← Адаб

Адаб · id 12821

خريدة القصر وجريدة العصر - قسم شعراء العراق جـ 1

العماد الأصبهاني الكاتب

Полный текст (363 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله مودع أرواح المعاني أشباح الألفاظ، ومطلع ذكاء الذكاء من أفلاك الإدراك للقرائح الأيقاظ، ومظهر أسرار الحكم لأحداق الضمائر الناظرة، ومنور أزهار الكلم في حدائق الخواطر الناضرة، وحافظ نظام البلاغة في كل عصر، وحاصر أقسام البراعة في نوعي نظم ونثر، الذي أفاض على الأفاضل حلل الكرامة، وخصهم لخصائصهم بالفخار والفخامة، وأرسل محمداً صلوات الله عليه بالفصاحة المعجزة في البيان، والحكمة الواضحة البرهان، وأنزل عليه الذكر العربي المبين، وجعله لحمل أمانة وحيه القوي الأمين، وأيده بذوي الفضائل الغر، والفواضل الغزر، من آله وصحابته، وعين أهل العلم لوراثته، وأصفى بشرعه مشرع أمته، صلى الله عليه وآله وصحبه وعترته. أما بعد، فإنني لما رأيت الفضل في عصرنا هذا، وإن ضاع

стр. 2

عرفه، قد ضاع عرفه كما أنه، وإن زان ضعفه، فقد زاد ضعفه، لفساد أمره، وكساد سعره، وهبوط نجمه، وسقوط رسمه، وحط حظه، وقلة عناية هله بحفظه، آثرت أن أثر من مآثر أهل العصر ما يخلد آثارهم، ويجدد منارهم، فإنني ألفيت أبكار أفكارهم قد عنست، وآرام شواردهم في خميلة الخمول كنست، وعرائس نفائسهم عند الأكفاء ما عرست، وبعد الوحشة ما أنست، والبواعث قلت بل عدمت، والحوادث جلت بل عظمت، وكنت منذ شمت بارقة الأهب، وركبت في استفادة العلم صهوة الطلب، ذاك وصبا الصبا في ريعان الهبوب لها مسرى ومسير، وشبا الشباب الطري

стр. 3

طرير، وأنا أحب أن أجمع محاسن من محاسناهم الدهر المسيء، وأظهر مزاين من غفل عن التحلي بمزاياهم الزمان البذئ، وكنت قد طالعت كتابي يتيمة الدهر، ودمية القصر للثعالبي والباخرزي في محاسن أهل عصريهما الشعراء، وقد بلغا الجهد في إظهار اجتهاد البلغاء، وما وجدت بعد ذلك من عني بذلك كعنايتهما، ولا من حدث نفسه أنه يبلغ إلى غايتهما، فصنفت هذا الكتاب وألفته، ورقمت هذا الوشي

стр. 4

وفوفته، وسميته خريدة القصر وجريدة العصر؛ لأنها حسناء ذات حلي وحلل، غانية تغبطها على الحسن أقمار الكلل. فهذا الكتاب كالروض الأنف يجمع أنواع الزهر، وكالبحر تضمن على نواصع الدرر؛ وكالدهر يأتي بعجائب العبر، يشتمل على فنون وعيون، وأبكار للمعاني وعون، وأصناف فوائد، وأصداف فرائد، وضروب ضرب، وضروع أرب، وظروف ظرف، وحروف لطف، فكم فيه من يتيمة لتاج قدره، وكريمة في خدره، وديمة لودقه، وهلال لأفقه؛ ويتضمن من شريف الكلام وحره، ودريه ودره، ولطيف القول وبديعه، وغريبه وصنيعه، ما إذا اجتليت أنواره، واجتنيت أثماره، ونظرت إلى استقامة سمته، وسلامة نحته، وجدته محمي الحريم بالصون، مفري الأديم علي الحسن، منيع الجناب للعاكف، حلو الجني

стр. 5

للقاطف، لا يطلب إذناً على أذن، ولا يلتمس رهناً من ذهن، ولا يحتجب عنه قلب، ولا يحتجر معه لب، بل يعانق القلوب بقبوله معانقة، ويعالق الأرواح براحة معالقة. وقد ذكرت أهل عصري، وأهل عصر آبائي وأعمامي، فالكتاب مشتمل على العصرين: السالف الماضي، والحاضر النامي. وأكثر ما أوردته شعر من أروي عن واحد، عنه، إن لم يكن أدركته وسمعته منه، ولم أقتصر على المنتقى المنتقد، والمثنخل المنتخب، بل ذكرت لكل شاعر ما وقع إلي من شعره، وأثبته: إما لمعنى غريب، أو لفظ مستحسن، أو أسلوب رائق، أو حديث بحال من الأحوال لائق، وطلبت الاستكثار من الفوائد، وضممت الشذور إلى الفرائد. والذي بعثني أولاً على جمع هذا الكتاب أنني وجدت المعاصرين لعمي الصدر الشهيد عزيز الدين أبي نصر أحمد بن حامد من الشعراء ما فيهم إلا من أم قصده، وطلب

