وشياطن الإنس مردتهم، وآدم ﵇ أبوهم، (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) ، سمى الثاني باسم الأول ازدواجاً للكلام، وقد يسمى الأول
باسم الثاني، كقوله: (كما تدين تدان) ، والأول ليس بجزاء، وقيل: استهزاء الله بهم ما أظهر لهم في الدنيا خلاف ما أعدَّ لهم في العقبى.
قوله: (اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى) .
الباء في الاشتراء يدخل المبذول، وفي البيع يدخل المطلوب.
واشتقاقه من الشروى وهو المثل.
(فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ)
فجاز وسعة، كإضافة (مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) .
(وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) إلى الدين، وقيل: إلى التجارة.
(اسْتَوْقَدَ) : بمعنى أوقد، وقيل: سأل غيره أن يوقد.
(ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ)
"الباء" هنا بمنزلة "الألف" في "اذهب"، وليست كالباء في "مررت به" فإنك تقول: ذهب بزيد فهو ذاهب، ومررت بزيد فهو ممرور به.
(أَوْ كَصَيِّبٍ) .
"أَوْ" هنا - كالواو عند بعضهم: وعند الزجاج: للتخيير،
стр. 37
ولا يكون ذلك إلا مع الأمر، فإن قدرت مثلهم به أو بهم استقام كلامه.
والتقدير: كأصحاب صيب. فحذف.
والصيب: المطر.
ابن عباس: الصيب: السحاب.
قوله: (فيه) يعود إلى الصيب. وقيل: إلى السماء فيمن ذكر
قال:
فلو رَفَعَ السماءُ إليه قوماً. . . لَحِقْنَا بالسماءِ مَعَ السحابِ
وقيل: إلى الليل كناية عن غير مذكور.
الرعد: اسم ملك موكل بالسحاب، سمي صوته باسمه رعداً، وقيل: ريح تختنق تحت السحاب، وقيل: صوت اصطكاك أجرام السحاب، والبرق: ضرب الملك بسوط من نور.
علي ﵁ الرعد ملك، والبرق ضربه بمخراق من حديد، وقيل: ما ينقدح من اصطكاك الأجرام، واحد الأصابع
أصبع، كلما يمكن أن ينطق به في الأصبع من الأبنية فقد تكلموا به.
(عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) .
الشيء: ما يذكر ويخبر عنه، وهو أعم العموم وأخص الخصوص، هذا
إذا أشرت به إلى واحد بعينه بحضرتك.
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ) .
الأسماء إذا كان فيها الألف واللام، لا تنادى ب "يا"، لأن "يا"
للتعريف، والألف واللام للتعريف، فلا يجمع بينهما إلا في اسم الله خاصة.
وقد سبق، فتوصلوا إلى ندائه بواسطة "أي"، وهو اسم مبهم لا يستعمل إلا
стр. 38
مضافاً في الاستفهام والخبر والشرط، فزيدَ فيه هاء التنيه عوضا عن الإضافة.
وقول الكسائي: أصله يا أيهذا الرجل، فحذف "ذا" غير مرضي عند
البصريين، والناس صفة لازمة لـ "أي"، وهو مرفوع، لأن البناء لما اطرد في المفرد تشبه بالمرفوع.
قال الأخفش: الناس صلة لـ "أي"، والتقدير: يا أيها هو الناس، فحذف هو من الصلة. ولم يوافق الأخفش أحدٌ من البصربين.
وأجاز المازني، في "الناس" النصب على القياس في وصف المفرد
المفرد، ولم يوافقه أحد، ولا قرىء به.
قوله: (اعْبُدُوا رَبَّكُمُ)
قيل: وحد وه، وقيل: (طيعوه.
قوله: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)
موضوع (لعل) للشك، والله سبحانه منزه عن الشك، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: قول سيبويه، قال، ذلك للمخاطين أي افعلوا ذلك على الرجاء والطمع أن تتقوا، ومثله: (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) ، أي اذهبا إليه على رجائكما.
والثاني: قول قطرب، وأبي علي، قالا: هو بمعنى "كي"، أي لتتقوا. والثالث: قال أبو بكر بن الأخشيد:
стр. 39
معناه التعرض للأمر، أي افعلوا متعرضين. للتقوى، حكاه ابن عيسى.
(الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً)
الفَرش: البَسط، والفراش: المبسوط للتوطئة.
ابن عباس: الفراش المنام، أي مناماً للخلق، والبناء. الوضع على الأساس. الزجاج: ما علا الأرض بناء.
استدل أكثر المفسرين على أن شكل الأرض بسيط، قالوا:
وكل سماء منطبقة على الأخرى مثل القبة.
والسماء الدنيا ملتزقة بالأرض فيها أطرافها.
غيرهم: شكله كرى، والسماء بمعزل عنها.
(وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ) أي من جهة السماء، قيل: من السحاب.
وقيل: من سماء الملائكة، وفيها بحارمن ماء وجبال من برد.
قوله: (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)
قيل: المراد به ها هنا تعقلون.
(مِنْ مِثْلِهِ) .
"الهاء" تعود إلى "مَا" وهو القرآن: و (مِنْ) صلة.
وقيل: للتبعيض، وقيل: للتبيين، وقيل: إلى محمد ﷺ وقيل: إلى الأنداد، كقوله: (نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ) ، وقيل: الخطاب لعلماء
стр. 40
اليهود، أي فلتحضروا سورة من مثل القرآن، يعني التوراة، حتى تعلموا
أوفاقهما، فيكون الهاء عائداً إلى القرآن، والمثل هو التوراة.
(وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣)
أي من يشهد أنه مثل القرآن.
قوله: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ) .
ذهب جماعة من المفسرين: إلى أن التقدير، فإن لم تفعلوا هذا فيما
مضى ولن تفعلوا فيما يستقبل، وهذا غير مرضي عند الفقهاء والنحاة، لأنه إذا قال: إنْ دخلت الدارَ فأنتِ طالق، وإن لم تدخلي الدار فأنت طالق، يقع
على دخول مستأنف، ولا يتعلق بالماضي ألبتة، وهذا إجماع.
وقال النحويون: "لَمْ" إذا دخل المستقبل نقله إلى معنى الماضي، وإن
الشرطية إذا دخل الماضي أو ما بمعنى الماضي نقله إلى معنى المستقبل.
واستثنى الزجاج "كان" من الباب، واستدل بقوله (إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ)
فرد عليه أبو علي، وقال: تقديره: إن أكن قلته، وكذلك إذا قال: إن كنت دخلت الدار فأنت طالق، أي إن تكوني دخلت فالطلاق يقع بقوله: دخلت، وهو ماض، كما كان، لأن "إن" مسلط على تغيير ما يليه فحسب.
ومثله (إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ)
وقول الشاعر:
إذا ما انْتَسَبْنا لم تَلِدْني لئيمةٌ. . . ولم تجدي من أن تقري به بُدَّا
أي لم تجدي مولود لئيمة، وقول الآخر:
أتغضَبُ إنْ أُذْنا قتيبةَ حُزَّنا. . . جِهاراً ولمْ تَغْضَبْ لِقتْلِ ابن حازم
стр. 41
تقديره: أن يقع مثل هذا الغضب، وقال بعضهم: تقديره (وادعوا
شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين ولن تفعلوا) ، وهذا ضعيف، لإِزالة
الشيء عن موضعه بلا موجب، ووجهه عند المحققين، أنه اعتراض فيه
تشديد، قطع تردد معنى الشرط من الكلام، ولا محل له من الإعراب.
وقوله: (وَالْحِجَارَةُ)
قيل: هي الأصنام، لقوله: (حَصَبُ جَهَنَّمَ) ، وقيل: هي الكبريت، وقيل: حجارة يضربون بها، وقيل: هي كنوز الذهب والفضة، وكلها حجارة من قوله (يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا) .
قوله: (مِنْ تَحْتِهَا)
أي من تحت أشجارها، فحذف المضاف، وقيل: من تحت نازلها، وهم في الغرفات، وقيل: من تحتها، أي من جهتها.
قلتُ ويحتمل منابعها من تحت الجنات، وإضافة الجري إلى الأنهار مجاز، لأن الجاري هو الماء لا الأنهار.
