← Тафсир

Тафсир · id 12820

غرائب التفسير وعجائب التأويل

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (1 278 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الكتاب: تفسير الكَرْمانِي (غَرَائِبُ التَّفْسِيرِ وعَجَائِبُ التَّأْوِيلِ) المؤلف: تاج القراء / محمود بن حمزة الكَرْمانِي دار النشر: دار القبلة للثقافة الإسلامية - جدة مؤسسة علوم القرآن - بيروت عدد الأجزاء: ٢ تنبيه: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] (فائدة مهمة لفهم هذا الكتاب) قال مصنف الكتاب -رحمه الله تعالى - عند تفسيره سورة الفلق: " وكل ما وصفته بالعجيب ففيه أدنى خلل ونظر ".

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ رب يَسر وتَمم بالخيرِ قال الشيخُ الإمام، سعد الإسلام، برهان الدين، ضياء الأئمة. جمال العلماء، قطب الأفاضل، زين المفسرين ورئيس الفريقين، تاج القراء أبو القاسم محمود بن حمزة بن نصر الكرماني ﵀ وبرد مضجعه -: نَبْدَأ بسمِ الله ونحمده ونعبدهُ ونَستعينه ونستهديه، ونصلي على محمد خيرِ البرية وعلى آلهِ ونسلم تسليماً. وبعد: فَإن أكثرَ العلماء والمتعلمين في زماننا يرغبون في غرائب تفسير القرآن وعجائب تأويله، ويميلون إلى المشكلاتِ المعضلات في أقاويله. فجمعت في كتابي هذا منها، ما أقدر أن فيه مقنعاً لرغبتهم ومكتفىً

стр. 3

لطلبتهم، لِمَا روي عن النبي - صلي الله عليه وسلم - أنه قال - "أعَرِبوا القرآنَ والتمسُوا غرَائبَة، فإن الله يحب أنْ تعربَ آي القرآن "، ولما ذكر ابن عباس ﵁: أن هذا القرآن ذو شجونٍ وفنون وظهور وبطونٍ، لا تنقضي عجائِبه، فمن أوغلَ فيه برفقٍ نجا. ومن أوغل فيه بعنف هوى". وأوجزت ألفاظهُ من غيرِ إطناب، فإن مجتَنى كنوز العلم في اختياره وحسنِ جَمْعهِ واختصارِهِ. ولم أشتغل بذكرِ الآيات الظاهرة والوجوه المعروفة المتظاهرة. ولا بذكر الأسباب والنزولِ والقصص والفصولِ. فإني قد أودعت جميع ذلك في كتابي الموسوم بـ " لباب التفاسير". من غير إفراطٍ مني فيه ولا تقصير. مستعيناً بالله ومعتمداً عليه إنه ولي الإعانة والتوفيق.

стр. 4

سورة الفاتحة من غريب ما ذكر فيه ، أن أصله [بسِمِ - بثلاث كسرات - كسرة الباء. وهي] مختصة به، لأنه تجرد لعمل الَجر، فجعل من عمله عليه علامة. وكسرةُ السين، وهي على لغة من قال: سِم - بكسر السين -، وأنشد: بِسمَ الذي في كلِّ سورَة: سِمُه. وكسرةُ الميم، وهي إنجرارهُ بالباء، فسكن السين، لتوالي الكسرات، وهو مما رفض من كلامهم، حتى لم يأت في الأصول كسرتان متواليتان، إلا في قولهم " إبِل " و " إطِل " و " امراةُ بلز " أي عجوز، و "أتان"

стр. 5

"إبِد"، أي تلد كل عام. وقال بعضهمْ بِسم - بضم بين كسرتين -. والضم فيه لغة، وأنشد البيت بالوجهين، ثم سكن السين، إذ ليس في كلامهم خروج من كسر إلى ضم بناءً لازما. وهذان القولان أشد موافقة للإمام، لأنه فيه بغير ألف. وفي الاسم لغات، اِسم، واُسْمُ - بالضم -، وسِم - بالكسر -. وسُم - بالضم -، وسمى مثل هدى، واشتقاقه من السمو، لأن الاسم يسمو مسماه، ويعلوه، وأصله سِمْو كقِنْو وحِنْو، نُقل الإعراب من اللام إلى العين، وحذِفَ اللام، ونقِل سكون العين إلى الفاء على غير قياس. فتعذر الابتداء به، لسكونه، فَزِيدَ في أولهِ ألف الوصل تَوصلاً إلى النطق به. وليكون جبرا له من حذف لامه، وإذا جمع رُدَّ إلى الأصل، وكذلك في التصغير، تقول في الجمع: أسماء كأقناء وأحناء، وفي التصغير، سُمي كقُني وحني. وذهب الكوفيون إلى: أن اشتقاقه من السِمة، وأصله وسم،

стр. 6

والاسم سمة للمسمى وعلامة له، ثُم حذِف فاؤه وزيدَ في أَولهِ ألف الوصل. وذهب بعض منهم إلى: أن الواو قلِب همزة كإعاء وإشاح، ثم كثر استعماله، فجعل ألف وصل، والجمع والتصغير، والفعل سَمي تسمية. وعدم النظير يدل على بطلان قولهم. وعند الجمهور: أصل بسم باسْمِ، كما في قوله: (اقْرَأ باسْم ربكَ " و " فَسح بِاسْم رَبَك"، و " بئس الاسْم الفسُوق) لكنًّ الألفَ حذِفَ من الخطَ لعلتين، إحداهمَا: كونه ألفَ وصل. والثانيةْ كثرة الاستعمال، ولم تُوجدْ إحدى العلتين في باسم ربك و " بئس الاسم " فلم تحذف. وهاتان العلتان غير كافيتين، لأنهما وجدتا في ألف الله من "بسم الله " ولم تحذف، وإنما يتم إذا أضيفت إليهما علة أخرى. - فقلت: ولاتصال الباء بـ " اسم " وامتزاجه به، بحيث لا يمكن فصله عنه، بخلاف اتصال بسم بالله، فإنه يمكن فصله عنه والوقف عليه في الإِملاء والاستملاء. ووزن اسم عند البصريين على اللفظ إفعٌ، ووزن "سِم " فعٌ " ووزنه عند الكوفيين "إعلٌ " أو " فعل "، على من جعل الهمزة بدلًا من

стр. 7

الواو. ومحل "بسم الله " من الإعراب رفع عند البصريين، وتقديره: ابتدائي بسم الله، فحذف المبتدأ، وعند الكوفيين نصب بإضمار فعل هو خبر أو أمر، نحو: أبدأُ بسم الله أو أبدأ بسم الله. العجيب: " بسم الله " قسم في أول كل سورة. وأجاز الأخفش والكسائي حذف الألف من (اقْرأ بِاسْمِ رَبًكَ، و " فسبح باسْم رَبك " و (بئس الاسْمُ) . وخالفا في ذلك جميع القراء - والله أعلَم -. ومن عجيب ما ذكر فيه: قول سليمان بن يسار: الباء: بريء من الأولاد، والسين: سميع الأصوات، والميم: مجيب الدعوات. وقول سهل بن عبد الله التستري: الباء: بهاء الله، والسين: ثناء الله، والميم:

