Полный текст (895 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
يا مشبهَ البدر في كمالٍ ... يا حبّذا وجهك الطليق
وله:
يا مليكاً على القلو ... ب بجيش من الحدقِ
بأبي صدغك البهي ... م على خدك اليققِ
وله:
ألمّت بوجه كبدر الدجى ... تقنّع بالمِعجَر الأزرق
كبدر السماء بدا طالعاً ... تحفّ به زُرقةُ المشرِق
وله:
أضحكَ مَن في هواكِ باكِ ... حبُّكِ عن حبّ مَن سواك
إذ لا وصال سوى نسيم ... من نشْر مرْط ومن سِواك
وله:
أبدَيْنَ أقمارَ الوجوه طوالعاً ... من فوق أغصان القدودِ المُيّلِ
وبسَمْنَ عن دُرّ الثّغور فخِلْته ... برَداً تحدّر من سحابٍ هُطَّل
وله من أخرى:
رُبّ يوم نحن في ظل القَنا ... رُبّ يوم نحن مع بيض الدّمى
إن تكن حرب صليْنا نارَها ... أو تكن سِلماً بذلنا النِّعَما
وله:
منع التنسّكَ والوقار وبجْمَه ... مُقلٌ تقلّبها بنات الرّوم
مُقل لها فعل المُدام وتارة ... فعل الحسام بمهجة المهزوم
بيض كأنّ شعورها ووجوهها ... ليل يبلّجهُ ضياء نجوم
حدّثنَني وخلال ذاك تبسُّم ... كالدرّ منثور على منظوم
لله ليلتُنا ونحن نُديرها ... كأساً معتّقة من الخُرطوم
والطبل يخفق والمزامر حوله ... تتخالف العيدان في المزْموم
فلئن صبوتُ فقد صبا أهل النهى ... ولئن هفوتُ فلست بالمعصوم
وله:
بسقام جفونك من سقم ... وشحوب خدودي من ألم
وولوع الحب بذي شجنٍ ... وبقرعْ السن على ندم
أرضيت الشوق يعذّبني ... يا مَن قد نام ولم أنم
ولقد أصبحت لنا شغُلاً ... كعكوف الشِّرْك على الصّنم
فلئن أسفرتَ فعن قمر ... ولئن سلّمْت فبالعنَم
أفلا أشفى بوعود من ... ك شفاء المحْل من الدّيَم
أهوىً وجوىً ونوىً وأسىً ... ووقوفُ الحال على العدم
وهمُ أشجوك وقد سلِموا ... وهمُ أردَوْك بذي سلَم
وهمُ قصدوك بنبلِهِمُ ... وأقاموا الحرب على قدَم
وهم دلّوك بدلِّهمُ ... وهمُ راموك فلم ترُم
ولقد أزمعتُ سلوّكُمُ ... وعرضْتُ الغدرَ على شيمي
فكرهت الغدرَ لخسّته ... وأبتْهُ نفوس ذوي الهِممِ
وله:
يا شبيهَ الغزال عيناً وجيدا ... وشبيهَ القضيب قداً وقامهْ
أنت بدر الجمال فوق قضيب ... خدّك الورد والرّضاب مُدامَهْ
وله:
ألا حبّذا الوجهُ الذي جمع الحُسْنا ... كأن سناه الشّمسُ لكنّه أسنى
ويا من هواه في ضميري مخلّد ... وأدنى إذا فكّرْت من ثوبي الأدنى
طلبت سلوّاً من هواكَ فلم أجد ... وألزَمْتُ نفسي الصبرَ عنك فما أغنى
هواكَ الى قلبي ألذّ من المُنى ... وأعذب من ماء السّحائب بل أهنا
وله:
بنفسي القناني بأيدي الغواني ... وشدوِ القِيان وصوت المثاني
وقد ستر الشمسَ ثوبُ الغمام ... وقد ودجَ العِلجُ نحرَ الدّنان
فخُذْها عقاراً ترى لونها ... كحُمرةِ خدّ بقَرْص البنان
وبادرْ زماناً قليل الوفاء ... فكلّ مع الدهر والعيشُ فان
وله:
أيها البدرُ إلينا ... لا تبِعْ بالنّقدِ دَيْنا
دعْ نقبّلْ كفّك المخْ ... ضوبَ شئنا أم أبينا
واسقِنا سِحراً بلحظٍ ... وأدِرْ كأسا علينا
اسقِنيها مُرّةَ الطّعْ ... مِ تُريكَ الشَّيْنَ زيْنا
أنت أبهى كل من يم ... شي على الأرض الهوينا
وله:
أيا من وجهُه حُلوُ ... ويا من قلبُه خِلوُ
ويا من لحظُه سكر ... ويا من لفظُه صحوُ
стр. 772
ويا من قدّهُ غُصن ... نماه الدلّ والزهْوُ
لقدأصبحتَ ذا جورٍ ... على من جسمُه نِضوُ
وقد طالتْ مواعيدي ... أهذا منكَ بي لهوو
فإنْ كنتُ أخا ذنب ... أما عندكَ لي عفوُ
وله قد غُنّيَ بين يديه بقول ابن أخي عتّاب الجوهري:
إذا لم أطِقْ صبراً رجعتُ الى الشكوى ... وناديتُ جنح الليل يا عالم النجوى
فعمل ارتجالاً:
أيا قلبُ كم حذّرْتُك البثّ والبلوى ... أليس قصارى العاشقين الى الشكوى
فإن قلتَ إن الطّرْف أصلُ بليّتي ... فأنت الذي تصبو وأنت الذي تهوى
لعَمري لقد بالغْتُما في نكايتي ... وحمّلتُماني في الهوى فوق ما أهوى
بُليتُ بقاسي القلب في غاية المُنى ... فصيّرني في الحبّ في الغاية القصوى
ولا يقبل الأيْمانَ إن جئتُ حالفاً ... ولا يرحمُ الشّكوى ولا يسمعُ النجوى
وله:
إن نظرتْ مُقلتي لمُقلتِها ... تعلمُ ممّا أريدُ فحْواه
كأنّها في الفؤاد ناظرة ... تكشِفُ أسرارهُ ونجواه
وله:
وكأسٍ مثل عينِ الدّيكِ صِرْف ... وماء المُزنِ بالشّهْدِ الجَنيّ
يطوف بها مليح ذو دلالٍ ... مريض الطرف ذو خُلُقٍ رضيّ
أقام عقاربَ الأصداغ تيهاً ... ليمنَع بهجةَ الوجه الوضيّ
شربت على لواحظِه مُداماً ... كماء المُزن والمِسك الذّكيّ
وله من أخرى:
وإذا حرّك المثاني عنيدٌ ... وسمعنا زَمراً ولحْنا شجيّا
وسعى بالكؤوس بدر منير ... وسقانا الرّحيقَ صرْفاً وحيّا
ما أبالي إذا شربتُ ثلاثاً ... أيّ قاضٍ بالجَورِ يقضي عليّا
حميد بن سعيد بن يحيى الخزرجي
من ندماء تميم بن المعز بن باديس بالمهدية، وشعرائه المجيدين في البديهة والروية، وهو الذي جمع شعر الملك تميم، ونظم في عقد سلكه كل در يتيم، ومما أورده لنفسه فيه أبيات عملها على وزن شعر لتميم قال: حضرنا ليلة بين يديه فأملى علي، يعني تميماً:
يا باعثَ السُكرِ من كأس ومن مُقلِ ... يسبي الحليمَ بتكسير وتخنيث
وحاملَ البدر فوق الغُصن منتصباً ... وخالِطَ الدرّ تذكيراً بتأنيث
عاهدْتني عهْد من للعهْد ينكثُه ... فصرتَ تأخذ في طرْق المناكيث
حدثتني بأحاديث منمّقةٍ ... فما حصلتُ على غير الأحاديث
فالوعد ينشُرُني والخلفُ يقتلني ... فصرتُ ما بين مقتول ومبعوث
قال حميد وسأل الحاضرين إجازته فأنشدته:
يا من حُرمتُ وِصالاً منه يُنعشُني ... وصرتُ أقنعُ منه بالأحاديث
تشبّث السُقْمُ بي لما هجرتُ فما ... بغير طولِ الأسى والهجرِ تشبيثي
اللهَ في هجرِ مقتولٍ أضرّ به ... وجْد عليكَ وميتٍ غيرِ مبعوث
قال ثم أنشده الحصيبي:
يا ساقيَ الكأس ليس الكأس تُسكرُني ... السُكرُ من مُقلةٍ أغرتْ بتخنيثي
وهذا الحصيبي من شعراء العصر ويستغنى بذكره هاهنا عن ذكره في موضع آخر.
ثم أنشده الكفيف:
بثثْتُ حبَّك إذ ضاقَ الفؤادُ به ... فمنْ يلوم لسرٍ فيكَ مبثوثِ
نفثْتَ في القلب سحراً لا طيبَ له ... فيا لسحرٍ من الألحاظ منفوثِ
وقد حلفتُ يميناً لا يُكلّمني ... والشوقُ يقضي على رَغْمي بتحنيث
فقال له تميم: أنا انتقدت على الحصيبي، فانتقد أنت على الكفيف، فقلت: كلامه كله مختل، لأنه ذكر ضيق صدره بمحبوبه، ومن كان صحيح المحبة فما يضيق فؤاده، ثم قال: فمن يلوم لسر فيك مبثوث، والبهائم لو نطقت، تلومه، وإنما الصواب: فلا تلمني لسر فيك منثوث، والمبثوث لا وجه له، فإن المبثوث بمعنى المفرّق وكيف يبث حبه بمعنى يفرقه، وإنما أراد أن يقول نثثت حبك بالنون أي ذكرته بعد ما كان مكتوماً.
قال حميد الخزرجي: وعملت بيتين ابتداء لأبيات وهما:
وغانيةٍ محيّاها ... به يُغْنى عن السُرْجِ
стр. 773
لو اطّلعَتْ على الحُجّا ... ج ألهتْهُمْ عن الحجّ
وبعدهما من شعر تميم:
لها وجْه لها شعَر ... كمثل الروم والزّنْج
لها جفْنان قد شُحِنا ... بنَبل السّحْر والغنْج
لها ثغر، لها ريق ... كمثل الخمر والبنجِ
لها نهدان قد نجُما ... كنابَي فيل شِطرَنْجِ
وحكى حميد أنه دخل الى أبي عبد الله ابن النعناع وفي يده رقعة من الملك تميم إليه يتأملها ويكثر النظر فيها وقد ألهته عنّا معانيها، فقلت:
عجبت لرقعةٍ ألهتْك عنّا ... وعما كنت فيه من الحديث
أظنك قد شُغِفْتَ بها لسِرّ ... قديم قد حوتْهُ أو حديث
وحكى أبو الصلت في الحديقة: أخبرني محمد بن حبيب المهدوي قال: حضرنا ليلة في جملة النّدامى مجلس السلطان أبي يحيى تميم ابن المعز فالتفت حميد بن سعيد الشاعر الى غلامين من مماليكه متناجيين قد ضمّا خداً لخدّ فقال حميد:
انظر الى اللِّمّتَين قد حكتا
فقلت:
جنحَيْ ظلام على صباحَيْنِ
فقال:
واعجَب لغصنين كلّما انعطفا
فقلت:
ماسا من اللّين في وشاحَيْن
فقال:
ظَبْيان يحْمي حِماهما أسدٌ
فقلت:
لولاهُ كانا لنا مُباحينِ
فقال:
فلو تدانيت منهما لدنت
فقلت:
منّي في الحين أسهم الحَيْنِ
محمد بن حبيب المهدوي القلانسي
ذكره أبو الصلت في الحديقة وأورد قوله:
بدورُ وجوهٍ في ليالي ذوائبٍ ... لعِبْنَ بلبّي بين تلك الملاعب
تبرقَعْن من خوف العيون وإنما ... طلعن شموساً تحت غُرّ السحائب
وفوّقن من تحت البراقع أسهُماً ... من اللّحظ ترمي عن قِسيّ الحواجب
باب في ذكر محاسن جماعة من أهل المغرب
الأقصى من العصر
أوردهم عثمان بن بشرون المهدوي الكاتب في المختار في النظم والنثر وذكر أنهم من المُقلين
محمد بن عبد الله المهدي المعروف ب
ابن تومرت
هو الذي خرج بالمغرب، ودعا الى التوحيد، وتولّى بعده عبد المؤمن. ذكر ابن بشرون: أنشدني محمد بن محمد النثري لابن تومرت أبياتاً قالها قبل قيامه بالمغرب، وهي:
إنّي وفي النفس أشياء مخبّاة ... لألبَسنّ لها دِرْعاً وجِلبابا
كيما أطهر دينَ الله من دنَسٍ ... وأوجب الفضل للسادات إيجابا
تا الله لو ظفرَتْ كفّي بمطلبها ... ما كنتُ عن ضرب أعناق الورى آبى
اليمان بن فاطمة المرابط
أورد له:
سل مُستَهاماً بكم قد شفّه السّقم ... لا يرقدُ الليل من فِكر ومن قلق
قد أنفدَ الدمعَ فيما قد يكابدُه ... فالدمع في نزَفٍ والقلبُ في حرَق
يا ويْحَ من قد بُلي من حبّه بنَوى ... إن قال صِلْ مال للإعراض والنّزَقِ
وقال موعدُ وصْلي الحشرُ فاغن بما ... ترى إذا أو نهاكَ الحبلَ فاختنِقِ
كم مرة قلت علّ الدهرَ يسعدني ... بالوصل منكَ فيحيى عندهُ رمقي
قال اصطبرْ واحتسبْ ما صرتَ لاقيه ... مثل احتسابِ الشجي المشفي على الغرق
ثم انثنى مرِحاً والتيهُ يعطِفه ... ووردة الخدّ تحكي حمرةَ الشّفقِ
وقال: دعني واصنعْ ما تشاء ولا ... تلمُمْ بربعي واحذر أن تُسي خلقي
فحين أبصرَ ذُلّي في هواه رثى ... لحالتي واعترته سَورة الفَرَق
ومنها:
ومال نحوي يفدّيني بأسرته ... وسار بي لذُراه سير منطلق
وقال: خذها عَقاراً في زُجاجتها ... تلألأتْ كتلالي الشمس في الأفق
ونِل وصالي وقبّلْ عند ذاك فمي ... وعضّ خدّي ولا تعبأ بمطّرق
فلم يزلْ دأبنا هذا ومقصدُنا ... أيامَ شهرٍ جرتْ طلْقاً على نسقِ
يا حبذا زمن قضيتُ أطيبَه ... ما بين عود وناي خائر الطرق
في روضة أنُفٍ تزهو بأحمرها ... نعم وأصفرها والأبيض اليقق
стр. 774
إذا بكى القطرُ وانهلّت مدامعه ... تبسّمت ورنت إليه بالحدق
عبد الله بن حماد المراكشي
أورد من شعره قوله ينتجز وعداً ويقتضي رفداً:
يا من إليه في الحواديث يُسنَدُ ... وعليه ألوية المحامد تُعقَد
إني أتيتُ بشطر بيت سائر ... اليوم يومكم فأين الموعد
وقوله في المعنى:
بتّ ليلي أنافرُ النوم حتى ... لاح لي الصبح لا أغمّضُ عينا
وكأني لمّا وعدت، ضرير ... أجذَم قد أتاك يطلبُ ديْنا
عبد المؤمن بن يحيى السجلماسي
له في ذم قاض:
أيا عُرّة في جميع القضاة ... وأجورَ قاضٍ قضى واحتكَم
أمثلك يصلُح في قُطرنا ... يلي الحُكمَ في الشرع بين الأمم
ودارك مقسمة للزناة ... يناك بها لك كل الحُرم
فقُل لولاة الأمور اللئام ... أبعد الفقيه علي الحكَم
تولّي القضا مثل هذا البغيض ... ونجمُ قيادته قد نجَم
نصحت لكم فاقبَلوا نصح مَنْ ... يرى قتل قاضيكم في الحرَم
عبد الخالة بن عبد الصمد النولي
أورد له من قطعة:
يا لَقَومي ما لصبّ ... مُستهامٍ من نصير
شفّه حُبّ غزال ... غنج اللّحظ غرير
أهيفِ الخصر مليح ال ... قَدّ كالغُصن النضير
بمحيّا ذي جمال ... مثل بدر مستنير
ليته جاد بوصل ... بعد بُعْدٍ ونفور
وغدا وهو عنيقي ... وضجيعي في السرير
إيتني الوصل هنيئاً ... في خلوّ من غيور
وشرابي ريق ثغر ... طيّب الطعم خصير
الأفرم
هذا لقبه، وهو محمد بن علي المسيلي.
أورد من شعره في الرزق وطلبه، وأنه يجري من الله بقدره:
يقولون إنّ الرزق بالحرص يجلبُ ... وليس بمقدور يُنال ويُكسب
فصوّب وصعّدْ في البلاد مطالباً ... لرزق تنلْ منه الذي تتطلّب
وإياك والتّضجيع فيه وإنّما ... أخو الرّزق من يشقى عليه ويتعب
فما الرزق يأتي بالتوكل إنّه ... بعيد لذا التّضجيع لا يتقرّب
فقلت: بعيد أن تُنال معيشة ... بحرص عليها فالحريص معذّب
ألا إنما الأرزاق تجري بقدر ما ... يقدّرُ والمقدور عنّا مغيَّبُ
وما أن ينال المرءُ منها سوى الذي ... به الله يقضي والقضاء مغلَّب
فأرزاق هذا الخلقِ بينهمُ جرتْ ... فذا نائل عفواً وذاك مخيَّب
ولكن علينا الاجتهاد وأن نُرى ... لربّ الورى في الرّزق ندعو ونرغب
فرَبّ الورى يعطي ويمنع كيف ما ... أراد وما في ذاك منه تعقُّب
رضيتُ به ربّاً ومولى وسيّداً ... وحسبي من رب يرجَّى ويرْهب
محمد المكناسي المعروف بينطلق
له في الفراق:
إن يوم الفراق يوم عسير ... يتوقّى وقوعَه المهجور
كم أديلت للشوق فيه دموع ... واستحرّتْ للبَيْن فيه صدور
واغتدى العاقل الصّبور جَزوعاً ... للنّوى والنوى عليه أمير
أي عقل يبقى وأي اصطبار ... لمُحبّ فؤاده مستطير
إذ أحبّاؤه أشاعوا ارتحالاً ... بينهم غدوةً وقالوا المسير
ومطاياهم تُشدّ ولم يب ... ق سوى أن يقال للركب سيروا
لو تراني يوم ارتحال المطايا ... وبنان الحبيب نحوي يشير
لرأيتَ امرأ أجِنّ من الشو ... ق فأضحى كأنّه مسحور
ليس يسطيعُ أن يودّعَ حِيّاً ... دونه كاشح له وغيور
لم يزل يتبَع الحبيبَ بطرْف ... دمعُه للفراق دمعٌ غزير
وينادي والشوق يضرِم في الأح ... شاء ناراً لها لديه سعير
стр. 775
يا إلاهي قرّب مزار حبيبي ... ولأنْت القدير نِعْمَ النّضير
حماد بن الرفا الفاسي الشاعر
له في الاستعطاف، والتنصل من الذنب، والاستعفاء من العتب:
دع العتْبَ وارجع لي حنانيك للعتبى ... وواصل إليّ الكَتْبَ واغتفر الذّنبا
وكن كالذي ما زال في الناس مُحسناً ... وإن هم أتوا ذنبا وهاجوا به كرْبا
وللعفو عن ذنب المُسيء عبادة ... تطيب بها ذكراً وتُرضي بها الرّبّا
ونحرز في أثنائها خيرَ مكسبٍ ... يكون جمالاً في الحياة وفي العُقبى
فإن اعترافي أنني لك مُذنب ... يجدّد لي عهداً ويثمرُ لي قربا
لعلّ الليالي تستجِدّ لقاءنا ... فأشكو بِعاداً زادني فيكمُ حُبّا
لقد طال هذا البعد حتى أذاقَني ... عذاباً ولقّاني به خطبُه خطْبا
إذا الريح هبّتْ من سماوة أرضكم ... ذهِلتُ فلم أملِك فؤاداً ولا لُبّا
وأستخبرُ الركبانَ عنكم لعلّني ... بذاك أقضي من سلام لكم نحبا
فلا مبلغ عنكم إليّ رسالة ... ولا قائل خيراً ولا دافع كتْبا
فأرجع مكلوم الفؤاد تشب به ... نار الصبابات لي شبّا
لعل الذي أفضى بنا لتفرّقٍ ... يسنّي لنا لقيا ويُسنِي لنا قربا
يحيى بن عمارة
له من قطعة:
قد كنت من قبلِ أن أهوى وأعشق لا ... أرثي لأهل الهوى في كل ما صنعوا
فاليوم أعذرُهم فيه وأرحمُهم ... إذ نحن فيه سواء كلنا شرَع
فدع عتابكَ في ريم علِقْتَ به ... فقلما عاشق بالعَتْب ينتفع
قد حصحص الحقُّ إني عاشق كلِفٌ ... والعاشقون لسلطان الهوى تبَع
علي بن عبد الله المقدسي
أورد قوله في الطيف:
طاف طيفُ الحبيب ليلاً وزارا ... ما رثى لي لما ألمّ ازْوِرارا
عجباً منه إذ أتى ما تأنّى ... بل ثنى طيفَه المُلِمّ وسارا
هاج لي ساكناً وأقلق منّي ... أضرم الشوق في الجوائح نارا
ولقد نمتُ قبل زورة سارٍ ... عن أمور هيّجْن لي تذْكارا
أذكرُ الحيّ والصّبا وسُليْمى ... وأموراً أظهرتُ منها استتارا
إذ عيون الخطوب عنّا نيام ... وثغور القبول تُبدي افتِرارا
أمطر الله بالغُوَير ربوعاً ... وسقاهُنّ وابلاً مدرارا
كم قطعنا بها ليالي وصلٍ ... ووصلنا بها السرور نهارا
ولنَشْرِ الصباح عرْف ذكيّ ... عِنبَريّ النّسيم لمّا استثارا
في رياض مدبّجات بنَورٍ ... مدرِجات كِمامها أزهارا
وكؤوس المُدام تجلى علينا ... حملت في لجَينهنّ نُضارا
من رحيق في الدنّ يذكر كسرى ... قِدَماً في الزمان والنّوْبَهارا
أنجُم في الكؤوس تُبدي طلوعاً ... لعيون وفي اللهى أنوارا
والتي تيّم الفؤاد هواها ... شمس حُسنٍ بها العقول حيارى
يُخجل الناظرين منها محيّا ... كمحيّا الصّباح حين أنارا
هي أنْسي ولذّتي ونديمي ... ودوائي إذا شكوتُ أوارا
شمّرتْ للوقوف منها بُروداً ... وأماطت عن وجنتَيْها خِمارا
ورمتني بأسهُمٍ من لِحاظٍ ... ماحطَتْ من فؤادي الأعشارا
ومتى شئت وصلها كان منها ... كون منع ولا رقيبٌ يُدارى
فلقد حال من زمانيَ حال ... ترك العقل والفؤاد مُطارا
وسعى بيننا من البيْن ساع ... شتّ شملاً مستجمعاً حين ثارا
قدرٌ سابق وحكم نَفوذ ... وخطوب رددْن منها المُعارا
أودعَتْنا الخطوب في كل أرض ... ودعتنا لحكمهنّ اضطرارا
стр. 776
ليت شعري وقد تنكّر دهري ... هل أرى لي عليه منه انتصارا
لا جزى الله زائر الطيف خيراً ... إنه هاج لي أموراً كبارا
سوف أبكي أيام قرب سُليمي ... ما حييتُ وأندُبُ الأقدارا
جماعة أوردهم ابن بشرون في مختاره
من أهل المغرب الأوسط الذي كان لبني حماد واستولى عليهم عبد المؤمن
الفقيه أبو حفص عمر بن فلفول
قال: هو كاتب السلطان بتلك البلاد يحيى بن العزيز الحمادي وخالصته وصاحب سرّه، وله اليد الطولى في الإنشاء الدال إعجازه فيه على البلاغة المؤدية لسحره في نثره. قال: أنشدني له الأمير عبد الله بن العزيز الحمادي عند الاجتماع به في جزيرة صقلية:
وقالوا: نأى عنك الحبيب فما الذي ... تراه إذا بان الحبيبُ المواصل
فإن أنت أحببتَ التصبّر بعده ... ولم تستطع صبراً فما أنت فاعل
فإنّ الهوى مهما تمكّن في الحشا ... وحلّ شغاف القلب ليس يُزايلُ
فكم رام أهلُ الحب قبلكَ سلوة ... وزادهم عنها هوىً متواصل
فقلت: ألا للصّبر مفزع عاشق ... وللصبر أحرى بي وإن غال غائل
سأصبرُ حتى يفتح الله في الهوى ... بوصلِ حبيبٍ طال فيها الطوائل
أبو عبد الله محمد الكاتب المعروف ب
ابن دفرير
ذكر أنه أحد كتّاب الدولة الحمادية، المتصرّفين في الكتابة السلطانية، وأورد له رسالة كتبها عن سلطانها يحيى بن العزيز الحمادي، وقد فرّ من مدينة بجاية أمام عسكر عبد المؤمن يستنجد بعض أمراء العرب بتلك الولاية: كتابنا ونحن نحمد الله على ما شاء وسرّ، رضىً بالقسم وتسليماً للقدر، وتعويلاً على جزائه الذي يجزي به من شكر، ونصلي على النبي محمد خير البشر، وعلى آله وصحبه ما لاح نجم بحر، وبعد: فإنه لما أراد الله أن يقع ما وقع، لقبح آثار من خان في دولتنا وضبع، استفز أهل موالاتنا الشنآن، وأغرى من اصطنعناه وأنعمنا عليه الكفران، فأتوا من حيث لا يحذرون، ورموا من حيث لا ينصرون، فكنّا في الاستعانة بهم والتعويل عليهم كمن يستشفي من داء بداء، ويفرّ من صلّ خبيث الى حيّة صماء، حتى بغت مكرهم، وأعجل عن التلاقي أمرهم، ويرد وبال أمرهم إليهم، فعند ذلك اعتزلنا محلة الفتنة، وملنا الى مظنة الأمنة، وبعثنا في أحياء هلال نستنجد منهم أهل النجدة، ونستنفر من كنّا نراه للمهم عدّة، وأنتم في هذا الأمر أول من يليهم الخاطر، وتُثنَى عليه الخناصر.
