Полный текст (1 115 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
مقدمة الكتاب
الحمد لله ربّ العالمين الذي أتقن كلّ شيءٍ صنعاً، وفطر النفوس على حبّ الجمال، وزيّن ما خلَقَ بزيناتٍ روائعَ تميلُ إليها النفوس، وتأنَسُ بها وترتاح إليها، وهي تدلُّ عَلى إبداع خالقها وإرادته الحكيمة، في كلّ ما خلق من ظواهر وبواطن.
هو الذي أنزل كتابَهُ القرآن معجزاً، وآيةً عظيمةً تدلُّ علَيْه، ومن إعجازه ما فيه من جمالٍ بيانيّ وبلاغةٍ رائعة لا ترقى إلى مِثْلها بلاغَةُ جميع البلغاء، ولا فصاحة جميعِ الفصحاء.
والصلاة والسلام على رسُولِنا محمّدٍ خاتم النبيّين والمرسلين، وإمامهم، مَنْ خَصَّه الله بالدّينِ الخاتم، والكتاب الخاتم المعجز، فأنزلَهُ عليه مُتكَفِّلاً بحفظهِ مِنَ التغيير والتبديل والزيادة والنقصان، بقَصْدٍ أو نسيان، فهيّأ له من وسائلِ الحفظِ ما جَعَلهُ باقياً كما أنْزَلَهُ في السُّطُور والصُّدور وأدواتِ التسجيل الصوتي.
وبعدُ:
فخدمةً للقرآن كتاب الله المجيد، وحرصاً على إبراز بعض جوانب إعجازه البيانيّ، اجتهد علماء المسلمين بحثاً، وتَنْقِيباً واستخراجاً، حتَّى وَضَعُوا علوم البلاغة الثلاثة: "المعاني - والبيان - والبديع" وما يزال الباحثُون يَبْحَثُون
стр. 2
ويستَخْرِجون ويكْتَشِفُون مِن عناصر إعجاز القرآن البياني ما لم يكتشِفْهُ السّابقون.
على أنّ كتاب الله أوسَعُ من أن يُحْصِيَ كُلَّ عناصرِ إعجازه البياني الباحثون والمستخرجون والمكتشفون، مهما اجتهدوا ونقَّبُوا، لأنّ كثيراً من عناصر الجمالِ تُدْرَكُ بالحسّ الجماليّ ولا يُسْتطاعُ تحديدُها والتعبيرُ عنها ولا اكتشافُ عناصِرِها.
وسيظهر في كلّ عَصْرٍ من جوانب إعجاز القرآن البياني روائع ما توصَّلَ السّابقون إلى اكْتشافها واستخراجها، فَهُو كتاب لا تفنى عجائبُهُ، ولا يَخْلَقُ عَلى كثْرةِ الرَّدّ، كَما جاء وصفُهُ في كلام الرسول ﷺ .
وقد فتح الله عليّ بجملة طرائف ولطائف هي من عناصر إعجاز القرآن البياني، أردتُ أن أضيفها إلَى علوم البلاغة التي استقرّت منذ قرون على هَيْكلٍ لم يَدْخُلْهُ من الإِضافات والتعديلات إلاَّ القليل، وبعضُ التطبيقات من الأمثلة.
وفتح الله على غيري من الباحثين متناثرات تَتّصِل بموضوع إعجاز القرآن البياني، ويَحْسُنُ أن تُضافَ إلى علوم البلاغة، كظاهرة التصوير الفنّي الّتي اهتدى إليها المرحوم "سيّد قطب" وكالْبُحوث الطيّبة حول القصّة القرآنيّة الّتي نجدها لدى عدد من الباحثين المعاصرين.
فعزمْتُ مستعيناً بالله العزيز الحميد الوهّاب أنْ أجْمَعَ ما انتهى إليه السّابقون من علوم البلاغة، محاولاً التذليلَ والانتقاءَ واستيعابَ الأمّهاتِ والْمُهِمّات، متجاوزاً التفصيلاتِ التي لا تُكسِبُ مَلَكَةَ تَذَوُّقِ الجمال البياني، والّتي دخلت في علوم البلاغة بتأثير الدراسات المنطِقيَّةِ والرّياضيّةِ العقليّة الصِّرْف، ومتجاوزاً الإِجراءات التي تُشبه التحليل الكيميائي في معامل الكيمياء، والتي تفقد النصّ روعته الجماليّة، كأنواعِ الاستعارات في الفعلِ والحرف وإجراءاتها، وأشباه ذلك.
وأرجو أن أُوَفّق لتحقيق ما عزمْتُ عليه من تقريب علوم البلاغة وفُنُونِها
стр. 3
للأجيال المعاصرة من ناطقي اللّغة العربية، بالأُسلوب الذي يُسَهِّلُ عليهم فَهْمَها، ويُيَسِّرُ لهم تَطْبيق قواعدها على الأمثلة من القرآن، وأقوال الرسول، وغيرهما من نَثْرِ وشِعْرِ البلغاء، ويُشجّعُهم على أن يقتدوا في بيانهم بالنماذج الرفيعة من النُّصوصِ البليغة، وأن يبتكروا أشياء بديعةً تهديهم إليها الفطرة الرّبّانيّة، بما أوْدع الله فيما خَلَقَ وفيما أنزل من جمال، وبما أودع فيهم من حِسٍّ جماليّ.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين وصلَّى الله وسلم على سيّد البلغاء من الناس مُحمّدِ بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
عبْدالرحمن حسن حَبَنَّكة الميْداني
مكة المكرمة فى ٩/٤/١٤١٤هـ
٢٥/٩/١٩٩٣م
стр. 4
مقدمات عامة
стр. 5
(١) الغرض من دراسة علوم البلاغة والأدب
البلاغة بفنونها الثلاثة "المعاني - البيان - البديع" وسائر الفنون الأدبية التي نبَّه عليها أدباء العرب، وكذلك سائر المذاهب الأدبيّة المستوردة من الشعوب غير العربيّةِ ليست إلاَّ بحوثاً وتتبُّعاتٍ لاكتشاف عناصر الجمال الأدبيّ في الكلام، ومحاولات لتحديد معالمها، ووضع بعض قواعدها، دُون أن تستطيع كلُّ هذه البحوثِ والدّراساتِ جَمْع كلِّ عناصر الجمال الأدبِيّ في الكلام، أو استقصاءها، واكتشاف كلّ وجوهها.
فالجمال كثيراً ما يتذوّقه الحسّ الظاهر والشعور الباطن، دون أن يستطيع الفكر تحديد كلّ العناصر التي امتلكت استحسانه وإعجابه، وإنْ عرف منها الشيء الكثير، واستطاع أن يُفْرِزَه ويُحَدّد معالمه.
إنّ آفاق الجمال أوسع من أنْ تُحَدَّدَ أو تُحْصَرَ بأُطُرٍ مقاييس، ولكن يمكن اكْتشَافُ بَعْضِ عناصرِ الجمال، وكُلِّيَّاتِه العامّة، وطائفةٍ مِنْ ملامحه.
والْغَرَضُ من عرض الباحثين لفنون البلاغة وعلومها، وللمذاهب الأدبيّة المختلفة، وللأمثلة الأدبيّة الراقية المقرونةِ بالتحليل الأدبي والبلاغي، تَرْبيةُ القدرة على الإِحساس بعناصر الجمال الأدبيِّ في الكلام الأدبيّ الرفيع، وتربية القدرة على فهم النصوص الجميلة الراقية، والقدرة على محاكاة بعضها في إنشاء الكلام، والقدرة على الإِبداع والابتكار لدى الذين يملكون في فطرهم الاستعداد لشيء من ذلك.
стр. 6
وليس الغرض من دراسة هذه الفنون والعلوم والمذاهب والنصوص، الجمودَ في قوالِبِ ما اسْتُخْرجَ من العناصر الجمالية، وما وُضع من قواعد، دون اكتساب الإِحساس المرهف بمواطن الجمال، لتقديم الأفكار، وصياغة الكلام صياغةً أدبيّة بليغة.
فَمَع ضرورة التَّسلُّح بهذه الدراسة، والاطلاع الواسع على النصوص الأدبيّة الجميلة الراقية، ودراستها دراسةً تَحْلِيلِيَّةً تكشفُ من جوانب الجمال والإِبداع فيها على مقدار اسْتِطَاعَةِ الْمُحَلّل، لا يصِحُّ بحالٍ من الأحوال الجمود عندها دون محاولات الابتكار والإِبداع والتجديد، بشرط أَنْ يكون ذلك الابتكار قادراً على انتزاع إعجاب ذوي الإحساس المرهف، والذَّوْق الرَّفيع في إدراك الكلام الأدبيِّ الجميل البليغ.
هذه الحقيقة لا بُدَّ من ملاحظتها دواماً لدى أيّةِ دراسَةٍ بلاغيّةٍ وأدبيّة، ولدى إنشاء أي نصٍّ أدبيّ جديد.
ومن الخير دواماً لكّل كاتب أو مُنْشِىءٍ أو شاعرٍ أن يحْذَرَ منْ أنْ يضَعَ الصورة الأدبيَّةَ الّتِي دَرَسَها بلاغيّاً أو أدبيّاً، وينشِىءَ كلامَهُ على قَالَبِها، فإذا فَعل ذلِكَ أَفْسَدَ كلامه، وشوّه روح القاعدة البلاغيّة أو الأدبيّة، وإن التزم بصورتها.
إنّ تربية الذوق والملكة البيانيّة، مع تلقائيّة الأداء التعبيريّ لدى إنشاء الكلام كتابةً أو ارتجالاً، عند منْ يَمْلك الاستعداد لأن يكون أديباً بليغاً، هي الكفيلة بتفجير الإِبداع المطلوب في الأدب، بشرط عدم الخروج عن ضوابط قواعد اللّغة وأصول البيان.
ومن جيّد ما قرأت في التعريف بخير الكلام، قول "خالد بن صَفْوان" وهو من فصحاء العرب المشهورين، كان يجالس عُمَر بن عبد العزيز، وهشام بن عبد الملك، توفي نحو (١٣٣ هجرية) :
стр. 7
"خَيْرُ الكلام مَا طَرُفَتْ مَعَانيه، وشَرُفَتْ مَبَانِيه، والْتَذَّه آذان سَامِعِيه". عن لسان العرب في مادة "طرف".
***
(٢) نظرات تحليليّة حول الغرض من الكلام
الغرض من الكلام التعبيرُ عمّا في الفكر ومشاعر النفس وأحاسيسها بألفاظٍ دالّةٍ على ما يريد المتكلّم التعبير عنه.
