← Адаб

Адаб · id 12815

خريدة القصر وجريدة العصر - أقسام أخرى

العماد الأصبهاني الكاتب

Полный текст (895 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

هو من معاصري الحكيم أبي الصلت أمية، وقد أثبتنا شعر أميّة فيه، وهو قطعة خائية موسومة بتنوخ، ولم يقع إلينا من شعره ما نورده إلا ما ذكره في الحديقة، وكان أبو الصلت يرى في المنام كثيراً أبا عبد الله بن بشير، وتجري بينهما محاورات في فنون الآداب، وملح الأشعار، ويجد هو أيضاً من نفسه مثل ذلك في المنام. فقال أبو الصلت: بأبي من صَفا فأصبَح في اليق ... ظَة والنّوم مؤنِسي ونَديمي قُدّ بيني وبينه الوِدّ والإخ ... لاصُ في الحالتين قَدّ الأديمِ نلتقي فيهما فنرتَعُ من آ ... دابِنا الغُرّ في جِنانِ النّعيمِ غير أنّ اللقاءَ في الحُلمِ أشْفى ... لجَوى الشّوْقِ عند أهلِ الحُلومِ فتلاقي الأرواح ألطفُ معنًى ... في المُصافاةِ من تلاقي الجُسومِ وأورد أبو الصلت في الحديقة هذه الأبيات، ونسبها الي محمد بن بشير: ولقد نظمتُ من القريضِ لئالِئاً ... غُراً جعلتُ سلوكهنّ طُروسا ورميتُ علويّ الكلامِ بمنطقٍ ... حتى انتظمتُ بليلهِ البِرْجيسا وجليتُ للحسَنِ الهُمامِ قلائِدي ... فحبوْتُ منها بالنّفيسِ نفيسا ملِك يودّ البدرُ لو يلقى له ... في مُنتدى شرَفِ الجلالِ جَليسا أبو جعفر عبد الولي البني الكاتب معروف من أهل الفضل، ولم يقع إليّ أيضاً شيء من شعره، لكنني قرأتُ في ديوان أبي الصّلت أمية الأندلسي، أنه كتب الى عبد الولي البنّي مجاوباً عن قصيدة خاطبه بها، ومن جملة أبيات أبي الصّلت فيه يصفه بكثرة الأسفار: مجدُك عُلويّ يا جعفرُ ... والشُهبُ لا تعرِفُ سُكنى القرارْ أنِسْتَ بالبيْن وطولِ السّرى ... فالنّاسُ أهلُك والأرضُ دارْ إنْ سِرْت كنتَ الشّمسَ أو لم تسِرْ ... فأنتَ كالقُطبِ عليه المَدارْ ثم طالعت كتاب الجِنان لابن الزبير، وذكر أنّه خليعُ العِذار، قليل المحاشمة في اللهو والاعتذار، لا يبالي أيّ مذهب ذهب، ولا يفكّر فيمن عذر أو عتب، وله أهاجٍ أرغمت المعاطس، وبدائع أخّرت المُنافس، وأخذت المنافِس. وله: قالوا تصيبُ طيورَ الجوّ أسهُمُه ... إذا رماها فقلنا: عندنا الخبرُ تعلّمَتْ قوسُه من قوسِ حاجبِه ... وأيّد السّهْمَ من أجفانه الحورُ يلوحُ في بُردةٍ كالنِّقْس حالكةٍ ... كما أضاءَ بجُنح الليلةِ القمرُ وربّما راقَ في خضراءَ مونقةٍ ... كما تفتّح في أوراقه الزّهَرُ وله: وكأنّما رشأ الحِمى لما بدا ... لك في مضلّعه الجديدِ المُعْلم غصَبَ الحِمامَ قِسيّهُ وأعارها ... من حُسنِ معطفه قوامَ الأسهُم وله: غصبْتِ الثُريّا في البعاد مكانها ... وأودعتِ في عينيّ صادق نوئِها وفي كل حالٍ لم تزالي بخيلة ... فكيف أعرْتِ الشمسَ حلة ضوئها وله: صدّني عن حلاوة التّشييع ... اجتِنابي مرارةَ التّوديع لم يقم أنسُ ذا بوحشةِ هذا ... فرأيتُ الصّواب تركَ الجميع أبو حفص عمر بن علي المعروف ب الزكرمي المهدوي الشاعر لم يقع إليّ شيء من شعره. قرأت لأبي الصّلت أمية الأندلسي فيه قصيدة ضادية وهي: سوابقَ عَبرَتي سُحّي وفيضي ... وإنْ تعْصِ الدموعُ فلا تغيضي فقد أخذ الرّدى من كان منّي ... بمنزلةِ الشّفاء من المريض وما وُقِيَ الرّدى بطِعان سُمر ... وشدّ سوابقٍ وقِراع بيض أبا حفصٍ ذهبتَ بحُسنِ صبري ... وبنتَ فبانَ عن عيني غُموضي خلصتَ الى النّعيم وبي اشتياقٌ ... دفعتَ به الطّويل الى العريض فما أصبو الى عَبّ الحُميّا ... ولا أهفو الى نغَم الغريض ذهبتَ فمن تركتَ لكل معنى ... شديد اللبسِ بعدكَ والغُموض ومن خلفتَ بعدكَ للمعمى ... وللشعرِ المحَككِ والعَروض

стр. 807

ويا لرَجاءِ نفسٍ فيك أفضى ... الى نبإ بموتكَ مُستفيض مصاب صاب بالمُهَجات فيْضي ... ورُزْء قال للعَبَرات فيضي فإن قصّرْتُ في البابيْن فاعذر ... فقد شغلَ الجريضُ عن القريض شرقتُ بأدمعي وصليتُ وحدي ... فها أنا منكَ في طرَفَيْ نقيض سقاكَ وجاد قبركَ صوبُ مُزْنٍ ... يشقّ ثَراه من روضٍ أريض إذا استقرى الحَيا نحرتْ عليه ... عِشار المُزْن مرهقَة الوميض وإن مسحتْ جوانبَهُ النُعامى ... أعيرَتْ نفحة المِسك الفضيض فقدتُك والشّبابَ وريعَ فَوْدي ... بمرأى من مطالعِه بغيض ألمّ بلمّتي وذؤابتَيْها ... فعوّضهُنّ من سودٍ وبيض وقبلكَ ما انتحتْ عودي الليالي ... بنابٍ من نوائبها عَضوض فما فوجئتُ ذا قلبٍ جزوعٍ ... ولا ألفيتُ ذا طرْفٍ غضيض ولكن قائلاً يا نفسُ شُقّي ... غمارَ الموتِ مقدِمَة وخوضي فما قعَد الأنام عن المعالي ... لعجزِهمُ وخان بها نهوضي وما بلغ العَلاء كشمّريّ ... قؤومٍ بالذي يعني نَهوض سأعمِلُها هملّعةً دِقاقاً ... تقلْقلُ في الأزمّةِ والعَروضِ لها من كلّ مرقبَةٍ وفجٍّ ... هُوِيّ القِدْح من كفّ المُفيض فإمّا أخمص فوق الثُريّا ... وإمّا مفرِقٌ تحت الحضيض فأشقى النّاسِ ذو عقلٍ صحيحٍ ... يعودُ به الى حظٍ مريض قال العماد: ذكرته في من أورده أبو الصلت: ولم أورد شعره. ومما أورد له في كتاب الجِنان قوله: كيف تُقْلى وأنتَ جنّةُ عدْنٍ ... من رآها ليس يصبِرُ عنها غير أنّي لشَقوتي ليس عندي ... عمل صالح يقرّبُ منها وقوله وقد طولب بمكس بضاعة من أبيات: ولقد رجوْنا أن ننال بمدحكم ... رِفْداً يكون على الزّمان مُعينا فالآن نقنَعُ بالسّلامة منكمُ ... لا تأخذوا منّا ولا تُعطونا وله في رجل بالقيروان يعرف بشبيب يهوى غلاماً اسمه جيرون فلما كبر زوّجه ابنته فقال فيه: لله درّ شَبيبٍ في تفسّدِه ... فقد أتى بدعةً من أعظم البِدع حداهُ فرطُ الهوى أن ينكح ابنته ... فردّه الدّينُ والإفراطُ في الورع فظلّ ينكحُ جيروناً وينكحها ... جيرون فهو يَنيكُ البنتَ بالقمع الشيخ أبو الفضل جعفر بن الطيب ابن أبي الحسن الواعظ لم يقع إليّ أيضاً من نظمه شيء، وإنما أثبت اسمه من ديوان أبي الصّلت لما لقيه فشكا إليه الإجبال للضعف والكبر، فقال فيه أبو الصلت من قطعة: إمامَ الهُدى رفِّهْ بدائِهَك التي ... بهرْتَ بها كلّ الأنام خِطابا فإن يكُ عاصاك القريضُ فلم يُجبْ ... فقد طالما استدعيتَه فأجابا ولا غرو أن خلّى عن النّزْع خاطر ... رمى زمناً عن قوسه فأصابا ألستَ ترى الصّمصامَ لم ينْبُ حدّه ... عن الضّربِ إلا حين ملّ ضرابا باب في ذكر جماعة وافدين إلى مصر وغيرها من المغرب أبو الحسن علي بن فضال القيرواني المجاشعي النحوي هو علي بن فضّال بن علي بن غالب بن جابر بن عبد الرحمان بن محمد بن عمرو بن عيسى بن حسن بن زمعة بن هميم بن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع. قرأت في مؤلف السمعاني أنه هجر مسقط رأسه، ورفض مألوف نفسه، وطفق يدرج بسيط الأرض، ذات الطول والعرض، حتى ألقى عصاه بغَزْنَة ودرّت له أخلافها، ووجد وجه الأماني طلقاً، واتفقت له عدّة تصانيف بأسامي أكابر غزْنة، سارت في البلاد، ثم عاد الى العراق، وانخرط في سلك الخدمة النظامية مع أفاضل الآفاق، وما حلَتْ له أيامه، حتى جُلب له حِماه، وذلك في ثاني عشرين شهر ربيع الأول سنة تسع وسبعين وأربعمائة.

стр. 808

قال السّمعاني: قرأت بخط شجاع بن فارس الدّهري الشهرزوري أبي غالب، أنشدنا أبو الحسن علي بن فضال لنفسه: كتبتُ والشوقُ يملي ... عليّ ما في الكتاب والقلبُ قد طار شوقاً ... الى رجوع الحراب قال: وقرأت بخط شجاع، أنشدنا علي بن فضّال لنفسه: لا عُذْرَ للصبّ إذا لم يكن ... يخلع في ذاكَ العذارِ العذارْ كأنّه في خدّه إذ بدا ... ليل تبدّى طالعاً من نهار تخاله جنح ظلام وقد ... صاح به ضوء صباح فحار قال: وقرأت بخطه، أنشدنا علي بن فضّال لنفسه: كأن بَهرام وقد عارضت ... فيه الثُريا نظر المبصر ياقوتة يعرضها بائع ... في كفّه والمشتري مشتري قال: وأنشدنا عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي كتابة: أنشدنا أبو الحسن بن فضّال المجاشعي لنفسه: يا يوسُفيّ الجمال عبدُك لم ... تبقَ له حيلةٌ من الحِيل إن قُدّ فيه القميصُ من دُبُرٍ ... قد قُدّ فيكَ الفؤادُ من قُبُل قال: وأخبرنا أبو الحسن علي بن أبي عبد الله بن أبي الحسين النسوي إجازة، قال أنشدنا علي بن فضّال لنفسه: واللهِ إن الله ربّ العِباد ... وخالص النّيّة والاعتقاد يا أملح الناس بلا مِرْيَةِ ... من غير مُستثنى ولا مُستعاد ما زادني صدّك إلا هوى ... وسوء أفعالك إلا وِداد وإنّني منكَ لفي لوعةٍ ... أقلّ ما فيها يُذيب الجَماد فكن كما شئتَ فأنتَ المُنى ... واحكم بما شئتَ فأنت المُراد وما عسى تبلُغُه طاقَتي ... وإنّما بين ضلوعي فؤاد وقرأت في بعض الكتب للمُجاشعي يمدح نظام الملك: قالوا الوزيرُ ابنُ عبّادٍ حوى شرفاً ... فكم وكم لكَ عبد كابنِ عبّاد ما جاوزَ الرّيّ شِبْراً رأي صاحبه ... وأنتَ بالشّام شمس الحفل والنادي ولابن فضّال المجاشعي: إن تُلقِكَ الغُربةُ في معشرٍ ... قد أجمعوا فيكَ على بُغضهم فدارِهم ما دُمتَ في دارِهم ... وأرضِهِمْ ما دُمْتَ في أرضِهمْ أبو الحكم المغربي الحكيم الأديب تاج الحكماء أبو الحكم عبيد الله بن المظفر بن عبد الله المريني المغربي صاحب عمّي الصدر الشهيد العزيز أبي نصر أحمد بن حامد بن محمد روّح الله روحه وروّض ضريحه. كان طبيب البيمارستان الذي كان يحمله أربعون جملاً في المعسكر أين خيّم وابن المرخم يحيى بن سعيد الذي صار أقضى القضاة في الأيام المقتفية ببغداد، كان فصّاداً فيه وطبيباً أيضاً وكان أبو الحكم كثير الهزل والمداعبة، دائم اللهو والمطايبة. سمعت بعض أهل أصحاب عمّي يقول: كان يأتي إليه الغلام وما به شيء، فيريه نبضه فيقول له: تصلح لك الهريسة، وما زال يخدم ملازماً للعمّ، الى حين نزول الحادث الملم، فآلى أن لا يقيم بالعراق بعده، وآثر على قربه منها بعده، وركب مطية الغسق، الى دمشق، وأقام بها الى أن أتاه الأجل المحتوم، والقدر المعلوم.

стр. 809

فأقول: الحكيم أبو الحكم، حكم له بالحِكم، ولم يمنعه حكمه وحكمته، عن الجري في ميدان الهزل، والجمع في نظمه السّخيف بين الإبريسم والغزْل، ولم يميز في شعره حلاوة العمل من مرارة العزل، بل مزج السخف بالظرف، ولم يتكلف مكابدة النقد والصرف، فخلط المدح بالهجو، وشاب الكدر بالصفو، ونظمه في فنّه سلس، وللقلوب مختلس، ومقطّعاته مقطِّعات للأعراض، مفوّقات الى أغراض الأغراض، إذا جال في مضمار القريض الطويل العريض، يؤمن عثاره، ولا يشقّ غباره، وله قصائد غرّاء في مدح عمّي العزيز، صار بها من أولي التمييز، فلعلّه لم يُجِدْ في غيرها، لأجل ما يوالي عليه من خيرها، فقد استغنى في نعمته، وعرف بدولته، وتلك القصائد مع المدائح التي جمعت في العزيز، نهبت في جملة كتبه، لعن الله من جاهر بحربه، ولم يقع إليّ من شعر أبي الحكم، صاحب الحِكم، إلا جزئيات من جملة ما نظمه بدمشق لهواً، وضرب على الجد فيه عفواً، من كتاب، سماها نهج الوضاعة لأولي الخلاعة، فأثبتّ من الجزأين المقطوعين ما استطبته، وتركت ما عِبته، وكان أعارني من الجزأين ببغداد الشيخ البائع يحيى بن نزار. فمن ذلك له قصيدة يمدح بها منير الدولة حاتم بن محسن بن نصر بن سرايا، ويصف مشروباً أهداه له في سنة أربعين وخمسمائة، وهو من نظيف نظمه: لي أدمعٌ لا تزال منسكبهْ ... وزفرة لا تزالُ ملتهِبهْ على فتاة ألِفتُها فغدَتْ ... عنّي عند الوِصال محتجبهْ تُخجِلْ شمس الضحى إذا انتقبت ... والقمرَ التمّ غير منتقبهْ للحسن سطْر من فوقِ وجنتها ... فليس يقرأهُ غيرُ من كتبَهْ فقُفْل صبري لمّا طمِعْتُ بها ... أصبح من وصْلِها على خرِبَهْ يا حبّذا ليلة لهوتُ بها ... أرشفُ من برْدِ ريقها شنَبَهْ تخاف أن يغدرَ الظّلام بنا ... فهي لضوء الصّباح مرتقِبَهْ ومنها في صفة المطية: هذا وكم جبتُ مهْمَهاً قذفا ... على بعيرٍ في ظهره حدَبَهْ ومنها في الهزل: إذا ذُبابُ الفَلاةِ طاف به ... حرّك من خوف قَرْصِه ذنَبَهْ يأمَنُ ممّا يخافُ راكبُه ... لأنّه عصمةٌ لمن ركِبهْ إن هو أرخى الزّمام أسرعَ في الس ... سَيْر وإن رام مهلة جدبَهْ ومنها في المديح: ولست أعتدّ للفتى حسباً ... حتّى أرى في فِعاله حسبَهْ سميّه لو غدا مساجله ... في المجدِ والمكرُماتِ ما غلبَهْ مُبرّأ من خنًى ومن دنَسٍ ... مطهّر الجيب سالم الجنبَهْ تصبح من عِفّةٍ صحيفتُه ... مبيضّةً ليس تُتعبِ الكتبَهْ لم يعدم الراغبون نائله ... ولم يضيع لقاصدٍ تعبَهْ وكل شخص يؤمّ منزله ... يقرع باباً مُبارك العتبَهْ ما يصفُ الآن منه مادحُه ... أبشْرَه أم نداه، أم أدبَهْ أعيَتْ سجاياه وصفَ مادحه ... وإن أجادَ المديحَ وانتخبَهْ أهلاً بمن جاد بالعقار ومن ... جاء به مسرعاً ومن شربهْ فدَيْتُ قطّافَهُ وعاصرَه ... ومن سعى فيه وانتفى عنَبَهْ ومن وعاهُ في دنّه زمناً ... واكتاله في الظّروف إذ حلبَهْ بَني سرايا لله درّهم ... ليس لهم بين ذا الأنام شبَهْ من أبصر الأجنبيّ بينهم ... يظنّه واحداً من العصبَهْ لا مُتّ حتى أرى عدوّهم ... مستنداً ظهرُه الى خشبَهْ وله من قصيدة في مدح الأديب نصر الهيتي، ويوصيه فيها بمهاجرة أبي الوحش الأديب: إذا رام قافية نظمها ... غدا طوعَه سهلُها والعسيرُ وذاك الذي شعرُه حِنطة ... وشِعْر سواهُ لدينا شَعيرُ وما كمقاماتِه للبديع ... وليس له اليومَ فيها نظيرُ فقد حسد الشّامُ فيه العراقَ ... وظلّتْ به جِلّقٌ تستَنيرُ

стр. 810

هو ابنُ جَلا دهرِه في الخطوب ... وطلاّع أنجدةٍ ما يغورُ إن استجمعتْ مشكلاتُ الأمو ... رِ فهو الخبيرُ بها والبصيرُ ومنها في مدحه لجودة لعبه في النّرد: وإن ولعتْ كفّه بالفصوص ... فإنّ الغنيّ لديه فقيرُ تدين الشّيوشُ له والبُنوجُ ... وما لليُكوكِ لديه ظُهورُ ومنها: فيا من يظلّ لساني له ... يترجم عمّا يكنّ الضمير تجنّبْ وُحَيْشاً وإنّ الفتى ... على حتفِ من يصطفيه يدور فأخِّرْ وِدادَك عنه فقد ... يؤخَّرُ في رمضانَ السّحور وله يتشوق الى ابن سهيل، وقد طالت غيبته: وحشتي لابن سُهيلٍ ... أسهرتني طولَ ليلي فبه قد كان أنسي ... وإليه كان ميلي كم أنادي وا شقائي ... بعده، وا طولَ ويْلي كان يكتالُ لي الوِدْ ... دَ بكيلٍ أي كيْل فلقد طوّل بالإن ... عام والمعروفِ ذيْلي لم يكن يُخلي الذي وا ... لاهُ من بِرّ ونَيل حُقّ لي بعدكَ مما ... ذُبْتُ أن يسقط حَيْلي ما لدائي اليوم من ط ... بّ ولو عاش الجُبَيلي وله في الشريف الواسطي: وواسطي معجب طولُه ... يشهد بالنّوْكِ له والخرَفْ منتحل للشِّعر لا يرْعَوي ... جهلاً، مدلّ بادّعاء الشّرفْ لو قيل منْ جدّك بيّنْ لنا ... خلّط، أو قلْ بيت شعرٍ، وقَف وله لغز في عبد الكريم: بمهجتي يا صاحِ أفدي الذي ... يُميتني تفتيرُ عينَيْه صرت له ثُلث اسمه طائعاً ... وهو بوصْلي ضدْ ثلثيه كأنما وجنته إذ بدتْ ... أنجُم خيلانٍ بخديه هلالُ تمّ والثريّا له ... مقلوب ما يشبهُ صدغَيْه أراد أن شبيه صدغيه عقرب، ومقلوبها برقع. وله في عبد خصي بعد مجيئه من الحج: جاء ريحانُ من الحَجْ ... جِ وقدأسرعَ سيرَهْ عدم المنحوس في جلْ ... لَق خصييه وأيره ما أراه بعدها يط ... مع في جلد عميره وله في الهزل: إذا جاءني يوماً نعيّ أبي الوحش ... وأبصرته فوق الرؤوس على نعشِ وقد جعلوا من نهر قلّوط غسله ... وكفِّن في كرش وألحِدَ في حشّ وظل لم يلقاهُ من هولِ منكرٍ ... وشدة ضيق القبر يضرط كالجحش بذلت لصحبي زقّ خمر وقينة ... وزخرفتُ داري بالنّمارق والفُرشِ فإنْ قيلَ لي ماذا التكرّم والسّخا ... أقول لهم مات الوضيعُ أو الوحش وله في الأديب أبي الوحش وقد وعده بليمو ولم ينفذه إليه: أبا الوحش يا من غدتْ عرسه ... تجود بما بين أفخاذها وعشرون مما حوى القطرميز ... بخلت علينا بإنْفاذها وله من قصيدة يرثي الأمير الاسفهسلار أتابك زنكي بن آق سنقر ﵀ وهو شبيه بالهزل: عينُ لا تذخَري الدموع وبكّي ... واستهلّي دماً على فقد زَنكي لم يهب شخصَه الرّدى بعد أن كا ... نتْ لهُ هيبة على كل تُركي ومنها: خير ملك ذي هيبة وبهاءٍ ... وعظيم من الأنام بُزُرْكِ يهَبُ المال والجياد لمن يمْ ... مَمهُ مادحاً بغير تلكّي رُبّ بازٍ لصيدهِ وسلو ... قيّ وصقرٍ وباشقٍ وبلنْكِ ضاع من بعده وعاش غزال ... ومَهاة وطيرُ ماءٍ وكُرْكي ومنها: لست أدري أمن بلادةِ حِسٍ ... ركّ شِعري أو من رخاوة فكّي ومنها: إنّ داراً تمدّنا بالرّزايا ... هي عندي أحقّ دارٍ بترْكِ فاسكبوا فوقَ قبرِه ماءَ وردٍ ... وانضحوه بزعفرانٍ ومسكِ أي فتكٍ جرى له في الأعادي ... عندما استفتح الرّها أيّ فتْكِ إذ رمى كل نعمةٍ بزَوالٍ ... وانتقالٍ وكلّ سِترٍ بهتْكِ