стр. 8

مجده. وقول أبي بكر الوراق: الباء من بسم الله على ستة أوجه: بارىء خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه هو الله الخالق البارىء، ثم أخذ يعد الوجوه، قال: والسين على خمسة أوجه: والميم على اثني عشر وجهاً. وعد الوجوه. وهذه وأمثالها يجب الاستغفار منها، لأن هذا ربما يسوغ في المقطعة من الحروف، وأما ما ألفت وجعل اسما، وأفعالاً وأدوات فلا يسوغ فيها هذا بوجه من الوجوه. وحكى الفراء عن الكسائي: أن العرب تقول: اسم - بكسر الألف -، وأسم - بضمها -، فإذا طرحوا الألف، قال الذين لغتهم كسر الألف: سِم - بالكسر -، وقال الذين لغتهم ضم الألف: سُم - بالضم -، وقال بعضهم: هو أمر من سما يسمو، جعل اسما. وذهب أبو عبيدة إلى: أن الاسم زيادة، زِيد للفرق بين اليَمينِ والتيَمن. وأنشد: إلى الحوْلِ ثُمَّ اسم السلامِ عَلَيْكمَا. . . وَمَنْ يبْكِ حَوْلًا كَامِلاً فَقَد اعْتَذَرْ أي ثم السلام عليكم. وقال بعضهم: السلام في البيت هو الله، فلا يكون الاسم زيادة.

стр. 9

ومن غريب ما ذُكرَ في لفظ الله عز اسمه: أنَّ أصله لاها بالسريانية، حذف الألف من آخره وزيد الألف واللام في أوله. وقريب منه عند النحاة قول من قال: إلى أنه اسم علم غير مشتق. ومن عجيب ما ذكر فيه، ما حكاه أبو القاسم بن حبيب في تفسيره عن جماعة: أن أصل الله، هاء الكنابة، وذلك أنَّهم أشاروا إليه بما وضع في نفوسهم من دلائل الفطرة، إذْ لم يعلموا له اسماً موضوعاً، ثم أدخلوا على الكناية لام الملك، فصار له يعنون له الخلق والأمر، ثم مدّوا بها أصواتهم تعظيماً وتفخيماً، فقالوا: لاه، ثم وصلوا بلام المعرفة فصار الله. واعتماد المحققين على قول سيبويه: أحدهما: أنَّ أصله إِلَه. والثاني: أن أصله ل ي هـ "لَيه" وقوله - سبحانه -: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ) يشهد للقول الأول، وقراءة من قرأ - وإن كانت شاذة - تشهد للقول الثاني، وهي: "في السماء لاه وفي الأرض لاه ". وما حكاه أبو زيد: الحمد لاه رب العالمين، يحتمل الوجهين، لأنّ أصله لله

стр. 10

حذف الجار اكتفاءً بدليل عمله عليه، وهو الجر، وحذف لام التعريف. لأنَّ حذف التنوين يدل عليه، وبقى لاه، يجوز أنْ يكون من القول الأول بعد حذف الهمزة، ويجوز أنْ يكون من الثاني. ويختص اسم الله تعالى بأشياء لا يشاركه فيها غيره من أسماء الله سبحانه، ولا من سائر الأسماء، أحدها: أنْ ينادى بـ " يا "، والاسم إذا كان فيه الألف واللام ينادى بيا " أيها ". والثاني: قطع أَلِفه في باب النداء أيضاً، نحو: يا ألله بقطع الألف. والثالث: زيادة الميم المشددة في آخر - اللهم - عوضاً عن ياء النداء، وقد تحذف الألف واللام مع الميم، قال الشاعر: لا هُمَّ إنَّ عامرَ بن الجَهمَ والرابع: إدخال التاء عليه في القسم، نحو: تالله، ولا يجوز تالرحمن ولا غيره. الخامس: أنْ يبقى بعد حذف الجار مجروراً، وذلك في القسم أيضاً تقول: الله ما فعلت كذا. والسادس: تفخيم اللام إذا انفتح ما قبله أو انضم، نحو: إن الله، ويضرب الله، ومن القراء من يفخمه من الكسرة أيضاً، وفد ذكرت هذا مشروحا في شرح كتاب الغاية"، ولا يجوز تفخحم اللام في شيء سوى الله إلّا شاذا، وقول من قال أصله ولاه. غير مرضي عند النحاة، لأنه لا دليل لقائله عليه. ومن غريب ما ذكر في الرحمن الرحيم قول ثعلب، قال: الرحمن

стр. 11

اسم عجمي، ولهذا أنْكَرَتْه العرب على ما جاء في القرآن من قوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ) . قال: وهو بالسربانية الرخمن - بخاءٍ معجمة وأَنْشدَ: أو تتركون إلى القسس هجرتكم. . . ومسحكم صلب الرخمن قربانا الحسن: الله والرحمن اسمان ممنوعان لا يجوز لأحد من الخلق أنْ ينتحلهما، وهذا إجماع. قال الكسائي: الرحمن كان معروفاً عند العرب. وأنشد بيتاً جاهلياً: ألا ضربت تلك الفتاة هجينها. . . ألا قطع الرحمن منها يمينها وكانوا يسمون مسيلمة الكذاب رحمان اليمامة. قال شاعرهم: سموت في المجد يا ابن الأكرمين أبا. . . وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا ومسيلمة تسمى بهذا الاسم جهلا منه - لعنه الله -. ومن غريب ما جاء في - الحمد: أنه مقلوب "المدح، والفرق بينهما: أنَّ المدح يقع على صفات الذات وصفات الفعل، والحمد يختص بصفات الفعل، وقيل: الحمد والشكر واحد، والفرق بينهما: أن الله سبحانه يحمد ذاته، ولا يشكر، لأن الشكر يستدعي سابقة إحسان.

стр. 12

والألف واللام في الحمد للجنس، وقيل: للعهد، وقيل: للتفخيم والتعظيم، و "الحمد " رفع بالابتداء، والله خبره عند الجمهور. وحكى ابن حبيب قولاً غريباً، فقال: (الحمد) جواب الباء في قوله بسم الله " لأن هذا الباء يقتضي خبراً فكأنه قال بسم الله الحمد لله، فعلى هذا القول " الحمد " رفعاً بالابتداء و "بسم الله " خبره تقدم عليه، و"لله" حال من الحمد. وجل المفسرين على أن القول في الكلام مضمر تقديره، قولوا: الحمد لله. فتكون الجملة في محل نصب. " رب العالمين ". "الرب" من التربية، والتربية تبليغ الشيء إلى كماله على التدريج. وفي الفعل منه أقوال، أحدهما: رب الشيء يربه فهو راب، والشيء مربوب. والثاني: رباه تربية، قال (أَلَم نربكَ) والثالث: رببه تربيباً. وهذا أصله ربي، قلب الثالث من الباءات، ياء، والرابع: وهو غرب ربت تربيتاً، قال: سميتُها إذ ولِدت تَموت. . . والقبر صِهر ضامن زِمِّيت. ليس لمن ضمَّنة تربيت وليس هذا من تركيب الرب، إنما هو من تركيب "ربت"، ولعل هذا القائل، إنما ذهب إلى هذا، لأنه لم بجد على ترتيب ربت غير هذا، وله