أبو القاسم عبد الرحمان الكاتب المعروف ب
ابن العالمي
من كتاب الدولة الحمادية، له من رسالة: ولما كنت في مضمار سلفك جارياً، ولنا موالياً، وفي قضاء طاعتنا متباهياً، رأينا أن نثبت مبانيك، ونؤكد أواخيك، ونوجب لك ولخلفك، ما أوجبه سلفنا لسلفك، تمييزاً لهم عن الأكفاء، ومجازاة لهم على محض الصفاء والولاء، فاستدم هذه النعمة العظيم خطرها بالشكر فأنت به جدير، ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسناً إن الله غفور شكور.
علي بن الزيتوني الشاعر
ذكر أنه شاعر المغرب الأوسط وأديبه، وألمعيّه وأريبه، وهو صاحب توشيح وتوشيع، وتقصيد وتقطيع، وقد سار شعره غناء، وأورد من شعره قوله في ذم المركاز:
لا آكل المِرْكازَ دهري ولو ... تقطّفه كفّي بروض الجنان
لأنه أشبه فيما يُرى ... أصابع المصلوب بعد الثمان
وقوله من قصيدة في مدح بعض القضاة وهي:
نهاه عن محارمه نُهاه ... وقرّبه لخالقه تُقاه
وقال الله ليس سواي ربّ ... ولا لشَريعتي أحدٌ سواه
هو البَرّ العطوفُ على البرايا ... وبالأيتام يرحمُ من أتاه
وشدّ به عُرى الإسلام حتى ... رأينا النُجْح وانعقدت عُراه
أمينٌ عدلُه غمر البرايا ... فما يُخشى على أحد قضاه
مسيحٌ خطوه في كل علم ... ومن ذا يقتفي أبداً خطاه
أبي شأنه طلب المعالي ... ومن يحصي ثناه أو نداه
لقد ظفرت يد علِقَتْ نداه ... ومن ناواه قد تبّتْ يداه
ابراهيم بن الهازي
стр. 777
ذكر أنه صاحب توشيح مليح، وربما قصر إذا قصّد، وأحسن إذا قطّع، ومن شعره:
ألا فدعوا عذلي فما أسمع العَذْلا ... كفاكم فإنّ العذل قد زادني خبْلا
وهي قصيدة واهية ومقطعها:
فواصلْ وقاطِع لستُ أبغي تحوّلاً ... فإن شئتمُ جوْراً وإن شئتمُ عدلا
علي بن الطبيب
ذكر أنّه أديب وطبيب، وأورد من شعره قوله:
يا حملة الحُسنِ هبْ لي منك إحسانا ... إني أحبّك إسراراً وإعلانا
ومنها:
إني لعبدَك لا أبغي بكم بدلاً ... ولا أحبّ سواك الدهرَ إنسانا
يوسف بن المبارك
ذكر أنه من موالي بني حماد، وله في مدائحهم من الشعر ما انسحب عليه ذيل حماد، ومن ذلك قوله:
هناكُمُ النّصر ونيل النّجاح ... في يومكم هذا بسُمْر الرّماح
فأنتم الصِّيدُ الكرامُ الألى ... شادوا العلا بالنّائل المُستَماح
ما منكم إلا همام حوى ... مناقباً جُلّى ومجداً صُراح
لا ترهبون الدهر أعداءكم ... وتمنعون العِرْض من أن يُباح
وتبذلون الرّفْدَ يوم النّدى ... وتسْعرون الحرب يوم الكفاح
وترفعون الجار فوق السُهى ... وتُكرِمون الضيف مهما استماح
لا زلتم تجنون زهر العلا ... في معرض العِزّ بحد الصّفاح
ابن أبي المليح
ذكر أنه طبيب ماهر، وكاتب شاعر، واشتهاره بالطب، وله مقطّعات جالبة للحب، سالبة للب، وله من قصيدة عيدية في الأمير عبد الله بن العزيز الحمادي يصف جنائبه، وقضاءه حق العيد وواجبه:
وجالتْ به جرد المذاكي كأنها ... عذارى ولكن نطقهنّ تحمحم
بصفراء كالتّبرِ العتيقِ صقيلة ... ودهماء يتلوها كُميْت وأدهم
وأشقر لو يجري وللبرق جهده ... لكان له يوم الرّهان التقدم
وقام لواء النّصر يتبع راية ... بها العزّ معقود عليها متمَّم
فلما قضى حق الصلاة معظماً ... ثنى والهدى في وجهه يتوسّم
فلا زال يقضي نفْلهُ وفروضه ... وبرْدُ علاه بالمدائح مُعلَم
علي بن مكوك الطيبي
أورد له هذه الأبيات:
ألا ليت شعري هل من الدهر عودة ... ليقرب ناءٍ ليس يُدرَى له أينُ
تكدّر صفو العيش مذ جدّ بينُنا ... وأي التِذاذ لا يكدّره البين
لعلّ الذي يبلي ويشفي من الأسى ... يُعيد الذي ولّى فكل به هيْنُ
غدوتُ من الأيام في حال عسرة ... تطالبني ديْناً وليس لها ديْن
حماد بن علي الملقب بالبين
له:
لمن أتشكّى ما أرابَ من الدهر ... وقد ضاق بي عن حملِ أيسرِه صدري
وقلّ الذي يجدي التشكّي وأي من ... أرجّيه في يومي لقاصمة الظهر
أراني قد أصبحت في قطر باجةٍ ... غريباً وحيداً في هوان وفي قهر
فقيراً لمن قد كنت أغنى بنيله ... وأنعم في أيامه مدّةَ العمر
أرنِّقُ عيشاً كدّر الدهر صفوه ... وصيّره بعد انجِبار الى الكسر
وعهدي به روضاً أريضاً وجنّة ... مذلّلة الأكناف رائقة الزهر
وإن رمتُ أن أغدو لأهلي عاجلاً ... بلا مهلٍ في أوّل الركب والسفْر
ثنائيَ عنه عامل الثّغر وانثنى ... يقابلني بالعُنف منه وبالزّجر
وقال: اقتنع واقنَعْ برزق تناله ... بلطف لعلّ اليُسرَ يذهب بالعُسر
وأطرق إطراق البُغاث لدى الصقر ... كأنْ لم أكن إذ ذاك منه على ذكر
محمد بن البين
أورده الرشيد بن الزبير في كتاب الجِنان من الأندلسيين، ولم أعرفه إلا منه، وأورد له:
جعلوا رُضابَك كي يُحرّمَ راحا ... ورأوا به قتلَ النفوسِ مباحا
نشروا عليك من الذّوائب حِندِساً ... فملأته من وجنتيك صباحا
ومتى أحسّوا منك طيفاً طارقاً ... ملؤوا أعنّتهم إليّ رياحا
стр. 778
ضربوا عليك من القَتام سُرادِقاً ... ركَزوا شعاع الشمس فيه رماحا
وجلَوْا ظلام الليل بالصبح الذي ... قسموه بين جيادهم أوضاحا
وأتوا بغدران المياه جوامداً ... قد فصّلوها ملبساً وسلاحا
هذا معنى حسن، قد جوّده الأعشى النحوي من شعراء المغرب، ولا أدري أيهما أسبق إليه:
ملك إذا ادّرع الدلاص حسبته ... لبس الغديرَ وهزّ منه منصلا
ولمحمد بن البين:
بُرودٌ قد خلِقنَ عليّ حتّى ... حكينَ الصّبرَ في يوم الوَداع
فجدّدْها ليشهد كلّ راءٍ ... بأني من هباتِك باتّساع
وحمِّلْ عاتِقي ثقْلَ المعالي ... فإنّي بالتحمّل ذو اضطلاع
باب في ذكر عدة من شعراء المغرب
من أهل العصر
الأديب الحكيم أبو الصلت أمية
ابن عبد العزيز بن أبي الصلت الأندلسي كان أوحد زمانه، وأفضل أقرانه، متبحراً في العلوم، وأفضلُ فضائله إنشاء المنثور والمنظوم، وكان قدوة في علم الأوائل، ذا منطق في المنطق بذّ سحبان وائل، سمعت أبا الفتح نصر بن عبد الرحمان بن إسماعيل الفزاري في ذي الحجة سنة سنتين ببغداد وروى لي كثياً من شعره: أن أمية من أهل المغرب، وسكن ثغر الإسكندرية، وله الباع الأطول في الأصول والتصانيف الحسنة على أسلوب كتاب اليتيمة للثعالبي، ثم وقع ديوان هذا أبي الصلت بيدي في دمشق فأخذته وانتخبت منه ما أوردته ونبهت على ما هو من روايتي في مواضعه، وكل شره منقح ملقح، ممدح مستملح، صحيح السبك، محكم الحوك، نظيم السلك، قويم الفلك، وذلك على ترتيب الحروف، وقد قرأت في ديوانه شعره بتاريخ سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة، ولا شك أنه عاش بعد ذلك.
الهمزة فمن ذلك قوله في غلام اسمه واصل وهو مغنٍ مليح:
يا هاجراً سمّوه عمداً واصلا ... وبضدّها تتبيّن الأشياء
ألغيتَني حتى كأنّك واصل ... وكأنني من طول هجرك راء
وله ملغزاً بالظل من قطعة:
أُحاجيك ما لاهٍ بذي اللبِّ هادئ ... على أنه لا يعرفُ اللهْوَ والهُزْءا
بعيد على لمس الأكفّ منالُه ... وإنْ هو لم يبعد عِياناً ولا مرْأى
يُراسِل خِلاً إن عدا عدوَ مسرعٍ ... حكاه وإن يبطئ لأمرٍ حكى البطئا
ترى الرّحْلَ محمولاً عليه كأنّما ... مراسله من دونه يحمل العِبئا
ولم يخشَ يوماً من تعسف قفْرةٍ ... أساودها تسعى وآسادها تدْأى
يغيب إذا جنح الظّلام أظلّه ... لِزاماً ويبدو كلّما أنِسَ الضّوءا
ولكن يحيى ضده في ثباته ... فلا برعتنا الحادثات به رزءا
مليك إذا استسقى العفاة يمينه: توهّمتها من فيض نائلها نوءا
شوى مجده قلب الحسود لما به ... وأعياه أن يلقى لعلّته بُرءا
وقوله:
كم أرجّي الأراذلَ اللؤماءَ ... وإخال السّراب في القفْر ماءَ
ويْحَ نفسي ألا جعلت لربّي ... دون هذا الأنام هذا الرجاءَ
وقوله:
لا غرْوَ أنْ سبقتْ لهاكَ مدائحي ... وتدفّقتْ جدواك ملءَ إنائها
يُكسى القضيب ولم يحن إثماره ... وتطوّق الوَرْقاء قبل غِنائها
الباء وقوله من قصيدة في الأفضل سنة أربع عشرة وخمسمائة:
نسختْ غرائب مدحكَ التّشبيبا ... وكفى به غزَلاً لنا ونسيبا
لله شاهِنْشاه عزمَتُك التي ... تركت لك الغرضَ البعيدَ قريبا
لا تستقرّ ظباك في أغمادها ... حتى تروّيها دَماً مصبوبا
والخيللا تنفكّ تعتسِف الدّجى ... خبباً الى الغارات أو تقريبا
تصبو الى ما عُوّدتْ من شنها ... فتواصل الإسآدَ والتّزويبا
وترى نَمير الماء صفْواً كلّما ... وردَتْه طرْقاً بالدّماء مَشوبا
ومنها في صفة الخيل:
من كل منتصب القَذال تخالُه ... رشأ بإحدى الجهلتين رَبيبا
حكم الوجيهُ له وأعوَج أنّه ... سيجيء فرْداً في الجياد نجيبا
стр. 779
من أدهمَ للحِلي فوق لِباتِه ... شُهب تُضيء ظلامَه الغربيبا
متألق إفرَنْده في حلكةٍ ... وكأنّما ثبجٌ عله أذيبا
أو أشهب ضبغ النّجيع أديمه ... لوناً أعار لحسنه تذْهيبا
ما خِلْت ريحاً قبله امتُطيَت ولا ... أبصرتُ برقاً قبله مركوبا
تُردي بكل فتىً إذا شهد الوغى ... نثر الرّماح على الدّروع كعوبا
قد لوّحته يدُ الهواجر فاغتدى ... مثل القناة قصافةً وشحوبا
يتسابقون الى الكفاح بأنفسٍ ... ترك الإباء ضرامها مشْبوبا
تخِذوا القنا أشطانهم واستنبطوا ... في كل قلب بالطِّعان قليبا
أحييتَ عدل السّابقين الى الهدى ... وسلكتَ فيه ذلك الأسلوبا
وبثثتَ في كلّ البلاد مهابة ... طفِق الغزال بها يؤاخي الذّيبا
وهمَتْ يداك بها سحائبَ رحمة ... ينهلّ كل بنانة شؤبوبا
ومنها:
ونصرتَ دينَ الله حين رأيته ... متخفّياً بيد الرّدى منكوبا
فالخيل تسرع والفوارس ترتمي ... مُرْداً الى أجر الجِلاد وشيبا
ومنه في الدرع:
متسَرْبِلي غُدَر المياه ملابِساً ... مُستنْبِطي زُيُر الحديد قلوبا
ونصبتَ من هام العِدى لك مِنبراً ... أوفى حسامك في ذراه خطيبا
لما أعدّوا البيض هيفاً جُرّدا ... والطّاس يفهقّ مرّة والكوبا
أعددتَ للغمرات خير عَتادها ... رمحاً أصمّ وسابحاً يعْبوبا
ومنها في الدرع:
ومُفاضة كالنهر درّج متنَه ... ولعُ الرّياح به صباً وجنوبا
ومنها في السيف:
ومهنّدٍ عضْب الغرار كأنّما ... درجَتْ صغار النّمل فيه دبيبا
ذكر الكميّ مضاءَه في وهمه ... فرأيتَه بنجيعه مخضوبا
تعطي الذي أعطتكه سمْر القنا ... أبداً فتغدو السّالبَ المسلوبا
وكّلْتَ فكرَك بالأمور مراعياً ... وأقمتَ منه على القلوب رقيبا
ومنها:
وأنا الغريب مكانُه وبيانُه ... فاجعل صَنيعَك في الغريب غريبا
وقوله من قصيدة في يحيى بن تميم سنة اثنتي عشرة وخمسمائة في صفة الحرب:
تألّق منك للخُرْصان شُهْب ... على لِمم الدّجى منها مشيبُ
نجوم في العجاج لها طلوعٌ ... وفي ثغْر الكُماة له غُروب
ومنها:
وقد غشّاك من سود المنايا ... سحائب ودقهنّ له صبيب
فلا برق سوى بيض خفاف ... تُقَطُّ بها الجماجم والتّريبُ
تغادر كل سابغة دلاص ... كما شقّت من الطرب الجيوب
وقوله من قصيدة في مدحه:
بكم فضَلَ المشرقَ المغربُ ... وفي مدحكم قصّر المُطنِب
وما اعترف المجدُ إلا لكم ... فليس الى غيركم يُنسب
توارثتموه أباً عن أبٍ ... كما اطّردت في القنا الأكعب
ومنها:
إذا بلدٌ ضاق عن آملٍ ... فعندكمُ البلد الأرحب
بحيث ينادي النّدى بالعُفاة ... هلمّوا فقد طفحَ المشرب
ومنها:
دنا كرَماً ونأى هيبة ... فتاهَ به الدّست والموكب
وسالت ندًى وردًى كفّه ... فهذا يرجّى وذا يرهَبُ
وقوله من قصيدة في مدح حسن بن علي بن يحيى بن تميم:
عذيريَ من شيْب أمات شبابي ... وداعٍ لغير اللهو غير مُجاب
فقدتُ الصّبا إلا حُشاشةَ نازع ... تداركتها إذ آذنَتْ بذهاب
بصفراءَ من ماء الكروم سقيتُها ... بكفّ فتاةٍ كالغلام كعاب
تُنير فيستغشي الزجاجة نورها ... كما ذرّ قرن الشمس دون سراب
فهل من جُناح ويكما أو تِباعةٍ ... على رجل أحيا صبًى بتصاب
ومنها:
ولم يطْف نار الهمّ مثل رجاجة ... تُشَجّ حُميّاها بماء رضاب
стр. 780
ولثْم خدود كالشّقائق غضّة ... وضمّ قدود كالغصون رِطاب
فقم يا نديمي سقّني ثم سقّني ... فبي ظمأ أصبحت منه لِما بي
أما والذي لو شاء لم يخلق الهوى ... لهوني ولا عذْبَ اللّمى لعذابي
لقد طال ذمّي الدّهْرَ حتى أقرّني ... من ابن عليٍّ في أعزّ خِصاب
وجدت ذراه الرحبَ أكرمَ منزل ... فقيّدْت أفراسي به وركابي
وكم ردّدَتْ نحوي الملوكُ خطابها ... فما حليتْ منّي بردّ جواب
وقوله من قصيدة في مدحه:
لم يدعُني الشوقُ إلا اقتادني طرباً ... ولم يدعْ ليَ في غير الصّبا أرَبا
وذو العلاقة من لجّ الغرامُ به ... وكلّما ليمَ أو سيمَ النزوع أبى
كانت لنا وقفة بالشِّعْب واحدة ... عنها تفرّع هذا الحب وانشعبا
ولائم ليَ لم أحفل ملامته ... ولا سمحتُ له منّي بما طلبا
قال: اسلُ فالحب قد عنّاك قلت أجل ... حتى أراجعَ من لبّي الذي عزَبا
طرفي الذي جلب البلوى الى بدَني ... فلُمْه دوني في الخطب الذي جلبا
هو الهوى وهواني فيه محتمَل ... وربّ مُرّ عذاب في الهوى عذُبا
أما ترى ابنَ عليٍ حين تيّمَه ... حبّ العُلا كيف لا يشكو له وصبا
أغرّ ما برحت تثني عزائمُه ... سيفَ الهدى بنجيع الشّرك مُختضبا
قد أصبح المُلك منه في يدي ملِكٍ ... مُرّ الحفيظة يُرضي الله إن غضبا
لو أنّ أيسر جزء من محاسنِه ... بالغيث ما كفّ أو بالبدر ما غرَبا
ومنها في وصف قصر له بناه:
إذا سقى الله أرضاً صوبَ غادية ... فليسقِ قصرَك صوبَ الرّاح ما شربا
قصر تقاصرَت الدنيا بأجمعها ... عنه وضاق من الأقطار ما رحُبا
ومنها يصف شجر النّارنج:
وحبّذا قُضُب النّارنج مُثمرة ... بين الزّبرجَدِ من أوراقها ذهَبا
وفي صفة النهر:
وحبّذا الوُرق فوق القُضب ساجعة ... والماء في خلَل الأشجار منسربا
سلّتْ سواقيه منه صارماً عجباً ... لا يأتلي الجدْبُ منه مُمعِناً هربا
حُسام ماءٍ إذا كفّ الصّبا انبعثت ... لصقلِه تركتْ في متنه شُطُبا
صفا ورقّ فكاد الجو يشبهه ... لو أن جواً جرى في الروض وانسكبا
ومنها في صفة الخمر:
...... ترتمي شرراً ... فوق البنان وهذا يرتقي حبَبا
شمطاء ما برحَتْ في الدنّ قائمة ... تفني الليالي والأيام والحِقَبا
حتى لقد جهلتْ للبُعْد عاصرَها ... وأنسيت لتراخي عهدها العنبا
وقوله فيه:
بسُمر الرّماح وبيض القُضبْ ... تُنال العُلا وتُحاز الرُتبْ
وما بلغ المجدَ إلا فتًى ... يمتّ إليه بأقوى سببْ
فكن كلِفاً بالقَنا والظُبى ... إذا كلِفوا باللّمى والشّنبْ
إليّ تناهى الهوى مثلما ... الى ابن عليّ تناهى الحسَب
كأن هواي قدودَ المِلاح ... هواه قدود الرّماح السُلُبْ
أهيم ببيض الدُمى مثلما ... تهيم يداه ببيض القُضُبْ
ويُسهرني صدّ ذات اللّمى ... ويُسهِره نيلُ أعلى الرُتبْ
ولا أقبل العذْرَ فيمن أحب ... ولا يقبل العذْلَ فيما يهَبْ
ويخفق قلبي جوًى كالبُروق ... وتهمي يداه ندًى كالسُحُبْ
وقد فعل السُقمُ بي والنُحو ... لُ فعلَ عوارفِ بالنّشبْ
فلا حسُّ في بدني للحياة ... ولا حسّ في ظله للنّوَبْ
وعهد جفوني بطيب الكرى ... كعهد مُغالبِه بالغَلَبْ
ووجدي ومفخرُه باقيا ... ن في كلّ حين بقاءَ الحقَبْ
فأبقى لي الوجدَ جيدٌ وخال ... وأبقى له المجدُ جدّاً وأبْ
стр. 781
وقرأت في مجموع السيد أبي الرضا الراوندي بخطه: أنشدني الزّكي بن طارق، أنشدني سليمان بن الفياض لأبي الصلت:
إذا كان جسمي من تُراب فكلّها ... بلادي وكل العالمين أقاربي
ولا بدّ لي أن أسألَ العيشَ حاجة ... تشُقّ على شُمّ الذّرى والغوارب
وقوله:
وربّ قريب الدار أبعده القِلى ... وربّ بعيد الدار وهو قريب
وما ائتلفَتْ أجسام قومٍ تناكرتْ ... على القُرْب أرواحٌ لهم وقلوب
وقوله يصف بِركة الحبش:
علّلْ فؤادَك باللذات والطرب ... وباكرِ الراح بالطّاسات والنُخَب
أما ترى البِركةَ الغنّاء قد لبِست ... فرْشاً من النّور حاكته يد السُحُب
وأصبحتْ من جديد النّبْت في حللٍ ... قد أبرز القطْر فيها كلّ محتجِب
من سوْسنٍ شرقٍ بالطّلّ محْجره ... وأقحوانٍ شهيّ الظَّلم والشّنَب
وانظر الى الورد يحكي خدّ محتشم ... من نرجس ظل يحكي لحظَ مرتقب
والنيل من ذهب يطفو على ورقٍ ... والراح من ورِقٍ يطفو على ذهب
وربّ يوم نقعْنا فيه غُلّتنا ... بجاحم من حشا الإبريق ملتهب
شمس من الراح حيّانا بها قمر ... موفٍ على غُصنٍ يهتز في كثب
أرخى ذوائبه واهتزّ منعطفاً ... كصَعْدة الرمح في مسودّة العذب
وقوله في العذار:
دب العِذار بخدّه ثم انثنى ... عن لثْم مبسمه البَرود الأشنَب
لا غَروَ أن خشي الرّدى في لثمِه ... فالرّيق سُمّ قاتل للعقرب
يقال: من خواص ريق الإنسان أنه يقتل العقرب، وهو مجرَّب.