والكلماتُ رموزٌ اصطلاحيَّةٌ في الأوضاع اللُّغويّةِ الأولى، وفي الاستعمالات اللاّحقة للأَوْضَاعِ اللّغويّة والناجمة عن اسْتِخْدام الناس لمختلف الأساليب والْحِيَلِ الكلامية الْقَائِمةِ على التوسُّع في دلالاتِ الألفاظ، والانتقال بِها منَ الْحسّيَّاتِ إلى ما وراءَها، حتّى العقليَّات المجرّدة.
* فمن أمثلة ذلك الحسيّات:
التّضَرُّعْ: كان بمعنى خَفْضِ رَأْس الرّضِيع من صغار البهائم كَحَمَلٍ أو عِجْلٍ أَوْ سَخْلَةٍ، ونحو ذلك، ليَرْضَعَ مِنْ ضَرْعِ أُمِّهِ، فصار في التوسُّع اللُّغَوِيّ بمعنَى الذُّلّ والانْكِسار، ونَزَلَت التعاليمُ الرَّبَّانِيَّةُ المبيِّنَةُ للصُّوَرِ الْمُثْلَى من دَرجاتِ العبادةِ لله ﵎، فَعَلَّمَتْنَا أَنَّ أَمْثَلَ الْعِبَادَةِ لله ما كانَ بتَضَرُّع له، أي: بذُلِّ وانْكِسَارٍ اسْتِجْدَاءً لِرَحْمَتِهِ وَحَنَانِهِ، ويُعَبَّرُ عن حالَةِ الذّلِّ والانكسارِ في النفس بالركوعِ والسُّجُودِ لله جلَّ وعَلاَ.
* ومن الأَمثلة في العقليّات:
الحدّ - والْحُدود: فَأَصلُ الحدِّ في اللّغةِ الحاجزُ بَيْنَ شيئَيْنِ مادّيّيْنِ مُدْرَكَيْنِ بالْحِسِّ الظّاهر، كالأعلام والْفَوَاصِلِ الَّتِي تُوضع في نَحْو آخِرِ الأَرْضِ الَّتِي يملُكَها إِنْسَانٌ ما، لتُبَيِّنَ انْتِهاءَها وانْفِصَالهَا عَنْ غَيْرِها من ممتلَكَات الآخَرِينَ.
стр. 8
ثُمَّ صَارَ تَوَسُّعٌ في كلمة "الحدِّ" وجمعها "الحدود" فصارت تدلُّ على ما يفصل المعانِيَ الفكريَّةَ بعْضَها عن بعض، من بيانٍ جامعٍ لكُلِّ عَنَاصِرِ المحدود، مانعٍ من دُخولِ غَيْرِهِ فِيه.
وبالحدودِ البيانيّة تُحْمَى المعاني من أنْ يتداخل بعضُهَا في بَعْضٍ، أو يختلط بَعْضُها ببعض.
وتُسْتَخْدَمُ في الكلام الأشباهُ والنَّظَائِرُ، ودَلالاَتُ اللَّوازِم الكفريّةِ، لإِفْهَامِ الآخَرِينَ ما يُريدُ ذو الكلام التَّعْبِير عنْه، كمَا هو في ذهْنِهِ، أَوْ في مَشَاعِرِ نَفْسِهِ، أَوْ فِي إحْسَاسَاتِهِ الجَسَدِيّة، أو الوجْدَانِيَّةِ الباطنة.
فلدَينا إذَنْ كلماتٌ مُفْرَدة، وجُمَلٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ كلماتٍ، وجَمِيعُها ذَواتٌ أَلْفَاظٍ وَذَوَاتُ دَلالاتٍ، وَأَلْفَاظُهَا ذَواتُ حُروفٍ مجتمعة تَنْطِقُ بِهَا الأدواتُ النَّاطِقَةُ، وهِيَ تُصْدُرُ بأصْواتٍ فَتَقْرَعُ آذان السامِعينَ بمختلِفِ أشْكالِهَا وصُوَرِها.
وأصواتُ الحروفِ الَّتِي تُرَكَّبُ منْها الكلماتُ لها نَغَمَاتٌ وحُدودٌ مختلفات، فمنها ما يقْرَع السّمْعَ برِقَّةٍ ولينٍ فيستَحْلِيهِ، ومنْها ما يقرعُ السَّمْعَ بغلظةٍ وخُشُونَةٍ فَيَمُجُّهُ كَارهاً له، ومنْها ما ينْفِرُ منه السّمْعُ وتتقَزّزُ منْهُ النفس، سواءٌ أكان ذلك من الكلمة الواحدة مُفْرَدَةً، أمْ من اجْتِماع عدَّةِ كَلِماتٍ أحدثَ اجتماعُها ما لم يكُنْ عِنْدَ انْفرادِ كلِّ منها.
وَكلُّ أمّةٍ تَضَع ما تَلَقَّتْ منْ كلمات أجدادها، وما تُضِيفُ من كلماتٍ تضَعُها لتُعَبِّر بها عن أفكارٍ ومشاعرَ وأحاسيسَ قامَتْ في أنفسها، مَوْضِعَ التجربة، لاختبارِ مدى لينِها وسُهولَةِ النُّطْقِ بها، أو مَدى التَّأْثيرِ النَّفْسِيّ لدى النطق بها في أنْفُسِ السَّامعين، ولاخْتبار مَدَى استحسان الأسماع لها، أو استقباحها، واستغلاظها، والنُّفْرَة منها، وتَقَزُّز النفس لدى سماعها.
وخلال التجارب الطويلة تشيعُ غالباً الكلماتُ الَّتي تَوَاضَعَ مُعْظَمُ النَّاسِ على
стр. 9
قبولها واسْتحْسَانِها، لأداءِ المعاني الَّتِي يُعبَّرُ بها عَنْهَا، مع ملاحظة الشُّعورِ بالتَّلاؤْم بينَ اللَّفظِ والمعنى في كثيرٍ من الكلمات، في المجتمع البشري الذي درجَتْ على ألسنة أفرادِه.
وتُعْزَلُ في الغالب ِ الكلماتُ القاسية الصعبة، والكلماتُ المستقبحة المستغلظة، والتي تتقزّزُ مِنْها النفوس، إِلاَّ ما كانَ منها مقصوداً لِبَيَانِ قُبْحِ المعنَى، أو ما كان منها مقصوداً للشتائم، ونحو ذلك.
ويَنتَقِي أصحابُ الأَذواقِ الرَّفيعَة منَ الكلمات أَلْيَنها في النُّطْقِ، وأحْلاها في الأسماع، أوْ أوفَقَهَا وأكْثَرها مُلاءَمَةً للمعاني الّتي تدلُّ عَلَيْهَا، ويخُصُّونَ بها أقوالهم ذوات الشأن، من خُطَبِ، ورسائل، ومقالات، وشِعْر، وقصّة وغير ذلك من موضوعات الكلام المحرّر المنتقى، الذي صار يُسَمَّى فيما بَعْدُ "أدباً" لأنَّه في الكلام يُشْبهُ أدبَ السلوك في الأعمال.
وتظلُّ كلماتٌ مستقبحاتٌ شائعاتٌ، لدى من لهم هوىً في أن يستخدموا ألفاظاً قاسيةً خشنةً، تنفرُ منها الأسماع، إذْ يرَوْنَهَا نافعةً لهم في إزعاج الآخرين بها، أو لفت أنْظارِ الناس إليهم عن طريقها، كما يفعلون مثل ذلك في ألبستِهِمْ، وما يحملون من أسلحةٍ مستهجنة، وما يمارسون من حَرَكاتٍ وأعمال، إلى غير ذلك من أُمُورٍ يبتَعِدُ عَنْها الْمتأَدِّبُونَ من الناسِ بالآداب الحسنة، وذوو الأذواق الرفيعة، والسلوك الجميل الفاضِلِ بيْنَ الناس.
وقد تتدخَّلُ عوامل أخرى في بقاء كلماتٍ صعبةٍ ثقيلةٍ في النُّطْقِ ضمْن الكلام الدارج المستعمل في اللّغة، وهذه العوامل يصْعُبُ تحديدها، وتبقَى هذهِ الكلماتُ حَيَّةً في الاستعمال بحُكْمِ الإِلْفِ والتقليدِ والمحافظة على المواريثِ اللُّغَويّة.
ومن هذهِ العوامل تفاخُرُ الأُمَّةِ بقُدْرَةِ ألْسنَتِها على الانفرادِ بالنطق ببعض الحروف أو الكلمات، ومنها المحافظةُ على إحْدَى الصفاتِ القوميَّةِ للأُمَّة.
стр. 10
وتَظَلُّ كلماتٌ يسْهُلُ نُطْقُها على النّاس بالتداولِ في تَعاملاتِهمُ اليوميّة، ولو لم تكُنْ راقيةَ النغمات في تركيب حروفها، ولا عذْبةً في الأَسماع، ولكنْ بقيتْ في التداوُلِ بتأثير العادة، والحاجة إلى تداوُلها اليوميّ في تَعَامُلاتِ النّاس.
وهذه الكلماتُ يبتَعِدُ عَنْها أدباءُ الْقَومِ وشُعَراؤُهم وخُطباؤهم وكُتَّابُهم لدى إنشاء كلامهم المجوّدِ الْمُحَسَّنِ الذي يحرصُونَ على أنْ يكون له شأنٌ بينهم.
فظهر بسبب ذلك صنف من الكلمات ضِمْنَ اللُّغَةِ الواحدة، يوصَفُ بأنّه فصيحٌ، وصنْفٌ آخَرُ يوصَفُ بأنَّهُ غيرُ فصِيح.
ثُمَّ لدى تركيب الكلمات في الْجُمَلِ التي تدلُّ على المعاني الَّتِي يرادُ تعريفُ المخاطبين بها، قد ينشَأُ من التركيب قساوةٌ أو صعوبةٌ في النُّطقِ، أو استقباح واستغلاظٌ ونُفْرَةٌ منْهُ في الأسماع، فلا يكون الكلام في هيئته التركيبيَّةِ فصيحاً، على الرغم من فصاحة مفرداته قبل اجتماعها في هذه الهيئةِ التركيبيَّةِ الخاصّة.
فظهر بسبب ذلك ما يُسَمَّى به الكلامُ المركّبُ فصِيحاً أَوْ غَيْرَ فصيح.