стр. 6

ووفد عليه بمدحه، واسترفده من منحه، وفاز عنده بنجحه، وأدرك في ليل الأمل من الفوز ضوء صبحه، وحمل إليه بضائع فضله فحصل من إفضاله بربحه، وكلهم ممتدحه، ومستميحه ومستمنحه، فأحببت أن أحيي ذكرهم، وأقابل بمجازاة شكري شكرهم. وكانت المدائح المجموعة في عمي العزيز مجلدات، غير أن العدو لما نكبه، نهبها، وذهب بها وأذهبها، لكنه لم يسلب الأصل والمحتد، ولم ينهب المجد والسؤدد. وقد كتبت منها بعض ما حصلته، ومهدت به ذكره على قاعدة الخلود وأثلته. وقد قسمت هذا الكتاب أقساماً. القسم الأول فضلاء بغداد وما يجري معها من البلاد خلفاء وأمراء بني العباس الإمام المستضيء بالله أمير المؤمنين وابتدأت القسم الأول من العراق مزكي عرقي، ومنشأ حقي، وموطن أهلي، ومجمع شملي. وهو الإقليم الأوسط، والأقنوم الأحوط، وأهله الراسخون علوماً، الباذخون حلوماً. وقدمت مدينة السلام؛ لأنها حوزة الإسلام، وبيضة مملكة الإمام، وتبركت بذكر من أدركته من الخلفاء، ومن أدركه منهم والدي وأعمامي، الذين يشتمل هذا الكتاب على محاسن أيامهم، ومزاين أجوادهم وكرامهم، وذكرت من شعر كل واحد منهم ما سمعته، تفضيلاً لكتابي هذا على الكتب المصنفة في فنها، ليربي بحسنه على حسنها،

стр. 7

فهو - بإشراق أضواء ذكر الإمام المستضيئ بأمر الله أمير المؤمنين أبي محمد الحسن ابن الإمام المستنجد - مضيء المطالع مشرقها، صافي الشرائع مغدقها. والإمام المستضيئ واحد العصر نبلاً، وثاني البحر فضلاً، وثالث العمرين عدلاً، بل ثالث القمرين أنواراً، وثاني القدر أثراً وإيثاراً، وواحد الزمان قدراً ومقداراً. وهو الثالث والثلاثون من خلفاء بني العباس، ذو الفضل والإفضال والنائل والسطوة والباس، ترجى موهبته، وتخشى هيبته، وتدعى هبته، وينادي نداه فيجبر ويجيب، ويجتدي جداه فيصوب ويصيب. أما السماح فهو بدر سمائه الزاهر، وأما الكرم فهو بحر عطائه الزاخر، وأما الفضل فهو جامع شتاته، ورافع راياته، وواضع شرعه، وشارع وضعه، ومشرق آفاقه، ومنفق أسواقه، قس الفصاحة، وقيس

стр. 8

الحصافة، وصديق السماحة، وفاروق الحماسة، وعثمان الحلم، وعلي العلم. حلل الأيام معلمة منه بطراز العدل، وحلل الأنام مكرمة بإعزاز الفضل. وفي عصره المذهب تسنت الفتوح الأبكار، وجرت على الإيثار الآثار، واستخلصت مصر من الأدعياء، واليمن من الأعداء، وملك بنو أيوب، ومكن الله

стр. 9

ليوسفهم في الأرض، وعادت مصر آهلة بالمقيمين وظائف السنة والفرض. ولما بويع له بالخلافة في تاسع ربيع الآخر سنة ست وستين وخمس مئة، كنت

стр. 10

بالموصل، فعملت هذه الأبيات المهموزة، ونفذتها إليه على يد الفقيه شرف الدين بن أبي عصرون، فعاد إلي بخلع منه سنية، ودنانير أميرية، وصيرها الإمام رسماً في كل سنة، والأبيات هي: قد أضاء الزمان بالمستضيئ ... وارث البُرْد وابن عم النّبيء جاءَ بالحقّ والشريعة والعد ... لِ فيا مرحباً بهذا المجيء

стр. 11

رَتَع العالمون من عدله الشا ... مل في المرتع الهنيء المريء ورعوا منه في مَرادٍ خصيبٍ ... لا وخيم ولا وبيل وبيء رقدوا بعد طول خوف مقضّ ... في ذَرا الأمن والمهاد الوطيء فهنيئاً لأهل بغدادَ فازوا ... بعد بؤسٍ بكلّ عيش هنيء سأوافي فِناءَهُ عن قريب ... مسرعاً كي أفوز غيرَ بطيء وأحلّي عيشي بجدّ جديد ... وأهنّي فضلي بحظّ طريء وتُريني الأيام نقداً من الآ ... مال ما كان قبله في النسيء وأمانيّ سوف يظهر منها ... عند قصدي ذَراه كلُّ خبيء عاد حظّي من النحوس بريئاً ... وغدا السعد منه غير بريء ولقيتُ الدّهرَ العبوسَ وقد عا ... دَ بوجهٍ طَلْقٍ إليِّ وَضيء ومُضيء إن كان في الزمن المُظلم فالعَود في الزمان المُضيء ثم مدحته بعد ذلك بقصائد. ولما خُطِب له بمصرَ سنة سبع وستين في أيام الوزير عضد الدين، كتبت

