوبة عظيمة على المسلمين وأَفْلَتَ في فَلٍّ من عسكره، وهذا أحسن ما سمعته في مدح مَنْ كُسِرَ وعُذِر، ولقد وافق العذر ما ذكر، واتصف بعد ذلك وانتصر، ونال الظَّفر: ظُبى المَواضي وأطرافُ القنا الذُّبُلِ ... ضَوامنٌ لكَ ما حازوه من نَفَل وكافلٌ لكَ كافٍ ما تحاولُهُ ... عِزٌّ وعَزْمٌ وبأْسٌ غير منتَحَل وما يَعيبُك ما نالوه من سَلَبٍ ... بالخَتْلِ، قد تُوتَرُ الآسادُ بالحِيَل وإنَّما أَخلَدوا جُبناً إلى خُدَعٍ ... إذا لم يكن لهم بالجيش من قِبَلِ واستيقظوا وأَرادَ الله غفلتَكُمْ ... ليَنْفُذَ القدر المحتوم في الأزل حتى أتَوْكُمْ ولا الماذِيُّ من أَمَمٍ ... ولا الظُّبى كثَبٌ من مُرهَقٍ عَجِل فناً لقىً وقِسِيٌّ غيرُ مُوترَةٍ ... والخيلُ عازبَةٌ تَرعى مع الحَمَل ما يصنعُ الليثُ لا نابٌ ولا ظُفُرٌ ... بما حواليه من عُفْرٍ ومن وُعُل هلاّ وقد ركِبَ الأُسْدُ الصُّقورَ وقد ... سَلُّوا الظُّبى تحتَ غاباتٍ من الأَسَل من كلِّ ضافيةِ السِّربال صافية الْ ... قِذافِ بالنَّبْل فيها الخَذْفُ بالنَّبَل

стр. 365

وأصبحوا فِرَقاً في أرضِهم بَدَداً ... يَجوسُ أَدناهُمُ الأَقصى على مَهَل وإنَّما هم أضاعوا حزمَهُمْ ثِقةً ... بجَمْعِهِمْ ولَكَمْ من واثِقٍ خَجِل بني الأَصافِرِ ما نلتُمْ بمَكرِكُمُ ... والمَكْرُ في كلِّ إنسانٍ أَخو الفشل وما رجعتم بأسرى خابَ سعيُكُمُ ... غير الأراذِل والأتباع والسَّفَل سلبْتُمُ الجُرْدَ مُعراةً بلا لُجُمٍ ... والسُّمْرَ مَركوزَةً والبيضَ في الخِللِ هل آخِذُ الخيل قد أَرْدى فوارسَها ... مِثالُ آخذِها في الشَّكْل والطِّوَل أم سالب الرُّمح مَركوزاً كسالبِه ... والحربُ دائرةٌ، من كَفِّ مُعتقِلِ جيشٌ أصابتهُمُ عينُ الكمال وما ... يَخلو من العين إلاّ غيرُ مُكتمِل لهم بيَوم حُنَيْنٍ أُسوَةٌ وهُمُ ... خيرُ الأنام وفيهم خاتَمُ الرُّسل سيقتضيكم بضَربٍ عندَ أَهوَنِه ... أَلْبِيضُ كالبَيْضِ والأدراع كالحُلَلِ كان كما ذكَر، فإنَّ الإفرنج بعد ذلك بثلاثة أشهرٍ كُسِروا على حارم وقُتِل في معركة واحدة منهم عشرون ألفاً وأُسِر من نجا وأُخِذَ القَومَس والإبرنس وجميع ملوكهم، وكان فتحاً مبيناً ونصراً عظيماً، وتمام القصيدة: ملْكٌ بعيدٌ من الأدناس ذو كَلَفٍ ... بالصِّدق في القول والإخلاص في العمل فالشمس ما أصبحت والشمسُ ما أَفلَتْ ... والسيفُ ما فُلَّ والأطوادُ لم تزُلِ كم قد تجلَّت بنور الدين من ظُلَمٍ ... للظلم وانجابَ للإضلال من ظُلَل وبلدةٍ ما ترى فيها سوى بطل ... غزا فأضْحَتْ وما فيها سوى طلَل قل لِلمُوّلِّينَ كُفُّوا الطَّرْفُ من جُبُنٍ ... عند اللقاء وغُدّوا الطرف من خجل طلبتُمُ السَّهل تبغونَ النَّجاةَ ولَو ... لُذْتُمْ بمَلْكِكُمُ لُذْتُم إلى جبل أَسْلَمتموه ووَلَّيْتُم فسلَّمَكُمْ ... بثَبْتَةٍ لو بغاها الطَّوْدُ لم يَنَل مُسارعينَ ولم تُنْثَلْ كنائنُكُم ... والسُّمرُ لم تبتَذَل، والبيضُ لم تُذَلِ ولا طرقْتُمْ بوَبْلِ النَّبْل طارقَةً ... ولا تعلَّقتِ الأَسيافُ في القُلَل فقام فرداً وقد ولَّتْ جحافِلُهُ ... فكان من نفسه في جَحفَلٍ زَجِل في مَشهدٍ لَو لُيوثُ الغِيل تشهدُه ... خرَّت لأذقانها من شِدَّة الوَهَل وسْطَ العِدى وحدَه ثَبْتَ الجِنان وقد ... طارت قلوبٌ على بعدٍ من الوجل يعودُ عنهم رويداً غيرَ مُكترثٍ ... بهم وقد كَرَّ فيهم غيرَ مُحتفل يزدادُ قُدْماً إليهم مِن تَيَقُّنِه ... أنَّ التَّأَخُّرَ لا يحمي من الأجَل ما كان أَقربَهُم من أسر أَبعدِكُمْ ... لو أَنَّهم لم يكونوا منه في شُغُل ثباتُه في صُدور الخَيل أَنقذكُمْ ... لا تَحسِبوا وثَباتِ الضُّمَّرِ الذُّلُلِ ما كلَّ حينٍ تُصابُ الأُسْدُ غافلَةً ... ولا يصيبُ شديدَ البَطشِ ذو الشَّلَلِ واللهُ عونُكَ فيما أنتَ مُزمِعُه ... كما أعانكَ في أيّامِكَ الأُوَلِ كم قد ملكْتَ لهم مُلْكاً بلا عِوَضٍ ... وحُزْتَ من بلدٍ منها بلا بدل وكم سقيتَ العوالي من طُلى مَلِكٍ ... وكم قريتَ العوافي من قَرا بطَل وأَسْمَرِ من وريد النَّحر مَوردهُ ... وأَجْدَل أكله من لحمِ مُنجَدِل حصيدُ سيفكَ قد أَعفيتَه زمناً ... لو لم يَطُلْ عهدُه بالسيف لم يَطُلِ لانكَّبَتْ سهمَكَ الأقدارُ عن غرَضٍ ... ولا ثُنُتْ يدَكَ الأَيّامُ عن أَمل ومن شعره في الصالح ابن رُزِّيك قصيدةٌ أَرادَ قصده بها ثم أنفذها إليه، أوّلها:

стр. 366

أَيرْجِعُ عَصرٌ بالجزيرة رائقُ ... تَقَضَّى وأبقى حَسرةً ما تُفارِقُ لياليَ أبكارُ السُّرور وعَونُهُ ... هدايا وأُمّاتُ الهموم طَوالق إذا قلتُ يصحو القلبُ من فَرط ذِكرِه ... دعا هاتفٌ في الأَيْكِ أو لاح بارِقُ ومنها: تركْنا التَّشاكي ساعةَ البين ضِلَّةً ... ولا غروَ يومَ البينِ إن ضلَّ عاشق فلا لذَّة الشكوى قضينا ولا الذي ... سترناه أَخْفَتْه الدُّموع السَّوابِقُ فمن لؤلؤٍ شَقَّ الشَّقيقَ مُبدَّداً ... ووَرْسٍ جرَتْ سَحّاً عليه الشقائق إذا نحن حاولنا التَّعانُقَ خُلسَةً ... عَلانا الزَّفير والقلوبُ خوافق ومنها: وزائرةٍ بعد الهُدُوِّ وبيننا ... مَهامِهُ تُنضي رَكبَها وسَمالِقُ تعجَّبُ من شَيبٍ رأتْ بمَفارقي ... وهل عجبٌ من أنْ تشيبَ المَفارِقُ وقالتْ وفَرْطُ الضَّمِّ قد هدَّ مِرْطَها ... ولُزَّتْ ثُدِيٌّ تحتَها ومَخانِق أَتُسليكَ عنّا كاذباتٌ من المُنى ... وما خِلتُ تُسليكَ الأماني الصَّوادِقُ متى نلتقي في غيرِ نومٍ ويشتكي ... مَشوقٌ وبُشْكي من جوى البين شائق ثِقي بإيابي عن قريبٍ فإنَّني ... بجُودِ ابن رُزِّيكٍ على القربِ واثق هو البحرُ فيه درُّه وعُبابُه ... وصوبُ الحَيا فيه النَّدى والصَّواعِقُ أخو الحَرب ربُّ المكرمات أبو النَّدى ... حليف العُلى صَبٌّ إلى العُرف تائقُ يُنال الحَيا من بحره وهو نازحٌ ... ويَدنو الجَنى من فَرعِه وهو باسِق ومنها في حكاية وزير المصريين عباس وكونه قتل ظافرهم وجماعة من أعمامه بالقصر، وجاء ابن رزِّيك فأخذ بالثّأْر منه: ولمّا رأى عبّاسُ لِلغدر مَذهباً ... وأظهرَ ما قد كان عنه يُنافِقُ وأنفق من إنعامِهم في هلاكهم ... جزاءً به عَمري خَليقٌ ولائق ومدَّ يداً هم طوَّلوها إليهمُ ... وحلَّت بأهل القصر منه البوائق دعَوْكَ فلبَّيْتَ الدُّعاء مُسارعاً ... وفرَّجْتَ عنهم كَربَهُمْ وهو خانق وجاوبْتَهُم عن كتْبهم بكتائبٍ ... تَمُرُّ بها مَرَّ السّحاب السَّوابق وفرَّ رجاءً أنْ يفوتَ شَبا الظُّبى ... فعاجلَه حَيْنٌ إليهنَّ سائق وقدَّر أنْ قد خلَّفَ الحتفَ خلفَه ... وقدّامَه الحَتْفُ المُوافي الموافِقُ سقى ربَّه كأسَ المنايا وما انقضى ... له الشَّهر إلاّ وهو للكأس ذائقُ أبو الفضل بن عطّاف المَوصلي الجَزري محمد بن محمد بن محمد بن عطاف، ذكره أبو سعد السمعاني في المذيّل قال: أنشدنا لنفسه إملاءً في القلم: خُرْسٌ تُشافِه بالمَرام كأنَّما ... تُبدي بألسُنِها الفصيحَ الأعجما وتطول عن قِصَرٍ ويَقصُر دونَها ... طولُ الرِّماح وإنْ أَرَقْتَ بها الدِّما قال وأنشدني لنفسه في شابٍّ يتمنّى شيبه: كم قد تمنّى أن يرى ... شَيْباً بمَفرِقِه أَلَمّا دارت عليه رحى المَنو ... نِ فأسكَنَتْهُ ثَرىً أَصَمّا ذكر السمعاني في تاريخه أنه توفي ببغداد تاسع عشر شوال سنة أربع وثلاثين وخمسمائة. عمّه: أبو طالب جعفر بن محمد بن عطاف قرأت في تاريخ السمعاني: أنشدني أبو الفضل بن عطاف أنشدني عمي أبو طالب لنفسه بمَيافارقين: لابدَّ للكامل من زَلَّةْ ... تُخبره أن ليس بالكامل بينا يُرى يضحك من جاهلٍ ... حتى تراه ضِحكةُ الجاهِل قال: وسمعته يقول: قرأت على ظهر تقويم سطّره عمّي أبو طالب لنفسه: أُجَدِّده في كلِّ عامٍ مُجدَّدٍ ... ويخلِقُ منّي جِدَّتي وغرامي وتَفرحُ نفسي بانتظام شُهورِه ... وفي واحدٍ منها يكون حِمامي الشيخ أبو الحسن علي بن دبيس المَوْصلي

стр. 367

قرأَ على ابن وَحشي، وابن وَحشي قرأَ على ابن جِنّيّ، قرأتُ له في مجموعٍ لأبي الفضل بن الخازن من الموصليات للشيخ أبي الحسن علي بن دبيس النَّحوي من أبيات في قوّاد: يُسهِّلُ كلَّ ممتنعٍ شديدٍ ... ويأْتي بالمُراد على اقتصاد فلو كلَّفْتَه تحصيل طيفِ الْ ... خَيالِ ضُحىً لزارَ بلا رُقاد وله من قصيدة أوّلها أنشدني التاج البلَطيّ قال أنشدني أبو القاسم بن المارنك الصائغ المَوصليّ، قال أنشدني ابن دبيس: ما ساعَفَتْكَ بطيفها هِندُ ... إلاّ لكي يتضاعفَ الوَجْدُ منها في مدح سعد الدولة أخي شرف الدَّولة مُسلِم بنِ قريش: والوَجْدُ يَنْمى في الفؤاد كما ... يَنمى بسعد الدَّولة السَّعد ومنها: أُنظُرْ إلى الأَب في العشيرة من ... طرَفٍ ومن طرَفٍ مَنِ الجَدُِ وكانت أُمُّه بنتَ السُّلطان. قيل إنَّه لمّا أنشدَ نصف هذا البيت فقال الأمير وسبقه: ومِنْ طرَفٍ مَنِ الجَدُّ. الرئيس علي بن الأعرابي المَوصلي ذكره مجد العرب العامري، وقال: شعَرَ، على كِبَر، وتقع له أَبيات نوادر في الهجو، تخلو من الحشو واللَّغو، وتسقى من الكدر لسلاستها الصفوَ، ويَطلب مَنْ قيل فيه منه العَفوَ، فمنها ما أَنشدني الأمير مجد العرب العامري بأصفهان لابن الأعرابي المَوصلي في الشاعر البغدادي المعروف بحَيْصَ بَيْص، وهو يَنسِبُ نفسه إلى تميم، وعادتُه يتبادى في كلامه وزيِّه. ولا يستحق الأمير أبو الفوارس ابن الصَّيفيّ هذا فإنّني ما رأيت أكمل أدباً منه، ولكن ما زالت الأشراف تُهجى وتمدح: كمْ تَبادَى وكمْ تُطَوِّلُ طُرطو ... رَكَ، ما فيكَ شعرةٌ من تميم فكُلِ الضَّبَّ وابْلَعِ الحنظَلَ الأَخْ ... ضَر واشْرَبْ ما شئتَ بَوْلَ الظَّليمِ ليس ذا وجهَ من يُجير ولا يقْ ... ري ولا يدفع الأَذى عن حَريمِ قال مجد العرب: وله في بعض الصّدور يهجوه في زمان أتابك زَنكي: قالوا: أَتؤمن بالنّجوم، فقلتُ: لا ... بأبي المحاسِنِ كُذِّبَتْ في العالَم اختارَ طالِعَهُ فسوَّدَ وجهَه ... فيه وأفسدَ فيه أمر الصّارمِ ذكر أن الذي هجاه كان وزيراً للملك في تلك البلاد، والصارم كان مُشرِفاُ للملك. وأنشدني الأمير أُسامة بن منقذ أنشدني العلَم الشاتاني له في ابن أفلَح الشاعر: قد بُلِيَ في زمانه بعُلوجٍ ... يعتريه في حُبِّهِمْ كالجُنون كلَّ يومٍ له طَواشٍ جَديدٌ ... وغلامٌ يجرُّه من أَتون وله في الشيب: رُسلُ الحِمام حَمائمٌ بِيضُ بدَتْ ... من بين خافِيَةِ الغُراب الأَسودِ قال الشاتاني: قرأت عليه الأدب. توفي سنة سبع وأربعين. الشيخ مَرْزَكَّة واسمه زيد، من قرية عبيد، من نواحي المَوصل، كذا ذكره غير واحد ممَّن كان في مكتبه، وقيل اسمها: عين سُفتى، قال الشاتاني: قرأت عليه الأدب. أنشدني له رجل جنديّ يقال له الأمير علي الشاميّ في عَقر الصّعيد من نواحي سامي مَيسان عند ابن الملك ابن قطيرا، وأنا مُصعِدٌ إلى واسط في أوائل ذي الحجة سنة تسع وأربعين وخمسمائة: يا عَزّ أينَ من الجفون رُقادي ... ولهيبُ نار الشوق حَشْوُ وِسادي كم يعذلوني في هواكِ، عدِمْتُهمْ ... إنَّ العواذل فيكِ من حُسّادي لا ضيرَ إنْ ظَفِرْت أُمّيَّةُ مرَّةً ... فالركب يعثُرُ فيه كلُّ جواد دنيا تكاثرَ غَدرُها حتى لقد ... وثبت ثعالبها على الآساد ومنها: إنّي بدون الطَّيفِ منكِ لَقانعٌ ... ولو انُّ طيفك مُخلِفٌ ميعادي قالت وقد رأت المشيبَ بلِمَّتي ... والليلُ فاجأه صباحٌ بادي قدِّم لنفسِكَ ما تُسَرُّ به غداً ... فالموتُ يطرقُ رائح أو غاد فأجبتُها إنّي تمسَّكتُ التُّقى ... حُب الوصيِّ فنعمَ عُقبى الزَّاد وله ما يبرهن به على غُلوِّه في مذهبه في التشيُّع: أَيُّ أَجرٍ للدَّمع والأَنفاسِ ... ووقوفي بالأربُع الأدراس