لذلك نلاحظ أنَّ من يختار لكلامه مفرداتٍ فصحيةً، وينظمها في كلامه نظماً ملائماً فصيحاً، مع التزامه بضوابط قواعد اللّغة وأحكام أهل اللّسان النحويَّةِ والصرفية، فإنَّه يصِحُّ أنْ يُسَمَّى ناطقاً فصيحاً.
فصارت الفصاحة بهذا التحليل وصفاً للكلمة، وللكلامِ، وللمتكلّم.
* فيقال: كلمة فصيحة، ويُقَابلها: كلمة غير فصيحة.
* ويقال: كلامٌ فَصيحٌ، ويُقابله كلامٌ غيْرُ فصيح.
* ويقال: متكلّمٌ فصيح، ويُقابله: متكلّم غير فصيح.
وتختلف الأمم في أوضاعها اللغويّة، وفي أساليب كلامها، وتعبيراتها، وفي أذواقها، ومَا يلين من الكلمات والحروف في ألسنتها، وما يصُعُب ولا يلين عليها،
стр. 11
وما هو مستنكر مستهجَنٌ في أسماعها، وما هو مألوفٌ محبَّبٌ أو مقْبولٌ لديها، وهذه ظواهر فطرة الله للناس، كما قال الله في سورة (الروم/٣٠ المصحف/٨٤ نزول) :
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السماوات والأرض واختلاف أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الآية: ٢٢] .
***
أمّا دلالات الألفاظ على المعاني المرادة، فتتعرّض لأحوال:
(١) إمَّا أنْ تكون قاصرة الدلالة غير وافية بتأدية المعنى المراد.
(٢) وإمَّا أن تكون وافية الدلالة بشرط وجود مُسَاعِدٍ لها من عبقريّة المتلقّي أو ذكائه المتفوّق، فإن لم يكن المتلقّي كذلك كانتِ الدلالة قاصرةً بالنسبة إليه.
(٣) وإمَّا أنْ تكون وافية الدلالة لدى الإِنسان المتوسّط الذّكاء. فإن كان المتلقي دون ذلك كانت الدلالة قاصرةً بالنسبة إليه، وإنْ كان المتلقّي فوق ذلك رأى فيه زيادةً مُمِلَّة.
(٤) وإمَّا أن تكون وافية الدلالة لدى الإِنسان الذي هو دون متوسّط الذكاء. فإنْ كان المتلقّي فوق ذلك كان الكلام بالنسبة إليه مُمِلاًّ مطوّلاً، ولا سيما بالنسبة إلى متفوّق الذكاء.
(٥) وتتعرَّض أيضاً دلالاتُ الألفاظ على المعاني المرادة لأحْوالٍ أخرى، في الموضوعات التي يُراد توصيلُ مضامينها إلى المتلقي، أو إقناعه بها، إلى ما يقتضي البسط، أو التوسُّطَ بين الْبَسْطِ والإِيجاز، أو الإِيجاز.
أو يقضتي الابتعاد عن التوجيه المباشر، بدرجةٍ أو أكْثَرَ بِحَسَبِ ذكاء المخاطَبِ أو المتلَقِّي، فَيُبْلِغُ إليه المعاني الَّتِي يريدُ تعريفَهُ بها إبلاغاً حسناً.
стр. 12
فما يطابق حالَ المخاطب أو المتلقّي من الكلام مع فصاحة مفرادته، وفصاحة جُمَلِهِ المركَّبةِ هو الكلام البليغ.
والمتكلّم الذي يكون كلامه من هذا القبيل يقال له: متكلّمٌ بليغ.
ويرتقي الكلام البليغ بأساليبه في سُلَّمٍ ذي درجات متفاوتاتٍ فيكونُ بعضُه أبلغ من بعض، ضمْنَ الطبقة التي هو منها، والملائمة للْمُتَلَقِّي الذي يُراد إبلاغ المعاني المراد توصيلها إليه، مزيَّنةً بزيناتها التي تُعْجبُهُ وتُمْتِعُه، وتَهُزُّ مَشَاعِرَه، وتَسْتَأْثِرُ بجوانِب فكرِهِ ونفسه من الداخِلِ والخارجِ.
فيختلف الإِعجابُ بالكلام من كلامٍ بليغٍ إلى كلامٍ بليغٍ آخَرَ، بحَسَبِ نِسْبَهِ ما فيه من مرضياتٍ للفكر والمشاعِرِ والأحاسيس.
وهنا تبرز بلاغةُ الكلام، ومستوياتُ درجات هذه البلاغَةِ صعوداً ونزولاً.
ولا يكون الكلامُ بليغاً في اللِّسَانِ العربيّ لدى علماء البلاغة، ما لم يكن مع تأثيره في المخاطب بِهِ تأثيراً بالغاً، كلاماً فصيحاً في مفرداته وجمله.
***
(٣) أسس البلاغة العالية والأدب الرفيع وشرحها في ثلاثة فصول
باستطاعة الباحث المتفكر اكتشاف أنّ مقادير الارتقاء في درجات سلّم البلاغة العالية والأدب الرفيع في اللّسان العربي تعتمد على نصيب الكلام من عناصر الأسس الثلاثة التالية:
الأساس الأول: الجمالُ المؤثر في النفس الإِنسانية، المفطورة على الميل إلى الأشياء الجميلة، وحُبّها، والارتياح لها، والتأثّر بها، والانفعال السّارّ بمؤثراتها.
стр. 13
الأساس الثاني: كون الكلام في مفرداته وجُمَلِهِ فصيحاً وفْقَ ضوابط وقواعد ومنهج اللّسان العربي، ولا يخلو هذا الأساس من مؤثرات جماليّة أيضاً.
الأساس الثالث: كون الكلام بليغاً، أي: مطابقاً لمقتضَى حال المخاطب به فرداً كان أو جماعة، وبالغاً التأثير المرجوَّ في نفسه، ولا يخلو هذا أيضاً من مؤثراتٍ جمالية.
ولشرح هذه الأسس الثلاثة يتطلَّبُ الْبَحْثُ المتأنيِّ عقْدَ ثلاثةَ فصول:
الفصل الأول: الجمال في الكلام.
الفصل الثاني: الفصاحة.
الفصل الثالث: البلاغة.
***
стр. 14
أسس البلاغة العالية والأدب الرفيع وشرحها
الفصل الأول: الجمال في الكلام
(١) حبُّ الجمال
حبُّ الجمال فطرةٌ في النفس الإِنسانية، فهي بقوة فطرية قاسرة تميل إليه، وتنجذب نحوه، وليس بمستطاع النفوس أنْ تغيِّر فطرها التي فطرها البارىء المصوِّر عليها.
والجمال شيء يصعب تحديده، ولكن باستطاعة النفوس أنْ تحسّ به وتتذوّقه متى أدركته، وعندئذٍ تميل إليه وتَنْجَذِب نحوه، وتأنس به، وترتاح إليه، وتَسْعَدُ بالاستمتاع بلذّة إحساس المشاعر به ولو تخيُّلاً، ويتفاوت النّاس في قدراتهم على تذوُّق الجمال والإِحساس بدقائقه كشأن تفاوتهم في سائر قدراتهم المادّية والمعنوية: مثل القوى الجسمية، وقدرات الذكاء، وقوى الإِبصار والسمع والشمّ والذوق واللّمس.
والجمال يكون في كل المجالات التي تدركها الحواس الظاهرة والباطنة،
стр. 15
حتى مجالات الأفكار، والتخيّلات، والوجدانيّات، والطباع، والأخلاق، وأنواع السلوك الإِرادي النفسي والظاهر.
ففي ساحة المرئيات تشاهد الأبصار مرئيات جميلة تتفاوت فيما تحظى به من نسب الجمال تفاوتاً كبيراً، وتشاهد مرئيات قبيحة تتفاوت فيما لديها من نسب القبح تفاوتاً كبيراً وتشاهد وسطاً فاتراً لا يجذب بجمال، ولا ينفِّر بقبحٍ. وفي ساحة الأصوات يسمع السامعون أصواتاً جميلة تتفاوت فيما تحظى به من نسب الجمال تفاوتاً كبيراً، ويسمعون أصواتاً قبيحة تتفاوت فيما لديها من نسب القبح تفاوتاً كبيراً، وتسمع أصواتاً فاترة لا تجذب بجمال ولا تُنَفِّر بقبحٍ.
ونظير ذلك في ساحة الروائح، وفي ساحة الطعوم، وفي ساحة الملموسات التي فيها ناعم وخشن، وصلب وليّن، وقاسٍ وَلَدْن، وحارٌّ وبارد.
وفي المشاعر الوجدانيّة ندرك أنَّ لدينا مشاعر وجدانية جميلة لذيذة، كمشاعر الحبّ، ومشاعر الإحساس بفعل الخير، ومشاعر الأبُوَّة والأمومة، والشعور بطمأنينة القلب، وبالأمن. وندرك أنَّ لدينا مشاعر وجدانية قبيحة نتألّم بها، كالشعور بالذّلة والصّغَار، وكالحقد، والحسد، وكالشعور بالخوف والقلق. وندرك أنّ لدينا مشاعر وجدانيّة فاترة لا تُحدِث لذّة نفسية ولا تُحدِث ألماً، كمشاعر الانتماء إلى أسرة مغمورة ليس لها مجد يُحدث في النفس لذّة الافتخار، وليس لها فضائح وقبائح تُحْدِث في النّفس ألم الصَّغار.
وفي الساحة الفكرية نُدرك أفكاراً جميلة حلوة، وأفكاراً قبيحة مرّة، وأفكاراً فاترة لا تُحْدِث انفعال استحسان ولا انفعال استقباح. إنّ الفكرة الذكيّة المبتكرة فكرة جميلة، وإنّ الفكرة الغبيّة المستنكرة فكرة قبيحة، وإنّ الفكرة العاديّة المكرّرة دون غرض فنِّي أدبي فكرة فاترة تمرُّ دون أنْ تثير أي انفعال، وكذلك الفكرة الغامضة التي لا يستطيع من تُعرض عليه أنْ يُدركها. ويمرُّ في أذهاننا شريط أفكار
стр. 16
طويل فلا يُحدث فينا أيّ انفعال من لذّة أو ألم، إنّها أفكار فاترة، وربّ فكرة تمرّ فتثير إعجاباً وانفعالاً عظيماً نحوها، وقد تمرُّ فكرة فتتقزّز النفس منها وتصرفها بسرعة وتتجاوزها.