стр. 12

إليه قصيدة، أولها: قد خطبنا للمستضيئ بمصرٍ ... وارثِ المصطفى إمام العَصْرِ وخذَلنا لنصره العَضُدَ العا ... ضِدَ والقاصر الذي بالقَصْر قصدت بالعضد العاضد المجانسة، ونصرة وزير الخليفة كنصرته. وأشعنا بها شِعار بني الع ... باس فاستبشرتْ وجوهُ النصر ووضَعْنا للمستضيئ بأمر ال ... له عن أوليائه كُلَّ إصْرِ

стр. 13

ومنها: وجرى من نَداه دِجْلَةُ بغدا ... دَ بشطر ونيلُ مصر بشطرِ وقد اهتز للهدى كلُّ عِطفٍ ... مثلما افترَّ بالمنى كلّ ثَغْرِ فبَجدْواهُ زائلٌ كلّ فَقرٍ ... وبنُعماه آهِلٌ كلِّ قَفْرِ ونداهُ الهدى أزال من الأس ... ماع في كلّ خطّةٍ كلّ وَقْرِ نشكرُ اللهَ إذْ أتمّ لنا النص ... رَ ونرجو مَزيدَ أهلِ الشكر ونشرنا أعلاَمنا السودَ فهراً ... للعدى الزرق بالمنايا الحمر خلفاء الهدى سَراة بني الع ... باس والطيّبونَ أهل الطهرِ كشموس الضحى كمثل بدور ال ... تمِّ كالسحب كالنجوم الزهر

стр. 14

وتمام الحبور ما تمّ من خط ... بة خير الخلائف ابن الحَبْرِ مَهْبطُ الوحي بيته منزل الذكْ ... ر بشَفْعٍ من المثاني ووِتْر ومنها: ليس مُثري الرجال مَنْ ملكَ الما ... ل ولكنّما أخو اللبّ مُثْر ولهذا لم ينتفع صاحب القص ... ر وقد شارف الدُّثُورَ بدَثرِ ومنها في مدح لسوي نظم مدحه أهجر النظْ ... مِّ فما مَدحُ غيره غير هُجْر وأرتنا له قلائدَ من مس ... نٍ وبِرّ ليست بجِيدٍ ونَحْر وبإِنعامه تَزايد شكري ... وبتشريفه تَضاعف فخري كم ثَراءٍ وقوةٍ وانشراحٍ ... منه في راحتي وقلبي وصدري وعليِّ النُذُورُ في مثل ذا اليو ... مِ وهذا يوم الوفاء بنَذْري واستهلّت بوارق الأنعم الغرِّ ... به في حَيا الأيادي الغُزْر

стр. 15

نَعشَ الحقَّ بعدَ طول عثارٍ ... جَبرَ الحقّ بعدَ وَهْنٍ وكسر دام نصرُ الهدى بملك بني الع ... بَّاس حتى يكونَ يوم الحشر وهذه قصيدة طويلة جداً، ولكنني اقتصرت منها على هذا القدر. ومن قصائدي في مدحه: هل عائدٌ زمنُ الوصالِ المنْقَضِي ... أم عائدٌ لي في الصبابة ممرضي لا أشتكي إلاّ الغرام فإِنّهُ ... بَلوى عليِّ من السماء بها قُضي يا لاح حالي في الهَوى مشهورةٌ ... حاوَلتَ تسليَتي وأنت مُحرّضي خَفِّضْ عَليكَ فما الملامُ بناجعٍ ... فيمن يقولُ لكلِّ لاحٍ خَفّض كان التعرُّضُ لي بِنصحك نافعي ... لو كان يمكن للسُّلوّ تَعرُّضي عَرَّضت وجدي للسلوّ ومُتْعِبٌ ... كتمانُ سرٍّ للوُشاةِ مُعرِّض أَنفقتُ ذُخر الصبر من كلفي فهل ... من واهبٍ للصبر أو مِن مُقرِض أيبلُّ مُضنىً قلبُه مُتَهدِّفٌ ... لسهام رامٍ للّواحظِ مُنْبِضِ شَغَفي بأغيَدَ مُقْبلٍ بوداده ... لمحبّه ويَصدّ صَدِّ المعرِض

стр. 16

شكوايَ من دَلٍّ يزيدُ مُحبّبٍ ... وضَنايَ من صدٍّ يدوم مُبغِّض يا حبّذا ماءُ العُذَيْبِ وحبّذا ... بنِطافه الغُزرِ العِذاب تمضمضي لَهفي على زمن الشباب فإنِّني ... بسوي التأسّف عنه لم أتعوض نُقِضَتْ عُهودُ الغانياتِ وإنها ... لولا انقضاءُ شبيبتي لم تَنقض كان الصِبا أضفى الثياب وإنما ... ذهبت نضارة عيشتي لمّا نُضي يا حسنَ أَيام الصِّبا وكأنها ... أيامُ مولانا الإِمام المستَضِي وهذه القصيدة أيضاً طويلة. الإمام المستنجد بالله أمير المؤمنين المستنجد بالله أبو المظفر يوسف أمير المؤمنين ابن الإمام المقتفي لأمر الله أمير المؤمنين أبي عبد الله محمد بن المستظهر بالله أمير المؤمنين أبي العباس أحمد بن المقتدي بأمر الله أمير المؤمنين عبد الله بن الذخيرة محمد بن أمير المؤمنين القائم بأمر الله عبد الله بن القادر بالله أمير المؤمنين أحمد بن ولي العهد إسحاق بن أمير المؤمنين المقتدر بالله أبي الفضل جعفر ابن أمير المؤمنين المعتضد بالله أبي العباس أحمد بن الموفق بالله أبي أحمد طلحة بن أمير المؤمنين المتوكل على الله أبي الفضل جعفر بن أمير المؤمنين المعتصم بالله أبي إسحاق محمد بن أمير المؤمنين الرشيد أبي جعفر هارون بن أمير المؤمنين المهدي أبي عبد الله محمد بن