وقوله وهو من رائق شعره:
صَبا إذ تنسّم ريّا الصِّبا ... ولجّ فأنّب من أنّبا
وكان على العذْل سهل المرا ... م سمحَ المَقادة فاستصعبا
ولم يُدْعَ للغَيّ إلا أطاع ... ولم يُدْعَ للرشد إلا أبى
فكيف السلوّ لصب يرى ... عذاب الصّبابة مستعذبا
خليليّ لي والهوى والرقيب ... حديث يحلّ عقود الحُبى
وبي والركائب والظّاعنين ... ظباء لواحظهنّ الظُّبى
وخلفَ الستور وطيّ الخدور ... ودون العَجاج وتحت الكُبا
شموس مطالعهنّ الجيوب ... وقُضْب مغارسهنّ الرّبى
حشدن لقتليَ جيشَ الغرام ... وفرّقنَ صبري أيدي سَبا
وقوله:
لا تدْعُنا ولتَدْعُ من شئتَه ... إليكَ من عُجْمٍ ومن عرب
فنحن أكّالون للسُحْت في ... دارك سمّاعون للكذب
ومن قوله وقد جفا بعض إخوانه في سكره:
يا ليت أنّ حبابَ الرمل ساورني ... بما استدار بأعلاها من الحبب
فما يفي بالذي أخفيتُ من ندم ... ما نلتُ بالكأس من لهوٍ ومن طرب
اصرف كؤوسكَ عنّي يا مصرّفها ... فليس لي بعدها في اللهو من أرب
في ابن الغمامة لي مُغنٍ يؤمنني ... من أن تحكّم في عقلي ابنة العنب
ومنها:
تُرى رضيتَ فعاد الودّ أم بقيت ... بقيةٌ تتقاضى عودةَ الغضب
التاء وقوله في ذم عبيده:
قُيِّض لي في العبيد بخْت ... أتعسه الله في البُخوت
لم أحْظَ منهم بغير فدْمٍ ... أرعنَ أم مبرمٍ مقيت
يكْلم عند الكلام إن لم ... يفلح سكيتاً لدى السكوت
ورُبّ عِلْقٍ ملكت منهم ... كالظبي في مُقلة ولِيت
أتى على الصبر كل شيء ... أعطي من حسنه وأوتي
تعجّ أحقاؤه عليه ... فويق خلخاله الصموت
سهْل على طالبيه سمْح ... يجذبه خيط عنكبوت
لا يأتَلي من مَقيل سوء ... عند ذوي الفِسْق أو مبيت
يوسع أعْفاجَه طِعاناً ... من بطلٍ غير مستميت
في كل يوم يجر عرضي ... في سكل الدور والبيوت
стр. 782
أنعَت بالفسق فيه إفكاً ... والفسق من أقبح النعوت
ورُبّ يوم حُميت غيظاً ... من أسود اللون كالحَميت
أرفَع صوتي به اشتِكاء ... والرفع في الصوت رفع صيت
أقول: يا ربّ هل أراه ... تحت الدّبابيس واللتوت
كم شمل كرْبٍ به جميع ... وشمل أنْسٍ به شتيت
ويحَك يا نفس أيّ جهد ... من لؤم أخلاقهم لقيت
وقوله في مدح حسن بن علي:
أيُحيي الدهر منّي ما أماتا ... ويرجِع من شبابي ما أفاتا
وما بلغَ الفتى الخمسينَ إلا ... ذوي غُصْن الصّبا منه فماتا
يقول الركب هاتا دارَ هِندٍ ... فهل يُجدي مقالُ الركب هاتا
ومنها:
بكيتُ على الفُرات غداةَ شطّوا ... فظنّ الناس من دمعي الفُراتا
وبي من ساكن الأحداج أحوى ... كريم العصر صدّاً والتفاتا
أعادَ دلالُه وجْدي جميعاً ... وأوسع صدّه صبري شتاتا
وولّى بالعزاء غداةَ ولّى ... وكيف يردّ ما ولّى وفاتا
فسائلْ عن جفونيَ كيف باتت ... وعن قلبي المعذّب كيف باتا
أما لو عادني لأعاد روحي ... وأحيا أعظُمي الرِّمَم الرّفاتا
كما أحْيى ندى الحسن البرايا ... وكان الغيثَ إذ كانوا النّباتا
مليك ما لجأت إليه إلا ... قمرت من الحوادث ما أماتا
يهزّ الرّفد عِطفيه ارتياحا ... ويحكي الطّودَ في الهيجا ثباتا
وصلت بحبله الممدود حبلي ... فما أخشى له الدهر انبتاتا
وهابتْني الليالي في ذراه ... فلست بخائف منها افتياتا
ولما حدّث الرُكبانُ عنه ... بما أولاه من فضل وآتى
مرقت إليه من خلل الدّياجي ... مروقَ السهم إذ جدّ انفلاتا
الى أن حطّ رحلي في ذراه ... بحيث انقاد لي زمني وواتى
فلا عدمَتْ به الدنيا جمالاً ... ولا فقدتْ له العلياء ذاتا
الثّاء
خلِّ لها في الزّمام تنبعث ... وارمِ بها البيد غير مكترث
من كل موّارة المِلاط لها ... وخْدٌ متى تستثِرْه لم ترث
فالحيّ كالميْتِ ما أقام على ... حالة بؤس والبيت كالجدَث
أقسمت بالله بارئِ النّسَم ال ... باعث بالحقّ غير منبعِث
والراقصات العِجال تبتدر الرُكْ ... نَ بغُرّ فوَيْقها شُعُث
إليةً لا أاف من كذِب ... يقدح في صدقها ولا حنَثِ
إنّ ابن يحيى كهل البصيرة والر ... رأي وإن لم يجُزْ مدى الحدث
الواعد الوعدَ غيرَ منتقض ... والعاهد العهدَ غيرَ منتكث
والأسد الورد والمكر والمو ... ت غرثان والكماة جُثي
... يُستمنح يجُدْ ومتى ... يُدْعَ به في ملمّةٍ يغِثِ
فأي أرض لم يسْقِ مُجدبَها ... بصوبِ معروفِه ولم يغِثِ
... بدلُها الخنث ال ... فاتر ذات الدّلال والخنث
ويلاه مما ينوب كل فتى ... لم يكتسب مجدَه ولم يرث
ما الطيّب النّجر كالخبيث ولا ... يُعَدّ صفو النُضار كالخبث
من نفرٍ لم تُدَرْ عمائمهُم ... يوماً على ريبَةٍ ولم تُلَثِ
فالشّعر وقْف على محاسنهم ... وليس جِدّ المقال كالعبث
وقوله في الغزل:
جدّ بقلبي وعبثْ ... ثم مضى وما اكترثْ
وا حزَني من شادن ... في عُقَد الصبر نفث
يقتُل من شاء بعي ... نيه ومن شاء بعث
فأي ودّ لم يخُنْ ... وأي عهد ما نكث
الجيم
стр. 783
وقوله من قصيدة في مدح حسن بن علي بن يحيى بن تميم وقد كثر الإرجاف بخروج أسطول صاحب صقلية الى إفريقية وقصد به المهدية في سنة سبع عشرة وخمسمائة:
للَفظك يُهجَر الروضُ البهيج ... ودون ثيابك المسكُ الأريجُ
وأنت الشمسُ مطلعُها ذراها ... وليس سوى الدّسوت لها بروج
وإن قُدِحَت زِناد الحرب يوماً ... وكان لنار معركةٍ أجيجُ
تركتَ برأيك الأبطالَ فيها ... ومن تحتِ العجاجِ لها عجيج
نماك بنو المعزّ فطُلتَ فرعاً ... كذا الخطّي ينميه الوشيج
وأمّ جنابَكَ العافون طُراً ... كما يتيمّم الركنَ الحجيج
وأعداهم سماحكَ فاستُميحوا ... ولولا البحر لم يفضِ الخليج
ولما أن توعّدكَ النّصارى ... كما يتوعّد الأسد المهيج
أتتك غُزاتها بالقُرب تتْرى ... ليُنقَضَ ما تُعالجه العُلوج
وحولكَ من حُماتِكَ كل ذمر ... له في كلّ مشتَجَرٍ ولوج
ومقرَبَةٍ تفرّج كل كرب ... إذا ملّتْ من الركض الفروج
إذا كُسيَت دمَ الأبطال عادت ... ودون لبوسِها الذّهب النسيج
وقد ريعتْ قلوب الشِّرك حتى ... كأنّ لها بأندلسٍ ضجيج
فبلّغهم رسولكَ كي يقرّوا ... فإن الأمر بينهم مريج
وإنّا الداخلون الى بلِرم ... إذا ما لم يكن منهم خروج
لأنّا القومَ ترضيناالمذاكي ... إذا صهلتْ وتؤنسنا الرّهوج
بقيتَ لنا وللإسلم ركناً ... تجانيه الخطوب ولا يَعيج
ولا غُمِدَتْ لنُصرتك المواضي ... ولا حُطّتْ عن الخيل السّروج
شأى الدرّ القريض بكم وتاهت ... على أدراجه هذي الدّروج
وقوله في يحيى بن تميم بن المعز بن باديس:
ذكرَ المعاهدَ والرسومَ فعرّجا ... وشجاه من طللِ البخيلةِ ما شجا
هيفاءُ أخجلتِ القضيبَ معاطفاً ... والريمَ سالفة وطَرْفاً أدْعَجا
وسقى النعيمُ بذَوبِه وجناتِها ... فوشى به حلل الرّياض ودبّجا
الآس أخضر والشّقائق غضّة ... والأقحوان كما علمْتَ مفلَّجا
لا تسألنّي عن صنيع جفونِها ... يوم الوداع وسلْ بذلك مَنْ نجا
لو كنت أملِك خدّها للثَمتُه ... حى أعيدَ به الشقيقَ بنفسَجا
أو كنت أهجع لاحتضنت خيالها ... ومنعت ضوء الصبح أن يتبلّجا
فبثثت في الظلماء كُحْلَ جفونها ... وعقدت هاتيك الذوائبَ بالدّجى
عرضت فعطلت القضيب على الكثي ... ب تأوّداً وتموّجاً وترجْرجا
وكأنما استلبتْ غلالةُ خدّها ... من سيف يحيى حدّه المتضرّجا
ملِك عنَتْ منه الملوك مهابة ... لأغَرّ في ظلم الحوادث أبلجا
أحلى على كبد الوليّ من المُنى ... وأمرّ في حنكَ العدوّ من الشّجا
من سرّ يعربَ ما استقلّ بمهدِه ... حتى استقلّ له المجرةَ معرَجا
يا من إذا نطق العَلاء بمجده ... خرس العدوّ مهابة وتلجلُجا
ومنها في صفة الفرس:
عجباً لطرفك إذ سما بك متنُه ... كيف استقلّ بما عليه من الحِجى
سبق البروقَ وجاء يلتهم المدى ... فثنى الرياح وراءه تشكو الوجى
وعدا فألحق بالهجائن لاحِقاً ... وأراك أعوج في الحقيقة أعوجا
كالسّيل مجّتْه المذانبُ فانْكفا ... والبحر هزته الصّبا فتموّجا
ومشى العِرَضْنة بالكواكب ملجماً ... مما عليه وبالأهلّة مُسرَجا
ما دون كفِّك مرتَجى لمؤمّلٍ ... لم يُلْفِ بابَك دون سيْبكَ مُرتَجا
بكَ يُستجار من الزّمان وريْبِه ... وإليك من نوَبِ الليالي يُلتَجا
فمتى نقِسْ بك ذا ندى كنت الحيا ... صدقتْ مخيلته وكان الزّبرِجا
стр. 784
وإذا عِداك بغَوْا وسعتَهم ندى ... وتكرّماً وتعفُّفاً وتحرُّجا
بشمائل تُبدى ولكن طيّها ... لفحات بأس تستطير تأجُّجا
والبأس ليس ببالغٍ في نفعه ... حتى يُقارن بالسّماح ويُمزَجا
لم نأل تدْأب في المكارم والعُلا ... متوقِّلاً هضباتِها متدرّجا
حتى أقرّك ذو العلا بقرارها ... وشفا بدولتك الصدورَ وأثلجا
فأقمْت من عُمَدِ السّياسة ما وهى ... وجلوْتَ من ظُللِ الضّلالة ما دجى
فاسلم لدفع ملمّةٍ تُخْشى ودُمْ ... أبدَ الزّمان لنيلِ حظّ يُرتجى
وأنشدي نصر الفزاري، قال: أنشدني أبو الحسن بن شهاب، قال: أنشدني أمية لنفسه:
سترتْ وجهَها بخزّ وجاءتْ ... بمُدام منقَّبٍ في زجاج
فتأملتُ في النِّقابَيْن منها ... قمَراً طالعاً وضوءَ سِراج
الحاء وقوله من قصيدة:
صَبّ براه السّقم برْيَ القِداح ... يودّ لو ذاق الرّدى فاسْتراح
غرامُه الدهرَ غريم له ... وما لبَرْح الشوق عنه بَراح
لم يرِم الوجدُ حشاه ولا ... خلتْ له جارحة من جِراح
له إذا آنسَ برق الحِمى ... جوانحُ تخفِق خفق الجناح
وإن شدَتْ ورقاء في أيكةٍ ... عاودَه ذكر حبيٍ فناح
أصبحتُ في حلبةِ أهل الهوى ... أركُض في طِرْف شديد الجِماح
وفي سبيل الحبّ لي مُهجة ... كان لها صبر جميل فطاح
أغرى بها السُقم هوى شادنٍ ... لم يخْشَ في سفْكِ دمي من جُناح
يعذّب القلبَ بهجرانِه ... وليس للقلب سواه انشراح
تلاقتِ الأضداد في خمسةٍ ... على اتفاقٍ بينهم واصطلاح
إن لان عِطفاه قسا قلبُه ... أو ثبتَ الخلخال جال الوِشاح
يا ابنَ الملوك الصّيد من حمير ... ووارثِ المجدِ القديمِ الصّراح
ليهْنكَ الجدّ الذي نلتَه ... بالجِدّ من أمرك لا بالمِزاح
مزجتَ بالبأس النّدى والتُقى ... ملحٌ أجاجٌ وزُلالٌ قَراح
كم منهلٍ مطْرَدٍ بالرّدى ... في موقف مشتَجِرٍ بالرّماح
أوردته كل سليم الشّظى ... منعّلة أربَعُه بالرّياح
كأنما سُربِل جُنح الدجى ... وبُرقِعت غرّتُه بالصباح
ينصِت للنّبْأة من حشْرةٍ ... كأنها قادمة من جناح
وقوله:
أصحوتَ اليوم أم لستَ صاحي ... يوم نادوا أصلاً بالرّواح
يوم تُصميكَ لِحاظ الغواني ... بسهام نافذات الجِراح
جدّ بي ما كان منّي مِزاحاً ... ربّ جِدّ حادثٍ عن مِزاح
فالحَ إن شئتَ أو دعْ فإنّي ... قد تمرّسْت بخطْبِ اللواحي
ولئن غالَ شبابي مشيب ... كفّ من شأويَ بعد المَراح
ولكم ردّ بغيظ عذولي ... فتولّى مؤيِساً من صلاح
ببدور من سُقاة أداروا ... أنجُمَ الراح بأفلاك راح
كلما ولّى أوان اغتباق ... شفَعوه بأوانِ اصطباح
ورخيم الدلّ عذبِ الثّنايا ... شرِقِ الخلخالِ صادي الوِشاح
باتَ يسقيني الى أن تردّى ... منكب الليل رداءَ الصباح
كلما مال فقبّلت فاه ... مجّ خمراً في فمي من أقاح
كنفَتْني لك يا ابن عليّ ... نظَرات منكَ راشتْ جناحي
نزل الدهر بها عند حُلمي ... وأجاب الحظّ حسب اقتراحي
وأيادٍ شفعتْها أيادٍ ... سبقتْ شكري لكم وامتداحي
تلك راضت جامحاتِ الأماني ... فتأتّت لي بعد الجِماح
ومنه يصف خلعة ممدوحه عليه:
وحوى رِقّي بُرد سناء ... فوقَى عِطفي بكفّ السّماح
رحت من هذا وهذا كأنّي ... قد تغشّيت دجى في صباح
ومنها:
стр. 785
حكتِ الأعلام منه مُذالاً ... تتهاداه بنان الرياح
كلما أرسلْتُه فوق متْني ... نازعَتْنيه صدور الرماح
أفصحَتْ في شُكره وهي خُرْس ... عجباً منها لخُرسٍ فِصاح
منَح من مَلِكٍ ليس يفْنى ... بحرُ جدواه على الامتياح
يملأ المِغفَرَ والتاج منه ... قمر الدّسْتِ وليث الكفاح
من ملوكٍ ملكوا الناس قِدْماً ... واسترقوا كل حي لِقاح
كلّما اقتيدَ لهم واستُقيلوا ... غمَدوا في الصّفح بيض الصفاح
دام في عمرٍ مديدٍ وعيشٍ ... خضِلِ الأكناف زاهي النّواحي
وقوله:
قل لذي الوجه المليحِ ... ولذي الفعلِ القبيحِ
وشبهِ القمر الطا ... لعِ والغصنِ المروح
نمْ خليّاً ودعِ التّس ... هيدَ للصبّ القريح
يا عليلَ الجفنِ علّلْ ... بجَنى ريقِكَ روحي
جد بوصلٍ منكَ أو مو ... تٍ من الصدّ مُريح
الخاء وقوله في جواب أبي عبد الله بن بشير الشاعر التنوخي عن قطعة كتبها إليه في الوزن والروي:
غير مجدٍ ملام غيرِ مُصيخ ... ومُمِضّ الكلام كالتوبيخِ
أنتَ في اللوم لي كمن لقي النا ... ر بريح وقال يا نار بوخي
أنا مالي وللهَياج وقرْع ال ... بطلِ الستميت في اليافوخ
بين أسْدٍ جروا الأساوِدَ واستغ ... شوا الى الطعن ما نضَتْ من سلوخ
قم خليلي فأنت أنبَل من عو ... شِرَ في مذهب المجون وأوخي
قم نُدِرْها سُلافة حُبِستْ من ... قبلِ شيثٍ في الدّنّ أو أخنوخ
فهي معلومة المناسبِ في أك ... رم عِرقٍ مجهولة في التاريخ
بنت كرْمٍ تحبو الشّباب شباباً ... وتُريك الشّيوخَ غيرَ شيوخ
فاسقنيه صفراءَ كالشمس أو حم ... راءَ صهباءَ فهي كالمريخ
في ذرى من يستجبِن الليثَ إن هي ... جَ ويستبْخِل الحيا إن سوخي
قلت لما سرتْ الى المُدلجِ السّا ... ري عطاياه والمقيمِ المُنيخ
أين ثمْدٌ من غامرٍ ونضوبٌ ... من جموم وراشحٌ من نضوخ
دام كهفَ العاني الطريد وغيث الر ... رائِد المقتفي وغوثَ الصّريخ
في ارتقاءٍ في عزّة وتمادٍ ... وثبوت في ملكه ورسوخ
الدال وقوله من تهنئة بمولود اسمه يحيى:
وأفضلُ الأيام يوم غدا ... لمثْلِ يحْيى المُرتضى مولدا
أعز مأمول الجَدا حاز عن ... أغرّ نائي العيب داني الجدا
يلوح في المهد على وجهه ... تجهُّم البأس وبِشرُ النّدى
فخِلتُ منه الليثَ والغيثَ ذا ... يرهَب غضبانَ وذا يُجتدى
وكوكب الحسن الذي لا يني ... يضيء وجه السُرى الأرْبَدا
والشمس والبدر إذا استجمعا ... لم يلْبَثا أن يلِدا فرْقَدا
فابقَ له حتى ترى نجلَه ... وإن عرا خطب فنحن الفدا
وقوله في الشّمعة:
وناحلةٍ صفراءَ لم تدْرِ ما الهوى ... فتبكي لهجرٍ أو لطولِ بِعاد
حكتني نُحولاً واصفراراً وحُرقة ... وفيضَ دموع واتصالَ سهاد
وقوله في استزارة صديق:
بمعاليكَ وجدّكْ ... جُدْ بلُقياك لعبدك
حضر الكلّ ولكن ... لم يطِبْ شيء لفقْدِك
وقوله:
وورد عبق أهدَيْ ... تَه غضاً الى عبدك
فلم أدرِ ومن أنقذ ... ني بالوصل من صدّك
أذاكَ الورد من خد ... دكَ أم خدّك من ورْدك
وقوله:
لا تتركَن يوماً صفا ... لك فيه طيب العيشِ للغَدْ
وانعم بها ورديةً ... من كفِّ ذي خدّ مورّد
стр. 786
ذاب النُضار بوجنتي ... هـ وقام دونهما الزّبرْجَدْ
قال الحكيم وقد رآ ... ها في زجاجتها توقّدْ
ما بال هذي النّار لا ... ترقى كعادتها وتصعَدْ
أم ما أرى الذّهب المذا ... ب أبى الجمودَ فليس يجمُدْ
وقوله فيمن يجتهد في العلم ولا يفهمه:
وراغبٍ في العلوم مجتهدٍ ... لكنه في القَبول جلمود
فهو كذي عنّة به شبق ... ومشتهي الأكل وهو ممعود
وقوله في غلام لابس قباء أحمر:
أفدي الذي زار في قِباءٍ ... قايس في الاحمرار خدّه
صينَ به جسمُه فحاكى ... سوسنَة علِّقَتْ بورْدَه
وقوله في تمني قرب الدار:
لئن أعرَضْتِ أو عادت عوادي ... أدالت من دنوّك بالبعاد
فما بعُدَتْ عن اللُقيا جسوم ... تدانت بالمحبّة والوداد
ولكن قرب دارِك كان أنْدى ... على كبِدي وأحلى في فؤادي
وقوله في مجمرة:
ومحرورةِ الأحشاء لم تدرِ ما الهوى ... ولم تدر ما يلقى المحبّ من الوجد
إذا ما بدا برق المُدام رأيتَها ... تُثير غَماماً في النّدى من النّد
ولم أرَ ناراً كلّما شبّ جمرها ... رأيت النّدامى منه في جنّة الخلد
وقوله من قطعة:
لا تظنّوا الدمعَ يطفئ ما ... ضُمّنَتْ من حرّها الكبِد
إن نيران الهوى أبداً ... بمياه الدمع تتّقد
قصَر البلوى على جسدي ... قيصَريّ عيده الأحد
مُنتضٍ من لحظه ظُبَة ... ما لمَن أوْدى بها قوَد
وقوله:
لم أدْرِ والله وقد أقبلَتْ ... تُخجِل غُصْنَ......