стр. 368

وارتياحي إلى الغزال وقد ما ... رَسَ منه الرَّدى أَشَدَّ مِراس لَيقومَنَّ للشريعة هادٍ ... قاصمٌ للعدى شديد الباس قُرَشِيٌّ لا من بني عبد شَمْسٍ ... هاشميٌّ لا من بني العبّاس فاطِميُّ النِّجار من آل موسى ... قد حوى العلمَ كالجبال الرواسي ملأ الأرضَ عدلُهُ بعد ما طه ... رها من مظالم الأرجاس في وَلاكُمْ يا آل بيت رسول ال ... لَّهِ صارمتُ مَعشري وأُناسي حُبُّكُم غايةُ الثواب وما في ... ثَلْبِ مَنْ سَنَّ بُغضَكُم من باس وله: ما آن يا قلب لي أن أتوبُ ... وقد علا رأْسِيَ المَشيبُ إذا شبابُ الفتى تَقضَّى ... فالموت من بعده قريب كلُّ سَقامٍ له طبيبٌ ... وما لما حلَّ بي طبيبُ أُنكِرُ حُبّي لكم وما إنْ ... يُنكَرُ أَنْ يُعْبَدَ الصّليبُ قد اقتسمنا على سواءٍ ... فلا تقولوا ولا نُجيبُ خُذوا يزيداً لكم وشَمرا ... فما لنا فيهما نصيب نصيبُنا كلُّه عليٌّ ... الفاضل السيِّدُ اللَّبيب وله في مرثِية أهل البيت ﵈: سقى منزلَ الأحباب حيث أقاموا ... دموعٌ متى ضَنَّ الغَمامُ سِجامُ فلَهفي لِبَدرٍ ما استتَمَّ وإنَّما ... نصيبُ الكُسوفِ البدرُ وهو تمامُ فمالوا عليه مَيلةً جاهليَّةً ... أماتوا به الإسلامَ وهو غلام فلولا بكاءُ المُزن حُزناً لفَقدِه ... لما جادَنا بعد الحسين غَمامُ ولو لمْ يَشُقَّ جِلبابه أسىً ... لما انفكَّ عنّا مُذْ فُقِدْتَ ظلام أَلا ما لِلَيلي لا انجِلاءَ لِصُبْحِه ... وما لِجُفوني لا تكادُ تنام وما لفؤادي صار للهَمِّ مأْلَفاً ... أَسىً، أَعليه للسرور لِثامُ وله من قصيدة يستطرد بخلافة أبي بكر رضوان الله عليه: وإذا لزِمْتَ زِمامَها قَلِقَتْ ... قَلَقَ الخلافة في أبي بكر لقد أبطل في قوله، فإنَّ أبا بكر أزالَ قلقَها، وأنار أُفقها، وطبَّق العدلَ مغربها ومشرقها. البديهي المَوصليّ له في الوزير أبي شجاع وقد استُوزِرَ بعد ابن جَهير: ما اسْتُبدِلَ ابنُ جَهيرَ في ديوانهمْ ... بأبي شُجاعَ لرِفعةٍ وجلال لكن رأَوْهُ أَشَحَّ أهلِ زمانهمْ ... فاستوزروه لحِفظ بيت المال نباتة الأعور الأُبري من الموصل. رجلٌ أُمِّيٌّ بارزِيّ، من بني عم شرف الدَّولة ابن قريش، خبيث الهجو مرهوب الشَّباة. أنشدني له بعض أصدقائي من واسط يهجو علَوِيّاً من حلب: شريفٌ أصله أصلٌ حميدٌ ... ولكن فِعلُه غير الحميدِ ولم يخلُقه ربُّ العرش إلاّ ... لتنعطف القلوب على يزيد وله في ابن خميس: أقبلْتَ والأيّامُ راجعةٌ ... ووَلِيتَ والبلوى لها سبَبُ ما صِرْتَ رأْساً يُستقادُ به ... إلاّ وعند المَوصل الذنب وكان بهاء الدين الشَّهرزوري بفَرْدِ عَيْنٍ، فقال فيه: وما جمعَتْ بيننا شَهرَزور ... ولكن بالنظر الفاسد وله وقد عُزِل أحد بني خميس ووُلِّي أخوه: علَوتُمْ يا بني خميسٍ ... وكنتمُ في الحضيض أَسفلْ وسُسْتُمُ النّاسَ بعدَ وهْنٍ ... كأَنَّما اللهث قد تحوَّل إن كان لا بدَّ من خرابٍ ... فالبومُ أولى بها وأجمل عسى بردّ المعين يأْتي ... زماننا والأمير يفعل ولنباتة يهجو بعض رؤساء الموصل: فكم في سُكُفّات الفتى من مُضيَّعٍ ... إذا ما مشى من فوقها صَرَّتِ النَّعلُ ولو سأل القرنانُ حيطانَ داره ... لجاوبه من كل زاوية نَغْلُ وذاكَ فُضولٌ كان منّي وِخِفَّةٌ ... أَغارُ على من لا يغار لها بعلُ ولنباتة يخاطب نقيب العلويين بالموصل:

стр. 369

رُدَّ الميازيبَ يا ابن فاطمة ... فقَلْعُها والمُكبّ في النّار واغضبْ لها كالإمام حيدرةٍ ... لعمّه بالمهنّد القاري إلاّ جحَدنا يومَ الغدير وقلْ ... نا إنّما الحق ليلة الغار ومال مثلي إلى عتيق وأن ... كرتُ عليّاً بكلِّ إنكار القاضي المرتضى أبو محمد عبد اله بن القاسم بن المظفر بن علي بن الشهرزوري والد كمال الدين والقضاة الشهرزورية. القاضي من أهل الموصل، أحد الأئمة المشهورين، والفضلاء المذكورين، له شِعرٌ راقٍ ورَقَّ، معناه جَلَّ ودقَّ، مليح الوعظ، فصيح اللفظ، حسنُ السَّجع، لطيف الطَّبع، فاضلٌ عالم، من كلِّ ما يشين سالم، عبارتُه في شِعره عبرَت الشِّعرى العَبور، ورقَّته في نظمه أَصْبَتِ الصَّبا ورمت بالإدْبار الدَّبور، ضاعَ عَرفُه وما ضاع، وشاع فضله وذاع، له الخاطر المُطيع، القادر المُستطيع، قاضٍ قُضِيَ له بالفضل الوافر، وحاكمٌ حُكِمَ له بفطنة الخاطر، مرتضىً كلقبه، ما حواه من أدبه، كان يعظ ويحكم، وينثر وينظم. ووجدت من كلام القاضي المرتضى أبي محمد الشهرزوري رسالة سلك بها مسلك الحقيقة، وسبق أهل الطريقة، مشحونةً بأبياتٍ في رِقَّة السَّلسل والشَّمول، ودِقَّة الشَّمأَل والقَبول، فمنها قوله: بدا لكَ سِرٌّ طال عنكَ اكتِتامُهُ ... ولاح صباحٌ كان منكَ ظلامهُ فأنتَ حجاب القلب عن سِرِّ غيبهِ ... ولولاكَ لم يُطبَع عليه خِتامُه وإن غِبتَ عنه حلَّ فيه وطنَّبَتْ ... على مَنكِب الكشف المَصون خِيامُه وجاء حديثٌ لا يُمَلُّ سماعُهُ ... شهيٌّ إلينا نثرُه ونظامهُ وقوله: أهوى هواه وبعدي عنه بُغيَتُهُ ... فالبعدُ قد صار لي في حبِّه أرَبا فمن رأَى دَنِفاً صَبّاً أخا شجَنٍ ... ينأَى إذا حِبُّه من أرضه قَرُبا وقوله: وجالتْ خيولُ الغَدر في حَلبة الهجرِ ... وفي شُعَبِ النُّعمى كمينٌ من المكرِ وجاءت على آثار ذاك طلائع ... من الصدّ نحو القلب قاصدةً تجري فعاودتُ قلبي يسأَل الصبر وقفةً ... عليها، فلا قلبي وجدتُ ولا صبري وغابت شُموسُ الوصل عني وأظْلَمَتْ ... مسالكُهُ حتّى تحيَّرتُ في أمري فما كان إلاّ الخطف حتّى رأَيتها ... محَكَّمةً والقلبُ في رِبْقَةِ الأَسْر وقوله: وناح غرابُ البين في مأْتَمِ الهَجرِ ... ورقَّقَ حتّى شَقَ أثوابَه صَبري وبانوا فكم دمعٍ من الأسر أطلقوا ... نَجيعاً وكم قلبٍ أعادوا إلى الأسْر فلا تُنكِرا خَلعي عِذاري تأَسُّفاً ... عليهم فقد أوضحتُ عندكمُ عُذري وقوله على لسان الهوى للنفس وأعوانها، وينهاها عن طاعة هداها ويأْمرها باتّباع شيطانها: كم عابدٍ في صَوْمَعَهْ ... أَخليتُ منها مَوضِعَهْ وخدَعْتُه من بعدِ أَنْ ... قد ظنَّ أن لن أَخدعه صارعتُه فأَرَيْتُه ... قبلَ التَّصادُمِ مَصرَعَهْ وسلبتُهُ أحوالَهُ ... وأَخذتُ أَنْفِسَ ما معه وتركتُه في حَيرَةٍ ... وحبسْتُ عنه أَدْمُعَه وأَتى الصُّدودُ فبزَّهُ ... ثوبَ الوِصال وخلَّعَهْ واجتاحَ حبلَ رجائه ... من بعد ذاكَ وقطَّعه فتقبَّلوا نُصحي لكم ... واستفرغوا فيه السَّعَهْ فعدُوُّكم لا يستري ... حُ فجانِبوا معه الدَّعَهْ وقوله: يا قلبُ هل يرجع دهرٌ مضى ... يجمعنا يوماً بوادي الغضا وباجتماع الشَّمل يقضي لنا ... من كان بالبين علينا قضى فتصبحُ الآمالُ مُخضَرَّةً ... فيهم وقد هبَّ نسيمُ الرِّضا ويرجع الوصل إلى وَصلنا ... ويصبح الإعراضُ قد أَعرضا وقوله: مالوا إلى هجرنا ومَلُّوا ... ومِنْ عُقود العهود حَلُّوا

стр. 370

وكلَّما قلتُ قد تدانَوا ... شَدُّوا على العِيس واستقلّوا فقال مَن منهمُ جَفانا ... واعتاضَ عنّا؟ فقلتُ: كُلُّ قد حرَّموا وصلَهم علينا ... واستعذبوا الهجر واستحلُّوا وقوله جواباً لمن ذكر أنه قال له: متى عهدك بقلبك؟: فقلتُ عهدٌ بعيدُ ... قدَّرْت وهو جديدُ والصَّبر يَنقصُ مُذْ با ... نَ والبلاءُ يزيد وليس في الأمر أَنّي ... أَشْقى وأَنْتَ سعيدُ وقوله: حلفتُ بربِّ البيتِ والرُّكن والحِجْرِ ... لئن قدِم الأحبابُ من سفَر الهَجر وعادوا إلى الإخلاص والصِّدق والصفا ... وحالوا عن الإعراض والصَّدِّ والغدر وجاء نسيمُ الاختصاص مُبشِّراً ... تلقيتُهُمْ حَبواً على الخَدِّ والنَّحْر ومرَّغتُ وجهي في التُّراب تذلُّلاً ... وقبَّلْتُ أَخفافاً بهم نحونا تسري وأنشدتهم بيتاً قديماً نظمْتُهُ ... وأخفيتُهُ خوفَ الأجانب في سرّي إذا أنا لم أخلعْ عِذارِيَ فَرْحَةً ... بقُرْبِكُمُ أَهل الوفاء فما عُذري وقوله: وافى النَّسيمُ بنفحةٍ ... نَشِطَتْ فؤادي من عِقال مِسْكِيَّة أنفاسها ... تُهدي الذَّكاءَ إلى الغوالي واستعْجَمَتْ أَخبارُها ... فسألت أصحابي وآلي عنها فحاروا في الجوا ... بِ وما شَفَوا قَرَمَ السُّؤال فسأَلتُهُمْ لمّا رأَيْ ... تُ حجابهم عمّا بدا لي هَمَّ الحبيبُ بأنْ يزو ... رَ فهذه ريحُ الوِصالَ وقوله على لسان القلب حين نَشِطَ من عِقاله، فقال بلسان حاله: قد فكَّ عنّي كلَّ أغلالهِ ... وحطَّ عنّي كلَّ أَثقاله وجادَ بالفضل الذي لم يزل ... يخُصُّ مَن شاءَ بأَفضالهِ وقابلتْنا بعدَ ما أَعرَضَتْ ... واحتجبَتْ أَوجُهُ إقبالهِ وانقرضت دولة أعدائهِ ... وعاودَ الملك إلى آلهِ وصارَ مَن أَوحَشَهُ يأْسُهُ ... مُبتهجاً في أُنْسِ آماله وقوله: كبِدَ الحسودُ تقطَّعي ... قد باتَ مَن أهوى معي عادتْ حِبالُ وِداده ... موصولةً فتقطَّعي ونثرتُ يومَ وِصالهِ ... مخزونَ ما أبقى معي ما كان لي من شافعٍ ... إلاّ الغليل وأدمُعي قابلتُ قِبلة عِزِّه ... بتذَلُّلي وتخضُّعي فأجابني بتلطُّفٍ ... وتعطُّفٍ يا مُدَّعي إنَّ المُحِبَّ جوابُهُ ... خَلعُ العِذارِ إذا دُعي وقوله: قد رجعنا إلى الوفا ... ومضت مدَّة الجَفا والذي كدَّر الصّدو ... دُ مِنَ الوصل قد صَفا سُخطكمْ كان عِلَّتي ... ورضاكمْ هو الشِّفا أرشدوني بنظرةٍ ... قد سئمنا التَعسُّفا وقوله: ومسرِفَةٍ في اللوم قلتُ لها مهلاً ... أفيقي فما عندي للائِمَةٍ أَهلا جزِعْتُ بأن فارقتُ قوماً أَعِزَّةً ... عليَّ وأوطاناً تأَلَّفتُها طِفلا ولو علمتْ مَن ذا تبدلت عنهمُ ... لكانت بهذا اللوم لائمتي أولى تعوَّضْتُ عن فانٍ بباقٍ لأنّني ... رأيتُ رشاداً تركيَ العبد للمولى وقوله: صُدودٌ ما لهُ أَمَدُ ... وصَبٌّ ما له جلَدُ وقلبٌ بالظَّما كَلِفٌ ... يرى ماءً ولا يرِدُ كئيبٌ مُكمَدٌ دَنِفٌ ... بمن ما مسَّه كَمَدُ إذا ما رام لي حرباً ... فأعضائي له عُدَدُ ولا يدنو ولا ينْأَى ... ولا يُجدي ولا يَعِدُ فيوماً نحن في سِلْمٍ ... ويوماً حربُنا تَقِدُ ويوماً وصلُنا خُلَسٌ ... ويوماً هجرُنا مددُ