стр. 13

وجيه، وهو أن يقال: قلب الباء، ياء - كما ذكرت - ثم قلب الياء تاء. و (العالمين) جمع عالم، والعالم، اسم لأشياء مختلفة لا واحد له من لفظه، واختلفوا في المَعْنِي بهم في الآية فذهب الحسين بن الفضل: إلى أَنهم الناس لقوله: (أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) . عطية العوفي: الجن والإنس، لقوله: (ليكون للعالمين نذيراً) . وقيل: الملائكة والإنس والجن، لأن اشتقاقه من العلم، والموصوفين بالعلم هم هؤلاء الثلاثة. وقيل: كل ذي روح، لأن لفظ الرب المنبىء عن التربية يدل عليه، وقيل: جميع الخلق، لقوله (رَبُّ كُلِّ شيْءٍ) ، وقيل: أهل كل زمان، لقوله: (وَفَضَّلْنَاهْمْ عَلَى العالمين) وجُل المفسرين على أن العالمين لا يحصى ولا يعرف عددهم، لقوله: (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ) . مقاتل بن سليمان: لو فسرت العالمين لاحتجت إلى ألف

стр. 14

جلد، كل جلد ألف ورقة. وذهب بعضهم إلى جواز ذلك. أبي بن كعب: العالمون: هم الملائكة، وهم ثمانية عشر ألف ملك، أربعة آلاف وخمسمائة بالمشرق، ومثله بالمغرب، وكذلك بالكتف الثالث والرابع. مع كل من الأعوان ما لا يعلم عددهم إلا الله، ومن ورائهم أرض بيضاء كالرخام، عرضها مسيرة الشمس أربعين يوماً، وطولها لا يعلمها إلا الله. مملؤة ملائكة، يقال لهم: الروحانيون، ولهم زجل بالتسبيح والتهليل، لو كشف عن صوت أحدهم هلك أهل الأرض من هول صوته، فهم العالمون ومنتهاهم إلى حملة العرش. وهب: لله ثمانية عشر ألف عالم، الدنيا عالم منها، وما العمران في الخراب إلا كفسطاط في الصحراء. عطاء بن أبي رباح: العالمون عشرة أصناف، الملائكة وآدم وذريته وإبليس وذريته. والجان وذريته، والبهائم والوحوش والسباع والطيور والهوام ودواب البحر. وأبو هريرة أطنب في ذكر العالمين، ثم قال: ومنهم مائة جزء في بلاد الهند فيهم ساطوح، رؤوسهم مثل رؤس الكلاب، ومالوخ وهم أناس أعينهم على صدورهم، وماسوخ، وهم أناس آذانهم كآذان الفيلة، ومالوق، وهم أناس لا تطاوعهم أرجلهم يسمون ذوال ياي، ويصير كلهم إلى النار. الضحاك: رأى ذو القرنين أمتين، بينهما طول الأرض كلها، أمة عند مغرب الشمس، يقال لها: ناسك، وأمة عند مطلعها، يقال لها: منسك. وأمتين بينهما عرض الأرض، أمة في الأيمن، يقال لها: هاويل، وأمة في

стр. 15

الأيسر، يقال لها: تاويل، قال وهب: اسمهما: ناريس وماريس، وأمماً وسط الأرض، منهم الجن والإنس، ويأجوج ومأجوج. قال الفراء: العالمين في الرفع والنصب والجر بالياء. ذكره في كتاب لغات القرآن " له. النقاش: العرب تقول فى الأحوال الثلاث: العالمين - بالياء - إلا قوماً من بني كنانة، وقوماً من بني أسد، فإنهم يقولون في الرفع: العالمون. (الرحمن الرحِيم) . تكرار فيمن جعل "بسم الله الرحمن الرحيم من السورة. وفي تكراره قولان: أحدهما: تأكيد، وأنشد علي بن عيسى: هَلّا سَألْتَ جُموعَ كـ. . . ندة يَوْمَ وَلَّوا أَيْنَ أَيْنَا فقال: كرر "أين للتأكيد. والثاني: ما قاله ابن حبيب: أي وجب الحمد لله، لأنه الرحمن الرحيم. قلت: إنما كُرّر لأن الرحمة هي الإنعام على المحتاج، ولم يكن في الآية الأولى ذكر المنعم عليهم، فأعادها مع ذكرهم، فقال: رب العالمين الرحمن لهم يرزقهم، الرحيم بالمؤمنين يوم الدين. قال النقاش: زعم قوم أن فيها تقديماً وتأخيرا، تقديره: الحمد لله الرحمن الرحيم رب العالمين، ثم قال: هذا تعسف شديد ما قاله أحد من

стр. 16

المتقدمين. قلت: أراد هؤلاء القوم بالتقديم تقديم "الرحمن" فحسب. لأنه يشبه الأعلام، والعلم بالتقديم أولى، وقدم الله على الرحمن لأنه ليس فيه شائبة وصف، وكأن معنى العلمية فيه أظهر. (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) . الأظهر فيه أنه نكرة، فلا يجري وصفاً على ما قبله، لأن إضافة اسم الفاعل إلى المعرفة، إذا كان بمعنى الحال والاستقبال لا يفيد تعريفاً، ولهذا قرىء مالكٍ - بالتنوين -، "يومَا - بالنصب -، كما قُرىء (موهنٌ كيدَ) ، و (بَالِغٌ أَمرَهُ) ، وجاز وصف النكرة به، كقوله: "هَدْياً بالغَ الْكَعْبَة) ، "عَارضٌ مُمْطرنا) وله وجهان: أحدهما، أن أَكْثر ألْفَاظ القيامة جاء بلفظ الماضي تحقيقا، فكان هذا أيضاً محمولًا على معنى المضي، فأفاد التعريف، والثاني: أنه مجرور بالبدل، والبدل يجري بين الأسماء على اختلاف أحوالها. واليوم: عبارة عن امتداد الضياء العام، واليوم من أيام الدنيا: عبارة عن وقت طلوع الفجر الثاني إلى وقت غروب الشمس. والعرب تقول: ليلة ليلاء، ويوم يَمِن وتقول لليوم الشديد: يوم ذو أيام، ويوم ذو أيائيم.