قوله: (مِنْ قَبْلُ)
قيل، في الجنة من قوله (بُكْرَةً وَعَشِيًّا) .
وقيل: في الدنيا. وقيل: معناه وعدناه في الدنيا.
قوله: (مُتَشَابِهًا) ، أي أجزاؤه متشابهة، ليس فيها ما ينقى ويطرح.
وقيل: مُتَشَابِهًا في الصورة واللون، مختلفا في الطعم، وقيل مُتَشَابِهًا في
الأسماء، قال ابن عباس: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء.
قال الأخفش: مُتَشَابِهًا في الفضل، أي كل واحد له من الفضل نحوه مثل
الذي للآخر في نحوه.
قال ابن عيسى: وخطأ الأخفش في هذا القول بعضهم، وزعم أنه خالف الإجماع.
стр. 42
(أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ) هن الحور العين بالإجماع.
قال الحسن: هن عجائزكم الغمص الرمص العمش) ، طُهرْن من قذرات الدنيا.
(إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا) .
الحياء، انقباض يدل على خلق كريم، والله - سبحانه - غير موصوف
به، ومعناها ها هنا الترك، أي لا يترك ضرب المثل ترك ما يستحي منه.
وقيل: لا يمتنع، وقيل: لا يخشى. و (أَنْ يَضْرِبَ) في محل نصب من أن
يضرب.
وقوله: (وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا)
قيل: تم كلام الكفار ها هنا، ثم قال الله (أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا) ، وعند بعضهم: تم الكلام على قوله: (مَثَلًا) وعند بعضهم كلامهم يمتد إلى قوله: (وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا) .
ثم قال الله: (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ) .
قوله: (مَثَلًا مَا)
في "مَا" ثلاثة أقوال:
أحدها: زائدة للتوكيد والتصميم. و (بَعُوضَةً) نصب على البدل من المثل، وقيل: مفعول به، وضرب المثل يتعدى إلى مفعولين لأنه بمعنى جعل.
والثاني: أنه للنكرة، و (بَعُوضَةً) صفة له.
قال الفراء: منصوب بنزع الخافض، وتقديره: ما بين بعوضة فما فوتها.
قال: ومثله: مطرنا ما زبالة فالثعلبية، أي ما بين زبالة إلى الثعلبية.
والثالث: أنه الموصولة، وهذا على قراءة من قرأ (بَعُوضَةٌ فَمَا فَوْقَهَا) .
قيل، في الصغر، وقيل: في الكبر، لأن البعوضة النهاية في الصغر.
(مَاذَا) يأتي على وجهين
стр. 43
أحدهما: أن يكون اسماً واحداً، ويكون محله ها نصباً بـ (أراد)
والثاني: أن يكون (ما) مبتدأ و "ذا" بمعنى الذي وهو خبره، والجملة بعده
صلته.
(كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ) .
استفهام معناه الإنكار والتعجب والتوبيخ، وليس للتعجب، لأنه لا يليق
به - سبحانه -.
(وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا) ، أي نُطَفًا، لأن ما فارق الحي ميت.
وقيل: مواتًا، وهو التراب.
وقيل: خاملي الذكر (فَأَحْيَاكُمْ) في الدنيا، (ثُمَّ يُمِيتُكُمْ) عند انقضاء آجالكم.
(ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) في القبور والنشور، وقيل: (يُحْيِيكُمْ) في القبور، (ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) للبعث والنشور.
(خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) .
(جَمِيعًا) نصب على الحال من "مَا"، واستدل من يقول بالإباحة بهذه
الآية، وعنه جوابان:
أحدهما: لتعتبروا ببعضه ولتنتفعوا ببعضه على وجه ييينه الشارع، كقوله (حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) ، وقوله:
(لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا) .
والثاني: (خَلَقَ لَكُمْ) دليلأ على الوحدانية
(ثُمَّ اسْتَوَى) الكلام فيه يطول.
والغريب فيه: ما قيل: إنه عبارة عن أنه لم يخلق بعد خلق ما في
الأرض إلاَّ السماء، فيمن جعل الأرض قبل السماء، وهو الأظهر، وهذا في
الكلام كثير، وفي كلام العجم أكثر.
(فَسَوَّاهُنَّ)
جمع حملاً على المعنى، لأنه اسم الجنس، وقيل: جمع سماؤه، والسبع نصب على البدل، وقيل أراد منهن فحذف "من" فيكون مفعولا به.
стр. 44
(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ) .
أبو عبيدة: إذ زائدة، وأنشد:
فَإِذَا وَذلِكَ لاَ مَهَاةَ لذِكْرِهِ. . . وَالدَّهْرُ يَعْقُبُ صَالِحاً بِفَسَادِ
وأنكر الزجاج وغيره هذا، وليس في البيت أيضاً ما استدل له، وقال
بعضهمٍ: خلقكم إذ قال، وقيل: واذكر إذ قال، وعلى هذا يكون مفعولاً به، لا ظرفا، ويحتمل أنه ظرف، لقوله: "قالوا".
(لِلْمَلَائِكَةِ) هو جمع ملك (١) .
نضر بن شميل: العرب لا تشتق فعله ولا تصرفه، وهو مما فات علمه.
غيره: مشتق من الألوك، وهو الرسالة، وسميت ألوكاً، لأن صاحبها يألكها
في فيه، من قولهم: الفرس يألِك اللجام. وأصله مائلك ثم قلب فصار
ملاكاً، ثم نقل فصار ملكاً، فلما جمع ردت الهمزة وزيدت الهاء لتأنيث
الجمع، وقيل، للمبالغة، ووزنه على هذا مَفاعِله، وإنما قلب لأن معناه قد
يأتي مقلوباً في نحو قولك: ألِكْني إلى فلان، أي كن رسولي إليه.
قال:
ألِكني إليها عمرَك اللَّهَ يا فتى. . . بآية ما جاءت إلينا تَهاديا
وأصله ألاكني، فنقلت الحركة في الهمزة إلى اللام.
وقول الهذلي:
ألِكْنِي وَخَيْرُ الرَّسُو. . . لِ أَعْلَمُهُمْ بنواحِي الخَبَرْ
стр. 45
يحتمل أن معناه أرسِلْني إليه، ويحتمل، كن رسولي إليه، وقال
بعضهم: مشتق من لأك يلأك، إذا أرسل، ولأك مهمل، أو هو مقلوب ألك، وأصله على هذا مفاعلة.
الأصم: اشتقاقه من المُلْك وهو الشدة والقدرة.
والهمزة فيه زيادة، ووزنه فعايلة، وهم أجسام لطاف أولو أجنحة مثنى وثلاث ورباع، لا يعصون الله ما أمرهم.
ومن ذهب إلى أن الملائكة إنما هي النجوم، فهو كافر باللهِ، راد على رسوله وما جاء من عند الله.
واختلفوا في المخاطبين، فقال بعضهم: هو عام لجميع ملائكة الله، وقال بعضهم: خطاب لمن كانوا سكان الأرض من الملائكة.
(إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)
قيل: هي الغبراء، التي عليها مستقر الخلق، وقيل: هي مكة.
(خَلِيفَةً)
أي قوم يخلف بعضهم بعضاً، إذا مات واحد خلفه آخر، وقيل: خَلِيفَةً عنكم ياملائكتي، وقيل: خَلِيفَةً عن الجن، وقيل: خَلِيفَةً عني يأمر وينهى ويحكم ويقضي، ويجري الأنهار ويغرس الأشجار ويحرث ويحصُد.
(قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا)
أي من تفسد ذريته فيها، وقيل: تقديره من فيهم أو منهم من يفسد، لأن آدم ﵇ لم يكن بهذه الصفة، ولا رسل الله وأنبياؤه وأولياؤه وصالحو المؤمنين، والاستفهام للتقرير.