واستضحكت من لمّتي إذ رأتْ ... ............
أعِقْدها ألِّفَ من ثغرِها ... أم ثغرها.........
وقوله من قصيدة:
معاهد الحيّ كنت أعهدها ... بسْلاً على الحائمين مورِدها
والبيض بيض الظُبى مجرّدة ... يحْمي حِمى هندها مهنّدُها
وكم وكم ليلةٍ غنيت بها ... تُسعِدني غيدها وأسعِدُها
إذ لمّتي كالغُدافِ حالكَة ... يروق بيضَ الحسان أسودُها
وإذ لياليَ كلّها غُرَر ... لا ينقَضي لهوها ولا دَدُها
وربّ بيضاءَ من عقائِلها ... تبيت شمس النّهار تحسُدها
تَشيم من جفنها إذا نظرتْ ... صوارماً في القلوب تغمُدها
طرقتُها موهِناً على خطرٍ ... والنفس تُدني المُنى وتُبعِدها
فبتّ ألهو بضم ناعمةٍ ... ينْدى بريّا العبيرِ موقِدها
طاوٍ حشاها فعْمٌ مخلخَلها ... عذب لماها بضّ مجرّدها
ترشفني من فُوَيهها برَداً ... يشبّ نارَ الهوى ويوقِدها
وقوله في مغنّ قبيح الوجه حسن الصنعة:
لنا مُسمِع ما في الزّمان له نِدّ ... ولكنّه في قُبحِ صورته قِرْد
لطَرْفي وسمعي منه حالانِ هذه ... وأخرى إذا قايستَ بينهما ضدّ
يعذّب طرفي حين يلْحَظ وجهَه ... وينعُم سمعي دونه عندما يشدو
إساءَة مرآه لإحسان فعله ... كِفاء فلا حُسْن يدوم ولا سعْد
وقوله في كلب صيد:
خيرُ مُعدّ متّخَذْ ... ليومِ عيشٍ مستلَذّ
منفرد بالحسن قد ... سوبق بالجُرد فبَذْ
سبْق النّصول للقُذَذْ ... فما انبرى إلا مُغِذْ
ولا رأى حتى أخذْ
الراء وقوله من قصيدة:
أجِدُّكَ لا يسليك بينٌ ولا هجْر ... وأنّ مواعيدَ الهوى دونَها الحشْر
ومنها:
ومهما طرقْتَ الحيّ لاقاكَ دونَه ... غراب وأعراب لقاؤهما مُرّ
فهزتْ دوَينَ البيضِ بيض وأشرِعتْ ... الى الطّعن دون السُمرِ خِطيّة سُمرُ
فلا قُربَ إلا أن يخيّله الكرى ... ولا وصلَ إلا أن يسهّله الفكرُ
стр. 787
وبرْق دوَيْنَ الأبرقيْن كأنّما ... تُهَزّ له في الجوّ ألوية حُمرُ
أرِقْت له حتى طوى الليل ثوبَه ... وزلّت توالي الشُهْب يطردها الفجرُ
لعزمٍ قصرْتُ العيش فيه على السُرى ... وقلت لها سيري فموعدكِ القصْر
فما برحتْ ترمي بعزمي وهمّتي ... إليه الفِجاج الغُبْر واللُجج الخُضرُ
وأسري ولا يدري سُرى الليل موضعي ... كأنّ الدُجى صدري وشخصي به سرُّ
الى أن حططْتُ الرّحْلَ منه بعرْصةٍ ... أقام الغِنى في ظلّها ونأى الفقرُ
وعرّستُ حيث العيشُ أزهر مونقٌ ... وشرب الندى غمر وفينانُه نُضْر
ومنها:
تأتّى لي الإحسانُ لما مدحتُه ... وساعدني في شكره النظمُ والنثرُ
وأوفت قوافي الشّعر تتْرى كأنّها ... عوارفُه عندي ونائلُه الغمْرُ
وقوله من قصيدة:
هي العزائم من أنصارها القدر ... وهْيَ الكتائب من أشياعها الظّفَرُ
جرّدتَ للدّين والأسياف مغمدَة ... سيفاً تُفكّ بالأحداث والغيَرُ
وقمتَ إذ قعد الأملاك كلّهم ... تذبّ عنه وتحميه وتنتصرُ
بالبيض تُسقِط فوق البيض أنجُمها ... والسُمْر تحت ظِلال النّقْع تشتجِر
بيض إذا خطبَتْ بالنّصر ألسُنُها ... فمن منابرها الأكباد والقصَر
وذُبَّل من رِماح الخطّ مُشرعة ... في طولهنّ لأعمار الورى قِصَر
تغشى بها غمرات الموت أسْد شرى ... من الكماة إذا ما استُنجدوا ابتدروا
مستلئمين إذا شاموا سيوفهم ... شبّهتها خُلُجاً مُدّتْ بها غُدرُ
قوم تطول ببيض الهند أذرعُهم ... فما يَضير ظُباها أنّها بُتُرُ
إذا انتضوْها وذيل النّقْع فوقَهم ... فالشمس طالعة والليل معتكرُ
ترتاح أنفسهم نحو الوغى طرباً ... كأنّما الدّم راحٌ والظُبى زهُر
وإن هم نكصوا يوماً فلا عجب ... قد يكهم السّيف وهو الصارم الذّكر
العَود أحمد والأيام ضامنة ... عقبى النجاح ووعد الله منتظَر
وربما ساءت الأقدار ثم جرتْ ... بما يسرّك ساعات لها أخَر
ومنها:
لله بأسُك والألباب طائشة ... والخيل ترْدَى ونار الحرب تستعِر
وللعجاج على صُمّ القنا ظللٌ ... هي الدُخان وأطراف القنا شرَر
إذ يرجع السيف يبدي حدّه علقاً ... كصفحة البكر أدمى خدّها الخَفر
أما يهولك ما لاقيتَ من عدد ... سيّان عندك قلّ القوم أو كثروا
هي السّماحة إلا أنها سرَف ... وهي الشجاعة إلا أنها غَرر
ومنها في الحث على الفتك بجماعة:
فاضربْ بسيفكَ من ناواك منتقماً ... إنّ السيوف لأهل البغي تُدّخر
ما كل حين ترى الأملاكَ صافحة ... عن الجرائر تعفو حين تقتدر
ومن ذوي البغي من لا يُستهان به ... وفي الذّنوب ذنوب ليس تغتفَر
إنّ الرماحَ غصون يُستظلّ بها ... وما لهنّ سوى هام العِدا ثمَر
وليس يُصبح شمل المُلك منتظماً ... إلا بحيث ترى الهاماتِ تنتشِر
أضحى شهِنْشاه غيثاً للنّدى غدِقاً ... كل البلاد الى سُقياه تفتقِر
الطّاعن الألْفَ إلا أنها نسق ... والواهب الألفَ إلا أنها بِدر
ملك تبوّأ فوق النّجم مقعدَه ... فكيف يطمع في غاياته البشَر
يرجى نداه ويُخشى حدّ سطوته ... كالدهر يوجَد فيه النّفع والضّر
وما سمعتُ ولا حُدِّثت عن أحد ... من قبله يَهب الدنيا ويعتذر
جاءتكَ من كلمي الحالي محبّرة ... تُطوى لبهجتها الأبْراد والحبَر
стр. 788
هي اللآلئ إلا أن لجّتَها ... طيّ الضّمير ومن غُوّاصها الفكَر
تبقى وتذهب أشعار ملفّقة ... أولى بقائلها من قولها الحصَر
ولم أطِلها لأني جِدّ معترِف ... بأنّ كل مطيلٍ فيك مختصر
وقوله من قصيدة:
مظلومة باللحظِ ظلاّمة ... تفعل بالأشفار فِعْل الشِّفار
للدّمع في ما احمرّ من خدّها ... ترقْرق الطّلّ على الجُلّنار
قيل لي - وأنا قد انتهيت الى كتب هذا البيت -: عرفنا معنى كونها ظلامة باللحظ، فما عنى مظلومة باللحظ؟ قلت: قد وقعت لي عدة معان، منها: يجوز أن يكون المراد أنها يؤثر فيها لحظ من ينظر إليها لرقّة بشرتها فهي مظلومة بلحظ الناس، ظلاّمة بلحظها، وذكر اللحظ وهو يعمّ الجميع. ومنه يجوز أن يكون المراد أنّ لحظه مريض سقيم دون سائر جوارحها، فهي مظلومة به، ومنها أنها بلحظها تظلم الناس بقتلها وتظلم نفسها بتقلد الدماء وتأثيمها، فهي مظلومة بلحظها ظلاّمة.
ومنها في المدح:
موقّر الشّيمة إن جاذبتْ ... يوماً يد الخفّة عطف الوقار
وقوله من قصيدة:
وقائلٍ: لو سلوتَ قلت له ... مالي على ما يسومني قُدرَهْ
قليلُ عقلٍ وصادني قمر ... مبلبل الصّدغ حالك الطُرّهْ
لم يصحُ منذ انتشت لواحظُه ... وكيف يصحو وريقه الخَمرَهْ
ومنها:
كم صاحب غرّني بظاهره ... وخان عند السِّفار والخِبرهْ
يزورني مُثرياً ويطرقني ... ولا أراه في الضّيق والعُسرَهْ
نفضت منه يدي وقلت له ... لا أشتهي الخِلّ سيئَ العِشره
حسبي انحرافي عن الورى خلَفاً ... وحسب عيني بفقدهم قُرّهْ
وقوله يصف فرساً أحمر ذا غرّة:
كأنّ الصباحَ الطلق قبّل وجهه ... وسالَ على باقيهِ صافية الخمرِ
ولما رآه الورد يحكيه صِبغة ... تعاظم واستعلى على سائر الزّهْرِ
كأنّك منه إذ جذبتَ عِنانه ... على منكب الجوزاء أو مفرق النّسْر
كأنك إذ أرسلتَه فوق موجةٍ ... تدفِّعُها أيدي الرّياح الى العبْرِ
تدفّقتما بحرينِ جوداً وجودة ... ومن أعجب الأشياء بحرٌ على بحر
وقوله يصف الهرمين:
بعيشكَ هل أبصرت أعجبَ منظراً ... على طول ما أبصرتَ من هرمي مصر
أنافا بأعنان السّماء وأشرفا ... على الجوّ إشراف السِّماك أو النّسر
وقد وافيا نشْزاً من الأرض عالياً ... كأنّهما ثديان قاما على صدْرِ
وقوله:
تقريب ذي الأمر لأهلِ النُهى ... أفضل ما ساس به أمرَهْ
هذا به أولى وما ضرّه ... تقريب أهل اللهو في النّدره
عُطارِد في جُلّ أوقاته ... أدنى الى الشّمس من الزّهْرَه
وقوله:
تفكّر في نقصان مالِك دائماً ... وتغفَل عن نقصان جسمك والعُمر
ويُثنيك خوف الفقر عن كل بُغيةٍ ... وخوفُك حال الفقر شيء من الفقر
ألم ترَ أنّ الفقرَ حكّم صرْفَه ... وأن ليس من شيء يدوم على الدّهر
فكم ترْحةٍ فيه أديلت بفرحةٍ ... وكم حالِ عُسرٍ فيه آلت الى اليسر
وقوله في أبخر كثير الكلام:
وذي حديثٍ لا ينقضي أبدَ الد ... هر على ما فيه من بخَر
يصدِمُني منه إذ يكلّمني ... تنفس المستراح في السّحر
لم أدرِ لمّا دنا أحدّثني ... أم بال في جوف منخري وخَري
وقوله يصف الاصطرلاب:
أفضل ما استحبَ النّبيل فلا ... تعدِلْ به في المُقام والسّفَر
جِرْم إذا ما التمستَ قيمته ... جلّ عن التّبرِ وهو من صُفرِ
مختصَر وهو إذ تفتّشه ... عن مُلَح العلم غير مختصر
ذو مُقلةٍ تستَبين ما رمَقَتْ ... عن صائب اللحظِ صادق النّظر
تحملُه وهو حامل فلكاً ... لو لم يُدَرْ بالبنان لم يدرِ
стр. 789
مسكنه الأرض وهو مُنبِئُنا ... عن جُلّ ما في السماء من خبر
أبدَعهُ ربّ فكرةٍ بعُدتْ ... غايتها أن تُقاسَ بالفِكَر
فاستوجبَ الشُكرَ والثناءَ له ... من كل ذي فطنةٍ من البشر
فهو لذي اللبّ شاهد عجب ... على اختلاف العقول والفِطر
وإنّ هذي النجوم بائنة ... بقدر ما أعطيتْ من الصّور
وقوله في قصر الليل في الوصل:
يا ليلة لم تبِنْ من القِصَر ... كأنّها قُبلة على حذَر
لم تكُ إلا كَلا ولا ومضَتْ ... تدفع في صدرها يدَ السّحر
زار بها من هويت مستتراً ... والبدر في الليل غير مستتر
فبتّ حتى الصباح مضطجعاً ... بين النّقا والقضيبِ والقمر
حتى انقضتْ ليلة عدَلْت بها ... ما مرّ لي في الشّباب من عمُري
وقوله في غلام نظر إليه فأعرض عنه:
قالوا ثنى عنكَ بعد البِشرِ صفحتَه ... فهل أصاخ الى الواشي فغيّره
فقلت لا بل درى وجدي بعارضِه ... فردّ صفحتَه عمداً لأبصِرَه
وقوله:
وعاقد في الخِصْر زُنّارا ... أضرم في أحشائي النّارا
ما أطولَ الليلَ إذا لم يزر ... وأقصرَ الليلَ إذا زارا
كأنّما ليلي فني حُبّه ... يجري على ما شاءَ واختارا
وقوله:
إنّي كلِفْت ببعضِ أرْبا ... بِ المقاصِر والخُدورِ
بعزيزة ذلّت فؤا ... دي في هواها بالغُرور
هيفاء تذكُر إن مشت ... مشيَ القَطاة الى الغدير
الرّدْف منها كالنّقا ... والقدّ كالغُصن النّضير
حكتِ الزّمان تلوّناً ... لمحبِّها العاني الأسير
فوصالُها برْد الأصي ... لِ وهجرها حرّ الهجير
وقوله يستدعي صديقاً له في يوم مطر وبرد:
هو يوم كما تراه مطير ... كلبَ القرّ فيه والزّمهرير
وهمى ماؤه كما ذرفَ الدّم ... عَ من الوجد عاشقٌ مهجورُ
وأرانا الغمامَ والبردَ ذيلَيْ ... نِ علينا كِلاهما مجرور
ولدينا شمْسانِ شمس من الرّا ... ح وشمس يسعى بها ويدور
ومغنّ جيش الهموم بما تُب ... دع أوتاره لنا موتور
وعلى الدير كان قِدْر تفور ... لشهيّ الطعام فيها وُفور
ولدينا من التّذاكُرِ روض ... ولدينا من المُدام غدير
فمن الرأي أن تُشَبّ الكواني ... نُ بأجزالِها وتُرْخى السّتور
ويُحَثّ الكبيرُ إنّ كثيراً ... أن يهمّ الكبير إلا الكبير
فاترك الاعتذارَ فيه فترْكُ الش ... شُرْبِ في مثل يومنا تعذيرُ
وقوله مداعبة في شهر الصوم:
أشَهْرَ الصوم ما مثْ ... لُك عند الله من شهْر
ولكنّك حجّرْ ... تَ علينا لذّةَ السُكرِ
وغمزَ اللحظِ باللحظِ ... وقرعَ الثّغْر بالثّغْر
وإني والذي شر ... رَف أوقاتكَ بالذّكْر
وما بات يُصلّى في ... كَ من شفْعٍ ومن وتْر
لمَسْرور بأنْ تَفْنى ... على أنّك من عُمْري
وقوله:
غبْتَ عنا فغابَ كل جمالٍ ... ونأى إذ نأيتَ كل سرور
ثم لما قدِمْتَ عاودنا الأنسُ وقرّتْ قلوبنا في الصدورفلو انّا نجزي البشير بنُعمىلوهبْنا حياتنا للبشير
الزاي وقوله:
وقائلةٍ ما بال مثلِك خاملاً ... أأنتَ ضعيف الرأي أم أنتَ عاجز
فقلت لها ذنبي الى القوم أنني ... لِما لم يحوزوه من المجْد حائز
وما فاتَني شيء سوى الحظ وحدَه ... وأما المعالي فهي فيّ غرائز
السين وقوله، وهي قصيدة تامة من غرر قصائده:
نفسي الفداء لمُطمع لي مؤْيس ... غريَتْ لواحظُه بقتل الأنفس
стр. 790
ما ضرّ من كمُلتْ محاسن وجهه ... لو كان يحسن في الصّنيع كما يُسي
رشأ جعلت له ضلوعي مرتعاً ... ومدامعي ورداً فلم يتأنّس
وكتمت سرّ هواه خيفةَ كاشحٍ ... مترقّبٍ لحديثنا متجسّس
فوشى به دمعي ولم أرَ واشياً ... كالدّمع يُعرب عن لسانٍ أخرس
فلن تكنّفَني الوشاة وراعني ... أسْد العرين دوَين ظبْي المكنس
فلربّ مقتبل الشّباب مقابل ... بين الغزالة والغزال الألْعس
عاطَيْته حلَبَ الكروم ودَرّها ... وخلوت منه بمُسعدٍ لي مؤنس
ثم انثنى عجِلاً يكتّم سِرّه ... ويشي به ولع الحَليّ المجرّس
كالظبي آنسَ نبأة من قانصٍ ... فرنا بمُقلة خائفٍ متوجّس
قُم يا غلام وذَر مجالسةَ الكرى ... لمهجّر يصف النوى ومغلّس
أوَ ما تَرى ذا النّور بشّر بالنّدى ... والفجر ينصل من خضاب حندس
والترْبَ من خلل الحديقة مرتوٍ ... والفجر في حُلل الشّبيبة مكتسي
والروض يبرز في قلائد لؤلؤٍ ... والأرض ترفُل في غلائل سنْدس
لا تعدِمُ اللحظات كيف تصرّفت ... وجَنات وردٍ أو لواحظَ نرجِس
والجوّ بين مفكّرٍ ومصندل ... وممسّكٍ ومورّد ومورّس
وكأنّما تُسقى الأباطح والرّبى ... بنوال يحْيى لا الحيا المتبجّس
وكأنّما نفحتْ حدائق زهرها ... عن ذكره المتعطِّر المتقدّس
يا ابْنَ الذي بجودهم وسماحهمْ ... جُبِرَ الكسير وسُدّ فقْر المُفلس
الضاربين بكلّ أبيضَ مِخذَم ... والطاعنين بكل أسرَ مِدعَس
من كل أزهَ في العِمامة أبلجٍ ... أو كُل أخزرَ في التّريكة أشوَس
سكبتْ أكفهُم المنايا والمُنى ... سكْبَ الصواعق في الغيوم الرّجَّس
ومنه يصف داره:
لله مجلسك المنيفُ قبابه ... بموطّدٍ فوق السّماك مؤسَّس
موف على حُبُك المجرّة تلتقي ... فيه الجواري بالجواري الخنَّس
تتقابل الأنوار من جنَباتِه ... فالليل فيه كالنهار المُشمِس
عطِفَتْ حناياه دوَيْن سمائه ... عطف الأهلّة والحواجب والقِسي
واستشرفتْ عُمَدُ الرّخام وظوهِرتْ ... بأجلّ من زهَر الرّبيع وأنْفَس
فهواؤه من كل قدّ أهيفٍ ... وقراره في كل خدّ أملس
فلك تحيّرَ فيه كل منجِّمٍ ... وأقرّ بالتّقصير كل مهندس
فباد للَحْظ العين أحسنَ منظرٍ ... وغدا لطيب اليش خيرَ معرّس
فاطلعْ به قمراً إذا ما أطلعَتْ ... شمس الخدور عليك شمس الأكؤس
فالناس أجمع دون فضلكَ رتبة ... والأرضُ أجمع دون هذا المجلِس
وقوله في أحبّة له ركبوا البحر مسافرين:
لا واخذ الله منْ هوَيتُهم ... بما جرى منهم على راسي
حتى إذا لجّجتْ سفائنُهم ... ولجّ وجدي بهم ووسواسي
قلت لصحبي والدمع مُستَبق ... يُظهر ما بي لأعيُن الناس
ما ركِبوا البحرَ بل جرتْ بهمُ ... في بحر دمعي رياح أنفاسي
وقوله في عود الغناء:
عجباً لهذا العود لا ... ينفكّ عن غردٍ مؤانِسْ
شدَت الحمام عليه رطْ ... باً والغواني وهْوَ يابِسْ
الشين وقوله:
تحكّمَ في مهجتي كيف شا ... سقيمُ الجفون هضيمُ الحش
سقتْه يدالحسن خمرَ الدّلال ... فعرْبَد بالصدّ لما انتشى
وصدّ يُسالِفُني شادن ... أضلّ الخميلة فاستوحَشا
حبيب كتمتُ غرامي به ... فما زال يعظُم حتى فشا
стр. 791
خذوا اللومَ عنّي وخلوا الفؤاد ... لطائر حُسنٍ به عشّشا
ومن جرحتْه لِحاظ العيون ... فكيف يكون إذا جُمِّشا
ومن أم ورْدَ بن يحْيى الرّضا ... فكيف يحاذر أن يعْطشا
وليس بمُحوجِه وارد ... الى أن يمُدّ له في الرّشا
أغرّ قضى الله أن لا يُرَد ... د عمّا يريد وعما يشا
تنوب مهابتُه في القلوب ... مناب ظُباه وما جيّشا
مقيم من المُلك في سُدّةٍ ... ترى الذئبَ يصحب فيه الرّشا
تكاد تزاحم أفقَ السّما ... مناكِبُ أرضٍ عليها مشى
وجدنا مخائلهُ الزّاكيات ... نواطقَ عن مجده مُذْ نَشا
وقوله يصف بركة الحبش بمصر، وأورد السمعاني هذه الأبيات:
لله يومي ببِرْكة الحبَش ... والأفُق بين الضّياء والغبَش
والنّيل تحت الرياح مضطرب ... كصارم في يمين مُرتَعِش
ونحن في روضةٍ مفوقةٍ ... دبِّجَ بالنور عطفُها ووشي
قد نسجتْها يد الربيع لنا ... فنحن من نسجِها على فُرش
وأثقلَ النّاس كلّهم رجل ... دعاه داعي الصّبا فلم يطِش
فعاطِني الراح إنّ تاركَها ... من سورة الهمّ غير مُنتعِش
وسقِّني بالكبار مترَعَة ... فتلك أشْفى لشدة العطش
وقوله:
قمْ يا غُلام اسقِنا فإنّا ... الى مُعاطاتِها عِطاش
قمْ فانتعِشْنا بها دراكا ... فليس إلا بها انتِعاش
قم قتِّل الهمّ من أناسٍ ... ثم سُقوا صِرْفَها فعاشوا
في مثلِها وهي دون مِثلٍ ... خفّ وقار وطاش جاش
إنْ قُصّ من صبوةٍ جناح ... فهو بأقداحها يراش
وقوله:
لما رأيت الناسَ قد أصبحتْ ... صدورهم بالغلّ مغشوشهْ