стр. 17

(إِيَّاكَ نَعْبُدُ) . في تقديم " إياك " قولان: أحدهما: تعظيماً لله - سبحانه - والثاني: قطعاً لمجال العطف، فإنّك إذا قلت: أضربك، أمكنك أنْ نقول: وزيداً. وليس كذلك إذا قدمت فقلت: إياك أضرب. و (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) ، وكرر "إِيَّاكَ"، لأنَّ كل واحِد منهما متصل بفعل يقتضيه، ولم يقتصر على أحدهما اقتصاره عليه في قوله: (ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى، وَوَجَدَكَ ضَالا فْهَدى) ، لأنه إذا حذف لم يدل على التقديم، وفي تأخير (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) ، وحقه التقديم، أربعة أقوال: أحدها: أن الواو للجمع لا للترتيب، والثاني: حقه التقديم وأخر للفاصلة، فإن الآي فواصل تجري مجرى القوافي للشعر، والثالث: تقديره إياك نعبد وإياك نستعين على عبادة أخرى نستأنفها. الرابع: نستعين على الهداية، وهي الثبات عليه. وفي محل الكاف " من إياك " ثلاثة أقوال: أحدها: لا محل له من الإعراب، وهو مذهب الأخفش، قال: إن "إيَّا" اسم مبهم يكنى به عن المنصوب، حولت الكاف والهاء والياء والواو والنون بيانا عن المقصود ليعلم المخاطب من الغائب ولا موضع لها من الإعراب، كالكاف فى ذلك وأَرَأَيتك. والثاني: محله يخفض بالإضافة، وهو مذهب الخليل والمبرد والزجاج. قال الخليل: "إيَّا" اسم مضمر أضيف إلى الكاف، وهو شاذ لا يعلم اسم مضمر أضيف غيره. وقال المبرد: "إيا" اسم بهم أضيف للتخصيص، ولا يعلم

стр. 18

اسم مبهم أضيف غيره. وقال الزجّاج: "إيَّا" اسم للمضمر المنصوب، إلا أنّه ظاهر يضاف إلى سائر المضمرات، نحو إيّاك ضربت. وموضع الكاف خفض بإضافة "إيَّا" إليها. والثالث: محله نصب وهو مذهب ابن كيسان، قال: إنَّ الكاف هو الاسم وإيّا أتي بها ليعتمد الكاف عليها، إذْ لا تقوم بنفسها، وللكوفيين قول رابع: وهو "إياك" بكماله اسم مضمر، وقالوا لا يعرف بتغير آخره فنقول فيه إياه وإيّاها وإيّاكم غير هذا. واختار أبو علي قول الأخفش وزيف ما سواه. (اهْدِنَا الصّراطَ) . كرر ذكر "الصراط لأن الصراط هو المكان المهيأ للسلوك، ولم يكن مع الأول ذكر للسالكبن، فأعاده مع ذكرهم، فقال: (صِرَاط الّذِيَن أَنعَمْتَ عَلَيْهمْ) ، أي من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، كما كرره في قوله "صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ) . لأنَّه لم يكن مع الأول ذكر المهىء، فكرره، فقال: صراط الله، أي الصراط الذي هيأه الله للسالكين. (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) . قال أبو علي: هو مجرور بكونه وصفا للذين أنعمت عليهم، لأن

стр. 19

حكم كل مضاف إلى معرفة أنْ يصير معرفة، وإنَّما تنكر "غير" و "مثل" مع إضافتهما إلى المعارف، من أجل معناهما، وهو الشياع والعموم، لأنك إذا قلت: جاءني غيرك، فكل شيء سوى المخاطب غيره، فأما إذا كان الشيء معرفة وله ضد واحد، ثم أضفت إلى ذلك الضد كان معرفة لا محالة، نحو عليك بالحركة غير السكون، والمنعم عليهم ضدهم المغضوب عليهم فغير المغضوب عليهم معرفة. وذهب غيره، إلى أنَه مجرور بالبدل، وقال بعضهم: لماكان الذين أنعمت عليهم لم يقصد بهم قصد أشخاص بأعيانهم قرب من النكرة , (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) وإن كان نكرة قريب من المعرفة للإضافة إلى المعرفة فتوافقا. (وَلَا الضَّالِّينَ) . قال الكوفيون: "لا" بمعنى غير، وتقديره، غير المغضوب عليهم وغير الضالين. وقال البصريون، "لا" زائدة، زيدت لِتَضَمّن غير معنى النفي، ولهذا جاز أنا زيداً غير ضارب، ولم يجز أنا زيداً مثل ضارب. والمضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف، لأن ذلك محمول على المعنى، تقديره: أنا زيداً لست بضارب. وفي الفائدة في زيادة "لا" ثلاثة أقوال: أحدها، ليعلم قطعاً أنَّه معطوف على المغضوب عليهم، لا على الذين أنعمت عليهم، لأنَّ اللفظ يحمل ذلك، وإنْ كان المعنى يأباه، ألا ترى أنك إذا قلت مررت بالقوم غير زيد والأمير، جاز أن يكون الأمير مجرورا بالعطف على زيد، وجاز أنْ يكون معطوفا على القوم. والثاني: لزوال توهم أنه وصف للمغضوب عليهم، لأن العرب قد تعطف النعت بالواو تقول: مررت بزيد الفقيه والأديب والشاعر. قال:

стр. 20

إلَى الْملِكِ الْقَرْمِ وَابْنِ الْهُمام. . . وَلَيْثِ الْكَتِيبةِ فِي الْمزْدحَمْ والثالث: أفاد إفادة نفيهما مجموعين ومتفرقين. والمراد بـ "المغضوب عليهم"، اليهود، و "الضالين" النصارى، وقيل: "المغضوب عليهم" اليهود والنصارى، وكان الله أنعم عليهم، ثم غضب عليهم لمّا كفروا بمحمد ﷺ والضالين سائر الكفرة، وقيل: المغضوب عليهم، اليهود والنصارى وسائر الكفرة، والضالين، أهل البدع. " آمين " المعروف فيه المد والقصر. والغريب: ما أجازه بعضهم من التشديد بمعنى قاصدين، وتقديره: ندعوك قاصدين بابك، راجين رحمتك، وقيل: نعبدك ونستعينك، قاصدين. وفيه بعد وخلاف الجمهور - والله أعلم -.

стр. 21

سورة البقرة مدنية، وهي فسطاط القرآن، وفيها خمسة عشر مثلاً، وخمسمائة حكم، وفيها آية الدين، وهي أطول آية في القرآن، كلماتها مائة وثلاثون، مشتملة على أربعة عشر حكما، وفيها آخر آية نزلت على رسول الله ﷺ وهي (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ) ، وعاش النبي ﷺ بعد نزولها سبعة أيام. بسم الله الرحمن الرجم (الم) . افتتاحها بالحروف، ومثلها معها تسع وعشرون سورة، ثلاث منها حروفها موحدة، ص - ق - ن، وتسع مثناة، طه - طس - يس - حم،