стр. 371

فلا وصلٌ ولا هجر ... ولا قربٌ ولا بعدُ وقوله: بقلبي منهمُ عُلَقُ ... ودمعي فيهمُ عَلَق وعندي منهمُ حُرَقُ ... لها الأحشاءُ تحترق ونحن ببابهم فِرَقُ ... أذابَ قلوبَنا الفَرَقُ وما تركوا سوى رمَقٍ ... فليتهمُ له رمَقوا فلا وصلٌ ولا هجرٌ ... ولا نومٌ ولا أرَقُ ولا يأْسٌ ولا طمَعٌ ... ولا صبرٌ ولا قلَقُ فليتهمُ وإن جاروا ... ولم يُبقوا عليَّ بقوا فأفنى في بقائهمُ ... وريحُ مودَّتي عبِقُ كمثل الشَّمع يُمْتع مَن ... يُنادمُهُ ويَمَّحِقُ أنشدني مجد العرب العامري له: يا قلبي إلامَ لا يفيدُ النُّصْحُ ... دَعْ مَزحَكَ كم هوىً جناه مَزْحُ ما جارحة منك خلاها جرحُ ... ما تشعر بالخُمار حتّى تصحو ووجدت مكتوباً في جزء: أنشدنا الشيخ أبو محمد عبد الله بن القاسم بن الشهرزوري من أبيات لنفسه سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة: قد جاءكم برداء الذُّلِّ مشتملا ... عبدٌ لكمْ مالكم مِن أسرِه فادِ أَسكنتموه زماناً أرضَ هجركُمُ ... فتاهَ فيها بلا ماءٍ ولا زادِ وظلَّ من وَحشة الإعراض مُختبِطاً ... في ظلمة الصّدِّ من وادٍ إلى وادِ قتلتموني وأنتم أولياءُ دمي ... فمن يطالب والفادي هو العادي ووجدتُ في مجموعٍ له: وما رحلوا إلاّ وقلبي أمامَهمْ ... وما نزلوا إلاّ وكان لهم أرْضا يميلوا إليهم حيث مالوا فإنَّه ... يرى طاعةَ المحبوب في حبِّه فرضا وذكره أبو سعد السمعاني المروزيّ في مصنّفه فقال: أنشدني أبو طالب محمد بن هبة الله الضَّرير المَوصلي قال: أنشدني عبد الله بن القاسم الشّهرزوريّ لنفسه: مُعلِّلَتي بالوصل طال ترَقُّبي ... أَريحي بيأْسٍ فالرَّجاءُ مُعذِّبي ولا تخدعيني بالأماني فطالما ... أطلتِ ظَمائي ثمَّ كدَّرتِ مَشرَبي تريدين قطعي بالوصال، وجفوةٌ ... مع الودِّ أحظى، فاثبتي وتجنّبي فإنَّ الجفا والهجر ليس بضائرٍ ... إذا هو أبقى موضعاً للتَّعَتُّبِ قال: وأنشدنا أبو طالب الضرير أنشدني عبد الله بن القاسم لنفسه: شكوتُ إليها ما بقلبي من الجَوى ... فقالتْ: وهل أبقى الفراق له قلبا فقلتُ: فلو نفَّسْتِ عنّي كربةً ... بقربِكِ قالت: ذاك يُغري بك الكربا فقلتُ: انصفي في الحبِّ قالت: تعجباً ... وهل يطلب الإنصافَ من يدَّعي الحُبّا فقلتُ: عذابي هل له فيكِ آخرٌ ... فقالتْ: إذا ما صار مقترحاً عَذبا فقلت: فهل لي في وصالكِ مَطمعٌ ... فقالت: إذا ما شمسنا طلعَتْ غَربا فقلتُ: فهل من زَورةٍ يجتني بها ... ثمارَ المُنى ظمآنُ قد مُنِعَ الشُّرْبا فقالت: إذا ما غابَ عن كلِّ مَشهدٍ ... وخاضَ حِياضَ الموتِ واستسْهَلَ الصَّعبا وأصبح فينا حائراً ذا ضلالةٍ ... يواصلُنا بُعداً ونجرُه قربا فحينئذٍ إن فاز مِنّا برحمةٍ ... وزارَ على عِلاّتِه زارَنا غِبّا وقال: أنشدنا أبو طالب الضرير الموصلي: أنشدني عبد الله بن القاسم في الشمعة: ناديتُها ودموعها ... تحكي سوابق عَبرتي والنارُ من زَفَرَاتها ... تحكي تلهُّبَ زَفْرَتي ماذا التنحُّبُ والبكا ... ءُ فأعربي عن قصّتي قالت: فُجعتَ بمن هَوِيتُ فمِحْنتي من مِنْحتي بالنار فُرّق بيننا ... وبها أُفرّق جملتي وقال: أنشدنا أبو طالب الضرير: أنشدني عبد الله ابن القاسم لنفسه في الشمعة: إذا صال البلا وسَطا عليها ... تلقَّتْه بذُلٍّ في التَّواني إذا خضعت تُقَطُّ بحُسْن مَسٍّ ... فتحيا في المَقام بلا تَوانِ

стр. 372

كأنّي مثلها في كلِّ حالٍ ... أموت بكم وتُحييني الأماني وقال: أنشدني أبو عبد الله الحسين بن علي السلماني الحاسب الأنصاري: أنشدني عبد الله بن القاسم القاضي: وا حسرتا إذ رحلوا غُدوَةً ... ولا أُرى في جملة الظاعنينْ قد قلتُ لمّا رحلوا عِيسَهم ... يا ليتني كنتُ مع الراحلينْ وا خجلتا إن لم أُطِقْ بَعْدَهمْ ... تَصبُّراً من نظر الشامتين ما حِيلتي إذ حالتي بَعدَهم ... حالُ شِمالٍ فارقتها اليمين وقال: أنشدني أبو عبد الله الحسين بن علي بن سلمان الحاسب: أنشدنا القاضي أبو محمد لنفسه: أسكّانَ نَعمان الأراك تيقَّنوا ... بأنّكمُ في ربع قلبيَ سُكّانُ ودوموا على حِفظِ الوداد فطالما ... بُلِيتُ بأقوامٍ إذا حُفِظوا خانوا سلوا الليل عني مُذْ تباعد شخصُكمْ ... هل اكْتحلت بالنوم لي فيه أجفانُ وهل جردَتْ أسياف برق دياركم ... فكانت لها إلاّ جُفونيَ أجفانُ وقال: أنشدني أبو عبد الله السلماني الحاسب: أنشدني أبو محمد الشهرزوري لنفسه بالموصل: يا نديمي قَرِّبِ القَدَحا ... إنَّ سُكْرَ القوم قد طفحا اسْقِنيها من معادنها ... وَدَعِ العُذّال والنُّصَحا قهوةً حمرا مُشَعْشَعَةً ... رقصت في كَأْسِها فرحا لم تُدَنَّسْ بالمزاج ولو ... بُزِلت في الليل عاد ضُحى والذي كانت تراوده ... نفسُه بالشُّحِّ قد سمحا كان مَستوراً فحين دنا ... كَأْسُها في كفّه افْتضحا وبالإسناد، قال: أنشدنا أبو عبد الله: أنشدني أبو محمد لنفسه: اِشرب فقد رقَّ النَّسيمُ ... وانْعَمْ فقد راق النعيمُ وانْظُرْ فقد غَفَلَ الرَّقيبُ ونام وانتبه النديمُ واسْمح بما في راحَتَيْك وجُدْ فقد سَمح الغريمُ وقال: أنشدنا أبو بكر محمد بن القاسم بن المظفّر الشهرزوري بالموصل: أنشدنا أخي أبو محمد عبد الله لنفسه: ولائمةٍ لي على ما ترى ... بقلبيَ من غمرات الهمومِ رويدك إنّ هموم الفتى ... على قدر همَّته لا تلومي وقال: أنشدني أبو الحسن سعد الله بن محمد بن علي المقري لأبي محمد عبد الله بن القاسم: هَبَّتْ رِياحُ وِصالهم سَحَرَاً ... بحدائقٍ للشَّوق في قلبي واهْتَزّ عُودُ الوصلِ من طربٍ ... وتساقطتْ ثمرٌ من الحبّ ومضتْ خيول الهجر شارِدةً ... مَطرودةً بعساكر القُرب وبدتْ شموس الوصل خارقةً ... بشعاعها لسُرادقِ الحُجْبِ وصفا لنا وقتٌ أضاءَ به ... وجهُ الرِّضا عن ظُلمة العَتْبِ وبقيتُ ما شَيءٌ أُشاهدهُ ... إلاّ ظننتُ بأنّه حِبّي وله: جعلتُ الخدَّ قِرطاسي ... ودمعَ العين أنقاسي وخَطّ الوجدُ بالزَّفرا ... تِ ما تُمليه أنفاسي إلي كم أنا في الحبّ ... أُقاسي قلبك القاسي وكم أَحْمِل ما تَجْني ... على العينينِ والراس وكم أغرِس آمالي ... وما أجني سوى الياسِ ذكر السمعاني أنه سمع أن القاضي أبا محمد توفي بعد سنة عشرين وخمسمائة. أخوه: أبو بكر محمد بن القاسم بن المظفّر بن الشهرزوري المعروف ب قاضي الخافقين شيخ مُسنّ محترم، وكبير محتشم، رحل إلى خراسان في أيام شبيبته، وحصّل العلم بيُمن نقيبته، ثم عاد وولي القضاء بعدة بلدان من بلاد الشام والجزيرة، ونشر بها من آدابه الغزيرة، وكان يروي الحديث النبوي، ويسمع الخبر المروي، وتوفي ببغداد في جمادى الآخرة سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، كذا ذكره السمعاني في تاريخه، وقال: أنشدني لنفسه بجامع الموصل: همّتي دونها السُّهى والزُّبانى ... قد عَلَتْ جُهدها فلا تَتَدَانى فأنا مُتعَبٌ مُعَنَّىً إلى أن ... تَتَفَانى الأيّام أو أتفانى قاضي القضاة بالشام كمال الدين أبو الفضل محمد بن عبد الله

стр. 373

ابن القاسم الشهرزوري، سبق ذكر واله وشعره، وجلَّ أمر هذا وكبر قدره، وأقام في آخر عمره بدمشق قاضياً وواليا ومتحكماً ومتصرفاً، وهو ذو فضائل كثيرة، وفواضل خطيرة، وله نوادر مطبوعة، ومآثر مجموعة، ومفاخر مأثورة، ومقامات مشكورة مشهورةً، وله نظم قليل على سبيل التَّظرُّف والتَّطرُّف، فما أنشدني لنفسه في العلم الشاتاني وقد وصل إلى دمشق في البرد: ولما رأيت البردَ أَلقى جِرانَهُ ... وخيَّم في أرضِ الشَّآم وطنَّبا تبيَّنتُ منه قَفْلَةً عَلَمِيَّةً ... تردُّ شباب الدهر بالبَرْد أشيبا وقوله: وجاءوا عِشاءً يُهرَعون وقد بدا ... بجسميَ من داءِ الصبابة ألوان فقال وكُلٌّ مُعظِمٌ ما رأى: ... أصابتك عينٌ؟ قلت: إنّ وأجفانُ وقوله وأنشدنيه لنفسه بدمشق في ربيع الآخر سنة إحدى وسبعين وخمسمائة: قلتُ له إذا رآه حَيّاً ... ولامه واعتدى جِدالا خَفِيَ نُحولاً عن المنايا ... أَعرض عن حجَّتي وقالا: الطيف كيف اهتدى إليه ... قلتُ: خَيالٌ أَتى خَيالا ولي في كمال الدين قصائد، فإنَّني لمّا وصلت إلى دمشق في سنة اثنتين وستين سعى لي بكلِّ نَجْح وفتح عليَّ باب كلِّ منح، وهو يُنشدني كثيراً من منظوماته ومقطوعاته، فما أَثبتُّه من شعره قوله: قد كنتَ عُدَّتِيَ التي أسطو بها ... يوماً إذا ضاقتْ عليَّ مذاهبي والآن قد لوَّيْتَ عني مُعرضاً ... هذا الصدود نقيض صدّ العاتب وأرى الليالي قد عبثْنَ بصَعدَتي ... فحَنَيْنها وأَلَنَّ منّي جانبي وتركتَ شِلوي لليدين فريسةً ... لا يستطيع يردّ كفّ الكاسب وقوله: ولي كتائب أَنفاسٍ أُجهِّزُها ... إلى جنابكَ إلاّ أنَّها كتبُ ولي أحاديث من نفسي أُسَرُّ بها ... إذا ذكرتك إلاّ أنَّها كِذبُ ولكمال الدين الشهرزوري أيضاً: أَنيخا جِمالي بأبوابها ... وحطّا بها بين خُطَّابها وقُولا لخَمّارها لا تَبِعْ ... سِوايَ فإنِّيَ أَولى بها وساوِمْ وخذْ فوقَ ما تشتهي ... وبادر إليَّ بأكوابها فإنّا أُناس تسومُ المُدا ... مَ بأموالها وبألبابها وقوله: ولو سلَّمَتْ ليلى غَداةَ لَقِيتُها ... بسفح اللِّوى كادت لها النفس تخشع ولكنَّ حزمي ما علمتُ ولُوثةُ ال ... بداوَةِ تأبى أن ألين وتمنع ولست امرءاً يشكو إليك صبابةً ... ولا مقلةً إنسانُها الدَّهرَ يَدمَعُ ولكنني أطوي الضُّلوعَ على الجَوى ... ولو أَنَّها مِمّا بها تتقطَّع وقوله: سَنّنّا الجاشِريَّةَ للبرايا ... وعلَّمناهمُ الرِّطْلَ الكبيرا وأكبَبْنا نَعَبُّ على البواطي ... وعطَّلنا الإدراة والمديرا وقوله: رأى الصَّمصام مُنصلتاً فطاشا ... فلمّا أن فرى وَدجيه عاشا وآنس من جناب الطّور ناراً ... فلابسَها وصار لها فَراشا وأنشدني كمال الدين لنفسه بدمشق في ثالث ربيع الأول سنة إحدى وسبعين: ولقد أَتيتكِ والنُّجوم رواصدٌ ... والفجرُ وهمٌ في ضمير المَشرق وركبت مِ الأَهوالِ كلَّ عظيمةٍ ... شوقاً إليك لعلَّنا أن نلتقي قوله: والفجر وهمٌ في ضمير المَشرق، في غاية الحسن مما سمح به الخاطر اتِّفاقا، وفاق الكمال إشرافاً وإشراقا، وتذكَّر قول أبي يعلى ابن الهبّاريّة الشريف في معنى الصبح وإبطائه: كم ليلةٍ بِتُّ مَطوِيّاً على حُرَقٍ ... أشكو إلى النَّجم حتى كاد يشكوني والصبح قد مطل الشرقُ العيونَ به ... كأَنّه حاجةٌ في كفّ مسكين يقع لي أنه لو قال: كأنّه حاجةٌ تُقضى لمسكينِ، لكان أحسن فإنَّها تمطل بقضائها. وشبَّهه كمال الدين بالوهم في ضمير المشرق وكلاهما أحسن وأجاد. وله يعرِّض بنقيب العلويين:

стр. 374

يا راكباً يطوي الفلا ... بشِمِلَّةٍ حَرْفٍ وَخودِ عرِّجْ بمشهَد كرْبَلا ... وأَنِخْ وعَفِّرْ في الصعيد واقْرَ التَّحيَّةَ وادع يا ... ذا المجد والبيت المشيدِ أولادُك الأنجابُ في ... أرض الجزيرة كالعبيد أوقافهم وَقفٌ على ... دَفٍّ ومِزمارٍ وعُودِ ومُدامةٍ خُضِبَتْ بها ... أيدي السُّقاة إلى الزّنود ودَعِيُّ بيتكَ لا يُفَكِّ ... رُ في الجحيم ولا الخلود يَحتَثُّها وَردِيَّةً ... تُصبي النفوسَ إلى الخُدود هو وابن عَصرونَ الطوي ... ل ويوسف النَّذل اليهودي إن كان هذا ينتمي ... حقَاً إلى البيت المَشيد فإلى يزيد إلى يزيدِ ... إلى يزيد إلى يزيدِ أخوه: شمس الدين القاسم بن عبد الله الشهرزوري تولَّى قضاء الموصل، وكان واعظاً له قَبول، وكان له بأْسٌ على المبتدعة صؤول، توفي بعد سنة ثلاثين وخمسمائة. وتنسب إليه هذه الأبيات في معنى حُسْن الشخص ومعه والده قبيح المنظر: آهِ ما أَقربَه لِلْ ... أُنْسِ لو كان يتيما فإذا ما أَقبلا، عا ... يَنْتَ قُمْرِيّاً وبوما ذا يُسلّي الهَمَّ إنْ غَنَّ ... ى وذا يُدني الهُموما أَقضى القضاة محيي الدين أبو حامد محمد بن محمد بن عبد الله الشهرزوري قاضي حلب، هو ابن كمال الدين المحيي، كريم المحيا، قسيم المُحيّا، عديم المِثل، عظيم المحلّ، زاكي الأَصل، نامي الفضل، إنسان عين الشهرزوريّة، وواسطة قِلادتها، ورابطة سعادتها، ولَيْثُ خِيسِها، وأَسد عِرِّيسها، ومُشتري سعدِها، ومشتري حمدها، وعُطارد عطائها، وقمر سمائها، وشمس أوجها، ونجمُ بُرجِها، طَوْد الحِلم، وخِضَمّ العلم، وقُسّ الفصاحة، وقيس الحَصافة، وبحر السّماحة، وعمرو الحماسة، ما رأيت أكرم طبعاً منه، ولا أعدى نفعا، ولا أجدى جَدا، ولا أندى يدا، ولا أنبل قدراً، ولا أنبه ذِكراً، ولا أَورى زَنْداً في الجود، ولا أروى وِرداً للوفود، علمه حالٍ بالعفاف، وفضله كامل الأوصاف، وذكاؤه ذكاء أفق التوفيق، وسَهم فهمه سَديد المَرْمَى صائب التَّفويق، له النَّظم الرّائق، والنَّثر المُوافق، واللفظ السهل، والمعنى البِكر، هو قِرْني، وفي سِنّي، مولده سنة تسع عشرة وخمسمائة سنة مولدي، ومَورده في طلب العلم موردي، اجتمعنا ببغداد في المدرسة النّظاميّة سنة ست وثلاثين شريكين في الفقه موسومين بالإعزاز، عند شيخنا ابن الرزَّاز، ثم فرَّق بيننا الدهر إلى أن وافقته في الحجِّ سنة ثمان وأربعين، فلقيت منه الأخ المعين، ثم لم ألقه إلاّ سنة اثنتين وستّين، عند حصولي بالشام، لعوادي الأيّام، فانتظمت في سلك خدمة نور الدين إلى آخر أيّامه، وهو مقيمٌ على قضائه وإعلاء أَعلامه، وإحكام أَحكامه، لازِمين داره بحاضر حلب شهراً بعد وفاة نور الدين، سنة سبعين، فراقتني خلائقه، وأطربتني شمائله، وهزَّتني فواضله، وأنشدني له شِعراً كثيراً لم أُثبت منه إلاّ ما أَوردتُه، وهو من قصيدة يتشوَّق فيها إلى دمشق: يا نسيمَ الصَّبا العليل تحمَّل ... حاجةً للمتيَّم المُستهام عُجْ على النَّيربَيْنِ فالسَّهم فالمِزَّ ... ةِ مسترسلاً بغير احتشام ثم عرِّجْ من بيت لِهْيا على مَقْ ... رى فَسَطْرا من قبل سَجْع الحَمام وتعثَّر بكلِّ روضٍ أَنيقٍ ... ضاحكِ الزَّهر من بُكاء الغمام وتحمَّل رَيّا البنفسج والنَّر ... جِسِ والضَّيمَرانِ والنَّمام والخُزامَى والأُقحوان وأَنفا ... سَ الغواني معاً ونَشر المُدام وتتبَّع مساحِبَ المِرْطِ مِنْ لَمْ ... ياءَ واقصد مواقع الأقدام وتأَرَّجْ بالمَندَل الرَّطب من مَسْ ... قَط تلك الأذيال والأَكمام ثمَّ قبِّل ثرى دمشق وبلِّغ ... ساكنيها تحيَّتي وسلامي

стр. 375

وتحدَّث عن لوعتي بلسان الْ ... حالِ إن لم يكن لسان الكلام صِفْ لهم دمعيَ الطليق وقلبي الْ ... مُوثَقِ الأسر من غريم الغرام وبكائي على الليالي التي نِلْ ... تُ الأَماني فيهنَّ والأَيّام حيث شَملي بكم جميعاً ودمعي ... نازحٌ عن وساوس اللُّوَّام وعِناني في قبضة اللَّهو لا يثْ ... نيه لاحٍ عن شوطه وزِمامي ورمتْنا يدُ الزَّمان بقوسِ الْ ... غَدر من جُعبة النّوى بسهام فكأنّا بعد التَّفرُّق كنّا ... من عوادي الأيّام في أحلام وقوله أملاه عليَّ أيضاً: أَيُّها المغرور بالدُّنْ ... يا تَيَقَّن بالزَّوال وتأهب لِمَسيرٍ ... عن ذَراها وانتقال كيف تغترُّ من الآ ... مالِ بالوعد المُحال والذي تثبتُه الآ ... مالُ تمحوه اللَّيالي إنَّما حَظُّكَ إنْ فكَّ ... رتَ منها في المآل مثل حظِّ العاشق المه ... جور من طيف الخيال وله جيميَّةٌ أوَّلها: خليليَّ قد غنّى الحَمامُ وهزَّجا ... وأسملَ جِلبابُ الظَّلام وأَنهجا وله: ولمّا أن بلِيتُ بناس سوءٍ ... سُرورُ نفوسِهم حُزني وهَمِّي فمِن خِلٍَّ يُراوِحُني بخَلٍّ ... ومِن عَمٍّ يغاديني بغَمِّ أَنِسْتُ بوَحدتي ولزمت بيتي ... بقصدي واختياري لا برغمي ولولا العارُ ما عجَّزْتُ نفسي ... ولا قصَّرت عنهم باع عزمي ولكنّي إذا كَرُّوا بجهلٍ ... عليَّ إذن لقيتُهمُ بحِلم وله: لا تحسبوا أني امتنعتُ من البُكا ... عند الوداع تجلُّداً وتصبُّرا لكنَّني زوَّدت عيني نظرةً ... والدَّمع يمنع لحظَها أن ينظُرا إن كان ما فاضتْ فقد أَلْزَمْتُها ... صِلَةَ السُّهاد وسِمتُها هَجر الكرى وله: أَحبابنا سِرتم بروحي وهل ... يبقى بغير الرُّوح جثمانُ أَوحشتُمُ الدُّنيا لعيني فما ... يَحلى بإنسانيَ إنسانُ أحبابنا ما الدّارُ من بعدكمْ ... دارٌ ولا الأوطان أَوطان ليس عجيباً جزَعٌ إنَّما الْ ... عجيبُ أن أبقى وقد بانوا لو فارقوا الجنَّةَ معْ حُسنِها ... ماتَ من الوَحشة رِضوانُ وله يودِّع بعض إخوانه: أَيُّها الرّاحلُ الذي ليس يُرجى ... لِهواه عن رَبعِ قلبي رحيلُ إن تبدَّلت بي سوايَ فإنّي ... ليس لي ما حييتُ عنك بديلُ ليَ أُذن حتى أُناجيك صمّا ... ءُ وطَرفٌ حتّى أراكَ كليلُ وله من قطعةٍ: جاد لي في الرُّقاد وهْناً بوَصلٍ ... أنشطَ القلبَ من عِقال الهُموم وجفاني لمّا انتبهتُ فما أقْ ... رَبَ ما بين شِقوتي ونعيمي نُبَذٌ من شِعرِه في التوحيد والسنة. قال: قامتْ بإثْباتِ الصفات أَدِلَّةٌ ... قصمَتْ ظُهورَ أَئمَّة التَّعطيل وطلائعُ التَّنزيه لمّا أقبلَتْ ... هزمَتْ ذوي التشبيه والتمثيل فالحقُّ ما صِرنا إليه جميعُنا ... بأدلَّة الأخبار والتَّنزيل من لم يكن بالشَّرع مُقتدياً فقد ... ألقاهُ فَرطُ الجهل في التضليلِ وقال في مدح الصحابة: لائمي في هوى الصّحا ... بة إِرجِع إلى سَقَرْ لا بلغتَ المُنى ولا ... نِلْتَ من رِفضِكَ الوَطَرْ كيف تنهى عن حبِّ قو ... مٍ همُ السمع والبصر وهم سادةُ الوَرى ... وهم صفوة البشر فأبو بكرٍ المُقَدَّ ... مُ من بعده عمر ثمّ عثمان بعده ... وعليٌّ على الأثَرْ أَيُّها الرَّافِضِيُّ حسْ ... بُكَ فالحقُّ قد ظهر وقال فيهم:

стр. 376

شُموسٌ إذا جلسوا في الدُّسوتِ ... بدورٌ إذا أظلمَ القسطلُ غُيوثٌ إذا ضَنَّ قطر السماء ... ليوثٌ إذا زحفَ الجَحفلُ فكلُّهُمُ سادةٌ للأنامِ ... ولكن أبو بكرٍ الأفضل وكلّهم صحبوا المصطفى ... ولكن أبو بكرٍ الأَوَّلُ وله في التنزيه: أَقسمتُ بالمبعوث من هاشمٍ ... والشافع المقبول يوم الجِدالْ ما ربُّنا جِسمٌ ولا صورةٌ ... موصوفةٌ بالميل والإعتدال وهْو على العرش اسْتوى لا كما ... تستوطن الأجسامُ فوق الرّحال نزوله حَقٌّ ولكنَّه ... مقدَّسٌ عن رحلةٍ وانتقال وما له قَطُّ انفصال عن الْ ... شيءِ ولا بالشيء منه اتِّصال هذا هو الحقُّ وما قاله الْ ... مُشْبِهِيُّ الغِرُّ عين المُحال ومن يقلْ: لله في خلقه ... مثلُ فقد جاوزَ حدَّ الضَّلال وقال في المعنى: عَزَّتْ مَحاسنه فجَلَّ بها ... في الوصف عن شِبهٍ وعن مِثلِ نطقَ الجمالُ بعذر طالبه ... فانكفَّ عاذلُه عن العذل مَن ظنَّ أنَّ اللهَ يجمعُه ... قُتْرٌ أَحال أَدِلَّةَ العقلِ أو قال إنَّ الله يشبههُ ... شيءٌ فذلك غاية الجهل هذا الصراط المستقيم فمن ... يَسلكْ سِواه يَضِلُّ في السُّبْلِ وتوفي كمال الدين الشهرزوري يوم الخميس سادس المحرَّم سنة اثنتين وسبعين بدمشق عن ثمانين سنة، وولده محيي الدين أبو حامد بحلب قاضيها فعمل في والده مرثية: أَلِمُّوا بسَفحَيْ قاسيون فسلِّموا ... على جدثٍ بادي السَّنا وترحَّموا وأدُّوا إليه عن كئيبٍ تحيّةً ... يكلِّفكمْ إهداءَها القلب لا الفمُ وبالرَّغم منّي أن أُناجيه بالمُنى ... وأسأل مع بعد المدى من يسلِّمُ ولو أنَّني أَسطيع وافيتُ ماشياً ... على الرّأسِ أَسْتاف التُّراب وأَلْثِمُ لحا الله دهراً لا تزال صروفه ... على الصِّيد من أبنائه تتغَشْرَمُ إذا ما رأَينا منه يوماً بشاشةً ... أتانا قُطوبٌ بعدها وتجهُّمُ وهل يطلب الإنصاف في النّاس حازمٌ ... من الدهر وهو الظالمُ المُتحكِّمُ ومَن عرفَ الدُّنيا ولؤمَ طِباعِها ... وأصبح مُغترّاً بها فهو ألأمُ تُرَدِّيكَ وَشياً مُعلَماً وهو صارمٌ ... وتُوطيكَ كفّاً رَخصةً وهي لَهذَمُ وتُصفيك ودّاً ظاهراً وهي فاركٌ ... وتُسقيك شَهداً رائقاً وهو علقَمُ فأين ملوكَ الأرضِ كسرى وقيصرٌ ... وأين قضى من قبلُ عادٌ وجُرهُمُ كأَنَّهم لم يسكنوا الأَرضَ مرَّةً ... ولم يأمروا فيها ولم يتحكَّموا سلبتَ أباً يا دهر منّي مُمدَّحاً ... وإنِّيَ إنْ لم أَبكِه لَمُذَمَّمُ وقد كان من أقصى أمانيَّ أنّني ... أُجَرَّعُ كاساتِ الحِمام ويسلَمُ سأُنسي الورى الخنساءَ حُزناً وحسرةً ... ويخجل مني في البكاء مُتمِّمُ لقد رجع الشُّمّات عنّي وكلُّهمْ ... بنار أسىً بين الحَشا تتضرَّمُ وحَسبُكَ من رزءٍ يحِلُّ حُلوله ... بمَنْ كان يهوى أن يراه ويَعظُمُ فيا ساكناً قلبي ودون لقائه ... مسافةُ بعدٍ حدُّها ليس يُعلَمُ وقفت عليكَ الحمدَ بعدَك والثَّنا ... يُنثَّرُ ما بين الورى ويُنظَّمُ لقد عدمت منك البريَّة والداً ... أَحَنَّ من الأُمِّ الرَّؤوم وأرحمُ وكلُّهُمُ مثلي عليك محرَّقٌ ... وباكٍ ومسلوب العزاء ومُغرَمُ ولا سيَّما إخوانُ صِدقٍ بجلَّقٍ ... همُ في سماء المجد والجود أنجمُ

стр. 377

وليس عجيباً شُكرُهُمْ لك بعد ما ... فَضِلَتْ عليهم بالنَّدى وهمُ هُمُ وما زلتَ فيهم مُذْ وَلِيتَ عليهمُ ... تُفِذُّ أياديكَ الجِسام وتُتْئمُ وكم ليلةٍ فيها سهرتَ لحفظِهمْ ... وهم عنكَ في خَفضٍ من العيش نوَّمُ نشرتَ لواءَ العدل فوق رؤوسهم ... فما كان منهم مَن يُضامُ ويُظلَمُ لقد عظُمَتْ بالرّغم فيك مصيبتي ... وإنَّ صوابي لو صبرتُ لأعظمُ وكيفَ أُرَجّي الصَّبرَ والقلبُ تابع ... لأمر الأسى فيما يقول ويحكم وما الصبرُ إلاّ طاعةٌ غير أَنَّه ... على مثل رزئي فيك وِزرٌ ومّأْثَمُ وإنّي أرى رأْيَ ابنَ حمدان في البكا ... أَصاب سواءَ الحقِّ واللهُ أعلمُ أرَدِّدُ في قلبي مع النّاس نظمَه ... وفي خَلوتي جهراً به أترنَّمُ: " سأَبكيكَ ما أَبقى ليَ الدَّهرُ مُقلةً ... فإنْ عَزَّني دمعٌ فما عزَّني دَمُ وحُكمي بكاءُ الدهر فيما ينوبُني ... وحكمُ لبيدٍ فيه حَوْلٌ مُجرَّمُ " سقاكَ مُلِثٌّ لا يزال أَتِيُّهُ ... كجودكَ يُغني كلَّ فجٍّ ويُفعِمُ وجادَكَ من نَوء السِّماكَيْن عارِضٌ ... يُرَوِّضُ أَنماطَ الثَّرى ولي عن سؤال السُّحْبِ تَسقيكَ غُنيَةٌ ... بدمعيَ لولا أَنَّ أكثرَه دَمُ لقِيتَ من الرَّحمن عَفواً ورحمةً ... كما كنت تعفو ما حييتَ وترحم عليكم سلامٌ أهل جلّق واصلٌ ... إليكم يُواليه وِدادٌ مخيِّمُ سلامٌ كنشر الرَّوض تحمله الصَّبا ... سُحَيراً، وثغر الصبح قد كاد يبسمُ سأشكركُمْ جهدي على القرب والنّوى ... وأُثني عليكم إن حضرتُمْ وغِبتُمُ وأُوصيكمُ بالجار خيراً فإنَّه ... يَعِزُّ على أهل الوفاء ويكْرُمُ تاج الدين يحيى بن عبد الله بن القاسم الشهرزوري أخو كمال الدين، كان ذا فضلٍ متَفَنِّنٍ، وعلمٍ متمكِّنٍ، وحكمةٍ مُحكمة، وفقْرَةٍ مُغتَنَمة، ونُكتَةٍ بديعةٍ، وكلمةٍ صنيعةٍ، له المقطوعاتُ، المصنوعات المطبوعات، توفي سنة ستٍّ وستّين، ذكره لي علم الدين الشاتاني، قال: فُصِدْتُ يوماً فغلِط الفصّاد وأنفذ في عِرقي مِبضعَه، وقطعه، فكتبت إليه قصيدةً طويلة منها: اسْمَعْ مَقالةَ شاكٍ ... مِن زَحمة العُوَّادِ جارَ الطَّبيبُ عليه ... لا زال حِلف السُّهاد بطعنةٍ قد تعدَّتْ ... إلى صميم الفؤاد حَشْوُ المَضاجِعِ منها ... باللَّيْلِ شوكُ القَتادِ قال: فأجابني تاج الدين الشهرزوري بقصيدة طويلة منها: حُوشِيتَ يا علَمَ الدِّي ... نِ يا فتى الأمجادِ ممّا يسوءُ مَوالي ... كَ أو يسُرُّ الأعادي ولِلْعِدى ما جنتْهُ ... شَلَّتْ يَدُ الفَصّادِ حوَيْتَ وحدَكَ فينا ... فضائلَ الآحاد تضاعفَتْ فيك حتى ... جلَّتْ عن التَّعداد فأَلْفَ أَحنفِ قيسٍ ... تُرى وقُسِّ إياد وأَلف حاتمِ طيٍّ ... والجودُ للقُصّاد يا مَن أقامَ نِداهُ ... في كلِّ نادٍ يُنادي إلى جزيل العطايا ... منه وغُرِّ الأيادي يا مُشبِه ابن هلالٍ ... في خطِّه والسَّداد يا مُوردَ البيض حُمْراً ... في كلِّ يومِ طِرادِ أَلِيَّةً بالحوامي ... م بعدَ طه وصادِ وبالنَّبيِّ الذي جا ... ءَنا بسُبْلِ الرَّشادِ لأَنْتَ من خالص القلْ ... بِ في صميم الفؤاد وأنتَ أشهى إلى العَيْ ... نِ من لذيذ الرُّقادِ وأنشدني ضياء الدين ولده أَبياتاً له على وزن بيت مهيار:

стр. 378

وعَطِّلْ كُؤوسَك إلاّ الكبير ... تجِدْ للصغير أُناساً صِغارا فقال: وسَقِّ النديمَ عَقيقِيَّةً ... تضيءُ فتحسب في الكأس نارا تدور المَسرَّةُ معْ كاسِها ... وتتبعُه حيث ما الكاس دارا ولا عيبَ فيها سِوى أَنَّها ... متى عَرَّسَتْ بحمى الهمِّ سارا ستَلقى ليالي الهمومِ الطوالَ ... فبادر ليالي السرور القصارا ولده ضياء الدين أَبو الفضائل القاسم بن يحيى بن عبد الله الشهرزوري مُخمَّر الطِّينة بالكرَم المَحض، مجبول الفطرة بالشَّرف الغَضّ، مقبول الخَلْق، مَعسول الخُلُق، أبو الفضائل وابن بَجدتها، وغيث الفواضل ولَيْث نجدتها، متودِّد بظرافته، متوحِّد في حصافته، شيمته عالية، وقيمته غالية، ودِيمته هامِية، وعزيمته ماضية، كثير الأنس، كبير النفس، يُبدي النَّفاسة، ويهوى الرِّئاسَة، لا يحبّ الدّينار إلاّ مَبذولاً لعافيَة، ولا يريد الثراء إلاّ لإغناء راجيه، قصد الملك الناصر صلاح الدين بمصر فنجح قصدُه، وتوفّر وُجدُه، ووصل إلى الشام معه، فأكبرَ محلَّه ورفعه، فمِمّا أَنشدنيه من شعره في ذي الحجّة سنة سبعين بدمشق: في كلِّ يومٍ تُرى للبَيْنِ آثارُ ... وما له في التئام الشَّملِ إيثارُ يسطو علينا بتفريقٍ فواعجبا ... هل كان للبَينِ فيما بيننا ثارُ يَهُزُّني أَبداً من بعدِ بُعدِهمُ ... إلى لقائهمُ وَجْدٌ وتذكارُ ما ضرَّهم في الهوى لو واصلوا دَنِفاً ... وما عليهم من الأوزار لو زاروا يا نازلينَ حِمى قلبي وإن بَعُدوا ... ومُنصفينَ وإن صَدّوا وإن جاروا ما في فؤادي سواكم فاعطِفوا وصِلوا ... وما لكم فيه إلاّ حبّكم جارُ الشيخ أبو علي الحسن بن عمّار الموصلي الواعظ له: أَتُراهُمْ عَلِموا ... ما بقلبي منهُمُ ما هُمُ سكّانُهُ ... كيف يخفى عنهُمُ بالتَّنائي والقِلى ... قتلوني، سَلِموا إنَّ عيشي بعدهمْ ... لَمَريرٌ علقَمُ ما لِعُذَّالي ولي ... شَفَّني عَذْلُهمُ أسرفوا في عذَلي ... قُلِّدوا بغيَهُمُ كان دمعي خالصاً ... مثلَ ودّي لهُمُ قَرحَ الجَفْنُ فقد ... مازجَ الدَّمعَ دَمُ التَّوى بعدَ النَّوى ... فُرصةٌ تُغتَنَمُ وإذا المُضْنى قضى ... زال عنه الألمُ الفقيه الظَّهير خطيب السَّلاّمِية من أهل المَوصل شابٌّ فاضل، له فضائل، سمعت بعض أصدقائي بالموصل أنه لما سمع قصيدتي التي أوَّلها: سل سيفَ ناظرِه لماذا سلَّهُ ... وعلى دمي لِمَ دلَّه قَدٌُّ لهُ نظم قصيدة على وزنها ورويّها منها: سَلِّمْ على الرَّشأِ الذي سالمتُهُ ... فأَباحَ قتلي مُخفِراً وأَحلَّه ونفى الكَرى عن ناظري وهو الذي ... آواهُ بين جوانحي وأَحلَّه قاسي الفؤاد يمَلُّني تيهاً فما ... أقسى عليَّ فؤادَهُ وأَملَّهُ وأَحَمَّ بالعَقِداتِ مِنْ رملِ الحِمى ... واصلْتُ سُقمي مُذْ حماني وصلَهُ مُتملمِلاً يقضي الزّمان تعلُّلاً ... بعسى وسوف ولَيته ولَعلَّه ما ضرَّه لو علَّ صَباً مُشفِياً ... من ريقه فشفاهُ وهو أعلَّهُ وله: أقول له صِلْني فيصرفُ وجهَهُ ... كأَنِّيَ أَدعوه لفِعْلٍ مُحرَّم فإنْ كان خوفَ الإثم يكره وُصلَتي ... فمن أعظَم الآثام قَتلةُ مُسلِمِ أبو محمد الأعلَم ذكره لي الأمير مؤيد الدولة أسامة بن منقذ، قال: لمّا كنت بالموصل كان صديقي، وأنشدني يوماً لنفسه في محبوبٍ ماطلَه الدَّهرُ بوصاله، فلما سمح به أخذ في ارتحاله: وما زالت الأيّامُ تُوعِدني المُنى ... بوَصلِك حتى أَظْمأَتْني وُعودُها

стр. 379

فلمّا تلاقَينا افترقْنا فلَيتنا ... بَقِينا على الحال التي لا نريدُها المَنازي من مناز كرد كان من وزراء المَروانيّة بديار بَكرن من العصر الأبعد، قال علم الدين الشاتاني: قرأ والدي عليه ومات سنة سبع وثمانين، وكان عظيم الشأن وأنشدني له: وقانا لفحةَ الرَّمضاءِ وادٍ ... وَقاهُ مُضاعَفُ النَّبْتِ العَميمِ نزلنا دوحَه فحَنا علينا ... حُنُوَّ المرْضِعاتِ على الفَطيمِ وأَرْشَفَنا على ظمإٍ زُلالاً ... أَلَذَّ من المُدامَة للنَّديم يصدُّ الشمسَ أنّى عارَضَتْنا ... فيحجُبُها ويأْذَنُ للنّسيم يَروعُ حَصاهُ حالِيَةَ العَذارى ... فتلمُسُ جانِبَ العِقد النَّظيمِ الرئيس أبو الحسن عيسى بن الفضل النّصرانيّ المعروف بابن أبي سالم، كان شيخاً بهيّاً كبيراً، ولما قصدت والدي بالموصل في سنة اثنتين وأربعين كان يزورنا ويعرض علينا مكاتبات العم الصَّدر الشَّهيد عزيز الدين إليه، ولم أُثبت له شيئاً، فسألت الآن الشاتاني عنه فقال: هذا من بيت كبير، أبوه كان وزير بني مروان بميّافارقين، وأمُّه يقال لها الستّ الرحيمة، قال لها نظام الملك: أنت الستّ الرَّحيمة، قالت: بل الأمَة المرحومة. وكان مشهوراً بين أرباب الدّولة، موفور الحُرمَة، وله أشعارٌ غَثَّةٌ وثمينة، واهية ومتينة، وقد وازَنَ الأمير تميمَ بن المُعِزّ المِصري في قوله: أَسربُ مَهاً عنَّ أمْ سِربُ جِنَّهْ ... حكيتُنَّهُنَّ ولستُنَّ هُنَّهْ بقصيدة أوّلها: لقد عذُبَ الماءُ من ريقهِنَّهْ ... وطاب الهواءُ بأنفاسِهِنَّهْ وله إلى بهاء الدولة صاحبِ شاتان وقد سافر إلى حصن زياد: تكون بميّافارقين ووَحشتي ... تزيد لِنأْيِي عنكمُ وبِعادي فكيف احتيالي والمهامِهُ بيننا ... تحولُ وأطوادٌ لحِصن زِيادِ الفقيه الإمام شرف الدين أبو سعد عبد الله بن محمد بن أبي عصرون ومن نعوته حجّة الإسلام، مفتي العراق والشام، وهو شيخ العلم العلاّمة، وبفتياه توطَّدت للشرع الدَّعامة، وله الفخار والفخامة، وليس في عصرنا مَن أتقن مذهب الشافعيّ ﵁ مثلُه، وقد أشرق في الآفاق فضله، وصنَّف في المذهب تصانيف مفيدة، قواعدها في العلم مَهيدة، مَولدُه بالمَوصل، المُحرَّم سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، وتولّى قاضي القضاة بدمشق وجميع الممالك الملكية النّاصريّة بالشام سنة اثنتين وسبعين بعد وفاة كمال الدين الشهرزوري، وله ثمانون سنة. وكم مهَّد للشريعة سنّة حسنة، لقيتُه بالمَوصل سنة اثنتين وأربعين وهو مدرِّس المدرسة الأتابكيّة، وبالشام سنة اثنتين وستين بحلب وهو مدرِّس المدرسة النُّوريّة، وكان نور الدين ﵀ وجئت في صحبته إلى حلب في سنة ثلاث وستين في زمان الشتاء الكالح، والبرد الفادح، والقَرّ النّافح، كتبت إلى الشيخ ابن أبي عصرون أبياتاً منها: أيا شرف الدّين إنَّ الشتاء ... بكافاته كفّ آفاته فكتب إليَّ في الجواب والده متّع ببقائه عبد الله: لا زال عماد الدين لكلِّ صالحةٍ عِمادا، وتأمَّلْتُ رقعته الكريمة، بل الدُّرَّة اليتيمة، فملأَتِ العينَ قُرَّةً، والقلبَ مسرَّةً، وسكَّنَتْ نافِرَ شوقي إلى لقائه، واستيحاشي لتأَخّره، وفهمت ما نظمه، وأعربتُ ما أَعجَمَه: إذا جا الشتاءُ وأمطارُهُ ... عن الخير حابسةٌ مانعَهْ وكافاته الستّ أَعطيتَها ... وحاشاكَ من كافه الرَّابِعَهْ وكفّ المهابة والإحتشام ... لِكفيَّ عن بِرِّه مانِعَهْ وهِمَّة كلِّ كريم النِّجارِ ... بمَيسورِ أحبابه قانِعَهْ ونفسيَ في بسط عذري لديه ... جعلتُ الفداءَ لهُ، طامِعَهْ وشوقي إلى قربه زائدٌ ... ومعذرتي إن جفا واسِعَهْ ولرأْيِه في تأَمُّلِها الرِّفعة إن شاء الله.

стр. 380

وحضرت عنده بعد ذلك وقرأْتُ من مصنّفاته المذهبيّة عليه، واستفدتُ منه، وأخذت عنه، وما اتَّفق لي استِملاءُ شيءٍ من نظمه، لصَرف هِمَّتي إلى استفادة ما سوى ذلك من علمه، فإنَّ زمانه أعزّ، وإحسانه لعِطف الطالب أهزّ، فاستغنيتُ عن التماس شِعره بما أنشدنيه الفقيه الشّهاب محمد بن يوسف الغزنويّ ممّا استملاه منه، فمن جملة ذلك أنه كتب إليه في الفتاوى: أيا تاجَ الأئمَّة والمُرَجّى ... لكشف المشكلات من الأُمور إذا ما الدارُ سهمٌ ضاق فيها ... معَ الإفراز من نفعٍ يسير وباقيها فسهم ليس يخلو ... مع الإفراز من نفعٍ كبيرِ فإنْ نبِعِ الكثير فهل مكانٌ ... لشُفْعَة ذلك الجزء الحقير وهل تجري ولا إجبار فيها ... مع الحمّام والبير الصغيرِ فأجاب ارتجالاً: وثقتُ بخالقي في كل أمري ... ومالي غير ربّي من ظهير أرى الشِّقص الذي لا نفعَ فيه ... كبيرٍ أو كَحمّامٍ صغير وفي الكلِّ الخِلافُ وإنّ رَأْيِي ... لَيَثْبِتُ شُفعةَ السَّهم الحقير وتُرْهِقُه المَضَرَّةُ حين باعوا ... فما غير التَّشَفُّعِ من مُجير وسُئل أيضاً: إذا ما البيعُ كان بغير عَقْدٍ ... وقد سَكَنَ التّراضي في القلوبِ فهل من مَأْتَمٍ يُخشى إذا ما ... أعاد الخلقَ علاّمُ الغيوبِ أَجب عمّا سُئِلتَ أُتيتَ أجراً ... من الرحمنِ كشّافِ الكروبِ فأجاب عنه ارتجالاً: إذا وُجِدَ التّراضي في القلوبِ ... ولا لفظٌ لداعٍ أو مُجيبِ فلا بَيْعٌ ولا يُخشى قَصاصٌ ... عليهِ عند عَلاّم الغُيوبِ فخُذْ هذا الجوابَ عن ارتجالٍ ... تنالُ به مُرادك عن قريبِ ثوابَ الله أرجو في جوابي ... وحسبي بالمُهَيْمِنِ من مُثيبِ لعبد الله ناظِمها ذنوبٌ ... وعفوُ اللهِ مَحّاء الذنوبِ ومن ذلك قوله: كلُّ جمعٍ إلى الشَّتاتِ يصيرُ ... أيُّ صَفوٍ ما شابَهُ تكديرُ أنت في اللَّهوِ والأماني مُقيم ... والمنايا في كلِّ وقتٍ تسيرُ والذي غَرَّهُ بلوغ الأماني ... بسَرابٍ وخُلَّبٍ مَغرورُ ويكِ يا نفسُ أخلصي إنَّ ربي ... بالذي أخفتِ الصدورُ بصيرُ وقوله: أُؤَمِّلُ وَصْلاً من حبيبٍ وإنني ... على كَمَدٍ عمّا قليلٍ أُفارقهْ تَجارى بنا خيلُ الحِمام كأنّما ... يُسابقُني نحو الرَّدى وأُسابقهْ فيا ليتنا مُتْنا معاً ثم لم يَذُقْ ... مَرارةَ فَقدي لا ولا أنا ذائقهْ وقوله: يا سائلي كيف حالي بعد فُرقتِه ... حاشاكَ ممّا بقلبي من تنائيكا قد أقسمَ الدَّمْعُ لا يجفو الجفون أسىً ... والنوم لا زارها حتى أُلاقيكا وقوله: أَمُسْتخبري عن حنيني إليهِ ... وعن زفراتي وفَرطِ اشتياقي لكَ الخيرُ إنّ بقلبي إليك ... ظَماً لا يُرَوّيه غيرُ التلاقي وقوله: وما الدهرُ إلاّ ما مضى وهو فائتٌ ... وما سوف يَأْتِي وهو غير مُحَصَّلِ وعيشُكَ فيما أنتَ فيهِ وإنّه ... زمانُ الفتى من مُجْمَلٍ ومُفَصَّلِ وقوله: أُؤَمِّلُ أنْ أحيا وفي كل ساعةٍ ... تمرُّ بيَ الموتى تَهُزُّ نُعوشُها وهل أنا إلاّ مثلُهم غير أنّ لي ... بقايا ليالٍ في الزمان أعيشُها وقوله: كنتَ إذ كنتَ عَديما ... لِيَ خِلاًّ ونَديما ثم أثريتَ وأعرضْ ... تَ ولم تَرْعَ قديما ردّك الله إلى ودّيَ مَدْيُوناً غريما الحسن بن شقاقا المَوصلي قال العلم الشاتاني: كان شاعراً مجيداً بالموصل، وأشعاره سائرة، وأزهاره زاهرة، توفي سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، وله في نصير الدين أمير الموصل يُعرِّض برجل تولى اسمه عمر بن شكلة، بعد رجل قزويني ظالم:

стр. 381

يا نصيرَ الدين يا جَقَرُ ... ألف قزويني ولا عُمَرُ لو رماه الله في سَقرٍ ... لاشتكت من حَرِّه سَقرُ المكين بن الأقفاصي الأعمى الموصلي ذكره العلم الشاتاني وأثنى على شعره، وشوّق إلى نظمه ونثره، وقال توفي سنة ثلاث وأربعين، ونسب إليه هذين البيتين الرباعية: يا صاحِ أما ترى المَطايا تُحْدى ... والبيْن يُصَيِّرُ التَّداني بُعدا مَن يُسعدني إذا تولَّت سُعْدى ... هَيْهَاتَ نَأَتْ وخلَّفَتْني فردا وأنشدني له: دَعا خليليَّ نَواهي المَلامْ ... فاللَّومُ يُغْري العاشقَ المُسْتَهامْ وخَلِّياني والسُّرى والفَلا ... والخيلَ والليلَ وحدَّ الحسامْ واقْتحِما بي كلَّ مَجهولةٍ ... قَفْرٍ كأنّ الآلَ فيها غَمامْ يستوحِشُ الوَحشُ بأرجائها ... ويَعزِفُ الجِنُّ بها والنَّعامْ ومنها في المدح: أَسْفَرَ وَجْهُ الحمدِ عن وجهه ... وكان قِدْماً ما يَحُطُّ اللِّثامْ وأنشدني له مرثيّةً في صدقة سيف الدولة لمّا قُتِلَ: ديارٌ بأرض الجامِعَيْن وبابلِ ... غَدَتْ من بني عَوفٍ عَوافي المنازلِ ومنها: وإذْ زَبْعُها بالقِيلِ من آلِ مَزْيَدٍ ... حليفُ الندى في كلّ غبراءَ ماحِلِ فتىً كان وجهُ الدهر قبلَ اخْترامِهِ ... وَسيماً فأضحى وهو جَهْمُ المَخايلِ فتىً تَضْحَكُ الأنباء عن ثغرِ مجده ... إذا ما بكتْ حُزناً عيونُ القبائلِ تعَثَّرُ أرواحُ الرِّياحِ بشِلْوه ... فتعبَق من ألطاف تِلك الشمائلِ علم الدين الشاتاني

стр. 382

أبو علي الحسن بن سعيد بن عبد الله، وشاتان من نواحي ديار بكر، مقامه بالمَوصل ومَقرُّ أهله، ومطار فضله، ووَكر فِراخه، ووِرد نُقاخه، ومُناخ أشياخه، ومَرمى مرامه، ومَرعى سَوامِه، ومَرادُ مُراده، ومَربِضُ جَواده، ومَراح مِراحه، ومَعدى فَلاحه، ومَربع اغتباقه واصطِباحه، ومرتع اغتباطه واصطلاحه، ومَبيتُ عمله، ومَنبت أمله، ومَغنى غِناه، ومَبنى مُناه، وأرض رِضاه، ورَوضُ هَواه، ووطَنُ وَطَرِه، وحَظيرة حَضره، وبُقعة شاته، ورُقعة شاهه، وتَلْعَةُ نَجاته، وقلعةُ جاهه، وهو في مارستانها مُتَوَلٍّ، وعلى حفظ الأوقاف مُستَولٍ، وله شِقْشِقةٌ في الأدب تهدر فصاحة، وحَملَقةٌ في النَّظر للعجب يسمِّيها حُسَّاده حَماقة، قد وفَّر الله حظَّه من النُّطق فما يرى السُّكوت، ويستلذُّ بالاستكثار من الكلام ومواصلته ولو هجَرَ القوت، إذا حضر نادياً لمْ يرضَ إلاّ بأن يتفرَّد بالقول وغيره مستمع، ويترفَّع بالفضل والكلُّ مُتَّضِع، لا جرَمَ ترشقُه سِهامُ الإيذاء، وتطرقه قوارص الظرفاء، لقد كان في أمان من الطَّيش، وضمانٍ من طيب العيش، وفراغٍ ورَفاغة، وبُلغَةٍ من بَلاغة، ورفاهيةٍ بغير كراهية، ونِعمةٍ لِقَدْرِ فضله مُضاهِيَة، وبضائع نافقة، وذرائع مُوافقة، ونقودٍ رائجة، وعُقودٍ مُتناسقة، ذلك والصَّدر الوزير جمال الدين بالموصل في صدر وِزارته مَشرق الجمال، متألِّق الإقبال، فائض السِّجال، مستفيض النَّوال، غامر أُولي الفضل بالإفضال، وهم في ظلِّه يَقيلون، وإلى نَيله يَميلون، وبطَوله يَطولون، وبصَوله يَصولون، وإلى فيضه يوفِضون، وفي روضِه يرتاضون، ولِنَداه يُنادون، ولِجَداه يَجتدون، وبنجمه يهتدون، ولهديه يستهدون، وعلَم العِلم في العلم عنده عال، وسِعْر الشِّعر في سوق الرجاء رائجٌ غال، فلما نُكِبَ الوزير، نضَبَ الغدير، وفاض الجهل، وباضَ الجَور، وغاض الماءُ وقُضِيَ الأمر، وانهدَّ جُودِيُّ الجُود، وذَوى عودُ الوعود، وابتُلِيَت بالحزن النُّهى، وبالخَزْن اللُّهى، وصِينَ العَرَض، وبُذِل العِرْض، وقصُر الطُّولُ وضاق العَرْض، وحال الجَريض دون القريض، وأغنى التَّصريح برَدِّ ذوي الحاجات عن التَّعريض، وانقطع الواصلون إلى الموصل، وتفرَّق الفاضلون عن المَحفِل، وغلب اليأسُ على الرَّجاء، والبخلُ على السَّخاء، وأظلم الجَوّ، وعُدِمَ الضَّوْ، وشتا الشّاتاني بعد وصاف، ففقد الإنصاف، وحُرِمَ الإسعاف، ووقف أمره في الوقف، وعُوِّضَ رِفقُه بالعنف، ونُفِيَ حقُّه ونُسِي، وأُرجِيَ رجاؤه وأُنسي، ورأى المَوصل مَقطعاً، والمَفزَع مُفزِعاً، والمَولى مُوَلِّياً، والسابق مُصلِّياً، والمعرفة نكرة، والمِعْزَفة منكسرة، والمَرَقَة مُراقَة،، والورقة منخرقة، ورِفقة الأدب عن المأدُبة متفرِّقة، فطلب إسفار صبح حاله، وسُفور وَجه جماله، في أسفاره وحلِّه وترحاله، فلمّا سار آنس من نور الدين ناراً بل نورا، وكان أمر الله قدَراً مقدورا، فاتَّخذ دمشق دار هجرته، وغار أسرته، ومبرَكَ مَبَرَّته، ومسرحَ مسرَّته، ومَجثَمَ رُبوضه، وموسم سُننه وفروضه، ومَرْجَ مرحه،، وبرج فرحه، وبيت قصده وبيت قصيدته، فأشرق عند النّور نورُه، وانتظمت بأمره أُموره، ودَرَّت أَنواءُ إدراره، وذَرَّت أَنوار إبراره، فلمّا خبا ذلك النّور، وطُوي المَنشور، وأُطبِقَ الدّستور، وتولّى أبو صالح، مُلكَ الملِك الصالح، بدأَ بتبطيل المصالح، وتعطيل المنايح، ومنع الصِّلات، ورفع الصَّدقات، وقال للشاتاني: غِبْ وخِبْ، وإذا دُعِيتَ فلا تُجِبْ، فما لأريبٍ عندنا أرب، وما لأديب لدينا إلاّ الدَّأَبْ، والفضل فضول، والعلم غُلول، وما علِم العلَم حينئذ كيف العمَل، وفيم الأمل، أيحتمل أم يتحمَّل، أَيُغَرِّبْ أَم يُشَرِّق، أيُنجِدْ أم يُعرِق، حتى تداركَ الله ذَماء الفضل ورَعى ذِمامَ أهله، بإنارة صبح الحقّ واتّضاح سبله، وإعلاء أعلام النَّدى، وإحكام أَحكام الهُدى، ووصول الرَّايات الملكيَّة النّاصريَّة إلى الشام، وقيامه بنصر الإسلام، انتعشَ جَدُّ الكِرام العاثر، وحَيِيَ رَسم الجود الدّاثر، وفرَّ ذلك الشيطان من ظلِّ عمر، وغُمِرَ ذلك الغَمْر بما أفاضَ من البرّ وغَمَر، وصار الشام بيوسف مِصر مِصراً آخر بإحسانه، وفرّ عَون فِرعون وهامانه، وبسطَ المَكرُمات، وأَدرَّ المبرّات، وردَّ الصِّلات، والصَّدقات، وعادت

стр. 383

حال هذا الفاضل حالية، وقيمته غالية، وديمَةُ حظِّه هامية، وحِظوَةُ فضيلته نامية، ومدحه بقصيدةٍ أوّلها: حال هذا الفاضل حالية، وقيمته غالية، وديمَةُ حظِّه هامية، وحِظوَةُ فضيلته نامية، ومدحه بقصيدةٍ أوّلها: أرى النَّصرَ مَعقوداً برايتكَ الصَّفرا ... فَسِرْ وافتح الدُّنيا فأنت بها أَحرى ومنها: يَمينُكَ فيها اليُمْنُ واليُسْرُ في اليُسرى ... فبُشرى لمن يرجو النَّدى منهما بُشرى وهذا علم الدين ذو العلم الغزير، والفضل الكثير، وله المحفوظ الوافر من كلِّ فنّ، وهو المحظوظ بكلِّ قَبولٍ ومَنّ، وقد وفدّ في ريعان عمره إلى عمّي العزيز ببغداذ، واتَّخذه المَعاذ، ومدحه، فأجازَه ومنحه، وسلَّمه إلى ابن سلمان فقرأ عليه الفقه، وبلغ من معرفته الكُنه، واكتسب خلُقُه الظَّرف، واكتسى شِعره الرِّقَّة واللطف، حاوي المحاسن، صافي البطن، سليم القلب، قويم اللَّب، حلو الفكاهة، بديع الفِقرة، سريع النَّفرة، عَجِل الأوبة، طويل الفكرة، قليلُ العَثرة، مستجيب العَبرة، مستريب بالكرَّة، إذا أردتَ أن تَغيظه فتعرَّض له أَو اعِترضْ عليه، وتحدَّث بين يديه، وقلوب الفضلاء مَغسولة، وحكمتهم معسولة، وحِدَّتهم مَقبولة، وشِدَّتهم لِين، وغَثُّهم سمين، ومُقاربتُهم فضيلة، ومُجانبتهم رذيلة، وشَرفُهم عتيد، وأنَفهم شديد. قد توجَّه من الموصل سَفيراً إلى دار الخلافة مِراراً، ووجد ببَرِّها وكرامتها على الأَعيان إِبراراً، وأقبل عليه الوزير الهُبَيري لِشَغَفِه بأمثاله من أهل الفضل، وعاد نجيع السَّعي مَوفور المَحَلّ، أنشدني لنفسه من قصيدة وازن بها قصيدةً لي نظمتها في ابن هبيرةَ الوزير: أهدى إلى جسدي الضَّنى فأَعلَّه ... وعسى يرِقّ لعَبده ولعلَّهُ ما كنتُ أحسب أن عَقْدَ تَجَلُّدي ... ينحلُّ بالهِجران حتّى حلَّه يا ويح قلبي أينَ أطلبُه وقدْ ... نادى به داعي الهوى فأَضَلَّه إن لم يَجُدْ بالعطف منه على الذي ... قد ذاب من بَرحِ الغرام فمَن له فأشَدُّ ما يلقاه من ألم الهوى ... قولُ العَواذل إنّه قدْ ملَّه نظمها على وزن قصيدة لي منها: سلْ سيفَ ناظرِه لماذا سلَّه ... وعلى دَمي لِمَ دَلَّهُ قَدٌّ لهُ واستَفْتِ كيفَ أباحَ في شرع الهوى ... دمَ مَن يَهيمُ به وفيمَ أَحلَّه سلْ عطفَه فعسى لطافةُ عِطْفِهِ ... تُعدي قَساوة قلبه ولعلَّه كثُرَتْ لقَسوةِ قلبه جَفَواتُه ... يا ما أَرَقُّ وفاءَه وأَقلَّهُ يا مُنجِداً ناديتُه مُستنجداً ... في خلَّتي والمَرءُ يُنجِد خِلَّهُ سِرْ حاملاً سِرّي فأنت لِحَمْله ... أَهلٌ وخَفّف عن فؤادي ثِقْلَهُ وإذا وصلتَ فغُضَّ عن وادي الغَضا ... طَرْفَ المُريبِ وحَيِّ عنّي أَهلَهُ أَهْدِ السّلام، هُديتَ، للرّشإِ الذي ... أعطاه قلبي رُشدَه فأَضلَّهُ والقصيدة طويلة. وأنشدني له في التَّشَوُّق إلى أَولاده بالمَوصل وكتبها إليهم من دمشق: يا أهلَ سِكَّة بشران تحيةَ مَنْ ... حَشا فِراقُكُمُ أَحشاءَه حُرَقا يَبكي فتجري بجَيْرونٍ مَدامِعهُ ... فتشتكي أهلُها من فيضها الغَرقا وأنشدني لنفسه في الربيعيات: بشَّرَ الطَّيرُ باعتدالِ الزَّمانِ ... وشَدا شَجْوَه على الأغصان وبكَتْ أعين السّماء بدمعٍ ... أضحكَ الأرضَ، فالرُّبى كالغواني فاغتنمْ فرصةَ الزَّمان وباكِرْ ... قهوةً طال مُكثُها في الدِّنانِ عصروها في عصر دارا بن دارا ... ملكِ الفرس من بني ساسانِ فهي تروي أخباره ثم تحكي ... ما جرى في زمان نُوشروانِ فاسقِنيها من كفِّ أَهيفَ تَرنو ... مُقلتاه عن أعين الغزلان في رياضٍ أنيقةٍ ذاتِ حُسنٍ ... تتجلَّى في سائر الألوان