стр. 17

أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، ﵁ وعن آبائه، الذي نطقت بشرفه السور، وأرخت بفضيلته السير، ووضحت حجول أيامه والغرر، وتسنى في زمانه للإسلام الظفر. أما شرفه، فهو أوضح من ذكاء. وأما مناقبه، فهي بعدد أنجم السماء. بويع له بالخلافة يوم الأحد، ثاني ربيع الأول، سنة خمس وخمسين وخمس مئة يوم وفاة المقتفي، وتوفي تاسع شهر ربيع الآخر سنة ست وستين وخمس مئة. وكان يحب الفضل وذويه، ويستخدمهم، ويقربهم. وله شعر حسن، فمنم ذلك ما ذكره الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة في كتاب صنفه له يشرح أبياته، ويقول: وإنما غرض كتابنا هذا شرح أبيات سمح بها خاطره ارتجالاً، وأنا قائم بين يديه، في شخص لا أعلمه في الحقيقة إلا هو. سَهْلُ التَّعَطُفِ في الصواب دِرايةً ... بمآله متوقّفٌ في ضدّهِ مُتأيِّدٌ في رَأْيه لسداده ... طلاّع أنجده بواري زنده والسيفُ يَفْري الهامَ من إفْرِندِه ... لا ما يُقال مَضاؤه في حَدّه

стр. 18

وكذا اللّبيبُ يرى الصواب برأيه ... لا يَستريب بقربه أو بُعدِه وإذا الشجاعة يُسِّرَتْ لمُسدِّدٍِ ... حاز النُّهى منم حزمه وبجدِّه وله: وباخِلٍ أشعل في بيته ... طرمذةً منه لنا شَمْعَهْ فما جرت من عينها دمعة ... حتى جرت من عينه دَمعَهْ ولأمير المؤمنين المستنجد بالله: خاله حالٍ وحالي خالُه ... شَجِيَ الصبُّ به والخال خال ومنها: بان لما بان فيه يَقَقٌ ... ونُصولُ الشيب فلّ في النِّصال ونظم شرف الدين مظفر بن الوزير ابن هُبيرة على وزنها قصيدة، منها:

стр. 19

وبنو الأشراف من تحملهم ... عزّة السُّؤل على ذل السؤال وللمُستنجد في عامل له كان يمن بخدمته: يَمُنُّ ولا يَدري بأني عالمٌ ... بأفعاله، والمنُّ بالمنّ يُوزَنُ وفي القول تعريضٌ وفيه غباوةٌ ... ولولا تغابيه لقد كان يَفطِنُ وهذه الأشعار أكتبها لشرف قائلها، وقد قيل: وخيرُ الشعر أشرفه رجالاً ... وشرُّ الشعر ما قال العبيدُ على أنها قد أعجزت الشعراء، وأعجبت البلغاء الفصحاء. ويُنسب إلى الإمام المستنجد شعر: وقد تُنظر الأشياء بالسمع إن جرت ... موانع صدَّتْ عن تأمُّلِ ناظِر وله ﵁ في وصف سمعة: وصفرآء مثلي في القياس ودمعُها ... سِجامٌ على الخدّين مثل دموعي

стр. 20

تذوبُ كما في الحبِّ ذبتُ صبابة ... وتحوي حشاها ما حَوته ضلوعي وقد تبركنا بذكر الخلفاء الراشدين، الذين أدركتهم وأدركهم والدي وجدي، وأولهم: القائم بأمر الله عبد الله بن القادر بالله توفي ﵁ في ليلة الخميس ثالث عشر شعبان سنة سبع وستين وأربع مئة. وكان بويع له بالخلافة يوم موت أبيه القادر، يوم الاثنين الحادي عشر من ذي الحجة سنة اثنتين وعشرين وأربع مئة. وكانت مدة خلافته أربعاً وأربعين سنة وثمانية أشهر وخمسة وعشرين يوماً. وكان ولياً من الأولياء، ولو جاز بعث نبي لكان من الأنبياء، وهو أزهد الخلفاء.

стр. 21

وله شعر، وقد ذكرته - وإن سبق عصره - تيمناً بذكره، وأورده السمعاني. فمن ذلك قوله: القلبُ من خَمرِ التَّصابي منتشٍ ... مَن ذا عَذيري من شراب مُعْطشِ والنفسُ من بَرْحِ الهوى مقتولةٌ ... ولكَمْ قتيلٍ في الهوى لم ينعش جُمعت عليِّ من الغرام عجائبٌ ... خلفن قلبي في إسار موحش خل يصد وعاذل متنصح ... ومعاند يؤذي ونمام يشي وقوله سنة الغرق وهي سنة ست وستين وأربع مئة.