стр. 22

وثلاث عشرة - الر - طسم، واثتان، رباع، المص المر، واثنتان على خمسة، كهيعص - حم عسق، والأقاويل المعروفة سبقت في "كتاب لباب التفاسير"، وأذكر في هذا الكتاب الغريب منها على الشرط المذكور أول الكتاب. وجميع ما قالوا فيها - مع كثرتها - ترجع إلى ستة أصول: أحدها: أنها حروف التهجي بعينها، اقتصر على ذكر بعضها، كما قال: لما رأيت أمرها في حطي. . . وأخذت في كذب ولطِّ أخذت منها بقرون شمط. . . فلم يزل ضربي لها ومعطي حتى علا الرأس دم يغطي أي لما رأيت أمرها في أبجد، أي في أمر الصبيان واللط. والمعط: التمزيق. وأبجد وهوز وحطى وكلمن وسعفص وقرشت. أسماء ملوك مدين، في قول الشعبي. قال شاعرهم: ملوك بني حطي وهوز منهم. . . وسعفص أهل في المكارم والفخر هم صبحوا أهل الححاز بغارة. . . كمثل شعاع الشمس أوطالع الفجر قال الضحاك: إنّها أسماء الأيام الستة التي قال الله تعالى في القرآن

стр. 23

(خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) . قال هشام بن عروة: إنها أسماء مَن وضع الكتابة، وضعوها على أسمائهم، ثم ألحق بها الروادف، وهي ستة: ثخذ ضظغ. وروى معاوبة بن قرة عن أبيه عن النبي ﷺ أن " أب ت ث " حروف من أسماء الله تعالى. والقول الثاني أنها حروف ينبىء كل واحد منها عن اسم أو فعل. والثالث: أنها أسماء الله أقسم بها أو أسماء القرآن، أو أسماء السور. والرابع: أنها أسرار لا يمكن الوقوف عليها. والخامس: أنها المتشابهات (وما يعلم تأويله إلا الله) . والسادس: أن بعضها أفعال. ومن غريب ما ذكر فيه: قول ابن عباس: ان "الر، حم، ن ": هو الرحمن، وهذا قريب من القول الثاني. وعن سعيد بن جبير: أن هذه الحروف إذا ألفت كانت أسماء الله، وإنْ كنا لا نقف على تآليفها، لقول ابن عباس: الر حم ن هو الرحمن، وكذلك سائرها، إلا أنا لا نقدر على وصلها، والجمع بينها. قلت: تأملت في هذه الحروف وفي أوصاف الله

стр. 24

سبحانه، فاجتمع منها غير مكررة هذه الأسماء: هو حكم قسط علي ناصر. والعذر عن الواو أنها زيادة تتبع هاء الكناية. ومن الغريب: قول أبي العالية، ما منها حرف إلا في مدة قوم وآجال آخرين، فبنى على هذا القول، وقيل: إن هذه الحروف من حساب الجمل، وهي تدل على مدة بقاء الِإسلام، والمدة ستمائة وثلاث وتسعون سنة، ثم تقوم القيامة. قلت: وهذا باطل من ثلاثة أوجه: أحدها أنَّ هذا دعوى معرفة القيامة وذلك مما استأثر الله بعلمه، فقال: (إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ) ، وأمثالها من الآيات. والثاني: أن العرب لم تكن تعرف حساب الجمل، والقرآن نزل بلسان عربي مبين، وإنما كان هذا علماً يتعاطاه اليهود في ذلك الزمان، بدليل الخبر الذي رواه الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في (الم) قال: إن رهطاً من اليهود منهم كعب بن الأشرف وحُيي وجُديْ أبناء أخطب، وأبو لبابة دخلوا على رسول الله ﷺ فسألوه عن: " ألف لام ميم "، وقالوا: ننشدك الله الذي لا إله إلا هو، أحق أنها أتتك من السماء) : فقال ﷺ : نعم كذلك نزلت، فقال حُيي: لئن كنت

стр. 25

صادقاً إني لأعلم أجل هذه الأمة من السنين، ثم نظر إلى أصحابه: فقال: كيف ندخل في دين رجل إنما منتهى أجل أمته إحدى وسبعون سنة، فقال له عمر: وما يدريك أنَّها إحدى وسبعون؟ قال حي: أخذناها من حساب الجمل، فالألف واحد، واللام ثلاثون والميم أربعون، فضحك رسول الله ﷺ فقال حُيي: هل غير هذا، قال نعم، قال: وما هو؟. قال: المص قال حُيي: هذه أكثر من الأولى، هذه مائة وإحدى وثلاثون سنة، وقد تبين لنا أن في هذه تفسير الأولى، لأنه قال: (لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) ، فنحن المتقون الذين آمنا بالغيب قبل أنْ يكون، فهل غير هذا. قال: نعم، (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ) ، قال حُيي: هذه أكثر من الأولى والثانية، وقد أحكم فيهن، وفَصَّلَ، فنحن نشهد، لَئِنْ كنت صادقاً فما ملك أمتك إلا إحدى وثلاثون ومائتا سنة، فاتق الله ولا تقل إلا حقاً فهل غير هذا، قال: نعم (المر) إلى قوله: (لا يؤمنون) قال حُيي:، فنحن نشهد وأنا من الذين لا يؤمنون، ولا ندري بأي قولك نأخذ. فقال أبو ياسر، أما أنَا فأشهد بما أنزل على أنبيائنا إنَّهم قد أخبروا عن ملك هذه الأمة ولم يوقتوا كم يكون، فإنْ كان محمد صادقاً فيما يقول، إنّي لأراه سيجمع له هذا كله، فقام اليهود، وقالوا: أشبهت علينا أمرك، فلا ندري أبالْقَليل نأخذ أم بالكثير، فأنزل الله تعالى: (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ)

стр. 26

يعني بالمتشابهات: (الم والمص والمر) . والثالث: أنه أخذ حساب الجمل غير مكرر، ولو أخذه مكرراً لكان أضعافاً. ومن العجب فيها: ما ذكر في (حم عسق) أنَّ المراد بها رجل يقال له: أبو عبد الله ينزل على نهر من أنهار المشرق يبني عليه مديتين. حكاه في تفسيره الثعلبي، ورواه مرفوعاً أيضاً. ومن العجب في حم عسق: قول من قال: الحاء: حرب علي ومعاوية، والميم: ولاية المروانية، والعين: ولاية العباسية، والسين: ولاية السفيانية. والقاف: قدرة مهدي، ثم قال: أردت بذكر ذلك أن تعلم أن فيمن يدعى العلم أيضاً حمقى. ومن الغريب: ما حكاه النقاش في تفسيره: أن الله تعالى لما بشر أهل الكتاب بمحمد ﷺ أخبرهم بعلامته، وعلامات كتابه، وكان "الم" من تلك العلامات التي أخبرهم بها، فقال "الم ذلك" أي الم علامات ذلك الكتاب الذي بشرتم به. ومن العجيب جدا: ما حكاه ابن حبيب في تفسيره: أنه قال بعضهم: معنى ألف، ألف الله محمداً فبعثه نبياً، ومعنى لام، لامه الجاحدون، ومعنى ميم، مِيمَ الجاحدون المنكرون، من الموم وهو البرسام. قال: وقال

стр. 27

بعضهم: (الم) تنبيه، معناه ألم كقوله: (ألَمْ ترَ كيْفَ) ، قال: وهو لا يفيد معنى، إذا قلت: "الم ذلك الكتاب "، قال: وقال بعضهم: هو جواب التلبية، جعله من الإلمام - والله أعلم -. (ذَلِكَ الْكِتَابُ) . إشارة إلى ما تقدم من القرآن، وقيل: إشارة إلى الموعود. وقيل: "ذلك " بمعنى هذا. وقيل: الإشارة إذا كانت إلى غير عين جاز بذلك، وبهذا كقوله: (وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ) . ثم قال: (هَذَا مَا تُوعَدُونَ) ، (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ) ثم قال: (ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ) . وذهب جماعة إلى أن النبي ﷺ قال: (إن الله وعدني حين بعثني إلى قريش وسائر الناس، أنْ يُنْزل عليَّ كتاباً لا يمحوه الماء، فلما نزل، قال: ذلكَ الكتابُ، أي الذي وعدتك أنّى أنْزله عليك ". والكتاب القرآن، وقيل: اللوح المحفوظ، وقيل: التوراة. وقيل: القدر، واشتقاقه من الكتابة، أي من شأنه أنْ يكتب، وقيل من الكَتْب وهو الجمع، فِعَال بمعنى مفعول.