стр. 811

عندما اعتاضَ أهلُها من سُعودٍ ... بنُحوسٍ ومن حياةٍ بهُلْكِ ويكِ نفسي أترتَجين سُلوّاً ... بعدما قد تمكّن الحزنُ منكِ كل خطبٍ أتتْ به نوَبُ الده ... رِ يسيرٌ بجنْبِ مصرَعِ زَنْكي بعدما كاد أن يدينَ له الرّو ... مُ ويحوي البلادَ من غير شكّ له من قصيدة في الهزل: فديتُ قَذالَه ما كان إلا ... له جَلد على وقْعِ الأكفّ وأصلبُ منه رأساً ما رأينا ... تُقاسي ما قليلٌ منه يكفي وكانوا كلّما صفعوه ألْفاً ... أبى إلا مغالطة بألفِ ولا يرضيه منهم ذاك حتّى ... يحابوه ببرطاش وخفّ وله وقد زُيِّن سوق دمشق وعُلِّق سَبُعٌ على رمح: يا رُبّ سوقٍ مزيّن حسن ... جُزتُ به والنّهارُ منسلِخُ رأيتُ من فوقِ بابه سبُعاً ... يدخلُ فيه الهوا فينتفخُ وله من قطعة: وللمنايا مواقيت مقدّرة ... وذاك حُكم جرى في سالف الأبدِ ولم تزلْ أسهُمُ الأقدار صائبة ... ولا سبيلَ الى عقلٍ ولا قوَدِ وله من قصيدة: ألا رُبّ وغدٍ قوّمَ الموتُ درّه ... كما أخرجت ضِغْنَ الشموسِ المهامزُ وقِدْماً رأينا اللؤمَ يفضح أهلَه ... وتشهَد للقوم الكرام الغرائز وفي الناس محظوظٌ سعيد ومُدبِر ... وفيهم إذا فتّشتَ ضانٌ وماعز وله يرثي كلباً من قصيدة: كان ذا ألفةٍ بنا وحِفاظ ... لم يكن فيه خصلة مذمومه لم يزلْ دائماً يبصبِصُ للضي ... فِ فاعتدّ ذاك منه غنيمه لو يباحُ الفداءُ فديناهُ بالنفس ... وإن لم تكن له النّفسُ قيمه لو تأمّلتَه لراقَك حُسْناً ... وتمنّيت أن تكون نديمَه إنّ هذا الزمانَ شيمتُه الغدرُ ... قديماً والغدْرُ أقبحُ شيمَه وله، وكان ابن منير الشاعر بشيزر، وأراد أبو الوحش الأديب السفر إليه، فسأل أبا الحكم أن يكتب أبياتاً إليه في حقه فكتب: أبا الحسين استمعْ مقالَ فتًى ... عوجِل فيما يقول فارتجَلا هذا أبو الوحش جاء ممتدِحاً ... للقوم نوِّهْ به إذا وصَلا واتلُ عليهم بحُسنِ شرحِك ما ... تلوتَه من حديثه جُمَلا وخبِّر القومَ أنّه رجُل ... ما أبصرَ الناسُ مثلَه رجُلا ينوبُ عن وصفه شمائلُه ... لا يبتغي غاقلٌ به بدَلا ومنها: وهو على خفّةٍ به أبداً ... معترفٌ أنّه من الثُقَلا يمتّ بالثّلْب والرّقاعة والسُخْ ... فِ وأمّا بما سواهُ فلا إن أنتَ فاتَحتَه لتُخبِر ما ... يصدُر عنه فتحتَ منه خَلا فسُمْه إنْ حلّ خطّة الخسف والهو ... ن ورحِّبْ به إذا انتقَلا واسقِه السمّ إن ظفرت به ... وامزجْ له من لسانكَ العسَلا وله مقصورة هزلية في الشعراء وطردية، واقتصرت على ما كتبته. الشيخ أبو محمد عبد الله بن محمد بن المغربي الأندلسي له في عميد الدولة بن جهير من قصيدة: لا زال مجدُك يكبت الحُسّادا ... ويُبيرُ من ناوَى وصدّ عِنادا ويُعيدُ أرواحاً أبتْ لنوائِبٍ ... دارتْ بها أن تصحبَ الأجْسادا لله أيام بقربك أنعمت ... ما ضرّها إنْ لمْ تكنْ أعيادا راقتْ محاسنُها وطاب نعيمُها ... فأتى الزمانُ حدائقاً وعِهادا أسفي على زمنٍ مضى في غيرها ... يا ليتَ ذاهبَه استعادَ فعادا مَن مبلِغٌ عنّي الأحبّةَ إذ نأتْ ... أوطانُهم والمعشرَ الحُسّادا أنّي وجدتُ الجوّ طلْقاً بعدهُمْ ... والماءَ مصقولَ الأديمَ برادا وقرَرْتُ عيناً في قرارة ماجدٍ ... بطباعهِ يستعبِد الأمجادا وحللتُ في كنَفِ السّيادةِ فانثنى ... زمني وعاد المنصفَ النّقادا

стр. 812

وله فيه من أخرى مطلعها: تبيّن من سرّهِ ما كتَمْ ... فلاحَ كنارٍ بأعلى علَمْ ومنها: ظننتُ الشّبابَ يفي إذ أتى ... فلم يكُ إلا خيالاً ألَمْ وكلّ جناحِ دُجى حالك ... فأنجَمَ عن فلَق قد نجَم ووافى المشيبُ فأهلاً به ... ولكنّه زائدٌ في الهرَمْ ويوجِبُ ضعف القُوى والهوى ... ويبعثُ في كل حينٍ ألمْ ومنها: وما زال يقْفو زمانٌ زماناً ... فإمّا بحمْدٍ وإما بذَم ولكنّ هذا الزّمان استقام ... ولولا السّياسةُ لم يستقم لسيّدِ تغلِبَ لاحتْ له ... أناة وكفّ وقدماً ظلم ومنها: عميدٌ لدولة خيرِ الورى ... بذكراهُ قد طابَ نشرٌ وفمْ وقد سكنتْ عينُ أعدائِه ... كما سكن الفعلُ جزماً بلَمْ فليستْ على فمِ ذي البُخْلِ لا ... بأولى على فمِه من نعَمْ ومنها: سلِ العَضْبَ عنه تجدْ مخبِراً ... فُلولاً به من قِراعِ البُهَمْ ويشكو امتلاء بما قد غذاهُ ... فيرعفُ في كل حينٍ بدَمْ اسماعيل الطليطلي وهو مستثنى في هذا الباب. وجدت له في مجموع: ودون البراقعِ معكوسُها ... تدبّ على وردِ خدّ نَدي تُسالمُ في قُربِها خدّهُ ... وتلسعُ قلبَ الشّجي الأبعَد عبد الودود الطبيب الأندلسي من بلنسية بالأندلس هاجر الى العراق وخُراسان وعرف عند السّلاطين في عصر السلطان ملِكْشاه وهو الذي يقول فيه بعض أهل العصر وقد ضمن شعر المتنبي أنشدنيه الشيخ عبد الرحيم بن الأخوة: عبد الودود طبيب طِبُهُ حسن ... أحيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا لولا تطببه فينا لما وجدت ... لها المنايا الى أرواحنا سبلا وأنشدني الأمير جمال الدين ابن الصيفي سنة ثمان وستين لعبد الودود بيتين يكتبان بالذهب على بيضة النّعام وكان يستحسنهما: قبيح لمثلي أن يُحَلّى بعسجَدٍ ... وألبسَ أثواباً وملبسي الدّرّ ولو كنتُ في بحرٍ لعزّتْ مطالبي ... ولكنّ عيبي أنّ مسكني البر أبو هارون موسى بن عبد الله ابن ابراهيم بن محمد بن سنان بن عطاء بن عبد العزيز بن عطية بن ياسين بن عبد الوهاب بن عاصم القحطاني المغربي الأغماتي. وأغمات آخر مدينة بالغرب عند السوس الأقصى بينها وبين بحر الظلمات مسيرة ثلاثة أيام. رحل موسى الى مصر، والحجاز، والعراق، والجبال، وخراسان. وأقام بنيسابور مدّة يتفقه على أبي نصر القشيري، وببهارى على البُرهان. قرأت في تاريخ السّمعاني يقول: ذكره أبو حفص عمر بن محمد النّسفي اليخشبي في كتاب القَند في ذكر علماء سمرقند وقال: موسى بن عبد الله الأغماتي قدم علينا سنة ست عشرة وخمسمائة وهو شاب فاضل، فقيه، مناظر، بليغ، شاعر. وفيه قلت: لقد طلع الشمسُ من غربِها ... على خافِقَيْها وأوساطِها فقلت: القيامةُ قد أقبلتْ ... فقد جاء أوّل أشراطِها قال وفيه قلت: سرّ قربُ الشيخ موسى ... كلّ قلبٍ كان يوسى ومحا الهمّ كما يم ... حو شُعور الرّاس موسى قرأت في كتاب السّمعاني: أنشدنا أبو بكر محمد بن محمد بن علي السّعدي بسمرقند، أنشدنا عمر بن محمد اليخشبي، أنشدني موسى المغربي لنفسه مما قاله بنيسابور: لعمرُ الهوى إنّي وإن شطّتِ النّوى ... لذو كبِدٍ حرّى وذو مدمعٍ سكبِ فإن كنتُ في أقصى خُراسانَ نازحاً ... فجسميَ في شرقٍ وقلبي في غربِ أبو محمد عبد الله بن يحيى بن محمد بن بهلول السرقسطي الأندلسي وسرقسطه من بلاد الأندلس

стр. 813

كان من فقهاء الفضلاء، ويعدّ من الشعراء النّبلاء، حسن الكلام فصيحه، ظريف النّظم مليحه، مستقيم اللفظ صحيحه، قرأت في مؤلف السّمعاني أنّه ورد بغداد وأقام مدة في المدرسة النّظامية في حدود سنة خمسمائة أو قبلها، ثم خرج الى خُراسان، وسكن بمرو الرّوذِ الى أن توفي في حدود سنة ست عشر وخمسمائة، قال: أنشدني ولده أبو محمود سالم، قال: أنشدني سيدي أبو محمد بن بهلول لنفسه: ومهفهفٍ يختالُ في أبرادِه ... مرح القضيبِ اللّدْن تحت البارِحِ أبصرتُ في مرآةِ فكري خدّه ... فحكيتُ فعلَ جفونه بجوارحي ما كنتُ أحسبُ أنّ فعل توهّمي ... يقوى تعدّيه فيجرحُ جارحي لا غرْوَ أن جرحَ التّوهمُ خدّهُ ... فالسّحر يعملُ في البعيد النّازحِ وقال: أنشدنا سالم، أنشدني والدي أبو محمد بن بهلول لنفسه، مما يخاطب به ممدوحه: أيا شمسُ إنّي إن أتتْكِ مدائحي ... وهنّ لآلٍ نُظّمتْ وقلائدُ فلستُ بمن يبْغي على الشّعر رشوةً ... أبى ذاك لي جدّ كريم ووالدُ وإنّي من قومٍ قديماً ومُحدَثاً ... تُباعُ عليهم بالألوف القصائد وقال: سمعت سالم بن عبد الله بمرو الرّوذ يقول: لمّا دنا أجل سيدي أبي محمد بن بهلول الأندلسي، وكان مريضاً، أنشأ هذه القطعة عشيةً: خليليّ لو أبصرتُماني وقد جنى ... عليّ الضّنى ما كنتما تعرِفانيا خليليّ لو غيرُ الذي بي أضرّني ... لكنتُ أعانيه بعلمي وماليا ولكنّما أشكوهُ وجْدٌ مبَرّح ... ألا إنّه أعيا الطبيبَ المُداويا إذا سألوه قال قولَ معلِّلٍ ... وإن كان يدري أنّه غيرُ ما بيا فهل لمُحبٍّ قد تناءى حبيبُه ... بشيءٍ سوى وصل الحبيب تداويا أيا رَبّ فارجعني بخيرٍ معجَّلاً ... الى خيرِ دارٍ ظل فيها شِفائيا هذا شعر أضعفه مرض قائله، ولا بأس به. أبو محمد عبد الله بن عيسى بن عبد الله ابن أبي حبيب الأندلسي من بيت العلم والوزارة، قرأت في مصنّف المعاني يقول: ولي القضاء بالأندلس مدة بكورة، يقال لها كورة منجة، من غرب الأندلس، ثم خرج منها على عزم الحج، وجاور بمكّة سنةً، ثم قدم العراق، وأقام ببغداد مدة، ثم أوى الى خراسان، وتوفي بهرات سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، وأنشدنا لنفسه: تلوّنتِ الأيامُ لي بصُروفِها ... فكنتُ على لونٍ من الصبرِ واحدِ فإن أقبلتْ أدبرتُ عنها وإن نأتْ ... فأهوَنُ مفقودٍ لأكرمِ فاقِدِ قال، وأنشدنا أبو محمد بن أبي حبيب الأندلسي لنفسه: قد غدا مُستأنِساً بالعلمِ مَنْ ... خالطَتْهُ روعةُ المَها بِهِ لا ينالُ العلمَ جسم رائح ... حُفَّتِ الجنّةُ بالمَكارِه جماعة من أهل المغرب الشيخ أبو علي الطليطلي المغربي متبحر في جميع العلوم، ذو فنون، كلامه فيها كلؤلؤ مكنون، لم يسمح الدهر بنظيره، وافر العلم غزيره، مشرق الفضل منيره، ذكره القاضي البرهان أبو طالب النحوي عند وصوله في خدمة الوزير عون الدين يحيى بن محمد بن هبيرة الى واسط لما انحدر السّرادق الشريف المقتفوي الى العراق في رمضان سنة أربع وخمسين وخمسمائة، وكنت نائباً للوزير بواسط في أسبابه فتقدّم إليّ بمقام أبي طالب النحوي عندي الى حين العود من العراق، وكنا نتجارى في العلوم مدة مقامه وأقتبس من كلامه، فذكر يوماً أبا عليّ الطليطلي وأثنى على فضله، وقال: لا يجود الزمان بمثله. وقال أنشدني الشيخ أبو علي لنفسه: قد مللتُ العيشَ في دارِ دُنيا ... حُلوُها مُرٌ فما إنْ تُمَلُّ وأرى دينيَ فيها عِياناً ... كلّما أكثرتُ منها يقِلّ كلما زادتْ يزيدُ انتِقاصاً ... فإذنْ لو كمُلتْ يضمَحِلّ جماعة مدحوا عميد الدولة بن جهير في الأيام المقتدية والمستظهرية من أهل المغرب الأديب أبو الحسن علي بن محمد المغربي القيرواني تلميذ الشيخ أبي إسحاق الشيرازي رحمة الله تعالى عليه.

стр. 814

طالعت مجموعاً من قصائد مدح بها عميد الدولة ابن جهير الوزير، فوجدت لأبي الحسن المغربي من قصيدة فيه: هجرَ الظَّلومُ وزاد في الهجران ... وسطا عليّ بجَورِه وجفاني غدْرُ الزّمانِ كغدره فتظاهرا ... فبقيتُ بينهما أسيراً عاني فمتى يؤمّلُ طيبَ عيشٍ من غدا ... في صدّ محبوبٍ وجوْرِ زمان قلْ للزّمان تراكَ تعدِلُ ساعة ... أخرى فتصلحَ ساعة من شاني هيهات قد خرفَ الزّمانُ فما له ... في الاجتماع بمن أحِبّ يَدانِ ومنها في المدح: لو أنّ ثَهْلاناً وحلمَك قُنطِرا ... لأمالَ حلمُك قُنّتَي ثَهْلانِ فاصعدْ هضابَ المجدِ إنّك حُزتَها ... بالجاهِ والتّمكين والإمكانِ قرأت في مصنّف السّمعاني، قرأت في كتاب الوشاح لأبي الحسن علي بن محمد بن القيرواني: ما في زمانِك ماجد ... لو قد تأمّلْتَ الشّواهد فاشهَدْ بصدْقِ مقالتي ... أو لا فكذّبْني بواحِدِ الأديب محمد بن أبي بكر الأندلسي وجدت له مخلص قصيدة في أبي جهير الوزير ولا بأس به: أيا صاح في نفسي عن النّاس سلوةٌ ... إذا سلِمَتْ لي مُهجتي ووزيرها لئن سامَتِ الأيام نفسي تعسُّفاً ... فإنّ عميدَ الدولتين نصيرُها طائفة من أهل المغرب ذكرهم السّمعاني في جملة أصحاب الحديث العدل أبو الفضل بن لادخان هو عطية بن علي بن عطية بن علي بن الحسن بن يوسف القرشي الطبني القيرواني، كان أحد الشهود ببغداد، وهو ظريف كيس، له نظم سلس، حسن الشعر رقيقه، غامض المعنى دقيقه، قرأت في الذيل للسمعاني يقول: لا أدري ولد بالغرب أو بمكة في مدة مجاورة أبيه بها، وانتقل من مكة الى بغداد وسكنها الى أن توفي بها سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة. قال: أنشدنا الشيخ الأجل أبو الحسين عبيد الله بن علي بن المعمر الحسيني غير مرة. أنشدني أبو الفضل بن لادخان الشاهد لنفسه: قالوا التَحى وانكسفتْ شمسُه ... وما دروا عُذْرَ عِذارَيْهِ مرآةُ خدّيه جلاها الصِّبا ... فبان فيها ضوءُ صدْغيه وقرأت في مدائح ابن جهير الوزير لابن لادخان من قصيدة فيه: أراكَ من معجزاتِ السّعْدِ إسعادا ... جَدٌ أعاد لك الأفلاكَ حُسّادا أيا بشيرَ المعالي عود مالِكِها ... فوقَ المُنى لك قد أطربتَ إنشادا أطَرْتَ أنفسَ من بشّرتَ من فرحٍ ... وقيل يوم النّوى ما كنّ أجلادا أبعْدَ ما تمّ بينٌ لا بُليتُ به ... أبكي وأقرَح أجفاناً وأكبادا وليلةٍ بتّ من بعدِ النّعيم بها ... أشقى وأكثِرُ إعوالاً وتَعْدادا وموقفٍ من سُليمى لستُ أذكره ... إلا رأيتُ لجيش الشوق أمْدادا بيضاءَ تخطر في ثوب الصّبا مرَحاً ... كما تمايلَ خوطُ البان وانْآدا ظلّتْ تُساقطُ دُرّ الدّمع والهةً ... والوجدُ ينهبُ أرواحاً وأجسادا وقد جلا البينُ من أزرارها قمراً ... لا يعدِمُ الرّكب في لألاه إسآدا بكيتُ في إثْر من أهوى وصحتُ فما ... عاج الحُمولُ ولا حاديهمُ حادا راحوا بشمسٍ سحابُ النّقع يسترُها ... والمشرفيّة لا يعرِفْن إغْمادا وفتيةٍ لقنا الخطّيّ مُشرعةٌ ... لا يألفون سوى الأدْراعِ أبرادا لا يرهبون لصرْف الدّهرِ نائبةً ... ولا يهابون داعي الموت إذ نادى كأنّما شرف الدين استدل لهم ... من الزّمان فما يخشون إبعادا ومنها ما أورده ابن الهمذاني المؤرخ في الذيل، في تهنئته بفتح برْكيارُقْ وقتل تُتُشْ في سنة ثمان وثمانين وأربعمائة: ورايةٍ كاد أن يُعْنى الزمانُ بها ... أمدها بجيوش الرأي إمدادا ضربْنَ بالرّيّ من آرائه قُضُباً ... أضحى لها مِغْفَرُ التّيجان أغمادا ومأتمٌ قام نحو الغرب صارخُهُ ... فعاد أيامُ من بالشّرق أعيادا

стр. 815

ومعجزاتٍ أراد اللهُ يُظهِرُها ... في كبته لكَ أعداءً وحُسّادا فليهن ذا الفتح من آراؤه فتحَتْ ... عن المكارم أغلالاً وأقيادا رحلتُ والدهرُ قد ألوى بجانبِه ... وعدتُ والدهرُ بالأتباع منقادا وذكر أن هذه القصيدة وازن بها قصيدة فيه للأبيوَرْدي منها: يا خير من وجدَتْ أيدي المطيّ به ... من فرْعِ تغلِبَ آباءً وأجدادا رحلتَ والمجدُ لم ترْقأ مدامِعُه ... ولم ترِقّ علينا المُزْنُ أكبادا وغابَ إذ غبتَ عن بغدادَ رونَقُها ... حتى إذا عُدتَ لا فارقْتها عادا محمد بن الوليد بن الأندلسي الكاتب بمصر قرأت بخط السّمعاني في تاريخه: ذكر أبو العلاء محمد بن محمود النيسابوري، أنشد شيخنا أبو القاسم طلحة بن نصر المقدسي، قول محمد بن الوليد الأندلسي: أدِرْها على وصْلِ الحبيبِ فربّما ... شربتُ على فقد الأحبّة والفجع وما صلتني الكأسُ إلا شربتُها ... وأسقيتُ وجه الأرض كأساً من الدمع باب في ذكر محاسن جماعة من فضلاء العصر بالقيروان أوردهم ابن الزبير في كتاب الجِنان الفقيه أبو الفضل يوسف المعروف ب ابن النحوي قال: أنشدني عمر بن الصّقّال، أنشدني أبو الفضل لنفسه بالقلعة في مدح مصر: أين مصرُ وأين سُكّانُ مصر ... بيننا شُقّةُ النّوى والبعادِ حدّثاني عن نِيلِ مصرَ فإني ... منذ فارقتُه الى الماءِ صادِ والرياض التي على جانبيهِ ... واجعَلاهُ من الأحاديث زادي رقّ قلبي حتى لقد خلتُ أني ... بين أيدي الزّوار والعوّادِ ما تراني أبكي على كل ربْعٍ ... ما تراني أهيم في كل وادِ روشنٌ من رواشنِ النّيل خير ... بعدُ من دَجلةٍ ومن بغدادِ ومن القصر قصرُ شدّاد ذاكَ ال ... مشرف المرتقى على سنداد إن مصرَ لها عانٍ لعَمري ... قد تأبّتْ على جميع البلادِ هذه الأرض إنّما هي نادٍ ... مصرُ من بينها سراجُ النادي أسعداني يا صاحبيّ على هـ ... ذا البُكا حاجتي الى الإسعادِ وله في الإمام حجّة الإسلام أبي حامد الغزالي: أبو حامدٍ أحيا من الدّين علمَهُ ... وجدّد منه ما تقادم من عهدِ ووفّقه الرحمانُ فيما أتى به ... وألهمَهُ في ما أراد الى الرّشد ففصّلها تفصيلَها فأتى بها ... فجاءت كأمثال النجوم التي تهدي أبو بكر عتيق بن محمد بن الوراق له يرثي رجلاً، دفن بليل: دفنوا صُبحَهمْ بليلٍ وجاءوا ... حين لا صُبْحَ يطلبون الصّباحا خدّوج امرأة من أهل رُصفة لُقّبت بهذا اللقب، واسمها: خديجة ابنة أحمد بن كلثوم العامري، وهي شاعرة حاذقة مشهورة، ولها ترسّل لا يقع مثله إلا لحذّاق المترسلين، ومن شعرها: فرّقوا بيننا ولما اجتمعنا ... فرّقونا بالزّور والبهتان ما أرى فعلَهم بنا اليومَ إلا ... مثلَ فعل الشيطان بالإنسانِ لهف نفسي عليك بل لهف نفسي ... منك إن بنت يا أبا مروان كان هذا أبو مروان من أهل الأندلس، شاعراً يودّها ويشبّب بها، فغار ذلك إخوتها، وفرّقوا بينهما، فعملت لذلك أشعاراً، وكتبت الى أخيها: أأخي الكبير وسيّدي ورئيسي ... ما بالُ حظي منكَ حظّ نحيس أبغي رضاكَ بطاعةٍ مقرونةٍ ... عندي بطاعة ربّي القُدّوسِ يا سيّدي ما هكذا حكمُ النُهى ... حقّ الرّئيس الرّفقُ بالمرؤوسِ وإذا رضيتَ ليَ الهوانَ رضيتُه ... ورأيتُ ثوب الذّلّ خيرَ لَبوسِ واشهر أبو مروان هذا، فقتله إخوتها. محمد بن أبي بكر الصقلي ذكره ابن القطاع في الدرة الخطيرة، وذكر أنّه كان يهوى بعض القواد، وخامره هوى برّح منه بالفؤاد، وكتم غرامه به حتى تقطعت كبده، وهو مع ذلك يستر وجده، ويزيد كمده. وقال فيه:

стр. 816

هذا خيالكَ في الجفون يلوحُ ... لو كان في الجسم المعذّب روح يا سالماً مما أقاسي في الهوى ... هل يشتفي من قلبيَ التّبريح غادرتني غرَضَ الرّدى وتركتني ... لا عضوَ لي إلا وفيه جروح لو عاينتْ عيناكَ قذْفي من فمي ... كبِدي ودمعي معْ دمي مسْفوح لرأيتَ مقتولاً ولم ترَ مقْتَلاً ... ولخلتَ أنّي من فمي مذبوح يا ويحَ أهلي قد جُرِحْتُ وما دروا ... أنّي بأسياف الجفون جريح كبدي على صدري جرتْ فإلى متى ... أغدو أعذّبُ في الهوى وأروح باب في ذكر جماعة وافدين إلى مصر وغيرها من المغرب محمود بن عبد الجبار الأندلسي الطرسوسي له يهجو الآمدي العجلي الوافد الى مصر: أيها الآمديّ حُمقُك قد دلْ ... ل على أن آمِداً هي حِمصُ بسَوادِ الرّمادِ تُخضب شَيْباً ... فلهذا سوادُه لا يَبُصّ أخلِطِ العفْصَ فيه يا أحوجَ النّا ... سِ الى العفصِ حين يُعكس عفص فلما بلغ الآمدي هذا الشعر، لم يهجه بل كتب إليه معاتباً: أبِنْ لي ما الذي تبغيهِ منّي ... وما هذا التعنّتُ والتّجنّي وأين خِلالُك الغُرّ اللواتي ... يُخَلْنَ من العذوبة ماءَ مُزْنِ فيا من ليس يلحَن في مقالٍ ... أترضى في المقال بشرّ لحْنِ أبو الحسن عبد الودود بن عبد القدوس القرطبي أورده ابن الزبير في كتابه من الطارئين على مصر، واستطرد بابن قادوس في ذكر ابن عبد القدوس بفصل هو: كان انتجع مصر معتقداً أنّه يُحمد بها المَراد، ويُنال المُراد، فاتّفق لنكد الزمان، وحظّ الحرمان، أن ورد بعض ثغور مصر، وبها رجل يعرف باسماعيل بن حميد المنبوز بابن قادوس، وكان ممّن يهتم بالجمع والادّخار، ويدين بعبادة الدّرهم والدينار، لا تندى حصاته، ولا يظفر بغير الخيبة عفاته، ولا يرشح له كفّ، ولا يُعرف له عرف، إلا أنّ له رواءً وجِدة، وبنين وحفدة، يطمع الغِرّ في نواله، ومنال النّجم دون مناله، فقصده عبد الودود بمدائح أرقّ سلكها، وأجاد سبكها، وتأنّق في وشيها وحبكها، وظن أنّ سهمه قد أصاب الغرض وقرطس، وأنه يفوز بأكثر ما التمس، فكان بارقه خُلّباً لا يجود بقَطرة، وشرابه سراباً بقفرة، ولمّا تحقق إكداء كدّه، وصلود قدحه في مدحه، قال: شقى رجالٌ ويشقى آخرون بهم ... ويُسعِدُ اللهُ أقواماً بأقوامِ وليس رزقُ الفتى من حسنِ حيلته ... لكن جُدودٌ بأرزاقِ وأقسام كالصّيد يُحرَمُه الرّامي المُجيد وقد ... يرمي فيُرزَقُه من ليس بالرامي وقال في هجو ابن قادوس: تسلّ فللأيام بِشرٌ وتعبيسُ ... وأيقِنْ فلا النُعمى تدومُ ولا البوس صديْتَ على قُربٍ وخُلقُكَ عسجد ... ومِلْتَ الى لغْوٍ ولفظُك تقديس ومنها: ترحّلْ إذا ما دنّس العزّ ملبَسٌ ... فغيرُك من يرضى به وهو ملبوس وما ضاقتِ الدنيا على ذي عزيمةٍ ... ولا غرقَتْ فُلْك ولا نفَقتْ عيس وكم من أخي عزمٍ جفتْهُ سُعوده ... يموتُ احتراقاً وهو في الماء مغموس تُفَلّ السّيوف البيضُ وهي صوارم ... ويرجع صدر الرّمحِ والرمْحُ دِعْيسُ ولولا أناسٌ زيّنوا بسعادةٍ ... لما ضرّ تربيع ولا سَرّ تسْديسُ ولكنّ في الأفلاك سرّ حُكومةٍ ... تحيّر بطليموسُ فيها وإدريسُ أفاضتْ سعوداً بالحجارة دونَها ... يُطافُ سُبوعاً حولها الغُلْبُ والشّوسُ وصار فُلاناً كلّ من كان لمْ يكُنْ ... ودانَ له بالرقّ قوم مناحيسُ فحقِّقْ ولا يغْرُرْكَ قولُ مُمَخرِقٍ ... فأكثرُ ما يُدْعى إليه نواميس أفيقوا بني الأيّام من سِنَةِ الكَرى ... وسيروا بسيرِ الدهر فالدهرُ معكوس

стр. 817

هيَ القِسمةُ الضّيزى يُخوّلُ جاهِل ... وذو العلم في أنشوطةِ الدهر محبوس وإرضاءُ ذي جهلٍ وإسخاط ذي حِجى ... نِعاج مياسير وأسْدٌ مفاليس خُذِ العلمَ قنطاراً بفَلسِ سعادةٍ ... عسى العلم أن يفنى فيمتلئَ الكيس ومُذْ لقّب الفرد القصير موفّقاً ... هَذَى الدهرُ واستولتْ عليه الوساويس وقالوا سديد الدولة السيّد الرّضى ... فأكثِرَ حُجّابٌ وشدّدَ ناموس وأعجبُ من ذا أن يلقَّب قاضياً ... وأكثرُ ما يجري من الحكم تلبيس وأصدقُ ما نصّ الحديث فكاذب ... وأطهرُ ما صلى الصلاة فمنجوس وأعرَفُ منه بالفرائض راهبٌ ... وأفقَه منه في الحكومة قِسّيسُ وما الغَبنُ إلا أن تُحكّمَ نعجة ... وضرغامُ أسد الغاب في الغيل مفروس وما لي فوق الأرض مغرز إبرةٍ ... وتُحمَلُ دِمياط إليه وتنّيس مصائبُ من يسكُتْ لها مات حسرة ... ومن ثِقلِها بثّاً يمُتْ وهو منحوس وفي جورِه هذا الدهر ما بأقلّه ... سيضرب في أرجاء مكّةَ ناقوس ويُبْتاعُ مِسك بالخراء مدلّس ... ويُعبَدُ خنزير ويُرسل جاموس وقالوا ابن قادوس تقدّس كاسمه ... ومن هو قادوس فلا كان قادوس أيا من غدا ضِداً لكلّ فضيلةٍ ... ومن نجمُهُ في طالع السّعد منكوس ومنها: وقد قُلتُها هجْواً وأنفُكَ راغم ... فلا يدخُلنْ ريْب عليكَ وتلبيس أبا الفضل إنْ أصبحتَ قاضيَ أمةٍ ... وللحكم في أرجاء ذكركَ تعريس فإنّ قريضي بين أذنيك درّة ... وإنّ هجائي في دماغِكَ دبّوس ورأسي ومِثلا شرِه سفْن خرْدل ... ......... مدسوس تجمّع فيّ الخيرُ والشرّ جملةً ... فخيريَ جِبريل وشرّيَ إبليس أطاعه في هذه القصيدة الطبع الجافي، وجاد بالكدر خاطره الصافي، وأبان فيها عن رقّة دينه وتهلهله، وعُدِم عُبوسُ بؤسِه، بِشرَ الفضلِ في تهلله. ومما وجب إيراده في شعراء صقلية: الأمير شيخ الدولة عبد الرحمان بن لؤلؤ صاحب صقلية أنشدني للطاهر الحريري في صفة الفرس، فقال شيخ الدولة في المعنى: وأدهمَ كالليل البهيم مطهّمٍ ... فقد عزّ من يعلو لساحة عُرْفِه يفوتُ هبوب الرّيح سبْقاً إذا جرى ... نهايةُ رجليه مواقعُ طرفِهِ القاضي الرشيد أحمد بن قاسم الصقلي من الطارئين على مصر، وكان قاضي قضاتها في أيام الأفضل، فدخل يوماً الى الأفضل وبين يديه دواة من عاج محلاّة بمرجان فقال: أُلينَ لداوودَ الحديدُ بقدرةٍ ... يُقدّرُهُ في السّرْدِ كيف يريد ولان لك المرجانُ وهو حجارة ... على أنّه صعبُ المرام شديدُ وكان الأفضل قد أجرى الماء الى قرافة مصر، فكتب إليه يرجو إجراء الماء الى دار له بها: أيا مَولى الأنام بلا احتشامٍ ... وسيّدَهُم على رغم الحسود لعبدِك بالقَرافةِ دارُ نُزلٍ ... لموجود الحياة أو الفقيد لموجودٍ يعيشُ بها لوقتٍ ... ومفقودٍ يوارَى في الصّعيد وفي أرجائها شجرٌ ظِماء ... عُدِمْنَ الحُسنَ من ورقٍ وعود فمذ غدتِ المصانعُ مُمْتِعاتٍ ... عدمْنَ الرّيّ في زمن الوجود يقُلْنَ إذا سمعْنَ شجى السّواقي ... مقالةَ هائمٍ صبّ عَميد أرى ماءً وبي عطش شديد ... ولكن لا سبيلَ الى الورودِ وله: إن لم أزرك ولم أقنعْ برؤياك ... فللفؤادِ طوافٌ حول مغناكِ يا ظبية ظلْتُ من أشراكِها علِقاً ... يوم الوداع ولم تعلقْ بأشراكي رعيت قلبي وما راعيت حُرمتَهُ ... يا هذه كيف ما راعيتِ مرعاكِ

стр. 818

أتحرقين فؤاداً قد حللتِ به ... بنار حبّكِ عمداً وهو مأواكِ ما نفحة الريح من أرض بها شجني ... هل للمُحبّ حياة غير ذكراك أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن زكرياء القلعي الأصم من قلعة بني حماد بالمغرب ذكره ابن الزبير في مجموعه وقال: كان جيّد الشعر، وارى زناد الفكر، لكنه مبخوس الجدّ، ورد الى الإسكندرية ومصر، وأقام بها زماناً، لا يجد من يروي ظمأته، ولا يسدّ خلّته، وعاد الى المغرب في غير أوان سفر المركب، فسار راجلاً، نعله مطيته، وزاده كُديَتُه، الى أن وصل الى قوم يعرفون ببني الأشقر من طرابلس الغرب، فامتدحهم بالقصيدة الميمية التي أولها: تُرى فاض شؤبوب من الغيم ساجم ... ... فأحسنوا صلته، وعظّموا جائزته، ولم أدر ما فُعل به بعد ذلك. فمن قصيدته الميمية في مدح بني الأشقر: تُرى فاضَ شؤبوب من الوَدْقِ ساجمُ ... وأومضَ مشبوب من البرق جاحِمُ وماذا النّدى والوقتُ بالصيف حائمُ ... وماذا السّنا والجوّ بالليل فاحمُ وما هذه مُزْن وما ذي بوارِق ... ولكنها أيمانُكم والصّوارم بني الأشقر استعْلوا بحقّ على الورى ... كما لم يزل فوق الكُعوب اللهاذِمُ مشيْتُمْ الى العليا وطار سواكُمُ ... فلم تبلغِ الأقدامَ فيها القوادمُ وأوقعُ من تلقاهُ من طار للعُلا ... إذا لم يكن ريش الجناح المكارمُ وفي ذا الحمى المأمولِ يأمنُ خائفٌ ... وفي ذا النّدى المعسولِ ينقعُ حائمُ عضَدْتُمْ على أحسابكم بفِعالكم ... كما عضدَتْ أسّ البِناء الدعائمُ تغار على مسّ الدّروع جُسومكم ... غلائلُ فيها للنُضار مراقِمُ تتوجتمُ بالبيض حتى تخيّلتْ ... بأنّكم حرّمتموها العمائمُ ولم يحْظَ منكم بالبَنان خواتم ... مذ اتّفقتْ أيديكمُ والقوائمُ وما اختلفتْ أقوالكمْ وفِعالكم ... مذ اتفقت آراؤكُم والعزائمُ على كل أرض من نداكم مياسم ... وفي كل نادٍ من ثناكم مواسمُ وُليتم على طُلْمَيثَةٍ وهي مَعلَمٌ ... لكم بالنّدى والبأس فيها معالم ومنها: فإن لم أعدّدْ في قريضي كُناكُمُ ... وأسماءَكم فليفتقد ذاك لائمُ ويغني اشتهارُ البيتِ عن ذِكر أهله ... ويُغني عن اسمِ المِسكِ بالشمّ ناسمُ وله يمدح الأفضل: ملِك أنتَ أم ملَكْ ... حارَ طرْف تأمَّلَكْ أنت إن أُسعِد الورى ... فلك مُسعِد فلَك وله: بما استرقَتْهُ من جفونك بابلُ ... بما علمَتْ من مقلتيْكَ المناصلُ بوجهكَ ماءُ الحسنِ في صفحاته ... كذكرك منّي في الضمائر جائل خذوني على التّجريب عبداً فإن أكنْ ... أخالفُ أمراً فاطِّراح مُعاجل فما طوِيَتْ إلا عليكم جوانِح ... ولا بُسِطتْ إلا عليكم أنامِل وله يعظم حُرفَتَه: مضى الناسُ يستَسقون من كل وجهةٍ ... الى كل مسموع الدّعاء مُجاب فوافاهُمُ الغيثُ الذي سمحتْ به ... لهم بعد طول المنع كلّ سحاب وفي ظنّهم أنْ قد أجيب دعاؤهُمْ ... وما علموا أنّي غسلتُ ثِيابي وله في صفة فوّارة: وحاكيةٍ بالماء لون اضطرابِه ... قواماً وحُسناً حين يبدو ويوبِصُ قضيب لُجَينٍ ألمعَ الصّقْلُ متنَه ... وأخلصَهُ في السّبْكِ من قبلُ مُخلصُ تسامى قليلاً ثمّ عاد كأنّه ... جُمان حواليها على الماء يرقُصُ تُضايقُ أعنانَ السّماء كأنّها ... لها بين هاتيك النّجوم تلصّصُ كأنّ نَوالاً من يمين كرامَةٍ ... يمدّ به إذ لا نرى الماءَ ينقُصُ

стр. 819

كرامة، الممدوح، هو: كرامة بن المنصور بن الناصر بن علّناس بن حماد صاحب القلعة، وما سمع في الفوّارة أحسن من قول علي بن الجهم: وفوارة ثأرُها في السّما ... فليستْ تُقصّرُ عن ثارِها ترُدّ على المُزْنِ ما أسبلتْ ... الى الأرض من صوْبِ مِدْرارِها وله: أخي كم تجمّعْنا مِراراً وضمّنا ... على الناس شمل بعد أن يتصدّعا فإن كان من فعلِ الليالي ودأبها ... فلا تأسُ إن فرّقتَ أن نتجمّعا وله: إيّاكَ من حتْفٍ يُسيمُ بطُرّةٍ ... من حاسر في حُسنِه مستلئِم فمصارعُ العُشّاق بين جُفونِه ... انظرْ تجدْ في خدّه أثرَ الدّم علي بن اسماعيل القلعي المعروف ب الطميش من الواردين على مصر من أهل العصر، وله حين قتل ابن الأفضل أبو علي بعد حبسه المدعوّ الحافظ وإلقائه في نفوس شيعته بذور الحفائظ وإقصابه مِياجَهُم في مغائظ المفائظ واستيلائه على المملكة سنةً يدعو الى القائم المنتظر، ونقش اسمَه على الذهب الأحمر، ثم احتيل عليه فاغتيل وحان القبيل فكان القتيل، وأعيد الحافظ بعد ضياعه، وأذن ذلك بتأهيل رباعه، وتطويل باعه. فنظم الطميش فيه قصيدة منها - وقال ابن الزبير هي منسوبة إليه مما ادعاها -: ولا بدّ من عزْمٍ يخيِّلُ أنّني ... قدحْت على الظلماء من ندْزِه فجرا يجوبُ ظلاماً كالظّليم إذا سرى ... إذا جنّ جوْن كان بيضته البدرا وليل صحبتُ السّيفَ يُرعدَ حدّه ... وقد شاب فيه مفرِق الصّعدةِ السمْرا حملتُ به درعي وسيفي وإنّما ... حملتُ غديرَ الماء والغُصنَ والنّهْرا وأشْقر وردُ اللون لولا انتسابُه ... الى البرقِ سيراً خلتُه المسك والهجرا الى أن بدا وجهَ الصّباح كأنّه ... لحافظِ دين الله آيته الكبرى أستغفر الله من ذلك، فإنّه لم يكن حافظاً، وإنما كان مضيّعاً. ومنها: وقد كان دينُ الله بالأمس عابساً ... لجرّاهُ حتى لاحَ في وجهه بِشرا وكان عليّاً حين كان الذي طغى ... معاوية والحارثيّ له عَمْرا والحارثي كان من أعوانه. أخذه من ابن شرف حيث يقول: مالي يُعاقبُني الزمانُ وليس لي ... ذنب كأنّي عَمْرو المضروب ما كان أولاني بحُكمِ المُبْتَدا ... في النّحو لو أنّ الزّمانَ أديب وله من قصيدة أخرى تجري مجرى الأولى: زارَ الحبيبُ فلم يزُرْني غيهَب ... إنّي وقد لبس الذّوائب غيْهَبا وكأنّها الظّلماءُ قد جُعِلتْ على ... بحر ... من السّحائب طحلبا حكمَتْ على دمِه سيوفُ بُروقِه ... أنْ لا يُصان وأن يُراق ويُسكَبا يستقبلُ الرّوضاتِ ماءً جارياً ... فيعودُ درّاً في الغصون مركّبا ومنها في المديح: ...... برعْي الكلا ... حتى تراهُ بالدّماء مخضّبا وتعافُ وِردَ الماء حتى تشْتكي ... وجناتُه بدمِ الأعادي طُحلُبا من قصيدة منسوبة إليه: ... لكم وِداً ودمْتُم على الجفا ... ويزدادُ حُباً كلّما زدتُمُ قِلَى ولو كان سقماً في الهوى من رضاكُمُ ... لما اخترتُ عنه ما بقيتُ تنقّلا وزَنْتُ مماتي بالبقا عند غيرِكُم ... فألفيتُ موتي عندكم ليَ أفضَلا الفقيه أبو محمد عبد الله بن سلامة أصله من بجاية، ومقامه بالإسكندرية، ثم مصر، والصعيد، والريف، وهو القائل: لي حرمةُ الضّيف لو كُنتم ذوي كرم ... وحرمةُ الجارِ لو كنتم ذوي حسبِ لكنّكم يا بني اللّخناءِ ليس لكُم ... فضلٌ ولا أنتمُ من طينة العربِ كم لا أزالُ على حالٍ أساءُ بها ... منكم وأغضي على الفحْشاء والرّيب لأترُكنّ لكم أرضاً بكم عُرِفتْ ... فأخبثُ البومِ يأوي أخبثَ الخِرَبِ وما مُقامي بأرضٍ تسكنون بها ... منّي يطيبُ ولكن حرفة الأدبِ علي بن يقظان السّبتي

стр. 820

شاعر، أديب، متطبب، أصله من سبتة، ذكره بعض أهل الأدب بمصر، وقال: ورد الى البلاد المصرية سنة أربع وأربعين وخمسمائة، ومضى منه الى اليمن، ورحل الى غَدن من عدن، وسافر الى الشرق، في طلب الرزق، وزار العراق، ودار الآفاق، وله من قصيدة في الوزير الجواد جمال الدين أبي جعفر محمد بن علي بن منصور بالموصل: أإخوانَنا ما حُلتُ عن كرم العهدِ ... فيا ليتَ شِعري هل تغيّرتُم بعدي وكم من كؤوس قد أدرتُ بوِدّكمْ ... فهل ليَ كأس بينكمْ دار في وِدّي أحِنّ الى مصرَ حنينَ متيّم ... بها مستهامَ القلبِ محترِقَ الكبْدِ ومنها: أراهُم بلحظِ الشوق في كل بلدة ... كأنّهمُ بالقرب منّي أو عندي ولو أنّ طعْمَ الصّاب جرّعْتُ فيهمُ ... لفضّلتُه للحبّ فيهم على الشهد ومنها في المخلص: فكم قد قطَعْنا من مفاوِزَ بعدَهم ... وخُضْنا بها الصعْب المرامِ من الوهْد الى أن وصلْنا الموصلَ الآن فانتهتْ ... بنا لجمالِ الدّين راحلةُ القصْدِ وله من قصيدة في مدح الدّاعي عمران بن محمد بن سبأ، بمدينة عدن: صبا الفؤادُ لريمٍ رمتُه فأبى ... وكان من شأنِه التّبريزُ فاحتجَبا عاطَيتُه الكأسَ فاستحيَتْ مدامتها ... من ذلك الشّنبِ المعسول إذ عذُبا حتى إذا غازَلتْ أجفانَه سنَةٌ ... وصيّرَتْه يدُ الصّهباء مُقترِبا ظَلْنا به طرَباً من حسنِ نَغمتِه ... في عودِه نجْتني التّأنيسَ والطّرَبا ونقطعُ الليلَ شدْواً بامتداح فتى ... غدا لخيرِ انتسابٍ حازض مُنتَسبا فتى توارث دسْتَ المُلكِ في عدَنٍ ... ببابِه عن أبيه الأوحدِ ابنِ سَبا وله في مدح أحمد بن راشد صاحب بلاد الشّحر: اللهُ يعلمُ والفضائلُ تشهدُ ... أنّ ابنَ بجْدَتِها ابنُ راشد أحمدُ ومنها: لما حططتُ ببابه حفّتْ بنا ... منهُ مكارمُ في القرى لا تُجحَدُ وتبسّمَ الجَعْدُ الثّرى لي ضاحكاً ... واخضرّ بالأرض البسيطةِ فرقدُ وبدَتْ ليَ البشْرى من البِشْر الذي ... أبداه لي لألاؤه المتوقِّد ورأيتُ همّتَهُ وبُعدَ صعودِها ... فعجِبْتُ من هِممٍ إليها تصْعَد ابن شقرق السّبتي ذُكِر لي سنة ثلاث وسبعين بمصر أنّه يعيش. له في مدح عبد المؤمن صاحب المغرب: قِفوا عيسَكُم في حضرةِ الملكِ الأتقى ... وقضّوا بلَثْم التُربِ من ربعِه حَقّا وحُثّوا المَطايا المقرِباتِ ويمِّموا ... ذَراهُ الرّحيبَ الأخصبَ الأمنعَ الأوْقى ونادِ قِطارَ العيسِ شتّان بيننا ... فيا جِدّ ما تلقى ويا جِدّ ما ألقى سأشْدو معاليه احتفالاً كما شدَتْ ... على الرّوضةِ الغنّاء ساجعةٌ وَرْقا ولوْ رامتِ الأفكارُ مدحةَ غيرِه ... لما أحرزَتْ فهْماً ولا وجدَتْ نُطْقا ومنها: وما هو إلا رحمة لمن اهتدَى ... وغوث وغيث هاطل شمَلَ الخَلْقا وشدّ عُرَى التّوحيد فاشتدّ أزْرُه ... فدونكَ فاستمْسِكْ بعُروتِه الوُثْقى هو البحرُ حدّثْ عن عطاياهُ إنّها ... عطايا جوادٍ عمّتِ الغرْبَ والشّرْقا ودعْ حاتماً في جودِه فهو مثلُ ما ... تحدِّثُ عن بَيضِ الأنوقِ أو العَنْقا وله الى صديق له: دعني أطيلُ تأسّفي وتفجّعي ... قلبي غداةَ البيْن جِدّ مروّعِ تبدّتْ ببَينِهمُ القطارُ فأصبحتْ ... كبِدي وقلْبي يجرِيان بأدمُعي أسفي على زمن الوصال كأنّني ... لم أستظِلّ بظِلّه في مربَعِ فلأمْنَعَنّ الجَفْنَ من طعْمِ الكَرى ... أسَفاً على ذاك الزّمانِ المُمْرِعِ ولأحْفظنّ العهدَ من خِلّ نأى ... بعد التألّفِ والوِدادِ المُمْتِعِ ومنها يصف السفينة ويحثّ صاحبه على ركوبها:

стр. 821

فاركبْ على اسمِ الله متْنَ ركوبَة ... خضراءَ تسبحُ فوقَ لجّ مترِع تخِذَتْ جناحاً مثلَ قلبي خافِقاً ... وحوتْ قوادِمَ كل طيرٍ مُسرِع تسري وتُزْجيها الرياحُ إذا سرَتْ ... وتمرّ مرّ العارض المتقشِّعِ تستعذِبُ المِلحَ الأجاجَ لدى الظّما ... مهما العِطاشُ وردْن عذْبَ المشرع وكأنّما رُكبانُها أبناؤها ... تحنو عليهم رأفَة بالأضلُعِ وكأنّما الملاّحُ فيها آمِر ... يُمضي أوامرَهُ لأوّل موقِع وله في مولود ولد عند موت أخيه: الله أكبرُ بدرُ تمّ أطلَعا ... في إثرِ بدرٍ بالأفول تقنّعا وبكى الغمامُ لذاك مُنتحباً كما ... ضحك الزمانُ لذا غداةَ تطلُّعا فعجبتُ من قمرين ذلك آفِل ... بادي السّرار وذا تبلّجَ مَطْلعا وعجبتُ من غُصنَين ذلك ذابِل ... بادي النّحول وذا رطيب أينَعا وعجبتُ من عينٍ قد أقرّتْ وقد ... سخِنتْ بمصرَع ذاك في حالٍ معا يا من رأى من سرّ حالة حُزنِه ... ورأى الهناءَ مع العزاءِ تجمّعا يهني المعالي أنّها قد أسمعَتْ ... حُسنَ الحديثِ غداةَ صُمَّتْ مسمعا هذا بنَسْجِ اليُمْنِ جاءَ مبشِّراً ... لكمُ الغداةَ فكان ناعٍ قد نعى ولك الهناءُ أبا محمدٍ الرّضا ... ولك العزاءُ مسرة وتفجّعا فيما تُسَرّ به تُسَرّ وبالذي ... يوماً تُساءُ به تُساءُ تَوجعا يونس القسطلي من الجزيرة الخضراء، وهو حيّ في زماننا هذا، له في ابن عبد المؤمن أبي سعيد، وقد جاء الى البلد: أهلاً بمرآكَ السّعيد ومرحبا ... اليومَ رقّ لنا الزّمانُ وأعتبا ومنها: بكمُ تحلّى الدهرُ أحسنَ حِليةٍ ... فغدتْ لياليه صباحاً أشهَبا وأنارَتِ الدنيا بهَديِكُمُ الذي ... أحيا مشارِقَها وخصّ المغرِبا لله......... له ... نور من العلم المَصون تشعَّبا فإذا نظرتَ رأيتَ غِراً يافِعاً ... وإذا اختبَرْتَ وجدتَ عَضاً أشيبا تبدو البدورُ له طماعةَ أن ترى ... وجهاً برَقْراقِ الشّبيبةِ مُشرَبا فيصدّها عنه علوّ مكانِه ... عنها ونور ما هناكَ تطنّبا ومنها: هزّازُ أعطاف اليراعةِ والقَنا ... يصلُ الكتائبَ تارة والمكْتَبا وتراهُ بين روايةٍ مهديةٍ ... أو رايةٍ بالنّصر تخفُق هيْدَبا وإذا تشابهتِ الأمورُ أعادها ... عزْماً يفلّ شبا الحُسام المُقضبا وله شمائلُ كالخمائلِ جادَها ... صوبُ السحائب عطّرتْ نور الرّبى وله خِلال كالزّلالِ نفى القَذى ... عنه الصّبا كادتْ هوًى أن تشرَبا ويثوبَ ذاك مرارة لمن اعتدى ... لله درّكَ ما أمرّ وأعْذَبا يهتزّ للمعروف يفعلُه كما ... يهتزّ عطف البان تحت يد الصّبا ويهشّ نحو المكرُماتِ سجيّة ... ويمدّ للمجد الذّراعَ الأرْحَبا ومنها: يا سرّ قيسٍ يا ذؤابةَ فرعها ال ... أصلي وكوكبَها المنيف المُجتبى قد طالما اشتاقتْ إليكَ ديارُنا ... زمناً وأهدتكَ السّلام الأطْيَبا وله من قصيدة في صاحب الجزيرة: في البدر أثمرهُ قضيبُ البان ... برءُ المتيم أو عناءُ العاني يا غُرّة أخذتْ فؤادي غِرّة ... ورمتْ سهام السهدِ في أجفاني كم ليلةٍ قد بِتّ في ظلمائِها ... حلف السُهى أرعاهُ أو يرعاني ولطالما جرّرت أذيالَ الصِّبا ... ولعاً بكُم وعصيتُ من يلْحاني حتى ارعويتُ عن الضّلالة بالهُدى ... ورأيتُ نورَ الحقّ والبُرهانِ بأبي عليّ طوْدُ كل فضيلةٍ ... قمرُ النّدى وضيغَمُ الشجعانِ

стр. 822

المورِدُ الراياتِ بيضاً في الكُلى ... ومعيدُها كشقائق النّعمان والملجمُ الأسيافَ أرقابَ العِدا ... ومعلُّها علقَ النّجيعِ القاني والقائدُ الخيلَ العتاقَ كأنّها ... طير تمطَّرُ من عيون عنانِ يغزو بها بُدُناً فترجعُ ضُمَّراً ... قُبّاً كأطرافِ القِسيّ حَوانِ ومنها: من كلّ طعّان إذا اشْتجَرَ القَنا ... ينقضّ كالضّاري من العُقبانِ يُهدي الى حدّ الأسنّة غُرّة ... ويردّها والموتُ ذو ألْوانِ في حيثُ يعتنقُ الفوارسَ لا هوًى ... ويبيحُ أنفُسَها لغيرِ هَوانِ والحرْبُ قد كشفَتْ لهم عن ساقها ... والطّعنُ يذهل منه كل جبانِ ومنها: قومٌ إذا ركبوا الجيادَ وجرّدوا ... بيضَ الظُبى من حيلة الأجفانِ آدوا الكتائبَ بعضَها في بعضِها ... ومضوا بها كالنّور في النّيرانِ وإذا هُمُ اعتقلوا القَنا وتدرّعوا ... أيقَنتَ أن اليومَ يومُ طِعان

стр. 823

باب في ذكر محاسن شعراء قلائد العقيان تصنيف أبي نصر الفتح ابن خاقان القيسي الأندلسي بالأندلس والمغرب طالعت كتاب قلائد العقيان في محاسن الأعيان بعد إيراد الذين ذكرتهم من الشعراء، فوجدته مشتملا على ذكر طائفة من أهل هذه العصر الفضلاء، شذوا عن الاثبات، وقد بذوا الغايات، فأوردتهم في هذا المجموع، ليشرقوا في آفاقه إشراق السعود في الطلوع، ولو نقلت كلام مصنف الكتاب المذكور لكان أشرح للصدور، وأوقع في نفوس الجمهور، فإنه كاللؤلؤ المنثور، والفرائد المستخرجة من البحور، والقلائد المتبلجة على النحور، لكنني أجريت جواد خاطري في جواد الخطر، وأنضيت ضامر ضميري في مضمار الفكر، المضيئة القطن بأضواء الفطر، فاستغنيت بعسلي الشافي، عن سكر غيري الكافي، ونسجت على منواله، وما عرجت على نواله، فالحكاية له واللفظ لي، وتركت له عمله ولي عملي، فمن سبق ذكره وورد شعره وألفيت له فائدة زائدة، بحسنها للألباب صائدة، وللأداب شائدة، ولأعطاف الاستحسان مائدة، ولأضياف الامتحان مائدة، رددت سمطه إلى عقده، وأوردت شرطه في عقده، ومن استفدت من هذا الكتاب اسمه ونظمه افردته في هذا الموضع، ونوهت بذكره في هذا المجمع ونبهت على نوره في هذا المطلع، فمنهم: المتوكل أبو محمد عمر بن المظفر كان قبل سنة خمسمائة أورده في الملوك بعد المعتمد وابنه الراضي، وأثنى على عزمه الماضي، ذوحزمه القاضي، ووصفه بسوق الحنود، وخفق البنود، وسبق الملوك في البأس والجود، واعتمار الآمال إلى كعبته، وائتمار الليالي والأيام لإمرتهن وحلاوة جنى جنابه، ورحب ساحته، وطلاوة لهجته، وحلاوة بهجته، وعذب فصاحته، وسياسته في نهيه وأمره، وسلاسته في نظمه ونثره، وصفاء أيامه، ومضاء أحكامه، ونمو مكارمه، وسمو دعائمه، حتى رمته مصيبات الأيام، بمصيبات السهام، وعدا عليه الدهر العادي، ووقع في الاسر حيث لا فادي، ونقل هو وابناه، إلى حيث أمرت المنون جنى مناه، قد ألحفوا أرداء الردى، وعطل منهم نادي الندي، وأنزلوا من الثريا إلى الثرى، وصاروا عبرة لمن يرى، واحل ذمام ذمائهم، وطل حرام دمائهم، وطلوا بنجيع طلاهم، وعلوا بكأس البؤس بعد رفيع علاهم، وحليت ترائبهم بالترب عاطلين من حلاهم، وخليت مطالبهم من النجح لما عراهم، من جور الزمان وعلاهم، وقتل ولداه بين يديه صبرا، وقام ليصلي فبادروه وكشفوا منه بدرا، وصار لأشلائهم بطن النسر قبرا، ولم يقبل كسرهم بعدها جبرا. وهذه عادة الأيام، غمة مصيبتها بالغم صائبة الغمام، وحمى حماتها المصون مبتذل بيد الحمام. فمن شعره ما كتبه إلى يحيى المنصور أخيه وقد بلغه أنه ذكر بسوء في ناديه: فما بالهم لا أنعم الله بالهم ... ينوطون بي ذاما وقد علموا فضلي يسيئون فِيَّ القول جهلا وضلة ... وإني لأرجو أن يسوءهم فعلي لئن كان حقا ما ادعوه فلا مشت ... إلى غاية العلياء من بعدها رجلي ولم ألق أضيافي بوجه طلاقة ... ولم أمنح الباقين في زمن المحل وكيف وراحي درس كل غريبة ... وورد التقى شمي وحرب العدى نقلي ولي خلق في السخط كالشري طعمه ... وعند الرضا أحلى جنى من جنى النَّحْل فيا أيها الساقي أخاه على النوى ... كؤوس القلا مهلا رويدك بالعل لتطفئ نارا أضرمت في نفوسنا ... فمثلي لا يقلى ومثلك لا يقلي وقد كنت تشكيني إذا جئت شاكيا ... فقل لي لمن أشكو صنيعك بي قل لي فبادر إلى الاولى وإلا فإنني ... سأشكوك في الأخرى إلى الحكم العدل قال: وصل أبو يوسف المغني والمتوكل مقلع عن الشرب، متورع بالجد عن اللعب، وقد لبس ثوب الخشوع، واستسقى واكف الدموع، وكثرة السجود والركوع، وقد أجيبت دعوته في إغاثة الغيث بتربة مجدب الثرى، وإنامة عيون الورى، بعد السهاد، لقدوم العهاد، في مهاد الكرى، وهو باق على التوبة، متوق على الحوبة، فكتب إليه: ألمّ أبو يوسف والمطر ... فيا ليت شعري ما ينتظر ولست بآب وأنت الشهيد ... حضور نديك فيمن حضر ولا مطلعي وسط تلك السما ... ء بين النجوم وبين القمر وركضي فيها جياد المدا ... م محثوثة بسياط الوتر فبعث إليه المتوكل مركوبا وكتب معه:

стр. 824

بعثت إليك جناحا فطر ... على خفية من عيون البشر على ذلل من نتاج البروق ... وفي ظلل من نسيج الشجر فحسبي ممن نأي من دنا ... فمن غاب كان فدا من حضر وكتب إليه الوزير أبو محمد بن عبدون مع خمر وورد أهداهما له: إليكها فاجتلها منيرة ... وقد خبا حتى الشهاب الثاقب واقفة بالباب لم يؤذن لها ... إلا وقد كاد ينام الحاجب فبعضها من المخاف جامد ... وبعضها من الحياء ذائب فقبلها وكتب إليه: قد وصلت تلك التي زففتها ... بكرا وقد شابت لها ذوائب فهبّ حتى نسترد ذاهبا ... من أنسنا ان استرد ذاهب وكتب إلى أبي طالب بن غانم أحد وزرائه وكان وزير رأيه، ونديم أنسه، وحميم نفسه، يستدعيه: أقبل أبا طالب إلينا ... وقع وقوع الندى علينا فنحن عقد بغير وسطى ... إن لم تكن حاضرا لدينا الحاجب ذو الرئاستين أبو مروان عبد الملك بن رزين وصفه بالجلالة والاصالة والبسالة، وموروث المجد التالد ومكتسبه الطارف. وترويجه سوق أولي المعارف بإيلاء العوارف، وتبليجه وجوه المكارم بشمس فضله الوافر في ظله الوارف، وأنه من قوم قوموا الجوانح، وذللوا الجوامح، وراضوا من الخطوب صعابا، وفاضوا ثوابا وعقابا، وهو واسطة عقدهم، ورابطة عقدهم، وأسد خيسهم، وهزبر عريسهم. وكانت دولته حافلة الاخلاف، كافلة بالإنصاف، رافلة في ثوب الائتلاف، مهتزة الأعطاف، معتزة الأطراف، ولكنه كثير الشطط على ندمانه، سريع السخط على خلانه، وربما عاد نواله وبالا، وإرغابه إرغاما، وإنعامه انتقاما، لا يرى الجاني صفحة صفحه ولا يرضى من دم المذنب إلا بسفكه وسفحه، وكان حيا النادي في الندى، وحية الوادي على العدى، وله نظم ونثر لم يقصرا عن الغاية، وكلاهما في الجود عالي الراية. فمما أورد من شعره الرائق، وسحره الفائق، قوله في وصف روضة أرجت أرجاؤها، وتلألأت آلاؤها، وتشابه لمقابلة الزهر الزهر أرضها وسماؤها، وحكت جلاؤها صفاء الصفاح ونشرت معاطفها ملاء الملاح، وأطلعت أسحارها صباح الصباح. فروض كساه الطل وشيا مجددا ... فأضحى مقيما للنفوس ومقعدا إذا صافحته الريح خلت غصونه ... رواقص في خضر من العصف ميدا إذا ما انسكاب الماء عاينت خلته ... وقد كسرته راحة الريح مبردا وإن سكنت عنه حسبت صفاءه ... حساما صقيلا صافي المتن جُرَّدا وغنت به ورق الحمائم حولنا ... غناء ينسّيك الغريض ومعبدا فلا تَجْفَوَنَّ الدهر ما دام مسعدا ... ومد إلى ما قد حباك به يدا وخذها مداما من غزال كأنه ... إذا ما سعى، بدر تحمل فرقدا وركب في يوم غيم للصيد، وقد فصم المدام منه عرى الأيد، وشمس الضحى محجوبة، وكأس الودق مسكوبة، والسماء متدفقة، والأرض مزلفة، فعثر به جواده، وقد تفرد وغابت عنه أجناده وأنجاده، فآل تعثر كميته، إلى التأخر في بيته، وبلغه أن عدوا له سر بسقطته، وفرح بفرطته، في ورطته، فقال: إني سقطت ولا جبن ولا خور ... وليس يدفع ما قد ساقه القدر لا يشمتن حسودي إن سقطت فقد ... يكبو الجواد وينبو الصارم الذكر هذا الكسوف يرى تأثيره أبدا ... ولا يعاب به شمس ولا قمر وقال في خليط ودع، وأسال فراقه المدمع: دع الدمع يفني الجفن ليلة ودعوا ... إذا انقلبوا بالقلب لا كان مدمع سروا كاقتداء الطير لا الصبر بعدهم ... جميل ولا طول الندامة ينفع أضيق بحمل الحادثات من النوى ... وصدري من الأرض البسيطة أوسع وإن كنت خلاع العذار فإنني ... لبست من العلياء ما ليس يخلع إذا سلت الألحاظ سيفا خشيته ... وفي الحرب لا أخشى ولا أتوقع وقال فيمن سكر فمثل له سكره معترك النزال، ومقتحم الأبطال، فاستدعى حرب الحرب، واستحلى طعم الطعن وضرب الضرب:

стр. 825

نفس الذليل تعز بالجريال ... فيقاتل الأقران دون قتال كم من جبان ذي افتخار باطل ... بالخمر تحسبه من الأبطال كبش النديِّ تخَبُّطاً وعرامة ... وإذا تشد الحرب شاة نزال وقال في الحنين والنزاع، إلى التلاقي والاجتماع: أترى الزمان يسرنا بتلاقي ... ويضم مشتاقا إلى مشتاق وتعض تفاح الخدود شفاهنا ... ونرى منى الأحداق للأحداق ويعيد أنفسنا إلى أجسادنا ... فلطالما شردت على الآفاق وقال: برّح السقم بي فليس صحيحا ... من رأت عينه عيونا مراضا إن للأعبن المراض سهاما ... صيرت أنفس الورى أغراضا وقال في شمعة: ربّ صفراء تردت ... بشحوب العاشقينا مثل فعل النار فيها ... تفعل الآجال فينا وبقي بعد ملوك الأندلس وانقرض ملكهم، وانتقاض سلكهم، ملكا مطاعا، ضرارا نفاعا، لم تخطئه الأمنية إلى أن تخطت إليه المنية، وبقي ابنه على رسمه، يجري الزمان على حكمه، إلى أن دب إليه الكيد، ووهن منه الأيد، وأوحش منه عرشه، وأنس به نعشه، فتبارك الواحد الذي ليس له ثان، ولا يفنى ملكه وكل شيء فان. الرئيس الأجل أبو عبد الرحمان محمد بن طاهر وصفه بالملكة في البراعة، والمملكة في تصريف اليراعة، والتفرد بالبيان، والتوحد في الإحسان، في جده طود الوقار، وفي مزحه مزج العقار، وعلى مفرقه تاج الملك، وفي مهرقه مزاج المسك، تسلطت عليه الخطوب في سلطانه، ونزع من أوطاره، ونزح من أوطانه، وبقي في أسر ابن عمار وزير المعتمد عانيا، للمحن معانيا، حتى خلصه الوزير أبو بكر بن عبد العزيز، وآواه ببلنسية إلى معقله الحريز، وتنقلت الأحوال به بين نعمى وبؤس، وبش وعبوس، وشدة ورخاء، وسعادة وشقاء. قال مصنف قلائد العقيان: شهدت وفاته سنة سبع وخمسمائة وقد نيف على التسعين، وجف ماء عمره المعين، وزعم أنه انقرض بانقراضه الكلام، وبدأ به وهو الختام، وأورد من رسائله كثيرا، ونظم من فضائله درا نثيرا. قال: ولم أسمع له شعرا إلا ما أنشدني في أبي أحمد بن جحاف عند قتله الملك الملقب بالقادر فظن أنه تتم له الرئاسة فقصده القدر الناثر. أيها الأخيف مهلا ... فلقد جئت عويصا إذ قتلت الملك يحيى ... وتقمصت القميصا رب يوم فيه تجزى ... لم تجد عنه محيصا ومن نثره من جملة كتاب إلى المعتصم أيام رئاسته يصف العدو العابث بالأندلس: كتابي - أعزك الله -، وقد ورد كتاب للمنصور ملاذي والمعتمد بك أيده الله أودعه ما ودع من حياة، ولم يدع مكانا لمسلاة، فإنه للقوب مؤذ، وللعيون مقذ، وللظهور قاصم، ولعرى الحزم فاصم، فليندب الإسلام نادب، وليبك له شاهد وغائب. فقد طفيئ مصباحه، ووطيء ساحه، وهيض عضده، وغيض ثمده. ومن أخرى: الآن عاد الشباب خير معاده، وابيض الرجاء بعد اسوداده وترك الزمان فضل عنانه، فلله الشكر المردد بإحسانه. وافاني أيدك الله لك كتاب كريم كما طرز البدر النهر، أو كما بلل الغيث الزهر، طوقني طوق الحمامة، وألبسني ظل الغمامة.