стр. 22

يا أكرم الأكرمين العفو عن غرق ... في السيئات له وِردٌ وإصدارُ هانت عليه معاصيه التي عَظُمَت ... علماً بأنَّك للعاصين غفّار فامنُنْ عليّ وسامحني وخذ بيدي ... يا مَن له العفو والجنّات والنار وقوله ﵁: سقى ليلنا بأعالي الرُّبا ... من المزن هطّالةٌ تنسجم سَهرنا على سنّة العاشقين ... وقلنا لما يكره الله نَم وما خيفتي من ظهور الوَرى ... إذا كان ربُّ الورى قد علِم وقوله، وما أحسن التشبيه الذي اخترعه!: قالوا الرحيل فأنشبتْ أظفارها ... في خدِّها وقد اعتَلقْنَ خضابا واخضرَّ تحت بنانها فكأَنَّها ... غَرَستْ بأرض بنفسج عُنَّابا المقتدي بأمر الله أمير المؤمنين بن الذخيرة أبي العباس محمد بن القائم بويع له بالخلافة نهار ليلة وفاة القائم جده، بين الظهر والعصر، وله

стр. 23

تسع عشرة سنة. وظهرت في أيامه خيرات كثيرة، ومبرات وافرة، وآثار حسنة في البلدان القاصية والدانية، وكما ذكر عن المتوكل وأيامه إنها كانت أحسن من الخصب بعد الجدب، والسلم بعد الحرب، والأمن بعد الرعب. توفي يوم السبت رابع عشر المحرم سنة سبع وثمانين وأربع مئة. ومدة خلافته تسع عشرة سنة وخمسة أشهر وثلاثة أيام. والدي، ﵀ ولد في زمانه. ومن شعره، الذي أورده السمعاني، قوله: أردت صفاء العيش معْ من أُحِبُّهُ ... فحاولني عمّا أريد مَريد

стр. 24

وما اخترت بتّ الشمل بعد اجتماعه ... ولكنّه مما يريد أُريد وقوله: أما والذي لو شاء غيَّر ما بنا ... فأهوى بقوم في الثرّيا إلى الثرى وبدّلنا من ظلمة الجور بعد ما ... دجا ليلها صُبحاً من العدلِ مسفرا لئن نظرت عيني إلى وجه غيره ... فلا صافحت أجفانها لذَّة الكرى وإن تسعَ رجلي نحو غيرك أو سَعتْ ... فلا أمِنَتْ من أن تَزِلَّ وتعثرا فواللهِ إنِّي ذلك المخلص الذي ... عزيزٌ علي الأيّام أن يتغيرا الإمام المُستظهر بالله أبو العباس أحمد أمير المؤمنين بن المقتدي بأمر الله. وكانت علامته: القاهر الله. بويع له بالخلافة يوم الثلاثاء ثامن عشر المحرم من سنة سبع وثمانين وأربع مئة. فإن المقتدي توفي يوم السبت، ولم تظهر وفاته إلى يوم الثلاثاء، وصلي عليه في هذا اليوم. وسن المستظهر يوم بيعته ست عشرة سنة وشهران وتسعة وعشرون يوماً، لأن مولده كان يوم السبت العشرين من شوال سنة سبعين وأربعة مئة.

стр. 25

وكانت أيامه مواسم للتهاني، ومباسم مفترة عن ثنايا الأماني، وزمانه مذهباً، وإحسانه للبس مذهباً، وشأنهُ مهذباً، وهو أوضح وأشرح صدراً ومذهباً. وكان عصره عصر العدل والجود، وإشراق السعود وإخفاق الحسود، وأسواق الفضلاء نافقة، وحظوظ الكرام لهم موافقة، إلى أن قبضه الله حميد الأثر، كريم الورد والصدر، وجميل السير، يوم الأربعاء الثالث والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وخمس مئة. وكانت مدة خلافته خمساً وعشرين سنة وثلاثة أشهر وخمسة أيام. ومن شعره الذي أورده السمعاني، قوله ﵁: أذاب حرُّ الجوى في القلب ما جمدا ... يوماً مددتُ على رسم الوَداع يدا فكيف أسلكُ نَهجَ الاصطبار وقد ... أَرى طرائقَ في مَهوى الهوى قِدَدا قد أخلفَ الوعدَ بدرٌ قد شُغِفتُ به ... من بَعد ما قد وفى دهري بما وَعدا

стр. 26

إن كنت أنقضُ عهد الحبِّ في خَلَّدي ... من بعد هذا فلا عاينتُه أبدا وله مثال إلى زين الملك أبي سعد هندو بن محمد نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم لكَ يا زين الملك من شريف الارتقاء ما يزلفك إلى الحسنى، في العاقبة والأولى، وما أبديته من خبايا الإخلاص فهو يقتضي عطايا الاختصاص، والسكون إلى ولائك مستدام، يبقى على مرور الأيام، والثقة بطاعتك مشتهرة عند الخاص والعام. ومع هذه الأسباب والأواخي، فما نقنع منك بالإغفال والتراخي، والله يعلم أن الشفقة على السيرة الغياثية أمرٌ قد ظهر حكمه وتم،