стр. 28

(لَا رَيْبَ فِيهِ) اعترضت الملحدة، وقالوا: ما معنى (لَا رَيْبَ فِيهِ) ؟ وقد نرى من يرتاب فيه، فأجاب عن هذا جماعة، فقالوا: هذا نفي معناه النهي، أي لا ترتابوا فيه، كقوله: (فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) ، أي لا ترفثوا، ولا تفسقوا، ولا تجادلوا. وقال بعضهم: تقديره لا ريب أن فيه هدى، والقول الأول فيه نظر دقيق في العربية، وذلك أن قوله: "فيه" غير متعلق بالريب، لأنَّ ذلك يستدعي تنوين (ريب) ، بل هو متصل بمقدر كسائر الظروف، وإذا جعلته فعلاً اتصل به ضرورة، اللهم إلَّا أنْ يجعل من باب ما قضيته الإعراب يخالف المعنى، كما قيل: عَجِبْت لِمَسْرَاهَا وَأنى تَخَلَّصَتْ. . . إليَّ وَبَابُ السجِن دوني مُغْلَقُ فمعنى البيت: عجت لِمسراها وتخلصها إلي، والباب مغلق. والإعراب يأبى هذا، لأن قوله: "وأنى تخلصت استفهام "، والاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. والقول الثاني فيه بعد أيضاً، لأن إضمار "أن " لا يجوز، لا تقول علمت زيداً قائم، وأنت تريد علمت أن زيداً قائم. وقيل: معناه لا سبب ريب فيه. وقيل: لم يقصد بهذا الخبر إضافة ذلك إلى الاعتقاد والمعتقدين. وإنَّما أراد أنًه صدق وحق في نفسه، كقول الشاعر: لَيْسَ فِي الْحَقِّ يَا أُمَيْمَةُ رَيْبٌ. . . إِنَّمَا الرَّيْبُ مَا يَقُولُ الكَذُوبُ وقيل تقديره: ذلك الكتاب غير شك هدى، والجواب المرضي ما قاله: ابن بحر: إِنه نفى ما نسبوا إلى القرآن من السحر والكهانة والشعر.

стр. 29

والريب: الشك من تهمة للمشكوك فيه، والشك: تردد بين معتقدين. تقول: أنا شاك في طلوع الفجر، ولا تقول: أنا مرتاب. ومحل "هدى": رفع، أي هو هدى، ويجوز أن يكون خبر المبتدأ، أي ذلك الكتاب هدى. ويجوز أنْ يكون خبراً بعد خبر، الخبر الأول: لا ريب فيه. والثاني: هدى. ويجوز أنْ يكون رفعاً بالابتداء "فيه" خبره، ويجوز أن يرتفع ب "فيه" عند الكوفيين، فهذه خمسة أوجه. ويجوز أن يكون نصبا من وجهين. أحدهما: أنْ يكون حالاً من الكتاب، كقوله تعالى: (وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا) . والثاني أن يكون حالاً من الهاء، والعامل فيه الظرف. قالت الملحدة: إذا قال (هدى للمتقين) فقد علم أنه ليس بهدى لغير المتقين. الجواب: خص المتقون بالذكر لانتفاعهم به، وتخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عنداه. (بِالْغَيْبِ) . قيل: هو الله تعالى، وقيل: القرآن، وقيل: لا إله إلا الله، وقيل: الآخرة وما فيها: وقيل: القدر. وقال الأخفش: يؤمنون بما غاب عنهم من علم القرآن على التفصيل، ويصدِّقون بجملته أنه حق لا ريب فيه. و"بالغيب" مفعول به، وقيل: يؤمنون بظهر الغيب، كقوله: (يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ) ، ومحله نصب على الحال، والمفعول محذوف، أي يؤمنون بالمعارف، ومحل (الذين) و (الذين) جر بالصفة، ويجوز أنْ يكون

стр. 30

رفعا بالخبر، أي هم الذين، ويجوز أن يكون نصباً على المدح، بإضمار أعني، ويجوز أن يرتفعا بالابتداء. و"أولئك" الخبر، ويجوز أنْ يكون، "والذين" قطعا للأول رفعاً بالابتداء، "أولئك" خبره. قوله: (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) فيه سؤالان، أحدهما: للملحدة، وهو: أنهم قالوا: الكافر أيضاً ينفق من رزقه، والثاني للقدرية، وهو: أنهم قالوا: إنَّ الله مدحهم على إنفاقهم من رزقهم، فدل على أن الحرام ليس برزق. والجواب عن الأول من وجهين: أحدهما: أنَّ الإنفاق في الآية الزكاة والصدقة، وليس ذلك من فعل الكفار، والثاني: أن الكافر لا يقر بأنه ينفق من رزق الله بخلاف المؤمن. والجواب عن الثاني: أن الرزق قد يكون حلالاً، وهو ما يكون من ملكك، وقد يكون حراما، وهو ما يكون من ملك غيرك، ولا يزول عنه اسم الرزق لامتناعه عن الدخول في الملك، فإن البهائم مرزوقة، وإنْ لم يكن لها ملك. (وَبِالْآخِرَةِ) . أي بالدار الآخرة، وقيل: بالنشأة الآخرة، وسميت الآخرة، لأنَّها تأخرت عن الخلق، كما سميت الأولى دنيا لدنوها منهم، وقيل: لتأخرها عن الدار الأولى. (يوقنون) فيه زيادة وصف لم يدخل تحت الِإيمان، لأن المقلد مؤمن غير موقن، واليقين علم يحصل بالدليل. قوله: (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ) . أعاد ذكر الهدى، وكان في ذكر الأولى معنى، لبيان أن الهدى المذكور من الله لا من غيره، كما زعم بعضهم، أنَّ الهدى من عند أنفسهم. (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ) .