وقيل: للاستعلام، وليس للإنكار، وفي معرفتهم ذلك أقوال:
أحدها: أنهم رأوا ذلك في اللوح المحفوظ، وهو مشتمل على الكائنات، وقال بعضهم: قاسوا على الغائب، وكانت الجن بهذه الصفة، وأول من قاس الملائكة، وقيل، عرفوا ذلك من لفظ الخليفة، فإن الخليفة من يقوم مقام الأول، موصوفا بصفته، وقيل: كان خطاب الله إياهم إني جاعل في الأرض خليفة يفسدون فيها ويسفكون الدماء، فحذف ذلك لأن ما بعده يدلّ عليه. وقيل: تقديره:
стр. 46
(أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) ، أم نترك التسبيح والتقديس، شكوا في حال أنفسهم، وقيل: تقديره: أتجعل فيها من يفسد كالجن، أم يسبح ويقدس معنا ونحن نسبح ونقدس معهم، وقيل: أذن اللُه لهم في السؤال عن وجه الحكمة فيه.
(ثُمَّ عَرَضَهُمْ) . أي المسمين بالأسماء.
(سُبْحَانَكَ) . مصدر أميت فعله.
والغريب فيه: ما ذكره المفضل: أنه مصدر سبحَ صوتَه إذا رفعه
بالدعاء، وذكر الله، وأنشد:
قَبَحَ الإله وجوهَ تَغْلِبَ كلّما. . . سَبَح الحجيج وكَبّرُوا إهلالاَ
(إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ)
في "أنت" ثلاثةُ أوجه:
أحدها: فصل، و" العليم" خبر "إن".
والثاني: أنه مبتدأ، "العليم " خبره والجملة خبر عن اسم "إن"
والثالث: أنه يقع تبعاً للكاف، ومحله نصب، وجاز ذلك لكونه تبعا، تقول
ضربتك أنت ومررت بك أنت.
(إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ) .
الظاهر فيهما أنهما فعل المتكلم، وأجاز بعضهم أن يكون أعلم بمعنى
عالم، و "غَيْبَ السَّمَاوَاتِ" منصوب به وحذف تنوينه، لأنه لا ينصرف، وما
يجوز أن يكون نصباً، ويجوز أن يكون خفضا بالإضافة، وهذا خلاف قول
стр. 47
أبي علي، فإنه قال في (هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ) منصوب بفعل دل عليه
أعلم. وهو يعلم.
(اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ) .
قيل: كان انحناء يدل على التواضع، وقيل: كان خرورا على الذقن.
وقل: أمرهم بالخضوع له والانقياد لأمره، وقيل: معناه اقتدوا به في السجود لله، فسجد وسجدوا بسجوده، وقيل: إنهم أدلوا بتسبيحهم وتقديسهم، واعتقدوا أنهم أفضل من غيرهم، فأمرهم بالسجود لآدم ليزول عنهم ما اعتقدوا من الإدلال والتفضيل.
(إِلَّا إِبْلِيسَ)
قيل: الاستثناء متصل، وكان من قبيلٍ من الملائكة يقال لهم الجن، وكان اسمه عزازيل، وكان من ذوي الأجنحة الأربعة.
الكلبي: عن أبي صالح عن ابن عباس، أن الله خلق الأرض وجعل
سكانها الجن، فاقتتل الجن بنو الجان فيما بينهم وعملوا بالمعاصي وسفكوا
الدماء، فبعث الله إبليس ومعه جند من الملائكة من السماء الدنيا، فأجلوا
الجن منها، وألحقوهم بجزائر البحور، وسكن إبليس والملائكة الذين كانوا
стр. 48
معه في الأرض، وقيل: الاستثناء منقطع، ولم يكن من الملائكة ولا طرفة
عين. هذه عبارة الحسن.
وقال وهب: إن الله خلق الجن في الأرض فعصوا وأفسدوا، فبعث الله عليهم ملائكة فقتلتهم، فاستوهب ملك من الملائكة إبليس من ربه فارتفع به إلى السماء فعبد الله مع الملائكة، وكان أشدهم
عبادة واجتهاداً، وهو معنى قوله: (كَانَ مِنَ الْجِنِّ) ومعنى قوله: (وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) ، وقيل: كان منهم في علم الله. وقيل: (كان) بمعنى صار.
وإبليس: اسم عجمي ولهذا لا ينصرف، وقيل: مشتق من أبلس.
ولم ينصرف، لأنه شابه الأعجمي، حيث لم يستعمل إلا علماً.
وقيل: تقدير الآية: قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا، فقلنا لإبليس: اسجد لآدم فأبى، ولم يكن في الخطاب الأول.
(اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) .
هي حواء خلقت من الطين الذي خلق منه آدم، وقيل: خلقت من
ضلع آدم، وهي القصيرى في الجنة، وقيل: في الأرض.
وأَنكر بعض أهل الكلام هذا، وقال: لا يجوز أن يكون النبي ناقصاً. والجواب: إن هذا النقصان كالختان والمرض والعمى والموت، فلا يقدح في النبوة.
(الْجَنَّةَ)
هي جنة الخلد التي وعد المتقون، وقيل: كانت جنة في السماء، سوى جنته
الموعودة، وقيل: كانت جنة في الأرض.
والأول: مذهب السنة والجماعة.
(وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا)
ذكر في هذه السورة بالواو وذكر في الأعراف
стр. 49
بالفاء، لأن الفاء للتعقيب. معنى التعقيب أن يقع الثاني بعد الأول
متصلاً به.
ولقوله: (اسْكُنْ) معنيان:
أحدهما: اتخذاها مسكنا من قولهم:
هذه الدار لك سكنى.
والثاني: لازمها. والأول يحتمل لفظ الفاء، لأن له نهاية وتعقيباً، فكان ما في الأعراف أليق به، لأن ما قبله قوله: (اخرجْ منها)
فليست الجنة لك سكنى، واتخذاها سكنى فكلا عقيب اتخاذكماها سكنى
من حيث شئتما، ولم يحتمل المعنى الآخر الفاء، لأنه لا غاية له، فعطف
بالواو على معنى الجمع، أي اجمعا بين لزومكماها والأكل من حيث شئتما.
وقيل: ما في البقرة خطاب قبل الدخول، وما في الأعراف بعد الدخول.
وزاد في البقرة: (رغدا) لأنه ذكر بلفظ التعظيم، فزاد في الكرامة والنعيم.
وهو قوله: (قلنا) ، وفي الأعراف: (قال) .
(وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ)
قيل: هي الحنطة، وقيل: العنب، وقيل: التين، وقيل: النخلة، وقيل: الكافور، وقيل: شجرة العلم. أي شجرة من أكل منها علم الخير والشر، وقيل: شجرة الخلد التي تأكل منها الملائكة، وقيل: شجرة من أكل منها أحدث، وقيل: شجرة الحنظل.
وقال ابن حبيب: إن بعض الأغبياء قال: إن الشجرة محمد، وأكل آدم منها إعلان سِر كان استكتم آدم فعصى، فهذا تَلَعُّب بالدِين وتمويهٌ، وقائل هذه المقالة غير مصدق بدين ولا نبوة.
وإنما مراده تشكيك الناس والتلبيس عليهم (١) .
(مُسْتَقَرٌّ) موضع قرار، وقيل: موضع قورهم.
و (مَتَاعٌ) معاش "إلى حين " إلى وقت الموت، وقيل: إلى القيامة.
стр. 50
(قُلْنَا اهْبِطُوا) .
كرر الأمر بالهبوط، لأن الأول من الجنة، والثاني من السماء، وقيل:
للتأكيد، ويحتمل أن التقدير، ومتاع إلى حين فإما يأتينكم، لكن لما قُبِلَ
بقوله: (فَتَلَقَّى آدَمُ) الآية، أعاد فقال: (قُلْنَا اهْبِطُوا) .
(وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) .
فحذف الأول، لأن الثاني يدل عليه، وقيل: تقديره: فَارْهَبُونِ، فحذف
الفعل الأول، وجعل الضمير المتصل منفصلا.
(أَوَّلَ) وزنه أفعل، وفاؤه وعينه واوان، ولا نظير له إلَّا كوكب وأيَّل وددن. وهذا مذهب سيبويه. عند الكوفيين: هو أفعل من وال
قلبت الهمزة واواً، ثم أدغمت الواو فيها، وقيل: أفعل من آل يؤول.
وتقديره: أول كافر به. والهاء تعود للقرآن، وقيل: للتوراة، وقيل:
لمحمد ﷺ ، وقيل: الأول زيادة، لأن الكفر منهي عنه أولًا وآخراً، وتقديره: ولا تكونوا كافرين. ومثله (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) ، (فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ) .
(وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا)
إنْ قيل: الباء تدخل الثمن، كقوله: (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ) فَلم دخل آياتي؟
قيل له: قد سبق أن الباء في باب الاشتراء تدخل المبذول، ولما نهاهم عن بذل الآيات، دخلها الباء، والمراد بالثمن في الآية "ذا ثمن".
стр. 51
قوله: (وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ) .
يجوز أن يكون نصباً، ويجوز أن يكون جزماً.
(وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ) .
"الهاء" تعود إلى المصدر، أي وإن الاستعانة، كما تقول: من صدق
كان خيراً له، وقيل: تعود إلى الصلاة، وقيل: للصبر والصلاة، ونُزِّلا منزلة الجمع ما لم يلتبس قياساً على باب (صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) .
وقيل: تقديره: واستعينوا بالصبر وإنه لكبير، واستعينوا بالصلاة وإنها لكبيرة، فاكتفى بذكر أحدهما، وعلى هذه الوجوه الأربعة يحمل أمثاله.
وقيل: وان إجابة محمد ﵇ لكبيرة.
قوله: (وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي) .
(يَوْمًا) منصوب على أنه مفعول به، ولا يجوز أن يكون ظرفاً، لاختلاف
زمنيهما، وقوله (لَا تَجْزِي) صفة لليوم، والتقدير: لا تجزى فيه، فحذف
الجار وتعدى الفعل إليه من غير واسطة جارة، ثم حذف الضمير قياساً
للوصف على الوصل.
(وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ)
قدم الشفاعة في هذه الآية وأخّر العدل، وقدّم العدل في الآية الأخرى من هذه السورة وأخر الشفاعة، لأن اليهود قالوا: يشفع لنا آباؤنا الأنبياء، وقالت الكفرة: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فأيسهم الله منها، وأخرها في الآية الأخرى، لأنها جارية مجرى الجواب، والتقدير في الآيتين معاً، لا تقبل منها شفاعة فتنفعها تلك الشفاعة، لأن الانتفاع بعد القبول وقدم العدل هناك ليكون لفظ القبول مقدما في الآيتين.
(وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ) .
стр. 52
ذهب بعض من يقول بالتاسخ إلى: أن القوم كانوا بأعيانهم، فلما
تطاولت مدة التلاشي نسوا فذكروا، وهذا محال من قائله، وقلة معرفة بكلام العرب، فإن الخطاب فيما بينهم بمثل هذا أكثر من أن يحصى، تقول
قتلناكم يوم كذا وهزمناكم في حرب كذا، يعنون الجد الأعلى، والأب
الأبعد، وقيل أيضاً: تقدير الآية، واذكر إذ قلنا لبني إسرائيل في زمان موسى نجيناكم من آل فرعون، فلا يكون على هذا اعتراض، والجواب الأول هو جواب الجمهور.
قوله: (يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ)
في هذه السورة بغير واو على البدل، وفي سورة إبراهيم (وَيُذَبِّحُونَ) على العطف، لأن ما في البقرة من كلام الله، ولم يرد تعداد المحن عليهم، وما في إبراهيم حكاية كلام موسى فعدَّد المحن عليهم، وكان مأمورا بذلك في قوله في إبراهيم: (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ) .
وفي قوله: (وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ) ثلاثة أقوال:
أحدها: يستبقونهم أحياء من الحياة، وذلك: أن فرعون رأى في
المنام أن ناراً جاءت من قبل بيت المقدس فأحرقت بيوت مصر ومن فيها من
القبط دون بني إسرائل، فسأل المعبرين عنها، فقالوا: إنه يخرج من هؤلاء
الذين أقبلوا من بيت المقدس - وهم بنو إسرائيل - رجل يكون هلاك القبط
وخراب مصر على يديه، فأمر فرعون بذبح كل غلام يولد لبني إسرائيل.
ونهى عن ذبح الجواري.
الثاني: كانوا يفتشون أحياء النساء عما في بطونهن من الجنين وعما يلدن من الأولاد.
والثالث: يستحيون من الحياء المحمود فلا يتعرضون للخنا صيانة لهن - وعلى هذا الوجه يكون نعمة، وفيه بعد.
стр. 53
قوله: (بِكُمُ الْبَحْرَ) .
أي سببكَم، وقيل: حال، أي وكنتم فيه، كما تقول: خرجوا
بسلاحهم، أي متسلحين.
قوله: (وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ)
يرِيد آلَ فرعون وفرعون، فحذف لدلالة المضاف إليه عليه، ويحتمل آل فرعون نفس فرعون، فيكون التقدير أغرقنا آل
فرون وجنوده.
وآل: اسم فيه فخامة لا يستعمل إلا لمن له صيت وذكر.
وأصله أهل، قلبت الهاء همزة ثم قلبت الهمزة ألفاً، بدليل: التصغير.
تقول في تصغير "آل " أهيل، ويأتي آل مشتقاً من آل يؤول، وتصغيره أويل، وروى أبو عبيدة عن الكسائي: أن العرب تقول: آل فلان إذا ذكر
صريح اسم الرجل، أو كنيته، أو اسم المرأة، ولا يقال مع المكنى آله، ولا
آل البصرة والكوفة.
قلت: لعل الكسائي جعل قول المسلمين: اللهم صل على محمد وعلى آله، من الذي أصله آل يؤول، لا من الآل الذي أصله أهل.
قوله: (وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ)
إلى انطباق البحر عليهم بعد خروجكم منه، وقيل: وأنتم تعلمون، لأنهم كانوا في شغل عن معاينة ما يجري، وقيل: وأنتم تنظرون أن يقع بكم مثل ذلك العذاب، وقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديره ويستحيون نساءكم وأنتم تظرون.
стр. 54
قوله: (أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) .
نصب، لأنه مفعول به وتقديره: وَاعَدْنَا مُوسَى تتمة أربعين ليلة.
فحذف المضاف، والمراد بالليلة الليل والنهار، وقيل: نصب على الظرف
للوعد، أي كنا نعده أربعين ليلة، فتكون الليلة دون النهار.
وقال أبو بكر النقاش: أمر أن يصوم أربعين يوماً يواصل الصيام فيها، فلما قال أربعين ليلة، علم أنه أمر بأن لا يفطر بالليل، ليكون الصيام وصالاً.
(ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ)
أي صنعتم شكلَ عجل كما تقول: اتخذتُ آنيةً، وقيل: تقديره: اتخذتم العجل إلهاً، كما تقول: اتخذت زيداً وكيلاً، فحذف المفعول الثاني، وعلى هذين الوجهين يحمل قوله (بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ) .
وكان العجل من ذهب يخورُ بحيل احتالها السامري.
وقيل: صار لحماً ودماً، لقوله: (فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ) ، ولقوله:
(لَنُحَرِّقَنَّهُ) .
قال أبو العالية: سمى ما اتخذه السامري عجلاً لأنهم عجلوه، فاتخذوه إلهاً.
(وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ) .
قيل: هو التوراة أيضاً، وكرر لاختلاف الاسمين. وقيل: "الفرقان "
القرآن، وتقديره: آتينا موسى الكتاب ومحمداً الفرقان، فاكتفى بذكر كتابه عن ذكره.
стр. 55
(جَهْرَةً) .
قيل: حال، أي غير مستور عنا بشيء، وقيل: صفة مصدر، أي رؤية
جَهْرَةً، وقيل: متعلق بالقول، أي قلتم مقالة جَهْرَةً، أي جهرتم بتلك المقالة.
(مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ) .
قيل: كان موتا فارقهم الروح، وقيل: كان نَوْما.
(الْمَنَّ) .
الطرنجبين، وقيل: كان شيئاً يقع على الأشجار، وقيل: الصمغة، وقيل: الزنجبيل.
الربيع: كان ماء يشربونه.
وهب: الخبز الرقاق، وقيل: المن، العسل، ما من الله عليهم مما لا تعب فيه ولا نصب.
(السَّلْوَى)
الجمهور على أنه طير، وروي عن الخليل أنه قال: واحدها سلواة، وأنشد:
وإني لَتَعْروني لِذِكْراكِ سَلْوَةٌ. . . كما انتفضَ السَّلْواةُ مِنْ بَلَلِ القَطْرِ
فالألف على هذا تكون للإِلحاق بجعفر لا للتأنيث، وقيل: السلوى.