стр. 384

تتناغى الأطيار فيها فتُلهي ... عن سماع النّايات والعِيدان تتَشاكَى بَرْحَ الغرام هَديلاً ... فتهيجُ الأشجانَ بالألحانِ يا عَذولي أَقصِرْ فعَذْلُكَ ظُلْمٌ ... نحن مِن طِيب وقتنا في جِنان لستُ، ما عِشتُ، أترك الرّاح يوماً ... كُفَّ عني وخَلِّ فَضْلَ عِناني وأنشدني له في الخمريّات: نَضا عنه الصِّبا ثوبَ الوقار ... فمال إلى مُعاقرَة العُقارِ فما ينهاه عنها العَذْلُ حتى ... يرى في ليله ضوءَ النَّهار إذا مُزِجَتْ يكونُ الماء منها ... بمنزلة اللُّجَيْنِ من النُّضار وأنشدني له: الرَّوضُ قد وافتْكَ أزهارُه ... والدَّوْحُ قد غنَّتْكَ أطيارُه فباكِرِ القهوةَ من قبل أن ... يغتالَكَ الدَّهرُ وأقدارُه صَدَّ بلا جُرْمٍ ولا عِلَّةٍ ... والقلب ما واتَتْه أوطارُه مُوَرَّدُ الوَجنَةِ لو زارني ... قبَّلْتُ ما ضمَّتْه أزرارُه ألتَذُّ من طِيب ادِّكاري له ... لله ما هيَّجَ تَذْكارُه يا مَن يَحارُ الفِكْرُ في وَصفه ... ومَن حوَتْ حُسنَ الوَرى دارُه أَنوارُه تَكسِفُ شمسَ الضُّحى ... والبدرَ إذْ يُبديه إبدارُه صِلْ عاشِقاً أَضْناهُ فَرْطُ الجَوى ... ومُغرَماً أَرْدَتْهُ أَفكارُهُ الصَّبْرُ والسَّلوانُ أعداؤه ... والدَّمعُ والتَّسهيدُ أنصارُه وأنشدني في أبي صالح ابن العجميّ الحلبيّ: زَنَتْ بأبي فاسِدٍ أُمُّه ... وغذَّتْه مِنْ فَرجِها بالنُّطَفْ فلو كان حُرّاً لما حاد عن ... مَوَدَّة أَهل النُّهى وانْحرَفْ وهذا ابن العجميّ كان عَدل الخِزانة لنور الدين ﵀، شتَّتَ شملَ الملك بعده، واستولى بشرِّه، واتَّسع مَكرُ مَكْرِه، مُفسدٌ مُلحِدٌ، شِرِّيرٌ خِمِّير، نَغْلٌ نذلٌ، شُوهَةٌ بُوهَة،، شيطان لَيْطان، سِفلَة دِفلَة، رِئبالٌ محتال، مُغتابٌ مُغتال، عَبِيٌّ غَوِيّ، عقرب اللَّدغْ، ثعلب الرَّوْغْ، كلب الرِّجْس، ذِئبُ النَّهْس، بومُ الشُّؤم، غراب اللُّوم، عَقْعَق العُقوق، لقلق الفُسوق، عوّاق الحقوق، حِدأَةُ الحِدَّة، رِدء الرِّدَّة، أسد الحسد، جُرَذ الحَرَد، ثَور الجَمع، تَور الشَّمع، تَيس زريبة الجُهّال، قيْس كتيبة الضَّلال

стр. 385

عَنزْ قطيع القطيعة، حِمار طبَع الطبيعة، فأْر الخُبْث، فارٌّ إلى الحِنْث، قِطُّ القَطْع، خِنزير اللَّطْع، سرطان السَّرَط، أَيِّل البلْع، دلَقْ المَلَق، خَلِق الخُلُق، يَربوع الرُّبوع، يَنبوع القُطوع، قِرابُ السَّكاكين، جِراب المساكين، مِحبرة النّاسخ، مَجْمَرة النّافخ، وِجار الضَّبّ، قَرار الصَّبّ، سَفْح السِّفاح، طَوْد الوِقاح، فَراش الوِقاع، فراش الرِّقاع، مكحلة الأَميال، جُعبة النِّبال، هدَفُ السِّهام، دواةُ الأقلام، طُوَيْس الشام ومادِرُ مَدَرَتِه، بسوسُ الإسلام وأَسر أُسرته، مُسيلِمَةُ الإفك، ثُمامةُ الشرك، أَجَمُّ أَقْرن، أَجَنّ أرْعَن، شَبِق القَفا والخَلْف، نهِم الجَفا والخُلف، مأْفون وبالباء عوض الفاء، مَصون ولكن بابتدال وسطه بدخول الحاء، يأْتيه الذِّكْر مفتوح الذال والكاف، ويَضُمُّه الصُّقْعُ مفتوح الرّأْس والفاء بدل القاف، الأسود السّالخ تحت ذيله مُنساب، والأسود القائم في ليله إلى مِحرابه أوّاب، يحبُّ أن يسكن والغلام يُحرِّكُه، ويترك الفعل والفاعِلُ لا يتركُه، أرضِيُّ البَطْنِ، سمائيُّ الظَّهر، تُرابِيُّ المَسجَد، مائيُّ المقعَد، مَرقوع الخَرق على سَعَتِه، رقيع الخُرق على ضِعَتِه، أَطْيَشُ من ريشةٍ خَلقا، وأضيق من عيشة شيخٍ خُلقا، صُوف الكلب لا يُنتَفَعُ به في أمر، وسَمّ الأفعى لا يُدَّخَرُ إلاّ لِشَرّ، يَلقاكَ بالطَّلْبَقَة، نافِرَ الحَدَقة، وافِرَ العَنْفَقَة، هادِر الشقشقة، مظهراً للشفقة، وهو يعوق البِرّ، ويعمِّق البير، ويَري الحِنطةَ ويبيع الشَّعير، إن كان من البروج فهو الدَّلو، أو من المنازل فهو العوّا، وإن كان شِهاباً فهو مَثقوبٌ لا ثاقِب، ورجيمٌ لا راجِم، بل هو إبليس التَّلبيس، والمُتلبِّس بالتَّدنيس، وقارون هذا القَرن، والمعروف في بيته بطول القَرْن، مهندس يحبُّ المَخروطات وحلَّ أشكالها بالبرهانين، منجِّمٌ يقوِّمُ لأيار الزُّبانى في البُطَيْن، بُرهانُه الخَلفيّ أظهر وأقوى، والخط المستوي على استقامته فيه أقومُ وأبقى، فكم أقام عموداً على زاوية له قائمة، وأنام عيوناً لتنبيه فتنةٍ نائمة، وأغرى ذِئباً بسرح ثاغيةٍ سائمة، الخَتْر من دابِهِ، والخَتْلُ من آدابه، يضحكُ في وجهِك ليُبْكِيَك، ويأْسو جرح قلبك لِيَنْكِيَك، ويسلِّم عليك ليُسْلِمَك، ويكلِّمُكَ ليَكْلِمُك، ويخاطبُك ليَلُمَّ بك الخَطْبُ المؤلم، ويُطايبك وهو يَدقُّ لكَ عِطرَ مَنشِمِ، ويحلف بالله وهو أكذب ما كان، ويبهَت لِصَوْغِك وهو يصوغُ البهتان، يصلِّي وهو جنبٌ من السبيلين، ويدلي وهو مدلٍ بالدَّليلين، القاف في نطقه كالهمزة، لُثْغةٌ أرمنيَّة في نِجاره، ولغة يهودية من شِعاره، وكيف لا تَهِنُ قافُه وهو مع الفاء والألف منه في بلاء، وتوالي دِلاء، وتعاقُب خِفاف، وتناوُبُ أَكُفٍّ وأَيْدٍ ثِقالٍ خِفاف، ومن جملة جهله أنَّه قصدَ العلَم الشاتاني في إفساد شانه، وسعى في قطع ديوانه، وذلك عند ارتكابه وِزْرَ الوِزارة، وتخريبه مني الودّ بعد العِمارة، فقال فيه ويستطرد بي: وِزارةُ التَّيْس أبي فاسِدٍ ... فد عمَّ أهل الأرض منها الفساد عانَدَ عِلمي جهلُه مثلما ... هدَّ قوى الفضل بقَصْد العِماد الفضل أقوى عِماداً من أن يهُدَّه ذلك النّاقص، والعلم أرفع قدراً من أن يحطَّه ذلك الغامص. قد رجعنا إلى ذكر النّاس والنَّمط الحسن القويّ الأساس. أنشدني علم الدين الشاتاني بدمشق سنة إحدى وسبعين من قصيدةٍ له في جمال الدين وزير الموصل محمد بن علي بن أبي منصور لمّا نُكِب: ما حَطَّ قدرَكَ من أوج العُلا القدَرُ ... كلاّ ولا غيَّرَتْ أفعالكَ الغِيَرُ أنتَ الذي عَمَّ أهلَ الأرض نائلُهُ ... ولم ينَلْ شأْوَهُ في سؤددٍ بشرُ سارتْ صِفاتُكَ في الآفاق واتَّضحَتْ ... وصدَّق السمعُ عنها ما رأى البصرُ فاصْبر لصَرف زَمانٍ قد مُنِيتَ به ... فآخر الصبر يا طَوْدَ النُّهى الظَّفَرُ فما ترى أحداً في الخَلْقِ يسلَمُ مِن ... صُروف دَهرٍ له في أهله غِيَرُ سَعَوا بقصدكَ سِرّاً قاسْتَتَبَّ لهم ... ولو سَعَوا نحوه جَهراً لما قَدِروا

стр. 386

لولا الأماني التي تُحيي النفوسَ بها ... لمُتُّ من لوعةٍ في القلب تستعِرُ ومنها في عمر المَلاّء: وأصدقُ النّاس في حفظ العهود إذا ... ميَّزْتَ بالفكر أحوالَ الورى عُمَرُ الزَّاهد العابد البَرُّ التَّقِيُّ ومَنْ ... يزوره ويُقوِّي أزرَه الخَضِرُ قال علم الدين الشاتانيّ: قال القاضي نجم الدين الشهرزوري قاضي الموصل: دخل إليَّ شابٌّ من أهل بغداد وأنشدني هذه الأبيات: في نهر عيسى والهواءُ مُعَنبَرُ ... والماءُ فِضِّيُّ القميص صَقيلُ والطَّيرُ إمّا هاتفٌ بقرينِه ... أو نادبٌ يشكو الفراقَ ثَكولُ وعرائسُ السَّرْوِ التَحَفْنَ بسُنْدُسٍ ... ورقصْنَ فارتفعتْ لهُنَّ ذُيولُ وقال لي: اعملْ على وَزنها ما يناسبها فعملت في الحال: والغصنُ مَهزوزُ القَوامِ كأنّما ... دارتْ عليه من الشَّمال شَمولُ والدَّهر كالليل البهيم وأنتمُ ... غُرَرٌ تُنيرُ ظلامَه وحُجولُ وأنشدني الشاتاني لنفسه: خليليَّ هل من مُسعِدٍ لي أَبُثُّه ... غراماً له بين الضُّلوع لهيبُ وزفرَةَ أَشواقٍ تقادمَ عهدُها ... فليس لها حتى الممات طبيبُ عفا الله عمَّن خان عهدي وإنَّه ... إليَّ، وإن خان العُهودَ، حبيبُ إلامَ أُمَنّي النفسَ منه بِزَوْرَةٍ ... فيَثنيه عنّي عاذلٌ ورقيبُ أتوبُ إلى الرّحمن من كلِّ رِيبَةٍ ... ومِن وَصْلِ مَن أهواهُ لستُ أتوبُ وأنشدني له من أبيات كتبها إلى ابن كمال الدين الشهرزوريّ وقد زار الجوديّ: جلالَ الدين تَهْنِيكَ الزيارهْ ... ولي بقَبولها منك البِشارَهْ ومنها: زَها واستبشرَ الجُوديُّ لمّا ... رأى منك النّزاهة والطَّهارهْ وصارَ التُّرْبُ من مَمْشَاكَ مِسكاً ... به وَتَجَوْهَرَتْ منه الحِجارَهْ وأنشدني له في حاسد له وثب عليه الأسد وعاد عنه ولم يفترسه، عملها ارتجالاً عن غير روية، ولا فكرة قوية: قلتُ للَّيْثِ: لِمْ تأخَّرت عنهُ ... حين غادرْتَه لديك صريعا قال: قدَّرْتُ أنني حُزْتَ صَيْدَاً ... فتأمَّلْتُه فكان رَجيعا فأبتْ نفسي الأبيّةُ عنهُ ... أن ترى أكلَه وإن مُتّ جوعا وأنشدني له في السابق المعري يستعدي عليه عند الشيخ: مولايَ فخرَ الدين يا ذا النُّهى ... ما قيمةُ الأخرسِ كالناطقِ كلاّ ولا العبدُ المُطيع الذي ... يرجو رِضا مَوْلاه كالآبِقِ يا أروعاً تَرْتَاعُ أُسدُ الشَّرى ... في خِيسها من عزمِه الصادق بهمَّةٍ عاليةٍ ما لها ... عن عَقْوَة العَيُّوقِ من عائقِ للعبد أبياتٌ زها حُسْنُها ... حَبَّرها من لفظِه الرائقِ قَطْعُ لسان المُفسِدِ السابِقِ ... أَوْجَبُ من قطعِ يد السارقِ يَبْتَزُّ أموالَ الورى عَنْوَةً ... ويكفرُ الرِّزْقَ مِن الرازِقِ غِذاؤُه الغِيبةُ لا غيرها ... شيمةُ نَذْلٍ خائن ماذِقِ والسَّعي لا في الخير يبغي به ... وُقوعَ أهلِ الدين في مازِقِ خِبٌّ إذا لاحَتْ له فرصةٌ ... ينقضّ كالبازِيّ والباشِقِ ما زال يُؤذي الناس حتى رأى ... كساده في سُوقِه النافِقِ وقُوبِلَتْ أفعاله بالذي ... عاينَه في نَغْلِه المارقِ فموتُه في السجنِ أَوْلَى به ... وَرَمْيُ مَن رَبّاه مِن حالقِ وإنْ أَرَحْتَ الناس من شرّه ... أحرزتَ شُكرَ الخَلْقِ والخالقِ وأجهلُ العالَم عندي امرؤٌ ... يهدّد الضِّرغام بالناهقِ وأنشدني لنفسه: خَليليَّ كُفّا عن مَلامي وعَرِّجا ... فأنفاسُ نَجْدٍ نشرُها قد تأرَّجا

стр. 387

وقُولا لمنْ قد ضَلَّ عن قَصْدِ حِبّه ... وَجَدْنا إلى وَصْلِ الأحبّة مَنْهَجا وحُطّا بأكْنافِ الحِمى فقد انتهى ... مَسيرُ مطايا قد أضرَّ بها الوَجا فقد لاحَ ضوءُ الصبح بعدَ كُمونِه ... ومزَّقَ ثوباً لفَّقَته يدُ الدُّجى وحاكَتْ يدُ الأنواءِ للأرضِ حُلَّةً ... تُقَدِّرُها الأبصارُ ثَوْبَاً مُمَرَّجا وغرَّدَ في الأيْكِ الهَزار تَطَرُّباً ... وهَيَّجَه بَرْحُ الغَرام فهَزَّجا فحُثّا كؤوساً عَدَّل العَقلَ مزجُها ... بها وَجَدَتْ نفسي من الهَمِّ مَخْرَجا ولا تَسْقِيا منها لمن لان ودُّهُ ... فتُخْرجَه عن عالم العِلم والحِجى فيُظْهر أسرار الهوى ويُذيعها ... وَمَنْ كَتَمَ الأسرار في قلبه نجا وما أدركَ المَطلوبَ إلاّ أخو نُهىً ... له يَقْظَةٌ خافَ البَياتَ فَأَدْلجا ومدح نور الدين بهذه الأبيات: ما نال شأْوَكَ في المعالي سِنْجِرُ ... كلاّ ولا كِسرى ولا الإسكندرُ يا خيرَ مَن ركِبَ الجِيادَ وخاضَ في ... لُجَجِ المنايا والأَسِنَّةُ تَقطُرُ هل حازَ غيرُكَ ملكَ مصرَ وصار مِن ... أَتباعه مَن جَدُّه المُستنصِرُ والمستضي بالله مُعتَدُّ به ... وبحَدِّه وبِجَدِّه مُسْتَظهر أو سَدَّ بالشام الثُّغورَ مُحامياً ... للدين حتى عاد عنها قيصر يبكي فيروى الأرضَ فيضُ دموعه ... والجَوُّ مِن أنفاسه يَتَسَعَّرُ أَوَما أبوك بسيفه فتحَ الرُّها ... والأُسْدُ تقتَنِصُ الكماةَ وتزأَرُ هابت ملوك الأرض بأْسَ كُماتِها ... فتقاعدوا عن قصدِها وتأَخَّروا ما ضَرَّه طَيُّ المَنِيَّة ذاتَه ... وصِفاته بين البريَّة تُنشَرُ فلكمْ على كلِّ الملوك مَزِيَّةٌ ... لِوَقائع مشهورةٍ لا تُنكَر وإذا عدَدْنا للأنام مناقباً ... فعليك قبل الكُلِّ يُثْنَى الخنصرُ في الرَّأْي قيسٌ في السَّماحة حاتمٌ ... في النُّطْق قُسٌّ في البسالة حيدر دانتْ لكَ الدُّنيا وأنتَ تعافُها ... وسِواكَ في آماله يتعثَّرُ من ذا يصونُ الصين عنك وأنت مَنْ ... أُسْدُ الشَّرى منه تخافُ وتَحذَرُ ذكر أنه نظمها على وزن قصيدة للحويزي أوَّله: الله أكبر ثمَّ سِنجِر أكبرُ، ومنها: إن كان بين الفاتحين بقدْر ما ... بين الفُتوح فعَبدُك الإسكندَرُ وعَتِبَ عليَّ ونحن بدمشق مُتجَنِّياً، وضَنَّ بمواصلته مُتَظّنِّياً، فإنَّه كان يستشيط من كلِّ كلمة فيها قاع، حتى يغضب من ذكر الفُقّاع، فعُمِلَتْ أَبياتٌ لا يخلو بيتٌ منها من هذه اللفظة في مَعانٍ حِكَمِيَّةٍ ليس له فيها ذِكْر، وكانت تُنشَد وهو يغضب ويَحرَد، ونسبها مَن أرادَ إغراءَه بي إليّ، فعتَب لأجل ذلك عليَّ، فكتبت إليه: لا أوحَشَ الله منكَ يا علَم الدّ ... ين نَدِيَّ الكِرام والفُضَلا أَعَنْ قِلاً ذا الصُّدودُ أَم ملَلٍ ... حاشا العُلا من مَلالَةٍ وقِلا هل جائزٌ في العُلا لِرَبِّ عُلىً ... أن يغتدي هاجِراً لِربِّ عُلى كنتَ أخاً إن جَفا الزَّمانُ وَفى ... أوْ قطعَ الوُدَّ أهلُه وَصَلا إن أظلمتْ خُطَّةٌ أَضاء لنا ... أو ظلمَ الخَطْبُ جائراً عَدَلا رَفيقُ رِفْقٍ لنا إذا عَنُفَ الدَّ ... هْرُ وخِلاً يُسَدِّدُ الخَللا صديق صِدقٍ ما زال إن كذَبَ السُّ ... عاةُ للأصدقاء مُحتَمِلا فما الذي كدَّرَ الصفاءَ مِنَ ال ... ودِّ ولم يُرْوِ وِرْدُه الغُلَلا فضلُكَ روحُ العُلا وهل بدَنٌ ... مِن روحه الدَّهرَ واجِدٌ بدلا