стр. 31

فإنْ قيل: فما الفائدة في بعث الرسل إذا، قيل: (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) . فإنْ قيل: قد آمن كثير منهم، ولا خلفَ في إخباره سبحانه - لامتناع الكذب عليه، قيل: الآية نزلت في أقوام أخبر أنهم لا يؤمنون، فكان كما أخبر، فصار آية لنبيه ومعجزة لنبوته. واختلف المفسرون فيهم، فقال بعضهم: نزلت في أبي جهل وخمسة من أهل بيته، وقيل: نزلت في الذين فتُلوا يوم بدر، وقيل نزلت في قوم من أحبار اليهود كتموا نعته وصفته حسدا وعنادا، وقيل: نزلت في قوم من المنافقين من الأوس والخزرج. وقيل: في (الذين ختم الله على قلوبهم) ، الأية. قوله: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ) رفع بالابتداء. (أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ) الخبر. وخلو الجملة من العائد لا يمنعها من الخبر، كقول الشاعر: حرامٌ عليَّ لا أرى الدهرَ باكياً. . . على شَجْوِه إلا بَكَيْتُ على صَخْرِ ولا يجوز أن يجعل الجملة مبتدأ، و "سواء" خبره، لأنها لا تقع مبتدأ قط، ولأن الاستفهام لا يتقدم عليه خبره. وأما قوله: (سَوَاءً الْعَاكِفُ) ، ف "سَوَاءً" الخبر، وهو مصدر لا يثنى، وكذلك إذا قلت: سواء على الإنذار وترك الإنذار، لأن العلة زالت، وهي كونها جملة، والألف فيه للتسوية. وقوله: (لَا يُؤْمِنُونَ) يجوز أنْ يكون خبراً بعد خبر لـ "إنَّ" ويجوز أنْ يكون

стр. 32

هو الخبر و (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ) اعتراض، ويجوز أنْ يكون (لَا يُؤْمِنُونَ) استئنافاً أي " هم لا يؤمنون، ويجوز أنْ يكون دعاء أي لا آمنوا، ولا يمتنع أن يكون حالًا من "هم" كما تقول: جاءني زيد لا يضحك، أي غير ضاحك. قوله: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) مجاهد: الرين أيسر من الطبع، والطبع أيسر من الإِقفال، والإقفال أشد ذلك، وعن مجاهد أيضاً: أن القلب مثل الكف، فإذا أذنب العبد ذنبا ضم منه كالأصبع، فإذا أذنب ذنبا ثانياً ضم منه كالأصبع الثانية، حتى يضم جميعه، ثم يطبع عليه بطابع. وفي معنى الختم أقوال: والغريب منها هو: حفظ ما في قلوبهم حتى يجازى عليه، من ختم ما يراد حفظه، وقيل: تشبيهاً لما شد وختم عليه، وقيل: هذا ذم من الله لهم وإخبار عن إعراضهم، وقيل: نكتة تعرفهم الملائكة بها. قوله: (وَعَلَى سَمْعِهِمْ) ، إنما وحد لأنَّه مصدر، وقيل: اكتفى بجمع المضاف إليه، كقول الشاعر: كُلُوا في بعض بَطْنِكُم تَعِفُّوا. . . فإنَّ زمانَكمْ زَمَنٌ خَمِيصُ وقيل: لوقوعه بين جمعين، وقيل: جمع سامع، كأنه جعل الأذن عضواً سامعاً. (وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) ، من المفسرين من أجاز تضعيف العذاب على جزء واحد، ومنهم من لم يجز، وقيل: إنَما هو دوام العذاب

стр. 33

بحيث لا يتخلله فرجة، قال، ولا يكون الشيء أسود من آخر، بل يتخلل أحدهما شيء من البياض، ووقف بعضهم على قوله "وسمعهم" وجعل الغشاوة على البصر خاصة، لقوله: (وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً) ، وهو قول ابن جريج. والغشاوة: الغطَاء. أبو حذيفة: هي المكبَّة، وقيل: هي العمى، وليس من لفظه فعل، والأكثرون على أن "غشى" من بنات الواو، قلب الواو ياء كرضيَ بدليل الرضوان، والغشيان، يقوي القول الأول. (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ) قال مجاهد: أربع آيات من أول سورة البقرة نزلت في المؤمنين. وآيتان في الكافرين، وثلاث عشرة في المنافقين يعني منافقي اليهود. قوله: (وَمَا هُمْ) جمع، لأن الناس اسم جمع، وقيل: لأنَّ (مَنْ) اسم مبهم، ولفظه موحد مذكَّر، ومعناه، قد يكون جمعاً وتثنية - قال الشاعر: تَعَشَّ فإنْ عاهَدْتني لا تخونُني. . . نكنْ مثلَ مَنْ يا ذئبُ يصطحبان

стр. 34

ومؤنثاً كقوله تعالى: (وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا) ، وذهب بعض النحويين، إلى أنه إذا حمل على معنى الجمع لا يجوز الرجوع إلى لفظ الواحد، وقد جاء في القرآن بخلاف ذلك، وهو قوله (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (١١) . (يُخَادِعُونَ اللَّهَ) . قيل: تقديره: يخادعون رسول الله، فحذف المضاف. وقيل: ذكرِ الله ها هنا للتعظيم وإنكار على جرأتهم، كما ذكر للتعظيم أيضاً في: (فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ) - وسياتي في موضعه إنْ سْاء الله -، وقيل: يخادعون عند أنفسهم، على التقدير، والجمهور: على أن المعنى يعملون عمل المخادع وفاعَلَ ها هنا بمعنى فعل، كقوله: عافاه الله، وعاقبت اللص. (وَمَا يَخْدَعُونَ) على الأصل، وقيل، هو من باب قامرته فقمرته. أي قصدوا الخداع، ثم لم يخدعوا إلا أنفسهم. قوله: (وَمَا يَشْعُرُونَ) أي لا يعلمون أنًهم يخدعون أنفسهم، والشعر: يطلق على علم دقيق ثتق عن الشعر، وقيل: علم يحصل بِالْحس. من من الشعار، وهو الثوب الذي يلي الجسد ويحس به. (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) . أي ظلمة، قال الشاعر: في ليلةٍ مَرِضَتْ من كلِّ ناحيةٍ. . . فما يُحَسُّ بها نَجمٌ ولا قَمَرُ

стр. 35

وقيل: غم وشك ونفاق. وحقيقة المرض خروج المزاج من الاعتدال. (فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا) قيل: إخبار، وقيل: دعاء. (بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) الكذب نقيض الصدق، وهو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه، والتكذيب نسبة المخبر إلى الكذب. وقول الشاعر: فإِذا سمعتَ بأَنَّنى قد بِعْتُه * بوِصالِ غانِيَة فقل كُذُّبْذُب قال أبو زيد: معناه كاذب. قال أبو عمرو: معناه كذب. وقولهم: كذب عليك إخباره بفقده مع تحريض على تحصيله. قوله: (كَمَا آمَنَ النَّاسُ) . علي بن الحسين بن واقد: هو النبي ﷺ . قوله: (أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ) قالوها تعريضاً لا تصريحاً. وقيل: قالوها في خلواتهم. قوله: (خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ) . مضوا إليهم، تقول: خلا معه وإليه وبه. قال الأخفش: ويقال خَلَا بِهِ إذا هزىء به. قال الحسن: الشياطين مردة الجن، وإبليس أصلهم،