стр. 27

وقد قيل: نسبه لها عمراً ثُمّ نَمْ. وفي هذه الإشارة مقنع، مع خلوص عقيدتك يا زين الملك وأنت أجدر بالمذاكرة بما يجمع بين الأجر والثواب، وجميل الذكر المستطاب، والله عنده حسن الثواب. الإمام المسترشد بالله أبو منصور الفضل أمير المؤمنين بن المستظهر. ومولدي في عصره. بويع له بالخلافة يوم وفاة والده، واستشهد بالمراغة في سادس عشر ذي القعدة سنة تسع وعشرين وخمس مئة، فتكت به

стр. 28

الملاحدة، خذلهم الله، فكانت مدة خلافته سبع عشرة سنة وسبعة أشهر. وثلاثة وعشرين يوماً. وعلامته: الناصر الله. ومن شعره ما أنشدت له، وهو قوله: أنا الأشقر الموعود بي في الملاحم ... ومَن يملك الدنيا بغير مُزاحِم ستبلغ أرض الروم خيلي وتُنْتضي ... بأقصى بلاد الصين بيضُ صواري

стр. 29

وقوله: ودونَ بغدادَ وما حَوْلَها ... خليفةٌ أشجعٌ من عَنْترِ وأورد السمعاني في المذيل قوله: أقول لشَرْخ الشباب اصطبرْ ... فولِّي وردَّ قضاء الوطَرْ فقلتُ قنعتُ بهذا المشيب وإن زال غيمٌ فهذا مَطَرْ فقال المشيبُ أيبقى القُتار ... على جَمرَةٍ ذاب منها الحَجَرْ وقوله: قضيتُمْ حقوق الوُدِّ ثم نأيتُمُ ... فقلت: أراني الله يُمْنَ جِوارِكمْ ولي ساعدٌ يَمري ضُروع سعودكم ... وزيّنهاريّ بفصٍّ سواركمْ وكل نسيم هبّ من عرَصاتكم ... يُعطّر أوقاتي بَعرْف صُوارِكم ذكرتُ بخير في البوادي نَواركم ... وخيَّم في سمعي ملام نَواركم

стр. 30

الإمام الراشد بالله أبو جعفر منصور بن المسترشد. تولى الخلافة بعد والده في سادس عشر ذي القعدة سنة تسع وعشرين وخمس مئة. ثم خرج من دار الخلافة متوجهاً إلى الموصل، وخلع؛ وبويع الإمام المقتفي لأمر الله يوم الأحد خامس عشر ذي القعدة سنة ثلاثين، فكانت مدة ولايته سنة. ثم تنقل إلى ديار بكر وأذربيجان ومازندران، ثم إلى أصفهان، وأقام على بابها مع السلطان داوود بن محمود، والبلد محاصر، وهناك قحط عظيم، وضر عميم. أذكر، ونحن أطفال، وقد خرجنا من البلد وأقمنا بالربط المبنية عند المصلى بالقرب

стр. 31

من زندَ ورد، والمعسكر قريب منا، فسمعنا أصواتاً هائلة وقت القائلة من نهار يوم الثلاثاء سادس عشرين شهر رمضان سنة اثنتين وثلاثين، فقيل لنا: إن الخليفة قد فتكت به الملاحدة - خذلهم الله - وخرج أهل أصفهان حافين حاسرين، وشيعوا جنازته إلى مدينة جي، ودفنوه ﵁ بالجامع. وكان له الحسن اليوسفي، والكرم الحاتمي بل الهاشمي. وقد أورد السمعاني في تأريخه هذه الأبيات منسوبة إليه: زمانٌ قد استنَّتْ فِصال صُروفه ... وذلّل آساد الكرام مع القَرعى

стр. 32

أكولته تشكو صُروفَ زمانها ... فليس لها مأوى وليس لها مرعى فيا قلب لا تأسفْ لعيه فربّما ... ترى القوم في أكناف آفاته صَرعى وكان قد استدعى والدي صفي الدين ﵀ ليوليه الوزارة، فتعلل عليه، وكانت الخيرة فيه. الإمام المقتفي لأمر الله أمير المؤمنين أبو عبد الله محمد بن المستظهر. قد ذكرنا يوم بيعته. ونشأت أنا في ظل عارفته، وخصصت بتشريفه وكرامته، وتشرفت بخدمته، وغرفت من بحر نعمته. ولقد كان عارفاً بأقدار الرجال، محباً لأهل المروءة والتجمل والجمال، فائض السجال، سابغ الظلال لبني الآمال. توفي يوم الأحد ثاني ربيع الأول سنة خمس وخمسين، فكانت مدة خلافته رضوان الله عليه أربعاً وعشرين سنة وثلاثة أشهر وستة عشر يوماً، وكانت مدة عمره خمساً وستين سنة وأحد عشر شهراً وثمانية أيام، لأن مولده كان في الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول سنة تسع وثمانين وأربع مئة.