وكلّ من أجبْتُه منهم ... منقلب العهد ولا الرّيشَهْ
لزمت بيتي وتجنّبتُهمْ ... فصرت من أطيبِهم عِيشَهْ
وقوله، وأول الأبيات استطراد:
أبا القاسم اشرَبْ واسقنيه سُلافة ... صفتْ فأتتْ تحكي ودادَ أبي الجيش
خليل فقدت الأنسَ يومَ فقدتُه ... وودّعت إذ ودّعتُه لذّة العيش
مُعنًّى بإرضاء النّديم مساعد ... على كل حالٍ من وقارٍ ومن طيْش
الصاد وقوله:
يا قوم هل لفؤادي ... مما يجنّ خلاصُ
إني بُليت بظَبي ... في القرب منه اعتياصُ
أضحتْ دموعي الغوالي ... وهنّ فيه رخاصُ
جرحت باللحظ خدّيْ ... هـ والقنا عَرّاص
فشك قلبي بلحظٍ ... لم تحمِنيه الدّلاص
وقال: هذا بهذا ... إنّ الجروح قصاصُ
وقوله وقد حبس:
يا رب ذي حسدٍ قد زدْته كمَدا ... إذْ رام يُنقِص من قدري فما نقصا
إني رخصْت ولم أنفُقْ فلا عجَبٌ ... للفضل في زمن النقصان إن رخصا
وإن حُبِسْت فخير الطّير محتبس ... متى رأيت حَداة أودعَ القَفَصا
الضاد وقوله في الشيب:
عذيري من طَوالعَ في عِذارى ... مُنيتُ بمنظر منها بغيض
له لوْنان مختلفان جِدّاً ... كما اختلط الدّجى بسنى الوميض
فسوّد من شباب غيرَ سودٍ ... وبيّض من مشيبي غيرَ بي
وقوله في صدر رسالة يصف كتاب صديق ورد عليه:
تدانت به الأقطار وهي بعيدة ... وصحّتْ به الآمال وهي مراض
فمن صدْغ لامٍ جالَ في خدّ مهرَق ... فراقَ سوادٌ منهم وبياض
ومن زهْر لفظٍ صابه الدّهر فازدهت ... له بين هاتيك السطور رياض
تُراح لها منّا قلوب وأنفُس ... وتؤسَى كلومٌ بالحشا وعضاض
стр. 792
فلله طوْد للنُهى ليس يُرتَقى ... وبحر من الآداب ليس يُخاض
وميدان سبقٍ جلت فيه لغايةٍ ... يُحصّ جناحي دونها ويُهاض
الطّاء وقوله في الزهد:
حسبي فكم بعُدَتْ في اللهو أشواطي ... وطال في الغيّ إسرافي وإفراطي
أنفقت في اللهو عمري غير مُزدَجرٍ ... وجُدْت فيه فوفري غير محْتاط
علّي أخلّص من بحر الذنوب وقد ... غرقْت فيه على بُعْدٍ من الشّاطي
نعم وما لي ما أرجو رضاكَ به ... إلا اعترافي بأنّي المذنب الخاطي
وقوله:
سرَتْ فتخيّلت الثريّا لها قُرْطا ... وشُهْب الدّجى في صبح لبّتها سِمْطا
ولما رنَتْ عن مقلة الرّيم أقصدَتْ ... فؤادي بسهم فوّقته فما أخْطا
وخطّتْ بقلبي أسطر الشّوق صفحة ... قرأت بها سطراً من المِسك قد خطا
ونونات أصداغٍ كأنّ جفونَها ... تولّتْ بحبّات القلوب لها نقطا
ومنها في صفة المجاديف:
كأنّ حَباب الماء درّ مُبدّد ... وهنّ أكف الغيد يُعجِلنَه لقْط
وقوله في الاستعطاف:
لعلّ الرضا يوماً بديلٌ من السخط ... فيعقب روْحات الدّنوّ من الشّحْط
ويُنصفُ من دهرٍ على الحُرّ معتَدٍ ... وللجَوْر معتاد وفي الحكم مُشْتَطّ
أنا المذنب المخطي وأنت فلم تزَلْ ... تغمِّد ما يأتي به المذنب المخطي
وأجدر خلق الله بالعفو والرّضا ... مُحبّ أتت منه الإساءة في الفَرْط
وقوله يستدعي بعض الأدباء مداعباً:
أيها الخِلّ الذي جد ... د للقصف نشاطي
والإمام الفرد في الش ... عر وفي دين اللّواط
أنا ما بين دنانٍ ... وقِيان وبواطي
وأباريقَ صُفوفٍ ... مثل غزلانٍ عواطي
من سُلافٍ تذر العا ... قلَ في حال اختلاط
وترى الشيخَ بها كالط ... فل في حال القِماط
كلّما رامتْ لها مز ... جاً يدُ السّاقي المُعاطي
وثبتْ كالُهرة الشّق ... راء من تحت السّياط
فأتِنا دون اعتلالٍ ... وتراخٍ وتباطي
وقوله في المنع من ركوب البحر:
يا من يخوض البحر مقتحماً ... ما بين لجّته الى الشّطّ
لا يُطمِعنّكَ ما حباكَ به ... فالبحر يأخذ ضعفَ ما يُعطي
الظّاء وقوله:
كم ضيعتْ منك المُنى حاصلاً ... كان من الأحزَم أن يُحفَظا
فالفظْ بها عنكَ فمن حقّ ما ... يُخفي صواب الرّأي أن يلفظا
وإن تعلّلتَ بأطعماعها ... فإنّما تحلُم مستيقظا
وقوله:
أقول وقد شطّتْ به غربة النوى ... وللحبّ سلطان على مهجتي فظّ
لئن بان عنّي من كلِفْت بحبه ... وشطّ فما للعين من شخصه حظّ
فإنّ له في أسود القلب منزلاً ... تكنّفه فيه الرّعاية والحِفْظ
أراه بعين الوهم والوهم مُدرك ... معانيَ شتّى ليس يُدركها اللحظ
العين وقوله:
يا قاتلَ الله قلبي كم يجشّمني ... ما يُعجِز الناسَ عن همّ وإزْماع
كم مهمَه قُذُفٍ تمشي الرياح به ... حسْرى تلوذ بأكناف وأجزاعِ
لا يملك الذّمْر فيه قلبه فرَقاً ... ولا يهِمّ به طرْف بتَهْجاع
يبيت للجنّ في أرجائه زجَل ... كالشَّرْب هُزّ بتطريبٍ وإيقاع
أعملت للمجد فيه كل يعمُلةٍ ... كالهَيْق تنصاع من أثناء أنساع
في ليلة لِحجاج الطّير دامسةٍ ... يأوي بها الذّئب من ذعْرٍ الى الرّاعي
مرَقْت من حوزها كالنّجم مرتدياً ... بمُرهف الحدّ مثل النجم قطّاع
لا يكسِب المجدَ إلا كلّ ذي مرَح ... يُرْخي العنانَ لسيلٍ منه دفّاع
стр. 793
بكلّ أبيضَ ماضي الغرْب منصلتٍ ... في كفّ أبيض رحْب الصّدر والباع
يلقى الخطوبَ بجأشٍ غير مكترثٍ ... بالنائبات وقلبٍ غيرَ مُرتاع
وقوله في التجنيس:
ذكرْت نواهم لدى قُربِهم ... فجدت بأدمُعي الهُمّع
فكيف أكون إذا هم نأوا ... وهذا بُكائي إذا هُمْ معي
وقوله في الغزل:
ما قطّعَ القلبَ إلا ... غزال آل قطاعهْ
وسنان ليس على الصّب ... ر في هواه استطاعهْ
لمّا دعاني الى الحُب ... ب قلت سمعاً وطاعهْ
وقوله في الصبر على الشدة:
يقولون لي صبراً وإني لصابر ... على نائبات الدّهر وهي فواجع
سأصبر حتى يقضي الله ما قضى ... وإن لم أصبِرْ فما أنا صانِع
وقوله في جارية قدمت شمعة:
بأبي خَوْد شَموع ... أقبلت تحمِل شمعهْ
فالتقى نوراهما واخ ... تلفا قدراً ورفعهْ
ومسير الشّمس يستهْ ... دي بضوءِ النّجم بدْعَهْ
الغين وقوله:
إني لأشفِقُ أن يراني حُسّدي ... إلا مُقيدَ يدٍ ومرغِمَ باغِ
أو مُعمِلاً لزجاجةٍ يسعى بها ... خنِث الجُفون مبلبل الأصدغِ
فلو انّ عمري عُمر نوع لم أبَلْ ... فيه بمُهلةِ عطلةٍ وفراغِ
وقوله في شاعرين مدحاه، وكان أوّل قولَهُما، وعرّض بشعر آخر خبيث الطبع:
وا بأبي شاعران قد نبَغا ... بل بأبي نيّران قد بزغا
ما بلغ الأوّلون قاطبة ... من رتَبِ الفضل بعضَ ما بلغا
تدفّقا والقريض قد نضبتْ ... بحوره والكلام قد فرَغا
وأبْرَزا منه كلّ معجزةٍ ... يعجز عنها أيمّة البُلَغا
ومنها:
إنْ نسَبا أطرَبا وإنْ مدَحا ... زانا وإن يهجُوا فقد لدَغا
من قال في العالمين مثلُهما ... فقد هذَى في مقاله ولغا
ليسا كمن كنتُ حين يُنشدني ... أقول ما بال ذا البعير رَغا
كلبُ هِراشٍ تراه منفلِتاً ... عندَ حضور الخِوان ليثَ وغى
عِيبَ به ثغرنا المَصون فلو ... يكون ثغراً لكان فيها شغا
ما زلت ألقى سِفاهَه بحِجى ... يروع شيطانه إذا نزغا
أفديكُما شاعِرَيْن لو شهِدا ... عصرَ زيادٍ إذن لما نبَغا
صاغا لجيدي حُليّ لفظِهما ... فأتْقَناه وأحْكما الصّيَغا
وأهْدَيا ليَ مدْحاً سحبت به ... بُرْدَ جمالٍ عليّ قد سبَغا
أنشدهُ حاسدي فأكمِدَهُ ... حتى توهمت أنّه دمِغا
لو عدِمَتْ مُقلتاي شخصَهُما ... ما رفَهَ العيشُ لي ولا رفَغا
الفاء وقوله من قصيدة:
فهاتِها إذا النّديم أغفى
ناراً بها نار الهموم تُطفى
أشدّ من كلّ لطيفٍ لُطفا
ترى الهواءَ عنده يُستَجْفى
من يدِ ساقٍ ساقَ نحوي الحتفا
بمقلةٍ تفري الدِّلاصَ الزّغْفا
تُنعِشُ ألْفاً وتُميت ألْفا
صوّرهُ الله فأعْيا الوَصْفا
بدْراً وغُصْناً ناعماً وحِقْفا
يرْتَجّ نِصْفاً ويميسُ نِصْفا
وصيّر الحُسنَ عليه وَقْفا
فما رآهُ أحد فعفّا
وقوله في غلام واعظ حسن الوجه:
وا حزَني من جفنِك الأوطَفِ ... وخصرِك المختصر المخطفِ
يا واعظاً ما زادَني وعظه ... إلا جوى أيسرُه مُتلِفي
ما بالُ ذا الورد بخدّيْك قدْ ... أينَع للقطفِ ولم يُطَفِ
وما لفِيكَ العذْبِ لم يُلثَمِ ... وريقِك المعسولِ لم يرشَفِ
برزتَ في معرض أهل التَّقى ... وما بدا منك سوى ما خَفي
أيمنعُ القرْقَفَ مَن ريقُه ... أشدّ إسْكاراً من القَرْقف
يا موقِداً بالهجر في أضلُعي ... ناراً بغير الوصلِ ما تنطفي
إن لم يكُنْ وصل فعِدْني به ... رضيت بالوعد وإن لم تفِ
стр. 794
وقوله في التجنيس:
وقائلة سِرْ وابتَغِ الرّزْقَ طائِفاً ... فإنّك فيما لا يفيد لطائف
فقلت ذريني رُبّ ساعٍ مخيَّبٍ ... ولله في كلّ الأمور لطائِف
القاف وقوله من قصيدة في صفة جيش:
وملمومةٍ ظلّت بها أوجهُ الرّدى ... تديرُ عيوناً من أسنّتها زرْقا
مظاهرةٍ بالأسْدِ غُلْباً وبالظُبى ... حِداداً وبالخِرْصان مذروبةً ذلقا
إذا نشأتْ للنقع فيه غمامة ... فلستَ ترى غير النّجيع لها وَدْقا
ملأنا بها قلبَ العدوّ وسمعَه ... وناظرَهُ والبَرّ والبحرَ والأفْقا
وقوله في البراغيث:
وليلةٍ دائمةِ الغُسوقِ
بعيدةِ الممْسى من الشُروقِ
كليلةِ المتيّم المَشوق
أطال في ظلمائها تأريقي
أخبث خلْقٍ للأذى مخلوق
يرى دمي أشهى من الرّحيق
يعُبّ فيه غيرَ مُستفيق
لا يترك الصّبوح للغَبوق
لو بتّ فوق قمّة العيّوق
ما عاقهُ ذلك عن طُروق
كعاشق أسرى الى معشوق
أعلمَ من بُقْراطَ بالعُروق
من أكحلٍ منه وباسَليقِ
يفصدُه بمبضَعٍ رقيقِ
من خطمِه المذَرّب الذّليق
فصدَ الطبيب الحاذقِ الرّفيق
وقوله:
طرقَتْني لدى الهُجوع فقالت ... أكذا يهجَعُ المحبّ المشوّق
قلت لا تعجلي فلم أغْفُ إلا ... طمعاً أن يكون منكِ طُروق
فتولّت تقول: لفظ ذوي الأل ... باب سحر يُصْبي النُهى ويَروق
قد يُمَجّ الكلامُ وهو صحيح ... ويلَذّ المزوّر المخلوق
وقوله يستدعي صديقاً له الى أكل تين وشرب:
قد نعسَ التّين خلالَ الورق ... وراحَ من جِلدَتِه في خلَقْ
فانشط إليه والى قهوة ... لم يُبْق منها الدهرُ إلا الرّمقْ
كأنّها في الكأس ياقوتَة ... في درّة أو شفَقٍ في فلَقْ
والشّرط في عشرة أمثالها ... أن تسقط الحشمة فيما اتّفق
وقوله في غلام غُزّى عليه قرمزية:
أقبل يسعى أبو الفوارس في ... مرأى عجيب ومنظر أنق
أقبل في قِرمزيّة عجب ... قد صبغَتْ لونَ خدّه الشَّرِق
كأنّما جيدهُ وغرّته ... من دونها إذا برَزْن في نسق
عمود فجر فُويقه قمر ... دارَتْ به قطعة من الشّفق
وقوله:
دعْه أمام العيس تُعنَقْ ... كالسّيْل في صَيْبٍ تدفّقْ
لم يستَعِنْ بذَميلِها ... يوماً أخو أملٍ فأخْفَقْ
وأغَنّ نور الصّبْح أسْ ... فَر تحت غُرّته وأشرَقْ
قد صيغَ فتنة مَن تنَسْ ... سَك بل منيّةَ من تعشّقْ
حسنَ المخلخلِ والمؤَزْ ... زَر والموشّح والممَنطَق
أبكي دماً جفني بهجْ ... رتِه فأغرقني وأحْدَق
لم يدْرِ قلبي إذ تعلْ ... لَقَه بأي هوى تعلّقْ
وسعى بها فكأن برْ ... قاً في زجاجتِها تألّقْ
والنّجمُ يجنحُ للأفو ... ل كما هوى القُرْطُ المعلق
وكأن فأرةَ تاجرٍ ... منها خلال الشُرْبِ تعبق
وكأنّها من رقّةٍ ... دمع المحبّ إذا ترقرق
إنّي رأيت شَبيبَتي ... وصبايَ يوماً سوف يَخلقْ
وعلمْت أنّي للذّها ... ب فإن دَنيتُ فسوف أسحق
فالعمرُ ظلٌ والمُنى ... خُدَع ووعْدُ الله أصدقْ
وقوله:
لم تعْلُ كأس الرّاح يمنى الساقي ... إلا لتُرجِعَ ذاهِبَ الأرماق
فأدر عليّ دهاقها إنّي امرؤ ... لا أستسيغ الكأس غيرَ دِهاق
أو ما ترى ضحكَ الرّبى بغمائمٍ ... تبكي كمثل مدامع العشّاق
من كل باكيةٍ تسيل دموعها ... من غير أجفان ولا آماق
стр. 795
طفقت تُزجّيه البوارقُ حُفّلاً ... تروي البلد بوبلها الغيْداق
حتى تسربل كل جِزْعٍ روضة ... محتَفّة بغديرِه الرّقراق
وإذا الهواء الطلق جرّ نسيمه ... أذيال أرديةٍ عليه رِقاق
ضمّ الغصون على الغصون كما التقى ال ... أحباب بالأحباب غِبّ فراق
فانعمْ بورد كالخدود ونرجس ... غضّ الجنى كنواظر الأحداق
حيّا به السّاقي المدير وربّما ... ألهاكَ عنه بمقلتيه السّاقي
رشأ يُنير دجى الظّلام بغُرّةٍ ... كالبدْرِ بل كالشمس في الإشراق
كتبَ الجمالُ بخطّه في خدّه ... هذي بدائع صنعةِ الخَلاّق
الدّعصُ حشْو إزاره والغصن طيْ ... يُ وشاحه والبدر في الأطواق
ما بان صبري يوم بان وإنّما ... بدّدْته من دمعيَ المُهراق
الكاف وقوله من قصيدة:
ملك أعزّ بسيفه دين الهُدى ... وأذلّ دينَ الكفر والإشراك
وأنار في ظُلم الحوادث رأيه ... فأراك فعل الشمس في الأحلاك
لم يبق في ظهر البسيطة جامح ... إلا استقاد لسيفه البتاك
ومنها:
يا شاكياً عنتَ الزّمان وجورَه ... ألمِمْ به تلمم بمُشْكي الشاكي
يا أرض لولا حلمه ووقاره ... ما دمْت ساكنة بغير حِراك
يا شمس لو واجهْت غُرّةَ وجهِه ... لسترت نوركِ دونها وسناك
يا سُحْب لو شاهدتِه يوم النّدى ... لحصرْت جودك عنده ونداك
شتّان بين اثنين هذا ضاحك ... أبداً لآمله وهذا باكي
وقوله من قصيدة:
أنّى يفوتك مطلب حاولتَه ... وظُباك ضامنة لك الإدراكا
وبراعة تنهل مسكاً أذفراً ... من راحة لا تعرف الإمساكا
اللام وقوله يشكر حسن وساطة الممدوح في خلاصه من الحبس:
حُيّيتَ من طللٍ برامة محول ... عبثت به أيدي الصّبا والشّمأل
وغدا بكَ النّوار من درر النّدى ... ينْآد بين مؤزّر ومكلّل
وإذا أدار بك الغمام كؤوسه ... شرب النّبات على غناء البلبل
دعْ ذا لهمّ في فؤادك شاغِلٍ ... عن ذكر دارٍ للحبيب ومنزل
طرقت عَوادٍ للخطوب عدتْك عن ... ذاك الغزالِ فلاتَ حين تغزّل
إنّي سُقيت من الخُطوب سُلافة ... جعل السُقاةُ مزاجَها من حنظل
كأس ثمِلْتُ بها فملت وإنّما ... دحضت بها قدمي من الشّرف العَلي
فاحلب بضَبْعَيْ منقذي من هوة ... أصبحتُ منها في الحضيض الأسفل
وامدد إليّ يد المغيث فكم يد ... لك أنقذَتْ من كل خطب معضِل
إنّي دعوتُك حين أجحفَ بي الرّدى ... فأغث فإني منه تحت الكلكل
فإليْك مفزَعُ كل عان خائف ... ولديك فُرجةُ كل باب مقفل
قد طالت الشّكْوى وأقصَرُ وقتِها ... مودٍ بكلّ تصبّرٍ وتجمّل
واشتدّت البلوى وأنت لرفعها ... فأجبْ فإني قد دعوتُك يا علي
عمر يمرّ وكُرْبة ما تنقضي ... أبد الزمان وغُمّة لا تنجلي
وزمان سخط ما له من آخرٍ ... ورجاء عفوٍ ما له من أوّل
كم ذا التّغافل عن وليّكَ وحده ... والأمرُ يحزم دون كل مؤمّل
وعلامَ يهمل أمرَه ويضيعُه ... من ليس للصنع الجميلبمهمل
قم في خلاصي واصطنعني تصطنع ... رطْبَ اللّسان مدير باع المقول
يُثْني عليكَ بما صنعتَ وربّما ... كرُمَ الثّناءُ فذُمّ عرف المبذل
وقوله ملغزاً بالبَكرة من قصيدة:
فما كُدريَة لم تَعْلُ مذ ... طارتْ ولم تسفُلْ
стр. 796
لها في الجو وكْر لم ... ترِمْ عنه ولم ترْحَلْ
فما ترقى مع النِّسر ... ولا تهوي مع الأجدلْ
عَوانٌ نُكِحَتْ دهْراً ... فلم تعلَقْ ولم تحبَلْ
نشِبْتُ بها دهْراً ... في ساحتها أنزل
وواصلتُ مراسيها ... ولكن كنت من أسفلْ
فلما أن أصبتُ الما ... ءَ صبّ العارضُ المُسبَلْ
تنحّيْتُ ولم أستح ... يِ من فعلي ولم أخجلْ
وثِبْتُ...... ... ولم أعْيَ ولم أنْكلْ
وقوله:
حُجِبَتْ مسامعه عن العُذّال ... وأبى فليس عن الغرام بسال
ويح المتيّم لا يزال معذّباً ... بخُفوق برقٍ أو طروق خيال
وإذا البلابل بالعشيّ تجاوبت ... بعثت بأضلعه جوى البلبال
وا رحمتا لمعذّب يشكو الجوى ... بمنعّم يشكو فراغ البال
نشوان من خمرين: خمرِ زُجاجةٍ ... عبثت بمقلته وخمر دلال
كالرّيم إلا أن هذا عاطل ... أبداً وذا في كل حالٍ حالي
لا يستفيق وهل يُفيقُ بحالة ... من ريقُ فيه سُلافةُ الجِريال
علِم العدوّ بما لقيتُ فرقّ لي ... ورأى الحسودُ بليّتي فرثى لي
يا من برَى جسمي بطول صدوده ... هلاّ سمحت ولو بوعد وصال
قد كنتُ أطمعُ فيك لو عاقبتني ... بصدود عتْبٍ لا صدودِ ملال
وقوله، وذلك مما أنشدنيه الفقيه نصر بن عبد الرحمان الإسكندراني الفزاري ببغداد، قال: أنشدني أبو الحسن علي بن الحسن بن معبد القرشي بالإسكندرية، قال: أنشدني أبو الصلت لنفسه بالمهديّة سنة تسع وخمسمائة في داره يصف فرساً:
وأشهب كالشِّهاب أضحى ... يلوح في مُذهَبِ الجِلال
قال حسودي وقد رآه ... يخِبّ خلفي الى القِتال
من ألجَم الصّبحَ بالثريا ... وأسرجَ البرقَ بالهلال
قال: قال أميّة: عملت هذه قبل أن أسمع بشعر ابن خفاجة الأندلسي في لاميته، له منها:
أشهبُ اللون أثقلته حُليّ ... خبّ فيهنّ فهو ملقي الجِلال
فبدا الصبح مُلجَماً بالثريّا ... وسرى البرق مُسرَجاً بالهلال
فما أعجب توارد خاطريهما، وهما في زمان واحد، في بلدين متباعدين.