العسل وأنشد:
стр. 56
وقاسَمَهم بِاللَّهِ جَهْداً لأنتم ألذُّ. . . من السلوى إذا ما نشروها
قال المفضل: أخطا الشاعر في هذه الاستعارة، وإنما أراد به نصيدها
قلت: ويحتمل أن المراد بالسلوى ما كان لهم في التسلي عن الطعام، وزان
قول الزجاج في المن.
(وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا) .
ذكر هنا بـ "الفاء" وفي الأعراف بـ "الواو"، لأن الدخول سريع
الانقضاء فيعقبه الأكل، وفي الأعراف (اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا) ، لأن
المعنى لازموها، وذلك ممتد، فذكر بالواو، أي اجمعوا بين السلوى والأكل.
وزاد في هذه السورة (رَغَدًا) ، لقوله: (قُلْنَا) ، وفي الأعراف (قيل) ، وقد
سبق.
وقدم (وَادْخُلُوا الْبَابَ) في هذه السورة، وأخرها في الأعراف، لأن
السابق في هذه السورة ادخلوا فبين كيفية الدخول في اسكنوا، وفي هذه
السورة (خَطَايَاكُمْ) إجماع، لأن الصيغة للجمع الكثير فمغفرتها أليق ب "قلنا"، وفي هذه السورة (وَسَنَزِيدُ) بالواو، ليكون أشد اتصالًا بالأول، وحذف في
الأعراف "الواو" للاستئاف، وفي هذه السورة (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا)
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ
وفي الأعراف (مِنْهُمْ قَوْلًا) ، لأن في الأعراف (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ) ، و (مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ) ، فالحق هذا بذَاك.
(وَقُولُوا حِطَّةٌ) أي لا إله إلَّا الله، وقيل: نستغفر الله، وقيل: حط
стр. 57
عنا ذنوبنا، وقيل: أمروا بهذه اللفظة من غير توفر للمعنى، وقيل: قولوا
هذا الأمر حق، وقيل: حط باب البلد، وقيل: باب المسجد، فبدلوا وقالوا: حطى سمعانا، وقيل: هطا سمعانا، ومعناه حنطة حمراء، وقيل: قالوا حنطة فيهاشعيرة.
قوله: (اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ) .
كان عصاه من آس الجنة، عشرة أذرع على طول موسى - عليه
السلام - واسمها عليق، والألف واللام في الحجر قيل: للجنس، أي حجر
كان، وقيل: للعهد، وكان حجرا مربعا، وكان مدوراً يضيء كالمرآة، عليه اثتا عشرة هنة مثل ثدي المرأة، إذا ضربه موسى جرت منه اثتا عشرة عينا، وقيل: كان يضربه اثنتي عشرة مرة، وقيل: كان من رخام، وقيل: من الكدان، حجارة رخوة، فيه اثنا عشرة حفرة، وقيل: كان مع كل سبط حجر يحملونه على حمار (١) ، وقيل: الحجر الذي جاء في الخبر عن النبي ﷺ أنه قال: "كان بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى بعض، وكان موسى يغتسل وحده، فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدَر، قال: فذهب مرة يغتسل فوضع ثيابه على حجر، ففر الحجر بثوبه، فخرج موسى في أثره، يقول: ثوبي يا حجر ثوبي يا حجر، حتى نظرت بنو إسرائيل إلى موسى، فقالوا: والله ما بموسى من بأس، قال: فقام إلى الحجر بعد ما نظروا إليه، فأخذ ثوبه وطفق يضرب الحجر ضرباً، وهو من قوله: (آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا) (٢) .
وحكى ابن حبيب في تفسيره" سمعت
стр. 58
بعض الجهال يقول: إن الحجر كان رجلاً كنى عنه، وضرب موسى إياه
سؤاله، وخروج الماء علم، ونسأل الله سلامة الدين.
(فانفَجَرَتْ) ، أي فضرب فانفجرت، انفتحت من الحجر.
قوله، (عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ) .
من جعل المن ماء يشربونه فلا سؤال عليه، ومن جعله طعاماً، قال:
كان يأتيهم المن زماناً فانقطع ثم أتاهم السلوى، وقيل: كانوا يعجنون بهما
وفيصيران طعاماً واحداً.
الغريب: ما قيل: إنهم استنكفوا من تساويهم فيه، وأرادوا الامتياز في
الأطعمة.
قوله: (يُخْرِجْ)
قيل: جواب لقومه ادع، أي ادع لنا ربك أن يخرج.
وقيل: جواب فعل مضمر، أي وقيل له اخرج يخرج، وقيل: إنه دعاء، أي
ليخرج فحذف اللام.
قوله: (وَفُومِهَا)
قيل: هو الثوم، قلبت الثاء فاء، كجدف وجدث.
وحرف ابن مسعود: يدل عليه، وهو أليق بالبصل، وقيل: هو الحنطة
وسائر الحبوب أيضاً يلحقها اسم القوم، وأنشد ابن عباس:
قد كنتُ أغْنَى الناسِ شخصاً واحداً. . . نَزَل المدينةَ عن زِراعة فُوْمِ
الزجاج: ومحال أن يطلب القوم طعاماً لا بُرَّ فيه، وهو أصل الغذاء.
وقيل: الفوم، الخبز، تقول العرب: فومت إذا خبزت.
стр. 59
والغريب: ما قيل: الفوم كل لقمة كبيرة، وقطعة من اللحم عظيمة.
(أدنى)
أقرب قيمة وأقل ثمنا، من قوله: "هذا شيء مقارب".
وقيل: أصله، أدناء - بالهمز - من الدناءة، وهي الخسة، وقرىء في الشواذ - بالهمز - فحذف همزه على غير قياس، وقيل: هو مقلوب أدون من الدون.
قوله: (وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ) .
وقال في الحج: (وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى) .
وقال في المائدة: (وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى) .
لأن النصارى مقدم على الصَّابِئِينَ في الرتبة، لأنهم أهل كتاب.
فقدمهم في البقرة. والصابئون مقدمون على النصارى في الزمان، لأنهم كانوا
قبلهم، فقدمهم في الحج. وراعى في المائدة المعنيين فقدمهم في اللفظ
وأخرهم في التقدير، لأن تقديره عند البصريين، وأكثر الكوفيين التأخير على
معنى والصابئون كذلك، وأنشدوا:
فَمَنْ يَكُ أَمْسى بالمدينةِ رَحْلُه. . . فإني وقَيَّارٌ بها لَغَريبُ
أي فإني لغريب وقيار كذلك -
قوله: (قِرَدَةً خَاسِئِينَ) .
الجمهور على أنَهم صاروا قردة، وكل شيء مُسِخَ لم يأكل ولم يشرب
حتى مات. وقيل: عاشوا حتى صار لهم نسل وأولاد.
الغريب: قول مجاهد: مسخت قلوبهم، وإن هذا مثل
стр. 60
كقوله (كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا) .
وقول الجمهور أظهر، لقوله (فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا) .
قال أبو روق: الخاسئون، هم الذين لا يتكلمون.
غيره: الخاسىء المتباعد بطرد، تقول: خسأته فخسأ.
و"خاسئين" خبر بعد خبر، وقيل: صفة القردة، وقيل: حال من المضمرين في "كونوا"، والعامل فيه كان.
(لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا) . أي لمن يراها.
قوله: (مَا هِيَ) .
أجمع المفسرون على أن "مَا هِيَ" بمعنى كيف، وليس بسؤال عن
الماهية، فإِنهم عرفوا ما البقرة، قالوا وهو في قوله: (ما لونها) للسؤال عن
الماهية، والصحيح أنه أيضاً للكيفية، لأنهم عرفوا ما اللون أيضاً، وإنما سألوا
عن كيفية لون تلك البقرة، و "مَا" محله رفع و "لونها" خبره، أو على الضد.
ولم يعمل فيها "يُبَيِّنْ" لأن الاسنفهام لا يعمل فيه ما قبله.