стр. 33

وكان ذا علم وافر، وفضل باهر، وعدل شامل، وإحسان كامل. وهو الذي أقام حرمة دار الخلافة، وأعاد رونقها، وحفظ رمقها، وقطع طمع الأعاجم عنها، وحكم بأسهم منها. وله مكاتبات حسنة، وتوقيعات مستطرفة. وذكرت ولده المستنجد بالله أولاً، لأنه أقرب عصراً، وأسير شعراً. الأمير أبو الحسن علي بن المستظهر بالله توفي في أيام أخيه المسترشد بالله. ومما كتب به إلى أخيه حين خرج من الدار العزيزة، واتصل بملك العرب دبيس بن صدقة، فلم يرع ذمام قصده، وسلمه إلى أخيه: فأشمتَّ أعدائي وأوّهنْتَ جانبي ... وهِضْتَ جناحاً رَيِّشَتْه يدُ الفخر

стр. 34

وما أنت عندي بالملوم ولا الذي ... له الذنب هذا قَدْر حظّي من الدّهر وله: قد جدّدَ الدهر في الوَرى مِحَنا ... وأودع الدهر في الحشا حَزَنا لو كان شخص يموتُ من أسفِ ... على حبيب نأى لكنتُ أنا وكان وصولي إلى بغداد في الأيام المُقْتَفوِيِّة، وفي ظِلّها المنشأ، وفي فضلها المربي، وفي جوارها حصل الأمن، ووصل المنّ؛ وبخدمتها عُرِفتُ، وبنعمتها تَعرْفتُ، وفي جَنابها حَلا الجنى، وعَلا السنا. وأَول مَنْ مدحته من الخلفاء المُقتفي ﵁. خَدَمْتُه في سنة اثنتين وخمسين وخمس مئة، بقصيدة عقيب انكشاف كربة الحصار برحيل محمد شاه عن بغداد، أولها: أَضحتْ ثغور النصر تبسم بالظَفَرْ ... وغدت خيول النصر واضحة الغُرَرْ ومنها: يا ابن السَّراةِ ذوي العُلى من هاشم ... والأكرمينَ أُولي المناقب من مُضَرْ

стр. 35

متقلّدي الذكر المنزّل فيهمُ ... إن نازلوا بَدلاً عن العَضْب الذَّكر أنت ابن عمِّ المصطفى وسميُّه ... إبشر فإِنّك بعده خير البشر من راحتيك المُزن في المَحْل احتدي ... وإلى سناك البدرُ في الليل افتقرْ أدنى وليِّ في رضاك مُعَظّمٌ ... وأَجَلُّ ذي مُلْكٍ بسخطك مُحتقَرْ أضحى حمى الباغي رضاك ممنّعاً ... بين الورى وغدا دم الباغي هَدَرْ لو كنتَ في زمن النبيِّ لأُنزِلَتْ ... في هذه السِّيرِ التي لَكم سُوَرْ بكم الورى في نعمة لا تَنقضي ... لا تنقضي والله نعمةُ من شَكَرْ في أنفس بكم تُقَرُّ وألسن ... بكم تُقِرُّ وأعينٍ بكم تَقَرّْ عصيكمُ لم يقضِ إلا نحبه ... من دهره ومطيعكم إلا الوَطَرْ ومنها أصف ركوبه: لما شفعتَ العزمَ وهو مؤيَّدٌ ... بالحزم أسفر بالمُنى منك السَّفرْ وبرزتَ مثلَ الشمسِ تُشرق للورى ... وسَناك يحجُبُ عنك ناظِر مَنْ نظرْ فِي شيبةٍ مفطورة للهِ من ... أنواره سبحانه فيما فَطَرْ بيضاء يستسقى بها صوبُ الحيا ... وبأصلها إذ أجدبوا استسقى عمر

стр. 36

وكأنما تلك المِظلَّةُ هالةٌ ... وجه الإمام بضيئ فيها كالقمرْ ومنها في صفة الجيش: للهِ جيشٌ للخليفة قاده ... ربُّ الخليفة بالميامن والظّفَرْ مَجْرٌ إذا جَرَّ القنا لا يرتضي ... وجه المَجرَّة أن يكون لها مَجَر أَشجار خَطٍّ إن تشاجرت العِدى ... أضحت لها هاماتُ مُخْيطهم ثَمرْ فوق الجياد الجُرْدِ ما وردت وغىً ... إلا وخيل عدوّها عنها صَدَرْ يتركن في الظمأ الزُّلال بصفوه ... ويَرِدنَ في الروع الدماء على كَدَرْ فالأرض وهي فسيحة ضاقت به ... وعلى العدى منه فما وجدوا مَقَرْ قد أوقدوا ناراً هم احترقوا بها ... وشِرارهم متطاير بهم الشَّرَرْ لما أبوا ما فيه خيرهُمُ أتوا ... ما فيهم بَشَرٌ نجا إلا بِشَرْ ومنها: هذي أمير المؤمنين قصيدةٌ ... غَرّاهُ تَقْصِدُ قُبَّة الملك الأَغَرْ حسناءُ يَهديها وليّ مُخلصٌ ... لكم الولاءَ فأوْلها حسن النَّظرْ

стр. 37

صُوَرٌ تقوم بها معانٍ منكمُ ... إنّ المعانيّ زائناتٌ للصُّوَرْ دَقّت لمعنى السحر إلا أنها ... راقت ورقّت مثل أنفاس السحَرْ لما رأيتُ مَنار بيتك كعبةً ... وافيت فيمن حَجّ بيتك واعتمرْ وهجرتُ أوطاني إليه، ومَن رأى ... شرفاً له في أنْ يفارقها هَجَرْ ونأيتُ عن قومي ليرفع دونهم ... قدري اصطناعُك لي فجئت على قَدَرْ والقصيدة طويلة، ولقصدها فضيلة، وكانت لي بها إلى إفضاله وسيلة. ووَليتُ بعد ذلك الأعمال الجليلة، ووليتُ بواسطَ نيابة وزيره عون الدين بن هبيرة. فانحدر إليها الخليفة مع الوزير، وأنا هناك في دست التصدير، فخرجت للاستقبال، في أهبة الإعظام والإجلال. ولما نظرت إلى الموكب الشريف، نزلت عن المركب المنيف، وجئت أسعى معفراً خد الضراعة، موفراً جد الطاعة. فلما بصر بي الإمام، أمسك عنانه فوقف، واستوقف موكبه الشريف وشرف، وقال مثنياً: هذا