وفي ساحة التخيّل تمرُّ أخيلة جميلة حلوة لذيذة، وتَمرُّ أخيلة قبيحة كريهة، وتمرُّ أخيلة في شريط طويل، فلا تُحدث أيّ انفعال.
وفي ساحة التعبير البياني عن الأفكار والمطالب والتخيّلات والمشاعر النفسيّة والوجدانيّة تُوجَد تعبيرات بديعة جميلة جذّابة، تتملّك المشاعر، وتؤثِّر في القلوب، وتتفاوت فيما بينها بما تحظَى به من نِسَب الجمال تفاوتاً كبيراً. وتوجد تعبيرات قبيحةٌ منفِّرة، وهذه تتفاوت فيما بينها بما فيها من نِسَب القبح تفاوتاً كبيراً، وتُوجَد تعبيرات فاترة تمرُّ دون أنْ تُحدث في النفوس أيّ انفعال محبوب أو مكروه.
***
(٢) مجالات الجمال
من المعلوم لدى ذواقي الجمال أنّ الزينة من الجمال، وأنَّ كثيراً من المقاصد والمطالب إذا قُدِّمت إلينا مغلّفة بزيناتها أو مقرونة بزيناتِها كنّا أكثر قبولاً لها، وانسجاماً معها، لأنَّ جمال الزينة قد جذبنا إليها، وأقنع عواطفنا وانفعالاتنا بقبولها، ولنحظَى بلذّة الاستمتاع بالجمال، فتتحقّق من وراء ذلك المقاصد الأساسيّة والمطالب.
وهذه الحقيقة تشمل الأفكار، فإذا قُدّمت بعض الأفكار المقصودة وما اشتملت عليه من مطالبِ اعتقادٍ أو عمل ممتزجةً أو مقرونة بزينات جميلة فكرية أو لفظية كانت النفوس أكثر انجذاباً إليها، وقبولاً لها، ثمّ تمسكاً بها أو عملاً بما طلب فيها.
стр. 17
إنَّ شأن الأفكار كشأن المآكل والمشارب والأدوية، وسائر المطالب والحاجات، فمنها ما هو حلو بطبعه، ومنها ما هو حامض، ومنها ما هو مرّ، ومنها ما هو ليّن، ومنها ما هو قاس، ومنها ما هو ناعم، ومنها ما هو خشن، ومنها ما هو مُهَوِّع مثيرٌ للغثيان، ومنها ما هو محرّك للشهوة مثير لِلُّعاب.
حتى الطيِّبات من المآكل والمشارب وغيرها يزيدها حسناً وجمالاً وتطريةً وتحريكاً لشهوات النفوس نَحْوَها إذا قُدّمت في أطباق جميلة نفيسة، وعلى مائدة جميلة أنيقة، وفي أيدٍ نظيفة رشيقة حلوة لِخَدَم مكتملي الأناقة حِسَان، وفي مكان منظّم مليء بالأشياء الحسَنة الجميلة، من منظور ومسموع ومشموم وملموس ونحو ذلك.
فالفكرة المرّة قد تحتاج غلافاً حلواً جميلاً يزيِّنها حتى يبتلعها مَنْ توجّه له.
والفكرة الشديدة الحموضة قد تحتاج مخالطاً يعدِّل حموضتها حتى يستسيغها من توجّه له.
والفكرة القاسية بطبعها قد تحتاج أسلوباً يليِّنها ويعدِّل قساوتها.
والفكرة الخشنة بطبعها قد تحتاج أسلوباً ناعماً يغلِّفها ويهوِّن ابتلاعها.
وكما أنَّ الحسِّيّات الجسدية يحتاج كثير منها إلى ما يجمّله ويحسِّنه ويزيِّنه للنفوس حتى تستسيغه، كذلك الأفكار التي نريد تقديمها إلى الآخرين قد يحتاج كثير منها إلى ما يجمِّله ويحسِّنه ويزيِّنه للنفوس حتى تستسيغه، وهذا التجميل والتزيين والتحسين هو من عناصر الأدب الرفيع لا محالة.
ولكنْ ليس من الضروري لكلّ فكرة مقصودة بالذّات أنْ تُصنَع لها مزِّينات جماليّة لا يكون الكلام ذا أدب رفيع إلاَّ بها. فكثير من الأفكار جمالُها ذاتِيّ، وإذا قُدِّمت مجرّدة من كل الزينات والأصباغ والألوان في أحوال ملائمة لهذا التقديم كانت أرفع أدباً، وكانت النفوس أكثر تقبُّلاً واستساغةً لها، فهي تزدردها او ترتشفها بشهوة بالغة.
стр. 18
وهذا نظير تقديم سيِّد المائدة العظيم لضيفه العزيز قطعة مقشّرة من الفاكهة، أو قطعة منتقاة من أطيب اللحم، مجرّدة من أيَّة زينات موافقة أو مغلّفة لها.
وقد يكون من رفيع الأدب تقديم الفكرة المرّة من غير تغليف ولا تحلية لتقديمها لمن يحسن إذاقته مرارتها، كأنْ يكون عدوّاً مجاهراً بعداوته مواجهاً بشتائمه، وفي بعض الحالات التربويّة نلاحظ أنّه كما يحسن الضرب يحسن ما هو نظيره من الكلام.
***
(٣) حول تعريف الجمال
والجمال في الوجود مع إدراك النّاس له وإحساسهم بكثير من صوره، دقيق العناصر متشابكها فهو شيء يصعب جدّاً تحديده، ويَصْعب قِياسُه، ولا تنحصر ألوانه.
وبما أنّ الأدب لون من الجمال، فهو إذن تنطبق عليه قواعد الجمال العامّة.
إنّ من الجمال أحياناً أنْ تتصنّع الحسناء، ومن الجمال أحياناً أنْ لا تتصنّع، بل أنْ تظهر على طبيعتها. ومن الجمال أحياناً أنْ تلبس الثياب الجميلة الساترة لكثير من مفاتن جسمها بطرائق خاصّة، ومِنَ الجمال أحياناً أنْ تلمح بعض مفاتن جسمها إلماحاً ثمّ تسترها، ومن الجمال أحياناً أنْ تتعرى على طبيعتها من غير ابتذال ثمّ تعود إلى سواترها.
ومِنْ أبدَعِ صُوَرِ الجمال التنويع فيه والتنقلّ من لون إلى لون آخر منه، أمّا الثبات والتكرار للصورة الواحدة في كل الأوقات فهو مُمِلٌّ للنفوس مهما كانت هذه الصورة جميلة.
стр. 19
باستثناء تكرار المقاطع في بعض ألوان صُوَر الجمال، كشجرة الورد على رأس كل زاوية عند منعطف الطريق، أو على رأس كلّ مسافة، لتكون بمثابة الدلالة.
وكذلك حال الأفكار وأساليب عرضها الأدبي، ومثل شجرة الورد المتكرّرة على رأس كل مسافة أو على الزوايا، آية: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الآية: ١٣] في سورة الرحمن عروس القرآن. لكنّها صورة قدّمت لوناً من ألوان الجمال الأدبي ومثالاً من أمثلته، قلَّما يوجد في سائر القرآن نظير مطابق لها، بل فيه ألوان أخرى.
ومع وجود قسم من الجمال لا يختلف اثنان في استحسانه، وقدر من القبح لا يختلف اثنان في استهجانه، فكم توجد أوساط مشتبهات تختلف فيها أذواق النّاس، وتختلف وجهات أنظارهم إليها.
فما يستحسنه بعض النَّاس منها قد لا يراه غيرهم حسناً، وما يستقبحه بعض النّاس منها قد لا يراه غيرهم قبيحاً، وتتدخّل النظرات الذاتيّة الشخصية في قسم المشتبهات بشكل واسع، ويصعب فيها تحديد النظرة الموضوعية.
ويخضع الأدب لهذا القانون العام.
فقد يُرْضِي كلام ممدوحاً مغروراً بنفسه بحبّ المديح، فيراه أدباً رفيعاً مستحسناً، لكنّه في الوقت نفسه يُسْخِط حاسداً له، فيراه تزلّفاً تافهاً، وأسلوباً في المدح سخيفاً مستهجناً، ويسمعه فريق ثالث فلا يرى فيه ما يحرّك النفس بإعجاب ولا ما يحرِّك النَّفس بتقزّز واستجان.
وقد تُرْضِي تعبيرات حبِّ معشوقة، فتراها أدباً رفيعاً مستحسناً، فتحفظها وترويها بإعجاب، لكن هذه التعبيرات قد أسخطت في الوقت نفسه أترابها، فرأينها تعبيرات سخيفةً مبتذلة. ثمّ يسمعها حياديّون فلا يرون فيها رأيَ المعشوقة المعجَبَة، ولا رأي أترابها الساخطات، بل يرون فيها أدباً عادّياً.
стр. 20
وهكذا تختلف وجهات أنظار النّاس إلى هذه الأوساط المشتبهات، التي لم يتمحّص فيها الجمال، ولمْ يتمحّض فيها القبح، وتتدخّل عوامل نفسيّة في الاستحسان، أو في عدم الاستحسان، وربّما تتدخّل عوامل أخرى تّتصل بمدى القدرة على الإِحساس بالجمال، أو بمَدَى الخبرة بفنونه وألوانه وأشكاله ونسبته، أو بمَدَى دقّة الملاحظة التي قد تَقَعُ على النّقص فتقف عنده، وتجسّمه حتى يملأ الساحة، أو تَقَعُ على لمحة جماليّة فتقف عندها مُعَجْبَةً وتعظّمها، ويتدخّل الوهم في مدّها حتى تملأ كل الساحة. وهكذا.
***
(٤) عوامل اختلاف نظرات الناس إلى الجمال
لدى تحليل العوامل التي تجعل النّاس يختلفون في نظراتهم الجماليّة إلى الأشياء اختلافاً كبيراً، حتى إنَّ الشيء الواحد قد يستحسنه فريق، وقد يستقبحه فريق آخر، ويجعله فاتراً واقفاً على الحياد فريق ثالث، والمستحسنون له قد يتفاوتون في درجة استحسانه، والمستقبحون له قد يتفاوتون في درجة استقباحه. لدى هذا التحليل نلاحظ العوامل التالية:
العامل الأول: التلاؤم أو عدم التلاؤم بين أجهزة الإِحساس في الإِنسان والأشياء التي يُدْرِكها ويُحِسّ بها.
والأمزجة والأذواق البشريّة تختلف في هذا اختلافاً فطريّاً لا يُنْكَر، وبسبب هذا العامل قد تختلف أحكامهم في هذا المجال.