قوله: (عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ)
أي بين السنَّين، لأن بين يضاف إلى شيئين فصاعداً، وذلك قد يقع موقع التثنية والجمع، قال:
إن لِلخيرِ ولِلشر قِرى. . . وَكِلا ذلك قول وعَمَل
وقول من قال "لأن ذلك يقع موقع الجمل وينوب عنها" سهوْ من
وجهين:
أحدهما" أن "بين" يستدعي جملة، والجملة عند النحويين عبارة عن
الحدث والمحدث عنه، وإنما يستدعي اسماً عطف على اسم، والثاني: أن
ذلك لا يقع مواقع الجمل في الصلة، وغيرها، وقول القائل في جواب ظننت
стр. 61
زيداً قائما ظننت ذلك إنما هو إشارة إلى الظن، وهو المصدر، أي ظننت
ذلك الظن.
(صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا) .
بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ
قل: سوداء، وأنكره جماعة، وقالوا: الصفرة بمعنى السواد
يستعمل في الإبل خاصة، وقوله (فَاقِعٌ) تأكيد للصفرة أيضاً، دون السواد.
وفاقع للون دون البقرة، ومن وقف على فاقع، قال: لما كان تبعا، لم يحتج
إلى علامة التأنيث، كقول الشاعر:
واني لأسقي الشربَ صفراءَ فاقعاً. . . كاَنَّ ذكيَّ المسك خيرٌ يفتق
قال: وجاز تأنيث اللون لإضافتيهما إلى مؤنث، قال الله تعالى: (فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) و (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) وغيرها.
قوله: (إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا) ، ذكر الفعل حملاً على الجنس.
وقرىء في غريب الشواذ "تشابهنَّ" - بالتشديد - وتاء التأنيث، وأجمعوا على خطئه، وقال ابن مهران في الشواذ: إن العرب قد تزيد على تفعل في
الماضي تاء فتقول: نتفعل، وأنشد:
تتقطت بي دونك الأساب.
стр. 62
وهذا القول منه ليس بمرضٍ، ولا البيت بمقبول، وله عندي
غريب، وهو: أن نجعل التاء من البقرة والفعل اشابهت، وكتب
المصحف على اللفظ، كقراءة الكسائي (ألَا يسجدوا) ، وكقول
عبيد: (ولات حين) .
وأعجب من هذه قراءة من قرأ (يشَّابهَ - بالياء والتشديد وفتح الهاء
وهذا لا وجه له، لأن نواصب الفعل لا تتجمع ها هنا، ولا وجه لبنائه
الفتح أيضاً.
قوله: (لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ) .
جل المفسرين على أنه الإشارة والسقي جميعاً، ووقف سهل
جماعة على "ذَلُولٌ"، فلما وقف لم يحسن زيادة "لا" مع (الواو) ، قلت:
كقوله: (وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ) ، وسقط الاعتراض.
(قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ) .
(الْآنَ) عبارة عن الزمان الموجود، وأصله عند الكوفيين الأوان، قلبت
الواو - لتحركها وانفتاح ما قبلها - ألفاً، فاجتمع ساكنان فحذف أحدهما.
وروي عن الكسائي أن أصلها آن من أأن يائن فجعل اسماً ودخله اللام.
стр. 63
وعند البصريين مبنىِ على الفتح لتضمنه لام التعريف، والألف واللام فيه
زاندتان كما في - " الذي" و "مائة".
قوله: (وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ)
قيل لغلاء ثمنها، لأن صاحبها أبى أن يبيعها إلّا بملء مسكها ذهبا.
وقيل: إلا بوزنها ذهباً، فاشتريت بمال القتيل.
وقيل: تم ثمنها على بني إسرائيل، أصاب كل رجل منهم درهم.
وقيل: (وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ) خشية العار.
والغريب: ما قال عكرمة: إنهم امتنعوا خشية العار، ولم يكن
ثمن البقرة إلا ثلاثة دنانير.
وتقدير الآية، وما كادوا يفعلون، قبل أن بينت لهم، وقيل: تقديره:
وكادوا لا يفعلون، كما قال:
ولا أراها تزالُ ظالمةً. . . تُحدثُ لي قُرحَةً وتَنْكُؤها
(وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا) .
هذه أول القصة عند الجمهور، اسم القتيل عاميل، قال ابن الحبيب:
نكار.
قال صاحب النظم القصة محمولة، على أنها نزلت في فصلين، وفي
وقتين مختلفين، وفي معنيين غير متفقين.
стр. 64
قوله: (اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا) .
قيل: بذنبها: وقيل: بفخذها اليمنى، وقيل: بلسانها، وقيل:
بعجبها، وقيل بغضروفها.
الغريب: قول الحسين بن الفضل، قال: أولى الأقاويل، اللسان لأن
المراد من القتيل كلامه، وقال يمان: أولى الأقاويل العَجْب، لأنه أول ما
يخلق وآخر ما يبلى.
وقال النقاش: وخليق بأن ضرب بالغضروف، وهو أصل الأذن وفيه الحياة. قال: ألا ترى أن الحي إذا ضرب في ذلك الموضع لم يعش.
وقيل: إن الله أمرهم بذبح البقرة دون غيرها من الحيوان ودون أمر
آخر، لأنهم عبدوا العجل، فعظم أمر البقر عندهم، فأراد الله أن يزيل عن
قلوبهم ذلك، ويهونه عندهم.
قوله: (كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى)
أي فضرب فحييَ، كذلك يحيي الله الموتى، والتشبيه في الإحياء فقط.
قوله: (وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ) .
"الهاء" تعود إلى "مَا".
(وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ)
مجاهد: كل حجر تفجر منه الماء أو تشقق عن ماء أو تردى من رأس
جبل، فهو من خشية الله نزل به القرآن.
وقال غيره: هذا بعد أن جعل فيه التمييز، كقوله: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا) .
стр. 65
والغريب: أن الحجر المنفجر منه الماء والمتشقق عن الماء حجر
موسى، من قول (اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ) : وإن الحجر الذي هبط من
خشية الله من جبل موسى من قوله: (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ) الآية.
والعجيب: ما قيل: إن الحجارة في الآية البرد، وهو الذي يتفجر منه
الأنهار ويشقق فيخرج منه الماء ويهبط، أي ينزل من خشية الله، قال ومعنى
خشية الله، أي من إخشاء الله الناس بذلك، كقوله: (يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا) أي للإخافة والإطماع.
ومن العجيب أيضاً: قول من قال: (وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ) يعود إلى
القلوب، والمعنى: تطمئن وتسكن.
قوله: (يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ) .
يعني التوراة. "ثم يحرفونه " والتحريف: على وجهين:
تحريف لفظ بزيادة أو نقصان كما حرفوا صفة محمد ﷺ وكان فيها: أكحل العين ربعة، جعد الشعر، فجعلوه: أزرق العين، طُوالاً، سبط الشعر.
وتحريف معنى: وهو أن يؤول على غير ما قصد له.
وقيل، المراد بهم السبعون الذين اختارهم موسى، سمعوا كلام الله ومناجاة موسى، فلما رجعوا حرف بعضهم، وقال، سمعنا الله في آخر كلامه، إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا، وإن شئتم فلا تفعلوا ولا بأس عليكم.
والغريب: ما حكاه ابن حبيب: أن عطاء قال: يسمعون كلام الله يعني
القرآن.
стр. 66
قال ابن حبيب: وأرى أنه أراد بالقرآن التوراة، كما جاء في الخبر.
أن داود ﵇ كان يأمر بدابته أن تسرج فيفتح القرآن فيقرأه إلى أن يفرغ من إسراج دابته.
وكان داود يقرأ الزبور، فسماه قرآناً.
قال. وقد قرأت في أخبار الأنبياء ﵈ في صفة محمد ﷺ إني منزل عليه توراة أفتح به أعيناً عُميا وآذانا صماً، وقلوباً غلفا، فسمى القرآن توراة.
قلت: ويحتمل أن عطاء: أراد القرآن بعينه، وتحريف اليهود نسبتهم القرآن إلى التقول، وأنه يعلمه بشر، وإلى الكهانة، وغيرها مما قالوا فيه - لعنهم الله.
قوله: (بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) .
أي علمكم من الفتح، وقيل: حكم عليكم من الفتاح وهو القاضي.
وقيل: فتح الله عليكم من العذاب والمسخ من فتح الباب.
(إِلَّا أَمَانِيَّ) .