وقوله في كاتب:
ومجيدٌ في النظم والنثر فذّ ... لست تدري ألفظُه الدرّ أم لا
ظلّ يملي فكان أبلغَ مُمْلٍ ... بهر السّمعَ حكمة حين أملى
وقوله:
أقول لمسرورٍ بأن ريعَ سربُنا ... وصوّح مرعانا وزلّت بنا النّعْل
لنا حسب إن غالنا الدهرُ مرّة ... وزلّت بنا نعلٌ فإنّا به نعلو
وقوله في الحث على الكسب والحركة:
لا تقعُدنّ بكِسر البيت مكتئباً ... يفنى زمانُك بين اليأس والأمل
واحتلْ لنفسِك في شيءٍ تعيش به ... فإنّ أكثر عيش الناس بالحيَل
ولا تقل إنّ رزقي سوف يدركني ... وإن قعدتُ فليس الرزق كالأجل
وقوله:
لا ترْجُ في أمركَ سعد المُشتري ... ولا تخف في فوتِه نحسَ زُحَلْ
وارْجُ وخف ربَّهُما فهو الذي ... ما شاء من خيْر ومن شرّ فعل
وقوله:
رمتني صروف الدهر بين معاشر ... أصحّهم وداً عدواً مقاتلُ
وما غربة الإنسان في بُعدِ دارِه ... ولكنها في قرب من لا يشاكل
وقوله في ثقيل:
لي جليس عجبتُ كيف استطاعت ... هذه الأرض والجبال تقلّه
أنا أرعاه مُكرَهاً وبقلبي ... منه ما يتلفُ الحياة أقلّه
فهو مثل المشيب أكره مرآ ... هـ ولكن أصونه وأجلّه
الميم وقوله:
كبدٌ تذوب ومقلة تدمى ... فمتى أطيقُ للوْعتي كتما
يا تاركي غرضاً لأسهُمِه ... إذ لم تخفْ دركاً ولا إثْما
زدني جوًى بل استَزِدْكَ جوًى ... وإذا ظلمت فعاود الظّلما
فالحبّ أعدلُ ما يكون إذا ... صدعَ الفؤادَ وأنحلَ الجسْما
стр. 797
بأبي وغير أبي وقل له ... قمر ليقضي بالضّنى تمّا
يرنو إليك بعين مغزلة ... لم ترن إلا فوقت سهما
قبّلته إذ زار مكتتماً ... وهصرْتُ بانةَ قدّه ضمّا
ورشفْتُ من فيه على ظمإ ... برْداً إذا نقع الصّدى أظما
ثم انثنى حذر الرقيب وقد ... نمّ الصباحُ عليه إذ همّا
وطفِقت أرقب لمّتي جزِعٍ ... شيماً لذاك البرق أو شمّا
وإذا انقضى زمن فكيف به ... إلا أن استوهَبْتَه الحُلما
وقوله من قصيدة طويلة:
تقول سليمى ما لجسمكَ ناحلاً ... كأنْ قد رأتْ أنّ الحوادثَ لي سِلمُ
فقلت لها لا تعجبي رُبّ ناحلٍ ... محاسنه شتّى وسؤدده ضخْم
ولا تنكري همّ امرئ فاقَ همّة ... فكان على مقدار همّته الهم
وما أنا من يثري فيُبطرهُ الغنى ... ويُعدِم أحياناً فيضجره العُدْمُ
وقوله من قصيدة:
لا أحمد الدّمع إلا حين ينسجم ... فخلّ دمعك يسقي الرّبعَ وهو دم
أما ترى الحيّ قد زُمّتْ ركائبه ... وصاح بالبَينِ حادي الركب بينهم
وفي حشا الهودج المزرور شمس ضحى ... تنير للركب من أنوارها الظُلم
بيضاء فضّلها في الحُسن خالقنا ... فأصبحتْ وهي في الأرواح تحتكم
سكرى من الذلّ لكن ما بها سكر ... سقيمة اللحظِ لكن ما بها سقم
كروضة الحَزْنِ في رأدِ الضحى خطرت ... بها الصّباحين روّت تربها الدِّيَم
ليست تزور وإن زارت لنمّ بها ... برق من الثّغر يبدو حين تبتسم
بانوا فأي بُدور عنهم غربتْ ... بمغرب وغصون ضمّها إضَم
وللظباء وأُسد الغيل ما ضمنتْ ... تلك البراقع يوم البيْن واللثُمُ
وخلفوا الدّنفَ المشتاقَ منطوياً ... على جوانح مشبوب بها الضرَمُ
يرعى كواكبَ ليلٍ لا بَراح لها ... كأنّ إصباحه في الناس منه هُمُ
يزيدني اللوم فيهم لوعةً بهِمُ ... كالنار بالرّيح تُستشْرى وتضْطرمُ
فما تغيّرني الأقداحُ دائرة ... ولا تحركني الأوتار والنّغمُ
مالي وللدهر أرضيه ويسخطني ... وأستجدّ له مجداً ويهتدِمُ
تقلّدَتْني لياليه مولّية ... كما تقلّد نصلَ السيف منهزمُ
إن يخْفَ عن أهل دهري كنهُ منزلتي ... فالصبْحُ عن بصر العُميان منكتِمُ
ولم يزل مرتقى الأقدام سامية ... فيه وتستسفل الهامات والقمم
وقوله من أخرى:
وكأنّ الشّقيق خدّ ثَكولٍ ... ضرّجتْه دماً بموجِعِ لطْم
وكأنّ الأقاحَ بيضُ ثنايا ... جال فيها من النّدى ماءُ ظَلْم
وقوله:
صلْ هائماً بك مُغرماً ... أبكيتَ مقلتَه دما
دمع إذا ما قيلَ غا ... ضَ وهمّ أن يرْقا همَى
وكفى بدمع أخي الغرا ... م عن الضّمير متَرْجِما
قد دقّ حتى ليسَ يُدْ ... رَكُ دون أن يتوهّما
وعَداهُ خوفُ عِداهُ عن ... بثّ الغرام فجمجَما
وشَفاءُ ما يشكوهُ من ... ألمِ الهوى ذاك اللّمى
أسلمْتني لجوى الصَّبا ... بةِ يوم رُحتَ مسلِّما
وأريْتَني قدّ القضي ... ب على الكثيبِ مقوّما
عيناك عاونتا علَيْ ... يَ وأصلُ ما بي منهُما
بل يا أخا قيْسٍ إذا ... جئتَ الحطيمَ وزمْزَما
فلتُبلِغَنّ عشيرتي ... أنّي قتِلتُ على الحِمى
عرّضْت قلبي للّحا ... ظِ ولم أخلْها أسهُما
وقوله:
رشأٌ تفعلُ عيناهُ بنا ... ضِعفَ ما تفعلُ باللُّبّ المُدام
سالمتْ وجنتُه من صبغِها ... جمرة في كبدي منها ضِرام
ورمى قلبي فأدْمى خدّه ... أتراهُ انعكسَتْ فيه السِّهام
стр. 798
وقوله في غلام مستحسن صلى الى جنبه:
صلى الى جنْبي من لم يزَلْ ... يصْلى به قلبي نار الجحيم
فلم يكنْ لي في صلاتي سوى ... كوني في المُقعد منها المُقيم
وقلّما صحّتْ صلاة امرئٍ ... مبلبل البال بطرفٍ سقيم
وقوله في غلام مرّ وسلّم عليه:
أصبحت صباً مدنفاً مغرَما ... أشكو جوى الحب وأبكي دما
هذا وقد سلّم إذ مرّ بي ... فكيف لو مرّ وما سلّما
وقوله:
قلت لما رأيت بالدّرب عَمْراً ... تحت جحش ينيكه وحريمه
وهو من دائه المبرّح قد قا ... م على أربع بغير شكيمه
كيف حال الشيخ الأجلّ فقال ال ... حال ما حال هكذا مستقيمه
وقوله في غلام يرمي بالنشاب، ويلعب في الميدان بالصّولجان:
نفسي فداء أبي الفوارس فارساً ... من مقلتيه سنانُه وحُسامه
بطل كأنّ بسرجه من قدّه ... غصناً بعطفيه يميلُ قوامه
يزهى الجوادُ به فتحسب أنّه ... ذو نشوة قد رنّحتْه مدامه
وكأنّ عطف الصولجان بكفّه ... صدغ بدا في الخدّ منه لامُه
وكأنّما قلبي له كرةٌ فما ... تعدوه جفوتُه ولا إيلامُه
يرمي وما يخطي الرّميَّ كأنّما ... نجَلتْ لواحظَ مقلتيه سهامه
يا من تقول البدرُ يشبه وجهَهُ ... مهما تكشّف عن سناه جَهامُه
من أين للقمر المنير ضياؤهُ ... وبهاؤهُ وكمالُه وتمامُه
الله صوّرَهُ وقدّر أنّه ... حتف المحبّ وسقمُه وحِمامه
وقوله:
وأغْيد للنَّقا ما ارتجّ منهُ ... وللغصن التثنّي والقَوام
تصارمَ وصله وهوايَ حتّى ... كأنّهما جُفوني والمَنام
وقوله في طبيب اسمُه شعبان:
يا طبيباً ضجرَ العا ... لَمُ منه وتبرّم
فيك شهران من العا ... م إذا العام تصرّم
أنت شعبانُ ولكن ... قتلُك النّاس المحرّم
وقوله:
غَريَتْ يدي بثلاثةٍ عجبٍ ... بالكأس والمِضْراب والقلَم
بثلاثة لم تحوِهنّ يد ... إلا يد طُبِعتْ على الكرَم
هذان للأفراح إن شردَتْ ... يوماً وذا لشوارد الحِكم
النون وقوله من قصيدة:
وقفنا للنوى فهفت قلوبأضرّ بها الجوى وهمَتْ شؤونيناجي بعضنا باللّحظ بعضاًفتعرب عن ضمائرنا العيون
فلا والله ما حُفظت عهود ... كما ضمنوا ولا قُضيتْ دُيون
ولو حكم الهوى يوماً بعدلٍ ... لأنصفَ من يفي ممّن يخون
أمرّ بداركم فأغضّ طرفي ... مخافة أن تُظَنّ بنا الظّنون
ومنها:
جحاجِحُ ما ادْلهمّ الخطبُ إلا ... دُعوا ورُجوا ونُودوا واستُعينوا
كأنّ على أسرّتهم شُموساً ... تُنير بها الحنادسُ والدّجون
إذا حكموا بأمرٍ لم يميلوا ... وإنْ سبَقوا بوعدٍ لم يَمينوا
وقوله في اعتقاله من قصيدة:
همومُ سكنّ القلبَ أيسرُها يضني ... ووقْد خطوبٍ بعضها المهلك المضني
عذيريَ من دهرٍ كأنّي وترْتُه ... بباهِرِ فضلي فاستفاد به منّي
تعجّلني بالشّيب قبل أوانِه ... فجرّعني الدُرْديَّ من أوّل الدنّ
ومنها:
ولو لم أكن حُرّ الخلائق ماجداً ... لما كان دهري ينطوي لي على ضِغْن
وما مرّ بي كالسّجن فيه ملمّة ... وشرٌ من السجن المصاحب في السجن
أظنّ الليالي مبقياتي لحالة ... تبدّل فيها حالتي هذه عنّي
وإلا فما كانت لتبقي حُشاشَتي ... على طول ما ألقى من الذلّ والغبن
ومنها:
وكم شامت بي أن حُبِسْت وما درى ... بأني حُسام قد أقروه في الجفن
وناظر عين غضَّ منه التفاتُه ... الى منظرٍ مقذٍ فغمّض في العفن
стр. 799
متى صفتِ الدنيا لحرٍّ فأبتغي ... بها صفو عيش أو خُلُويِّ من الحزن
وهل هي إلا دار كل ملمة ... أمض لأحشاء الكرام من الطعن
وإن هي لانت مرة لك فاخشَها ... فإنّ أشد الطعن طعنُ القنا اللّدن
ومن أخرى:
الى كم أستنيمُ الى الزّمان ... وتخدعني أباطيلُ الأماني
ومنها:
ومضطرمُ الضّلوع عليّ غيضاً ... ألنْتُ له قيادي فازدَراني
تسحّب في المقال عليّ لمّا ... سكنتُ له سكون الأفعوانِ
ولو أنّي أساجِلُ منه كفؤاً ... بيوم الفخرِ أو يوم الطعانِ
لكفّ لسانَه عنّي بليغٌ ... كأنّ لسانهُ العضْبُ اليَماني
ومنها:
نجاءَك من لساني فهو أمضى ... بمعتركِ الجدالِ من السّنانِ
ولا تعرض لهجْوي فهو باقٍ ... على مرّ الزّمان وأنتَ فانِ
وجُرح السّيف يبرأ عن قريبٍ ... ويَعْيا البُرءُ من جرح اللّسان
ومن أخرى:
حتّامَ تنوحُ على الدِّمَن ... وتسائِلُهنّ عن السّكَن
وتروح أخا شجنَيْن فمن ... بادٍ للنّاس ومكتمن
... فقد الألاّفُ الى ... جفْنٍ يشكو فقد الوسن
... جريكَ منهتكاً ... في طرق اللهو بلا رسن
... ... صافية ... تعدي الأفراحَ على الحزن
... الدهر سوى رمَقٍ ... لو لم تتداركه لفَني
يسقيكَ سُلافتَها رشأٌ ... خلِقَتْ عيناه من الفتن
وكأنّ بأعلاه قمراً ... في جُنحِ ظلامٍ في غُصنِ
وكأنّ لواحظَ مقلتِه ... نحِلتْ أطراف ظُبَى الحسَن
ملِكٍ هطلتْ كفّاهُ لنا ... بحَيا الجَوْدِ الحوذِ الهُتُن
في سنّ البدر وسُنّتِه ... وسناه ومنظرِه الحسَنِ
يعطيك ولا يمنّ وقد ... يحمي بالمَنّ حِمَى المنَن
ندْبٍ، ندْسٍ، حلوٍ، شرس ... شهمٍ، فطِنٍ، ليْنٍ، خشِنِ
لو للأيّام شمائلُه ... لم تجْنِ عليكَ ولم تخُنِ
ولوَ انّ البحرَ كنائِلِه ... لم يدْن مداه على السفُنِ
ومن قوله في غلام اسمه جوشن:
صيّرْتُ صبريَ جوشناً لما رمتْ ... نحوي بأسهمها لواحظُ جوشَنِ
ولقد رُميتُ بأسهمٍ لكنّني ... لم ألقَ أقتلَ من سهامِ الأعيُن
وقوله:
عذّبْتني بالتّجنّي ... يا غايةَ المُتمني
قسّمت لحظي وقلبي ... ما بين حُسنٍ وحُزْنِ
وأيّ أعجب شيءٍ ... يكون منك ومنّي
إنّي إذا جئتُ ذنباً ... أسومُك الصّفْحَ عنّي
وقوله في جارية سوداء اسمه عزّة:
يا عزُّ عزَّ الوجْد صبري بما ... أصبحتِ من حسنِك تُبدينَه
ما أنتِ إلا لعبة ما بدتْ ... للمرء إلا أفسدتْ دينَه
وقد أفدتِ المسكَ فخْراً بأنْ ... أصبح يحكيكِ وتحكينه
لا شكّ إذ لونُكُما واحِد ... أنّكُما في الأصل من طينه
وقوله في غلام زنجيّ حسن الوجه سابح:
وشادنٍ من بني الزّن ... ج ساحر المقلتين
قد حال تفتير عيني ... هـ بين صبري وبيني
أبصرْتُه وسْطَ نهرٍ ... طافٍ على الضّفتين
فقلت أسود عيني ... يعوم في دمع عيني
وقوله في العذار وقد لزم فيه التجنيس:
لو يعلم العاذلان ماذا جرى ... إذ عذَلاني جهلاً ولاماني
أودعني من هواه وسوسةً ... لم يلْقَها خالد ولا ماني
ظبي بخدّيه لا عدمتهما ... راءان من عنبرٍ ولامان
وقوله:
قم يا غلام الى المُدام ففضَّها ... وأدرْ زجاجتَها عليّ وثنّها
حتى أعوّضَ من دمي بسُلافها ... وأعودَ من عدم الحَراكِ كدنّها
وقوله في جارية اسمها تجنّي، قدمت شمعة:
стр. 800
لله هيفاءُ قدّمتْها ... هيفاءُ كالغصنِ في التثنّي
إشراقُها والضياءُ منها ... وحرّها والدموع منّي
جاءتْ بها ساطعٌ سناها ... يرفعُ سجْفَ الظّلام عني
وقوله من قصيدة:
أقصرتُ من كلفي بالخُرّدِ العين ... فما الصبابة من شُغلي ولا ديني
ورُبّ أكلفَ قد طال الثّواء به ... في بيت أشمطَ من رهبان جيرون
يمّمتُ ساحته بالشُهب من نفَرٍ ... بيض وجوهُهُمُ شمّ العرانين
ثم انتحيت له أستامُ ذروته ... بمرهف الحدّ ماضي الغرْبِ مسنون
فانصابَ منه على كفّي غبيط دمٍ ... كأنّه سرِب من جوف مطعون
دمٌ من الراح مسفوك بمعركة ... يغادر الشَّرْبَ صرعى دون تجنينِ
أيامُ لهوٍ ولذاتٍ جريتُ بها ... مرخي الأعنّة في تلك الميادين
أستنزلُ البدرَ من أعلى منازله ... وأقنص الظّبيَ من بين السّراحين
ثم ارعويت فلم أعطِ الهوى رسَني ... وانجابَ عنّي فلم أتبع شياطيني
وقوله:
جرّد معاني الشّعر إن رمتَه ... كيما تُوَقّى اللّومَ والطّعنا
ولا تُراعِ اللفظَ من دونِها ... فاللفظ جسم روحه المعنى
وقوله في وصف كتاب وصل إليه:
وافى كتابُك قد أودَعْتَه فِقَراً ... شكا افتقاراً إليه لفظُ سَحْبانا
نظماً ونثراً تكافا الحسنُ بينهما ... حتى لخلتهما شكراً وإحسانا
ومنها:
لله أي كتابٍ زار مكتئباً ... منه وحُرّ كلام زار حرّانا
ولم أكن حيث بستانٌ ولا نهرٌ ... فزار لحظي وفكري منه بُستانا
أرى قوافيه أطياراً مغرّدة ... بألسُنِ الحمد والأبيات أغصانا
أجل وأقطف من ميماته زهَراً ... إذا وردتُ من الصّادات غُدْرانا
زهر تقيمُ على الأيام جدّته ... وإنّما توجدُ الأزهارُ أحيانا
من كل لفظٍ كماءِ المُزْن يوسعني ... ما شئتُ رِيّاً ولا أنفكّ ظمآنا
وقوله في ذمّ الدهر:
سادَ صغارُ الناس في عصرنا ... لا دامَ من عصرٍ ولا كانا
كالدّسْتِ مهما همّ أن ينقضي ... عادَ به البيدَقُ فرْزانا
الهاء وقوله يصف منزلاً في قصر:
منزلٌ ودّتِ المنازلُ في أعْ ... لى ذُراها لو أنّها إيّاه
فأجِلْ فيه لحظَ عينيكَ تُبصرْ ... أيّ حسنٍ دون القصور حواه
سال في سقفِه النُضار ولكن ... جمدتْ في قراره الأمواه
ومنها:
منظر يبعث السّرورَ ومرأى ... يُذكِرُ المرءَ طيبَ عصرِ صباهُ
طاب ممْساه للعيون فأكّد ... طيبه بالصّبوح في مغداه
وأدِرْها سُلافةً كدَمِ الخِشْ ... فِ لجفن السّرور عنها انتباه
من يدَيْ كل فاتنِ اللحظ عينا ... هُ على فعل كأسِه عوْناه
ريم قفرٍ بل ريم قصر، شغاف ال ... قلب مأواه والحشا مرعاه
قوبِلَ الحُسن فيه فاختصرت خص ... راه عمداً وأذرِفَتْ عيناهُ
وقوله:
أسلفتني الغرام سالفَتاه ... وأطرتْ عني الكرى طرّتاهُ
وأعانت وجدي على الصبر عينا ... هـ فويحي مما جنت عيناهُ
رشأٌ وِردُه المدامع والأض ... لع مأواهُ والحشا مرعاهُ
لم يعِدْني بالوصل يوماً فأخشى ... بتمادي الصّدود أن ينساهُ
وقوله في وصف فرس:
وخيرُ ذخائر الأملاكِ طِرْف ... يروق الطّرْفَ حين يجولُ فيه
ترى ما بينه والخيلِ طُرّاً ... كما بين الرّويّة والبَديه
وقوله في أمرد التحى فقبُح:
قد صوّحتْ نرجسَتا مُقلتيْه ... واصفرّ ذاك الوردُ من وجنتيْه
وكان قيد اللّحظ في حُسنه ... فصار لا يوما بلحظٍ إليه
قد مسخَتْ صورتَهُ لحية ... أفرِغْ منها كل ذُلّ عليه
стр. 801
كأنما رقّتْ لعشّاقِه ... فاسترجعتْ أرواحهم من يديهِ
وقوله:
قامت تديرُ المُدامَ كفّاها ... شمسٌ ينيرُ الدّجى محيّاها
إن أقبلتْ فالقضيبُ قامتُها ... أو أدبرتْ فالكثيبُ رِدْفاها
للمسكِ ما فاحَ من مراشِفِها ... والبرقِ ما لاحَ من ثناياها
غزالةٌ أخجلتْ سمّيتها ... فلم تُشبَّه بها وحاشاها
هبْكَ لها حُسنَها وبهجتَها ... فهل لها خدّها وعيناها
وله يذمّ كاغداً:
كاغِدُنا يشبه حالاتِنا ... في كلّ معنى ويحاكيها
خسّ فللخَطّ به صورة ... لا شيء في القُبح يدانيها
لو كان خُلْقاً كان مُستَشْنَعاً ... أو كان خلْقاً كان تشويها
يعشّرُ الأقلامَ حتى تُرى ... مفلولةَ الحدّ مواضيها
يتركُها تُشبه أعجازُها ... في عدم البَرْي هواديها
من بعدِ ما ضاهى بأطرافِها ... أطرافَ سُمرِ الخطّ باريها
ومنها:
يقول من أبصرَ أطباقَها ... شُلّتْ يدٌ باتت تعبّيها
قد عبثَ السّوسُ بأوساطها ... وقرّضَ الفأرُ حواشيها
الياء وقوله:
عزِفْتُ عن التّشاغل بالملاهي ... وحثّ الكأسِ والطّاسِ الرّويّه
فما لي رغبةٌ في غير عِلمٍ ... تُنيرُ بديهتي فيه الرّويّه
ومن مراثيه: أ - قوله في مرثية أم علي بن يحيى:
تُضايقُنا الدنيا ونحن لها نهبُ ... وتوسعُنا حرباً ونحن لها حربُ
وما وهبَتْ إلا استردّتْ هباتِها ... وجدوى الليالي إن تحقّقتَها سلبُ
تؤمّل أن يصفو بها العيشُ ضلّة ... وهيهاتَ أن يصفو لساكنها شُربُ
إذا صقبَتْ دارٌ بأهل مودّة ... رغا بيننا في الدار بينهمُ سقْبُ
ألا إنّ أيام الحياة بأسرها ... مراحلُ نطويها ونحن لها ركْبُ
ومنها:
وما أنشبتْ كف المنيّة ظُفرَها ... فينجي طبيب من شَباها ولا طِبُ
ولا وألتْ من صيدِها ذاتُ مخلبٍ ... به كل حين من فرائسها خِلبُ