العامل الثاني: تدخُّل أهواء أو مصالح شخصيّة مرافقة.
وبسبب هذه الأهواء أو المصالح تختلف وجهة نظر أصحابها عن وجهات أنظار الآخرين الذي ليس لهم أمثال هذه الأهواء أو المصالح.
стр. 21
العامل الثالث: حكم العادة والإِلف، فكثير منَ النّاس إذا اعتادوا لوناً من ألوان الجمال آثروه تلقائياً على غيره، وحَكَمُوا بأنّه أحسن وأجمل، وربّما لم يكن كذلك في حقيقة الأمر.
العامل الرابع: مؤثِّرات البيئة، فقد تتواضع بيئة ما على استحسان لون جمالي، وربّما كان عاديّاً جدّاً وابتدائياً من سلّم الارتقاء الجمالي، إلاَّ أنّ تأثير البيئة يجعل الناشئين فيها يقتبسون منها الأذواق الجماليّة، فيتأثّرون بأحكامها الناقصة، أو أحكامها التي لا تَنِمُّ عن ذوق رفيع، وكذلك البيئات الراقية تمنح الناشئين فيها أذواقاً رفيعة، والبيئات تتفاوت تفاوتاً كبيراً في هذا المجال.
العامل الخامس: مدى القدرة على تصيّد نقاط الجمال والإغضاء عمّا سواها، وجعله أرضية لا تثير الانتباه. وقد يكون العكس، فتكون القدرة النقدية ذاتَ إحساس مفرط تجاه تصيّد نقاط النقص أو القبح فقط، أمّا سواها فتُغضي عنه، وتجعله أرضيّة غَيْرَ مُثِيرة للانتباه.
وبسبب هذا العامل بشَطْرَيْهِ وتفاوت نسبة كل منهما في النَّاس تظهر أحكام متباينة أو متخالفة.
العامل السادس: سعة التجارب وضيقها في اكتساب ذوق الإِحساس بالجمال، وتفاوت نسبه.
فذو الخبرات الطويلة الباحثة والناقدة يكون أقدر على تذوُّق الجَمال، وإدْراك درجاته المتفاوتات، من الإِنسان العاديّ غير ذي الخبرة، أو السائر في طريق البحث والنقد، ولم تكتمل بَعْدُ لديه القدرة على تَذوُّق الفروق الجمالية.
стр. 22
(٥) عناصر الكمال والجمال الأدبي
لا بُدَّ أوّلاً من توافر الأركان الأساسية للكلام البليغ، وهي:
(١) مطابقته لمقتضى حال المخاطب به.
(٢) التزامه بقواعد اللّغة وضوابطها في مفرداتها وتراكيب جملها.
(٣) خلُوّه من التعقيد اللّفظي، والتعقيد المعنوي.
وبعد توافر هذه الأركان الأساسيّة توجد عناصر كثيرة تُكْسِبُ الكلام ارتقاءً أدبيّاً وتُعْطيه جمالاً وإبداعاً، ورونقاً وحياةً، وقدرةً على التأثير والهيمنة على النفوس والأفكار والقلوب.
وبمقدار ما يُمْكِنُ أن يجتمع في الكلام من هذه العناصر، متلائمةً غير متنافرة، متوائمة غير متشاكسة، مُتَحابّة غير متباغضة، مطابقةً لمقتضى حال المخاطب، يكون تسامي الكلام في سلّم الكمال الأدبيّ الرفيع، الّذي يحتلُّ قمّته لدى التحليل المِْجْهَريّ الدقيق كلام الله المعجز، ثمّ يأتي من دونه كلامُ الناس، مع المسافات الشاسعات بينه وبين قمّة كلام الناس.
وكما نقتبس عناصر الجمال والكمال من لوحات الطبيعة التي خلقها الله، فنعمل الأعمال الفنيّة الرفيعة بمحاكاة الفنون المختلفة فيها ضمن قدراتنا البشريّة، ونتتلمذ على الأمثلة الجمالية الكمالية التي تقدّمها لنا، فنكتسب منها الذوق، وفنون الصنعة الرائعة، بأشكالها وألوانها وأنغامها وملامسها وأنظمتها وحركتها وحياتها وعواطفها ولذّاتها وآلامها وذكرياتها وتحسّراتها وآمالها ومخاوفها، إلى سائر الظواهر الطبيعية في كل جامد متحركّ ونام وحيّ.
كذلك يقتبس أهل البصيرة عناصر الجمال والكمال الأدبي من اللّوحات
стр. 23
البيانيّة البديعة المنزّلة من لَدُنْ حكيم عليم، والتي نتدبّر ما نتدبّر منها في كتاب الله المجيد على مقدار قدراتنا البشريّة.
وهذا التدبّر الواعي يحتاج إلى بصيرة نفّاذة لمّاحة، وصبر طويل، ومعالجات متكرّرات، ومعرفة بما توصّل إليه المتدبَّرون السابقون، وبحث مستمر لاستنباطات جديدة، ثم تكون أنصبه الباحثين بعد كل ذلك على مقدار مواهبهم، لا على مقدار البحر المحيط الذي يغترفون منه، ويغوصون في أعماقه، ليستخرجوا من روائعه وبدائعه.
الكلام ولفظ المعنى:
ومن الْبَدَهِيّاَت الأساسيّة أنّ الكلام ذا الدلالة اللّغوية إنّما هو لفظ ومعنى.
* أمّا اللفظ، فينحلّ إلى قسمين:
١- مفرد.
٢- مركب.
أمّا المفرد في المنظار الأدبي، فيمكن أنْ نقسِّمه إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: اللّيّن السهل، وتتفاوت في ذوق الأديب درجات هذا القسم، فمن هُلاميّ رجراج، مثل الكلمات الخفيفة التي يستطيع الأطفال الصغار المبتدئون بالنطق أن ينطقوا بها صحيحة سليمة، وهي غالباً تتألّف من الحروف الشفويّة والصوتية، ثم الحروف اللّثويّة والصوتيّة، مثل: "بابا - ماما - دادا - لولو" وتتدرّج النسبة ارتقاء، مع المحافظة على صفة اللّين والسهولة، ولكن بالنسبة إلى نطق الكبار العادّيين، مثل: "نَسْمَة - بَسْمَة - رَنَا - دَنَا - وَهَى - وَشَى" ومن السهل اللّين في القرآن قول الله تعالى في سورة (الرحمن ٥٥) :
﴿الرحمان * عَلَّمَ القرآن * خَلَقَ الإنسان * عَلَّمَهُ البيان * الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ * والنجم والشجر يَسْجُدَانِ﴾ [الآيات: ١ - ٦]
стр. 24
القسم الثاني: القويّ الجزل، وتتفاوت في ذوق الفصيح ذي الحسِّ المرهف درجات هذا القسم.
ومن أمثلة القوي الجزل المفردات التالية من سورة (الشمس ٩١) :
"ضُحاها - جَلاّها - يَغْشاها - طَحَاها - بِطَغْواها - إذا انْبَعَثَ أشْقَاها - فَعَقَروها - فَدَمْدَم عليهم - عُقْباها".
القسم الثالث: الحُوشِيُّ الغريب، وتتفاوت درجات هذا القسم. والحوشي الغريب ما قلّ في العرب استعماله، لثقله على الألسنة، حتى يكاد بعضه يُهمل في الاستعمال عند معظم العرب، مثل المفردات التالية:
الْحَنْطَبَة: بمعنى الشجاعة.
والْحَيْزَبُون، والشَّهْرَبَة: بمعنى المرأة العجوز.
طَخَا الليل: بمعنى أظلم.
تَطَشَّى المريض: بمعنى برىء.
النُّقَاخ: وهو الضرب على الرأس بشيء صلب.
الْهَبَيَّخَة: وهي الجارية باللّغة الحِمْيَرِيَّة.
الْهَبَيَّخُ: وهو الرجل الأحمق، والوادي العظيم، والنهر العظيم.
الْقُدْمُوس والْقُدْمُوسَة: وهي الصخرة العظيمة.
الْعَقَنْفَسُ والْعَفَنْقَس: هو السيِّىء الخلق.
القسم الرابع: الصعب الجموح، وتتفاوت درجات هذا القسم. ومن الصعب الجموح ماهو حوشي غريب، ولكن ليس كل صعب جموح كذلك، فقد لانت في ألسنة العرب كلمات صعاب، وبقيت مستعملة دارجة بيْن أُدبائهم إلاَّ أنّها صعبة على الألسنة لها جُموح ونفور، مثل الكلمات التالية:
غَضَنْفر: من أسماء الأسد.
стр. 25
مُسْتَشْزِر: أي مفتول.
عَقْعَقٌ: اسم لطير.
والأديب رفيع الأدب، مرهف الحسّ في ذوق الكلمات، يختار في كلامه من القسمين الأوّلين:
* اللّين السهل.
* والقوي الجزل.
ويضع ما يختار في موضعه مراعياً حال المخاطب وما يسرُّه من المفردات، وما يلائم ذوقه، ولغة قومه.
ويحسن به أنْ يختار لبعض الموضوعات مفرداتٍ ذاتَ جَرْس موسيقي وإيقاعٍ رشيق.
ويختار أيضاً من الكلمات ما يلائم المعنى من لين وسهولة أو قوّة وجزالة.
ويختار أيضاً من الكلمات ما هو أليق بالمناسبة، وبالموضوع العام للكلام، وأكثر ملاءمة لهما.
ويبتعد عن الحوشي الغريب، إلاَّ في مجال التعليم، أو لنُكَتِ أدبيّة خاصّة.
ويجعل الصعب الجموح مقصوراً على مواطن خاصّة تستدعي النُكتةُ الأدبيّة اختيار بعض منها، مثل كلمة: (ضِيزَى) في وصف القسمة الجائزة غير العادلة، لما لهذه الكلمة بحروفها وصيغتها من إيحاءات تلائم التشنيع على القسمة الجائرة.
والدُّعاة إلى اللهِ مطالبون بالتزام هذا المنهج الأدبي في دعوتهم.
***
وأمّا المركب في المنظار الأدبي: فَلَه تقسيمات من ثلاث جهات:
١- جهة السبك.
стр. 26
٢- جهة الكثافة.
٣- جهة تواصل الجمل بأدوات الربط أو تفاصلها.
أوّلاًَ- فمن جهة السبك:
ينقسم اللّفظ المركّب إلى أربعة أقسام:
القسم الأوّل: المتلائم المتناسق، المتوائم السهل حَسَنُ السّبك.