стр. 388

عَذِّبْ بما شئتَ من مُعاتبةٍ ... أمّا بهذا الهَجر المُمِضِّ فلا في العُمْر ضِيقٌ فصُنْهُ مُنتهِزاً ... في سَعة الصَّدر فرصة العُقلا أما كفى نائبُ الزَّمان على ... تفريق شَمْلِ الأُلاّف مُشتمِلا ما بالنا ما نرى وإنْ كرموا ... إلاّ من الأصدقاء كلَّ بَلا إذا شَعِفْنا بقُرْبِ ذي شَعَفٍ ... بقربنا قيل قد نأَى وسَلا زَهِدْتَ فينا وسوف تطلُبُنا ... رُبَّ رخيصٍ بَعدَ الكَساد غَلا إن كان في طبعِكَ المَلالُ من الشّ ... يء فهلاّ ملَلْتَ ذا المَلَلا بَعدَ كمال الإخاء تنقصُهُ ... فحاذِرِ النَّقْصَ بعدَ ما كمُلا كم صاحبٍ قال لي: ألستَ على ... بلاءِ وُدِّي تُقيمُ، قلت: بلى كفى لخِلِّي بدَيْن خُلَّتِه ... مَجدي وفَضلي ومَحْتِدي كُفَلا وكلّ علمٍ لمْ يَكْسُ صاحبَهُ ... حِلماً تراهُ عُطلاً بغير حُلى لِحِفْظِ قلب الصَّديقِ أَجترع الصّ ... ابَ وأُبقي لكأْسِه العَسلا إنْ أَنكر الحقَّ كنتُ مُعترفاً ... به أو اعْوَجَّ كنتُ مُعتدلا أو قال ما قال كنتُ مُسْتَمِعاً ... إليه بالقول منه محتفلا فضلُكَ في العالمين ليس له ... مِثْلٌ وقد سار في الوَرى مَثَلا فأوْلِنا الفضلَ يا وَلِيَّ أُولي الفض ... ل ولا تبْغ حَلّ عَقْدِ ولا يا علَم الدّين أنت علاّمة ال ... عِلْم الجَلِيِّ الأوصاف وابنُ جَلا عَرِّفْنِيَ العُذْرَ في اجْتراحِك ذنْ ... بَ الصَّدِّ واحْضُرْ مُستَحْيِياً خَجِلا وافْصِلْ جَميلاً هذي القضِيَّة بال ... عَدْل وخَلِّ التَّفصيلَ والجُمَلا ولعذُر جَهولاً إذا حسدتَ فما ... صار حسوداً إلاّ لِما جَهِلا وَجِلْتُ مِن هَجرِكَ المَخوف فَصِلْ ... واجْلُ عن القلب ذلك الوَجَلا وابْخَلْ بودّي يا سمْحُ فالسُّمحاء الْ ... غُرُّ صيدٌ بودِّهم بُخَلا إنَّ الكِرامَ الذين أعرفُهُمْ ... قد أوضحوا لي مِن عُرفِهِم سُبُلا يسامحون الصديقَ إن زَلَّت النَّ ... علُ ويُغضون إن رأَوا زَلاَلا وهمْ خِفافٌ إلى المكارم لي ... لكنهم عن مكارهي ثٌقَلا فكن من المُرتَجى غَناؤُهُمُ ... في صدقِ ودّي وحقّق الأَمَلا فكتب إليَّ مُعتِباً، ووَصلَ مُتقرِّباً: قُلْ لعِماد الدين الذي رقَمَتْ ... أقلامُه في طروسه الحُللا تَزيدُ أَبصارَنا إذا نُشِرَتْ ... نوراً فتجلو بحسنها المُقَلا فابنُ هِلالٍ ونَجْلُ مُقلةَ لو ... راما مَداهُ في الخَطِّ ما وصَلا فكلُّ تالٍ لها ومستمعٍ ... يَهُزُّ عِطفاً مِن راحها ثَمِلا يا بحرَ عِلْمٍ عَذباً لواردِه ... كيف أُساوي بفيضه وَشَلا لكَ اليراع الذي تَفُلُّ به الْ ... بيضَ المَواضي وتَعزل الأَسَلا أَودعه الله ذو الجلال كما ... أراد رزقَ العِباد والأجلا عمُّك عمَّ الأنامَ نائلُهُ ... فصيَّرَ النّاسَ كلَّهُمْ خَوَلا وساد كلَّ الورى بسُودَده ... وشاد مَجداً سامَى به زُحَلا مَنْ كُنتُ قِدْماً ربيبَ نعمته ... نَشْواً وغصن الشّباب ما ذَبُلا فلو رأى حاتمٌ مواهبَه ... لصار من جُود كفِّه خَجِلا أراهُ مَولاه ما أَعَدَّ له ... في الخُلْد فانْقادَ للرَّدى جَذِلا وارتاح للراحة التي امتزجَتْ ... بالرُّوح فيها وعافَ دارَ بَلا

стр. 389

حَيّا الحَيا قبرَه وأنبتَ ما ... عليه من روضه الأنيق حُلى تالله ما حُلْتُ عن ولائكُمُ ... يوماً ولا اعْتَضْتُ عنكمُ بدلا لكن رأيتُ الخُمولَ أرْوَحَ لي ... فما أُعاني الخِصامَ والجَدلا في دار مَولىً تُقيمُ لي أبداً ... جُموعُه في خُصومتي رُسُلا يشير إلى قاضي القضاة كمال الدين الشهرزوري، فإنَّ الجماعة كانوا يداعبونه بحضرته، ويُغضبونه بكلمته. مَنْ كنتُ ليثَ الشَّرى فغادرني ... بحمل أثقال جَوْرِه جَمَلا أرى نهيق الحِمار يُطرِبُهُمْ ... ويُنكِرونَ الجوادَ إن صَهَلا يُجحَدُ فضلي وكلُّ ذي أدَبٍ ... يَمتارُ مِمّا أصوغُ مُرتجلا مَن لي بخِلٍّ تدومُ خُلَّتُه ... ولا أرى في خِلاله خَللا ترى مِياهاً عيني وبي ظمأٌ ... وما أُرَوِّي بوِردَها الغُللا وهذه قصَّتي محرَّرةً ... نظمت تفصيلها له جُمَلا ثم هاجر إلى مصر ووصل إليها في شهر رمضان سنة اثنتين وسبعين وأنا بها، وأنعم عليه الملك الناصر وشرّفه وأكرمَه، وزادَ إدرارَه، وأجادَ إيثارَه. وأنشدني له في غلامٍ صَيْقَلٍ يُكَنّى أبا الفتوح: أذابَ الجسمُ حبُّ أبي الفتوحِ ... وملَّكَه الهَوى مالي وروحي أعارَ السيفَ من عينيه حَدّاً ... يُصال به على البطل المُشيح وَصقلاً من سَنا خدَّيه يُزري ... بضوءِ البرق للطَّرْفِ الطَّموح التاج البَلَطيّ النحويّ أبو الفتح عثمان بن عيسى بن منصور ذكَرَ أنَّ أصلَ من بلدةٍ يقال لها بلَط، ومولده في بني مايدة بالمَوصل لِثلاثٍ بَقِينَ مِن شهر رمضان سنة أربعٍ وعشرين وخمسمائة. وانتقل إلى الشام وأقام بدمشق برهةً من عمره يتردَّد إلى الزَّبداني للتعليم، وكان مقيماً بها في صَوْنٍ مُقيم، ولمّا فُتحَت مِصر انتقل إليها وحَظِي، وأعتبه دهرُه ورضي، ورتَّب الملك الناصر صلاح الدين له على جامع مصر كلَّ شهر جارياً، ليكون للنحو بها مُقْرِياً، وللعلم قارياً، وكنت لقيته بدمشق فلمّا وصلتُ إلى مصر اجتمعتُ به واستنشدته من شعره فأنشدني من قصيدةٍ له وذلك في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وسبعين: حكَّمْتُه ظالماً في مُهجَتي فسَطا ... وكان ذلك جهلاً شُبتُه بخَطا هلاّ تجنَّبْتُهُ، والظُّلمُ شيمتُه ... ولا أُسامُ به خَسْفاً ولا شَطَطا ومَن أضَلُّ هدىً مِمَّن رأى لهَباً ... فخاض فيه وألقى نفسَه وسَطا وَيلاهُ من تائهٍ أفعاله صَلَفٌ ... مُلَوَّنٍ كلّما أرضيتُه سَخِطا أَبثُّه ولَهي صِدقاً، ويكْذِبنيوعْداً وأُقسِطُ عَدلاً كلّما قَسَطا وأنشدني له من قصيدة: أبثُكما ما ضِقْتُ عن حَمْله فحْصا ... فقد عمَّ بالجسم السَّقام وقد خصَّا ومِن دون كِتمان الصبابة مُهجةٌ ... تذوب على من ليس يرحمُني حِرصا رشاً فاق بدرَ الأُفق حسناً وأَشبه الْ ... قضيبَ قَواماً مُذْ حكى رِدْفُه الدِّعْصا وذَكر أن للقاضي الفاضل عنده يداً، وقد أسدى إليه عارفةً وندى، وبلغ به في الكرامة إلى غاية ليس لها مدى، قال: فعملت فيه عند عَوده من الشام وقومه قطعةً أوّلها: قدمتَ خيرَ قُدومِ ومنها: أفديك من قادمٍ لم ... يزل عليَّ كريمِ به تباعدَ بؤسي ... عنّي ووافى نعيمي لله عبدٌ رحيمٌ ... يُدعى بعبد الرحيم على صِراطٍ سَوِيٍّ ... من الهدى مُستقيمِ يُنمى إلى شرفٍ في ... ذُرى المَعالي صَميم مُهذَّبٌ حاز ما شئ ... ت من تقىً وعلوم مُسهَّد الطَّرف يتلو ... آيَ القرآن العظيم ومن أهاجيه قوله في أمراء الزّبداني بني سرايا: مَن أحَبَّ الهَوانَ لا يتعدَّى الدّ ... هرَ سُكْناهُ بين آل سرايا ما أَعَدُّوا لِنازِلٍ بهمُ شي ... ئاً سوى اجَبْهِ بالخَنا والرَّزايا

стр. 390

شيَمٌ بالقبيح مُكتسياتٌ ... ومن الخير والجميل عَرايا وله من قطعةٍ: لم أكن عارفاً لِذُلٍّ ولكن ... صِرتُ جاراً لكم فأعْدَيتُموني ومن أطبع ماله قوله في طبيبٍ هو ابن عمّشه: ليَ ابن عمٍِّ حوى الجَهالةَ للْ ... حِكْمَةِ أَضْحى يَطِبُّ في البلد قد اكْتفى مُذْ نَشا به ملك الْ ... مَوْتِ فما إن يُبقي على أحَدِ تَجُسُّ يدَ المريض منه يدٌ ... أسْلَمُ منها براثِنُ الأَسَدِ يقول لي النّاسُ: خَلِّه عَضُداً ... فقلت: يا ليتني بلا عَضُدِ وأنشدني له بالقاهرة وقد زارني: دَعوهُ على ضعفي يجورُ ويَشْتَطُّ ... فما بيَدي حَلٌّ لِذاكَ ولا رَبْطُ ولا تعتِبوه فالعتابُ يزيدُه ... مَلالاً وأَنّى لي اصْطِبارٌ إذا يَسْطو فما الوَعظُ فيه والعتابُ بِنافعٍ ... وإن يَشْرُطِ الإحسانَ لا ينفَعِ الشَّرْطُ ولمّا تولّى مُعرِضاً بجنابه ... وبانَ لنا منه المَساءة والسُّخْط بكيْتُ دَماً لو كان ينفعني البُكا ... ومزَّقْتُ ثوب الصَّبر لو نفع العَطُّ تنازعَتِ الآرامُ والدُّرُّ والمَها ... له شَبَهاً والغصنُ والبدرُ والسِّقْطُ فللرِّيم منه اللَّحْظُ واللَّونُ والطُّلى ... وللدُرِّ منه الثَّغْرُ واللفظُ والخَطُّ وللغصن منه القدُّ، والبدرُ وجهُهُ ... وعينُ المَها عينٌ بها أبداً يسطو وللسِّقْطِ منه رِدْفُهُ فإذا مشى ... بدا خلفَه كالموجِ يعلو وينحَطُّ وأنشدني أيضاً لنفسه في غلامٍ أعرج: أنا يا مُشْتكي القَزَلْ ... مِنكَ في قلبيَ الشُّعَلْ أصبح الجسم ناحِلاً ... بكَ والقلبُ مُشتغِلْ دُلَّني قد عَدِمْتُ صَبْ ... ري وضاقتْ بيَ الحِيَلْ آنَ أَنْ تَجفو الجَفا ... ءَ وأنْ تَمْلَلَ المَلَلْ وأنشدني لنفسه في مدح المولى الأجلّ الفاضل بمصر مُوَشَّحةً مُوَشَّعةً، مُستملحة، مُبدعة، سلك بها طريق المغارب، وأتى بها بالبدائع والغرائب، وهي: وَيْلاهُ مِن رَوّاغْ بجَوره يقضي ... ظَبيُ بَني يَزداذ منه الجَفا حظِّي قد زاد وِسواسي ... مُذْ زاد في التِّيه لمْ يَلْقَ في النّاسِ ... ما أنا لاقيهِ من قيّمِ قاسي ... بالهجر يُغريه أَرومُ إيناسي ... بهِ ويَثنيهِ إذا وِصالٌ ساغْ بقرْبِه يُرْضي ... أَبعده الأُستاذ لا حِيطَ بالحِفْظِ وكلّ ذا الوَجدِ ... بِطول إيراقِهْ مُضَرَّجُ الخَدِّ ... من دم عُشَّاقِه مَصارعُ الأُسْدِ ... في لَحْظِ أحداقِهْ لو كان ذا وُدِّ ... رَقَّ لمُشتاقهْ شَيطانُه النَّزَّاغْ علَّمه بُغضي ... واستحوَذَ اسْتِحواذْ بقلبه الفَظِّ دَعْ ذِكرَه واذْكُرْ ... خُلاصَةَ المَجْدِ الفاضِلَ الأشهَرْ ... بالعِلم والزُّهدِ والطَّاهِرَ المِئزَرْ ... والصادِقَ الوَعْدِ وكيف لا أشْكُرْ ... مولىً له عِندي نُعمى لها إسْباغْ صائنةٌ عِرضي ... من كفِّ كاسٍ غاذ والدَّهر ذو عَظِّ مِنَّةُ مُسْتَبْقِ ... ضاقَ بها ذَرعي قد أفحمَتْ نُطقي ... واستنفدتْ وُسعي
следующие страницы →