стр. 36

وشياطن الإنس مردتهم، وآدم ﵇ أبوهم، (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) ، سمى الثاني باسم الأول ازدواجاً للكلام، وقد يسمى الأول باسم الثاني، كقوله: (كما تدين تدان) ، والأول ليس بجزاء، وقيل: استهزاء الله بهم ما أظهر لهم في الدنيا خلاف ما أعدَّ لهم في العقبى. قوله: (اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى) . الباء في الاشتراء يدخل المبذول، وفي البيع يدخل المطلوب. واشتقاقه من الشروى وهو المثل. (فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ) فجاز وسعة، كإضافة (مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) . (وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) إلى الدين، وقيل: إلى التجارة. (اسْتَوْقَدَ) : بمعنى أوقد، وقيل: سأل غيره أن يوقد. (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) "الباء" هنا بمنزلة "الألف" في "اذهب"، وليست كالباء في "مررت به" فإنك تقول: ذهب بزيد فهو ذاهب، ومررت بزيد فهو ممرور به. (أَوْ كَصَيِّبٍ) . "أَوْ" هنا - كالواو عند بعضهم: وعند الزجاج: للتخيير،

стр. 37

ولا يكون ذلك إلا مع الأمر، فإن قدرت مثلهم به أو بهم استقام كلامه. والتقدير: كأصحاب صيب. فحذف. والصيب: المطر. ابن عباس: الصيب: السحاب. قوله: (فيه) يعود إلى الصيب. وقيل: إلى السماء فيمن ذكر قال: فلو رَفَعَ السماءُ إليه قوماً. . . لَحِقْنَا بالسماءِ مَعَ السحابِ وقيل: إلى الليل كناية عن غير مذكور. الرعد: اسم ملك موكل بالسحاب، سمي صوته باسمه رعداً، وقيل: ريح تختنق تحت السحاب، وقيل: صوت اصطكاك أجرام السحاب، والبرق: ضرب الملك بسوط من نور. علي ﵁ الرعد ملك، والبرق ضربه بمخراق من حديد، وقيل: ما ينقدح من اصطكاك الأجرام، واحد الأصابع أصبع، كلما يمكن أن ينطق به في الأصبع من الأبنية فقد تكلموا به. (عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) . الشيء: ما يذكر ويخبر عنه، وهو أعم العموم وأخص الخصوص، هذا إذا أشرت به إلى واحد بعينه بحضرتك. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) . الأسماء إذا كان فيها الألف واللام، لا تنادى ب "يا"، لأن "يا" للتعريف، والألف واللام للتعريف، فلا يجمع بينهما إلا في اسم الله خاصة. وقد سبق، فتوصلوا إلى ندائه بواسطة "أي"، وهو اسم مبهم لا يستعمل إلا

стр. 38

مضافاً في الاستفهام والخبر والشرط، فزيدَ فيه هاء التنيه عوضا عن الإضافة. وقول الكسائي: أصله يا أيهذا الرجل، فحذف "ذا" غير مرضي عند البصريين، والناس صفة لازمة لـ "أي"، وهو مرفوع، لأن البناء لما اطرد في المفرد تشبه بالمرفوع. قال الأخفش: الناس صلة لـ "أي"، والتقدير: يا أيها هو الناس، فحذف هو من الصلة. ولم يوافق الأخفش أحدٌ من البصربين. وأجاز المازني، في "الناس" النصب على القياس في وصف المفرد المفرد، ولم يوافقه أحد، ولا قرىء به. قوله: (اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) قيل: وحد وه، وقيل: (طيعوه. قوله: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) موضوع (لعل) للشك، والله سبحانه منزه عن الشك، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: قول سيبويه، قال، ذلك للمخاطين أي افعلوا ذلك على الرجاء والطمع أن تتقوا، ومثله: (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) ، أي اذهبا إليه على رجائكما. والثاني: قول قطرب، وأبي علي، قالا: هو بمعنى "كي"، أي لتتقوا. والثالث: قال أبو بكر بن الأخشيد:

стр. 39

معناه التعرض للأمر، أي افعلوا متعرضين. للتقوى، حكاه ابن عيسى. (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً) الفَرش: البَسط، والفراش: المبسوط للتوطئة. ابن عباس: الفراش المنام، أي مناماً للخلق، والبناء. الوضع على الأساس. الزجاج: ما علا الأرض بناء. استدل أكثر المفسرين على أن شكل الأرض بسيط، قالوا: وكل سماء منطبقة على الأخرى مثل القبة. والسماء الدنيا ملتزقة بالأرض فيها أطرافها. غيرهم: شكله كرى، والسماء بمعزل عنها. (وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ) أي من جهة السماء، قيل: من السحاب. وقيل: من سماء الملائكة، وفيها بحارمن ماء وجبال من برد. قوله: (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) قيل: المراد به ها هنا تعقلون. (مِنْ مِثْلِهِ) . "الهاء" تعود إلى "مَا" وهو القرآن: و (مِنْ) صلة. وقيل: للتبعيض، وقيل: للتبيين، وقيل: إلى محمد ﷺ وقيل: إلى الأنداد، كقوله: (نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ) ، وقيل: الخطاب لعلماء

стр. 40

اليهود، أي فلتحضروا سورة من مثل القرآن، يعني التوراة، حتى تعلموا أوفاقهما، فيكون الهاء عائداً إلى القرآن، والمثل هو التوراة. (وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) أي من يشهد أنه مثل القرآن. قوله: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ) . ذهب جماعة من المفسرين: إلى أن التقدير، فإن لم تفعلوا هذا فيما مضى ولن تفعلوا فيما يستقبل، وهذا غير مرضي عند الفقهاء والنحاة، لأنه إذا قال: إنْ دخلت الدارَ فأنتِ طالق، وإن لم تدخلي الدار فأنت طالق، يقع على دخول مستأنف، ولا يتعلق بالماضي ألبتة، وهذا إجماع. وقال النحويون: "لَمْ" إذا دخل المستقبل نقله إلى معنى الماضي، وإن الشرطية إذا دخل الماضي أو ما بمعنى الماضي نقله إلى معنى المستقبل. واستثنى الزجاج "كان" من الباب، واستدل بقوله (إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ) فرد عليه أبو علي، وقال: تقديره: إن أكن قلته، وكذلك إذا قال: إن كنت دخلت الدار فأنت طالق، أي إن تكوني دخلت فالطلاق يقع بقوله: دخلت، وهو ماض، كما كان، لأن "إن" مسلط على تغيير ما يليه فحسب. ومثله (إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ) وقول الشاعر: إذا ما انْتَسَبْنا لم تَلِدْني لئيمةٌ. . . ولم تجدي من أن تقري به بُدَّا أي لم تجدي مولود لئيمة، وقول الآخر: أتغضَبُ إنْ أُذْنا قتيبةَ حُزَّنا. . . جِهاراً ولمْ تَغْضَبْ لِقتْلِ ابن حازم
следующие страницы →