القسم الثاني: المتنافر الصعب العَسِر النطق.
القسم الثالث: سيِّىء السَّبك ضعيف الإِنشاء.
القسم الرابع: معقَّد الترابط صعب الفهم.
والأديب البليغ رفيع الذوق، ذو الحسّ المرهف، المتمرّس بصناعة القول الرفيع، يحاول أنْ يكون كلامه سليماً من أنْ يكون سيِّىء السبك، ضعيف الإِنشاء، ومن أنْ يكون معقّد الترابط صعب الفهم.
ويتحرّى أنْ يكون كلامه من القسم الأوّل (المتلائم المتناسق المتوائم السهل حَسَن السبك) .
ويبتعد جَهْدَ مستطاعه عمّا هو متنافرٌ صعب عَسر النطق، ويُولِي عناية للعناصر الجماليّة التالية:
(١) صياغة الجملة صياغة فنّية سَهْلَة الفهم، لا توقع فكر المخاطب بارتباك في ربط مفردات الجملة، ولا تُكَلِّفه مشقّة، حتى يفهم المراد منها.
(٢) رصْف الجمل رصْفاً يثير الاستحسان والإِعجاب لدى المخاطب. وقد يحتاج هذا إلى التفنُّن في الجُمل، ما بين متوازنات طولاً وقصراً أحياناً، ـ وبين طويلة ومثل نصفها أو ثلثها أحياناً أخرى، وبين ترك التوازن ليذهب الكلام منساباً. وقد يحسن التكرير في بعض هذه العمليّات.
стр. 27
ولا ضابط لمَواطن الجمال فيها إِلاَّ الحسّ المرهف الذوّاق للجمال الأدبي.
(٣) وقد يَجْمُلُ بعض السجع غير المتكلَّف ولا المتصنَّع، بشرط عدم الالتزام به في كل الكلام.
(٤) المحسِّنات البديعية اللّفظية التي تأتي مناسبة محبّبة غير متكلّفة ولا متصنّعة.
(٥) فنون الشعر الذي له تأثير في أساليبه وموسيقاه على مشاعر كثير من النّاس.
ورجال الدّعوة إلى الله مطالبون بالعناية بهذه العناصر الجمالية الأدبيّة في دعوتهم، إذا خَطبوا، أو حاضروا، أو تحدّثوا، أو كتبوا، أو نظّموا شعراً، أو ألّفوا مؤلفات علميّة، أو توجيهيّة، أو أدبيّة. وأنْ يُسَخِّروا أدبهم في خدمة الدّعوة إلى الله.
ثانياً - ومن جهة الكثافة:
ينقسم الكلام إلى ثلاث مراتب، تُعرف عند علماء البلاغة بالإيجاز، والمساواة، والإِطناب، كما سيأتي بيانها إن شاء الله في علم المعاني.
ولكلّ من هذه المراتب درجات متفاوتات.
وأشرح الكثافة في بناء الكلام وأشرح مستوياتها في تحليل أدبي فكري، فأقول:
تخضع التعبيرات الكلاميّة عن المراد لنِسَب متفاوتة من الكثافة.
فمِنَ الكلام ما هو شديد الكثافة، وقد تشتدّ فيه حتّى يكون بمثابة قطعة من الصخر، لا تُعرف عناصرها حتى تُكسر وتُطحن، وتُفرَّق الأجزاء عن بعضها، وتحلّل بوسائط.
стр. 28
وبعض متون العلم المكثّفة المختصرة هي من هذا القبيل، وقلّما يسلم التكثيف الشديد في الكلام من الإِخلال في الدلالة على المراد.
وفهم المكثّف من الكلام يحتاج إلى ملكات ذهنيّة عالية، أو إلى تدريب ممارسة طويلة، وتعلّم على أيدي أهل العلم.
وتخفّ الكثافة ببسط الكلام وتمديده، ويتدرّج ذلك في سلَّم كثير الدرجات، ولكنْ ليس لدينا ميزان نزن به كثافة الكلام، شبيه بميزان الكثافة الذي توزن به السوائل، فالمرجع في تحديد الكثافة أذواق العلماء والأُدباء، وملاحظة سهولة استساغة الكلام من قبل العامّة أو عدم ذلك.
وباستطاعتنا أنْ نقسِّم مستويات الكثافة في الكلام إلى ثلاث مراتب، ولكلِّ من هذه المراتب الثلاث درجات متفاوتات.
المرتبة الأولى:
هي مرتبة الكلام الموجز المختصر. ولهذه المرتبة عدّة درجات ما بين شديد الكثافة، أي شديد الإِيجاز والاختصار حتى مستوى الرمزيّة، وما بين كثافة يتحمّل الإِنسان العادي فهمها ولكن بشيء من الممارسة والتدرّب والتأمّل.
وعنوان هذه المرتبة عند علماء البلاغة: (الإِيجاز) . وتستخدم هذه المرتبة لدى اختبارات الذكاء، ولدى مخاطبة الأذكياء وكبار القوم وأمرائهم، بشرط أنْ يكون المخاطب بها قادراً على فهم المراد ولو بتأمُّل يسير، وبالنسبة إلى أحوال هؤلاء تداول الأُدباء قديماً عبارة (البلاغة الإِيجاز) .
وتستخدم هذه المرتبة في الخلاصات العلمية التي يعدّها طلاّب العلم للحفظ، وتَذَكُّرِ المسائل العلمية بها.
المرتبة الثانية:
هي مرتبة الكلام الذي هو متوسط البسط، وضابطه فيما أرى أن يكون لكلّ
стр. 29
فكرة يراد الدلالة عليها لفظ يدل عليها، أو صيغة تدلُّ عليها، أو تركيب خاصٌّ يدل عليها، بشرط أن يكون المخاطب عارفاً بذلك ويفهمه دون كدٍّ ذهنيّ، ودون حاجة إلى تأمّل طويل.
وقد يبدو أنّ هذه المرتبة ليس فيها درجات متفاوتات، إلاَّ أنّني أرى خلاف ذلك، فلها فيما أرى درجات، وتختلف هذه الدرجات وتتفاوت، باختلاف أحوال المخاطبين وتفاوتهم في قدراتهم على الفهم، واستيعاب دلالات الكلام، وفي معرفة دلالات الصِّيَغ والتراكيب، وفي التمرّس بمتابعة فهم المعاني من الكلام.
فمتوسّط البسط من الكلام بالنسبة إلى المبتدىء ليس هو كذلك بالنسبة إلى الذي تقدّم أشواطاً في معرفة دلالات الكلام وفهمها. وكبار القرّاء لهم متوسط يناسبهم، والأذكياء لهم متوسط يناسبهم، والأطفال لهم متوسط يناسبهم.
فيدخل في تحديد نسبة التوسّط اعتبار حال المخاطب.
وعنوان هذه المرتبة عند علماء البلاغة (المساواة) ولكن ربّما كان تحديدي لها يختلف مع تحديد علماء البلاغة.
ويحسن استخدام هذه المرتبة في معظم الأحوال، ولا سيّما لدى كتابة صكوك العقود والمعاهدات، وكتابة المواد القانونيّة، وكتابة متون العلوم، والتعريف بالمبادىء في نصوص معدّة للحفظ والتداول بين النّاس، ومن ذلك كثير من أحاديث الرسول ﷺ ، مثل قوله:
"اجتنبوا السبع الموبقات".
قالوا: يا رسول الله وما هنّ؟.
قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النّفس التي حرّم الله إلاَّ بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولّي يوم الزحف، وقَذْف المُحْصنات المؤمنات الغافلات". رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة
المرتبة الثالثة:
стр. 30
هي مرتبة الكلام المبسوط، والكلام المبسوط هو ما لو حذف منه شىءٌ بالنسبة إلى حال المخاطب به لفهم المراد فهماً تامّاً، دون كدٍّ ذهني، ولا تأمّل طويل، ولَمَا حدث لديه أيّ ارتباك فكريّ أو غموض، ولَمَا نقص لديه من الفهم شىءٌ.
والكلام المبسوط له حدود دنيا، يمثّلها ما زاد على نسبة التوسّط ولو قليلاً، ثم تزداد درجات البسط كلّما زاد بسط الكلام، ولا حدّ لأكثرها، وباستطاعة الثّرثار أنْ يَمُدَّ كلاماً تكفي صفحة واحدة لفهم المراد منه فهماً كاملاً تامّاً، دون إِرباك ولا كدّ للذهن ولا تأمّل طويل، فيؤلّفَ كتاباً من مئات الصفحات ثم لا يخرج قارئها بأكثر ممّا فهمه قارىء الصفحة الواحدة، ونلاحظ أمثلة كثيرة لهذه الثرثرات في كُتب الشيوعيّين، وكُتب الَّذين نَسَجُوا على منوالهم، والغرض من الثرثرة تغطية عيوب المضامين الفكريّة، والإِيهام والتعمية على الغوغائيين من المراهقين والمراهقات في أعمارهم أو في أفكارهم، ولا سيّما إذا اقترنت هذه الثرثرات بعبارات غامضات ومصطلحات تُوهِمُ أنّ وراءها فلسفة وعلماً عظيماً.
وعنوان هذه المرتبة عند علماء البلاغة: (الإِطناب) . إذا كانت الزيادة في الألفاظ ذات فائدة، وإلاّ كانت الزيادة من قبيل الإسهاب والتطويل.
وقد يحسن استخدام ما يدخل في هذه المرتبة من الكلام في دروس التعليم، وفي مجالس الوعظ العامّة، وفي الخطب التي تُلقى على جماهير، وفي بعض مجالس المؤانسة والمحادثة، وفي إلقاء القصص أو كتابتها، ولكنْ يشترط في ذلك أنْ لا يصل المتكلّم بالمخاطبين أو بالقرّاء إلى مستوى السأم والْمَلَل، فبعد السأم والملل يكون الضجر، ثم النفور، وعندئذٍ يثمر الكلام عكس المقصود منه، ويشترط أيضاً أن ْ يكون بسط الكلام عن طريق الاستطرادات الخارجة عن أصل موضوع الكلام، ومعلوم أنْ الاستطرادات تجرّها أدنى مناسبة.
стр. 31
ثالثاً: ومن جهة تواصل الجُمل بأدوات الربط وتفاصلها:
فقد حرّر علماء ضوابط ذلك في مبحث "الفصل والوصل" كما سيأتي بيانه في علم المعاني إن شاء الله تحريراً كاملاً فيما أرى الآن، إلاَّ أنّ ضوابطهم تحتاج إلى تطبيقات واسعات على الأمثلة، لتدريب المهتمّين بفنون الأدب وصناعة الكلام.