أي أكاذيب، وقيل: تتمنون على الله باطلا، وقيل: بلاؤه، والاستثناء
عند الجمهور منقطع، لأن ما بعده ليس من الكتاب ولا من العلم في شيء.
وإنما هو كقوله: (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ) .
قال الشاعر:
حَلَفْتُ يميناً غيرَ ذي مَثْنَوِيَّةٍ. . . ولا عِلْمَ إلا حُسْنُ ظنٍّ بصاحبِ
قوله: (يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ) .
تقييده بقوله: (بِأَيْدِيهِمْ) تأكيد كقوله: (يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ) .
قال ابن السراج: أي كتبوه من تلقاء أنفسهم، ثم جعل الويل لهم
ثلاث مرات.
стр. 67
والغريب: ما رواه الأعمش عن إبراهيم أنه كره أن تكتب
المصاحف بالأجرة، لهذه الآية. قال عبد الله بن شقيق: كان أصحاب
رسول الله ﷺ يكرهون بيع المصاحف.
قال سعيد بن المسيب ابتعها ولا تبعها، يعني المصاحف.
والعجيب: ما قاله أبو ملك، قال: كان عبد الله بن سعد بن أبي
سرح، يكتب للنبي ﷺ فيملي عليه النبي، غفوراً رحيماً، فيكتب عليماً حكيماً، ثم يقول: أوحي إلي، فنزل فيه، (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا) الآية، والمفسرون على خلافه.
قوله: (إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً) .
أي قلائل، وقيل: معلومة، وجاء في هذه السورة (مَعْدُودَةً) ، وفي
آل عمران (مَعْدُودَاتٍ) ، لأن المعدودة هي القياس لاطراد هذه الصيغة
فيهما واحدها مذكر أو مؤنث، تقول في جمع كوز كيزان - مكسرة -، وليس بأصل أن تقول: مكسرات، وتقول في جمع جمجمة جماجم مكسرة
ومكسرات، قال الله تعالى: (سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) ، وقد يدخل إحداها على الأخرى، فتقول: سرر مرفوعات وأكواب موضوعات ونمارق مصفوفات وأيام معدودات وقيل: لأن التقدير:
стр. 68
ثلاثة أيام معدودة، ثم تجمع فيقال: مثلاً تسمع أيام معدودات، فجاء في البقرة على الأصل، لأنها الأولى، وجاء في آل عمران على الفرع، لأنها الثانية
- وقيل: في قوله: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ) : أي في ساعات
أيام معدودات، يريد التكير عقيب الصلوات، فحذف الموصوف، وهو
المضاف وبقي المضاف إليه والصفة.
قوله: (لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ) .
أي بأن لا تعبدوا، فلما حذف "أن" رفع الفعل كقوله:
أَلا أَيُّهذا الزاجري أحضرُ الوغى. . . وأَنْ أشهدَ اللذاتِ هل أَنْتَ مُخْلِدي
أبو علي: الأخذ من الألفاظ التي تجري مجرى القسم، وتقديره:
حلَّفناهم لا يعبدون، قطرب: حال، أي غير عابدين - الفراء: نفي والمراد
به النهي، وكذلك الكلام في (لَا تَسْفِكُونَ) .
قوله: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)
"الباء" معلق بفعل دل عليه (إِحْسَانًا) ، أي أحسنوا بالوالدين، كقوله: أحسن بي، وقيل: عطف على المعنى، أي ووصيا بالوالدين، ولا يتعلق بقوله: (إِحْسَانًا) ، لأن معمول المصدر لا يتقدم على المصدر.
وقوله: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) ، قيل: عام في جميع الأفعال، وقيل:
قولوا في شأن محمد ﷺ ، من قرأ (حُسْنًا) أي ذا حسن، ومن قرأ (حَسَناً) [بفتح الحاء والسين] جعله وصفاً للمصدر أيضاً: أي قولاً حَسَناً (١) ، وقرىء في الشواذ
стр. 69
"حسنى"، والجمهور على أنه خطأ، لأن فعلى وصفاً لا تأتي إلّا بالألف
واللام، وله وُجَيه، وهو أن يجعل حسنى مصدر إلى الرجعى، فيكون التقدير
أيضاً قولًا ذا حسنى. (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ) أعرضتم.
الغريب: (تَوَلَّيْتُمْ) قتلتم، خطاب ليهود المدينة.
(ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ) .
موصول، و "تَقْتُلُونَ"، صلته، وقيل: أنتم مبتدأ، وهؤلاء، توكيد
وتخصيص، "تَقْتُلُونَ" خبره، وقيل: أنتم مبتدأ، وهؤلاء خبره و"تقتلون" حال لـ (هؤلاء) لازم لزوم النعت للمبهم.
قوله: (وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ) .
جماعة من المفسرين: حكوا قول السدي: إن الله أخذ عليهم أربعة
عهود، ترك القتال، وترك الإخراج، وترك المظاهرة، وفداء أسراهم.
فأعرضوا عن كل ما أمروا إلا الفداء، والظاهر: أن العهود ثلاثة، فإن قوله: (تَظَاهَرُونَ) حال، وليس معه واو العطف أيضاً.
قوله: (وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ) .
قيل: هو كناية عن الأمر والشأن، وقيل: كناية عن الإخراج، فلما حيل
بينهما بقوله، (وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى) ، فسر، لأن تقديره، وتخرجون فريقا
منكم من ديارهم وهو محرم عليكم، وقيل: كناية بشريطة التفسير.
وله عندي وجه غريب: وهو أن نجعل "هو" كناية عن الفريق، لأن الفريق واحد في اللفظ جمع في المعنى، كالقوم، و "مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ" خبره، و "إِخْرَاجُهُمْ" اسم لما لم يسم فاعله، وإن شئت جعل "إِخْرَاجُهُمْ" مبتدأ ثانياً "مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ" خبره تقدم عليه، والجملة خبره.
стр. 70
قوله: (فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ)
يجوزُ أن يكونَ استفهاماً، ويجوز أن يكون نفياً.
قوله: (بِرُوحِ الْقُدُسِ) .
يعني جبريل، والْقُدُس: هو الله، أضيف إليه تشريفاً، كبيت الله
وناقة الله، وقيل: القدس: الطهارة والبركة، فيكون من باب إضافة الشيء
إلى صفته. وقيل: روح القدس، الإنجيل، وسمي روحاً كما سمي القرآن
روحا في قوله: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا) .
وقيل: (روح القدس) ، اسم الله الأعظم، الذي كان به يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص وغيرها.
والغريب: (روح القدس) روح عيسى، وصف بالقدس لأنه لم تتضمنه
أصلاب الفحولة ولا أرحام الطوامث.
وجاء في الغريب أيضاً: أن الله لما أخرج الذرية من ظهر آدم وأشهدهم على أنفسهم، ردها إليه إلا روح عيسى ﵇ فإنه أمسكه إلى وقت خلقه.
(أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ)
نصب على الظرف، وتحقيقه: أن "مَا" مع الفعل في تأويل المصدر، والمضاف محذوف، وهو الوقت، و "كل" مضاف إلى الوقت، وتقديره، أَفكل وقتِ مجيءِ رسول.
(وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ)
أي قتلتم، وجاء بلفظ المستقبل مراعاة لفاصلة الآي.
وقيل: معنى تقتلون تعتقدون جواز قتلهم، وقيل: الواو للحال.
وتقديره، فريقاً كذبتم في حال قتلكم فريقاً.
стр. 71
قوله: (فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ)
في "مَا" خمسة أوجه:
وجهان حسنان، ووجهان غريبان، ووجه عجيب.
فالحسن: أن يكون وصفاً لمصدر محذوف تقديره يؤمنون إيمانا قليلاً، فحذف المصدر، وبقي الوصف.
والثاني فبقليل يؤمنون، فحذف الجار وتعدى الفعل إليه بغير الواسطة.
والغريب: أن "مَا" بمعنى "مَن"، أي فقليلا من يؤمنون.
والثاني: "مَا" مع الفعل في تأويل المصدر، أي فقليلا إيمانهم.
وإنما قلت: غريب لأنه لا ناصب لقوله: "قليلاً" في الآية، ومن أضمر كان وصار استغرب.