ولا ضَبِرٌ ذو لبدتين غضنْفرٌ ... له من قلوب الأرضِ في صدره قلْبُ
ومنها:
ولم أرَ يوماً مثلَ يومٍ شهدتُه ... وقد غابَ حسنُ الصبر واستحوذ الكربُ
ومأتِم شكوى وانتخابٍ تشابهتْ ... دموع البواكي فيه واللؤلؤ الرّطْبُ
فلا قلبَ إلا وهو دامٍ مفجّع ... ولا دمع إلا وهو منهملٌ سكْبُ
وقد كسفتْ شمسُ العُلا وتضاءلت ... لها الشمسُ حتى كاد مصباحها يخبو
ومنها:
مشت حولها الصّيدُ الكرامُ كرامةً ... الى أن تلقّتْها الملائكُ والرّبُّ
ومنها:
فإن لا تكن شمسُ النهار التي وهَتْ ... وهيلَ عليها التُربُ فهي لها تِربُ
لها كنَف من رحمة الله واسِع ... ومنزلُ صدقٍ عند فردوسِه رحْبُ
ب - وقوله من قصيدة في مرثية نُمَيّ بن زياد:
أتدري من بكتْهُ الباكياتُ ... ومن فجِعَتْ بمصرعه النُعاةُ
ألا فُجِعَتْ بأبلجَ من هلالٍ ... عليه لكل معلوَةٍ سمات
ضمينٌ أن تُكادَ به الأعادي ... علي أن تُنال به التِّراتُ
نمى في دوحتَيْ شرفٍ وعزٍ ... تزيّنُه العُلا والمَكرُمات
بحيثُ تكنّهُ السُمرُ العوالي ... وتكنُفُه الجياد الصافِناتُ
فلا برحَتْ جفونُ المُزنِ تهمي ... عليه دموعهنّ السّافحاتُ
غواديَ كل حين رائِحاتٍ ... إذا ونتِ الغوادي الرائحاتُ
تزجّيها الجنائبُ موقِراتٍ ... كما مشتِ العشار المُثقَلاتُ
ومنها:
فلا تنفكّ ترْفي التّرْبَ منها ... رياض بالشّقائقِ مُذهَباتُ
ومنها:
رمتْه يدُ الحِمام فأقصدتْهُ ... ولم تفغنِ العوائدُ والأساةُ
стр. 802
ولو غير الحِمام بغى سميّاً ... لفلّ شباة أسرته السَّراةُ
وهبّ لآل زيّادٍ أسود ... براثنُها السّيوفُ المُرهفاتُ
إذا وقع الصريخُ نحاهُ منهم ... ثُبات من سجيّتها الثّباتُ
وأحسنُ ما تلاقيهم وجوهاً ... إذا كلحَتْ من الطّعن الكماةُ
وأسمحُ ما توافيهمْ أكفّاً ... إذا ذهبتْ بوفرِهمُ الهِباتُ
وخيرُ ذخائِرِ الدنيا لديهم ... جواد أو حُسام أو قناة
وسابغةُ الذّيول كما تغشّتْ ... ذُيول الريح صافية أضاةُ
فما عبثتْ بلبّهمُ الحُميّا ... ولا شربتْ عقولهمُ السُقاةُ
هذا البيت يتشرّبه العقل السليم، ويشرئبّ الى حِماهُ الخاطر المستقيم:
ولا حضَروا لأنّ العزّ شيء ... تضمّنه البداوةُ والفلاةُ
لهمُ هِمم بعيداتُ المرامي ... وأيدٍ بالمواهب دانِياتُ
جرَوا وجرى الكرامُ ليُدرِكوهم ... فخلّوهم وراءَهُمُ وفاتوا
محوتُ بهم ذنوبَ الدهر عندي ... وبالحسنات تُمْحى السّيئاتُ
عليهم عمدتي إنْ رابَ دهرٌ ... وهم ثقتي إذا خانَ الثِّقاتُ
ج - وقوله في صديق له:
فجعتني يدُ المنون بخِلٍ ... ثابتِ الودّ صادقِ الإخلاص
غائصِ الفكرِ في بحورِ علومٍ ... كل بحرٍ بها بعيدُ المغاصِ
فجعتني فيه صروفُ الليالي ... بالحلال الحلوِ اللُباب المُصاص
وترتني فيه وما لقتيلٍ ... صرعَتْهُ يدُ الرّدى من قِصاصِ
حادثٌ أرخصَ الدموعَ الغوالي ... ولَعَهدي بهنّ غيرُ رِخاصِ
فلئن فاتني فللدهرُ خلفي ... مُستحِثّ يجدّ في إشخاصي
أيها المبتغي مناضاً من المو ... ت رويداً فلاتَ حين مناصِ
قهرَ الموتُ كل عزّ وأوهى ... كل حِرزٍ وفضّ كل دِلاص
لو حللنا على الذّرى في الصّياصي ... ما طمعنا من الرّدى بخلاص
د - وقوله في شريف قتل:
حُقّ للجفن أن يصوبَ نجيعا ... لنعيّ برْحٍ أصمّ السّميعا
جلّ رُزْءُ الشريف عن أن نشقّ ال ... جيبَ فيه وأن نريقَ الدموعا
ندِس إن طرقتَ منزلَه الرّحْ ... بَ ووافيتَ بابَه المشروعا
لم تجدْ بِشْرَ وجهه عنكَ محجو ... باً ولا سيْبَ كفّه ممنوعا
عاد شملُ العُلا شتيتاً وقد كا ... ن به آهلَ المحلّ منيعا
فأجِلْ مقلتيك في الأرض هل تُبْ ... صِرُ إلا مُرزّأ مفجوعا
أين من كان للعُداةِ سِماماً ... أين من كان للعُفاة ربيعا
من يسدّ الثّغور بعدَك يا سي ... يِدَ فهرٍ أم من يقود الجميعا
من يعولُ الفقيرَ من يُنعشُ العا ... ثرَ من يؤنسُ المَخوفَ المروعا
أيها البدرُ قد أطلتَ غروباً ... عن جفوني فهل تطيقُ طلوعا
أيها الغيثُ إنّ روضَ الأماني ... آضَ يُبْساً فهل تطيقُ هموعا
ما ظنَنّا بأنّ قبلك للمج ... دِ ولا السّماح صريعا
هـ - وقوله يرثي والدته وتوفيت فجأة، وكان بعض المنجّمين قد حكم بذلك في مولده واتفقت الإصابة - من قصيدة طويلة: منها:
مدامعَ عيني استبدلي الدمعَ بالدّمِ ... ولا تسأمي أن يسْتبِلّ وتسْجمي
لحُقّ بأن يبكي دماً جفنُ مقلتي ... لأوجبِ من فارقتُ حقاً وألزَمِ
أخِلاءُ صدقٍ بدّد الدهرُ شملَهم ... فعاد سحيلاً منهمُ كل مبرَمِ
طوت منهمُ الأحداثُ أوجهَ أوجُه ... وأيمنَ أيمانٍ وأعظمَ أعظُمِ
فقد كثرَت في كل أرض قبورهم ... ككثرة أشجاني ولهفي عليهمِ
وما تلك لو تدري قبورُ أحبّة ... ولكنها حقاً مساقطُ أنجُم
стр. 803
رزِئْتُ بأحفى الناس بي وأبرهم ... وأكبِرْ بفقْدِ الأم رزءاً وأعظِمِ
فأصبحَ دُرّ الشِّعْر فيكِ منظَّماً ... وأصبح دَرّ الدمع غيرَ منظّم
تصرّمُ أيامي وأمّا تلهّفي ... فباقٍ على الأيام لم يتصرّمِ
كأن جفوني يومَ أودعتكِ الثّرى ... نضحْنَ على جيْبِ القميصِ بعندمِ
يهيجُ لي الأحزان كَلّ فلا أرى ... سوى موجعٍ لي بادّكاركِ مؤلمِ
أنوح لتغريد الحمائم بالضّحى ... وأبكي للَمْعِ البارقِ المتبسّم
وأرسلُ طرفاً لا يراكِ فأنطوي ... على كبدٍ حرّى وقلبٍ مكلّمِ
وما أشتكي فقدَ الصّباح لأنّني ... لفقدكِ في ليلٍ مدى الدهر مُظلِم
تطول ليالي العاشقين وإنّما ... يطولُ عليكِ الليلُ ما لم تهوّمي
وما ليلُ من وارى الترابَ حبيبهُ ... بأقصرَ من ليل المحبّ المتيّمِ
فكم من بين راجٍ للإياب وآيسٍ ... وأين جميل في الأسى من متمِّمِ
ومنها:
ولم يبقَ في الباقين حافظ خُلّةٍ ... فعشْ واحداً ما عشتَ تنجُ وتسلمِ
فلستَ ترى إلا صديق لموسرٍ ... حسوداً لمجدودٍ عدواً لمعدِم
وكنتُ إذا استبدلتُ خِلاً بغيره ... كمستبدلٍ من ذئب فقرٍ بأرقَمِ
فجانبْهمُ ما اسطَعْتَ واقبلْ نصيحتي ... ومن لم يطِعْ يوماً أخا النُصح يندَمِ
فإن لم يكن بُدّ من الناس فالقَهُم ... ببِشْرٍ وصُنْ عنهم حديثك واكتُم
فمن يلقَهُم بالبِشْرِ يُحْمَدْ بفعلِه ... ومن يلقهم بالكبْرِ يُعتبْ ويُذمَمِ
ومن لم يصانع في أمورٍ كثيرة ... يُضرّس بأنيابٍ ويوطأ بمنسِم
وحين وفاة أمية بن أبي الصلت أهدى إليّ سيدنا القاضي الفاضل حديقة أبي الصّلت وقرأت في آخرها مكتوباً: توفي الشيخ الأجل أمية ابن أبي الصلت يوم الاثنين الثاني عشر من محرم سنة ست وأربعين وخمسمائة وكان آخر ما سمع منه:
سكنتكِ يا دارَ الفناءِ مصدّقاً ... بأني الى دارِ البقاء أصيرُ
وأعظَمُ ما في الأمر أنّي صائِر ... الى عادلٍ في الحُكم ليس يجورُ
فيا ليتَ شِعري كيف ألقاهُ بعدها ... وزادي قليلٌ والذّنوبُ كثيرُ
فإنْ أكُ مَجزيّاً بذنبي فإنّني ... بحَرّ عذاب المذنبين جديرُ
وإن يكُ عفو ثم عنّي ورحمة ... فثمّ نعيم دائِم وسُرورُ
وقال لعبد العزيز ولده:
عبدَ العزيز خليفتي ... ربُّ السماءِ عليكَ بعْدي
أنا قد عهدتُ إليك ما ... تدْريه فاحفَظْ فيه عهدي
ولئن عملْتَ به فإنْ ... نَكَ لا تزالُ حليفَ رُشد
ولئن نكثتَ فقد ضلل ... تَ وقد نصحتكَ حسب جهدي
وقرأت في موضع آخر أنه توفي في المحرم سنة تسع وعشرين.
جماعة من الفضلاء
كانت بينهم وبين الحكيم أبي الصلت مكاتبات منظومة ومنثورة ولم أثبت من شعرهم شيئاً فإنني لم أصادفه
أبو الضوء سراج بن أحمد
بن رجاء الكاتب
قرأت من ديوان أبي الصّلت ما كتبه الى سراج الكاتب، فمن جملة ما قرأت فيه، ما يقول فيه أبو الصلت من قصيدة طويلة، جواباً عن أبيات، قوله وهو يدلّ على فضله ونبله:
حلفتُ بها أنضاءَ كل تنوفةٍ ... إذا قطعَتْ شَهْبا أبيح لها حزْمُ
تزورُ لوفد الله أكرمَ بقعة ... وأفضلَ ما تنحو الرّكابُ وتأتمّ
لقد نالَ في رِفقٍ أبو الضوءِ رتبة ... يقصّرُ عن غاياتِها العربُ والعجم
فتًى خصّني منه على الشّحْط والنّوى ... بعهدِ وفاءٍ ما لعروته فصْمُ
تناهى لديه العلمُ والحلمُ والحِجا ... وكُمِّلَ فيه الظّرفُ والنُبلُ والفهم
رقيقُ حواشي الطّبْعِ رقّ حواشياً ... لأنْ عُدّ من أبنائِه الزّمنُ العُدْمُ
стр. 804
إذا هدّم الناسُ المعاليَ شادَها ... ولن يستوي الباني ومن شأنُه الهدْمُ
وإن أخّرَ الأقوامَ نقص تقدّمتْ ... به رتبة تعنو لها الرتَبُ الشُمّ
له قلم ماضي الشَّباةِ كأنّما ... يمجّ به في طِرسِه الأرقمُ السُم
كفيل بصرفِ الدهر يصرفُ كيْده ... وقد عزّ من حدّ الحُسام له حسْمُ
شدوتُ بذكراهُ فمُصْغٍ وقائِلٌ ... أخو كرمٍ حيّاه بابنته الكرْمُ
أبا الضوءِ وافاني كتابكُ يزدهي ... به النثْرُ من تلك البلاغةِ والنُظمُ
كتابٌ لو استدعى به العُصمَ قانِصٌ ... لما استعصمتْ من أن تخِرّ له العُصم
ولما فضضتُ الختْمَ عنه تضوّعتْ ... لطيمةُ سفرٍ فُضّ عن مِسكها الختم
وسرّحتُ طرْفي في رياضِ محاسنٍ ... وشاها الحيا المنهلّ بل علمكَ الجمّ
فدُم، وابقَ، واسلَمْ، واستطِلْ عِزّةً، وصِلْوسُدْ، وارْقَ، واغنَمْ، واستزِدْ نعمة، وانْمُ
فلن يتنافى اثنان: رأيُك والنُهى ... ولن يتلاقى اثنان: فعلُك والذّمُّ
ولأبي الصّلت أيضاً فيه من قصيدة، جواباً:
إيهٍ أبا الضوء هل يقضي اللقاء لنا ... وبيننا لُجَح والموجُ يلتطمُ
وافى كتابكَ مختوماً على دُرَرٍ ... يروق منتثرٌ منها ومنتظمُ
طرس غدا الغيثُ بالتّقصير معترفاً ... عما وشاهُ به من روضه القلمُ
قد أودع الزهْرَ إلا أنه فِقَر ... والأنجمَ الزّهرَ إلا أنها كلِم
ولأبي الصلت أيضاً في أبي الضوء في صدر كتاب جواباً عن أبيات:
أزَهْرَ الرّبى برُضوب الغوادي ... أم الحَلْيُ فوق نُحور الغواني
أم الإلْفُ زار بِلا موعدٍ ... فأبرأني منهُ ما قد براني
وغيّضَ دمعي وكم قد طفِقْتُ ... وعينايَ عيناه نضّاحَتانِ
أم الطِّرسُ أعملَ فيه اليراع ... وأودعَ أحسنَ رقِم البنانِ
فذُمّ لمرآه وشي الصّناع ... وبيع له الدرّ بيع الهوان
وما خِلتُ أن بُرودَ الكلام ... تقدّرُ حسبَ قدود المعاني
ولم أدرِ أنّ بنات العقو ... ل تفعلُ فعلَ بنات الدّنان
وما السّحر سحر مراض الجفونِ ... ولكنّما السّحرُ سحرُ البيان
وأين الخدودُ من الجُلّنار ... وأين الثّغور من الأقحوان
كتاب نفيْتُ اكتئابي به ... ونلتُ الأماني بظلّ الأماني
أتى من بعيدِ مرامي الضّمي ... رِ والفِكرِ مرهف غرب اللسان
زرى في التّرسلِ بابْنِ العميد ... كما قد شأى في القريض ابنَ هاني
فقرّب من فرَحي كلّ ناءٍ ... وأبعدَ من ترحي كلّ دانِ
صَفيّ نأى ودَنا ذكرُه ... فناب السّماعُ منابَ العِيان
ومهما تصافت قلوبُ الرجال ... فحالُ تباعدها كالتّداني
ولكن على ذاكَ قربُ المزار ... وأشهى وأحلى جنى في الجَنان
أبا الضوء سُدْتَ فباتَ الحسود ... يراك بحيث يُرى الفرْقَدان
فجادَك عارضُ صوب الغمام ... وجازك عارضُ صرْفِ الزّمان.
стр. 805
هذا الفاضل لم يقع إليّ من شعره شيء، لكنني أحببت ذكره بإثبات ما قيل فيه، وشهادة ذلك على قدره النّبيه، وإن سمح الدهر الضّنين بعد هذا بشيء من فوائده، اغتنمت إثباته، وجمعت في هذا المؤلّف شتاته، ثم وقع بيدي كتاب ألّفه ابن بشرون الكاتب بصقلية في عصرنا هذا، ووسمه بالمختار في النظم والنثر لأفاضل العصر، وذكر فيه الشيخ أبا الضوء سراجاً، وأوضح من محاسنه الغرّ ومناقبه الزّهر منهاجاً، ووصفه بصحة التصوّر، وصدق التخيّل، وسداد الرأي، وحدة الخاطر، وأنّ شعره بديع الحوك، رفيع السّلك، فمنه أنّ الفقيه عيسى بن عبد المنعم الصقلي كتب إليه يستعير منه كتاباً:
لنا حاج وأنتَ بها مليّ ... ورأيكَ في السّماح بها عليّ
فإنْ وافَتْ فذلك ما ظننّا ... وأشبه أهلهُ الفعلُ الزكيّ
وإن يعتاقُها منعٌ فقُلْ لي ... الى من يُنسَبُ الفعلُ الرضيّ
فأجابه أبو الضوء:
ألا انجابَتْ فضاءَ لنا الخفيّ ... وأعشى الأعينَ القمرُ المُضيّ
وما خابتْ بما شامَت نُفوس ... شفى غُلاتِها جود ورِيّ
من الخبرِ الذي وافى بلِرْماً ... أعيسى المجدُ أم عيسى النّبي
وكيف بدا وما أنْ حان حشْر ... وكل مواتِ هذا الخلْقِ حي
رويدَك رُبّ خوّارٍ ضعيفٍ ... غدا وهو القويّ القَسْوريّ
أعِدْ نظراً وجَلّ بحسنِ ظنٍ ... غبايا الشّكّ يبْدُ لك الجليّ
ألا خُذها وِداداً لا عِناداً ... أجَدّ صفاءَها قلبٌ صفي
وقال في رمد الحبيب، والبيت الأخير تضمين:
قالوا حبيبي أصابه رمَد ... جفا الكرى جفنَه لِما وجَدا
يا ليتني كنتُ دونَه ولهُ ... نفسي فِداء فقلّ ذاك فِدا
مرّ فأبْدى احمرارُ وجنتِه ... من دمِ قلبي هواهُ ما وجَدا
فراعني بهجةً وأدهشني ... فظلتُ أدعوهُ منشِداً غرِدا
يا أرمدَ العينِ قف بساحتِنا ... كيما نُداوي من جفنِك الرّمدا
وقوله من مرثية في ولد رُجار الإفرنجي صاحب صقلية أولها:
بكاء وما سالتْ عيون وأجفانُ ... شجون وما ذابتْ قلوب وأبدانُ
ومنها:
خبا القمرُ الأسْنى فأظلمتِ الدّنا ... ومادَ من العلياء والمجدِ أركانُ
أحينَ استوى في حُسنِه وجلالِه ... وتاهتْ به أطواد عزّ وأوطانُ
تخطّفَه ريبُ المَنون مخاتِلاً ... على غِرّة إنّ المنونَ لخوّانُ
كذلك أعراضُ البُدور يعوقُها ... إذا كمُلتْ من حادث الدّهر نقصانُ
لحُقّ بأن نبكي عليه بأدمُعٍ ... لها في مسيلِ الخدّ درّ ومَرْجانُ
وتُحرَقُ أكباد وتمرضُ أنفُس ... وتعظُم أتراح وتكبُر أشجانُ
وتهتاجُ أحزانٌ وتهمي مدامع ... وتُجمع أمواه غِزار ونيرانُ
تبكّتْ له خيماتُه وقُصورُه ... وناحتْ عليه مرهفاتٌ ومُرّانُ
وعاد صهيلُ الخيلِ في لهواتِه ... حنيناً وعافتْهُنّ لُجم وأرْسانُ
وما ناح وُرْقُ الأيكِ إلا له فلو ... درَتْ لبكتْ قبلَ الحمائم أغصانُ
فيا لك من رُزْءٍ عظيمٍ وحادثٍ ... يعزّ له صبر ويُعوِزُ سُلوانُ
ويا يومَه ما كان أقطعَ هولَهُ ... تشيبُ لمرآهُ المروّعِ وُلْدانُ
كأن منادي البعثِ قام منادياً ... لحشرٍ فهبّ الخلْقُ طُرّاً كما كانوا
وقد ضاق رحبُ الأرضِ بالخلقِ والتقتْ ... جموعهُم مرجاً رجالٌ ونسوانُ
وشُقّتْ قلوبٌ لا جيوب ورجّعتْ ... بلابِلُ وارتجّتْ نفوس وأذهان
وكانوا بلُبْسِ اللهوِ بيضاً حمائماً ... فعادوا وهم في ملبَسِ الحزن غرْبان
أبو عبد الله محمد بن عبد الصمد بن بشير
التنوخي الشاعر
стр. 806
هو من معاصري الحكيم أبي الصلت أمية، وقد أثبتنا شعر أميّة فيه، وهو قطعة خائية موسومة بتنوخ، ولم يقع إلينا من شعره ما نورده إلا ما ذكره في الحديقة، وكان أبو الصلت يرى في المنام كثيراً أبا عبد الله بن بشير، وتجري بينهما محاورات في فنون الآداب، وملح الأشعار، ويجد هو أيضاً من نفسه مثل ذلك في المنام. فقال أبو الصلت:
بأبي من صَفا فأصبَح في اليق ... ظَة والنّوم مؤنِسي ونَديمي
قُدّ بيني وبينه الوِدّ والإخ ... لاصُ في الحالتين قَدّ الأديمِ
نلتقي فيهما فنرتَعُ من آ ... دابِنا الغُرّ في جِنانِ النّعيمِ
غير أنّ اللقاءَ في الحُلمِ أشْفى ... لجَوى الشّوْقِ عند أهلِ الحُلومِ
فتلاقي الأرواح ألطفُ معنًى ... في المُصافاةِ من تلاقي الجُسومِ
وأورد أبو الصلت في الحديقة هذه الأبيات، ونسبها الي محمد بن بشير:
ولقد نظمتُ من القريضِ لئالِئاً ... غُراً جعلتُ سلوكهنّ طُروسا
ورميتُ علويّ الكلامِ بمنطقٍ ... حتى انتظمتُ بليلهِ البِرْجيسا
وجليتُ للحسَنِ الهُمامِ قلائِدي ... فحبوْتُ منها بالنّفيسِ نفيسا
ملِك يودّ البدرُ لو يلقى له ... في مُنتدى شرَفِ الجلالِ جَليسا
أبو جعفر عبد الولي البني الكاتب
معروف من أهل الفضل، ولم يقع إليّ أيضاً شيء من شعره، لكنني قرأتُ في ديوان أبي الصّلت أمية الأندلسي، أنه كتب الى عبد الولي البنّي مجاوباً عن قصيدة خاطبه بها، ومن جملة أبيات أبي الصّلت فيه يصفه بكثرة الأسفار:
مجدُك عُلويّ يا جعفرُ ... والشُهبُ لا تعرِفُ سُكنى القرارْ
أنِسْتَ بالبيْن وطولِ السّرى ... فالنّاسُ أهلُك والأرضُ دارْ
إنْ سِرْت كنتَ الشّمسَ أو لم تسِرْ ... فأنتَ كالقُطبِ عليه المَدارْ
ثم طالعت كتاب الجِنان لابن الزبير، وذكر أنّه خليعُ العِذار، قليل المحاشمة في اللهو والاعتذار، لا يبالي أيّ مذهب ذهب، ولا يفكّر فيمن عذر أو عتب، وله أهاجٍ أرغمت المعاطس، وبدائع أخّرت المُنافس، وأخذت المنافِس.