стр. 826

وله إلى إقبال الدولة برجوع أحد معاقله إليه من رسالة: جراحات الأيام هدر، وجنايتها قدر، وليس للمرء حيلة وإنما هي ألطاف لله جميلة، تستنزل الأعصم من هضابه، وتأخذ المعتر بأثوابه، أحمده عوداً وبدءاً بالنعمة التي ألبسك سربالها، والفتنة التي أطفأ عنك اشتعالها، والرئاسة التي حمى فيها حماك، فرد خاتمها بيمناك، وقد تناولته للباطل يد خشناء، فاستقالته يدك الحسناء، فأقر الله الحال في نصابها، وأبرزها في كمالها، تتراءى بين أترابها، ووضعت الحرب أوزارها وأخفت الأسود أخياسها وزؤارها ومن كانت مذاهبه كمذاهبك وجوانبه للسلامة كجوانبك، أعطته القلوب أسرارها، وأعلقته المعاقل أسوارها، وانجلت عنه الظلماء، وأكرم قرضه والجزاء، فليهنئك الإياب والغنيمة، وهما المنة العظيمة، وليكن لها من نفسك مكان، ومن شكرك الله بالموهبة إعلان، وأما حظي منها فحظ مسلوب أمكنه سلبه، وذي مشيب عاوده شبابه وطربه، ولمكا اقترنا لي، وكانا معظم آمالي، وعلمت أن بهما زوال الخلاف، وتواطيء الأكناف، وأن بالصدر تثلج الصدور وينتهج السرور، بادرت إلى توفية الحق لك، وتعرف الحال بك، مشيعا بالدعاء في مزيدك، ضارعاً في الإدامة لتأييدك، فإن الوقت إساءة وأنت إحسانه، والخير عين وأنت إنسانه، فإن مننت بما سألته، أفضلت وأحسنت إن شاء الله. وله إلى صاحب ميورقة ناصر الدولة: أطال الله بقاء الأمير منيفا حرمه، رفيعا علمه، إن الذي بينته الدنيا من مناقبك العليا فتجلت منه أقاصيها، وتكللت به نواصيها، لجاذب نحوك أحرارها، وجالب إلى ظلك أعيانها، وأخبارها، بقلوب تملكها هواها، وحركها نهاها، وهذا الوزير الكاتب أبو جعفر ابن البني عبدك الآمل صممت به إلى ذراك همم عوال، كأنها للرماح عوال يحملها السفين والعزم الناهد المكين، وريح جد ما تلين، إلى حلي من البيان يتقلدها، يكاد السحر يحسدها، وخلائق محمودة كأنها الخلوق، تنفح مسكا وتشوق، وإن للوشي ماخط، وربما أزرى به إذا حط، والخبر يغنيه عن الخبر، ويعلمه بالعين لا بالأثر لازلت كلفا بالإحسان، منصفا من الزمان، إن شاء الله تعالى. وله إليه: أطال الله بقاء الأمير وأيده، وأعلى يده، الشفاعات على مقدار ملتحفيها، ولكل عندك منزلة توافيها، ولما تأمل ذو الوزارتين.. أبو الحسن العامري مالك في الناس، من الطول والإيناس، بما جبلت عليه من شرف السجية، والهمم السنية، حتى مالت إليك الأهواء ورفع لك بالحمد اللواء، قصد ذراك، واعتقد اليمن في أن يراك، فملأ من زهر العلى أجفانا، ومن نهر الندى جفانا، ويستبدل من صد الزمان إقبالا، ومن تهاون الأيام اهتبالا، وله قدم الوجاهة، وقدم النباهة، ويدل عليه عيانه، كما يدل على الجواد عنانه. وأرجو أن ينال بك الآمال غضة، والأيادي منك مبيضة، فأقوم عنه على منبر الثناء خطيبا، وأوقد على جمر الآلاء عودا رطيبا، لازلت للقاصدين ملاذا، وللراغبين معاذا، إن شاء الله تعالى. وكتب إلى الوزير ابن عبد العزيز حين نجا من اعتقاله بسعيه، ونجا إلى بلنسية، راجيا لاجئا إلى فيئه: كتابي وقد طفل العشي، وسال بنا إليك المطي، لها من ذكراك حاد، ومن لقياك هاد، وسنوافيك المساء، فنغفر للدهر ما قد أساء، ونرد ساحة الأمن، ونشكر عظيم ذلك المن. فهذه النفس أنت مقيلها، وفي برد ظلك يكون مقيلها، فلله مجدك وما تأتيه، لازلت للوفاء تحميه، فدانت لك الدنيا، ودامت لك الأخرى العليا. إن شاء الله تعالى. وكتب إليه: من ذا يضاهيك، وإلى النجم مراميك، فثناؤك لا يدرك، وشعبك لا يسلك، أقسم لأعقدن على علاك من الثناء إكليلا، يرد اللحظ من سناه كليلا، ولأطوفنه شرق البلاد وغربها، ولأحملنه عجم الرجال وعربها، وكيف لا، وقد نصرتني نصرا مؤزرا، وصرفت عني الصيم عفيرا معفرا، وألبستني البأو بردا مسهما، وأوليتني البر متمما. وله في الاعلام بخبر السيل بمرسية:

стр. 827

ورد كتابه مستفهما لما طار إليه الخبر، من السيل الحامل الذي عظم منه الضرر. وقد كنت آخذا في الاعلام، بحوادثه العظام، فإنه أذهل الأذهان، وشغل الجنان، إذ أقبل يملأ السهل والجبل، والجنوب كما اضطجعت، والعيون قد هومت للنوم أو هجعت، فمن ماض قد استلبه، وناج قد حربه وفازغ قد أثكله، وحائر لا يدري ما حم له، والبرق يجب فؤاده، والودق ينسرب مزاده، قد استسلم للقدر، واعتصم بالله ليس سواه من وزر، حتى أرانا آية إعجازه وبراهينه، وغيض الماء لحينه، وطلع الصباح على معالم قد غيرها، وآكام قد خربها، لا ينقضى منها عجب الناظر، ولا يسمع بمثلها في الزمن الغابر، فالحمد لله على وافي دفعه، ومتلافي عونه ونفعه، لا إلاه إلا هو. وله من رسالة في وصف جوارح: قصدني مملوكه في ارتياد أفرخ من الشوذانقات عند أوانها والبعثة بها وقت تهيئها وإمكانها، فلم أفارق لها ارتقابا، ولا حدرت للمباحثة عنها نقابا، ولمظانها طلابا، إلى أن حان حين ظهورها وامتلأت منها حجور وكورها وبدا سعيها، واكتسى عريها، وجهت طبا رفيقا لاستنزالها، يرتقي إلى ذرى أجبالها، ويميز أفرهها ويحوز أشرهها، فحصلت منها عددا، جربت يدا فيداً، إلى أن تخرج منها ثلاثة أطيار، كأنها شعل نار، صيدها أجل كل صيد وقيدها أيما قيد، تقلب حوادق مقل، وتنظر نظر مختبل، وتسرع في الانقضاض، كالوحي والإيماض، وترجع إلى يد وثاقها، كأنما أشفقت من فراقها بمخلب دام، وأبهة مقدام. وله في تولية حاكم: قلدت فلانا سلمه الله النظر في أحكاك فلانة وتخيرته لها بعدما خبرته واستخلفته، وقد عرفته واثقا بدينه، راجيا لتحصينه، لأنه ان احتاط سلم، وإن أضاع أثم، فليقم الحق على أركانه، ليضع العدل في ميزانه، وليسو بين خصومه، وليأخذ من الظالم لمظلومه، وليقف في الحكم عند اشتباهه، ولينفذه عند اتجاهه، ولا يقبل غير المرضي في شهادته، ولا يتعرف الاستقامة إلا من عادته، وليعلم أن الله مطلع على خفياته، وسائله يوم ملاقاته. وكتب إلى صاحب قلبيرة يستدعي منه أقلاما: قد عدمت - أيدك الله - بهذا القطر الأقلام، وبها يتشخص الكلام، وهي حلية البيان وترجمة اللسان، عليها تفرع شعاب الفكر وذكرها منزل في محكم الذكر، ومنابتها بلدك، ويدك فيها يدك، وأريد أن ترتاد منها سبعة كعدد الأقاليم، حسنة التقليم، فضية الأديم، ولا يعتمد منها إلا صليبها والطوال أنابيبها، وإذا استمدت من أنفاسها، وافاك الشكر بطيب أنفاسها إن شاء الله تعالى. وكتب إلى الوزير عبد الملك بن عبد العزيز عند الحادثة بقونكة: كتبت أعزك الله والحد فليل، والذهن كليل، بما حدث من عظيم الخرق، على جميع الخلق، فلتقم على الدين نوادبه، فقد جب سنامه وغاربه، ولتفض عليه مدامعه وعبراته، فقد غشيه حمامه وغمراته، وكان منيع الذرى، بعيدا عن أن يلحظ أو يرى، تحميه المناصل البتر، والذوابل السمر، والمسومة الجرد، ومشيخة كأنهم من طول ما التثموا مرد، فأبى القدر إلا أن يفجع بأشمخ مدائنه ومعاقله، ولا يترك له سوى سواحله، وكانت لطليطلة أختا، فاستلبها فجأة وبغتا، وقبل ما سلب الجزيرة وسطى عقدها، بلنسية جبرها الله. وأرجو أن يتلافى جميعها، من نظر أمير المسلمين ما يعيدها، فيملؤها خيلا ورجالا، وينفر بهم خفافا وثقالا، عليهم من قوادها شيبها وشبانها، وفيهم من أجناده زنجها وعربانها. من كل أبلج باسم يوم الوغى ... يمشي إلى الهيجاء مشي غضنفر يلقى الرماح بوجهه وبنحره ... ويقيم هامته مقام المغفر حتى يستقال جدها العاثر، ويحيا رسمها الدائر، فتبتهج الأرض بعد غبرتها، وتكتسي الدنيا بزهرتها، وما قصر القائد الأعلى في الجد والتشمير، والاحتفال بالأبطال المغاوير، حتى بلغ بنفسه أبلغ المجهود، والجود بالنفس أقصى غاية الجود، ولكن نفذ حكم من له الحكم، ورمى قضاؤه فما أخطأ السهم، والله لا يضيع له مقامه في العام السالف، وما أورد المشركين فيه من المتالف، فما انقضى فتح إلا ورد فتح، كالفجر يتبعه صبح، مد الله بسطته، وثبت وطأته، ولا زال الصنع الجميل على هذا الدين مراميا، وله محاميا، بعزته. وله:

стр. 828

كتبت - أعزك الله - عن ضمير اندمج على سر اعتقادك صدره، وتبلج في أفق مرادك بدره، وسال على صفحات ثنائك مسكه، وصار في راحتي سنائك ملكه، ولما ظفرت بفلان حملته من تحيتي زهرا جنيا، يوافيك عرفه ذكيا، ويواليك أنسه نجيا، ويقضي من حقك فرضا مأتيا، على أن شخص جلالك لي ماثل، وبين ضلوعي نازل، لا يمله خاطر ولا يمسه عرض دابر. وله: كل المعالي إليك ابتسامها، وفي يدك انتظامها، وعليك إصفاقها، ولديك إشراقها، وإن كتابك الرفيع وافاني فكان كالزهر الجني، والبشرى أتت بعد النعي، سرى إلى نفسي فأحياها، وأجلى عني كرب الخطوب وجلاها، وتنبه لي وقد نامت عني العيون، وتهمم بي وقد أغفلني الزمن الخؤون، فملكني بإجماله، واستخفني باهتباله، فلتأتينه بالثناء الركائب، تحمله أعجازها والغوارب. وأما ما وصف به الأيام من ذميم أوصافها، وتقلبها واعتسافها، فما جهلتها، ولقد بلوتها خبرا، ورددتها على أعقابها صغرا فلم أخضع بجفوتها، ولم أتضعضع لنبوتها، وعلمت أن الدنيا قليل بقاؤها، وشيك فناؤها، فأعدت قول القائل: تفانى الرجال على حبها ... وما يحصلون على طائل وعلى حالاتها فما عدمت بها من الله صنعا لطيفا، وسترا كثيفا، له الحمد ما أومض بارق، ولمع شارق، وأما ما عرضه من الانتقال إلى ذراه، والتقلب في نعماه، والحلول بجنابه، فكيف، وأني به، وقد قيدني الهرم فما أستطيع نهضا، ولا أطيق بسطا ولا قبضا، ولو أمكنني لاستقبلت العمر جديدا، والفضل مشهودا، عند من تقر بسوابقه العجم والعرب، وتؤكل خلائقه بالضمير وتشرب، جازاه الله بالحسنى وأولاه، ثواب ما تولى بعزته تعالى. وله وقد دعي إلى زفاف بعض الملوك: نعمه، أيده الله، قد أغرقتني مدودها، وأثقلتني لواحقها ووفودها. وافاني كتابه العزيز داعيا إلى المشهد الأعظم، والمحفل الأكرم، الذي ألبس الدنيا إشراقا، والمجد إبراقا، فألفى الدعاء مني سميعا، لا سيما وقد قلدتني به الشرف والسؤدد والبر جميعا، وسما لناظري فيه إلى حيث النجوم شوابك والمعالي أرائك، إلا أنه أيده الله أتم نظرا، وأوضح تدبرا من أن يلحق بخاصته الزلل، ويوقع عليهم الخلل. وقد علم أن الأيام تركن بالي كاسفا، وخطوي واقفا، فكيف يسوغ أن القاه بذهن كليل، وفكر عليل، إذن فقد أخللت بأياديه، وما أجللت رفيع ناديه، وأقسم القسم البربحياته - أطالها الله - ما كان من وطري أن أتأخر عنه ولي فيه الآمال العريضة، والقداح المفيضة، وفي يدي منه مواعد زهر النظام، ومواهب زرق الجمام، وإذا عرف الحقيقة رأى العذر واضحا، والسر لائحا، وعسى أن يلاحظ سعد، ويستنجز للمنى وعد، وينفسح خاطر، ويهتدي حائر، فيقف بببابه ملازما، ويخر على بساطه لاثما، إن شاء الله تعالى. وحكى القيسي مؤلف قلائد العقيان أنه دخل بلنسية سنة ثلاث وخمسمائة فلقي أبا عبد الرحمان قد انحنى وهو يمسي بالعيش على صخر، ويمشي على ساق من الشجر، ودارت بينهما مراسلات. وكتب إليه الرئيس أبو عبد الرحمان: أنا - أعزك الله - عليك شحيح، ولك فيما تأتيه وتحتذيه نصيح، فالزمان لا يساعد، والأيام تعوق وتباعد، فاقصر من هذه الهمة، واقتصر من أمورك على المهمة، التي تفجأ مع الأوقات، ولا تلجأ فيها إلى ميقات، واقتصد في مواهبك، واقصد إلى العدل في مذاهبك، ولا تكلف في الجود بشرف، ولا تقف من التبذير على سرف، فلو أن البحر لك مشرب، والترب مكتسب، لنفدا معا، ولم يسدا موضعا، ولو كان النجم لك مصعدا، والفلك مقعدا، لما ثنيت إلى ذلك عنانا، ولا ارتضيتها لهمتك مكانا، وقد خطبتك في الحظوة سرا وجهرا، وبذلت لك الامرة اسنى مراتبك مهرا. وكتب إليه بعد مفارقته: يا كوكب مجد أظلمت لغروبه منيرات الآفاق، وذهب ما كنت عهدته من الإشراق، لقد استرجعت مسراتي أجمعها، وأزلت عن نفسي في السلوة طمعها. فسقيا لعهدك، وقل له السقيا ويا لهفي بعدك، إن قضى لك البقيا وإن لي من الشوق ببعدك، والكدر لفقدك، ما لو كان بالفلك الدوار لم يدر، ولقد كانت غراء أيام تلاقينا، والأنس يساقينا، وإنها لممثلة لعيني، ما يحول السلو بينها وبيني، وعساها تعود، فتطلع معها السعود، إن شاء الله تعالى. ذو الوزارتين القائد أبو عيسى ابن لبون

стр. 829

وصفه القيسي بعزة العظماء، وهزة الكرماء، والشغف بالجود، الكلف بالوفود، ونفاق بضائع البدائع في زمانه، واشراق مطالع الصنائع بإحسانه، واتسقت مناظم سلكه، في مراسم ملكه، وجرى مدار فلكه على مراد ملكه وكانت مربيطر مربض جياده، ومنهض أجناده، ومربط أفراس بأسه، ومسقط رأس إيناسه، والدهر مسالمه، والقدر مساعده، والأمل مساعفه، والوطر معاضده، فأخذها منه ابن رزين، وتركه على أرض السائب الحزين، وانعكس حظه، وانتكس لحظه، ونابه القدر في قدره النابه السلطان بنابه السلط، وشابه العير من دهره المتشابه الحدثان بعد الرفع بالحط، ورابه الزمن بالمكاره دون مكارمه، وحار مهتما في بحار مهامه بحارمه. وله نظم نظمأ إلى مناهل ورده، ونجتلي الحسن من مطالع سعده، فمن ذلك قوله في خليط مزائل، وحبيب راحل: سقى أرضا ثوَوْها كل مزن ... وسايرهم سرور وارتياح فما ألوى بهم ملل ولكن ... صروف الدهر والقدر المتاح سأبكي بعدهم حزنا عليهم ... بدمع في أعنّته جماع وقال: قم يا نديم أدر عليَّ القَرْقَفَا ... أو ما ترى زهر الرياض مفوّفا فتخال محبوبا مدلا وردها ... وتظن نرجسها محبا مدنفا والجلنار دماء قتلى معرك ... والياسمين حباب ماء قد طفا وقال يعاتب بعض إخوانه ويخاطب بعض خلانه: لحى الله قلبي كم يحنّ إليكم ... وقد بعتُمُ حظّي وضاع لديكم إذا نحن أنصفناكم من نفوسنا ... ولم تنصفونا فالسلام عليكم وقال بعد التسلط عليه في سلطانه، يحن إلى أوطاره في أوطانه: يا ليت شعري وهل في ليت من أرب ... هيهات لا تنقضي من ليت آراب وأين تلك الليالي إذ تلم بنا ... فيها وقد نام حرّاس وحجّاب أين الشموس التي كانت تطالعنا ... والجو من فوقه لليل جلباب تهدي إلينا لجينا حشوه ذهب ... أنامل العاج والأطراف عنّاب وقال يندب أيامه الموسومة السعود بالإشراق، المنظومة العقود على الاتساق، ويذكر تعثر آماله، وتغير أحواله: خليليّ عوجا بي على مسقط اللوى ... لعل رسوم الدار أن تتغيرا وأسأل عن ليل تولى بأنسنا ... وأندب أياما تقضّت وأعصرا لياليَ إذ كان الزمان مُسَالِماً ... وإذ كان غصن العيش فينان أخضرا وإذ كنت أسقى الراح من كف أغيد ... يناولنيها رائحا ومبكرا أعانق منه الغصن يهتز ناعما ... وألثم منه البدر يطلع مقمرا وقد ضربت أيدي الأماني رواقها ... علينا وكف الدهر عنا وأقصرا فما شئت من لهو وما شئت من ددٍ ... ومن مبسم يجنيك عذبا مؤشّرا وما شئت من عود يغنيك مفصحا ... سما لك شوق بعد ما كان قصرا ولكنّها الدنيا تخادع أهلها ... تَغُرُّ بصفو وهي تطوي مكدّرا لقد اوردتني بعد ذلك كله ... موارد ما ألفيت عنهنّ مصدرا وكم كابدت نفسي لها من ملمّة ... وكم بات طرفي من أساها مسهرّا خليليّ ما بالي على صدق عزمتي ... أرى من زماني ونْيةً وتعذرا ووالله ما أدري لأيّ جريمة ... تجنّى ولا عن أيّ ذنب تغيّرا ولم أك عن كسب المكارم عاجزا ... ولا كنت في نيل أنيل مقصّرا لئن ساء تمزيق الزمان لدولتي ... لقد رد عن جهل كثير وبصّرا وأيقظ من نوم الغرارة نائما ... وكسّب علما بالزمان وبالورى وقال: يا رب ليل شربنا فيه صافية ... صفراء في لونها تنفي التباريحا نرى الفراش على الأكواس ساقطة ... كأنّها أبصرت منها مصابيحا وقال يأنف من المقام والربوض، ويتقاضى عزمه بالسير والنهوض، ويعاف ما رتب له من الإجراء، ويميل إلى الإدلاج والإسراء: ذروني أجُبْ شرق البلاد وغربها ... لأسعى بنفسي أو أموت بدائي

стр. 830

فلست ككلب السوء يرضيه مَرْبض ... وعظم ولكنّي عقاب سماء تحوم لكيما يدرك الخصب حومها ... أمام أمام أو وراء وراء وكنت إذا ما بلدة لي تنكرت ... شددت إلى أخرى مطي إبائي وسرت ولا ألوي على متعذر ... وصممت لا أصغي إلى النصحاء كشمس تبدت للعيون بمشرق ... صباحا وفي غرب أصيل مساء وقال عند زهده في الدنيا وانقباضه، ونفض يده عنها وإعراضه: نفضت كفي عن الدنيا وقلت لها ... إليك عنّي فما في الحق أغتبن من كِسر بيتي لي روض ومن كتبي ... جليس صدق على الأسرار مؤتمن أدري به ما جرى في الدهر من خبر ... فعنده الحق مسطور ومختزن وما مصابي سوى موتي ويدفنني ... قوم وما لهم علم بمن دفنوا الوزير أبو عمرو الباجي الكاتب، قرأت له من مجموع هذين البيتين: غلطت يا دهر أكثر الغلط ... فارجع فإن الأنام في قنط فلم تزل ترفع الخفاف على ... حال ولكن من غير ذا النمط ووصفه كتاب قلائد العقيان بالإعجاز في البيان، والسبق في ميدان الإحسان، وأنه كان في زمان نفاق الفضائل، وإشراق الوسائل، وتزين سماء السماح بكواكب الأكارم، وترنم أطيار الأوطار في رياض النجاح بغناء الغنائم، وحظي من المعروف بالمقتدر، بكل معروف وقدر، وتمكن منه تمكن القلب في الصدر، ولقي من أهل سرقسطه، ما أجزل من كل عارفة قسطه، ثم رحل عنهم، فحن إلى لقائهم، فقال يخاطبهم ويثني على آلائهم: سلام على صفحات الكرم ... على الغرر الفارجات الغمم على الهمم الفارعات النجوم ... على الأيمن الغامرات الديم سلام شج لانقلاب المزار ... نوى غربة عن جوار أمم شجى عن نزاع يذيب الدموع ... بنار الجوانح لا عن ندم وأيّ الندامة من مجمع ... على ما نوى همّه أي هم وهل يتلوّن رأي الأريب ... إذا جدّ في أمره واعتزم عزمت على رحلتي عنكم ... فسرت بقلب شديد الألم أضاحك ضيفي وأطوي الفجاج ... وفي كبدي لاعج كالضرم فما أنس لا أنس ذاك السّنا ... وذاك السناء وتلك الشيم ودنيا بكم طلقة المجتلى ... ودهرا بكم واضح المبتسم وساعة أنس تجول النفو ... س فيها مجال حمام الحرم أحنّ إليكم فمن شاقه ... تذكر عهدكم لم يلم وإن كنت مغتبطا ساحبا ... ذيول الرضى في قرار النعم وأنشر من فضلكم ما حييت ... على أنه سافر كالعلم فما روضة الحزن ذات الفنون ... إذا ما الصباح عليها ابتسم وقد بلل الطل أحداقها ... كأنّ الفريد عليها انتظم بأطيب من نفحات الثناء ... أسيّرها عنكم في الأمم أروح وأغدو بها خاطبا ... لدى سامعي عرب أو عجم لدى كل معترف تابع ... إذا قلت، ألقى إلي السلم ومن حقكم شكر آلائكم ... ومن حق شانئكم أن يذم ومن نثره كنظم السمط، يصف المطر غب القحط:

стр. 831

إن لله تعالى قضايا واقعة بالعدل، وعطايا جامعة للفضل، ومنحا يبسطها إذا شاء ترفيها وإنعاما، ويقبضها إذا أراد تنبيها وإلهاما، ويجعلها لقوم صلاحا وخيرا، وعلى آخرين فسادا وضيرا، وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد، وأنه بعد ما كان من امتساك الحيا، وتوقف السقيا، الذي ريع به الآمن، واستطير له الساكن، ورجفت الأكباد فزعا، وذهبت الألباب جزعا، وأذكت ذكاء حرها، ومنعت السماء درها واكتست الأرض غبرة بعد خضرة، ولبست شحوبا بعد نضرة، وكادت برود الأرض تطوى، ومدود نعمه تزوى. يسر الله تعالى رحمته، وبسط نعمته، وأتاح منته، وأزاح محنته، فبعث الرياح لواقح، وأرسل الغمام سوافح، بماء دفق، ورواء غدق، من سماء طبق، استهل جفنها فدمع، وسح مزنها وهمع، وصاب وبلها ونفع، فاستوفت الأرض ريا، واستكملت من نباتها أثاثا وريا، فزينة الأرض مشهورة، وحلة الرياض منشورة، ومنة الرب موفورة، والقلوب ناعمة بعد بؤسها، والوجوه ضاحكة بعد عبوسها، وآثار الجوع ممحوة، وسور الحمد متلوة ونحن نستزيد الواهب نعمة التوفيق، ونستهديه في قضاء الحقوق إلى سواء الطريق، ونستعيذ به من المنة أن تصير فتنة، ومن المنحة أن تعود محنة، وهو حسبنا ونعم الوكيل. الوزير أبو بكر محمد بن القصيرة قرأت له في بعض التعاليق، هذا البيت شاهدا له بجودة النظم بالتوفيق والتحقيق، وهو من أبيات يهنىء فيها بمولود: لم يستهل بُكىً ولكن منكرا ... أن لم تُعدّ له الدروع لفائفا ولم يورد القيسي مصنف قلائد العقيان شيئا من شعره، لكنه وشح كتابه بنثره، ووصفه بترجح الأقلام في بيانه، وتبجح الأيام بمكانه، وإنه كان في سماء العلى وتاجها دريا ودره، ولمشرفي الشرف وجهة الوجاهة غرارا وغرة، واشتملت عليه دولة أمير المسلمين يوسف بن تاشفين اشتمال الجفن على البصر، والأكمام على الثمر، والهالة على القمر، إلى أن أضمر رمسه، وكورت شمسه. قال القيسي: فمن كلامه رقعة راجعني بها: وافتني لك - أطال اله بقاءك - أحرف كأنها الوشم في الخدود، تميس في حلل إبداعها كالغصن الاملود، وإنك لسابق هذه الحلبة لا يدرك غبارك في مضمارها، ولا يضاف سرارك إلى إبدارها، وما أنت في أهل البلاغة إلا نكتة فلكها، ومعجزة تتشرف الدول بتملكها، وما كان أخلقك بملك يدنيك، وملك يقتنيك، ولكنها الحظوظ لا تعتمد من تتجمل به وتتشرف، ولا تقف إلا على من توقف، ولو اتفقت بحسب الرتب لما ضربت إلا عليك قبابها، ولا خلعت إلا عليك أثوابها، وأما ما عرضته فلا أرى إنفاذه قواما، ولا أرضى لك أن تترك عيون آرائك نياما، ولو كففت من هذا الخلق، وانصرفت عن تلك الطرق، لكان أليق بك، وأذهب مع حسن مذهبك، فقديما أوردت الأنفة أهلها موارد لم يحمدوا صدرها والموفق من أبعدها وهجرها، وسأستدرك الأمر قبل فواته، وأرهف لك مفلول شباته، فتوقف قليلا، ولا تنفذ فيه دبيرا ولا قبيلا، حتى ألقاك هذه العشية، وأعلمك بما تنبني عليه القضية. وكتب عن أمير المسلمين إلى طائفة متعدية: يا أمة لا تعقل رشدها، ولا تجري إلى ما تقتضيه نعم الله عندها، ولا تقلع عن أذي تفشيه قربا وبعدا جهدها، فإنكم لا ترعون لجار ولا غيره حرمة، ولا تراقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، قد أعماكم عن مصالحكم الأشر، وأضلكم ضلالا بعيدا البطر، ونبذتم المعروف وراء ظهوركم، وأتيتم ما ينكر مقتديا في ذلك صغيركم بكبيركم، وخاملكم بمشهوركم، ليس فيكم زاجر، ولا منكم إلا غوي فاجر، وما ترى إلا الله قد شاء مسخكم وأراد نسخكم وفسخكم، فسلط عليكم الشيطان الرجيم يغركم ويغريكم، ويزين لكم قبائح معاصيكم، وكأنكم به قد نكص على عقبيه عنكم، وقال إني بريء منكم، وترككم في صفقة خاسرة، لا تستقيلونها إن لم تتوبوا في دنيا ولا آخرة، وحسبنا هذا إعذارا لكم، وإنذارا قبلكم، فتوبوا وأنيبوا وأقلعوا وانزعوا، واقضوا من أنفسكم كل من وترتموه، وأنصفوا جميع من ظلمتموه وغششتموه ولا تستطيلوا على أحد بعد، ولا يكن إلى أذاه صدر ولا ورد، إلا عاجلكم من عقوبتكم ما يجعلكم مثلا سائرا، وحديثا غابرا، فاتقوا الله في أنفسكم وأهليكم، وإياكم والاعتزاز فإنه يورطكم فيما يرديكم ويسوقكم، إلى ما يشمت به أعاديكم، وكفى بهذا تبصرة وتذكرة، ليست لكم بعدها حجة ولا معذرة ...

стр. 832

وكتب عن أمير المسلمين إلى صاحب قلعة حماد: وصل كتابك، الذي أنفذته من وادي مني صادرا عن الوجهة التي استظهرت عليها بأضدادك، وأجحفت فيها بطارفك وتلادك، وأخفقت فيها من مطلبك ومرادك، فوقفنا على معانيه، وعرفنا المصرح به والمشار إليه فيه، ووجدناك تتجنى وتثرب على من لم يستوجب التثريب وتجعل سيئك حسنا، ونكرك معروفا وخلافك صوابا بينا، وتقضي لنفسك بفلح الخصام، وتوافيها الحجة البالغة في جميع الأحكام، ولم تتأول أن وراء كل حجة أدليت بها ما يدحضها، وإزاء كل دعوى أبرمتها ما ينقضها، وتلقاء كل شكوى صححتها ما يمرضها، ولولا استنكاف الجدال، واجتناب تردد القيل والقال، لفضضنا فصول كتابك أولا فأولا، وتقريناها تفاصيل وجملا، وأضفنا إلى كل فصل ما يبطله، ويخجل من ينتحله، حتى لا يدفع حجته دافع، ولا ينبو عن قبول أدلته راء ولا سامع. ومنها: وأنت تحتفل وتحتشد، وتقوم وتقعد، وتبرق غيظا وترعد، وتستدعي ذؤبان العرب، وصعاليكهم من مبتعد ومقترب؛ فتعطيهم ما في خزائنك جزافا، وتنفق عليهم ما كنزه أوائلك إسرافا، وتمنح أهل العشرات مئين وأهل المئين آلافا، كل ذلك لتعتضد بهم، وتعتمد على تعصبهم، وتعتقد أنهم جنتك من المحاذير، وحماتك من المقادير، وتذهل عما في الغيب من أحكام العزيز القدير ... وكتب إلى أهل مكناسة عنه: أما بعد، - أصلح الله من أعمالكم ما اختل، وأصح من وجوه صلاحكم ما اعتل -، فقد بلغنا ما أنتم بسبيله من التقاطع والتدابر، وما ركبتم رؤوسكم فيه من التنازع والتهاتر، قد استوى في ذلك عالمكم وجاهلكم، وصار شرعا سواء فيه نبيهكم وخاملكم، لا تأتمرون رشدا، ولا تطيعون مرشدا، ولا تقيمون سددا ولا تنحون مقصدا، ولا تفلحون إن لم ترعووا عن غوايتكم أبدا، فلا يسوغ لنا أن نترككم فوضى وندعكم سدى، ولابد لنا من أخذ قناتكم بثقاف إما أن تستقيم أو تتشظى قصدا، فتوبوا من ذنب التباغض بينكم والتباين، واعصوا شياطين التحاقد والتشاحن، وكونوا على الخير أعوانا، وفي ذات الله إخوانا، ولا تجعلوا للغواية عليكم يدا ولا سلطانا. واعلموا أن من نزغ بينكم بشر، أو نفث في فتنة بضر، وقام عندنا عليه الدليل، واتجه إليه السبيل، أخرجناه عنكم، وأبعدناه منكم. فاتقوا الله وكونوا مع الصادقين، ولا تتولوا عن الموعظة وأنتم معرضون، ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون. الوزير أبو المطرف ابن الدباغ الكاتب لم يورد له نظما، ووصفه بالاشتهار بالبلاغة، والاقتصار على حسن البلاغ في كل إراغة، وكلف المعتمد به، فاعتماده عليه لحسن مذهبه، فانبري لشأنه الشاني، فأصابت كماله عين الراني، فأحله اضطراب الحالة حلة الاضطرار، وأفضى به الاغترار إلى الاعترار، وحصل دون درك الإيثار، في شرك العثار، فانتقل إلى المتوكل متوكلا، فرفع ووسع له منزلة ومنزلا، وكر إلى سرقسطة بلده ومحله، ليكون مع ولده وأهله، فبات ليلة في بعض حدائقها، فرمقته النوائب بأحداق بوائقها، فطرقه عدو له وهنا، وكسا قواه بفري أوداجه وهنا، وطعنه بمداه ورداه رداه، وسقاه من الموت الأحمر كأس حمامه، وتركه لا يستيقظ من منامه. ومن كتبه، وكان كثير الشكوى من الدهر ونوبه: كتابي، وأنا كما تدريه، غرض للأيام ترميه، ولكن غير شاك لآلامها، لأن قلبي في أغشية من سهامها، فالنصل على مثله يقع، والتألم بهذه الحالة قد ارتفع، كذلك التقريع إذا تتابع هان، والخطب إذا أفرط في الشدة لان، والحوادث تنعكس إلى الأضداد، إذا تناهت في الاشتداد، وتزايدت على الآماد. وكتب في مثل ذلك: كتابي، وعندي من الدهر ما يهز أيسره الرواسي، ويفتت الحجر القاسي، ومن أجلها قلب محاسني مساويا، وانقلاب أوليائي أعاديا، وقصدني بالبغضة من جهة المقة، واعتمدني بالخيانة من جانب الثقة، فقس هذا على سواه، وعارض به ما عداه، ولا تعجب إلا لثبوتي لما لا يثبت عليه الحلق السرد، وبقائي على مالا يبقى عليه الحجر الصلد، ولا أطول عليك فقد غير علي حتى شرابي، وأوحشتني ثيابي، فها أنا أتهم عياني، وأستريب من بناني، وأجني الإساءة من غرس إحساني، وقاتل الله الحطيئة في قوله، فلشد ما غرر بقوله: من يزرع الخير يحصد ما يسر به ... وزارع الشر منكوس على الراس من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس

стр. 833

أنا والله فعلت خيرا فعدمت جوازيه، وما أحمدت عوائده ومباديه، وزرعته فلم أحصد إلا شرا، ولا اجتنيت منه إلا ضرا، وهكذا جدي فما أصنع، وقد أبى لي القضاء إلا أن أفني عمري في بوس، ولا أنفك من نحوس. ويا ليت باقيه قد انصرم، وغائب الحمام قد قدم، وعسى أن تكون بعد الممات راحة من هذا النصب، وسلوة عن هذه الخطوب والنوب، ودع بنا هذا التشكي فالدهر ليس بمعتب من يجزع، ولا في الأيام رجاء ومطمع. وله من فصل في تعزية: من أي الثنايا طلعت النوائب، وأي حمى رتعت فيه المصائب، فواها لحشاشة الفضل أرصدها الردى غوائله، وبقية الكرم جر عليها الدهر كلاكله، ويا حسرتا للجة المواهب كيف سجرت، ولشمس المعالي كيف كورت، ويالهفي على هضبة الحكم كيف زلزلت، وحدة الذكاء والفهم كيف فللت، فإنا لله وإنا إليه راجعون أخذا بوصاياه، وتسليما لقضاياه. وله فصل: لئن كانت الأيام تنئيك، فالأماني تدنيك، ولئن كنت محجوبا عن الناظر، فإنك مصور في الخاطر، أناجيك بلسان الضمير، وأعاطيك سلاف السرور. وله فصل في ذم كتاب: وردني لك كتاب خلته للطفه سماء، وتوهمته من خفته هباء، وفضضته عن أسطر فيها سواد، لم يتحصل منه مستفاد، فتعوذت برب ذلك الفلق، من شر ذلك الغسق. وله: كنت عهدتك لا تمتنع من مداعبة من يداعبك، ولا تنقبض عن مراجعة من يخاطبك، فمن أين حدث هذا التعالي، وما سبب هذا التغالي، عرفني، - جعلت فداك -، ما الذي عداك، ولعلك رأيت الحضرة قد خلت من قاض فطمعت في القضاء وجعلت تأخذ نفسك بأهبته، وتترشح لرتبته، وأنت الآن لا شك تنفقه في الأحكام، وتتطلع شريعة الإسلام، وهبك تحليت بهذا السمت، وتأهبت وتهيأت لذلك الدست، ما تصنع في قصة السبت، دع عنك هذا التخلق وارجع إلى أخلاقك، وعد في إطراقك، وتجاهل، ما قبلك جاهل، وتحامق مع الحمقى وأنت عاقل، فلا تمنع لذة الاسترسال، ولا تبع الدنيا بخدمتك في سائر الأحوال، فما أشبه إدبارها بالإقبال، وكثرتها بالإقلال. وله يستدعي خمرا: أوصافك العطرة، ومكارمك المشتهرة، تنشط سامعها من غير توطية، في اقتضاء ما عرض من أمنية، وللراح من قلبي محل لا تصل إليه سلوة، ولا تعترضه جفوة، إلا أن معينها قد جف، وقطينها قد خف، فما توجد للسباء، ولو بحشاشة الحوباء، فصلني منها بما يوازي قدري، ويقوم له شكري، فإن قدرك أرفع من أن تقتضي حقه زاخرات البحار، ولو سالت بذوب النضار، لا يصافنه العقار. وله يستدعي إلى مجلس أنس: يومنا يوم قد تجهم محياه، ودمعت عيناه، وبرقعت شمسه الغيوم، ونثرت صباه لؤلؤه المنظوم، وملأ الخافقين دخان دجنه، وطبق بساط الأرض هملان جفنه، فأعرضنا عنه إلى مجلس وجهه كالصباح المسفر، وجلبابه كالرداء المحبر، وحليه يشرق في ترائبه، ونده يعبق في جوانبه، وطلائع أنواره تظهر، وكواكب إيناسه تزهر، وأباريقه تركع وتسجد، وأوتاره تنشد وتغرد، وبدوره تستحث أنجمها محيية، وتقبل أنملها مفدية، وسائر نغماتها خذ وهاتها، وأملها أن تحث خطاك، حتى يلوح سناك، ونشتفي بمرآك. وله: ورد كتابك فنور ما كان بالإغباب داجيا، وحسن مشافها عنك ومناجيا، واسترد إلى الخلة بهاءها، وأجرى في صفحة الصلة ماءها، وعند شدة الظمأ يعذب الماء، وبعد مشقة السهر يطيب الاغفاء، ورأيت ما وعدت به من الزيارة فسرني سرورا بعث من إطرابي، وحسن لي دين التصابي، فارتحت كأنما أدار علي المدام مديرها، وجاوب المثاني والمثالث زيرها، ولا تسأل عن حالي استطلعتها فهي كاسفة بالي، كاشفة عن خبالي بصبح لاح من خلال ذؤابتي، وتنفس في ليل لمتي، فأدجى مطالع أعملي، وأراني مصارع آمالي. وله فصل: يا ليت شعري كيف اتغير على بعضي، وأمنحه قطيعتي وبغضي. وله فصل:

стр. 834

طلع علينا هذا اليوم فكاد يمطر من الغضارة صحوه، ويقبس من الإنارة جوه، ويحيي الرميم اعتداله، ويصبي الحليم جماله، فلفتنا زهرته، ونظمتنا بهجته، في روضة أرضعتها السماء شآبيبها ونثرت عليها كواكبها، ووفد عليها النعمان بشقيقه، أو قبل فيها الهند بخلوقه، وبكر إليها بابل برحيقه، فالجمال يثني بحسنه طرفه، والنسيم يهز لأنفاسه عطفه، وتمنينا أن يتبلج صبحك من خلال فروجه، وتحل شمسك في منازل بروجه، فيطلع علينا الأنس بطلوعك، وتهديه بوقوعك، ولن تعدم نورا يحكي شمائلك طيبا وبهجة، وراحا تخالها خلالك صفاء ورقة، وألحانا تثير أشجان الصب، وتبعث أطراب القلب، وندامى ترتاح إليهم الشمول، وتتعطر بأرجهم القبول، ويحسد الصبح عليهم الأصيل، ويقصر بمجالستهم الليل الطويل. الوزير الفقيه الكاتب أبو القاسم ابن الجد وصفه بالإعجاز، في الصدور والأعجاز، وإقطاع استعارته جانبي الحقيقة والمجاز، وإنارة أفق أدبه، ونضارة روض السداد به، والافتتان بالعلم، والازديان بالحلم، قد احتوت على السحر الحلال مهارقه، وأضاءت بنور الإقبال مشارقه، وجادت بصوب النوال بوارقه. كان بالدرس مشتغلا، وللأنس بالعلم معتزلا، حتى استدعاه أمير المسلمين فأجاب، وأحسن عنه المناب. وقد أورد من نثره الباهر، ونظمه الزاهر، ما تسلب الألباب أساليبه، وتروي الآداب شآبيبه، وفي رسائله ما هو مؤرخ لسنة اثنتي عشرة وخمسمائة وقد عاش بعد ذلك طويلا، وأوتي جاها عريضا طويلا. فمن ذلك رقعة ذكر القيسي أنه راجعه بها عن معاتبة، في توقف مجاوبة، وهي: لو أطعت نفسي، - أعزك الله -، بحسب هواها، ومحتمل قواها، لما خططت طرسا، ولا سمعت للقلم جرسا، ولنمت في حجر العطلة مستريحا، ولزمت بيت العزلة حلسا طريحا، ولكنني بحكم الزمان مغلوب، وبحقوق الإخوان مطلوب، فلا أجد بدا من إعمال الخاطر وإن غدا طليحا، وتناهى تبليحا ولما طلع علي طالع خطابك الكريم، في صورة المقتضي الغريم، تعين الأداء، ووجب الأعداء، واتصل بالتلبية النداء وقد كنت تغافلت عن الكتاب الأول، تغافل الساكن إلى العدو المنازل، فهزتني من الثاني كلمات مؤلمات، ولكنها في وجوه الحسن والإحسان سمات، لم توجد في المعرفة طريقا، ولا سوغتني في النظرة ريقا، فتكلفت هذه الأسطر تكلف المضطر، حفزه ثقل البر، وأنت بفضلك تقبل وجيزها، ولا تبخل بأن تجيزها، والله يطيل بقاءك محسود النجابة، ولا يخلي دعوتي لك من الإجابة. وله من قصيدة: لئن راق مرأى للحسان ومسمع ... فحسناؤك الغراء أبهى وأمتع عروس جلاها مطلع الفكر فانثنت ... إليها النجوم الزاهرات تطلع زففت بها بكرا تضوَّع طيبها ... وما طيبها إلا الثناء المضوّع لها من طراز الحسن وشي مهلل ... ومن صنعة الإحسان تاج مرصّع وله مراجعا: سلام كأنفاس الأحبّة موهنا ... سرت بشذاها العنبري صبا نجد سلام كإيماض الغزالة بالضحى ... إلى الروضة الغناء غبّ الحيا العد على من تحراني بمعجز شعره ... فأعجز أدنى عفوه منتهى جهدي حبانِيَ من حَبْك اللسان بِلاَمَة ... مضاعفة التأليف محكمة السرد دلاص من النظم البديع حصينةٍ ... ترد سنان النقد منثلم الحد عليها من الإحسان والحسن رونق ... كما ديس متن السيف من صدأ الغمد وفيها على الطبع الكريم دلالة ... كما افترَّ ضوء السقط عن كرم الزند أبا عامر لا زال ربعك عامرا ... بوفد الثناء الحر والسؤدد الرغد لقد سمتني في حومة القول خطة ... لففت لها رأسي حياء من المجد وكتب إلى أحد الشعراء مراجعا: أما ونسيم الروض طاب به فجر ... وهبّ له من كلّ زاهرة عِطْرُ تَحَامَى له من سرّه زَهَرُ الرُّبى ... ولم يَدْرِ أن السر في طيه نشر ففي كلّ سهب من أحاديث طيبه ... تمائم لم يعلق بحاملها وزر لقد فغّمتني من ثنائك نفحة ... ينافسني في طيب أنفاسها العطر

стр. 835

تضوّع منها العنبر الورد فانثنت ... وقد أوهمتني أن منزلها السِّحْر سرى الكبر في نفسي لها ولربّما ... تجانف عن مسرى ضرائِبِي الكبر وشيت بها معنى من الراح مطربا ... فخيل لي أن ارتياحي بها سكر أبا عامر، أنصف أخاك فإنّه ... وإياك في محض الهوى الماء والخمر أمثلك يبغي في سمائيَ كوكبا ... وفي جوك الشمس المنيرة والبدر ويلتمس الحصباء في ثَعَب الحصى ... ومن بحرك الفيّاض يُستخرج الدر عجبت لمن يهوى من الصَّفر تَوْمَةً ... وقد سال في أرجاء معدنه التبر ومن رسائله، كتب عن أمير المسلمين، وناصر الدين، إلى أهل إشبيلية: كتابنا - أبقاكم الله، وعصمكم بتقواه، ويسركم من الاتفاق والائتلاف لما يرضاه، وجنبكم من أسباب الشقاق والخلاف ما يسخطه ويأباه -، من حضرة مراكش حرسها الله لست بقين من جمادى الأولى سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، وقد بلغنا ما تأكد بين أعيانكم من أسباب التباعد والتباين، ودواعي التحاسد والتضاغن، واتصال التباغض والتدابر، وتمادي التقاطع والتهاجر، وفي هذا على فقهائكم وصلحائكم مطعن بين، ومغمزلا يرضاه مؤمن دين. فهلا سعوا في إصلاح ذات البين، سعي الصالحين، وجدوا في إبطال أعمال المفسدين، وبذلوا في تأليف الآراء المختلفة، وجمع الاهواء المفترقة، جهد المجتهدين، ورأينا والله الموفق للصواب، أن نعذر إليكم بهذا الخطاب، فإذا وصل إليكم، وقرىء عليكم، فاقمعوا الأنفس الأمارة بالسوء، وارغبوا في السكون والهدوء، ونكبوا عن طريق البغي الذميم المشنوء، واحذروا دواعي الفتن، وعواقب الإحن، وما يجر داء الضمائر، وفساد السرائر، وعمى البصائر، ووخيم المصائر، وأشفقوا على دياركم وأعراضكم، وثوبوا إلى الصلاح في جميع أغراضكم وأخلصوا السمع والطاعة لوالي أموركم، وخليفتنا في تدبيركم وسياسة جمهوركم، أخينا الكريم علينا أبي القاسم إبراهيم، أبقاه الله، وأدام عزه بتقواه، واعلموا أن يده فيكم كيدنا، ومشهده كمشهدنا، فقفوا عند ما يحضكم عليه، ويدعوكم إليه، ولا تختلفوا في أمر من الأمور لديه، وانقادوا أسلس انقياد لحكمه وعزمه، ولا تقيموا على ثبج عناد بين حده ورسمه، والله تعالى يفيء بكم إلى الحسنى، وييسركم لما فيه صلاح الدين والدنيا، بقدرته. وله فصل لأجل الفقيه أبي الفضل ابن عياض إلى أحمد بن حمدين: أما وكنف برك لمن أمك من أهل الفضل ممهد، وجفن رعايتك لهم مسهد، ومنزل حفايتك بهم متعهد، وكل وعر يلقونه في سبيل قصدك مستسهل، لا يرويهم دونك منهل، ولا يضل بهم للعلم مجهل، وممن رأى أن يقتحم نحوك ظهري لجة ومحجة، ويقرن في أم كعبة فضلك بين عمرة وحجة، ويرحل إلى حضرتك المألوفة مهاجرا، ويعتمدها في طلب العلم تاجرا، ليجتهد في جمعه وكسبه اجتهاد مغترب، ويملأ من بضائعه وفوائده وعاء غير سرب، ومذهبه الاقتباس من أنوارك، والالتباس برهة من الدهر بجوارك، والاستئناس بأسرة بشرك ومسرة جوارك، فلان وله في الفضل مذاهب يبهرج عندها الذهب، وعنده من النبل ضرائب لا يفارق زندها اللهب، وستقربه، فتستغربه، وتخبره، فتكبره، إن شاء الله تعالى. وكتب عن أمير المسلمين في معنى ابن عياض إلى ابن حمدين: فلان - أعزه الله، وأعانه على ما نواه -، ممن له في العلم حظ وافر، ووجه سافر، وعنده دواوين إغفال، لم تفتح لها على الشيوخ أقفال، وقصد تلك الحضرة ليقيم أود متونها، ويعاني رمد عيونها، وله إلينا ماتة مرعية أوجبت الإشادة بذكره، والاعتناء بأمره، وله عندنا مكانة حفية تقتضي مخاطبتك بخبره، وإنهاضك إلى قضاء وطره، وأنت إن شاء الله تسدد عمله، وتقرب أمله، وتصل أسباب العون له. وكتب عن أمير المسلمين إلى أهل سبتة بولاية الأمير أبي زكرياء يحي بن أبي بكر:

стр. 836

كتابنا، - أبقاكم الله وأكرمكم بتقواه، ويسركم لما يرضاه، وأسبغ عليكم نعماه -، وقد رأينا، والله بفضله يقرن جميع آرائنا بالتسديد، ولا يخلينا في كافة أنحائنا من النظر الحميد، أن نولي أبا زكريا يحي بن أبي بكر محل ابننا الناشيء في حجرنا أعزه الله، وسدده في ما قلدناه إياه، مدينتي فاس وسبتة وجميع أعمالهما حرسهما الله، على الرسم الذي تولاه غيره قبله فأنفذنا ذلك لما توسمناه من مخائل النجابة قبله، ووصيناه بما نرجو أن يحتذيه ويمتثله، ويجري عليه قوله وعمله، ونحن من وراء اختباره، والفحص عن أخباره، لأنني بحمد الله في امتحانه وتجريبه، والعناية بتخريجه وتدريبه، والله يحقق مخيلتنا فيه، ويوفقه من سداد القول والعمل لما يرضيه، فإذا وصل إليكم خطابنا فالتزموا له السمع والطاعة، والنصح والمشايعة جهد الاستطاعة، وعظموا بحسب مكانه منا قدره، وامتثلوا في كل عمل من أعمال الحق نهيه وأمره، والله تعالى يمده بتوفيقه وهدايته، ويعرفكم يمن ولايته بعزته. وكتب عنه إلى أبي محمد عبد الله بن فاطمة: كتابي، - أطال الله في طاعته عمرك، وأعز بتقواه قدرك، وشد في ما تتولاه أزرك، وعضد بالتسديد والتوفيق أمرك - من حضرة مراكش حرسها الله وقد رأينا والله ولي التوفيق، والهادي إلى سواء الطريق، أن نجدد عهدنا إلى عمالنا عصمهم الله بالتزام أحكام الحق، وإيثار أسباب الرفق، لما نرجوه في ذلك من الصلاح الشامل، والخير العاجل والآجل، والله تعالى ييسر لما يرضيه من قول وعمل منه، وأنت - أعزك الله -، ممن يستغني بإشارة التذكير، ويكتفي بلمحة التبصير، لما تأوي إليه من السياسة والتجربة، فاتخذ الحق أمامك، وملك يده زمامك، وأجر عليه في القوي والضعيف أحكامك، وارفع لدعوة المظلوم حجابك، ولا تسد في وجه المضطهد المهضوم بابك، ووطيء للرعية حاطها الله أكنافك، وابذل لها إنصافك، واستعمل عليها من يرفق بها، ويعدل فيها، واطرح كل من يحيف عليها ويؤذيها، ومن سبب عليها من عمالك زيادة، أو خرق في أمرها عادة، أو غير رسما، أو بذل حكما، أو أخذ لنفسه منها درهما ظلما، فاعز له عن عمله، وعاقبه في بدنه، وألزمه رد ما أخذ متعديا إلى أهله، واجعله نكالا لغيره حتى لا يقدم أحد منهم على مثل فعله، إن شاء الله وهو تعالى ولي تسديدك، والملي بعضدك وتأييدك، لا إلاه غيره. وكتب عنه إلى أهل غرناطة من كتاب: قد اتصل بنا أنكم من مطالبة فلان على أولكم، وفي عنفوان عملكم، وإنه لا يعدم تشغيبا وتأليبا من قبلكم، فإلى متى تلحون في الطلب، وتجدون في الغلب، وتقرعون النبع بالغرب، ولقد آن لحركتكم به أن تهدأ، وللنائرة بينكم أن تطفأ، ولذات بينكم أن تصلح، ولوجوه المراشد قبلكم أن تتضح وإذا وصل إليكم خطابنا هذا فاتركوا متابعة الهوى، واسلكوا معه الطريقة المثلى، ودعوا التنافس على حطام الدنيا. وليقبل كل واحد منكم على ما يعنيه، ولا يشتغل بما ينصبه ويعنيه، ولابد لكل عمل، من أجل، ولكل ولاية، من غاية، ولن يسبق شيء إناه، وإذا أراد الله أمرا أسناه، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون، وفقكم الله لما فيه صون أديانكم وأعراضكم، وتسديد أنحائكم وأغراضكم. ذو الوزارتين المشرف أبو بكر محمد بن أحمد بن رحيم ذكره لي الفقيه اليسع بمصر، وقال أدركته سنة عشرين وخمسمائة وهو صاحب ديوان إشبيلية وذكره الفتح في قلائد العقيان وأثنى عليه وعلى نجاره، وثنى الحمد إلى علاء مجاره، ووصفه بشرف السؤدد، وكرم المحتد، والسجاحة في السجية، والسماحة والأريحية، والسلامة من الكبر والخيلاء، والاستقامة في الفكر والذكاء، والاستقلال بالإبرام والنقض، والاستبداد بالبسط والقبض، والرفع والخفض، وافتقار الدولة إليه افتقار الجسد إلى الروح، والمشكل إلى الوضوح. وقد أورد من شعره قصيدة نظمها في شعبان سنة خمس عشرة وخمسمائة في الأمير أبي إسحاق إبراهيم بن يوسف بن تاشفين: سقى الله الحمى صوب الولي ... وحيا بالاراكة كل حي وإن ذكر العقيق فباكرته ... سحائب معقبات بالروي تروي مسقط العلمين سكبا ... تُلبَسِّهُ جنى الزهر الجني ولا بليت لمرسية برود ... مطرزة بأسباب الحلي

стр. 837

ذكرت معاهدا أقوت وكانت ... أواهل بالقريب وبالقصي أقول وإن غدوت حليف شجو ... أعلل لوعة القلب الشجي لأصرف عفة طرفي وكفي ... عن اللحظ العليل النرجسي وأخزن منطقي عن كل هُجر ... وأهجر كلّ مِلْسَانٍ بَذِيّ ولما أن رأيت الدهر يدني ... دَنِيَّا ثم يسطو بالسني وجدت به على الأيام غيظا ... كما وجد اليتيم على الوصي طلبت فما سقطت على خبير ... يخبّر عن ودود أو صفي كما أني بحثت على كريم ... فما ألفيت ذا خلق رضي ولولا واحد لسددت عيني ... فلم تفتح على شخص سري هو الملك المعظم من ملوك ... ينير بها سنا الأفق السني لهم همم تعالى كل حين ... يفوت بها ذرى النجم العلي وحسن خلائق رقت فجاءت ... كما وهب النسيم مع العشي مصون العرض مبذول العطايا ... ندي الترب مبرور الندي جواد جوده أن سِيلَ سَيْلٌ ... ويأتي عرفه مثل الأتي يمد إلى العفاة يمين يمن ... تُلَيِّنُ قَسْوةَ الدهر الأبي تحلى ملكه بعلى نهاه ... كما ازدان المقلد بالحلي تدار عليه أكواس المعالي ... فتأخذ١ من هِزَبْر أريحي يطارد بالضحى خيل الأعادي ... ويأوي كل وفد بالعشي لإبراهيم عند الله سرّ ... يدق به عن النظر الخفي يرى غيب الأمور إذا ادلهمّت ... بعين الرأي والفكر البدي ويوضح كل مشكلة فيرمي ... بها فيصيب شاكلة الرمي درت صنهاجة ولها علاها ... بأن علاه مفتخر الندي وتعلم أنه سيف محلّى ... لدفع الخطب أو قرع الكمي وكم من سيد فيهم ولكن ... أتى الوادي فطمّ على القَرِيّ أيا لَيْثَ الحروب ومن تردّى ... رداء الفضل والخلق الرضي لقد أصبحت روح العدل حقا ... وأسود مقلة الملك الحفي سواك يريح من وخد المطي ... ويقصر عن مدى الأمد القصي وأنت تصادم العلياء لما ... غدت مرقى لكل فتى علي تصادر كل معضلة نؤود ... متى هجمت بصدر السمهري وتكشف كل غماء بهدي ... حكى هدي النبي الهاشمي أبا إسحاق يا ابن أمير ملك ... يقصر عنه ملك التُّبَّعيِّ ليوسف مفخر يروى ويتلى ... كما يتلى الحديث عن النبي ركبت مناهج التقوى ففاتت ... أمورك كل أمر معتلي وسرت بسيرة العمرين عدلا ... ولم تقعد مضاء عن علي أيا ملك الملوك لدي قول ... فوطيء لي على كنف وطي وحسِّن فضل أخلاق كرام ... إذا حيّت فعن مسك ذكي لك الفضل الذي أوليتنيه ... فأشكره ولي حق الولي وأمري مظلم بالشرق حتّى ... تبلجه لدى المولى العليّ وهذا وقت خدمة كل أمر ... فسبب لي إلى السَّبب الحظي ومهما دار قول نمقته ... رجال لا تضاف إلى سري فلا تسمع لمشاء نميم ... ودع أقوال همّاز غوي دعي في الصفاء فليس يعطي ... بقدر الحب والود الخفي وليت قلوبنا شقت فتدري ... بها فضل الخؤون على الوفي ويهني المجد عزّ نلت فيه ... جزيل الاجر بالسعي الزكي كلامي قاده ودي فأهدي ... إليك قصيدة مثل الهدي فخدها كالعروس تفوت طبعا ... أيا ويح الشجي من الخلي وله من قصيدة فيه: بيني وبين النوى دخل فان صدعت ... شملي فعنديَ تفويض وتسليم وإن تكن نثرت سلكي نوى قذف ... فان سلك رجائي فيك منظوم وله:

стр. 838

نفديك من منزل بالنفس والذات ... كم لي بمغناك من أيام لذات نجني بك العيش والآمال دانية ... أعوام وصل قطعناها كساعات تُسْقَى لديك اغتباقات مسلسلة ... والدهر قد نام عنا باصطباحات يا قبة الدهر لا زالت مجددة ... تلك المعالم ما دامت مقيمات حفظت من قبة بيضاء حف بها ... نهر تفضض يجري بين دوحات عليك منِّيَ ريحان السماء كما ... حيتك مسكة دارين بنفحات لله يوم ضربنا للمدام به ... رواق لهو بكاسات وجامات ومنها: وللمياه ابتسام في جداولها ... كما تشق جيوب فوق لبات حدائق أحدقتها للمنى شجر ... خضر وأودية حفت بروضات جنات أنس رعى الرحمان بهجتها ... حسبت نفسي منها وسط جنات منازل لست أهوى غيرها سقيت ... حيا يعمم وخصت بالتحيات وله من قصيدة يهنيء فيها أخاه الوزير أبا الحسن بمولود: خلصت إليك مع الأصيل الأنور ... أمنية مثل الصباح المسفر غراء إلا أنها من خاطري ... بمكان أسود ناظري من محجري أرجت شَذىً أرْجَاؤُها فكأنها ... قد ضمخت بلخالخ من عنبر أهدت إليك مع النسيم تحية ... فتقت نوافجها بمسك أذفر فأتت كما زارتك عاطرة اللمى ... بيضاء صيغت جوهرا في جوهر هيفاء رود ذات خصر صائم ... ومعاطف لدن وردف مفطر هزت جوانب همتي فكأنما ... عجبا بها أنا تُبَّع في حمير يا حسن موقع ذلك الأمل الذي ... تزري حلاوته بطعم السكر نظم السرور كما نظمت لآلئاً ... بيد الصبابة في مقلد معصر ورد الكتاب، به فرحت كأنني ... نشوان راح في ثياب تبختر لما فضضت ختامه فتبلجت ... بيض الأماني من سواد الأسطر قبلت من فرح به خد الثرى ... شكرا ولا حظ لمن لم يشكر يا مورد الخبر الشهي وحامل ال ... أمل القصي وهاديَ النبأ السري زدني من الخبر الذي أوردته ... يا برد ذاك على فؤاد المخبر صفحا وعفوا للزمان فإنه ... ضحكت أسرّة وجهه المتنمر طلع البشير بنجم سعد لاح من ... أفق العلى وبشبل ليث مخدر لله درك أي فرع سيادة ... أعطيته وقضيب دوحة مفخر طابت أرومته وأينع فرعه ... والفرع يعرف فيه طيب العنصر أنت الجدير بكل فضل نلته ... وحويته وبكل مكرمة حري تهنى رُحَيْماً انها قد أنجبت ... برحيم المحمود أسنى مذخر نامت عيون الدهر عن جنباته ... وحمت مناهله متون الضمر وصفا له ولأخوة يتلونه ... ماء الحياء لديك غير مكدر فلآنت بدر السعد وهو هلاله ... ولأنت سيف المجد وهو السمهري أفدي البشير بمهجتي وبتالدي ... وبطار في وعذرت ان لم يعذر بأبي أبوه أخي كبيري سيدي ... أسدى إليّ مواهبا لم تصغر ذاك الذي علقت بعلق نفاسة ... منه المنى فكأنه لم يشعر مصباح من هامت به ظَلْمَاؤُهُ ... ومنار هدي السائر المتحير بدر ولكن إن تطلع كامل ... ليث ولكن عند عزمته جري ندب تدل على علاه خِلاَلُهُ ... كالسيف يدري فضله في الجوهر سيف تحلى بالعلاء رئاسة ... وصفت جواهره لطيب المكسر لو كانت العلياء شخصا ماثلا ... لرأيته منها مكان المغفر ومنها: نحن الرحيميون إن ذكر الندى ... نذكر وإن ذكر الخنى لم نذكر إن أخبروك أو اختبرت علاهم ... أنساك طول الخبر طيب المخبر

стр. 839

شرف سقاه الفضل وسمي العلى ... فتضوع أزهار الثناء الأعطر ساداتنا سادات كل معاشر ... إن حصلوا ولآنت سيد معشري فإذا تلاحظت المكارم من فتى ... مضر أشار إليك أهل المحضر وإذا جروا يوم المكرِّ سبقتهم ... وأتوا لقسمة مغنم، لم تحضر ومنها: هو مفخري يوم الجدال ومنصلي ... يوم النزال ورايتي في العسكر من لم يرد علياه لم يرد العلى ... ما لم يرد بحريمه لم ينصر ومنها: أنا ذاك شيمتي الوفاء وإننّي ... لا بالملول ولست بالمتغيّر وإذا تنكرت الأحبة فالرضى ... مني الجزاء ولست بالمتكبر إني لأصبر عند كل عظيمة ... وإذا ظلمت مجاهرا لم أصبر مهما تقسني بالرّجال وجدتهم ... مثل الحصا ووجدتني كالجوهر فإليكها مثل العروس زففتها ... سكرى تجرّ ذيولها بتبختر ومنها: فابسط بفضلك عذر وافدة العلى ... وابسط لها وجه الكريم الموسر واسمح لها لا تنتقدها إنها ... مع مفرط الاعجاز قول مقصر وغني له بشعر يشهد قبول القلوب بحسنه، فعمل على وزنه، والشعر الذي غني به: خليلي سيرا واربعا بالمناهل ... وردَّا تحيات الخليط المنازل فإن سأل الأحباب عني تشوقا ... فقولا تركناه رهين البلابل فقال: وإن يَتناسوني لعذر فذكرا ... بأمري ولا تدري بذاك عواذلي لعل الصبا تأتي فتحيي بنفحة ... فؤاديَ من تلقاء من هو قاتلي فيا ليت أعناق الرياح تقلني ... وتنزلني ما بين تلك المنازل وله من قطعة أولها: خص يا غيث مربع الأحباب ... وتعاهد بالعهد عهد التصابي ولتسلم على معرس سلمى ... ولتصل بالرباب دار الرباب هي روضات كل أنس وطيب ... ومغان سكانها أصل ما بي فكساها العلاء ثوب بهاء ... وسقاها الجمال ماء الشباب ثم سارت ألبابنا فبقينا ... بين أهل الهوى بلا ألباب فأصيب بها القلوب فصارت ... لشقائي مآلف الأوصاب أمرضتني مرضى صحاح ولك ... نّ عذابي بين الثنايا العذاب أقسم الشوق أن يقسم قلبي ... بين قوم لم يسألوا عن مصابي فرقة آثرت صدودي وأخرى ... أخذت جِدَّ سيرها في الذهاب أي وجد أشكو وقد صار قلبي ... رهن أيدي الصدود والاغتراب بعت حظي من الوفاء متى ما ... لم أمت حسرة على الأحباب ولئن همت بالجمال فإني ... أبدا عفت موضع الارتياب ودعتني عن المقابح نفس ... خلقت من محاسن الآداب وله: يا بغيتي قلبي لديك رهينة ... فلتحفظيه فربما قد ضاعا أوقدته وتركته متضرما ... بأوار حبّك يستطير شعاعا لا تسلميه فإنه نزعت به ... تلك الخلال إلى هواك نزاعا حاشا لمثلك أن تضيع ضراعتي ... ولمثل حبي أن يكون مضاعا إني لأقنع من وصالك بالمنى ... ومن الحديث بأن يَكون سماعا الوزير الكاتب أبو محمد ابن القاسم كان والده صاحب شنتبريه، وصفه بالكرم والنفاسة، والشرف والرئاسة، والتدبير والسياسة، والوقار، الذي لا تستخفه كأس العقار، والمآثر التي آثرتها ألسنة الإيثار، بحسن الآثار، وذكر أن الدولة مع فقرها إلى غنائه، وفخرها بمضائه، وإنارة فجرها بأضوائه، ونضارة روضها بنواره وأنواره، تخلت عنه تخلي الحسناء عن حليها، والعقود عن درها، والبروج عن دريها، وذكر أنه قد أنس بوحشة انفراده، ولبس حلة انزوائه عن أنداده، وانقبض عن مخالطة الناس، ورفض مجالسة سائر الأنواع والأجناس، وولى وجهه شطر مسجد التقوى، ولزم بيته ونفسه تتقوت بغذاء العلم وتتقوى.

стр. 840

فهذا على ما ذكره صاحب قلائد العقيان، قريب الزمان من عصر أهلنا الأعيان، وحكى عنه أنه لما انفصل عن أمير المسلمين، اختار لمسكنه سلا، واعتقد أنه بمجاورة بني القاسم يتسلى، وكانت ولايتها إلى أبي العباس، ولأبي محمد لديه يد أنجته من نكبة تمت له من البؤس واليأس، فلما سار إليه لم يرفع له الرأس ولم يوله في حال الوحشة الإيناس، فنسبه فيه إلى قلة الوفاء، وحسبه من كثرة الجفاء، ة فكتب إليه أبو العباس يعتذر، بأنه من أمير المسلمين يحذر: واحسرتا لصديق ما له عوض ... إن قلت من هو لا يلقاك معترض ألقاه بالنفس لا بالجسم من حذر ... لعلة ما رأيت الحر ينقبض فكتب الوزير أبو محمد ابن القاسم إليه في جوابه: شدّ الجياد إذا أجريت منقبض ... ما للوجيه على الميدان معترض أنى تضاهيه فرسان الكلام ومن ... غباره في هواديهن ما نفضوا جرت على مستو من طبعه كلم ... هي المشارب لكن ما لها فرض كأن منشدها نشوان من طرب ... أو بلبل من سقيط الطل ينتفض تحية من أبي العباس زار بها ... طيف من العذر في أثوابه يمض لا بالجلي فتستوفي حقيقته ... ويستبان بعين ما لها غمض لكن أغض عليه جفن ذي مقة ... كما يسد مكان الجوهر العرض يا من يعز علينا أن نعاتبه ... إلا عتاب محبّ ليس يمتعض ناشدتك الله والانصاف مكرمة ... أما الوفاء بحسن العهد مفترض هب المزار لمعنى الريب مرتفع ... ما للوداد بظهر الغيب ينخفض أما لكل نبيه في العلى حيل ... تقضى الحقوق بها والمرء منقبض كن كيف شئت فمن دأبي محافظة ... على الذمام وعهد ليس ينتقض وهمة لم تضق ذرعا بحادثة ... إن الكريم على العلات ينتهض والحر حر وصنع الله منتظر ... والذكر يبقى وعمر المرء ينقرض ومن منثوره ما ذكر القيسي في كتابه، أنه كتب إليه في جوابه، فراجعه به من رقعة كتبها إليه مودعا ووصف النجوم:

стр. 841

عذيري من ساحر بيان، وناثر جمان، ومظاهر إبداع وإحسان، ما كفاه أن اعتام الجواهر اعتياما، وجلاها في أبهج مطالعها نثرا ونظاما، حتى حشر الكواكب والافلاك، وجلبها نحوي كتائب من هنا وهناك، وقدماً حمل لواء النباهة، وأعجز دواء البداهة، فكيف بمن نكل حتى عن الروية، ورفض الخطابة رفضا غير ذي مثنوية، وليس الغمر كالنزر، رويدك أبا النصر، فما سميت فتحا لتفتح علينا أبواب المعجزات، ولا مليت سروا لترتقي عنا إلى الأنجم الزاهرات، فتأتي بها قبيلا، وتريد منا أن نسومها كما سمتها قودا وتذليلا، وأنى لنا أن نساجل احتكاما، أو نباسل اقداما، من أقدم حتى على القمرين، وتحكم حتى في انتقال الفرقدين، وقص قوادم النسرين. ثم ورد المجرة وقد تسلسلت غدرانها، وتفتح في حافاتها أقحوانها، وهناك اعتقد التنجيم، وأحمد المراد الكريم، حتى إذا رفع قبابه، ومد ما أحب أطنابه، سئم الدهناء، وصمم المضاء، فاقتحم على العذراء رواقها، وفصم عن الجوزاء نطاقها، وتغلغل في تلك الارجاء، واستباح ما شاء أن يستبيحه من نجوم السماء، ثم ما أقنعه أن بهر بإدلا له، حتى ذعرها بجياد أقواله، وغمرها باطراد سلساله، فله ثم خيل وسيل، لأجلهما شمر عن سوق التوأمين ذيل، وتعلق برجل السفينة سهيل، هنالك سلم المسالم، وأسلم المعارض والمقاوم، فما الأسد وإن لبس الزبرة يلباً، واتخذ الهلال مخلبا، وإنما انتهض تحت صبا أعنته، وقبض على شبا أسنته، وما الشجاع وإن هال مقتحما، وفغر عن الدواهي فما، وقد أطرق مما رآه، وما وجد مساغا يأباه. وما الرامي وقد أقعص عن مرامه، ووجئت لبته بسهامه، أو السماك وقد قطر دفينا، وغودر بذابله طعينا، وما الفوارس وقد جللت سربتها عجاجة، ومسخت حليتها زجاجة، وكذلك قطب زحل، واضطرب المريخ في نار وجده واشتعل، ووجل المشتري فامتقع لونه وضياؤه، وشعشع بالصفرة بياضه ولألاؤه، وتاهت الزهرة بين دل الجمال، وذل الاستبسال، فلذلك ما تتقدم آونة وتتأخر، وتغيب تارة ثم تظهر، وأما عطارد فلاذ بكناسه، ورد بضاعته في أكياسه، وتحجبت الشمس بالغمام، واعتصم بمغربه قمر التمام. هذه حال النجوم معك، فكيف بمن يتعاطى أن يشرع في قول مشرعك، أو يطلع من ثنية فضل مطلعك. ومنها في وداعه: فخذ السانح من عفوي، وتجاوز لمقتي وصفوي، ثم متعني بفكري فقد رجع فليلا، ودع لي ذهني عسى أن يتودع قليلا، وإني وقد أضله من بينك الشغل الشاغل، وردعه من قربك الظل الزائل، ولا أنس بعدك إلا في تخيل معاهدك، وتذكر مصادرك النبيلة ومواردك، فسر في أمن السلامة محافظا، وتوجه في ضمن الكرامة مشاهدا بالأوهام ملاحظا، رعاك الله في حلك ومرتحلك، وقدمت على السني من متمناك والمرضي من أملك، بمن الله وفضله. وكتب إليهما الفقيه الحافظ أبو الفضل ابن عياض في ذلك: قد وقفت - أعزكما الله - على بدائعكما الغريبة، ومنازعكما البعيدة القريبة، ورأيت ترقيكما من الزهر إلى الزهر، وتنقلكما من الدراري بعد الدر، فأبحتما حمى النجوم، وقذفتماها من ثواقب افهامكما بالرجوم، وتركتماها بعد الطلاقة ذات وجوم، فحللتما بسيطها غارة شعواء، لها عوت أكلب العواء، هناك افترست الفوارس، ولم تغن عن السماك الداعس، وغودرت النثرة نثارا، وأغشى لألأؤها نقعا مثارا، كأن لكما عندها ثأرا، وأشعرت الشعريان ذعرا، وقطعت إحداهما أواصر الأخرى، فأخذت بالحزم منها العبور، وبدرت خيلكما وسيلكما بالعبور، وحذرت اللحاق عن أن تعوق، عن منحنى العيوق. فخلفت أختها تندب الوفاء، وتجهد جهدها في الاختفاء، وكأن الثريا حين ثر تم بقطينها، اتقتكم بيمينها، فجذذتم بناتها، وبذلتم للخضيب أمانها، فعندها استسهل سهيل الفرار، فأبعد بيمينه القرار، وولى الدبران إثره مدبرا، فذكر البعاد فوقف متحيرا، وعادت العوائد بعراقها وشامها، وألقت الجوزاء الأمان بنطاقها ونظامها، فمهلا أعزكما الله سكنا الدهماء، فقد ذعرتما حتى نجوم السماء، فغادرتماها بين برق وفرق، وغرق أو حرق، فزحزحا في مجدكما قليلا، واجعلا بعدكما للناس إلى البيان سبيلا، فقد أخذتما بآفاق المعالي والبدائع، لكما قمراها والنجوم الطوالع. فكتب أبو محمد ابن القاسم إليه مراجعا عنها:

стр. 842

لمثل نباهتك سارت الأخبار، وفيك وفي بداهتك اعتبار، لقد نلت فيها كل طائل، وقلت فلم تترك مقالا لقائل، وعززت بثالث هو الجميع، وبرزت فأين من شأوك الصاحب والبديع، جلاء بيان، في خفاء معان، هذا أثبت للسهى جلالا، وأشاد فيه لذوي النهى أمثالا، وذاك رفع للأقمار لواء، وألقى على شمس النهار بهجة وضياء، أقسم بسبقك، ومقدم حقك، لئن أفحمت بما نطقت، لقد أفهمت عن أي صبوح رققت، ومهما أبهمت تفسيرا، فدونك منه شيئا يسيرا، لمالا اعتمدنا نحن ذلك المظهر، فما أبعدنا هنالك الأثر، بل اقتصدنا في الإصعاد، وقدنا من تلك النيرات كل سلس القياد، حتى إذا اشمأز طلقها، فعز أبلقها، وصبحنا مواردها، فافتتحنا ماردها، وثنينا عنان الكريمة، وارتضينا إيانا ببعض الغنيمة، هببت أنت هبوب زيد الفوارس، وقربت تقريب الالد المداعس، تومض في رجوم، وتمتعض للنجوم، فاستخرجتها من أيدينا، وازعجتها عن نواحينا، ثم صيرت إليك شملها، وكنت أحق بها وأهلها، ومن هنالك أوصلت سراك، فصبحت الفيالق، وفتحت المغالق، وتسنمت تلك الحصون، وأقسمت لتخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون، فأذعن لشروطك الشرطان، وازدحمت بالبطين حلقتا البطان، وثار بالثريا ثبور، وعصفت بالدبران دبور، وهكذا استعرضت المنازل، واستهضم جميعنا الخطب النازل، ثم تيامنت نحو الجنوب، فواها للمعاصم والجنوب: لم يبق غير طريد غير منفلت ... وموثق في حبال القِدّ مسلوب استخرجت السفينة من لججها، وجالت الناقة بهودجها، وغودرت العقرب يخفق فؤادها، وذعرت النعائم فخاب إصدارها وإيرادها، ولما تصفحت تلك الآفاق، وأنخت فيها وشددت الوثاق، عطفت الشمال، واتبعت أسباب الشمال، فلا مطلع إلا ألقى إليك اليمين، واستدارت حوله الفكة فسميت قصعة المساكين، وانتهيت إلى القطب فكان عليه المدار، وتبوأته ففيه عن جلالتك افتخار، ثم أزحت صعادك، وأرحت ممسك الأعنة جيادك، ونعمت بدار منك محلال، ثم ما نمت عن ذي إكبار لك وإجلال، تتيمه بسحر الكلام، وتشجمه أن يستقبل استقلالك بالإعلام، وإذ لا يتعاطى مضمارك، ولا يشق غبارك، فدونك ما قبلي من بضاعة مزجاة، وإليك مني معطي طاعة وطالب نجاة، إن شاء الله . وله من رسالة: أبابل في ضمن أقلامك، وما أنزل على الملكين في وزن كلامك، أم وهو البيان لا غطاء دونه، وما أحقه بأن يكونه. الوزير أبو عامر ابن أرقم وصفه بالارتواء من ورد الآداب النمير، والاحتواء على كنز الفضل الغزير، والاستواء على سرير الملك في البراعة، والاستيلاء على إبداع الصنائع بسر الصناعة، والانتشاء من سلاف سلفه، في فضله وشرفه، فقد كان أبوه الوزير الكاتب أبو الأصبغ مبرا في الكتابة على مباريه، سابقا لمجاريه، فنشأ ولده أبو عامر عامرا بحد أبيه، مربوبا في حجر حجره، مهادا في مهاد الإحسان بين سحر البيان ونحره، ومن شعره الذي أورده ما يشعر بفضله، ويعرف بفرده، في مدح الأمير عبد الله بن مزدلي: سريت والليل من مسراك في وهل ... مبرأ العزم من أيْنٍ ومن كسل وسرتَ في جحفل يهدي فوارسه ... سناك تحت الدجى والعارض الهطل والبدر محتجب لم تدر أنجمه ... أغاب عن سَرَرٍ أم غاب عن خجل هوت أعاديك من سار يُؤرّقه ... ركض الجواد وحمل اللامة الفضل إذِ الملوك نيام في مضاجعهم ... يستحسنون بهاء الحلي والحلل لله صومك برا يوم فطرهم ... وما توخيت من وجه ومن عمل نحرت فيه الكماة الصيد محتسبا ... وحسب غيرك نحر الشاء والإبل إذا صرير المدارى هزهم طربا ... ألهاك عنه صرير البيض والأسل وإن ثنتهم عن الاقدام عاذلة ... مضيت قدما ولم تأذن إلى العذل كم ضم ذا العيد من لاه به غزل ... وأنت تنشد أهل اللهو والغزل في الخيل والخافقات البيض لي شغل ... ليس الصبابة والصهباء من شغلي ظللت يومك لم تنقع به ظَمَأ ... وظل رمحك في علّ وفي نهل وكلما رامت الروم الفرار أتت ... من كل صوب وضمتها يد الاجل فصار مقبلهم نهبا ومدبرهم ... وعاد غانمهم من جملة النفل

стр. 843

وكم فككت من الاغلال عن عنق ... وكم سددت بهذا الفتح من خلل أنت الأمير الذي للمجد همتّه ... وللمسالك يحميها وللدول وللمواهب أو للخَطّ أنمله ... ما لم تحنّ إلى الخطية الذبل ومنها: الجابرين صدوع المعتفي كرما ... والكاسرين الظبي في هامة البطل والعادلين عن الدنيا ونضرتها ... والسالكين على الاهدى من السبل ومن نثره ما كتبه في حق رجل حرفته استجداء الأعيان، واستعداء معروفهم على نوب الزمان، يعرف بالزريزير ويصف الزرزور: يا سيدي الأعلى، وعلقي الأغلى، وسراجي الأجلى، ومن أبقاه الله، والأمكنة بمساعيه فسيحة، والألسنة بمعاليه فصيحة، موصله وصل الله حبلك حيوان يصفر كل أوان، ويسفر بين الإخوان، رقيق الحاشية، أنيق الشاشية، يعتمد على كدواء، ويسمع بجدواء، وينظر من عين، كأنها عين، ويلقط بمنقار، كأنه من قار، أطبق على لسانه كأنه إغريضة، في جوف إحريضة، يسلي المحزون، بالمقطع والموزون، وينفس عن المكظوم، بالمنثور والمنظوم، مسكي الطيلسان، تولد بين الطائر والإنسان، كما سمعت بسمع الفلاة، وعمرو بن السعلاة، قطع من منابت الربيع، إلى منازل الصقيع، ومن مطالع الزيتون، إلى مواقع السحاب الهتون، فصادف من الجليد، ما يذهب قوى الجليد، ومن البرد، ما لا يدفعه ريش ولا برد، والحدائق قد غمضتى أحداقها، وانحسرت أوراقها، والبطاح قد قيدت الفور، بحبائل الكافور، وأوقعت الصرد، في شرك الصرد، فمني البائس بما لم يعهده، كما وسم بالزرزورولم يشهده، ولما فال رأيه، وأخفق أو كاد سعيه، التفت إلى عطفة أشمط، وإلى أديمة أرقط، فناح، ثم سوى الجناح، وقد نكر مزاجه، ونسي ألحانه وأهزاجه، ولا شك أنه واقع بفنائك، وراشف من إنائك، وآمل حسن غنائك واعتنائك، وأنت بارق ذلك العارض، ورائد ذلك الأنف البارض، تهيء له حبا، يجزيك عنه ثناء جميلا رحبا، وقد تحفظ يا سيدي رسائل، جعلت له وسائل، فسام بها أهل الأدب، سوء العذاب، ودعي البطي منهم إلى الإهذاب: وابن اللبون إذا ما لز في قرن ... لم يستطع صولة البُزْل القناعيس وإذا ألقي كتابي إليك، يفسر هذه الجملة عليك، لازلت منافسا للعلوم، آسيا للأحوال والكلوم. الوزير أبو محمد ابن سفيان قرضه صاحب القلائد بالرتبة العالية، والحالة الحالية، والجد الصاعد، والهمة الواطئة بأخمصها هام الفراقد، والرأي المتوصل به إلى إنالة المقاصد، وإلانة الشدائد، واليراع المستخدم به بيض الصفائح لسود الصحائف، والبلاغة الموضحة غرر الكلم الفصائح في جباه المعارف، وقيامه في دولة آل ذي النون، قيام الأمين المأمون، حتى أنقت نظارة أيامها، وأغدقت غزارة انعامها، ورجيت بوارقها، وأمنت بوائقها، ووصفه بالأدب العذب الجني، الرحب الجناب، السامي الربى، الهامي الرباب، والكلمات الآخذة بمجامع القلوب الوالجة في مسامع القبول، وأثبت من عقوده ما يثبت شهادة العقول، بشهدها المعسول. فمن ذلك من أبيات كتبها إلى القادر ابن ذي النون: خطبت بسيفي في الزمان يراعة ... سبقت إلى كفي وصلى المنصل أو لست من وطيء السماء تأوّدا ... وسما فقد سفل السماك الاعزل أغْشَى العوالي والمعالي باسما ... وأقوم في الخطب البهيم فأفضل ومتى أعُدْ ليلا نهار صحيفة ... وضحت كواكبه عليه تهلل وإذا أجلت جياد فكري في مدى ... سبقت فكبر حاسدون وعللوا رمدت عيون الحاسدين أما ترى ... قمر العلى والمجد ليلة يكمل ما الذنب عندهم ودونك فاختبر ... إلا هوى بالمكرمات موكل همم إلى صرف العلى مصروفة ... وحجى أقام وقد تزحزح يذبل وبلاغة بلغت بآفاق الدنا ... وغدت تحية من يقيم ويرحل ولئن يضع فضلي ويذهب نقصهم ... صعدا فأرجح كفّة من يسفل فلأغشينّ الحادثات بصارم ... خَذِمٍ غِرَارَاهُ حريق مشعل وبصيرة تذر الخطوب لوائحا ... فكأنَّها في كفّهن سجنجل

стр. 844

ومشرب كالنّار إن يذهب به ... حَضْرٌ وإن يسكن فماء سلسل نهد إذا استنهضته لملمّة ... أعطاك عفوا عدوه ما تسأل قيد الأوابد والنواظر إن بدا ... قلت: الجواد أم الحبيب المقبل ومفاضة زَغْفٌ كأنّ قميصها ... ماء الغدير جرت عليه الشمأل ترد العوالي منه شرعة حتفها ... وتعب فيه مناصل فتفلّل وعزائم بيض الوجوه كأنها ... سرج توقد أو زمان يقبل شيم عمرن ربوع مجد قد خلت ... فأضاء معتكر وأخصب ممحل وله: يا ضرة الشمس قلبي منك في وهج ... لو كان بالنّار لم تسكن ذُرى حجر أبيت أسهر لا أغفي وإن سنحت ... إغفاءة فكمثل اللمح بالبصر إذا رأيت الدجى تعلو غواربها ... والنجم في قيده حيران لم يسر أقول ما بال بازي الصبح ليس له ... وقع وما لغراب الليل لم يطر فإن سمحت بوصل أو بَخِلْت به ... شكوت ليلي من طول ومن قصر لا أفقد النجم أرعاه وأرقبه ... في الوصل منك وفي الهجران من قمر وله في الغزل أيضا: نفسي فداك وعدتني بزيارة ... فظللت أرقبها إلى الإمساء حتى رأيت قسيم وجهك طالعا ... لم تنتقصه غضاضة استحياء فعلمت أنك قد حجبت وأنه ... لوراء وجهك ما سرى بسماء وله يعرض بأحد الملوك، ويخاطب أبا أمية إبراهيم بن عصام: امرر بقاضي القضاة إن له ... حقا على كل مسلم يجب وقل له إن ما سمعت به ... عن سرّ من راء كلّه كذب قد غرّني مثل ما غُرِرْتَ به ... فجئته يستحثّني الطرب حتى إذا ما انتهيت سرت إلى ... سراب قَفْرٍ من دونه حجب وملّة للسماح ناسخة ... لها نبيّ الاهه الذهب وله إليه وقد كتب عين زمانه فوقعت نقطة على العين، فظن أبو أمية أنه أبهمها، واعتقدها وعددها وانتقدها: لا تلزمنّي ما جنته يراعة ... طمست بريقتها عيون ثنائي حقدت عليّ لزامها فتحولت ... أفعى تمجّ سمامها بسخاء غدر الزمان وأهله عرف ولم ... أسمع بغدر يراعة وإناء ومن نثره ما كتبه إلى الوزير أبي محمد ابن القاسم من رسالة: كتبت وما عندي من الود أصفى من الراح، وأضوأ من سقط الزند عند الاقتداح، وليس فيما أدعيه من ذلك لبس، وكيف وهو ما تجزي به نفسا نفس، فإن شككت فيه، فسل ما تطوي لي جوانحك عليه، أو اتهمته فارجع، إلى ما أرجع، عند الاشتباه إليه، تجده عذباً قراحا، سائل الغرة لياحاً. ولم لا يكون ذلك وبيننا ذمة تجل أن تحصى بالحساب، بيض الوجوه كريمة الأنساب، لو كانت نسيما لكان بليلا، ولو كانت زمانا لم تكن إلا سحرا أو أصيلا. فراجعه أبو محمد برقعة فيها. كتبت عن ود ولا أقول كصفو الراح فإن فيها جناحا، ولا كسقط الزند فربما كان شحاحا، ولكن أصفى من ماء الغمام، وأضوأ من القمر في التمام. فراجعه عنها: كتبت - دام عزك - عن ود كماء الورد نفحة، وعهد كصفائه صفحة، ولا أقول أصفى من ماء الغمام، فقد يكون معه الشرق، ولا أضوأ من القمر في التمام، فقد يدركه النقص ويمحق، وليس ما وقع به الاعتراض مختصا بصفو الراح، ولا بسقط الزند عند الاقتداح، فإن أمور العالم هذه سبيلها، وجياد الكلم تجول كيف شاء مجيلها، وإنما نقول ما قيل، ونتبع من أجاد التحصيل، وحسن التأويل، فنستعير ما استعار، ونسير في التملح في القول إلى ما أشار، وبين أنا لم نرد من الراح الجناح، ولا من الزند الشحاح، ولا من ماء الورد ما فيه مادة الزكام، ولا زيادة في بعض الأسقام. الوزراء بنو القبطرنه ذكر أنهم أركان المجد وأثافيه، ولهم قوادم الحمد وخوافيه، وإنهم للمعالي نجوم، وللأعادي رجوم، ولهم النظم الفائح الفائق، والنثر الشائع السابق، فمنهم: أبو محمد ذكر أنه كتب إليه وذكر منها أبياتا: أبا النصر إن الجدّ لا شكّ عاثر ... وإن زمانا شاء بينك جائر

стр. 845

ولا توّجت من بعد بعدك راحة ... براح ولا حنّت عليك المزامر ولا اكتحلت من بعد نأيك مقلة ... بنوم ولا ضمّت عليها المحاجر ومنها: تشيّعك الألباب وهي أواسف ... وتتبعك الألحاظ وهي مواطر وله: يا خليليّ لقلب ... نيل من كل الجهات ليم أن هام بريَّا ... وبِلَيْلَى والبنات وبأن صادته أسْمَا ... بين بيض خفرات بلحاظ ساحرات ... وجفون فاترات وبجيد الظبية ارتا ... عت وظلت في التفات وبعيني مغزل تر ... عى غزالا في الفلاة تتمشّى بين أترا ... ب لها حور لِدات وعليها الوشي والخ ... زّ وبرد الحبرات راعها لما التقينا ... ما درت من فتكات عثرت ذعرا فقلنا ... لا لعاً لِلْعَثَرات ضحكت عجبا وقالت ... لأخصّ الفتيات راجعيه ثم قولي ... إئتنا في السمرات وارقب الأعداء واحذر ... للعيون الناظرات فإذا أعلق فيها النو ... م أشراك السنات وعلا البدر جلابي ... ب لباس الظلمات فاطرق الحي تجدنا ... في ظهور الحجرات فالتفينا بعد يأس ... بدليل النفحات وتلازمنا اعتناقا ... كالتواء الألِفاَت وبثثنا بيننا شج ... وا كنفث الراقيات وبردنا لوعة الح ... بّ بماء العبرات وتشاغلنا ولم نعل ... م بأن الصبح آت وبدت فيه تباشي ... ر مشيب في شوات وله: ومنكرة شيبي لعرفان مولدي ... ترجّع والاجفان ذات غروب فقلت: يسوق الشيب من قبل وقته ... زوال نعيم أو فراق حبيب وله: إذا ما الشوق أرقني ... وبات الهمّ من كثب فضضت الطينة الحمرا ... ء عن صفراء كالذهب وذكر صاحب قلائد العقيان أنه بات مع إخوته في أيام الصبا، في روضة رائقة الحلى، موهوبة الربى، وقد عاقروا العقار، ونبذوا الوقار، وقد ارتضعوا للانتشاء درا، وصرعوا للإغفاء سكرا، فلما خلع الصباح رداءه على الأفق، وهزم كتائب الغياهب يقق الفلق، قام الوزير أبو محمد فقال: يا شَقِيقِي وافي الصباح بوجه ... ستر الليل نوره وبهاؤه فاصطبح واغتنم مسرّة يوم ... لست تدري بما يجيء مساؤه ثم استيقظ أخوه أبو بكر فقال: يا أخي قم تر النسيم عليلا ... باكر الروض والمدام شمولا في رياض تعانق الزهر فيها ... مثلما عانق الخليل خليلا لا تنم واغتنم مسرّة يوم ... إن تحت التراب نوما طويلا ثم استيقظ أخوهما أبو الحسن، وقد هبّ من الوسن، فقال: يا صاحبيَّ ذرا لَوْمِي ومعتبتي ... قم نصطبح خمرة من خير ما ذخروا وبادرا غفلة الأيام واغتنما ... فاليوم خمر ويبدو في غد خبر وقال الوزير أبو بكر يستدعي: دعاك خليلك واليوم طل ... وعارض خدّ الثرى قد بقل لِقِدريْن فاحا وشمّامة ... وإبريق راح ونعم المحل فلو شاء زاد ولكنّه ... يلام الصديق إذا ما احتفل وللوزير أبي بكر أيضا في المعنى: هلمّ إلى روضنا يا زهر ... ولح في سماء المنى يا قمر هلمّ إلى الأنس سهم الإخاء ... فقد عطلت قوسه والوتر إذا لم تكن عندنا حاضرا ... فما لغصون الأماني ثمر وقعت من القلب وقع المنى ... وحسّنت في العين حسن الحور وله إلى الوزير أبي محمد ابن عبدون يستدعي شواذانقا: أغادية باتت مع النّور والتقت ... على الغور ريح الفجر مرت بدارين خطت فوق أرض من عرار وحبوة ... وحطت بروض من بهار ونسرين
следующие страницы →