والعجيب: أن "مَا" للنفي، وتقديره ما يؤمنون قليلاً ولا كثيراً، لأن ما
بعد "مَا" النفي لا يتقدم عليه.
قوله: (مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ) .
أي يصدق التوراة، لأن مجي المخبر به يجعل المخبِر صادقاً، وقيل:
موافق لما معهم، وقيل: يصدق التوراة والإنجيل أنهما من عند الله.
قوله: (يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا)
الجمهور، على أن معناه يستنصرون، وذلك أن اليهود كانوا إذا قاتلوا غلبوا ودعوا الله، وقالوا: اللهم انصرنا على أعدائنا بالنبي الذي وعدتنا أن تبعثه في آخر الزمان، فينصرون.
وقيل: يسألون الله القضاء بينهم وبين عدوهم به، وقيل: معنى (يَسْتَفْتِحُونَ)
يخبرون بصحة أمره.
والغريب: يستعجلون الناس، هل ولد فيهم من هو بصفة محمد ﷺ .
(فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ)
"لَمَّا" إذا دخل الماضي يكون ظرفاً، وهو اسم يستدعي جواباً، وإذا دخل المستقبل جزم، وهو حرف وقد يأتي بمعنى إلاّ، وجوابه في الآية مضمر، وهو كفروا به، وجاز إضماره، لأن الثاني يدل عليه، وقيل: أجيب "ولما" و"فلما" بجواب واحد، وهو كفروا به، وقيل: (كَفَرُوا بِهِ) ، جواب لقوله: "وَلَمَّا" ولكن لما أطال الكلام أعاد
стр. 72
ذكره، وهذا كقوله: (أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ) الآية، وقيل: (كفرو) جواب
"فلما"، و "فلما" مع جوابه جواب "ولما جاءهم".
(بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) .
اشترى، ابتاع، وشرى، باع، هذا هو الأصل، ثم يوضع أحدهما
مكان الآخر، وخصوصاً إذا كان التبايع بغير الذهب والفضة، لأن كل واحد منهما بائع ومشتر، و "مَا" في الآية بمعنى باع. و"بئس" كلمة وضعت لغاية الذم خلاف "نعم"، ويستدعي فاعلاً فيه عموم وشياع، وقد يضمر الفاعل ويفسّر بنكرة يكون هو المذموم، ويرتفع بالابتداء، والجملة المتقدمة خبره.
وقيل: يرتفع بالخبر، والمبتدأ محذوف، و "مَا" في الآية نكرة، ما بعده صفته، و (أَنْ يَكْفُرُوا) رفع بالابتداء، وهو المذموم، أي بئس شيئاً اشتروا به
أنفسهم، الكفر وقيل: "مَا" هى الموصولة، وما بعده صلته، أىِ بئس الذي
اشتروا به أنفسهم الكفر.
وعند الكوفيين: "مَا" مع بئس اسم واحد
كـ "حبذا" و (أَنْ يَكْفُرُوا) خبر بالبدل من الهاء في "به".
قوله: (قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ) .
لا يسوغ إجراؤه على الظاهر، لا تقول أضرب أمس، وعدَّه
سيبويه، في المجاز.
والغريب: ما قال ابن السراج: إن هذه أمثلة جاز وقوع بعضها موقع
بعض إذا لم يورث التباساً. والذي في الآية بمعنى الماضي، و (مِنْ قَبْلُ) دل
عليه، وقيل إنما جاز ذلك، لأن المعنى لم تعتقدون صحة ما فعل آباؤكم من
القتل من قبل.
стр. 73
والغريب: معناه لم يقصدون قتل محمد ﷺ والأنبياء هنا محمد ﵇ وحده، وقد قصد اليهود قتله.
والعجيب: إنه متعلق بالاستخبار الذي تضمنه معنى "لم"، أي أخبرني
من قبل، كما يقول المناظر الذاب، لم تجوزون الوضوء بغير النية من قبل؟
أي أخبرني عن هذا قبل الشروع في المسائل، ويحتمل أن التقدير قل من
قبل فلم تقتلون.
(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ)
أعاد، لأن الأولى: لعداد النعم، وختمها بقوله: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ) ، والثانية: للاحتجاج، وختمها بقوله: (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) .
(قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) .
للجمهور قولان: أحدهما: سمعنا قولك وعصينا أمرك.
والثاني: قالوا: سمعنا ولم يقولوا عصينا لفظاً، بل حالهم دل على ذلك.
والغريب: ما قال الحسن: أولئك آمنوا طوعاً أو كرها، وإنما هو من
كلام من أدرك محمدا ﷺ ، ثم رجع إلى ذكر آبائهم فقال: (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ) ، أي حب العجل، وهو من قولهم هو مشرب عمره؛ لأنك لا تقول أشرِبتهُ بعض سقيته، ولفظ أكثر المفسرين: سقوا حب العجل، وقيل: سقوا الماء الذي في سحالة العجل من قوله: (لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا) .
قال في هذه السورة: (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ) ، وفي الجمعة (وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ) ، لأن دعواهم في هذه السورة بالغة قاطعة، وهو كون الجنة لهم
بصفة الخلوص، فبالغ في الرد عليهم بـ "لَنْ"، وهي أبلغ ألفاظ النفي،
стр. 74
ودعواهم في الجمعة قاصرة مترددة، وهي زعمهم أنهم أولياء الله فرد
بـ "لا".
قوله: (وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) .
عطف على معنى (أَحْرَصَ النَّاسِ) ، لأن المعنى أحرص من جميع الناس ومن الذين أشركوا، ومن جعله مستانفا، أي ومن الذين أشركوا من يود، أو قوم يود، ففي قوله بعد، لأنه لا يجوز حذف الموصول، وإقامة الصلة
مقامه أصلاً، ولا يجوز حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، إذا كانت
جملة، وإنما يجوز إذا كانت اسماً مثله.
(وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ) ، هو كناية عن التعمير، وأَنْ يُعَمَّرَ
تفسيره.
والعجيب: قول من قال: هو كناية عن الأمر، فان "الباء" لا تدخل
الجملة، وكذلك من جعله عماداً، لأن خبر "مَا" لا يتقدم على اسمه.
(مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ) .
خصّا بالذكر بعد الملائكة لشرفهما، و "الواو" فيه للتفصيل لا للجمع.
علي بن عيسى: "الواو" بمعنى أو، وليس للجمع، لأن ذلك يؤدي إلى
تسهيل عداوة الواحد منهم إذا انفرد.
والغريب: قول من قال أنهما ليسا من الملائكة، والمعطوف غير
المعطوف عليه، وجبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل أمراء الملائكة.
والملائكة كالأتباع والجنود لهم، ولفظ الجند لا يشتمل على الأمير، ولهذا
стр. 75
جاز إضافة الجند إليه، تقول جند الأمير، وجواب الشرط مضمر تقديره: فإنه كافر والله عدو للكافرين.
قوله: (وَاتَّبَعُوا) .
عطف على (نَبَذَ) .
(مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ)
قيل تتبع، وقيل: تقص وتقرأ، والتقدير، ما كانت الشياطن تتلوا، وقيل: حكاية الحال، وقيل، مستقبل وقع موقع
الماضي، ويحتمل أنه على أصل الاستقبال، أي تتلو الآن، لأن ذلك قد امتد
إلى زمن النبي ﷺ .
(عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ)
أي في عهده وزمانه، قال:
فَهي على الأفْق كعَينِ الَأحولَ.
وقيل: مملكته وسلطنته، ودل على الكذب كما تقول: قال عليه.
وروى عليه، قال:
وما كل مَن تظَنني أَنا مُعتبٌ. . . وما كُل من يَروي عليَّ أَقول
(وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ)
جواب لليهود حين قالوا: إن سليمان لم يكن
نبيا، وإنما ملك الِإنس والجن والطير بالسحر.
وفي سب معتقدهم ذلك قولان:
أحدهما: لما كثر السحر في بني إسرائيل، اطلعَ الله سليمان - عليه
السلام - عليه، فاستخرجه من أيديهم، ودفن تلك الكتب تحت كرسيه.
والثاني: أن الشياطين كتبوها ودفنوها في خزانته حين فتن سليمان، فلما
مات ﵇ استخرجها الشياطين، وقالوا هذا سحر سليمان وبه كانت