وله:
قالوا تصيبُ طيورَ الجوّ أسهُمُه ... إذا رماها فقلنا: عندنا الخبرُ
تعلّمَتْ قوسُه من قوسِ حاجبِه ... وأيّد السّهْمَ من أجفانه الحورُ
يلوحُ في بُردةٍ كالنِّقْس حالكةٍ ... كما أضاءَ بجُنح الليلةِ القمرُ
وربّما راقَ في خضراءَ مونقةٍ ... كما تفتّح في أوراقه الزّهَرُ
وله:
وكأنّما رشأ الحِمى لما بدا ... لك في مضلّعه الجديدِ المُعْلم
غصَبَ الحِمامَ قِسيّهُ وأعارها ... من حُسنِ معطفه قوامَ الأسهُم
وله:
غصبْتِ الثُريّا في البعاد مكانها ... وأودعتِ في عينيّ صادق نوئِها
وفي كل حالٍ لم تزالي بخيلة ... فكيف أعرْتِ الشمسَ حلة ضوئها
وله:
صدّني عن حلاوة التّشييع ... اجتِنابي مرارةَ التّوديع
لم يقم أنسُ ذا بوحشةِ هذا ... فرأيتُ الصّواب تركَ الجميع
أبو حفص عمر بن علي المعروف ب
الزكرمي المهدوي الشاعر
لم يقع إليّ شيء من شعره. قرأت لأبي الصّلت أمية الأندلسي فيه قصيدة ضادية وهي:
سوابقَ عَبرَتي سُحّي وفيضي ... وإنْ تعْصِ الدموعُ فلا تغيضي
فقد أخذ الرّدى من كان منّي ... بمنزلةِ الشّفاء من المريض
وما وُقِيَ الرّدى بطِعان سُمر ... وشدّ سوابقٍ وقِراع بيض
أبا حفصٍ ذهبتَ بحُسنِ صبري ... وبنتَ فبانَ عن عيني غُموضي
خلصتَ الى النّعيم وبي اشتياقٌ ... دفعتَ به الطّويل الى العريض
فما أصبو الى عَبّ الحُميّا ... ولا أهفو الى نغَم الغريض
ذهبتَ فمن تركتَ لكل معنى ... شديد اللبسِ بعدكَ والغُموض
ومن خلفتَ بعدكَ للمعمى ... وللشعرِ المحَككِ والعَروض
стр. 807
ويا لرَجاءِ نفسٍ فيك أفضى ... الى نبإ بموتكَ مُستفيض
مصاب صاب بالمُهَجات فيْضي ... ورُزْء قال للعَبَرات فيضي
فإن قصّرْتُ في البابيْن فاعذر ... فقد شغلَ الجريضُ عن القريض
شرقتُ بأدمعي وصليتُ وحدي ... فها أنا منكَ في طرَفَيْ نقيض
سقاكَ وجاد قبركَ صوبُ مُزْنٍ ... يشقّ ثَراه من روضٍ أريض
إذا استقرى الحَيا نحرتْ عليه ... عِشار المُزْن مرهقَة الوميض
وإن مسحتْ جوانبَهُ النُعامى ... أعيرَتْ نفحة المِسك الفضيض
فقدتُك والشّبابَ وريعَ فَوْدي ... بمرأى من مطالعِه بغيض
ألمّ بلمّتي وذؤابتَيْها ... فعوّضهُنّ من سودٍ وبيض
وقبلكَ ما انتحتْ عودي الليالي ... بنابٍ من نوائبها عَضوض
فما فوجئتُ ذا قلبٍ جزوعٍ ... ولا ألفيتُ ذا طرْفٍ غضيض
ولكن قائلاً يا نفسُ شُقّي ... غمارَ الموتِ مقدِمَة وخوضي
فما قعَد الأنام عن المعالي ... لعجزِهمُ وخان بها نهوضي
وما بلغ العَلاء كشمّريّ ... قؤومٍ بالذي يعني نَهوض
سأعمِلُها هملّعةً دِقاقاً ... تقلْقلُ في الأزمّةِ والعَروضِ
لها من كلّ مرقبَةٍ وفجٍّ ... هُوِيّ القِدْح من كفّ المُفيض
فإمّا أخمص فوق الثُريّا ... وإمّا مفرِقٌ تحت الحضيض
فأشقى النّاسِ ذو عقلٍ صحيحٍ ... يعودُ به الى حظٍ مريض
قال العماد:
ذكرته في من أورده أبو الصلت: ولم أورد شعره. ومما أورد له في كتاب الجِنان قوله:
كيف تُقْلى وأنتَ جنّةُ عدْنٍ ... من رآها ليس يصبِرُ عنها
غير أنّي لشَقوتي ليس عندي ... عمل صالح يقرّبُ منها
وقوله وقد طولب بمكس بضاعة من أبيات:
ولقد رجوْنا أن ننال بمدحكم ... رِفْداً يكون على الزّمان مُعينا
فالآن نقنَعُ بالسّلامة منكمُ ... لا تأخذوا منّا ولا تُعطونا
وله في رجل بالقيروان يعرف بشبيب يهوى غلاماً اسمه جيرون فلما كبر زوّجه ابنته فقال فيه:
لله درّ شَبيبٍ في تفسّدِه ... فقد أتى بدعةً من أعظم البِدع
حداهُ فرطُ الهوى أن ينكح ابنته ... فردّه الدّينُ والإفراطُ في الورع
فظلّ ينكحُ جيروناً وينكحها ... جيرون فهو يَنيكُ البنتَ بالقمع
الشيخ أبو الفضل جعفر بن الطيب
ابن أبي الحسن الواعظ
لم يقع إليّ أيضاً من نظمه شيء، وإنما أثبت اسمه من ديوان أبي الصّلت لما لقيه فشكا إليه الإجبال للضعف والكبر، فقال فيه أبو الصلت من قطعة:
إمامَ الهُدى رفِّهْ بدائِهَك التي ... بهرْتَ بها كلّ الأنام خِطابا
فإن يكُ عاصاك القريضُ فلم يُجبْ ... فقد طالما استدعيتَه فأجابا
ولا غرو أن خلّى عن النّزْع خاطر ... رمى زمناً عن قوسه فأصابا
ألستَ ترى الصّمصامَ لم ينْبُ حدّه ... عن الضّربِ إلا حين ملّ ضرابا
باب في ذكر جماعة وافدين إلى مصر
وغيرها من المغرب
أبو الحسن علي بن فضال القيرواني
المجاشعي النحوي
هو علي بن فضّال بن علي بن غالب بن جابر بن عبد الرحمان بن محمد بن عمرو بن عيسى بن حسن بن زمعة بن هميم بن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع.
قرأت في مؤلف السمعاني أنه هجر مسقط رأسه، ورفض مألوف نفسه، وطفق يدرج بسيط الأرض، ذات الطول والعرض، حتى ألقى عصاه بغَزْنَة ودرّت له أخلافها، ووجد وجه الأماني طلقاً، واتفقت له عدّة تصانيف بأسامي أكابر غزْنة، سارت في البلاد، ثم عاد الى العراق، وانخرط في سلك الخدمة النظامية مع أفاضل الآفاق، وما حلَتْ له أيامه، حتى جُلب له حِماه، وذلك في ثاني عشرين شهر ربيع الأول سنة تسع وسبعين وأربعمائة.
стр. 808
قال السّمعاني: قرأت بخط شجاع بن فارس الدّهري الشهرزوري أبي غالب، أنشدنا أبو الحسن علي بن فضال لنفسه:
كتبتُ والشوقُ يملي ... عليّ ما في الكتاب
والقلبُ قد طار شوقاً ... الى رجوع الحراب
قال: وقرأت بخط شجاع، أنشدنا علي بن فضّال لنفسه:
لا عُذْرَ للصبّ إذا لم يكن ... يخلع في ذاكَ العذارِ العذارْ
كأنّه في خدّه إذ بدا ... ليل تبدّى طالعاً من نهار
تخاله جنح ظلام وقد ... صاح به ضوء صباح فحار
قال: وقرأت بخطه، أنشدنا علي بن فضّال لنفسه:
كأن بَهرام وقد عارضت ... فيه الثُريا نظر المبصر
ياقوتة يعرضها بائع ... في كفّه والمشتري مشتري
قال: وأنشدنا عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي كتابة: أنشدنا أبو الحسن بن فضّال المجاشعي لنفسه:
يا يوسُفيّ الجمال عبدُك لم ... تبقَ له حيلةٌ من الحِيل
إن قُدّ فيه القميصُ من دُبُرٍ ... قد قُدّ فيكَ الفؤادُ من قُبُل
قال: وأخبرنا أبو الحسن علي بن أبي عبد الله بن أبي الحسين النسوي إجازة، قال أنشدنا علي بن فضّال لنفسه:
واللهِ إن الله ربّ العِباد ... وخالص النّيّة والاعتقاد
يا أملح الناس بلا مِرْيَةِ ... من غير مُستثنى ولا مُستعاد
ما زادني صدّك إلا هوى ... وسوء أفعالك إلا وِداد
وإنّني منكَ لفي لوعةٍ ... أقلّ ما فيها يُذيب الجَماد
فكن كما شئتَ فأنتَ المُنى ... واحكم بما شئتَ فأنت المُراد
وما عسى تبلُغُه طاقَتي ... وإنّما بين ضلوعي فؤاد
وقرأت في بعض الكتب للمُجاشعي يمدح نظام الملك:
قالوا الوزيرُ ابنُ عبّادٍ حوى شرفاً ... فكم وكم لكَ عبد كابنِ عبّاد
ما جاوزَ الرّيّ شِبْراً رأي صاحبه ... وأنتَ بالشّام شمس الحفل والنادي
ولابن فضّال المجاشعي:
إن تُلقِكَ الغُربةُ في معشرٍ ... قد أجمعوا فيكَ على بُغضهم
فدارِهم ما دُمتَ في دارِهم ... وأرضِهِمْ ما دُمْتَ في أرضِهمْ
أبو الحكم المغربي
الحكيم الأديب تاج الحكماء أبو الحكم عبيد الله بن المظفر بن عبد الله المريني المغربي صاحب عمّي الصدر الشهيد العزيز أبي نصر أحمد بن حامد بن محمد روّح الله روحه وروّض ضريحه. كان طبيب البيمارستان الذي كان يحمله أربعون جملاً في المعسكر أين خيّم وابن المرخم يحيى بن سعيد الذي صار أقضى القضاة في الأيام المقتفية ببغداد، كان فصّاداً فيه وطبيباً أيضاً وكان أبو الحكم كثير الهزل والمداعبة، دائم اللهو والمطايبة.
سمعت بعض أهل أصحاب عمّي يقول: كان يأتي إليه الغلام وما به شيء، فيريه نبضه فيقول له: تصلح لك الهريسة، وما زال يخدم ملازماً للعمّ، الى حين نزول الحادث الملم، فآلى أن لا يقيم بالعراق بعده، وآثر على قربه منها بعده، وركب مطية الغسق، الى دمشق، وأقام بها الى أن أتاه الأجل المحتوم، والقدر المعلوم.
стр. 809
فأقول: الحكيم أبو الحكم، حكم له بالحِكم، ولم يمنعه حكمه وحكمته، عن الجري في ميدان الهزل، والجمع في نظمه السّخيف بين الإبريسم والغزْل، ولم يميز في شعره حلاوة العمل من مرارة العزل، بل مزج السخف بالظرف، ولم يتكلف مكابدة النقد والصرف، فخلط المدح بالهجو، وشاب الكدر بالصفو، ونظمه في فنّه سلس، وللقلوب مختلس، ومقطّعاته مقطِّعات للأعراض، مفوّقات الى أغراض الأغراض، إذا جال في مضمار القريض الطويل العريض، يؤمن عثاره، ولا يشقّ غباره، وله قصائد غرّاء في مدح عمّي العزيز، صار بها من أولي التمييز، فلعلّه لم يُجِدْ في غيرها، لأجل ما يوالي عليه من خيرها، فقد استغنى في نعمته، وعرف بدولته، وتلك القصائد مع المدائح التي جمعت في العزيز، نهبت في جملة كتبه، لعن الله من جاهر بحربه، ولم يقع إليّ من شعر أبي الحكم، صاحب الحِكم، إلا جزئيات من جملة ما نظمه بدمشق لهواً، وضرب على الجد فيه عفواً، من كتاب، سماها نهج الوضاعة لأولي الخلاعة، فأثبتّ من الجزأين المقطوعين ما استطبته، وتركت ما عِبته، وكان أعارني من الجزأين ببغداد الشيخ البائع يحيى بن نزار.
فمن ذلك له قصيدة يمدح بها منير الدولة حاتم بن محسن بن نصر بن سرايا، ويصف مشروباً أهداه له في سنة أربعين وخمسمائة، وهو من نظيف نظمه:
لي أدمعٌ لا تزال منسكبهْ ... وزفرة لا تزالُ ملتهِبهْ
على فتاة ألِفتُها فغدَتْ ... عنّي عند الوِصال محتجبهْ
تُخجِلْ شمس الضحى إذا انتقبت ... والقمرَ التمّ غير منتقبهْ
للحسن سطْر من فوقِ وجنتها ... فليس يقرأهُ غيرُ من كتبَهْ
فقُفْل صبري لمّا طمِعْتُ بها ... أصبح من وصْلِها على خرِبَهْ
يا حبّذا ليلة لهوتُ بها ... أرشفُ من برْدِ ريقها شنَبَهْ
تخاف أن يغدرَ الظّلام بنا ... فهي لضوء الصّباح مرتقِبَهْ
ومنها في صفة المطية:
هذا وكم جبتُ مهْمَهاً قذفا ... على بعيرٍ في ظهره حدَبَهْ
ومنها في الهزل:
إذا ذُبابُ الفَلاةِ طاف به ... حرّك من خوف قَرْصِه ذنَبَهْ
يأمَنُ ممّا يخافُ راكبُه ... لأنّه عصمةٌ لمن ركِبهْ
إن هو أرخى الزّمام أسرعَ في الس ... سَيْر وإن رام مهلة جدبَهْ
ومنها في المديح:
ولست أعتدّ للفتى حسباً ... حتّى أرى في فِعاله حسبَهْ
سميّه لو غدا مساجله ... في المجدِ والمكرُماتِ ما غلبَهْ
مُبرّأ من خنًى ومن دنَسٍ ... مطهّر الجيب سالم الجنبَهْ
تصبح من عِفّةٍ صحيفتُه ... مبيضّةً ليس تُتعبِ الكتبَهْ
لم يعدم الراغبون نائله ... ولم يضيع لقاصدٍ تعبَهْ
وكل شخص يؤمّ منزله ... يقرع باباً مُبارك العتبَهْ
ما يصفُ الآن منه مادحُه ... أبشْرَه أم نداه، أم أدبَهْ
أعيَتْ سجاياه وصفَ مادحه ... وإن أجادَ المديحَ وانتخبَهْ
أهلاً بمن جاد بالعقار ومن ... جاء به مسرعاً ومن شربهْ
فدَيْتُ قطّافَهُ وعاصرَه ... ومن سعى فيه وانتفى عنَبَهْ
ومن وعاهُ في دنّه زمناً ... واكتاله في الظّروف إذ حلبَهْ
بَني سرايا لله درّهم ... ليس لهم بين ذا الأنام شبَهْ
من أبصر الأجنبيّ بينهم ... يظنّه واحداً من العصبَهْ
لا مُتّ حتى أرى عدوّهم ... مستنداً ظهرُه الى خشبَهْ
وله من قصيدة في مدح الأديب نصر الهيتي، ويوصيه فيها بمهاجرة أبي الوحش الأديب:
إذا رام قافية نظمها ... غدا طوعَه سهلُها والعسيرُ
وذاك الذي شعرُه حِنطة ... وشِعْر سواهُ لدينا شَعيرُ
وما كمقاماتِه للبديع ... وليس له اليومَ فيها نظيرُ
فقد حسد الشّامُ فيه العراقَ ... وظلّتْ به جِلّقٌ تستَنيرُ
стр. 810
هو ابنُ جَلا دهرِه في الخطوب ... وطلاّع أنجدةٍ ما يغورُ
إن استجمعتْ مشكلاتُ الأمو ... رِ فهو الخبيرُ بها والبصيرُ
ومنها في مدحه لجودة لعبه في النّرد:
وإن ولعتْ كفّه بالفصوص ... فإنّ الغنيّ لديه فقيرُ
تدين الشّيوشُ له والبُنوجُ ... وما لليُكوكِ لديه ظُهورُ
ومنها:
فيا من يظلّ لساني له ... يترجم عمّا يكنّ الضمير
تجنّبْ وُحَيْشاً وإنّ الفتى ... على حتفِ من يصطفيه يدور
فأخِّرْ وِدادَك عنه فقد ... يؤخَّرُ في رمضانَ السّحور
وله يتشوق الى ابن سهيل، وقد طالت غيبته:
وحشتي لابن سُهيلٍ ... أسهرتني طولَ ليلي
فبه قد كان أنسي ... وإليه كان ميلي
كم أنادي وا شقائي ... بعده، وا طولَ ويْلي
كان يكتالُ لي الوِدْ ... دَ بكيلٍ أي كيْل
فلقد طوّل بالإن ... عام والمعروفِ ذيْلي
لم يكن يُخلي الذي وا ... لاهُ من بِرّ ونَيل
حُقّ لي بعدكَ مما ... ذُبْتُ أن يسقط حَيْلي
ما لدائي اليوم من ط ... بّ ولو عاش الجُبَيلي
وله في الشريف الواسطي:
وواسطي معجب طولُه ... يشهد بالنّوْكِ له والخرَفْ
منتحل للشِّعر لا يرْعَوي ... جهلاً، مدلّ بادّعاء الشّرفْ
لو قيل منْ جدّك بيّنْ لنا ... خلّط، أو قلْ بيت شعرٍ، وقَف
وله لغز في عبد الكريم:
بمهجتي يا صاحِ أفدي الذي ... يُميتني تفتيرُ عينَيْه
صرت له ثُلث اسمه طائعاً ... وهو بوصْلي ضدْ ثلثيه
كأنما وجنته إذ بدتْ ... أنجُم خيلانٍ بخديه
هلالُ تمّ والثريّا له ... مقلوب ما يشبهُ صدغَيْه
أراد أن شبيه صدغيه عقرب، ومقلوبها برقع.
وله في عبد خصي بعد مجيئه من الحج:
جاء ريحانُ من الحَجْ ... جِ وقدأسرعَ سيرَهْ
عدم المنحوس في جلْ ... لَق خصييه وأيره
ما أراه بعدها يط ... مع في جلد عميره
وله في الهزل:
إذا جاءني يوماً نعيّ أبي الوحش ... وأبصرته فوق الرؤوس على نعشِ
وقد جعلوا من نهر قلّوط غسله ... وكفِّن في كرش وألحِدَ في حشّ
وظل لم يلقاهُ من هولِ منكرٍ ... وشدة ضيق القبر يضرط كالجحش
بذلت لصحبي زقّ خمر وقينة ... وزخرفتُ داري بالنّمارق والفُرشِ
فإنْ قيلَ لي ماذا التكرّم والسّخا ... أقول لهم مات الوضيعُ أو الوحش
وله في الأديب أبي الوحش وقد وعده بليمو ولم ينفذه إليه:
أبا الوحش يا من غدتْ عرسه ... تجود بما بين أفخاذها
وعشرون مما حوى القطرميز ... بخلت علينا بإنْفاذها
وله من قصيدة يرثي الأمير الاسفهسلار أتابك زنكي بن آق سنقر ﵀ وهو شبيه بالهزل:
عينُ لا تذخَري الدموع وبكّي ... واستهلّي دماً على فقد زَنكي
لم يهب شخصَه الرّدى بعد أن كا ... نتْ لهُ هيبة على كل تُركي
ومنها:
خير ملك ذي هيبة وبهاءٍ ... وعظيم من الأنام بُزُرْكِ
يهَبُ المال والجياد لمن يمْ ... مَمهُ مادحاً بغير تلكّي
رُبّ بازٍ لصيدهِ وسلو ... قيّ وصقرٍ وباشقٍ وبلنْكِ
ضاع من بعده وعاش غزال ... ومَهاة وطيرُ ماءٍ وكُرْكي
ومنها:
لست أدري أمن بلادةِ حِسٍ ... ركّ شِعري أو من رخاوة فكّي
ومنها:
إنّ داراً تمدّنا بالرّزايا ... هي عندي أحقّ دارٍ بترْكِ
فاسكبوا فوقَ قبرِه ماءَ وردٍ ... وانضحوه بزعفرانٍ ومسكِ
أي فتكٍ جرى له في الأعادي ... عندما استفتح الرّها أيّ فتْكِ
إذ رمى كل نعمةٍ بزَوالٍ ... وانتقالٍ وكلّ سِترٍ بهتْكِ
следующие страницы →