فعلى رجال الدّعوة إلى الله أنْ يكونوا على بصيرة بمحاسن الفصل والوصل بيْن الجمل في الكلام، حتّى يكون كلامهم أرفع أدباً، وأعظم تأثيراً.
وأعظم معلِّم لمحاسن الفصل والوصل بيْن الجمل كِتاب الله ثم أقوال الرسول ﷺ .
***
* وأمّا المعنى فالنظر إليه يكون من جهات ثلاث:
الجهة الأولى: جهة كوْن المعنى له لفظ لغوي موضوع أو مستعمل في عُرْف النّاس أو في مصطلحاتهم للدّلالة عليه، أو ليس له لفظ يدلّ عليه.
الجهة الثانية: جهة الدّلالة على المعنى عن طريق الأسلوب الكلامي المباشر، أو عن طريق الأسلوب الكلام غير المباشر.
الجهة الثالثة: جهة المعاني أنفسها وقيمها الفكريّة والجماليّة.
والبحث العلمي الشامل المتّزن يأخذ بأيدينا إلى النّظر الثاقب في المعاني من هذه الجهات الثلاث.
***
وبنظرة عَجْلى وبحث أوّليّ متواضع أعقد لكل جهة من هذه الجهات الثلاث مقولة خاصّة بها.
стр. 32
اوّلاً - مقولة الجهة الأولى حول المعنى:
وهي كون المعنى له لفظ يدلّ عليه أو ليس له لفظ يدلّ عليه.
إنّ المعاني التي يمكن أنْ يحيط بها علم الإِنسان، أو يصل إليها إدراكُه الذهني، أو تخيُّلاته، تنقسم إلى قسيمن:
القسم الأول: هي المعاني التي لها ألفاظ لغويّة تدلّ عليها.
القسم الثاني: هي المعاني التي ليس لها ألفاظ لغويّة تدلّ عليها.
* مثل بعض الوجدانيّات والمشاعر النفسيّة التي لا يجد الشاعر بها ألفاظاً تدلّ عليها.
* ومثل بعض المركبات التخيّلية التي ليس لها أمثلة في الواقع.
* ومثل الغيبيّات التي لم يصل إلى حسّ النّاس أيّة صفة من صفاتها، ولكنْ أدركوا بعض آثارها، كالجاذبيّة قبل أنْ يتنبّه العلماء إليها ويضعوا لها اسماً.
* ومثل كثير من عناصر الأرض ونباتاتها وحشراتها وأجزاء الأجسام المركّبة التي لم يحدّد النّاس بَعْدُ أسماءً لها.
* ومثل كثير من الطعوم والروائح التي لا تُحْصَر فروعها، وإنْ عرفت أصولها، وكذلك الأصوات وما بينها من فروق وما لأصول أنغامها من فروع.
* ومثل كثير من الأعمال ذات الحركات المركّبة المتداخلة التي صار النّاس يشاهدونها بعد اختراع الآلات واكتشاف الطاقات.
وكلّنا نلاحظ أنّه كلّما وضح في أذهان النّاس معنى من هذه المعاني، وصاروا بحاجة إلى تداوله والتعبير عنه بدأوا يضعون لفظاً منقولاً أو مرتجلاً يدلّ عليه، ومع تداول هذا اللّفظ مشيراً إلى المعنى الذي وُضِع له يغدو رمزاً معروفاً،
стр. 33
فكُلما ذُكِرَ اللّفظ ربط به الذّهن معناه، مستخرجاً له من خزائن المعاني عنده، ووضعه في ساحة التصوّر الحاضر.
وتعجُّ كتب العلوم بالألفاظ المستحدثَة التي هي من هذا القبيل، وتُعْرَف بالمصطلحات العلميّة.
وتتزايد في تداول النّاس ضمن لغاتهم الدَّارِجات ألفاظ تدلُّ على معانٍ لم يكنْ لها من قبل ألفاظ تدلُّ عليها، لأنَّ هذه المعاني لم تكن موضوعة من قبل موضع التداول العام، إذْ لم تكنْ الحاجة ماسّة إلى تداولها بين النّاس.
وفي المقابل تموت ألفاظ دالّة على معانٍ لأنّ هذه المعاني لم تعد الحاجة ماسّة إلى تداولها، كأسماء بعض الأدوات التي أهمل النّاس استعمالها.
ومِنَ المُلاحظ أنَّ اللّغات يسرق بعضها من بعض مَعَانِيَ وألفاظاً فتغدو متداولة في غير مواطنها الأصليّة بعدَ أنْ لم تكنْ كذلك.
وكثيراً ما يحتال الإِنسان ليدلّ الآخرين على معنى لا يجد له في اللّغة لفظاً يدلّ عليه دلالة واضحة، إذْ يَلْحَظُ شبهاً قويّاً أو ضعيفاً بينه وبين شيء ممّا له في اللّغة لفظ يدلُّ عليه، فيستخدم اللّفظ الدالَّ على هذا الشبيه فيضرب مثلاً منه، وإذا كان هذا المعنى الشبيه قابلاً للتعميم، ثم التجريد من الحدود الحسّية إذا كان من الحسّيّات، فإنَّ الإِنسان يلجأ عادة إلى التعميم بملكة التعبير اللَّغويّة الموجودة في فطرته المكتسبة من مجتمعه، وعندئذٍ ينقل اللّفظ الموضوع أساساً في عرف النّاس للمعنى الحسِّي، ويعمِّمه ثمّ يجرِّده من الحدود الحسِّيّة.
لقد كان الباب لفظاً دالاًّ في الحسِّيَّات على المدخل المخصّص وسط حاجز أو سُور، والذي يمكن فتحه وإغلاقه عند الحاجة، فيدخل منه الإِنسان هو وأشياؤه إلى دار أو بستان أو مدينة أو مغارة أو نحو ذلك، أو يخرج منه ...
ثمّ لاحظ النّاس أنّ هذا المعنى إذا عُمِّم وجُرِّد من الحدود التي عرفوها عند
стр. 34
الإطلاق الأوّل كان لفظ الباب قابلاً لأنْ يدلَّ على المنفذ الذي يدخل منه الطائر إلى عشِّه ويخرج منه، والّذي يدخل منه الحيوان إلى جُحْرِه ويخرج منه، وعلى الثَّقْب الذي تدخل منه النحلة إلى خليَّتها وتخرج منه.
ثم اتّسع التعميم فصار قابلاً لأنّ يدلَّ على حَواجِزَ في السحاب تحجز الأمطار عن الهطول، وربّما تكون هذه الحواجز طاقات ذاتَ أنظمة خاصّة، فإذا حُرِّكت هذه الحواجز تحريكاً يسمح بهطول الأمطار هطلت الأمطار. ومنه التعبير القرآني في سورة (القمر٥٤) :
﴿فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ السمآء بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ﴾ [الأية: ١١] .
ثم انتقل الذهن من التعميم إلى التجريد، فصار للرزق أبواب وهي أبواب معنويّة، وصار للعلم أبواب وهي أبواب معنويّة، ومن ذلك التعبير القرآني في سورة (الأنعام: ٦) :
﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حتى إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أوتوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ﴾ [الآية: ٤٤] .
مُبْلِسون: أيْ يائِسون مبهوتون متحيّرون ساكتون قد انقطعت حجّتهم وهيمن عليهم الخِزْي والندم.
ونظير الباب المفتاح والمفاتيح، ومن التعميم والتجريد مفاتيح الرزق، ومفاتيح العلم، ومقاليد السماوات والأرض، قال الله تعالى في سورة (الشورى/ ٤٢ مصحف/٦٢ نزول) :
﴿لَهُ مَقَالِيدُ السماوات والأرض يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الآية: ١٢] .
أيْ له مفاتيح السماوات والأرض.
стр. 35
ومِنْ احتيال الإنسان للدّلالة على مشاهر شوقه العنيف إلى محبوبة تشبيهه هذه المشاعر بالنّار التي تلذع بحرارتها وتؤلم، وتجفّف رطوبة الجوانح، وتَدَاوَلَ العشّاق والشعراء هذا التعبير حتّى قال الشاعر:
بِنْتُمْ وبِنّا فَمَا ابْتَلَّتْ جَوَانِحُهَا ... شَوْقًا إِلَيْكُمْ وَلاَ جَفَّتْ مَآقِينَا
ثانياً - مقولة الجهة الثانية حول المعنى:
وهي جهة الدلالة على المعنى بالأسلوب المباشر أو غير المباشر.
المعنى:
(أ) إمّا أنْ ندلّ عليه في الكلام بالأسلوب المباشر السافر.
(ب) وإمّا أن ندلّ عليه في الكلام بالأسلوب الملامس بساتر.
(ج) وإمّا أنْ ندلْ عليه في الكلام بالأسلوب غير المباشر.
فالأسلوب المباشر السافر:
هو الأسلوب الذي تكون الدلالة فيه على المعنى المراد:
* باللّفظ الموضوع له لغة، وهو ما يسمّى (حقيقة لغويّة) .
* أو باللّفظ الدّال عليه في الاستعمال العامّ الدارج وهو ما يسمّى (حقيقة في العرف العام) .
* أو باللّفظ الدّال عليه عند أهل علم من العلوم، أو فنّ من الفنون، أو في الاصطلاح الشرعي، وهو ما يسمّى (حقيقة في الاصطلاح الخاص) .
والأسلوب المباشر السافر في الكلام قد يكون في كثير من الأحوال هو الأسلوب الأوقع والأكثر تأثيراً، أو الأنفع والأجدى، أو الأكثر ضبطاً.
والأصل في الكلام هو الأسلوب المباشر السافر، وله النّسبة الأكبر من كلّ الكلام.
стр. 36
ومن الأحوال التي يكون فيها الأسلوب المباشر السافر أوقع وأكثر تأثيراً، أو أنفع وأجدى، أو أكثر ضبطاً، الأحوال التالية:
(١) خطاب الذين يصعب عليهم الفهم بأسلوب غيره، كالصغار وضعفاء التكفير.
(٢) حينما يكون المخاطب في حالة انفعالية أفقدته الهدوء والصّفاء الفكري، فالإِنسان في مثل هذه الحالة لا يروق له إلاَّ الكلام الذي يدلّ على المقصود بطريقة مباشرة.