стр. 38

الذي له القصيدة التي من شأنها كذا وكذا؟ فقال له المخلص الكيا الإمام. وهو الذي يقول في هذه المظلة الشريفة: وكأنما تلك المظلّة هالة ... وجه الإمام يضيء فيها كالقمر فلم يبرح حتى وصى الوزير بي، وعرفه بيتي ومحتدي وحسبي، وذلك في سنة أربع وخمسين. ومدحته، قبل أن أتولى واسط، بقصيدة أخرى، فيها: كن عاذري في حبهم، لا عاذِلي ... يا فارغاً عن شُغل قلبي الشاغل هَبْ أَنْ سمعي للنصيحة قابلٌ ... ما نافعي والقلبُ ليس بقابل أخفيتُ سِرّ الوَجْدِ خيفةَ عُذّلي ... فتعرّفوا من أدمعي ومَخايلي لم يقبلوا عذر المحبِّ وقابلوا ... حقّ الهوى من لوْمهم بالباطل مالوا إلى وصلي فحين وَصَلْتُهم ... مَلَّوا وليس يُمَلُّ غير الواصل يا ناشداً يبغي فؤاداً ضائعاً ... يومَ النوى إثْرَ الخليط الزائل

стр. 39

أين الفؤاد أَراحِلٌ في إثرهم ... أم سائلٌ ما بين دمع سائل وأغنَّ أغنى طَرْفُه في سِحرِه ... ورُضابُه في سكره عن بابل مَن وجهُهُ حَسنٌ وليس بمحسنٍ ... والقدُّ مُعتدِلٌ وليس بعادل متلوِّنٌ كمدامِعي متعفِّفٌ ... كضمائري متعذِّرٌ كوسائلي أنا في الضنى كالخصر منه أشتكي ... من جائرٍ ما يشتكى من جائل يا قلبه القاسي تعلّمْ عطفةً ... وتمايلاً من عِطْفِهِ المتمايل سقياً لوصل الغانيات وشربنا ... كأس الرُّضاب على غناء خلاخل بنواظرٍ قد حِلتُهُنَّ غوافلاً ... لفتورهنّ وهنَّ غيرُ غوافل وقُدودُ هنَّ قُدودُ سمرِ رَواعفٍ ... وجُفونُهنَّ جفون بيض مناصل أيامَ لا عهدُ الوفاء بحائلٍ ... غَدْراً ولا أُمُّ الصَّفاء بحائل أعقيلَة الحيّ اللّقاحِ ودُونَها ... بيضٌ وسُمْرٌ من ظُبَىً وذوابِل بَكّرتْ تلوم على لزوم مواطنٍ ... وَضْعُ الرَّفيع بها ورَفعُ الخاملِ

стр. 40

طال التردّد في البلاد فلم أفز ... منها على رغم العدوّ بطائلِ أوَما رأيتَ البحر يغرَقُ دره ... ويخلّص الأزباد نحو الساحلِ مُضَرَّيةٌ عذَلتْ على حبِّ الندى ... من ليس يسمع فيه عذْل العاذلِ يا هذه لولا السماحة لم يكن ... عدم الكريم على ثراء الباخل عنفت في حب السماحة مؤثراً ... عُدْمَ الكريم على ثراءِ الباخلِ أوَ هَل يخاف العُدْمَ مَنْ وجَد الغنى ... من جودِ مولانا الإمام العادلِ ولقد وردتُ فِناء بحرٍ للندى ... أغنى به عن أنهرٍ وجداولِ في كفّه للجود خمسة أبحرٍ ... فَيّاضةٍ تُسْمى بخمس أنامِلِ ممدود ظلِّ العدل ليس بزائلٍ ... معمودُ رُكن المُلك ليس بمائلِ ومنها في صفة الجيش: وَعَرَ مْرَمٍ لَجِبٍ كمنْهالِ النَّقا ... مَجْرٍ ومنهلِّ السحاب الهامِلِ ستر الغزالةَ بالعجاجةِ مُطْلِعاً ... زُهر الأسِّنة في سماء قساطلِ فالشمسُ ما بين العجاج كأَنّها ... بدرٌ تطلّع جُنْح ليلٍ لائلِ والنقْعُ ينصل بالنصول خِضابُهُ ... فكأنّه لونُ الشباب الناصلِ والمُقرَباتُ بأنْسُرٍ وقوائم ... تحكي قوادِمَ أنْسُرٍ وأجادِلِ في مأزِقٍ لا يسمع الواغي به ... إلا أنينَ صَوارمٍ وصواهِلِ والجيش مَن مَلك الجيوشَ برأيه ... في صائب وبجأشِه في صائلِ
следующие страницы →