(٣) لدى بيان الحقائق الكبرى العقديّة، كالكلام الذي يحدّد قضايا الإِيمان، فهذه يجب فيها التصريح المباشر السافر، مثل: لا إله إلاَّ الله محمد رسول الله. آمنت بالله وملائكتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِه واليوم الآخر.
(٤) لدى بيان المبادىء التي تعلنها الشعارات، فهذه ينبغي فيها التصريح الذي يدلّ على المعاني دلالة مباشرة سافرة.
(٥) لدى كتابة نصوص التشريع أو التقنين، فالأدب الرفيع فيها هو التعبير بالأسلوب المباشر السافر، لئلاَّ يكون في الأفكار احتمالات تسمح بصرف الكلام عن دلالاته المقصودة.
(٦) لدى التعبير عن الأحكام القضائيّة، فالنّصوص ذات الدلالة المباشرة السافرة فيها هي أكمل الأدب وأحكمه، عملاً بما توجبه مقتضيات هذه الأحكام.
(٧) في معظم مواقف الدعاء لله تعالى، فالتعبير المباشر السافر الموجز فيها كثيراً ما يكون هو الأدب الأرفع، مثل: ربّ اغفر لي، وارحمني، واهدني، وسدِّدني، وعافني، وارزقني حلالاً طيِّباً مباركاً فيه.
(٨) في كثير من صور التعليم المنهجي.
стр. 37
(٩) في ذروات التعبيرات العاطفية، فالتعبير المباشر السافر فيها عند التصافي وانعدام الرقباء هو من أرقى الأدب وأرفعه. إنّه قد يكون أوقع عند وصول الحبيبين إلى التكاشف الصريح أنْ يقول كلُّ منهما لحبيبه: أنِّي أحبُّك، أو يا حبيبي.
والأسلوب الملامس بساتر:
هو الأسلوب الذي يُستخدم فيه للدلالة على المعنى المراد طريق التشبيه والتمثيل، أو الاستعارة، أو المجاز المرسل، أو المجاز العقلي إذا قلنا به.
فحين نقول: "وجهه كالقمر" فإنّ السامع أو القارىء يلمس أنّ المراد وصفه بأنّه جميل، ولكنّ حِسَّ اللّمس يقع على ساتر التشبيه بالقمر، ولا يباشر الملموس المراد، وإنّما يباشر الساتر، فبين اللاّمس والملموس فاصل الساتر، وهو هنا التشبيه.
ويتكاثف الساتر في التشبيه البليغ.
ويزداد الساتر كثافة في الاستعارة التصريحية.
ويزداد الساتر كثافة أخرى في الاستعارة المكنية.
مثلاً: حين نقول للولد: كنْ مع والديك كفرخ الطّير الذي يخفض جناحيه تذلُّلاً تحت صدر أمّه أو جناحها. فإنَّ الولد يلمس أنّ المراد مطالبته بأنّ يتواضع لوالديه كتواضع الذليل ذي الحاجة إلى الأمن والدفء والرزق، ولكن يلمس هذه المعاني فاصل ساتر التشبيه.
فإذا حذفْنا أداة التشبيه، وجعلناه تشبيهاً بليغاً، لَمَس المراد نفسه، إلاَّ أنّه شعر قليلاً بزيادة كثافة الفاصل.
ثمّ إذا قُلنا له كما جاء في القرآن في سورة (الإسراء/١٧ مصحف/٥٠ نزول) :
стр. 38
﴿واخفض لَهُمَا جَنَاحَ الذل مِنَ الرحمة﴾ [الآية: ٢٤] على طريقة الاستعارة المكنيّة، فإنّه يلمس المراد نفسه أيضاً، كلنّه يشعر بأنّ كثافة الفاصل قد زادت من جهة، وازدانت بحلاوة ملامس خاصّة بها، مع جسّ المراد من ورائها.
ونلاحظ نظير ذلك في المجاز المرسل، وفي المجاز العقليّ إذا قلنا به.
فقول الله تعالى في سورة (البقرة/٢ مصحف/٨٧ نزول) :
﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِم مِّنَ الصواعق حَذَرَ الموت ... ﴾ [الآية: ١٩] .
هو من المجاز المُرسل بإطلاق الكلّ وإرادة البعض، ونحن حين نسمع هذا القول، ويسرع إلى تصوّرنا أنّ الإِصبع كلّها لا تدخل عادة في الأُذن، إنّما الذي يدخل منها رأس الأنملة فقط، نعلم أنَّ المراد أنَّهم يجعلون رؤوس أناملهم في آذانهم، ولكنْ لَمَسْنا ذلك من وراء فاصل، وهو هنا ساتر المجاز المرسل.
ومع لمسِ المراد من وراء الساتر أحسسْنا بزينة خاصّة في هذا الساتر نفسه، وبفكرة مضافة، وهي أنّهم يبالغون بضغط أصابعهم على آذانهم، فلو كان الواقع يسمح بدخولها كلّها في آذانهم لفعلوا من شدّة ذعرهم وحذرهم، وهذا معنى بديع يضفي على الكلام زينة حلوة.
وقول الله تعالى في سورة (الرعد/١٣ مصحف/٩٦ نزول) :
﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ... ﴾ [الآية: ١٧] .
أسند فيه السيلان إلى الأودية، مع أنَّ السيلان للماء فيها، ولكنَّنا حين نقرأ أو نسمع هذا الكلام نلمَس المقصود به من وراء فاصل وهو ساتر المجاز، إِذْ أُسنِد السيلان للمحلّ، وهو هنا الأودية، ومع لمْس المراد من رواء الساتر نحسّ بزينة خاصّة في هذا الساتر، وبفكرة مضافة، وهي أنّ النّاظر إلى تدفّق الماء في الأودية، وتدافع أمواجه، يتوهّم في لحظات الانبهار أنّ الأودية تجري أيضاً مع
стр. 39
الماء، وهذا معنى بديع يضفي على الكلام زينة حلوة، ويصوّر حالة التخيّل التي تعتري الناظرين المندهشين.
إنّ هذا الأسلوب الذي هو وسط بين الأسلوب المباشر السافر، والأسلوب غير المباشر، أسلوب يتّسع لإضافة زينات أدبيّة كثيرة، تضفي على الكلام جمالاً، ورَوْنقاً وبهاءً، مع ما في هذه الزينات من أفكار ودلالات يمكن إضافتها، ومن تصوير فنّيّ بديع يمكن أنْ يقدّمه الأديب البارع عن طريقها.
الأسلوب غير المباشر:
والأسلوب غير المباشر يكون بالتعبير عن فكرة لتفهم معها فكرة أخرى، عن طريق اللّوازم العقلية القريبة، أو متوسّطة القرب، أو البعيدة، أو شديدة البعد.
وهذه الفكرة الأخرى إنّما يريد المتكلّم الإِشارة إليها من طرف خفي، ولا يريد التعبير عنها بأسلوب مباشر، لغرض بياني أو غرض تربوي، أو أي غرض آخر يقصده البلغاء.
فمع ما في هذا الأسلوب من دلالة على ذكاء من يستعمله، ومع ما فيه من مجال واسع لتفنّن أدبي لا حصر له من قِبَل نوابغ الأدباء، وعباقرة البلغاء والشعراء، فهو مجال لتحقيق أغراض كثيرة، منها الأغراض التالية:
(١) عدم مواجهة المخاطبين بما يراد إعلامهم به لدواع تربوية، أو لدواع نفسية، كعدم المواجهة بالتكليف، وعدم المواجهة بالنّقْد، وعدم المواجهة بالعتاب، وعدم المواجهة بالتلويم، وغير ذلك.
(٢) إرضاء نفس من يخاطب به، إذ يشعر بأنّه محترم مقدّر مِنْ قِبَل من يخاطبه، فهو في نظره من مستوى الأذكياء وكبراء القوم الذي يخاطبون بإشارات الكلام وكناياته، ولا يحتاجون إلى صريح القول.
(٣) إخفاء المراد على جمهور المستمعين، وإشعار المخاطب وحده بالرمز، لأغراض سياسيّة، أو عسكريّة أو تربويّة، أو نحوها.
стр. 40
كما وقع في غزوة الخندق، إذ بلغ الرسول ﷺ أنّ بني قريظة نقضوا عهدهم، فأرسل وفداً من الأنصار فيه سيِّدا الأوس والخزرج إلى كعب بن أسد القرظي سيِّد يهود بني قريضة ليستطلعوا الخبر، وقال لهم: انطلقوا حتّى تنظروا، أحقٌّ ما بلغنا عن هؤلاء القوم أمْ لا؟ فإنْ كان حقاً فالْحَنُوا لي لَحْناً أعرفه، ولا تفتُّوا في أعضاد القوم (أي: تكلّموا بالرمز ولا تتكلّموا بصريح القول) .
وكذلك فعلوا لمّا علموا أنَّ بني قريظة قد نقضوا عهدهم حقاً. إنَّهم لمّا عادوا إلى رسول الله ﷺ ، سلَّموا عليه، ثمّ قالوا له: عَضَلٌ والْقَارَة. ففَهِم الرسول المراد، وعلم أنّ القوم قد غدروا كما غدرت عَضَلٌ والْقَارة بأصحاب الرجيع.
(٤) التوصّل عن طريق اللّوازم العقلية إلى معان قد لايكن لها ألفاظ تدلّ عليها دلالة مباشرة
(٥) تزيين الكلام ليكن أكثر تأثيراً في نفوس المخاطبين.
(٦) وقد يكون الأسلوب غير المباشر مقرِّباً للفكرة الغامضة، أو مقدِّماً لها مقترنة بحُجَّتِها المُقْنعة بها.
(٧) إمكان التهرّب من إرادة المعنى عند الإِحراج، وذلك إذا كانت إرادته تسوء المخاطب به، أو تسوء غيره من أنداده أو حسّاده أو غيرهم.
ومِنْ أمثلة ذلك مَنْ يُشير بطَرْف خفيّ إلى حبِّه، أو يلمِّح إلماحاً خفيِّاً، لأنَّ أمامه رُقباء من الأنداد أو الحُسّاد، أو مَنْ لا يَرْضَى بهذه العلاقة غَيْرةً أو نَخْوة أو مخافة العار، والمتكلِّم لا يريد إثارة هؤلاء نحوه لئلاّ يَكِيدُوه.
وفي كثير من الأحوال يكون خطاب النّاس بالأساليب غير المباشرة هو الأجدى، لأنَّه أوقع في نفوسهم، وأكثر إرضاءً لغرورهم، أو أوفق لظروف أحْوالهم.
следующие страницы →